ولم تكن هذه الظاهرة وحدها ثمرة ظهور الاختصاصات العلمية، بل ثمة ثمرة أخرى. فلقد أخذت كتب التفسير تتجه فيما بعد- من حيث العناية والاهتمام- وجهة اختصاص المؤلف.
فقد ألّف علماء العربية في تفسير القرآن، ليخدموا بذلك فنهم، فكان عملهم يتركز على إبراز بلاغته العربية وإعجازه اللغوي، من ذلك تفسير أبي حيّان الأندلسي وتفسير الكشاف للزمخشري وتفسير أبي السعود.
وألّف علماء الفقه فيه أيضا؛ ليستجلوا منه أحكام الحلال والحرام، فكان عملهم منصبّا منه على هذا الجانب أكثر من غيره، كالجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ت: ٦٧١) وأحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي (ت: ٥٤٣).
وألّف فيه علماء التوحيد والكلام، ليستخرجوا منه دلائل التوحيد وفروعه ومتعلقاته، فلم يعنوا منه العناية التامة إلا بهذا الجانب دفاعا عن العقيدة الإسلامية وتجلية لأمرها، كالإمام فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦) في تفسيره:
مفاتيح الغيب.
فهذه خلاصة كافية عن نشأة علم التفسير وتطوره.
مذاهبه وشروطه:
اتخذت مناهج المفسرين في تفسير كلام الله أحد مذهبين:
الأول: التزام الوارد في تفسير الآية عن الرسول ﷺ أو عن الصحابة أو التابعين، دون سوق أي زيادة على ذلك، اللهمّ إلا أن تكون شرحا لغويا لكلمة أو كشفا عن إعراب جملة أو نحو ذلك وقد أطلق على هذا المسلك فيما بعد اسم «التفسير بالمأثور».
الثاني: عدم التزام الاقتصار على ذلك، بأن يتجاوز المفسر حدود الوارد والمأثور في تفسير الآية، إلى استنباطاته الخاصة من دلائل الصيغة أو قواعد العلوم، إذا كان اللفظ قابلا لحمل المعنى المستنبط، وقد تكون هذه المعاني المستنبطة مباحث من علوم وفنون مختلفة غير التي تدل عليها الآية من قريب.
стр. 72
وقد أطلق على هذا المسلك فيما بعد اسم «التفسير بالرأي».
ويعدّ تفسير الإمام فخر الدين الرازي (مفاتيح الغيب) نموذجا بارزا للتفسير بالرأي، ويليه في ذلك تفسير الإمام البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) وتفسير أبي
السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم).
ولا يذهبن بك الوهم إلى أن أصحاب التفسير بالرأي يستبدلون بالرواية والأحاديث الثابتة في تفسير الآية رأيا أو حكما من عند أنفسهم، فهذا مما لا يقدم عليه مسلم وهو عمل محرم بالاتفاق.
بل الحقيقة أن ثمة قدرا مشتركا بين أصحاب التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، وهو الأخذ بما صحّ عن رسول الله ﷺ أو عن الصحابة (على الصحيح الذي يعتبر قول الصحابي في التفسير في حكم المرفوع) في تفسير الآية. ثم يفترقان بعد ذلك: فصاحب التفسير بالمأثور لا يزيد على ذلك إلا أن يعزز النقل بنقول أخرى مثلها أو مخالفة لها ليجمع بينهما، وصاحب التفسير بالرأي يجيز لنفسه أن يزيد على ذلك من اجتهاداته واستنباطاته المختلفة بقدر ما تسمح به دلالة اللفظ.
وعلى كلّ فإن الذي يجمع بين طريقتي التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي شروط أربعة لا بدّ من مراعاتها لكل من حاول أن يفسر شيئا من كتاب الله تعالى أيّا كان مسلكه ومنهجه في ذلك.
(الشرط الأول) التزام القول بما ورد عن رسول الله ﷺ في ذلك إذا كان فيه حديث ثابت صحيح؛ قالوا: ولكن ينبغي الحذر من الوقوع في الضعيف والموضوع أيضا، وقد بيّن العلماء ذلك وميّزوه.
وقال ابن جرير ما خلاصته: ومصدر هذا الوجوب أننا نقطع أن في القرآن ما لا ندرك معناه إلا ببيان الرسول، بدليل قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، مثال ذلك جميع الآيات المتعلقة بالأوامر والنواهي والإرشاد، مما يتوقف فهمه على معرفة نوع النهي والأمر فيه، ومبالغ فرائضه وقدرها وحدودها وشروطها وقيودها. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول
стр. 73
فيه إلا ببيان رسول الله أو إقراره لأحد من أصحابه (١).
وعلى هذا المعنى ينزّل ما ورد عن رسول الله ﷺ من قوله: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار رواه الترمذي وأبو داود. وما روى عن أبي بكر ﵁ أنه قال (أي أرض تقلّني وأي سماء تظلني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم؟).
(الشرط الثاني) التزام الأخذ بقول الصحابة إذا كان قد أثر عنهم في ذلك قول. وهذا ما ذهب إليه الأكثر من أن تفسير الصحابة للقرآن يعتبر في حكم المرفوع إلى النبي، وذلك لأنه ليس من قبيل الرأي وإنما هو في الحقيقة من قبيل الرواية.
(الشرط الثالث) التزام قواعد اللغة العربية وضوابطها ومقاييسها في التفسير. فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وإنما تفسره الدلالات اللغوية والقواعد العربية. فمن لم يكن ذا بصيرة سليمة في فهم العربية فليس له أن يفسر شيئا من كتاب الله . روى البيهقي في شعب الإيمان عن مالك بن أنس قال: لا أوتى برجل غير عالم بلغات العرب، يفسر كتاب الله تعالى، إلا جعلته نكالا.
(الشرط الرابع) التزام المقتضى الذي يدل عليه العلم بكتاب الله تعالى، والتزام أصول الشرع وقواعده في الفهم والاستنباط والاجتهاد كالمفهوم والفحوى ودلالة العام والخاص والمطلق والمقيد، وهي في مجموعها إنما تعتبر ملكة علمية تؤهل صاحبها لاستنباط المعاني والأحكام من كتاب الله .
فليس من ضير (بعد أن يلتزم المفسّر الشروط الثلاثة الأولى) في أن يستنبط مزيدا من التفسير للآية بدلالة المقتضى والقواعد العلمية التي ترسّخ في معرفتها وتذوقها.
واستنباط المعنى من الآية بهذه الوسيلة، هو الذي دعا به النبي لابن عباس حينما قال: (اللهمّ فقّهه في الدين وعلّمه التأويل) وهو المقصود بما قاله
стр. 74
علي ﵁ عند ما سئل: هل خصّكم رسول الله بشيء؟ فقال: ما عندنا غير ما في هذه الصحيفة أو فهم يؤتاه الرجل (رواه البخاري).
ولكن لا يجوز تفسير القرآن- على كل حال- بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل يستند إليه، فهو أشبه بحال من لم تكن عنده أي بصيرة فقهية وهو يزعم أنه يجتهد في استنباط أحكام الفقه. ففي حق مثل هذا قال رسول الله ﷺ : (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) وقال:
(من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
قال البيهقي في شعب الإيمان: هذا إن صحّ، فإنما أراد- والله أعلم- الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه، فمثل هذا لا يجوز تفسير القرآن (١).
فهذه الشروط لا بدّ من التزامها سواء بالنسبة لمن يفسر القرآن بالمأثور ولمن يفسره بالرأي.
وبذلك تعلم أنه لا خلاف بين هذين المنهجين في التفسير من حيث نقد أصحاب أحدهما على الآخرين، وإنما هو مجرد اختيار للطريقة، وما دامت الشروط متوافرة فلا ضير.
ونختم حديثنا عن التفسير ببيان أن ما يسلكه بعض الناس اليوم من تفسير الآيات الكونية في كتاب الله تعالى طبق نظريات وآراء علمية، لا دلالة في الآية عليها بميزانها اللغوي وحسب القواعد العلمية للتفسير، هو من قبيل التفسير الفاسد الذي يتّبع فيه المفسر رأيه المجرد. ومثله ما يسمى بالتفسير الإشاري أو الباطني الذي ينتهجه بعض الفرق الباطنية أو المنحرفون من المتصوفة؛ ويسير وراءهم في ذلك طائفة أخرى من الناس، هان عليهم القرآن وفرغت قلوبهم من الشعور بجلاله وهيبته، فاقتحموا إليه
بالتفسير والتأويل،
стр. 75
طبقا لما تهواه أنفسهم وتستدعيه عصبياتهم وأخيلتهم، وهم عن الشروط والضوابط التي ذكرناها، معرضون وغافلون.
فالقرآن عند هؤلاء الناس ليس أكثر من خادم لتأييد آرائهم ومذاهبهم وأخيلتهم! ... لهم أن يختاروا ما يشاءون من المذاهب والآراء والتصورات في حق أنفسهم ومصيرهم والكون الذي من حولهم، وعلى القرآن أن يكون طوع آرائهم والخادم الأمين لتصوراتهم وأفكارهم، ولا ضير أن يجرّ القرآن إلى ذلك جرّا، خارج حدود اللغة وضوابطها والحقيقة ومجازها!! ...
فإذا كانت تصوراتهم وقناعاتهم النفسية تقضي بأن عذاب الكافرين يوم القيامة مجرد شعور معنوي مبعثه الشعور بالندامة والخزي، فما أيسر عليهم أن يشطبوا على كل الآيات القرآنية الصريحة ذات الدلالة القاطعة المؤكدة بأنه عذاب جسدي ومعنوي معا، وأن لهذا العذاب أدوات ووسائل مادية محسوسة.
فإن المهم ما توحي به تصوراتهم وأوهامهم لا ما يقرره كتاب ربهم.
قلت لواحد من هؤلاء: إنكم تزعمون أن الشعور بالخزي هو مصدر عذاب الكافرين يوم القيامة، ولكن القرآن يقول صراحة نقيض ما تزعمون، إذ هو يقرر أن الخزي فرع عن دخولهم النار. ألا ترى إلى قوله وهو يعلّمنا كيف ندعوه ونلجأ إليه: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار) ثم ما علاقة الشعور بالخزي المعنوي بالجلود التي تنضح من شدة العذاب فيبدلها الله جلودا أخرى ليستمر العذاب ... وهو ما يقرره القرآن بعبارة صريحة وقاطعة؟! ...
ورأيت الرجل يذهب في الاعتداد برأيه وتصوراته، مذهبا يجعله غير مبال بكل ما يقوله القرآن خلافا لتصوراته! ... ونحن لا نشك أن هؤلاء إنما يعبدون أفكارهم وقناعاتهم، تلك هي الحقيقة مهما جاءت مغلفة ومقنعة.
والمهم أن تكون أيها القارئ على حذر من أن تسري إليك عدوى تأليه الأفكار والقناعات الذاتية، فتكون بذلك ممّن قال الله عنهم: أفمن اتخذ إلهه هواه ...
стр. 76
واجعل عونك في هذا الحذر تذكّر الشروط والضوابط التي تحدّثنا عنها لتفسير القرآن. ثم اجعل قدوتك في ذلك أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين الذين جاءوا على أثرهم. وتأمل كيف كانوا في غاية الأدب مع كتاب الله والتوقير له، وكيف كانوا يجعلون نصوص القرآن حاكمة على آرائهم وتصوّراتهم، على نقيض ما يفعله هؤلاء الذين خلفوا من بعدهم. نسأل الله أن يحررنا من أهوائنا ورعوناتنا. ويجعلنا عبيدا صادقين له، لا نروغ عن أمره ولا نتلاعب ببياناته وأحكامه.
стр. 77
المكّيّ والمدنيّ تعريف كلّ منهما، خصائص كلّ منهما، الفائدة من معرفة ذلك
تمهيد:
ينقسم القرآن في مجموعه إلى مكّي ومدني. وقد عني العلماء والرواة عناية كبرى بتمييز هذين القسمين عن بعضهما واستخراج خصائص كلّ منهما، لما يترتب على ذلك من الفوائد التشريعية والتاريخية التي ستعلمها فيما بعد بل لقد عني الرواة والباحثون بتصنيف القرآن إلى ما نزل منه في النهار وما نزل منه في الليل، وإلى ما نزل منه في الأسفار.
ونحن لن نتناول في هذه العجالة حديث الليلي والنهاري أو الحضري والسفري من القرآن، لأنّا نرى أن فائدة ذلك- في هذا المقام- فائدة جزئية ضعيفة، وإن كان البحث فيه ينبّهنا إلى مدى اهتمام العلماء والرواة بالقرآن وإلى مدى خدمتهم ودراستهم له من شتى الجوانب المختلفة.
تعريف المكّي والمدني:
للعلماء ثلاثة اصطلاحات في تعريف كلّ من المكّي والمدني.
أحدها: أن المكّي هو كل ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة، سواء كان ذلك من قبل الهجرة أو بعدها. فالاعتبار على هذا الاصطلاح للمكان وحده.
والثاني: أن المكّي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة، فالاعتبار على هذا للموضوع وحده.
والثالث: أن المكّي ما نزل من قبل الهجرة والمدني ما نزل من بعد
стр. 78
الهجرة، دون النظر إلى مكان النزول بالذات. والاعتبار على هذا للزمان وحده.
وهذا الاصطلاح الثالث هو أشهر وأصح ما قيل في هذا الموضوع.
وبناء على ذلك فإن كل ما نزل من القرآن من قبل هجرته ﷺ إلى المدينة يسمى مكيّا سواء نزل في مكة أو في الطائف أو في أي جهة أخرى. وكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني سواء نزل بالمدينة أو في الأسفار والغزوات أو في مكة في عام الفتح.
وقد تجد في القرآن سورا نزلت كلها من قبل الهجرة كسورة «ق» و «هود» و «يوسف». وقد تجد فيه سورا نزلت كلها بعد الهجرة كسورة «البقرة» و «آل عمران». وقد تجد فيه سورا كلها مكيّة إلا بضع آيات منها، نزلت بعد الهجرة كسورة الأنعام: كلها مكّي إلا ست آيات منها فهي مدنية نزلت بعد الهجرة، وقد تجد سورا كل آياتها مدنية
إلا بعض آيات منها فهي مكية كسورة الأنفال والتوبة.
ولعلك تسأل: فكيف تسنى للعلماء أن يعرفوا تفصيل هذا الأمر، وكيف أمكنهم أن يعلموا أن هذه الآية نزلت في مكة والأخرى بالمدينة، وأن هذه نزلت في الليل وتلك نزلت في النهار؟
والجواب أن سبيل معرفة ذلك إنما هي الرواية الصحيحة الصادقة، وهي السبيل ذاتها التي وقف بها العلماء على تفسير القرآن بالمأثور، كما مرّ بيانه. ومما سهّل للعلماء ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم عنوا بالقرآن عناية فائقة عجيبة، فكانوا يؤرخون كل آية بوقت نزولها ومكانها، وربما اتخذوا من الأماكن والجبال والمفاوز التي يعلمونها، أماكن ذكرى، بسبب آية أو آيات من القرآن قد نزلت فيها على رسول الله ﷺ (١).
روى البخاري بسنده عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت
стр. 79
آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه (١).
وذكر في الإتقان نقلا عن كتاب الحلية بالسند أن رجلا سأل عكرمة ﵁ عن آية من القرآن فقال: نزلت في سفح ذلك الجبل، وأشار إلى سلع (٢).
وأنت خبير أنّا لا نقصد بما نقول جميع الصحابة، بل إن فيهم من لم يتوفر على ذلك، ولكنا نقصد منهم أولئك الذي اشتهروا بقراءة القرآن وحفظه ونقله من فم الرسول ﷺ ، وهم كثيرون. فكانوا يحفظون مع نطق الآية وتلقيها وكتابتها- تاريخ نزولها.
فاشتغل التابعون ومن بعدهم برواية هذا كله ونقله، بالطرق العلمية، وحسب قواعد المصطلح. وبذلك وجد العلماء بين أيديهم ما أطلق عليه فيما بعد اسم (علم المكّي والمدني).
خصائص كلّ منهما:
علمت مما قلناه أن الآيات المكيّة من القرآن، هي التي نزلت في صدر الإسلام وهي الفترة التي يحدّها من الزمن ثلاثة عشر عاما، أمضاها رسول الله ﷺ في مكة معذبا مضطهدا، يقابل الإيذاء والاضطهاد بالمسالمة، مع المضي في الدعوة إلى الحق الذي أوحي إليه.
وعلمت أن الآيات المدنية، هي التي نزلت من بعد الهجرة، وهي الفترة التي يحدّها من الزمن عشرة أعوام، بنى فيها رسول الله ﷺ الدولة الإسلامية حيث تكاملت مقوّماتها الإدارية والدستورية والقانونية.
وعلى هذا، فإنك تجد خصائص كلّ من القسمين، مستمدة من طبيعة هاتين المرحلتين التي عاشها النبي ﷺ قائما بأمر الدعوة.
стр. 80
فأنت تجد أن الآيات المكيّة تمتاز بواحد مما يلي:
١"- ذكر قصص الأنبياء والأمم الخالية ودعوة الناس إلى الاعتبار بهم إلا ما يتعلق بالحديث عن مريم وعيسى ﵊ وقصة ولادته، فقد نزل بعض ذلك في المدينة حجاجا لأهل الكتاب.
٢"- المناقشة والحجاج وعرض الأدلة على وجود الله تعالى ووحدانيته وعلى بعث الأجساد مع أرواحها من بعد الموت للحساب.
٣"- تثبيت فؤاد الرسول ودعوته إلى الصبر على الأذى تأسيا بمن سبقه من الأنبياء والمرسلين الذي بعثوا لدعوة الناس إلى هذا الدين ذاته.
٤"- يغلب على الآيات المكيّة أن تكون قصيرة ذات وقع معين في الأذن والنفس، تبعث على الرهبة والخشية وتشعر بمعنى الجلال والجبروت، كمعظم السور التي تقرأها في جزء تبارك وعمّ يتساءلون.
فهذه الخصائص تجدها في الآيات المكية وهي من طبيعة المرحلة التي كانت تمر بها الدعوة الإسلامية. أما خصائص الآيات المدنية فهي ما يلي:
١"- البحث في الأحكام والتشريعات المتعلقة بالعبادة والمعاملات والحدود وغيرها.
٢"- الأمر بالجهاد والقتال والتعليق على الغزوات وما يتعلق بها من شأن الغنائم والأسرى والمنافقين.
٣"- البحث في شئون الحكم والشورى وضرورة الرجوع فيهما إلى الكتاب والسنّة.
٤"- يغلب على الآيات المدنية أن تكون طويلة فيها اللين والهدوء، ووعد المسلمين بالفوز والنصر (١).
فتلك هى خصائص الآيات المدنية وهي من طبيعة المرحلة الثانية التي
стр. 81
مرّت بها الدعوة الإسلامية. وبهذا تستطيع أن تميز بين السور المكيّة والمدنية من غير الرجوع إلى روايات العلماء والمفسرين في ذلك. فحسبك أن تقرأ سورة البقرة وتطّلع على ما تجمع فيها من أحكام الصيام والحج والوصية والقصاص والنكاح والرضاع والطلاق وغيرها لتعلم أنها سور مدنية. وحسبك أن تقرأ سورة مثل سورة ق وتقف على ما فيها من الحجاج والنقاش مع المشركين وما فيها من الأدلة على وجود الله، وما ينبعث من جرسها وفواصلها وإيقاع آياتها من معاني الشدة والتهديد والجبروت، لتعلم أنها سورة مكية.
الفائدة من معرفة هذا العلم:
تتوقف فوائد علمية كثيرة على معرفة المكّي والمدني من القرآن.
فمن أهمها معرفة ما قد يوجد في القرآن من ناسخ ومنسوخ، ليصار إلى الأخذ بالناسخ واطراح المنسوخ (في مجال الأحكام والتشريع) وإنما تتوقف معرفة ذلك على معرفة تاريخ نزول الآيات.
واعلم أن وجود (الناسخ والمنسوخ) في القرآن، اقتضته ضرورة أخذ الناس بالتدرج في الأحكام الشرعية؛ كالآيات التي نزلت متدرجة في تحريم الخمر، وكالآيات التي نزلت في عقوبة الزنى.
وليس معنى نسخ الحكم في آيات القرآن أن قرآنيتها قد سقطت بذلك، بل هي تظل قرآنا يتلى ويتعبد به وهي من كلام الله ، ولكن يبطل العمل بها لمكان الآية التي نسختها.
وفائدة ذلك لنا نحن، التبصّر بالمراحل التدريجية التي سار فيها التشريع والاطّلاع على الطريقة الحكيمة المثلى التي أخذ الله بها عباده فيما سنّ لهم من أحكام.
ثم إن (الناسخ والمنسوخ) علم خاص من علوم القرآن، بحث وكتب فيه علماء التشريع. ولكنّا نكتفي منه هنا بالذي أوضحناه لك، والزيادة عليه شيء يتعلق بالفقه والتشريع أكثر من تعلقه بالعربية وآدابها.
стр. 82
ومن فوائد ذلك أيضا تتّبع مراحل الدعوة الإسلامية، والاطّلاع على كيفية تكامل بنية الفكر والتصور الإسلامي، وهو مما يهم الباحثين في تاريخ التشريع وأطواره.
ومن فوائده أنه يبصّر القارئ والمفسر بمعنى الآية ويحجزه عن الخطأ في تفسيرها. ذلك أن من قرأ سورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ولم يعلم زمن نزولها وهل هي مكية أم مدنية، فإنه يحار في معناها، وقد يستخرج منها أن المسلمين لا يكلفون بالجهاد في أيّ الأحوال، وإنما عليهم أن يقولوا للآخرين: لكم دينكم ولي ديني. فإذا علم أن هذه السورة إنما نزلت في مكة، عند ما قال بعض صناديد الشرك لرسول الله ﷺ : تعال يا محمد نعبد إلهك يوما وتعبد إلهنا يوما- إذا علم هذا، أدرك أن هذه السورة إنما هي علاج لتلك المرحلة ذاتها، وليست دليلا على عدم مشروعية الجهاد الذي نزلت فيه آيات كثيرة أخرى في المدينة.
стр. 83
المبهم والمتشابه في القرآن
تمهيد:
اعلم أن عامّة جمل القرآن وألفاظه لا تخرج عن أن تكون من قبيل المحكم أو المتشابه أو المبهم.
فأما المحكم، فهو ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره (١) وأما المبهم فهو ما قد يعرف ظاهره ولكن العقل يتوقف في تصوره وتفصيله وإدراك حقيقته، وأما المتشابه فهو ما احتمل وجهين أو وجوها من المعنى دون وجود ما يعين واحدا منها تعيينا ظاهرا أو قاطعا.
وقد ذهب بعض الكاتبين إلى إدخال «المبهم» في المتشابه وجعل القسمة ثنائية، ولكن مذهب من ميّز بين المبهم والمتشابه أدق وأوجه، إذ إنه إذا صحّ إدخال بعض أنواع المبهم- مثل فواتح السور- في المتشابه فهنالك أنواع أخرى منه لا تدخل فيه ولا يمكن أن تعتبر منه، كتلك الأنواع التي سنتحدث عنها.
هذا، وإن عامّة آيات القرآن مما يتعلق بالأوامر والنواهي والإرشاد والوعد والوعيد، من قبيل المحكم، ولذلك أطلق الله تعالى عليها اسم: «أمّ الكتاب» إذ قال: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي أساسه وجوهره الذي يقع به الخطاب ويتم به التكليف. وما فيه من المتشابه والمبهم، قليل بالنسبة
стр. 84
للمحكم، وجد لحكمة باهرة سنذكر طرفا منها فيما بعد.
ولقد أطال الباحثون عن الحديث في محكم القرآن ومبهمه ومتشابهه، لا سيما في القسمين الأخيرين منه، وأفرد السهيلي وابن عساكر والقاضي بدر الدين بن جماعة تآليف في مبهم القرآن وبيان حكمه، كما أفرد ابن أبي الأصبع تأليفا في فواتح السور (١)، وهو نوع من مبهم القرآن.
ونحن لن نذكر في هذه العجالة إلّا ما لا بدّ منه لدارس اللغة العربية وآدابها. وعلى من أراد التوسّع في ذلك أن يرجع إلى ما كتبه علماء الكلام والتفسير وإلى المؤلفات
الخاصة بالبحث في علوم القرآن.
المبهم: أنواعه، أمثلة له، الحكمة منه:
مبهمات القرآن كلها، تنحصر في نوعين، وذلك حسب شدة الإبهام وضعفه:
النوع الأول: الأحرف المقطعة التي افتتح بها بعض السور
، كقوله تعالى: الم، حم، كهيعص فهي ألفاظ مبهمة، بمعنى أن القارئ لا يفهم منها شيئا وراء ظاهر حروفها وما ينطق به منها.
ولقد انقسم العلماء في تأويل هذه الفواتح إلى مذهبين:
أحدهما: أن لهذه الفواتح علما مستورا وسرّا محجوبا استأثر الله بعلمه، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق ﵁، فقد قال فيما روي عنه:
في كل كتاب سر، وسرّه في القرآن في أوائل السور (٢).
ثانيهما: أن لهذه الفواتح مرادا معلوما ومعنى يمكن الوصول إليه بالنظر والبحث، وإلى هذا ذهب جمهور الباحثين من علماء الكلام: «العقيدة» والعربية وغيرهم. وهو المروي عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وجمع كبير من الصحابة (٣).
стр. 85
ولأصحاب هذا المذهب الثاني تأويلات وتحليلات مختلفة، لا نستبعد أن تكون كلها مقصودة كما قال ابن فارس وغيره (١)، إذ هو الشأن الغالب على معظم ألفاظ القرآن: تحتمل اللفظة معاني مختلفة كلها يصلح أن يكون مرادا، إذ كلها مصداق للحقيقة التي تعبّر عنها الآية. وهذا من أبرز مظاهر الإعجاز في القرآن، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
غير أنّا نذكر من هذه التأويلات أقربها إلى النظر وأسرعها إلى الذهن وأكثرها شيعة وأنصارا، فقد ذهب قطرب والفرّاء والمبرّد وعامّة علماء العربية وجمع عظيم من المحققين إلى أن هذه الأحرف المقطعة إنما افتتحت بها السور، لتدل على أن القرآن ليس إلّا كتابا ألّف من هذه الأحرف الهجائية: أ. ب.
ت. ث .. إلخ، هي تلك التي تبنون كلامكم وأشعاركم منها، ومع ذلك فلن تستطيعوا أن تؤلفوا من هذه الأحرف كلاما مثله (٢). ويدلّ على سلامة هذا التفسير ووضوحه أن الكلمة التي تلي هذه الفواتح تحمل معنى الكتاب وتقع في معظم الأحيان موقع الخبر منها كقوله تعالى في سورة البقرة: الم، ذلِكَ الْكِتابُ وفي سورة الأعراف: المص، كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وفي سورة يونس: الر، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ وفي سورة هود: الر، كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ وفي سورة النمل: طس، تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ.
ولا يبعد أن تكون هذه الأحرف المقطعة تحمل إلى جانب هذه الدلالة أسرارا معينة، وأن تكون قد سيقت مساق القسم بها، وأن يكون موقعها في صدر السورة موقع التنبيه للأسماع والأذهان إلى الكلام الذي يعقبها.
النوع الثاني: جمل وألفاظ
، هي من حيث تركيبها وظاهر دلالتها أمر واضح ومعلوم؛ ولكن فيها إبهاما من حيث الزمن المتعلق بها، أو من حيث تعيين أسماء المشار إليهم فيها، أو من حيث نكارة وغرابة المتحدّث عنه فيها،
стр. 86
فهذه ثلاثة أصناف للإبهام في نوعه الثاني، نذكر لكل صنف منها مثالا:
مثال الصنف الأول، الآيات المتعلقة بقيام الساعة، من مثل قوله تعالى:
... إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها الآية، فالجمل التركيبية في هذه الآية واضحة المعنى ولكن فيها إبهاما تتطلع إلى كشفه النفس، وذلك من حيث تحديد الزمن الذي ستقوم فيه الساعة أي يوم القيامة، ولا شك أنه أمر مبهم ستره الله حتى عن علم الأنبياء والمقرّبين إليه.
ومثال الصنف الثاني، قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ، قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (المائدة: ٢٧).
فالجمل والكلمات في هذه الآية واضحة الدلالة والمعنى، ولكن فيها إبهاما من حيث تعيين المقصود بولدي آدم فمن هما ولدا آدم اللذان كان من شأنهما ما أخبر به عنهما؟ وهو إبهام كشفت عنه السنة وما وصلنا من تفسير الصحابة رضوان الله عليهم، فالمقصود بولدي آدم في الآية: قابيل، وهابيل، وهما ولدا آدم لصلبه.
ومثال الصنف الثالث، قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا، يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (١). فمن هم يأجوج ومأجوج ومتى يحين وقت ظهورهم وما هو شأنهم وعملهم؟ ذلك أيضا من المبهم الذي لم تكشف عنه الآية بأكثر من الإخبار عنه وأنه من الغيب الذي سيقع في حينه المقدّر له في علم الله.
ومثاله أيضا قوله تعالى: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (النمل: ٨٢). فما هي هذه الدابة التي ستخرج إلى الناس تكلمهم وتحدّثهم؟ لا تزيد الآية على
стр. 87
الإخبار بهذا الغيب الذي سيقع، وتفصيل الأمر فيه من المبهم الذي لا يكشف عنه إلا الواقع الذي يأتي في حينه.
فهذه أمثلة لأصناف المبهم الذي وقع في القرآن، وإذا تأملت فيها علمت أن منها ما أمكن تفسيره وكشفه عن طريق الوقوف على تفسير السنّة له، ومنها ما ظل مبهما مكنونا في غيب الله ، لا يكشفه إلا الواقع الذي أخبرت عنه الآيات.
بقي أن تعلم الحكمة من وجود مثل هذه المبهمات في كتاب الله .
فأما الإبهام المتعلق بفواتح بعض السور، فقد علمت مما ذكرناه، أن مذهب جمهور العلماء والباحثين أن لهذه الفواتح معنى يمكن الوصول إليه بالنظر والبحث، فالإبهام فيها إنما هو بمعنى الغموض والخفاء اللذين يمكن إزالتهما والوصول إلى ما وراءهما، وليس بمعنى انغلاق اللفظ على المعنى واستحالة وصول القارئ أو المتدبر إلى المقصود.
غير أنك قد تسأل: ففيم هذا الغموض والخفاء وإنما هو كتاب أنزل للقراءة والفهم؟.
فالجواب: أن القرآن- كما يقول ابن قتيبة- إنما نزل بألفاظ العرب ومعانيها ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة، والتوكيد، والإشارة إلى الشيء، وإغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلا اللقن (سريع الفهم) وإظهار بعضها وضرب الأمثال لما خفي.
ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر (١).
ولا شك إن من فوائد ما تلبّست به هذه الفواتح من الإبهام، ما تراه من الأبحاث المختلفة الجليلة، التي أقامها العلماء على هذه الفواتح سواء منها ما
стр. 88
يتعلق بطبائع هذه الحروف ووجه اتّساقها مع بعضها، وما يتعلق بالعلوم المستخرجة منها والدلالات المشيرة إليها، حتى غدت هذه الفواتح مصدر علم قائم برأسه من علوم القرآن. وإنما اندفع العلماء الباحثون إلى استخراج كل ذلك والبحث فيه بسبب ما يكتنفها من الغرابة والغموض الحاملين على النظر والفكر.
وإنما يأتي الكشف والإبداع من وراء الحاجة وضيقها. وإنما يقع الخمول والبلادة من الشعور بالاستغناء والكفاية.
والإعجاز القرآني في جملته، قائم على البحث والنظر في أمور منها الخفي والجليّ، ومنها الدقيق والأدق، واللطيف والألطف، وإلا فكيف تنبع المعاني للجملة الواحدة من وراء بعضها، وكيف تأتي الدهشة لها إذا كان جميعها من الظهور بحيث تنكشف لكل قارئ وناظر مهما تفاوتت درجة العلم ورتبة الفهم؟
واعلم أننا إنما نصدر في هذا الذي نقول، عن المذهب الذي تمسك به جمهور الباحثين من أن ما قد يوجد في القرآن من المبهم أو المتشابه يمكن للراسخين في العلم أن يفهموا منه فهما صحيحا ويقعوا منه على علم، حاشا المغيبات التي أشار القرآن إليها أو تحدّث عن طرف منها وأبهم منها طرفا آخر.
ونقول في هذا ما قاله ابن قتيبة في كتابه، تأويل مشكل القرآن:
[ولسنا ممّن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم.
وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى. ولم ينزل الله شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده ويدلّ به على معنى أراده. فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره، للزمنا للطاعن مقال وتعلق علينا بعلّة.
وهل يجوز لأحد أن يقول: رسول الله لم يكن يعرف المتشابه وإذا جاز أن يعرفه مع قول الله تعالى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ جاز أن يعرفه الربانيون من الصحابة، فقد علم عليّا التفسير ودعا لابن عباس فقال: اللهمّ علّمه التأويل وفقهه في الدين].
стр. 89
ثم قال ابن قتيبة:
[وبعد فإنّا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا لا يعلمه إلا الله، بل أمرّوه كله على التفسير، حتى فسروا الحروف المقطعة في أوائل السور مثل: الر،
وحم، وطه، وأشباه ذلك. فإن قال قائل: كيف يجوز في اللغة أن يعلمه الراسخون في العلم والله تعالى يقول: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ وأنت إذا أشركت الراسخين في العم انقطعوا عن يَقُولُونَ وليس هاهنا واو نسق توجب للراسخين فعلين، وهذا مذهب كثير من النحويين في هذه الآية، ومن جهته غلط قوم من المتأولين- قلنا له: إن يَقُولُونَ هاهنا بمعنى الحال، كأنه قال: والراسخون في العلم قائلين: آمنّا به. ومثله في الكلام: لا يأتيك إلا عبد الله وزيد يقول: أنا مسرور بزيارتك، يريد لا يأتيك إلا عبد الله وزيد قائلا أنا مسرور بزيارتك] (١).
وأما الإبهام في النوع الثاني: وهو الجمل المفهومة من حيث ظاهر دلالتها وتركيبها، ولكن فيها إبهاما من حيث تعيين الزمن أو تعيين الأسماء أو نكارة المتحدّث عنه وغرابته- فمردّ ذلك إلى أحد أسباب ثلاثة:
السبب الأول: عدم تعلق أي غرض بتفصيله والكشف عنه كالذي يكون في مساق ذكر بعض القصص والأحداث، من إبهام أسماء الأشخاص وعدم تعيين الأمكنة أو الأزمنة المتعلقة بها. فهذه القصص والأحداث إنما تساق للاتعاظ بها وأخذ العبرة منها. وتحقيق ذلك يتوقف على عرض الجانب الذي يحمل معنى العظة والعبرة، دون غيره، مما يشتت الذهن عن المطلوب ويبعد المتأمل عن القصد. ولذلك لم يتعلق الغرض القرآني بالكشف عن اسم ولدي آدم وهويتهما في الآية المذكورة، ومن أجل ذلك أيضا يقوم أسلوب القصة في القرآن على توجيه القارئ إلى مكان العبرة منها وتحويل ذهنه عن اللحاق بجزئياتها وهوامشها التاريخية المجردة. وسنفصّل القول في ذلك إن شاء الله عند الحديث عن القصة في القرآن.
стр. 90
السبب الثاني: أن يكون هذا الأمر المبهم من الغيوب التي استأثر الله تعالى بعلم أزمنتها وآجالها. وأنت تعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت أن يخفي عن عباده- لمصلحة عظيمة باهرة- كثيرا من الحقائق المتعلقة بالغيب الذي لم يقع بعد. وأهمها أجل الإنسان الذي تنتهي عنده حياته وأجل الدنيا الذي تقوم عنده الساعة، وما سيجنيه من ربح أو خسران وسعادة أو شقاء.
فكل الآيات التي تتعلق بمثل هذه الأمور، يظل فيها هذا الجانب مبهما، لأن الغرض الديني قد تعلق ببقائه كذلك، ولأن حقيقة العبودية لله تقتضي ذلك. فمن هذا القبيل قوله تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، وقوله تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ.
وهكذا، فالحقيقة الدينية في مجموعها قائمة على هذا النوع من الإبهام:
إبهام الأمور الغيبية من حيث عدم كشف أزمنتها وتعيين كيفيتها وآجالها. وذلك ليتلبس الإنسان بحقيقة «الإيمان بالغيب» الذي تعبده الله به.
السبب الثالث: كون الأمر المتحدّث عنه لم يقع بعد. ومن شأن الخبر المتحدّث عنه مما لم يقع بعد، ولم يقع له نظير أو مثيل فيما مضى، أن يظل جانب كبير فيه مبهما، لا يكشفه إلا الواقع والحقيقة. وقد أخبرنا الله عن أمور غريبة ستقع في المستقبل، وهي مما لم يقع له نظير فيما مضى، كالإخبار عن دابة الأرض ويأجوج ومأجوج في الآيات السابق ذكرها، فمما لا ريب فيه أن الصورة الجليّة لمثل هذه الأمور في الذهن لا تتوفر بمجرد الوصف والإخبار، وإنما تأتي لدى المشاهدة والعيان. فالإيهام في هذه الحالة أمر طبيعي لا إشكال فيه، اقتضاه عدم وقوع المخبر عنه بعد.
المتشابه: المقصود به، حكمه
وإنما نقصد بالمتشابه تلك الجمل التي تنازعها أكثر من معنى واحد، إذ كان اللفظ أو التركيب صالحا للدلالة على كلّ منها دون أن يكون صالحا للدلالة عليها كلها بآن واحد. فيحار المفسّر في المعنى المراد منها، لأن كلها شبيه بها
стр. 91
وقريب. ولقد قيل بعد ذلك لكل ما غمض ودقّ: متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة شبهه بمعنيين. ولكن الطريقة التي سلكناها من التفريق بين المبهم والمتشابه تقتضينا أن نقصر اسم «المتشابه» على معناه الأساسي الأول في هذا المقام.
والآيات المتشابهة بالمعنى الذي ذكرناه، إنما وقع فيها ذلك من جهة المجاز واستعماله. فبسببه قد يقع الغلط ويكثر التأويل وتختلف المذاهب والأقاويل.
غير أنه ينقسم إلى نوعين: فأما النوع الأول منه فالخطب فيه يسير وأمر التأويل فيه واضح، ووجه المجاز فيه غير خفي.
وهذا النوع ينطبق على عامّة الآيات التي تتجلى فيها البلاغة القرآنية عن طريق التصوير وتجسيم المجردات من المعاني. فلا يكاد يقع في أمرها اشتباه إلا بالنسبة لمن كانت بضاعته في العربية ناقصة وضعيفة.
مثال ذلك قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (١) وقوله: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٢) وقوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٣) وقوله عن بعض الكافرين الذين أهلكوا: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٤).
فلا يشك العربي أن المقصود بالآية الأولى: سنقصد إليكم بعد طول الترك والإهمال، وأن المقصود بالآية الثانية: الكناية عن مدى سعتها، مع عدم أي مانع من أن يكون الأمر على الحقيقة فيسأل الله النار وينطقها بالجواب، تهويلا للأمر وكشفا عن جليل قدرته وتنبيها إلى عدم وجود أي قيمة حقيقية لمعنى الأسباب والمسببات الكونية؛ وأن المقصود بالآية الثالثة: بيان شدة الأمر على الناس إذ ذاك، وأن المقصود بالآية الرابعة: أنه لم يبك عليهم باك ولم يجزع لفقدهم جازع.
стр. 92
وأما النوع الثاني فهو الذي وقع بصدده الكلام والبحث واختلفت حوله آراء العلماء فيما يبدو. وينطبق هذا النوع على بعض آيات الصفات الإلهية، من مثل قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (١) وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (٢) وقوله: وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣) ومحل الشبهة في مثل هذه الآيات أن ظاهرها يثبت لله تعالى جوارح ومكانا، وهو مخالف لصريح قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (٤).
وموقف العلماء والمفسرين من مثل هذه الآيات ينبثق عن سلوك مرحلتين اثنتين:
الأولى منهما يمثل منطلقا متفقا عليه لم يقع بينهم في ذلك خلاف، وهو تفسير المتشابه على ضوء المحكم من الآيات القرآنية. وقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ من المحكم الذي لا شبهة في معناه. فاتفقوا على أن الله تعالى لا يشبهه شيء من المخلوقات وصفاتهم وأحوالهم.
الثانية منهما محل خلاف في الظاهر، وهو تأويل آيات الصفات إلى المجاز أو تفسيرها على الحقيقة. فالسلف الأول من العلماء والمفسرين آثروا إبقاء اللفظ على الحقيقة مع الإيمان بأن الله تعالى لا مثيل له، وبأنه منزّه عن صفات النقص، ووكلوا تحليل الأمر في ذلك وشرحه إلى الله .
ذكر السيوطي عن أمّ سلمة ﵂ أنها سئلت عن قوله تعالى:
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقالت: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر. وسئل مالك ﵁ عن هذه الآية فقال: الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
стр. 93
وأما الخلف منهم، وهم الذين جاءوا في عصر ازدهار التدوين والعلوم، واتساع حلقات البحث والمناقشات العلمية، فقد آثروا أن يحملوا ألفاظ هذه الآيات على محمل يليق بذات الله تعالى مع التزام الدلالة اللغوية والخضوع لقواعد الأخذ بالحقيقة والمجاز وعدم الخروج عليها أو التكلّف في معالجتها؛ ففسروا الاستواء بتسلط القوة والسلطان، وفسروا اليد بالقدرة، والعين بالعناية والرعاية. وهو تفسير تدل عليه طبيعة الاستعمال اللغوي وجملة الأسلوب القرآني.
وإنما قلنا إن الخلاف في الأمر الثاني خلاف في الظاهر فقط، لأن المآل فيما ذهب إليه كلّ من السلف والخلف واحد، ما دام الجزء الأول من التفسير محل اتفاق وهو أنه لا يشبهه شيء من مخلوقاته وأنه منزّه عن جميع صفات النقص. والخلاف شكلي، ينحصر في طريقة تفسير هذه الألفاظ التي تدور بين تركها على حقيقتها مع تنزيه الله تعالى عن الكيف والنقص، وتأويلها على المجاز لتتفق لغويا مع تنزيه الله تعالى عن الكيف والنقص.
ولقد شنّع ابن تيمية ﵀ كثيرا على طريقة الخلف هذه، وعدّها جانحة جنوحا حقيقيا عن مذهب السلف. وأنكر على سائر علماء الخلف (وهم الذين جاءوا بعد القرن الثالث) استعمال هذه الألفاظ القرآنية في غير حقيقتها، لا سيما المتعلقة بذات الله تعالى وصفاته.
ولكنّا نجزم بأن الخطب في ذلك يسير، والخلاف أهون من أن يكون جنوحا لهؤلاء الأعلام، عن مبادئ العقيدة الإسلامية وأصول التفسير.
والعجيب أن ابن تيمية بعد كل هذا التشنيع يتأول (الوجه) في قوله تعالى:
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ بالجهة، ويقول: إن معنى الآية كل شيء هالك إلا ما أريد به جهة الله تعالى! ... (١) فلماذا أخرج الكلمة من حقيقتها إلى المجاز؟ ولماذا يحرّم على علماء الخلف ما يراه مباحا له؟ وليته إذ تأول على خلاف مبدئه ومذهبه، فسّرها بالذات كما فعل جمهور المفسرين بل أصرّ على أن يتأولها بالجهة والمكان!! ...
стр. 94
هذا وليس لنا شأن، بتلك الطوائف التي ضلّت وشذّت، ممّن يقال عنهم المعطلة والمجسمة، إذ لا يقام لهم أيّ حساب فيما يتعلق بكتاب الله تعالى وتفسيره، وليسوا من كتاب الله تعالى: محكمه أو متشابهه في شيء، وإنما هم تصوروا الذات الإلهية كما صوّرته أخيلتهم المجردة، ثم استنهضوا آيات من كتاب الله تعالى إلى تلك الأخيلة
لتصدقها وتؤمن لهم بها، وأنّى لآيات الله الباهرة أن تدلّ إلا على الحق الواضح المنير. فعادوا يعكفون على أصنام لهم أقاموها في رءوسهم بدلا من أن ينصبوها أمام أعينهم.
ويكفي في هذا المقام هذا القدر من الحديث عن مبهم القرآن ومتشابهه والله أعلم.
стр. 95
القراءات والقرّاء لمحة دراسيّة سريعة في ذلك
منشأ القراءات:
اعلم أن «القرآن» و «القراءات» حقيقتان متغايرتان، كما قال الزركشي في كتابه البرهان (١). أما القرآن فهو هذا اللفظ الموحى به إلى محمد ﷺ للبيان والإعجاز، وأما القراءات فهي ما قد يعتور اللفظ المذكور من أوجه النطق والأداء كالمدّ والقصر والتخفيف والتثقيل وغيرها مما قرأ به الرسول ﷺ ونقل عنه بالسند الصحيح المتواتر.
وبيان ذلك، أنه لما كتب عثمان المصاحف ووجّهها إلى الأمصار وحملهم على ما فيها، وأمرهم بترك ما خالفها من الأحرف الأخرى التي لا تتفق معها- ترك الناس من قراءاتهم التي كانوا يقرءون بها كل ما خلاف خط المصحف، واستمروا يقرءون بسائرها مما لا يخالف الخط وثبتت روايته بالسند المتواتر عن رسول الله ﷺ .
فهذه الأوجه التي استمر الصحابة والتابعون على القراءة بها، بهذا الضابط الذي ذكرنا، هو الجزء الذي بقي من الأحرف السبعة، وهو الذي يسمى بالقراءات (٢).
стр. 96
الحكمة من مشروعيتها:
هي تسهيل واتساع في تلاوة القرآن، اقتضتهما حكمة باهرة أطال في بيانها علماء هذا الشأن، ومردّ ذلك إلى أمرين اثنين:
الأول: التسهيل على القبائل العربية المختلفة أن تجد الوسيلة إلى قراءة القرآن قراءة صحيحة كما أنزل دون أيّ تحريف أو تأثم.
الثاني: أن تقف عامّة قبائل العرب وفئاتهم على المعجزة القرآنية من الوجوه المختلفة التي يعرفونها ويمارسون لغتهم بها، وأن ينتصب معنى التحدي أمامهم من هذه الوجوه كلها، فعلى أيّ الأشكال وبأيّ وجوه النطق والأداء أمكنهم أن ينهضوا لمعارضته والإتيان بمثله فلينهضوا ويقدموا ... وبذلك يكون القرآن حجة على أخلاط العرب وفئاتهم كلهم، ويكون معنى التحدّي به قد لزمهم جميعهم.
ما معنى تحديدها بالسبعة ومتى حددت بهذا العدد:
ولم تكن وجوه القراءات التي يقرأ بها النبي ﷺ ، ويتلقاها منه أصحابه، محصورة في سبع أو عشر قراءات، بل ربما بلغت أوجه القراءات في مجموعها أكثر من ذلك. وما كان يخطر في بال أحد من الصحابة أن يحصر هذه الوجوه ويجمعها ليحصيها ويقرأ بها كلها ولتكون بذلك فنّا من فنون القرآن وعلما مستقلا من علومه. ولكن الصحابة- وخاصة من اشتهروا بالقراءة منهم- كانوا يتلقون القرآن من فم النبي ﷺ بالأوجه والطرق التي يؤدي بها، فيأخذون عنه ذلك، ثم يقرأ كلّ منهم بما تيسر له أو اختاره من هذه الوجوه، كما دلّت على ذلك الأحاديث الثابتة الصحيحة.
وقد اشتهر بالقراءة والأقراء من الصحابة عدد كبير، في مقدمتهم:
عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، فعنهم أخذ كثير من الصحابة والتابعين في الأمصار، وقد اشتهر كل واحد منهم بوجه من أوجه القراءة اختاره ولازمه وأقرأه الناس، فكان يقال: هذه قراءة عبد الله، وهذه
стр. 97
قراءة أبيّ، وهذه قراءة زيد ... إلخ، والكلّ موقن أن سائر الوجوه الأخرى مما! يأخذ نفسه به ثابت ومنقول عن رسول الله ﷺ (١).
وقد ظلّ الأمر هكذا إلى أواسط عهد التابعين: يتلقى الناس القرآن بطريقي الكتابة والمشافهة معا، ويتلقون من الصحابة الأوجه المختلفة من القراءات الثابتة عن رسول الله ﷺ ، فيقرأ كلّ بالقراءة التي يريدها مما تلقاه بالطريق الثابت الصحيح.
وفي أواخر عهد التابعين، انتبه كثير من علماء القرآن إلى ما أخذ يتسلل إلى الناس من اضطراب السلائق ومظاهر العجمة وبوادر اللحن، كما أوضحنا فيما سبق، فتجرد قوم منهم ونهضوا بأمر القراءات يضبطونها ويحصرونها ويعنون بأسانيدها، كما فعلوا مثل ذلك بالحديث وعلم التفسير.
وقد اشتهر ممّن نهض بذلك أئمة سبعة حازوا ثقة العلماء والقرّاء في مختلف الأمصار، وإليهم تنسب القراءات السبع اليوم.
وهم: أبو عمرو بن العلاء (ت: ١٥٤) وعبد الله بن كثير (ت: ١٢٠) وعبد الله بن عامر اليحصبي (ت: ١١٨) وعاصم بن بهدلة الأسدي (ت: ١٢٨) وحمزة بن حبيب الزيات (ت: ١٥٦) ونافع بن نعيم (ت: ١٦٩) وعلي بن حمزة الكسائي (ت: ١٨٩).
وليس انحصار الأئمة الذين اعتمدوا إذ ذاك في ضبط القراءات في السبع، دليلا على أن القراءات المتعددة فيما تعددت القراءة فيه من ألفاظ القرآن- لا تزيد على سبع
قراءات. بل القراءات والأوجه التي قرأ بها النبي ﵊ وتابعه فيها الصحابة ليست محصورة في سبع ولا في عشر كما قد علمت.
ولكن سبب اشتهار هؤلاء السبعة دون غيرهم- كما يقول أبو محمد مكّي وغيره- أن عثمان ﵁، كتب المصاحف ووجّهها إلى الأمصار، وكان
стр. 98
القرّاء في العصر الثاني والثالث كثيري العدد، فأراد الناس ان يقتصروا في العصر الرابع على ما وافق المصحف، فنظروا إلى إمام مشهور بالفقه والأمانة في النقل وحسن الدين وكمال العلم، قد طال عمره واشتهر أمره وأجمع أهل مصر على عدالته، فأفردوا من كل مصر وجّه إليه عثمان مصحفا، إماما هذه صفة قراءته على مصحف ذلك المصر، فكان أبو عمرو من أهل البصرة، وحمزة وعاصم من أهل الكوفة وسوادها، والكسائي من أهل العراق، وابن كثير من أهل مكة، وابن عامر من أهل الشام، ونافع من أهل المدينة، كلهم ممّن اشتهرت إمامتهم وطال عمرهم في الإقراء وارتحل الناس إليهم من البلدان (١).
الضابط العلمي لاعتماد القراءات:
وإنما اعتمد العلماء قراءات هؤلاء الأئمة السبعة، بناء على ضابط علمي كان هو الأساس في قبولهم لها واعتمادهم إيّاها، من أين جاءت وإلى من نسبت.
والضابط هو أن كل قراءة صحّ سندها إلى رسول الله ﷺ ، ووافقت خط المصحف العثماني ولو احتمالا، ووافقت العربية بوجه من الوجوه المعتبرة، فتلك هي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردّها ولا يحلّ إنكارها سواء نقلت عن الأئمة السبعة أو غيرهم. وما لم تجتمع فيه هذه الشروط الثلاثة فهي شاذة مردودة لا يقرأ بها أيّا كان الإمام الذي نقلت عنه.
والمقصود بموافقة القراءة لخط المصحف العثماني ولو احتمالا، أن تكون أصول الكتابة والرسم التي كتب بها المصحف العثماني مما يحتمل القراءة ويقبلها بوجه من الوجوه ولو تقديرا، كقوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ففي مالِكِ قراءتان: القصر «ملك» والمدّ «مالك» ورسم المصحف العثماني (ملك) موافق لقراءة القصر تحقيقا، وموافق لقراءة المدّ تقديرا، إذ المدود وحذفها مما تتحمله أصول الرسم. ومثل ذلك يخادعون ويخدعون في قوله تعالى:
يخادعون الله وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون فقد قرئ بالمدّ
стр. 99
والقصر. ومثل ذلك السين والصاد من الصِّراطَ فقد قرئ بهما، وكتابة المصحف بالصاد إلا أن الرسم يحتمله: إذ السين والصاد وما بينهما من الإشمام خاضع لرسم واحد تحقيقا أو تقديرا ذلك لأن هذه الأشكال من النطق بالحرف من فصيلة واحدة (١).
وبناء على تمسك العلماء جميعا بهذا الضابط في قبول القراءة أو رفضها اعتمد العلماء ثلاثة آخرين من أئمة القراءة صحّت قراءاتهم وخضعت لهذا الضابط الذي ذكرناه. وهم: يزيد بن القعقاع أبو جعفر المدني (ت: ١٣٢) ويعقوب بن إسحاق الحضرمي (ت: ١٨٥) وخلف بن هشام (ت: ٢٢٩).
فهذه عشر قراءات جميعها صحيح ثابت عن رسول الله ﷺ بنقل العدول الثقات.
ولا يذهبن بك الوهم إلى أن كل إمام من هؤلاء الأئمة العشرة إنما كان يؤمن بقراءة نفسه فقط، ويدعو إليها من دون القراءات الأخرى بل كان كلّ منهم يعلم ثبوت سائر القراءات الأخرى كما يعلم ثبوت قراءته ولكنه كان قد أخذ بها وحدها وعكف على خدمتها وتخريج المزيد من أسانيدها.
الفرق بين القراءات المتواترة والشاذة:
ثم اعلم أن أقل ما تمتاز به هذه القراءات العشر عن القراءات الشاذة التي تأتي من ورائها، هو التواتر والشهرة. فهذه القراءات السبع ثم الثلاث الأخرى توفر فيها إلى جانب الضابط الذي ذكرنا، التواتر أو الشهرة، وهو أقل ما تفقده القراءات الأخرى.
هذا ولا بدّ أن يكون أصل القراءة الثابتة متواترا في السند عن رسول الله ﷺ ، فأما كيفيتها ومقاييسها التطبيقية، فقد تقصر عن درجة التواتر، وإن توفرت لها الصحة وأسبابها. وذلك كاختلاف القراءات في تقديرات بعض
стр. 100
المدود، فمنهم من أطالها ومنهم من قصرها ومنهم من بالغ في القصر (١).
وعلى كلّ فقد قلنا في صدر هذا البحث إن هنا لك فرقا بين القرآن والقراءات وأوضحنا الفرق إذ ذاك.
فأما القرآن فكله متواتر منقول بواسطة سلسلة متصلة من الجموع التي يؤمن تواطؤها على الكذب، عن طريق كلّ من الكتابة والمشافهة.
وأما القراءات، فما كان منها منضبطا بالشروط الثلاثة التي ذكرناها فهو ثابت ثبوتا قاطعا يقرأ على أنه قرآن، وهو بين أن يكون متواترا ومشهورا، بالإضافة إلى صحته
من حيث السند والرواية. وينطبق بذلك على القراءات العشر.
حكم القراءات الشاذة:
وما لم ينضبط من ذلك بالشروط المذكورة، فهو مردود شاذ مهما كان مصدر نقله ومهما كانت كيفية سنده.
فلا يقرأ القرآن بشيء من ذلك، في صلاة أو نسك أو تلاوة.
أما العمل بمضمون هذه القراءات الشاذة، فينظر في ذلك إلى سندها فإن توفّر فيه ما يجب توفره في الحديث الآحاد من شروط الصحة، اعتبر بمثابة الحديث وجاز أخذ الأحكام منه.
وسبب ذلك أن مصدر كثير من القراءات الشاذة أن بعض الصحابة كانوا يهمّشون مصاحفهم الخاصة، بكلمات تفسيرية لبعض الألفاظ الغامضة إذ كانوا لا يخشون من التباسها بالقرآن بسبب أن عامّتهم كانوا يحفظون القرآن ويضبطونه ضبطا تامّا، من ذلك تقييد عبد الله بن مسعود آية فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ بكلمة متتابعات، وتقييد عبد الله بن عباس آية لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ بكلمة: في موسم الحج (٢).
стр. 101
ثم جاء من بعدهم من نظر في مصاحفهم هذه، ورأى هذه الكلمات التفسيرية فظنها من القراءات الثابتة عن رسول الله ﷺ ، فأخذ يرويها على أساس ذلك ويتخذ من هذه المصاحف شاهدا له. وإنما هي ألفاظ تفسيرية كما قطع بذلك ابن الأنباري وغيره، أثبتوها مخافة النسيان.
فمثل هذه الألفاظ، وإن كانت ساقطة من حيث اعتبارها قراءة صحيحة، ثابتة من حيث هي تفسير لبعض آي القرآن، فهي تقبل من هذا الوجه، كما يقبل حديث مروي عن ابن عباس بسند صحيح في تفسير آية في القرآن أو استنباط حكم من أحكامه.
стр. 102
القسم الثّاني منهجه وأسلوبه
стр. 103
أسلوب القرآن دراسة عامة لخصائصه
سنلخص في هذا الفصل معظم ما سنأتي على تفصيل البحث فيه إن شاء الله. إذ الحديث عن إعجاز القرآن وتصويره وفن القصة فيه وطرائقه التربوية وغير ذلك من فنون هذا الكتاب العظيم، إنما هو في الحقيقة بسط لمنهجه وخصائص أسلوبه.
غير أن علينا- قبل الخوض في كل جانب من هذه الجوانب على انفراد- أن نتصور الأسلوب القرآني في جملته، وأن نستعرض هذا الأسلوب استعراضا سريعا يجلّي في أذهاننا روعته وحدود الفرق بينه وبين أيّ نظم أو كتاب آخر، حتى إذا وقفنا على ذلك، عدنا إليه بالتفصيل وشرح كل جانب منه على حدة.
الخاصّة الأولى (جريانه على نسق بديع خارج عن المألوف):
وأول ما يطالعك من مظاهر أسلوب القرآن لدى النظر فيه، أنه يجري على نسق بديع خارج عن المعروف من نظام جميع كلام العرب، ويقوم في طريقته التعبيرية على أساس مباين للمألوف من طرائقهم، وله أسلوب خاص به لا تجد منه عند أيّ فن من الفنون العربية المعهودة.
ذلك أن جميع الفنون التعبيرية عند العرب لا تعدو أن تكون نظما أو نثرا؛ وللنظم أعاريض وأوزان محددة معروفة، وللنثر طرائق من السجع والإرسال وغيرهما مبيّنة ومعروفة. والقرآن ليس على أعاريض الشعر في رجزه ولا في قصيده، وليس على سنن النثر المعروف في إرساله ولا في تسجيعه، إذ هو لا يلتزم الموازين المعهودة في هذا ولا ذاك، ولكنك مع ذلك تقرأ بضع آيات
стр. 104
منه فتشعر بإيقاع موزون من تتابع آياته، بل يسري في صياغته وتآلف كلماته، وتجد في تركيب حروفه تناسقا عجيبا، بين الرخو منها والشديد، والمجهور والمهموس، والممدود والمقطوع، بحيث يؤلف اجتماعها إلى بعضها لحنا مطربا يفرض نفسه على صوت القارئ العربي كيفما قرأ، إذا كانت قراءته صحيحة.
ومهما طفت بنظرك في جوانب كتاب الله تعالى ومختلف سوره، وجدته مطبوعا على هذا النسق العجيب.
غير أنه إذا كان لا بدّ من مثال نعرضه لاستجلاء هذه الحقيقة فيه، فلنعرض لك تلك الآيات التي تلاها النبي ﷺ على عتبة بن أبي ربيعة، يوم جاءه رسولا من قبل قريش يعرضون عليه الملك والمال والزعامة على أن يتخلى عن دعوتهم إلى توحيد الله:
بسم الله الرحمن الرحيم. حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ. قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
فحسبك أن تتأمل في صياغة هذه الآيات وكلماتها لتجد فيها مصداق ما ذكرنا، على أنك واجد ذلك في جميع آي القرآن وسوره.
فمن أجل ذلك تحيّر العرب في أمره، إذ عرضوه على موازين الشعر فوجدوه غير خاضع لأحكامه، وقارنوه بفنون النثر فوجدوه غير لاحق بالمعهود من طرائقه، فكان أن انتهى الجاحدون منه إلى أنه السحر واستيقن المنصفون منهم بأنه تنزيل من ربّ العالمين.
ولك أن تسأل هنا: فكيف تقول إن القرآن يختلف عن جميع طرائق النثر المعهودة؛ مع أن فيه كثيرا من السجع، وهو منهج من مناهج النثر العربي؟
والجواب أن السجع ليس مجرد تقفية للجملة أو المقطع من الكلام بقافية
стр. 105
واحدة من الحروف والوزن، بل هو- كما قال علماء هذا الشأن- موالاة الكلام على وزن واحد. فإذا تفاوتت أوزانه واختلفت طرقه بأن كان أحد مصاريعه كلمتين وبعضهما أربع كلمات، كان من قبيح الكلام. فللسجع منهج مرتب محفوظ وطريق معين مضبوط متى أخلّ به المتكلم نسب ذلك منه إلى الخروج عن الفصاحة، ومثاله عند العرب قول أبي طالب لسيف بن ذي يزن: «منبتك منبت طابت أرومته، وعزّت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، ونبت زرعه، في أكرم موطن وأطيب معدن».
وأنت لا تجد هذا النسق في كتاب الله تعالى لا في كثير منه ولا قليل. بل هو مرسل عن كل القيود التي ذكرنا، أما اتفاق فواصل بعض الآيات في الوزن والحروف فهو لا يسمى بذلك القدر سجعا، ولعلّك تعثر فيه على مقاطع يتوالى فيها الكلام على وزن واحد مع اتفاق الفاصلة، غير أنه مما يعترض في الكلام اتفاقا ولا يسمى سجعا مقصودا إليه، وإنما يقع مغمورا في الخطاب، كما يقول الإمام الباقلاني. ألا ترى أنك قد تعثر في بعض آيات القرآن على وزن سليم لمصراع من الشعر، وقد تظفر ببيت كامل فيه، كما قد تظفر بمثل ذلك في غير القرآن من سائر أنواع النثر، غير أن أحدا من الناس لا يسمي ذلك شعرا، ولقد قال العلماء إن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا، وإنما أقل الشعر بيتان فصاعدا، فمثل ذلك يقال عن السجع أيضا (١).
الخاصّة الثانية (جريانه على مستوى رفيع واحد على الرغم من تنوع المعاني والموضوعات):
فإذا تجاوزنا هذه الخاصّة من خصائص الأسلوب القرآني، وقفنا على خاصّة أخرى هي من الأهمية بمكان، وهي من أجلّ مظاهر الإعجاز في القرآن.
وهي أن التعبير القرآني يظلّ جاريا على نسق رفيع واحد من السموّ في جمال اللفظ ورقة الصياغة وروعة التعبير، رغم تنقله بين موضوعات مختلفة من
стр. 106
التشريع والقصص والمواعظ والحجاج والوعد والوعيد، وتلك حقيقة شاقّة بل لقد ظلّت مستحيلة على الزمن لدى جميع من عرفنا وسمعنا بهم من فحول علماء العربية والبيان.
وبيان ذلك، أن المعنى الذي يراد عرضه، كلما كان أكثر عموما وأغنى أمثلة وخصائص، كان التعبير عنه أيسر وكانت الألفاظ إليه أسرع، وكلما ضاق المعنى وتحدد ودقّ وتعمق، كان التعبير عنه أشق وكانت الألفاظ من حوله أقل.
ولذا كان أكثر الميادين الفكرية التي يتسابق فيها أرباب الفصاحة والبيان هي ميادين الفخر والحماسة والموعظة والمدح والهجاء، وكان أقل هذه الميادين اهتماما منهم وحركة بهم ميادين الفلسفة والتشريع ومختلف العلوم، وذلك هو السر في أنك قلّما تجد الشعر يقتحم شيئا من هذه الميادين الخالية الأخرى.
ومهما رأيت بليغا كامل البلاغة والبيان، فإنه لا يمكن أن يتصرف بين مختلف الموضوعات والمعاني على مستوى واحد من البيان الرفيع الذي يملكه، بل يختلف كلامه حسب اختلاف الموضوعات التي يطرقها، فربما جاء بالغاية من البراعة في معنى من المعاني، فإذا انصرف إلى غيره انخذل عن تلك الغاية ووقف دونها.
غير أنك لا تجد هذا التفاوت في كتاب الله تعالى، فأنت تقرأ آيات منه في الوصف، ثم تنتقل إلى آيات أخرى في القصة، وتقرأ بعد ذلك مقطعا في التشريع وأحكام الحلال والحرام، فلا تجد الصياغة خلال ذلك إلا في أوج رفيع عجيب من الإشراق والبيان. وتنظر فتجد المعاني كلها لاحقة بها شامخة إليها.
ودونك فاقرأ ما شئت من هذا الكتاب المبين متنقلا بين مختلف معانيه وموضوعاته لتتأكد من صدق ما أقول ولتلمس برهانه عن تجربة ونظر.
الخاصّة الثالثة (صلاحية صياغته لمخاطبة الناس عامة على اختلاف ثقافاتهم وعصورهم):
وثمة خاصّة ثالثة، لا تستطيع أن تجدها في غير هذا الكتاب العزيز.
وهي أن معانيه مصوغة بحيث يصلح أن يخاطب بها الناس كلهم على
стр. 107
اختلاف مداركهم وثقافتهم وعلى تباعد أزمنتهم وبلدانهم، ومع تطور علومهم واكتشافاتهم.
خذ آية من كتاب الله مما يتعلق بمعنى تتفاوت في مدى فهمه العقول، ثم اقرأها على مسامع خليط من الناس متفاوت في المدارك والثقافة، فستجد أن الآية تعطي كلّا منهم من معناها بقدر ما يفهم، وأن كلّا منهم يستفيد منها معنى وراء الذي انتهى عنده علمه.
ولسنا نقصد أن الآية تحتمل بذلك وجهين متناقضين أو فهمين متعارضين، بل هو معنى واحد على كل حال، ولكن له سطحا وعمقا وجذورا يتضمنها جميعا أسلوب الآية. فالعاميّ من الناس يفهم منه السطح القريب، والمثقف منهم يفهم مدى معينا من عمقه أيضا والباحث المتخصص يفهم منها جذور المعنى كله.
وخذ إن شئت آية أخرى من كتاب الله مما يتعلق بمعنى يتطور مع امتداد الزمن، ثم اعرضها على مسامع الصدر الأول من المسلمين، فإنهم يفهمون منها المعنى المراد كما هو
في طورهم وعصرهم، ثم اعرضها على مسامع من بعدهم فإنهم يفهمون معناها كما تطور في زمنهم، على أن كلا الفهمين من المدلولات القريبة للآية، وليس من قبيل التكلّف أو تحميل اللفظ ما لا يحمل، ولكن الفهم الثاني كان مطويا عن السابقين لعدم وجود ما ينبههم إليه إذ ذاك.
وفي القرآن الكثير من هذا وذاك، فلنعرض أمثلة منه:
من القبيل الأول قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً، فهذه الآية تصف كلّا من الشمس والقمر بمعنيين لهما سطح قريب يفهمه الناس كلهم، ولهما عمق يصل إليه المتأملون والعلماء، ولهما جذور بعيدة يفهمها الباحثون المتخصصون والآية تحمل بصياغتها هذه الدرجات الثلاث للمعنى، فتعطي كلّا حسب طاقته وفهمه دون أن يكون أيّ تعارض بينهما.
فالعاميّ من العرب يفهم منها أن كلّا من الشمس والقمر يبعثان بالضياء
стр. 108
إلى الأرض، وإنما غاير في التعبير بالنسبة لكلّ منهما، تنويعا للفظ. وهو معنى صحيح تدل عليه الآية. والمتأمل من علماء العربية يدرك من وراء ذلك أن الآية تدلّ على أن الشمس تجمع إلى النور الحرارة فلذلك سمّاها سراجا، والقمر يبعث بضياء لا حرارة فيه؛ وهو أيضا معنى صحيح تدل عليه الآية دلالة لغوية واضحة. أما الباحث المتخصص في شئون الفلك فيفهم من الآية إثبات أن القمر جرم مظلم وإنما يضيء بما ينعكس عليه من ضياء الشمس التي شبّهها بالسراج بالنسبة له؛ وهو أيضا معنى صحيح تدل الآية عليه بلغتها وصياغتها، فأنت تقول: غرفة منيرة إذا انعكس عليها الضوء من سراج في وسطها، ولا تقول قبس منير، إذ ينبعث النور من حقيقته وداخله، بل تقول قبس مضيء.
فالآية تتضمن هذه الدلالات الثلاث جملة واحدة، ولكنها- بأسلوبها العجيب- لا تخاطب الناس إلا بما يدركونه منها، كلّا حسب استعداده وطاقته الفكرية، وبذلك تكون الآية خطابا مفيدا لأضراب الناس كلهم.
ومن هذا القبيل أيضا قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها، أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها، يقرأ هذه الآية العربي الذي لا يعلم عن الأرض وهيئتها إلا الشكل الذي يراه وهو الامتداد والانبساط، فيفهم من قوله «دحاها» معنى الانبساط والامتداد، وهو فهم صحيح تدل عليه الكلمة بمعناها اللغوي القريب. ثم يقرؤها عالم الفلك أو المثقف العادي في هذا العصر، فيفهم من قوله: دَحاها معنى الاستدارة والتكوير، وهو أيضا فهم صحيح للكلمة، إذ هي تحمل في آن واحد كلّا من معنى الاستدارة والانبساط، وهو أدق ما توصف به الأرض. ولقد استعملت هذه الكلمة بكلا معنييها في هذه الأبيات لابن الرومي:
إن أنس لم أنس خبازا مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر
ما بين رؤيتها في كفّه كرة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر
إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يلقى فيه بالحجر (١)
стр. 109
ومن القبيل الثاني قوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ لقد كان يقرأ هذه الآية أسلافنا، فلا يعنيهم من فهمها إلا قوله: والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، إذ كان ذلك القدر هو المنطبق على واقع حياتهم فيما تقصد إليه الآية من الحديث عن وسائل ركوب الإنسان وما في ذلك من نعمة الله عليه. فإذا قرءوا الجملة التي تليها وهي: ويخلق ما لا تعلمون، تاهوا بين تآويل وتفسيرات مختلفة. ويقرؤها إنسان هذا العصر فلا يشك في أن المراد بها هذه الوسائل الحديثة الأخرى التي أضيفت إلى الوسائل السابقة.
وهكذا تجد الآية خطابا لأهل العصور المتتالية كلها، وليست خاصّة بقوم دون قوم أو جيل دون جيل آخر.
فإذا تأملت في هذه الخاصّة بعد تينك السابقتين، رأيت نفسك أمام الدليل القاطع على أن هذا الكتاب إنما هو كلام ربّ العالمين إلى الناس كلهم.
وهيهات أن يقوى الطوق البشري على صياغة كلام يكون على قدر أفهام الناس المتفاوتة وعلومهم المختلفة، بحيث يشعر كل فريق أن الكلام إنما هو على قدر حاجته وفهمه.
الخاصّة الرابعة (ظاهرة التكرار للألفاظ والمعاني):
وقد كانت هذه الخاصة ولا تزال مجال بحث ودرس، وما أكثر ما ظنها بعض المستشرقين الأعاجم ثلمة يمكن التركيز عليها في نقد القرآن وإلحاق النقيصة به.
وفي القرآن من هذه الظاهرة نوعان: أما أحدهما فتكرار بعض الألفاظ أو الجمل وأما الثاني فتكرار بعض المعاني كالأقاصيص والأخبار.
فالنوع الأول منه:
يأتي على وجه التأكيد، ثم هو ينطوي بعد ذلك على نكت بلاغية أخرى كالتهويل، والإنذار، والتجسيم، والتصوير. وللتكرار أثر
стр. 110
بالغ في تحقيق هذه الوجوه البلاغية في الكلام. غير أنه لا ينبغي أن يذهب بك الوهم إلى أن أيّ تكرار للكلمة أو الجملة يفي بهذا الغرض، وأنها وسيلة قريبة المنال لكل قادر على الكلام. فالتكرار الذي من شأنه أن يرفع بقيمة الكلام إلى الفصاحة والسمو في التعبير، له قيود وحالات معينة لا ينبغي أن يتجاوزها، وليس أي تكرير في الكلام يبعث فيه التهويل أو التجسيم؛ ولو ذهبنا نشرح الصور المحمودة لتكرار الكلام وقيود ذلك- ولو شرحا يسيرا- لطال بنا البحث وخرجنا عمّا نحن بصدده، فارجع إليه إن شئت في مظانه وأماكنه (١).
وإذا سألت عن وجه العلاقة بين التكرار وهذه الصور البلاغية، فإن خير جواب على ذلك أن أضع فكرك وذوقك العربي أمام نماذج لهذا النوع من التكرار في هذا الكتاب المبين.
فمن ذلك قوله تعالى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ، وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ، كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ومنه قوله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ومنه قوله تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ومن ذلك تكرار كلمة أُولئِكَ في قوله ﷻ : أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ وتكرار ما أَنْتَ في قوله: وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ.
وكلّ ما في القرآن من تكرار الكلمة أو الجملة من هذا القبيل وعلى مثل هذا الإشراق، وما أحسبك سائلي بعد ذلك عن وجه الجمال أو التهويل أو التصوير في هذا التكرار إن كنت على شيء من السليقة العربية وذوقها.
وأما النوع الثاني منه:
وهو تكرار المعنى، كتكرار بعض القصص والأخبار، فهو أيضا ظاهرة بارزة في كتاب الله تعالى؛ ومردّ ذلك إلى غرضين هامين: الغرض الأول إنهاء حقائق الدين ومعاني الوعد والوعيد إلى النفوس بالطريقة التي تألفها وهي تكرار هذه الحقائق في صور وأشكال مختلفة من التعبير