← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38086

من روائع القرآن

محمد سعيد البوطي

Полный текст (281 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الحاكم، والعدالة الاجتماعية وميزانها. وليس في فرع من فروعها أو أيّ جانب من جوانبها انعكاس ما لنظرة إقليمية أو عرقية أو امتيازات طائفية، بحيث تضيق من النظرة الإنسانية الشاملة التي كانت المنطلق والأساس. ولنجسد هذه الحقيقة بمثال للميزان القرآني الذي وضع لمعنى العدالة، أساسا للتشريع: رجل من أهل المدينة اسمه: طعمة بن أبيرق، سرق درعا من جار له، يقال له قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في كيس فيه دقيق فحبأها عند رجل من اليهود يقال له زيد بن السمين، وكان الدقيق ينتثر من الجراب في الطريق فاتهم قتادة طعمة بالسرقة، والتمس الدرع عنده فلم توجد، وحلف لهم: والله ما أخذها وما له بها من علم. ثم اتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى اليهودي فأخذوه فقال لهم: لقد دفعها إليّ طعمة بن أبيرق، فلم يصدقه أحد. وجاء بنو ظفر- وهم قوم طعمة- إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يدافع عن صاحبهم تجاه اتهام اليهودي له بالسرقة واتهامه بأنه هو الذي أعطاه الدرع. وكان قوم طعمة قد تواطئوا مع صاحبهم أن يستميلوا النبي ﷺ إليهم، كي لا يجد اليهودي أذنا صاغية له. واقتنع رسول الله ﷺ معهم بذلك وهمّ بأن يدافع عنه ويحكم على اليهودي بالسرقة. فنزلت هذه الآيات المتتالية من سورة النساء، توضح للنبي الحقيقة وتفضح ما بيّته المنافقون فيما بينهم، وتكشف للنبي ﷺ سبيل الحكم العادل المتجرد. إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ، وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً، وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ، إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ، وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً. ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا. وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً. وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً

стр. 212

مُبِيناً. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١). فقد ذاب في ميزان العدالة في التشريع الإسلامي، العرق والقرابة والطائفية والتبعية، ولم يبق فيه إلا اعتبار واحد: هو الحقيقة الإنسانية المطلقة. ج- الأخلاق والمبادئ: ليس الخلق النبيل في القرآن، عبارة عن السلوك الذي ينسجم مع ما تواضعت عليه البيئة أو الجماعة المعينة من المعايير السلوكية والخليقة المستحسنة، كما هي النظرة لدى عامة الذين بحثوا من عند أنفسهم في مقوّمات الفضيلة والأخلاق. وإنما الأخلاق والفضيلة في القرآن، مجموعة الاعتبارات والمناهج السلوكية التي تتلاءم مع الفطرة الإنسانية الصافية من جانب وتساعد في إرساء قواعد السعادة الإنسانية للفرد والجماعة من جانب آخر. ومن ثم فأنت لا تجد في هذه المناهج السلوكية قابلية للاختلاف والتغيّر ما بين بيئة وأخرى، لأنها لم تنشأ من أعراف بيئة، ولكنها انبثقت عن الفطرة الإنسانية الشاملة. فمن المبادئ الخلقية في القرآن، اعتبار الناس كلهم، مهما اختلفت أعراقهم وأنسابهم وبيئاتهم، في مستوى واحد من الكرامة والحرية الإنسانية، ولا يتفاضلون بعد ذلك إلا بما يحرزه كلّ منهم من السبق بسعيه الخاص في ميدان الجهد الإنساني المفيد المشرف. يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (٢). ومن المبادئ الخلقية في القرآن، إلزام الأبناء بحسن معاملة الآباء وخفض جناح اللطف والرحمة لهم، مهما كان بين الطرفين من تباعد في الرأي أو اختلاف في المذهب. وهو مبدأ إنساني غير ناظر إلى طبيعة خاصة أو عرف معين، يقتضيه ضمان سلامة الأسرة الإنسانية التي تتدرج صعدا من الخلية

стр. 213

الأولى في المجتمع وهي الأسرة. يقول الله : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما، وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١). ومن المبادئ القرآنية العامة ما أثبته القرآن من أن الإنسان لا يلاحق أو يؤاخذ إلا بما اجترحه بنفسه، وأنه لا يؤخذ بعمل غيره أو بشيء من مظاهر الطبيعة وأحداثها فيقول: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (٢) ويقول: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (٣). وتأمل في كل ما وصّى به القرآن من المبادئ الأخلاقية، تجد المعنى الإنساني وحده هو المتمثل فيها وهو الأساس في الدعوة إليها والأمر بها. ثانيا- النزعة الإنسانية في القرآن من حيث الأسلوب: يركّز الأسلوب القرآني، فيما يعبّر عنه من الموضوعات والمعاني، على السمة الإنسانية الشاملة؛ ويحاذر أن يأتي في خطابه للناس أو في شيء من تعليقاته على الأحداث، بما ينبّه فكر القارئ إلى خصوص بيئة أو عرق أو إقليم أو جماعة معينة من الناس. فأنت ترى الخطاب القرآني يتجه إلى المخاطبين، مستعملا كلمة: الناس، أو بني آدم أو المؤمنين. ولم ترد ولو مرة كلمة العرب أو قريش. أو أهل كذا، أو ما يشابه ذلك من صيغ الخطاب الخاصة بفئة معينة من الناس. وإليك نموذجا من النداءات القرآنية: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (٤).

стр. 214

يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ (١). أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢). قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (٣). ثم إن القرآن، رغم نزوله كما علمت، متدرجا، ومع مناسبات الوقائع وجوابا على الأسئلة والمشكلات، فإنه لم يربط أحكامه وبياناته بشيء من تلك الوقائع والمشكلات، ولم يسجل أيّ اسم من أسماء أولئك الذين نزلت في حقهم آيات وأحكام، وإنما نزلت الآيات موضوعية عامة، دون أن تذكر اسم شخص أو تنزل إلى مستوى مشكلة بخصوصها. وذلك كي يبقى القرآن في كلّ من أسلوبه وموضوعه كتابا إنسانيا يضع المبادئ والمناهج للبشر كلهم، ويشرّع الأحكام والأنظمة للإنسانية جمعاء. ولقد مرّت بك في أسباب النزول نماذج كثيرة من الآيات التي نزلت بمناسبات معينة ذمّا أو مدحا لأشخاص بأعيانهم؛ ولكنها جاءت بصيغ العموم وبأسلوب موضوعي دون ذكر اسم لأحد. ومن أجل هذا كان من القواعد الفقهية المتفق عليها قولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أي إن خصوصية السبب لا تؤثر على عموم الصيغة ولا تضيق شيئا من عمومها لأن منهج القرآن أنه يبني على الوقائع الخاصة أحكاما ومبادئ عامة. ...

стр. 215

فلسفة القرآن عن الكون والإنسان والحياة في الوقت الذي يعتبر فيه القرآن معجزة اللغة العربية وبيانها، وكتابا في التشريع والقانون، ومعلّما للفضيلة والأخلاق- فإنه يحمل إلى الناس أسس حضارة إنسانية شاملة، وذلك عن طريق المفهوم الذي يقدمه عن كلّ من الكون والإنسان والحياة ووجه التفاعل والتناسق بينها. ولن يتسع المجال في هذا المقام لشرح التقرير الذي يضعه القرآن عن كلّ من هذه العناصر الثلاثة للحضارة في كل زمان ومكان، فإن من شأن ذلك أن يبعدنا عن الغرض الذي نحن بصدده؛ ولكنا نتناول من هذا البحث القدر الذي يفي بحاجتنا للتعرّف على هذا الكتاب العظيم، ويكشف لنا أهم خصائصه ومحتوياته. نظرة القرآن إلى الكون: القرآن يبصّر الإنسان بالكون الذي حوله على أنه جملة من المظاهر المخلوقة أبدعها الله في انتظام وتناسق لغرضين اثنين: الأول: أن يتأمل الإنسان فيه ويتنبه إلى مدى دقته وتناسق نواحيه وأجزائه، ليتوصل من ذلك إلى الإيمان بالخالق ﷻ ، ثم إلى إدراك ألوهيته وربوبيته المطلقة، ثم إلى إدراك أنه عبد لهذا الإله العظيم. وهو يقول في بيان هذا الأمر الأول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ، وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ

стр. 216

وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١). ويقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢). الثاني: أن تكون هذه المظاهر الكونية كلها مسخرة لخدمة الإنسان ومصلحته وحاجاته فوق هذه الأرض، وأن يجد فيها- بمقدار ما يتسع له إدراكه وعلمه- دواء لمصائبه وحلّا لمشكلاته وفائدة لحياته. ومن ثم فإن على الإنسان أن يقبل على الكون تفهما له واستفادة منه. وفي ذلك يقول الله في عبارة عامة شاملة: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (٣). ثم يقول في بيان مفصّل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٤). وقال: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٥). ومن ثم فإن القرآن يحذّر الإنسان من أن ينظر إلى شيء من مظاهر الكون وفوائده المختلفة على أنه مما يجب الصدود عنه وعدم اشغال الذهن أو الحياة به، رهبة أو تزهدا أو تعبدا، ويقول: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ (٦). وإذا، فجملة ما يقرره القرآن عن الكون أنه خادم أمين مسخّر للإنسان، يستفيد منه الإنسان بمقدار ما يتأمل فيه ويستبطن ظواهره. وكلمة «التسخير»

стр. 217

من أقوى التعابير في الدلالة على الخدمة المستقرة الدائبة؛ وعلى أن للإنسان أن يستفيد منه ويستخدمه لصالحه في المعاش الدنيوي والمعاد الأخروي. نظرة القرآن إلى الإنسان: الإنسان في القرآن مخلوق يحمل أخطر مميزات وصفات يحملها مخلوق على الإطلاق. هذه المميزات هي: جملة الصفات الإنسانية المركبة فيه، من العقل وما يتفرع عنه من العلم والإدراك والقدرة على تحليل الأشياء وسير أغوارها، والأنانية وما يتفرع عنها من النزوع إلى الأثرة والمنافسة والتملّك، والقوة وما يتفرع عنها من حبّ العظمة والنزوع إلى السيطرة والكبرياء. ونظرا لما لهذه الصفات من الخطورة والأهمية ونظرا لكونها أسلحة ذات حدّين: إن استعمل أحدهما جاء بالتنظيم العظيم للكون والخير الوفير للإنسان، وإن استعمل الآخر أو استعملا معا جاء بالشر الوبيل والفوضى الهائلة للحياة- نظرا لذلك أطلق القرآن على هذه الصفات اسم الأمانة فقال: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (١). والذي اقتضاه حمل هذه الصفات كلها، أو حمل هذه الأمانة، أنه لم يكن يستطيع بغيرها تسخير شيء من مظاهر الكون. والإنسان في القرآن، خليفة الله في الأرض، أي إنه جلّت قدرته شاء أن يكون الإنسان مظهرا لعدالته، وأن يكون هو لسان الكون الناطق بحمده وتسبيحه والإيمان به، وذلك عن طريق تنفيذ أوامره وتطبيق شرعه والاهتداء إلى ألوهيته ووحدانيته. وفي بيان هذا يقول الله وهو يقصّ علينا بدء خلق الإنسان: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (٢). ويقول مخاطبا الإنسان:

стр. 218

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ (١). وهذه الآية الثانية وإن كانت تحتمل معنى آخر هو جعلناكم تتوارثون عمارة الأرض وسكناها، إلا أن كلا المعنيين صحيح ومراد كما قال المفسرون. والإنسان في القرآن، بعد هذا موصوف بصفتين: واحدة منهما لبيان أصله وحقيقته، كي لا يطغيه شيء من صفاته التي تحدّثنا عنها، ولا يتجاوز بها حدود عبوديته لله ، والثانية لبيان مركزه من هذا الكون كله ومستواه بين الخليفة أجمع. ففي صدد بيان الصفة الأولى، يقول الله : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٢) ويقول: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٣) ويقول: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤). وفي صدد بيان الصفة الثانية يقول: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٥). والإنسان في القرآن، أخيرا، عبد الله، خلق ليكون مظهرا لإلهية الله . وما صفة الخلافة فيه وتكريمه على سائر المخلوقات وتسخير الكون له إلا وسيلة لأن يحقق عبوديته لله تعالى بالكسب والممارسة والاختيار كما خلقه عبدا له بالجبر والاضطرار. وفي بيان ذلك يقول: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٦).

стр. 219

نظرة القرآن إلى الحياة: القرآن يتحدث عن الحياة الدنيا من جانبين: الجانب الأول من حيث قيمتها الحقيقة، وعلاقتها بما وراءها، ومركزها من قصة الوجود بأسره والحياة كلها. الجانب الثاني من حيث ما يجب أن تكون عليه حالة الإنسان تجاهها، ومدى ما ينبغي أن يستفيده منها. فالحياة الدنيا- من حيث قيمتها الحقيقة- حياة فانية، وظلّ زائل ومعبر إلى الحياة الباقية الأخرى. والقرآن يظل يلحّ على بيان هذه الحقيقة وتجسيدها وتنبيه الناس إليها. فيقول مثلا: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً (١) ويقول: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (٢). أما الحياة الدنيا- من حيث ما ينبغي أن تكون عليه علاقة الإنسان بها- فهي وسيلة إلى تقويم معاشه ومعاده، وسبب لا بدّ من مباشرته لإصلاح أمره وإسعاد نفسه وبني جنسه. ولذلك فالقرآن يأمر الإنسان بالاستفادة من الحياة، على أن لا تكون همّه الأول، وعلى أن يتخذ منها وسيلة للغاية الكبرى التي خلق من أجلها، وسببا يضمن لنفسه به السعادة الآخرة. فهو يقول في هذا الصدد: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا (٣) ويقول محذرا من معارضة الفطرة الإنسانية بالانقطاع عن متعة الحياة الدنيا وطيباتها:

стр. 220

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١) ويقول: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ (٢). وهكذا، يأمر القرآن الإنسان بالإقبال على الحياة الدنيا للتمتع بطيباتها والاستفادة من نعيمها، على أن يقف قبل ذلك على حقيقة هويتها، ويصحو من الاغترار بمظهرها؛ وذلك كي يكون هو المسيطر عليها والمسيّر لها إلى ما تقتضيه مصالحه وسعادته، ولكي لا تكون هي المسيطرة عليه أو المسكرة له فيغرق في نعيمها وينسى أيّ معنى للوجود من ورائها. فإذا تأملت في هذا التقويم القرآني، لكلّ من الكون والإنسان والحياة، أدركت أن محور المخلوقات كلها في الرتبة والأهمية إنما هو الإنسان، وأن الغاية التي خلق من أجلها أن يكون مظهرا لحكمة الله تعالى وعظمته وعدالته في الأرض بما يلتزمه من منهج العبودية له تعالى، وأن محور الوجود كله إنما هو الدار الآخرة فالدنيا بكل ما فيها والحياة بكل صورها وأشكالها مقدّمة بين يدي تلك الحياة الأبدية الأخرى، تلك الحياة التي لا تكاد تجد صحيفة من القرآن خالية عن التذكير بها والتحذير من جحودها. فتلك هي أسس الحضارة الإنسانية التي جاء بها القرآن، والتي أرادها للإنسانية دستورا ومنهجا في هذه الحياة (٣).

стр. 221

هل من الممكن ترجمة القرآن ؟ تحدّث العلماء عن ترجمة القرآن من النواحي التالية: أولا: هل في المستطاع ترجمة القرآن إلى لغة أخرى؟ ثانيا: إذا كان ذلك مستطاعا فهل يجوز الإقدام على ترجمته شرعا؟ ثالثا: وإذا جازت شرعا فهل تقوم الترجمة مقام القرآن الأصلي، في التعبّد بتلاوتها وفي صحة الصلاة بها؟ فأما الحديث عنها من الناحيتين؛ الثانية والثالثة، فهو ما يهمّ الباحث في الشريعة الإسلامية وأحكامها، وليس كتابنا هذا- كما قد علمت- موضوعا لبيان الأحكام الشرعية المتعلقة بكتاب الله تعالى. ولكن الذي يتعلق بغرضنا في هذا الكتاب، هو التحقيق في الناحية الأولى من هذه المسألة وهي: هل في المستطاع أن يترجم القرآن إلى أيّ لغة أخرى؟ ولا ريب أن الإجابة على هذا السؤال إنما تعتمد على دراستنا السابقة للغة القرآن وأسلوبه وخصائصه التعبيرية والبلاغية. غير أنه ينبغي لنا قبل أن ندخل في الإجابة على هذا الموضوع، أن نعرّف الترجمة، ونوضح الفرق بينها وبين التفسير، فكثيرا ما يقع الوهم في معالجة هذا البحث بسبب التباس هاتين الكلمتين على الباحث وتداخل مفهومهما عنده.

стр. 222

والكلمتان- في الاصطلاح الذي نحن بصدده- مختلفتان في المفهوم والمدلول وبينهما فرق كبير في المعنى، وإن وقع التوسّع والتسمّح فيهما عند إرادة المعنى اللغوي العام (١). فأما الترجمة: فهي نقل الكلام من لغة إلى أخرى عن طريق التدرّج عن الكلمات الجزئية إلى الجمل والمعاني الكلية. أي إن الوسيلة التي تتبع في نقل المعنى العام عند الترجمة- هي نقل معنى كل كلمة على حدة، والتعبير عنه بكلمة مقابلة، ثم تركيب مجموع الكلمات وتأليفها حسب المعروف في اللغة المترجم إليها. أما التفسير: فهو نقل المعنى القريب أو البعيد المقصود من الألفاظ، إلى لغة أخرى مختلفة، أو إلى ألفاظ أخرى في نفس اللغة، دون النظر إلى الألفاظ الجزئية التي تألّف منها المعنى واتضح بها المقصود. وبذلك تعلم أن الترجمة تختلف عن التفسير، في نقطتين أساسيتين؛ أولاهما: الاهتمام بالكلمة والأداة التعبيرية في الترجمة دون التفسير. والثانية: أن الترجمة لا تكون إلا نقلا لمعنى الألفاظ من لغة إلى أخرى، في حين أن التفسير يكون كذلك ويكون تعبيرا عن المعنى بألفاظ أخرى في نفس اللغة. وهناك فروق ثانوية أخرى بين الكلمتين لا داعي إلى إطالة البحث بذكرها في هذا المقام (٢). ... بعد بيان الفرق بين الترجمة والتفسير نعود فنقول: أمن الممكن أن يترجم القرآن إلى لغة أخرى؟ والجواب: أن ذلك مستحيل، وإذا وقع ما يسمى ترجمة من حيث

стр. 223

الصورة، فهو في الحقيقة ليس إلا تشويها لمعاني القرآن، وتلبيسا للمقصود بغيره وتمزيقا لأحكامه وحججه. وإنما أسرعنا الحكم بهذا الشكل، لأنه نتيجة بدهية لدراستنا السابقة عن أسلوب القرآن ومنهجه وخصائصه، وجدير بمن وقف على كل ما قد ذكرناه وأوضحناه أن يعلم بنفسه هذه النتيجة ويدركها. فقد تبين لك فيما مضى أن القرآن يتبع منهجا فريدا في التعبير عن المعاني، وهو منهج تجسيد المعاني وتصويرها أمام مخيلة القارئ، وهو كما قلنا منهج مطّرد في القرآن يظهر في كل بحوثه ومواضيعه. كما تبين لك أنه يعبّر عن المعاني المتعددة المختلفة بلفظة واحدة، وهي ظاهرة تتجلى في كثير من آيات القرآن وألفاظه، وقد مرّت بك أمثلة كثيرة لذلك عند حديثنا عن أسلوب القرآن وإعجازه. وبدهي أن منهجا تعبيريا بهذا الشكل، يستعصي على الترجمة. إذ الترجمة كما قلنا هي نقل المعنى العام من خلال نقل معاني الكلمات الجزئية، والكلمات الجزئية التي تتألف منها الجمل القرآنية، إنما تصور المعنى المقصود- على الغالب- بأسلوبها وليست تنقل المعنى المراد بدلالتها اللغوية الأصلية المجردة. فإن ذهبت تنقل معاني الكلمات، مع ذلك، كما هي، تألف لك منها معنى آخر غير مقصود ولا صحيح إطلاقا. وإن ذهبت تتجاهل الكلمات، وتهتم بالمعنى العام المقصود من ورائها عن طريق التجسيم والتخييل وما إلى ذلك، فقد تحولت عن الترجمة إلى التفسير. وهو بحث آخر. فالقرآن الكريم مثلا يقول: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ، فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (١) وأنت ترى أن الألفاظ هنا، ليس شيء منها يدل على المعنى المقصود بطريق الدلالة اللغوية الأصلية، وإنما هي

стр. 224

تكشف عن المعنى المراد بواسطة التصوير والتخييل، والأداة المستعملة لذلك جملة من المجازات والتشبيهات والاستعارات المختلفة. فكيف يمكنك أن تترجم هذه الآية ترجمة سليمة لا تفسد المعنى ولا يخرج عملك فيها من الترجمة إلى التفسير؟! ... والقرآن يقول: نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (١) وقد مرّ بك أن «مقوين» تحمل معنى: الجائعين، المقيمين في البيداء، المستمتعين. ويقول: أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً (٢) وقَراراً بيان لكل الأسباب التي بها أمكن أن يستقر الإنسان على الأرض، ويقول: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣) ودحى بمعنى: وسع، وبسط، وكوّر، ودوّر، كما قد مرّ بيانه فيما مضى. وقال عن وصف الخمرة في الجنة: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (٤) وقد نفى بهاتين الكلمتين جميع عيوب الخمرة المعروفة من ذهاب بالعقل وإذهاب للمال، ونفاد للشراب، وتقزز من طعمه وحرقته. فكيف تتأتى ترجمة هذه الألفاظ إلى ألفاظ أخرى تحمل نفس المرونة في الدلالة، وتحمل نفس المعاني المختلفة المتنوعة التي لا بدّ من دلالة اللفظ عليها جميعها لتتم الترجمة، إذ إن هذه المعاني كلها مقصودة معا في البيان القرآني؛ مع العلم بأنك لو رحت تشرح دلالات كل لفظة في شرح مطوّل من الألفاظ والبيان، فأنت حينئذ مفسّر ولست بمترجم وإليك ما يقوله في بيان هذا المعنى ابن قتيبة ﵀: « ... وبكل هذه المذاهب نزل القرآن، ولذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وترجمت التوراة والزبور، وسائر كتب الله تعالى بالعربية، لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب».

стр. 225

«ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ (١) لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عين المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها وتصل مقطوعها وتظهر مستورها، فتقول: إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضا، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم، وآذنهم بالحرب، لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء». «وكذلك قوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (٢) إن أردت أن تنقله بلفظه لم يفهمه المنقول إليه، فإن قلت أنمناهم سنين عددا، لكنت مترجما للمعنى دون اللفظ». «وكذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٣) إن ترجمته بمثل لفظه استغلق، وإن قلت: لم يتغافلوا، أدّيت المعنى بلفظ آخر» (٤). فإذا أدركت أن ترجمة القرآن غير ممكنة بمعناها الصحيح، علمت الجواب عن الناحيتين الثانية والثالثة لهذه المسألة أيضا. ذلك أن الشيء الذي لا يستطاع إنجازه يعتبر باطلا من حيث وجوده. ويعتبر محرّما من حيث ممارسته لما فيه من الفساد والإفساد. وإذا كان الأمر فيه كذلك فلا شك أنه لا يصحّ التعبّد بالترجمة ولا تصحّ الصلاة بها، ولا داعي إلى أن نطيل في ذلك من النواحي الشرعية؛ بعد أن عرفت فساد الأمر من الناحية اللغوية ومن حيث الإمكان. بعد هذا نقول: إن المتأمل ليعجب، عند ما يرى- مع وضوح هذا الذي ذكرناه- دعوة ملحّة، لا تزال تنبع من هنا وهناك، تنادي بضرورة ترجمة القرآن

стр. 226

إلى اللغات المختلفة، وتحتجّ لذلك بالضرورة الداعية إلى اطّلاع الأمم المختلفة على حقائق القرآن وأحكامه ومحتوياته. وهي دعوة بدأت تلحّ وتشتدّ وتجادل عن نفسها منذ أوائل عهد الاحتلال البريطاني لمصر (١) بزعم حاجة العالم الإصلاحية إلى ذلك! فإن كان المقصود، اطلاع العالم على حقيقة القرآن وعظمته. فإن القرآن ليس قرآنا إلا من حيث أنه كتاب عربي مبين، وقد علمت في أول هذا الكتاب أن القرآن هو: اللفظ المنزل على رسول الله ﷺ ، واللفظ الأعجمي ليس هو الذي أنزل، فهو ليس بقرآن البتة. وأما عظمته وروعته، فإن شيئا من ذلك لا يبقى أو يظهر عند تقديمه مترجما إلى الناس، بل يظهر منه عند ذلك، معان سقيمة مشوهة وتعابير غريبة غير مفهومة. فلا القرآنية تبقى لدى الترجمة ولا عظمة القرآن تتجلى وتظهر بها. وإن كان المقصود، أن تطّلع الأمم المختلفة على ما تضمنه القرآن من مبادئ وشرعة وأحكام، فإن ذلك يمكن أن يتم بأجلى مظهر وبأيسر طريق، إذا ما فسّر القرآن تفسيرا وافيا واضحا باللغة المطلوبة فالتفسير هو الذي يفي بهذا الغرض لا الترجمة المزعومة. وهكذا، يتجلى للمتأمل ما تنطوي عليه هذا الدعوة العجيبة من الدخيلة والريب. وحسبك دليلا على ذلك أن تعلم أن الحاجة إلى ما يسمى ب (ترجمة القرآن) لم تظهر عند أيّ فئة من الناس ولم يدع إليها أيّ مفكّر أو باحث، خلال القرون المنصرمة كلها إلى هذا القرن الذي نحن فيه، مع أن الأسباب التي يتذرع بها اليوم كانت موجودة بأجلى المظاهر بالأمس.

стр. 227

القسم الثالث دراسات تطبيقيّة

стр. 228

تمهيد الآن وقد انتهينا من عرض هذه البحوث النظرية المتعلقة بكلّ من تاريخ القرآن وعلومه، ومنهج القرآن وأسلوبه؛ نستعيد صورة ذلك كله في نماذج من النصوص القرآنية، نأخذها من مختلف الموضوعات والسور، ونشرحها شرحا يجلي لنا حقيقة كل ما ذكرناه. وعملنا الأخير هذا، هو المقصود من كل ما أسلفنا الحديث عنه، فليس يكفي أن تعي الذاكرة مسائل شتى من بحوث علوم القرآن وآدابه، مع البعد عن فهم النصوص القرآنية ذاتها، فضلا عن الترطن والتكسر في قراءتها. ومن هنا تعلم أن الذي هو أهم من معرفة معاني النصوص القرآنية، معرفة تلاوتها وإتقان أدائها. وليس في الأمور المستهجنة والمستقبحة شيء أهجن وأقبح من منظر إنسان يزعم أنه أديب يعلم العربية وآدابها، ومع ذلك فهو يدير بين فكّيه لسانا أعجميا لدى قراءة القرآن، لا يضبط أصله تلاوة ولا يتقن وصفه ترتيلا وأداء! ... وما رأيت شيئا أبعث للغثيان في النفس من مظهر ذاك الذي يقف من وراء المذياع فيصطنع الجلال والضخامة العربية في صوته، فإذا ما أراد أن يقرأ آية من القرآن، التوى عليه لسانه وراح يتعثر في تلاوتها العثرات المضحكة المتوالية! ... إنني أهيب بإخواني الذين يهتمون بدراسة العربية وآدابها، أن يبذلوا أقصى ما لديهم من جهود في سبيل التخلّص والانعتاق من الرطانة اللغوية

стр. 229

العالقة بالسنة كثيرين منهم، وهم أولئك الذين لم يتوفروا على الإكثار من تلاوة القرآن في عهد الصبا، حتى تصقل بذلك ألسنتهم وتنطبع بالطابع العربي نطقا وأداء. وإلا فإن كل جهودهم الأخرى تظل مشوهة ناقصة معيبة. وبعد فقد اخترنا خمسة نصوص من الكتاب المبين للدراسة التطبيقية، وأردنا أن يكون كلّ منها نموذجا لموضوع معين من الموضوعات القرآنية. فاخترنا نصّا في (الإلهيات) وآخر في (الوصف)، وثالثا في (المبادئ والإنسانيات) ورابعا في (القصص) وخامسا في (الحجاج والنقاش) وعليك أن تعكف بعد ذلك على مختلف كتب التفسير القديمة والحديثة لتواصل السير ولتتم دراستك التطبيقية لكتاب الله كله، والله من وراء القصد وهو نعم المولى ونعم النصير.

стр. 230

في الإلهيّات (من سورة الرعد، من آية ٨: إلى آية ١٤) قال الله : اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ. سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ. لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ. هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ. وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ. لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ. تعريف عام بالآيات: هذه الآيات تأتي بعد قوله تعالى متحدّثا عن الكافرين: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ! فهي ردّ على تعجبهم من أن يبعثوا مرة أخرى إلى الحياة بعد أن تفتتت أجزاء جسومهم في طوايا التراب؛ والآيات تردّ على عجبهم وتستنكره من خلال عرض صفتين من أهم صفات الألوهية في ذاته . الصفة الأولى: إنه مطّلع على دقائق الأشياء كلها لا تخفى عليه منها خافية مهما صغرت وتضاءلت، ومهما اختفت من خلف الغياهب والحجب،

стр. 231

ومنها ذرّات جسوم الناس بعد ضياعها في بطن الأرض أو في جوف البحار. الصفة الثانية: قدرته الباهرة وسطوته القاهرة، اللتان بهما دخل الكون كله تحت سلطانه، ففيم العجب من أن يعاد الناس إلى خلق جديد بعد موتهم، وقد أخبر بذلك من خلقهم أول مرة، ومن يعلم أين تذهب كل ذرّة من جسومهم ومن كان الكون كله داخلا تحت نطاق قدرته وسلطانه. شرح الآيات: * تبدأ الآية الأولى ببيان أن الله لا تخفى عليه خافية، وأنه يرى ويعلم كل غيب مجهول وكل ضائع مستور. فيجسّد حقائق الغيب في أبرز نموذج له لا يزال الإنسان يرى فيه أول مثال للمجهول الذي لا ولن يطوله علم الإنسان واطّلاعه، وهو تخلق المولود في رحم الأنثى بدءا من أول مرحلة فيه إلى آخرها؛ ثم يثبت البيان القرآني أن الله وحده المطّلع على هذا الغيب بأمره وحقيقته. وذلك كناية عن أن الله مطّلع على كل غيب وخافية. إذ كان غيب ما في الأرحام أبرز نموذج لهما. ولك في تقرير هذا المعنى أن تعتبر «ما» المتكررة في الآية موصولة ومصدرية؛ ولا ريب أن المصدرية أبلغ في الدلالة. والمهم أن تتأمل الشمول الذي يتجلى في قوله: كُلُّ أُنْثى: شمول بواسطة الأداة، وشمول في تنكير الأنثى، ثم أن تتأمل الصورة التي ترسمها في الذهن جملة وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ. والغيض هو النقصان، يأتي فعله لازما ومتعديا. تقول: غاض ماء البئر وغضت من مائه، فالله يعلم كل ما ينقصه الرحم أو يزيده في جثة المخلوق أو في مدة حمله له. وهو معنى واسع دلّت عليه الآية كما ترى بجملة صغيرة ذات دلالة تصويرية معينة. ولكن هل الأمر في هذا بالنسبة لله مجرد علم واطّلاع؟ يجيب آخر الآية على هذا السؤال الذي يثيره أولها بقوله : وكل شيء عنده بمقدار. فليس ما قد يتخلق في الرحم من شتى المخلوقات، وليس ما قد يعتريه من غيض أو فيض في الجثة أو الزمان- ليس شيء من ذلك مظهرا لمصادفة أو اضطراب أو تحوّل ذاتي كما يتفق له؛ بل كل ذلك إنما يتم وفق نظام شامل دقيق

стр. 232

وطبق إرادة إلهية جازمة. وانظر كيف عبّر البيان القرآني عن هذا بقانون إلهي شامل يعمّ شأن الخلق والكون كله، لكي تفهم أن تقلب حال المخلوق في الرحم ليس مردّه إلا إلى قانون تنظيمي للكون كله. * ثم تأتي الآية الثانية لتضع القاعدة العامة: عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. غيب وشهادة: مبالغة عن غائب ومشاهد، فالأول منهما ما لا يقع تحت إدراك شيء من الحواس، والثاني ما يخضع لحاسّة منها. وإليهما تنقسم موجودات الكون كله. فمن أنبأك بأنه لا يؤمن إلا بما يقع تحت حسّه فاعلم أنه لا يؤمن إلا بشطر من الموجودات. غير أن الإنسان لانحباس كيانه ضمن سلطان حواس معينة محدودة لا يدرك مباشرة من الموجودات إلا ما تبصره به هذه الحواس. والله وحده هو الذي يستوي في علمه الغائب والمشاهد. وأنت تبصر كيف أن الآية جاءت خبرا لمبتدإ محذوف، اقتضى حذفة التهويل والتعظيم، إذ الآية الأولى من شأنها أن تملأ فكر القارئ المتدبر بعظمة الله تعالى ومظهر ربوبيته، فالمبتدأ ماثل في الذهن لم يغب عن الخاطر والبال، وتأتي الآية الثانية خبرا جديدا يؤكد ما استقر في الذهن من عظمة الإله ﷻ . * أما الآية الثالثة، فتجسد كلّا من الغيب والشهادة في مثالين، وتكشف للمتأمل كيف أن المثالين والحالين مستويان في علم الله واطّلاعه: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ. فالمثالان الأولان، ما تسرّه من القول في نفسك وما تجهر به بلسانك؛ إن الأمرين والحالين سواء في علم الله ، إنه يسمع خلجات نفسك كما يسمع صوت كلامك. والمثالات الآخران: ذاك الذي أخفى نفسه في مكان مستور ضمن ستر آخر من ظلام الليل، وذاك الذي يسير بارزا في طريق مكشوف تحت وضح النهار، فليس بينهما من فرق إلا في حساب المخلوقات أما الله فكلاهما في علمه سواء.

стр. 233

وتأمل في الطريقة التصويرية الدقيقة التي تعبّر بها الآية! مستخف بالليل، أدخل الهمزة والسين على اسم الفاعل ليصوّر لك شدة الطلب والبحث عن وسائل الاختباء والاختفاء المختلفة، فضلا عن أن الليل بطبيعته ساتر ثم: سارب بالنهار، كلمة تصور لك الشيء إذ يسرب على وجه الأرض بارزا، فأنت تقول: سرب الماء، أي سرى في سجيته على وجه الأرض متشعبا يبرق ويلمع. والكلمة، زيادة على ما فيها من جمال التعبير تصوّر لك شدة وضوح هذا الإنسان وظهوره مقابل شدة اختفاء ذلك الآخر واستتاره، تقريرا لتساويهما في إحاطة الله وعلمه. * أما الآية الرابعة فتأتي تأكيدا لما تضمنته الآية التي قبلها. فهي توضح أن الله ليس مطّلعا فقط على الغيب والشهادة، بل إن له ملائكة حفظة يتعاقبون على هذا المختبئ في تلافيف الظلام والسارب في وضح النهار، من قبل الله وبأمره، يحيطون به رعاية وحفظا ويحصون أفعاله وأقواله كتابة وتسجيلا. فهذا هو معنى قوله : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. فالضمير في له عائد إلى الله ، والمعقبات صفة للملائكة المحذوفة وهو جمع معقبة، ومعقبة جمع معقب، فالكلمة جمع الجمع، والضمير في يديه عائد إلى الإنسان المفهوم من الآية السابقة، والجار والمجرور في: من أمر الله متعلق بيحفظونه على أن من للسببية، أي يحفظونه بسبب أمر الله لهم بذلك. ومع سياق الحديث عن رعاية الله للإنسان وحفظه له في غدوّه ورواحه، تذكر الآية قاعدة جرت عليها سنّة الله في الكون: إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. أي إن الله لا يغيّر ما تلبّس بقوم من النعمة وما قد حفّ بهم من الرعاية التي وصفها، حتى يغيروا ما قد استقر في نفوسهم من فطرة الاستقامة على الحق، التي فطر الله الناس عليها، فيجنحوا إلى نقائضها من الآثام والشرور. وإذا تأملت في صياغة هذه الجملة ودقة سبكها ووجيز ألفاظها مع شمول المعنى واتساعه رأيت من ذلك عجبا لا ينتهي إلا عند ما تتذكر أنه بيان الله وكلامه المعجز.

стр. 234

ولما كانت هذه القاعدة تحمل في طيّها الوعيد والإنذار إلى جانب ما تحمله من الوعد والتبشير، أعقب ذلك بما يؤكد هذه الحقيقة من بيان مدى قدرة الله تعالى التي لا تغلب ولا تقهر، فقال: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ. أي إنهم إذا غيّروا ما بأنفسهم من الخير واستبدلوا به الانحراف والشر، فأراد الله بهم سوءا من أجل ذلك، فلا رادّ لقضائه وحكمه وليس لهم غيره من مفرّ وملاذ. فليفرّوا إلى الله في عبودية وضراعة وليصلحوا ما أفسدوه من نفوسهم إن أرادوا أن يكشف عنهم السوء والبلاء. ومع إثبات هذه الحقيقة، تتهيأ المناسبة للانتقال من الحديث عن الصفة الأولى من صفتي الألوهية التي تعرضهما هذه الآيات، وهي صفة اطّلاعه على كل خافية وغيب إلى الحديث عن الصفة الثانية وهي عظيم قدرة الله تعالى وباهر سلطانه فتأتي الآيات التالية مشتملة على أمور فيها دلائل على قدرة الله تعالى وعظيم تدبيره، أمور فيها مظاهر من النعم والإحسان إلى جانب ما فيها من مظاهر القهر والتخويف. وهي واقعة موقع التأكيد لما تضمنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من الوعد والإيعاد، والتخويف والإطماع. * وأول أمر من هذه الأمور الدّالة على قدرة الله تعالى، آيتان كونيتان لا تزالان تنبّهان إلى قدرة الله تعالى وباهر حكته، هما الرعد والبرق: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً، وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ. لم يعبّر بالاسم الظاهر، كي لا ينفصل الكلام عن سابقه، ولكي يستجمع الضمير: «هو» في الذهن جميع الصفات التي سبق ذكرها في الآيات الماضية، فيضيف إليها مظاهر أخرى من باهر القدرة وجليل التدبير. وقال: يريكم البرق؛ هكذا: يريكم .. لتصور لك الجملة بل الكلمة لمعة البرق الخاطف أمام عينيك، حتى إذا قامت الصورة في خيالك، أضافت الآية، منبّهة، أن ذلك إنما يكون تخويفا مما قد يعقبه من الصواعق المحرقة أو الأمطار المتلفة، وتطميعا لما قد يبشّر به من الغيث المفيد. فخوفا وطمعا منصوبان على أن كلّا منهما مفعول لأجله، إما على تقدير: إرادة الخوف والطمع، أو على تقدير: تخويفا وتطميعا،

стр. 235

ولعلّ هذا أقرب ما قد يقال من وجوه الإعراب في هاتين الكلمتين. وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ: يخلقه من لا شيء، فينسحب في الجوّ يتألف ويتراكم وقد أثقله ما يحمله إلى الأرض من المياه. وأنت تعلم أن ليس في أصل السحاب ثقل ولا خفّة وإنما هو إخراج للمعنى الاعتباري في مظهر متخيل محسوس. * أما الآية التي بعدها، فتتألف من عدة جمل، كلّ واحدة منها تحضر في الذهن صورة محسوسة مجسمة لجانب من مظاهر ألوهية الله تعالى في آفاق الكون: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ: جملة فعلية فعلها مضارع مصوغ للحال والاستمرار، بيانا للدوام واستحضارا للصورة في الذهن؛ وأسند التسبيح إلى الرعد، ليوضح أن زمجرة الرعد من خلال السحاب مهما ترجمت إلى لغة مفهومة فإنها إنما تعني تنزيه الله عمّا يلغو به الجاحدون المبطلون، وتعلن عن وجود الخالق العظيم قهّار السماوات والأرض. وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ: صوّر كيف أنه يتألف تسبيح الرعد المزمجر مع تسبيح الملائكة الخاشعين لعظمة الله وسلطانه، ليتجلّى فيما بينهما غرور الإنسان الجاهل إذ يظلم نفسه فيمشي مكبّا على وجهه بين سمع هذا الكون وبصره غافلا عن كل هذا الذي يحيط به. وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ: جملة فعلية ثالثة، أريد منها كما قلنا استحضار الصورة في الذهن. والصواعق جمع صاعقة، وهي تلك النار المحرقة التي تنقضّ في وقع وصوت شديدين. فإذا ما أرسلها الله إلى الأرض أهلك الله بها من يشاء. وإنها لمظهر مخيف لعظمة الله تعالى وقوة سطوته مهما جمّعت حول هذه الظاهرة من التعليلات الطبيعية والعلمية، فإن كل مظاهر البطش والجبروت الأخرى خاضعة أيضا لسلسلة العلل والأسباب الجعلية المخلوقة. وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ: جملة أخرى صدّرت بواو الحال، فهي حال من

стр. 236

الكفرة الذين تضمنهم الخطاب في قوله: هو الذي يريكم ... والجملة تصور لك عجيب أمر هؤلاء الذين يرون آيات الله كلها ويبصرون دلائل وجوده ووحدانيته، فيظلّون مع ذلك يجادلون في شأن الله: وجوده ووحدانيته، وقضية البعث من بعد الموت!!. وإنما التفت الخطاب عنهم في هذه الجملة إلى الغيبة، بعد أن كان الكلام موجّها إليهم مع سائر الناس في الجمل السابقة- إيذانا بإسقاطهم عن درجة الخطاب وإعراضا عن لغوهم وباطلهم الذي يخوضون فيه. وأسند جدالهم إلى الذات الإلهية مع أن الجدال لا يكون في الشيء نفسه وإنما في حكم متعلق به، ليشمل كل ما يجادلون فيه وينكرونه مما تنزل في البيان الإلهي المبين. وجاءت الجملة الأخيرة: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ، على وزن التي قبلها، فهي أيضا حال .. ولكنها حال من الله ، نزّلت من التي قبلها منزلة المقابلة، لتكون بذلك أقوى تعبير عن الإنذار والوعيد، لأولئك الذين لم تنفعهم الآيات والبراهين والدلائل الكونية المختلفة الناطقة بوجود الله تعالى ووحدانيته، فظلوا مع ذلك يجادلون عن غيّهم وباطلهم؛ فلئن كان حالهم، وهم يرون هذه الأدلة كلها، هي الجدال في الله، فإن حال الله ، مع كل ما بثّ في الكون من هذه الأدلة، أنه شديد المحال؛ أي شديد القوة، وشديد الأخذ في غفلة وعلى حين غرّة، وشديد القدرة على مكايدة الظالمين بإبطال كيدهم وأخذهم بباطلهم. * وآخر ما تعرضه الآيات من الصفات الدالّة على عظيم قدرة الله تعالى وألوهيته أنه وحده ، صاحب الدعوة الثابتة الواقعة في محلها المجابة عند وقوعها، أي إنه وحده الذي إذا دعي سمع وأجاب الدعوة. فإضافة الدعوة إلى الحق من إضافة الشيء إلا صفته أو جنسه كقولك: كلمة الحق. أما ما قد يدعى من دون الله من سائر المخلوقات، أيّا كان، فإن دعاءهم باطل لا يتوقع من ورائه استجابة ولا فائدة. ولما كان الحكم على دعائهم بالبطلان وعدم الاستجابة معنى سلبيا اعتباريا لا يمكن أن تتجسد له صورة في الذهن، قلب البيان القرآني المعجز السلب إلى صورة إثبات مستعملا

стр. 237

لذلك أداة الاستثناء وصورته ليتجسد مظهر البطلان وعدم الاستجابة في صورة محسوسة متخيلة تتجسد فيها بلاهة أولئك المغرورين وضلالهم، فقال: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ فقد صوّر لك عدم استجابة الآلهة أو المخلوقات التي تدعى من دون الله مع استمرار أولئك المغرورين والمبطلين في التعلّق بها، بحالة ظمئان راح يبسط كفّيه نحو ماء بعيد يلمع في قاع بئر أو يبرق له في وسط مغارة ليستجيب لدعاء كفّيه ويأتي فيبلغ فاه، وأنّى له أن يبلغ؟!. وبذلك تعلم أنه ليس في الآية استثناء حقيقي ولكنه صورة متخيلة محسوسة يلمسها الشعور بل تكاد تراها العين. وتختم الآيات بهذه الجملة الأخيرة: وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ومعناها العام واضح كما ترى، ولكن انظر إلى صياغة الجملة وما أحدثه فيها حرف الجر: «في» من الصورة التي تمتد بالخيال في آفاق واسعة محسوسة. إنها تصوّر لك دعاءهم الباطل وكيف يذهب في دروب ضائعة خاسرة، إنه كما يقولون: صيحة في واد ونفخة في رماد، وأين هذا المعنى التصويري الرائع مما لو قال: وما دعاء الكافرين إلا ضلالا؟ .. والله أجلّ وأعلم. ***

стр. 238

في الوصف (من سورة غافر. من آية: ١٠ إلى آية: ٢٠) قال الله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ. قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ، ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ. هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ. فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ، رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ. لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ. الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ. يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ. وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. تعريف عام بالآيات: في الآيات التي قبل هذه حديث عن المؤمنين وعن أن حملة العرش من الملائكة يظلون يستغفرون لهم ويدعون الله لهم بالرحمة وأن يدخلهم جنات عدن التي وعدهم بها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. ومن عادة الأسلوب القرآني- كما بيّنا- أنه يضع آية الشدّة إلى جانب آية الرخاء. ويتبع الحديث عن إحدى طائفتي المؤمنين أو الكافرين بالحديث عن

стр. 239

الطائفة الأخرى، للأسباب التربوية التي ذكرناها فيما مضى. فناسب أن يردف الحديث عن المؤمنين ودعاء الملائكة لهم، بالحديث عن الكافرين وما يقولون ويقال لهم يوم القيامة، وبعد أن تعرض الآيات لهذه الصورة من حال الكافرين يوم القيامة يتناول البيان القرآني وصف يوم القيامة بصورة عامة ومخيفة يتضاءل أمر الكافرين وشأنهم من خلال هولها. ونجد أنه أدخل ضمن هذا البيان آيات يتجه فيها الخطاب إلى الناس بالموعظة والتذكير وإعداد العدّة لهذا اليوم قبل فوات الأوان، وذلك حسب الطريقة القرآنية المتبعة من إقحام آيات الوعظ والإرشاد والتوجيه خلال الموضوعات والأبحاث الأخرى لأسباب ذكرناها فيما سبق. شرح الآيات: * تصف الآية الأولى، بأسلوب فريد، مدى كراهية الله للكافرين يوم القيامة، فتجعل المقياس الموضّح لذلك مدى كراهية الكافرين لأنفسهم إذ أودت بهم إلى هذا المصير الهائل الأليم، وإنها لكراهية شديدة إذ ذاك. إن مقت الله لهم في ذلك اليوم أكبر وأشدّ من مقتهم الشديد لأنفسهم ومن مقت بعضهم لبعض. ولئن كان سبب مقتهم أنفسهم أنها أودت بهم إلى هذا المصير، فإن سبب مقت الله لهم أنهم طالما دعوا في دنياهم إلى الإيمان وظلوا يجحدون ويكفرون. فهذا معنى قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ. أي لمقت الله إياكم اليوم أشدّ من مقتكم أنفسكم، وإِذْ تُدْعَوْنَ .. علة لمقت الله . وأنت خبير أن مقت الله إياهم ليس خاصّا بذلك اليوم بل هو موجود في الدنيا أيضا، ولكن لما ظهر أثره يوم القيامة أسند إلى ذلك اليوم. على أنه يجوز عدم تخصيص المقت إياهم بذلك اليوم وحده، فتكون الآية بيانا لما استحقوه من المقت منذ أن كفروا في دار الدنيا. * وتصف الآية الثانية مدى ذلّهم وضراعتهم في ذلك الموقف حيث يقولون: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا. أي أمتنا إماتتين اثنتين وأحييتنا إحياءتين اثنتين، والإماتتان هما الإماتة السابقة على الوجود في

стр. 240

الحياة الدنيا، والإماتة السابقة على الحشر يوم القيامة. والحياتان هما الحياة التي عاشوها في الدنيا والتي بعثهم الله إليها يوم الحشر. وعبّر عن العدم الأول بالإماتة مع أنه عدم أصلي غير مسبوق بوجود ليصوّر لك أن ذلك إنما هو أيضا بجعل الله وتقديره، كما تقول: سبحان من صغر البعوض وعظم الفيل، مع أن البعوض صغير من أصله. ويقولون بعد ذلك: فاعترفنا بذنوبنا، ليمسحوا بهذه الضراعة جحودهم السابق، وليجعلوا من ذلك تمهيدا وتوطئة لرجائهم الذي يتقدمون به: فهل إلى خروج من سبيل؟. وأنت إذا تأملت في هذه الجملة وجدتها تصوّر أبلغ حالات الضراعة والاسترحام والذل: فقد عبّروا عن رجائهم بهل وهي- كما تعلم- استفهام عرض ورجاء، ثم عبّر عن الرجوع إلى دار الدنيا بمطلق الخروج من هذا الموقف، ونكّر الكلمة بيانا لتعلقهم الشديد بأي خروج من هذه الورطة، ونكر السبيل وزاد من تنكيرها وتعميمها بتسليط «من» عليها، ليصبح المعنى هل إلى أيّ خروج من هذا المأزق سبيل ما من الممكن تصوره؟ .. وهو كما ترى كلام من غلب عليه القنوط واليأس وأسقط في يديه، فراح يتعلق بحبال واهية من الرجاء والضراعة والذل. * والآية بعدها معرضة- كما ترى- عن الجواب على استرحامهم هذا، تنبيها إلى استحالة ما يؤملونه وإلى وضوح ذلك بحيث لا حاجة إلى التحدّث فيه والإجابة عنه، ولكنها تكشف لهم عن علة هذه الاستحالة وسببها، إذ تقول: ذلكم الذي انتهيتم إليه من العذاب الذي لا مردّ له، إنما هو بسبب أنكم كنتم إذا دعيتم إلى الله في دار الدنيا بادرتم إلى الجحود والكفر، وإن لاحت لكم دعوة إلى باطل أو شرك سارعتم فيه وآمنتم به. وتأمل في دقة التعبير القرآني عن هذا المعنى: ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا عبّر عن حال الدعوة إلى الله بإذا الدّالة على التحقق والتكرار، وعن حال ظهور الشرك أمامهم بأن الدّالة على المصادفة في الوقوع وعدم التكرار، ونصّ على الدعوة في الحالة الأولى وأهمل ذكرها في الحالة الثانية، ليصوّر في الذهن مدى ما انتهى إليه حالهم من السوء، فهم لا

стр. 241

ينصتون إلى شيء من الحق مهما ذكروا به ودعو إليه، في حين أنهم يسرعون إلى الكفر والجحود مهما لاحت لهم أي صورة منه على البعد. فمن أجل ذلك، لا مردّ ولا رجوع؛ والحكم لله العليّ الكبير وحده. * ويلتفت السياق هنا، بعد أن تصور القارئ المتأمل رهبة الحشر والحساب يوم القيامة، وتصور حالة الندم التي يستغرق فيها الكافرون إذ ذاك دون أي فائدة؛ لينبّه الناس- وإن الوقت لم يفت بعد، وإن هذا الموقف لا يزال غيبا في علم الله- إلى أن يتداركوا فيصلحوا أحوالهم ويؤمنوا بالحق القائم جليّا أمام بصائرهم. فيقول الله مخاطبا عباده في دار الدنيا: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ. فأما الآيات، فهي تلك الدلائل الجليّة على وجود الله ووحدانيته والتي بها تستقر العقيدة الصحيحة في القلب فتحقق مصلحة الدين للناس في الحياة. وأما الرزق الذي ينزل من السماء فهو كناية عن سببه وهو المطر الذي به تحيا الأرض وتوجد الأرزاق، والذي به تتحقق مصلحة الدنيا للناس في الحياة، فالآية تبيّن أن الله قد أقام لعباده في الدنيا كلّا من أساسي مصلحة دينهم ومصلحة دنياهم. ولكن رغم ذلك كله، فإنه لا يتذكر هذه الحقيقة الواضحة ويستيقظ إليها إلا من تخلّص من شوائب أهوائه وأغراضه ورجع إلى عقله المتجرد الحرّ يستمع إلى حكمه ويأخذ بهديه. * فإذا كان الأمر كذلك، فاستقيموا أيّها المؤمنون على عبادة الله تعالى وأخلصوا الدين له، ولا تلتفتوا إلى ما يغيظ الكافرين من ذلك، فهم إنما يكرهون ذلك منكم وينكرونه بسائق من شهواتهم وأهوائهم النفسية، لا بوحي من عقولهم الحرّة الطليقة. ولما أمر الله المؤمنين بالاستقامة على عبادة الله، أتبع ذلك ببيان بعض ما يتصف به الله من صفات الربوبية تأكيدا لما تضمنته الآية السابقة من الأمر بعبادة الله فقال: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ، ذُو الْعَرْشِ، يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ.

стр. 242

فأما: رفيع الدرجات، فهي بمعنى مرتفع الصفات فلا يلحق به فيها غيره ولعلّ هذا خير من القول بأن رفيع بمعنى رافع وأن راجع وأن المعنى: رافع درجات من شاء من عباده، ذلك أن الأشبه برفيع أن تكون صفة مشبهة لا اسم فاعل. وأما: ذو العرش، فمعناه مالكه وخالقه. وإنما أفرده بالذكر لأنه من أعظم مخلوقاته وأجلّها، والعرش من الغيب الذي أخبرنا الله عنه ولم يطلعنا عليه، فهو مما يجب الإيمان به غيبا. والصفتان خبران لمبتدإ محذوف تقديره: هو، حذف اكتفاء بما يدل عليه وتوجيها للفكر كله إلى التأمل في هذه الصفات. ويُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ ... خبر آخر، فهي صفة ثالثة، أي أنه يرسل الوحي الذي هو بمثابة الروح لحياة الإنسان، إذ إن مضمون الوحي الإلهي إنما هو روح للحياة الحقيقية التي يحتاجها الإنسان أشد من حاجته إلى الغذاء. وتأمل في التعبير ب يُلْقِي وانظر إلى الكلمة كيف تصور انطلاق الوحي من الله إلى من شاء من عباده في إلقاء سريع، فلا يمكن أن يلحقه أي تبديل أو تحريف، وهو ما يؤكد مضمون قوله: من أمره، أي يلقي الروح ناشئا ومنطلقا من أمره، فمن للابتداء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف منصوب على الحالية. وفي قوله: عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ دلالة على أن النبوّة لا تأتي بالكسب والترقي في مدارج الصلاح والتقوى، وإنما هي اختيار إلهي محض. أما الوظيفة التي يتضمنها الوحي ويكلف بها الرسول فهي أن ينذر يوم التلاق، أي يوم القيامة. ولم يذكر المفعول الأول لينذر، ليكون الإنذار عامّا للناس كلهم في مختلف الأعصار والأمصار، ولم تزد الآية على أن أطلقت على يوم القيامة اسم: يوم التلاق، دون أن تعين المقصود بالتلاقي الذي يكون فيه، ليشمل كل تلاق يكون في ذلك اليوم ... إذ فيه تتلاقى سلسلة أجيال البشر كلها على صعيد واحد بعد أن كانت مفرقة على عمر الدنيا كلها، وفيه يتلاقى الناس بالملائكة وأهل السموات بأهل الأرض، وفيه يتلاقى الناس مع ما قدّموه من أعمال ...

стр. 243

إنه حقيقة يوم التلاق ... التلاقي بمعناه الشامل العام وبكل ما في الكلمة من معنى، وإنه لتلاق عجيب ورهيب!!. ومع الحديث عن آخر هذه الصفات يعود السياق، كما ترى إلى أول البحث؛ وهو الحديث عن يوم القيامة وحال الكافرين فيه؛ فتصف الآيات التالية جوانب من مظاهر يوم التلاق: * يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ، لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ: ثلاث صفات من أهم صفات يوم الحشر، تصورها هذه الجمل الثلاث تصويرا يسيطر على المشاعر ويأخذ بالقلب. (يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ): بدل من يوم التلاق، أي لينذروهم ذلك اليوم. يوم هم خارجون من قبورهم إلى ظاهر أرض مستوية لا يسترهم فيها شيء من جبل أو بناء أو واد أو أكمة. إذ هي كما قال : (قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً). (لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ): استئناف فيه مزيد من التقرير لبروزهم ووضوحهم في ذلك الموقف، وفيه مزيد من نسخ ذلك الباطل الذي كان عالقا برءوس الكافرين منهم في الدنيا من أن الأرض إذا التقمتهم وأصبحوا ترابا فهيهات أن يحشروا مرة أخرى، فها هم اليوم بارزون ظاهرون يموجون تحت سلطان الله وفي قبضته وأمام نظره. (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ): صفة ثالثة جاءت بهذا الأسلوب التصويري المثير. فمن أجل ذلك حذف لفظ القول من جملتي السؤال والجواب معا، لأن المقصود ليس إخبارا عن كلام سيحصل، وإنما المقصود تصوير ذلك المشهد الرهيب في أخصّ مظاهره وأحواله. فالسؤال منبعث من وحي المشهد: لقد برز الناس جميعا من قبورهم إلى هذا الملتقى، ولقد تقطعت أسباب دنياهم وعلاقات ما بينهم وانسلخت عنهم مظاهر الملك والجاه والسلطان، وجاءوا لا يسوقون معهم إلا جسومهم العارية. فيرتسم السؤال من وحي الحالة وهول المشهد ومن ذكرى الغرور الدنيوي الذي

стр. 244

(طوي عهده: لمن الملك اليوم؟) ليرتسم من ورائه الجواب الذي يملأ سمع الزمان والمكان وينطبع في كل أذن وفكر: (لله الواحد القهّار). * الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، لا ظُلْمَ الْيَوْمَ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ: ثلاث صفات أخرى ليوم القيامة توضح أهم خصائص ذلك اليوم، وهو الحساب الذي تلاقيه كل نفس على ما قدّمت. اليوم تجزى كل نفس بما كسبت تعطى جزاء كل ما قد فعلته من خير وشر، وفي تقديم الْيَوْمَ وتصدير الجملة بها إيحاء بأن الناس طالما أمهلوا من قبل حتى ظن كثير منهم أنه لا جزاء ولا حساب! .. (لا ظلم اليوم): سيبلغ اليوم كلّ حقّ مداه، وسينصف كل مظلوم ويقتصّ من كل ظالم، ولكن هل كان في دار الدنيا ظلم حتى يكون نفيه خاصا بهذا اليوم؟ إن الجملة صيغت بهذا الشكل ردّاء وتبكيتا لأولئك الذين طالما تساءلوا في دار الدنيا عن أسباب تفاوت الناس في مظاهر السعادة ووجود مظاهر البؤس والفقر إلى جانب مظاهر النعمة والترف ونسبوا إلى الله من أجل ذلك الظلم والجور، قصدا إلى الإلحاد في ذاته وادّعاء عدم وجوده؛ فالجملة تقول لهؤلاء الناس- على سبيل التبكيت والتأنيب-: تستطيعون أن تطمئنوا اليوم إلى أن مثقال ذرّة من العدالة لن يهدر وإلى أن أحدا من الناس لن يظلم؛ إن حياتكم التي مرّت لم تكن إلا فصلا صغيرا من قصة الوجود الإنساني كله، والحكم على القصة ما كان ينبغي أن يكون من خلال ما يتراءى من فصل واحد صغير فيها، وسترون من مجرى الحساب والجزاء، اليوم، أن عين العدالة لم تغفل عن الإنسان لحظة واحدة في دنياه التي خلت. فلما كانت هذه الحقيقة إنما تتجلى وتتكشف للناس يوم القيامة، أسند نفي الظلم إلى ذلك اليوم تصويرا لهذه الحقيقة كلها. (إن الله سريع الحساب): لن يعجزه شيء عن محاسبة هذه الخلائق المتجمعة كلها في آن واحد، فهو تعالى لا يشغله شأن عن شأن. ولئن كان وقت الحساب يطول أمده على الناس، فإنما هو لعظم الهول الذي يحبط به، وليس لعجز الله عن الإسراع في محاسبتهم! ...

стр. 245

* وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ، إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ، كاظِمِينَ، ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ عود إلى وصف يوم القيامة بأسلوب مختلف وبأنواع أخرى من الصفات الهائلة المخفية. والحديث هنا يتحول إلى مخاطبة رسول الله ﵌، قائلا: أنذر الناس يا محمد يوم القيامة، فيوم مفعول ثان لأنذر. ولقد سمى القيامة هنا بيوم الآزفة، بعد أن سمّاها في الآيات السابقة: يوم التلاق. وكلا الاسمين وصف صادق وهائل ليوم القيامة. وهي من أزف الأمر إذا دنا، وإضافة اليوم إليها من إضافة الشيء إلى صفته، أي اليوم الآزف وإنما سمّاه الله الْآزِفَةِ تنبيها إلى أن ذلك اليوم قريب وإن استبعد الناس مداه واستأخروا قدومه. ولقد وصف الله هذا اليوم بعكس ما هو متصور في أذهان الناس كي ينتبهوا إلى خطأ تصورهم هذا، ولكي يعلموا أن كل ما هو كائن فهو قريب. ولك أن تقول: ففيم أنّثت الآزفة، وهي كما تقول صفة لليوم؟ والجواب- كما قال القفال وغيره- أن سائر أسماء القيامة جارية على التأنيث كالطامة والحاقّة ونحوهما تضمينا لها معنى الداهية، أي فالتأنيث للتهويل. (إذ القلوب لدى الحناجر): استحضار لصورة الكرب الشديد العالق بنفوس الناس إذ ذاك، والكرب معنى اعتباري مجرد، ولكن الآية تبرزه في أروع صورة محسوسة مجسّمة، وصورة الكرب هنا هي تلك القلوب التي ارتفعت من أماكنها حتى التصقت بالحلوق، فلا هي تعود فيستروحوا ولا هي تخرج فيستريحوا. وانظر إلى الشمول الذي دلّت عليه «القلوب» و «الحناجر»! ... فهو لم يضف القلوب والحناجر إلى أناس بأعيانهم، بل قطعهما عن الإضافة والتخصيص، وعبّر بصيغة الجمع وأدخل «ال» عليها، لتفهم أنها غاشية عامة من الضيق والكرب تمتد إلى كل من يزدحم بهم ذلك الموقف المريع. (كاظمين): حال من أصحاب تلك القلوب، وهم وإن لم يذكروا في الآية ولكن صورتهم ماثلة في المخيلة. والكاظم هو المنحبس على حال من الغم والغيظ امتلأت بهما نفسه، وهي صورة أخرى للكرب الشديد في ذلك اليوم، ليس عنه أي متنفس ولا مهرب! ..

стр. 246

(ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع): كشف للحالة التي قد يتساءل عنها الفكر والذهن: أليس ثمة من ملجأ أو شافع أو معين؟ لا ... ليس للظالمين أي ملاذ، إنه الكرب الذي لا مفر منه ولا مخلّص، فليس ثمة قريب شفيق، ولا شفيع يطاع قوله أو ينظر في شفاعته. ونفي وجود القريب الشفيق إنما هو تصوير لعدم اهتمام المرء إذ ذاك إلا بنفسه. فالأقارب لا يزالون أقارب لبعضهم إذ ذاك ولكن أحدا منهم لا يتعرف على الآخر، فكأن الأنساب قد قطعت مما بينهم حينئذ فلا وجود لها كما يقول الله : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ. * يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ أسلوب آخر في التعبير عن مجازاة الله ومحاسبته للناس إذ ذاك، وفي التعبير عن عدم تمكن الكافرين والجاحدين يومئذ من المكر أو الكذب أو إخفاء الحقائق. إن الله مطّلع على كل ما قد يجترحه أو يكسبه الإنسان سواء كان ذلك بجوارحه الظاهرة أو بنفسه ووساوسه الخفية. وتأمل كيف عبّر البيان القرآني عن النوع الأول ب: خائنة الأعين وعن الثاني ب: ما تخفي الصدور. لقد كنى عن أعمال الجوارح بأدق مثال لها، وهو النظرة المريبة بالعين وعبّر عنها بخائنة الأعين، أي الأعين الخائنة، على أن الخائنة اسم فاعل، أو بمعنى: خيانة الأعين على أنها مصدر كالعافية والعاقبة، كأن العين تخون صاحبها فتنم عمّا أضمر في نفسه، أو تخون الحق والأمانة إذ تغمز وتسترق النظرة المحرمة. وكنى عن أعمال القلوب ووساوسها بما تخفي الصدور؛ والصدور هي مستكنّ الأسرار والخفيات. فكيف يستطيع الظالمون مع ذلك إخفاء الحقائق؛ أو الكذب على الواقع؟! أم كيف يعجز الخالق ﷻ عن محاسبتهم على كل ما اجترحوه من صغير وكبير؟! * وتختم هذه الآيات الوصفية المتضمنة لطرف من أهوال يوم القيامة بتقرير الحقيقة التي يريد الله من عباده أن ينتبهوا إليها قبل فوات

стр. 247

الأوان، وهي أن الله وحده الذي يقضي بالحق الذي يشاء على مخلوقاته كلها في الدنيا والآخرة، فهو وحده المؤثّر في خلق العالم وطبائع الأشياء، وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وإليه مردّ الناس كلهم ليقضي فيهم قضاءه المبرم الذي لا قضاء فوقه. وهيهات أن يكون لشيء من المخلوقات الأخرى التي يؤلهها الكافرون والجاحدون من الأصنام أو الناس أو طبائع الأشياء، أي صفة من هذا القبيل: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. والله تعالى أعلم. ***

стр. 248

في المبادئ والإنسانيّات (من سورة الإسراء من آية: ٢٣ إلى آية ٢٩) قال الله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما، وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً. وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً. وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً. وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً. إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً. وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً. وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا. وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً. وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا. وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا. كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً. ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً.

стр. 249

تعريف عام بالآيات: تعرض هذه الآيات لبيان أحد عشر مبدأ من أهم المبادئ الإنسانية العامة. مبتدأة ومختتمة بمبدإ التوحيد والعبودية لله . وتأتي هذه الآيات بعد آيات سابقة تتحدث عن أهمية القرآن في إصلاح حياة الإنسان ودلالته على النهج القويم، وعن حدود المسئوليات ونظامها وقيمة كلّ من الحياتين الدنيوية والأخروية. فهي تأتي بعد منبهات وحوافز تهيئ كلّا من النفس والذهن لقبول ما تتضمنه هذه الآيات من مبادئ الإنسانية بقبول حسن. شرح الآيات: * وقضى ربك ألّا تعبدوا إلا إياه. أي أمر ربك ألّا تعبدوا إلا إيّاه، وقد استهلّ الخطاب بجملة إخبارية للرسول ﷺ ، وهي: وقضى ربك. ثم التفت بالخطاب إلى الناس حينما تحول من الإخبار إلى الإنشاء، فقال: ألّا تعبدوا إلا إياه. وذلك لأن الجملة الأولى حكاية فناسب أن يتجه الخطاب فيها إلى النبي ﵊، وأما الثانية فأمر وتوجيه، فناسب أن يتجه الخطاب فيها إلى عامّة الذين يتجه هذا الأمر إليهم. فهذا أول مبدأ من المبادئ الأحد عشر، وهو أخطرها وأهمها. ثم أتبعه بالمبدإ الثاني قائلا: وبالوالدين إحسانا، أي وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا، تقول. أحسنت به وأحسنت إليه. وإنما جعل رتبة برّ الوالدين إثر رتبة توحيد الله وعبادته، لأن الله هو المسبّب الحقيقي لوجود الإنسان وعيشه وارتزاقه، والوالدان هم السبب الجعلي والظاهري لكلّ من الوجود والعيش، فلئن كان المقتضي لعبادة الله أنه الخالق والمنعم الحقيقي، فإن المقتضي لبرّ الوالدين ما قضت به حكمة الله من أن يكون وجود الإنسان بهما ونشأته عن طريق رعايتهما. ثم شرح المقصود بالإحسان فقال: إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما. وأصل الجملة: إن يبلغ

стр. 250

عندك الكبر ... فركبت إن مع ما التي يسمّونها زائدة لتصوير المبالغة في استقصاء الظروف والأحوال، وأدخل نون التوكيد على الفعل لنفس الغرض أيضا، فأصبحت الجملة تقول لك بكلّ من جرسها ومضمونها: مهما وجدت الشيخوخة قد دبّت إلى أحد من أبويك فليكن موقفك منهما في كل الظروف والأحوال موقف الراحم الشفوق والخادم المحب. وكان من الممكن لسلامة أصل هذا المعنى أن تستغني الآية عن كلمة «عندك» بأن تقول: إما يبلغنّ الكبر أحدهما أو كلاهما ... لولا أن «عندك» هذه تثبت في إحساس المخاطب معنى هائلا يثير فيه النزوع إلى الشفقة والرقة والعطف. فالآية تصور بهذه الكلمة كيف أن الكبر والضعف قد وضع كلّا من الوالدين في كنف الابن وتحت رعايته بعد أن كان الابن هو الضعيف الذي يعيش في كنفهما وتحت رعايتهما. والقصد إلى تصوير هذا المعنى هو الذي اقتضى تقديم لفظ «الكبر»، وهو مفعول، على لفظ: أحدهما وهو فاعل، ولو اختلف نسق هذه الألفاظ وترتيبها اختلافا ما، لاختفت الصورة وبطل أن يكون في الآية شيء من هذا الإيحاء. ثم انظر كيف نهتك الآية عن أن تضيق ذرعا بهما في شعورك ونفسك كما نهتك عن إيذائهما في شيء من عملك ومعاملتك، ثم كنّت عن الأول بأقل مظهر له وهو التأفف، وكنّت عن الثاني بأدنى مظهر من مظاهره وهو القسوة أو الانتهار في القول، فنهت عن ذلك بدلالة النص، إذ النهي عن أدنى إفراد الشيء أبلغ نصّ في الدلالة على عموم النهي عن الجنس كله. * ثم زاد الأمر بالإحسان إلى الوالدين تأكيدا، فصوّر لك ما ينبغي أن تكون عليه حال الولد من والديه دائما، وأخرج معنى الرحمة بهما والإحسان إليهما والتواضع لهما في مظهر شيء متخيل محسوس مبالغة في الإلزام به والدعوة إليه، فقال: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ. فقد صوّر الذلّ المأمور به بطائر خرّ هاويا إلى الأرض ثم صوّر مبالغة وضوح الذلّ والتواضع بنشر هذا الطائر مع ذلك جناحيه يخفضهما نحو الأرض.
следующие страницы →