← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38091

منار الهدى في بيان الوقف والابتدا ومعه المقصد لتلخيص ما في المرشد

الأشموني، المقرئ

Полный текст (877 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة التحقيق بسم الله الرّحمن الرّحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ﷺ ، وبعد، فهذا كتاب قيم في علم من علوم القراءات وهو علم الوقف والابتداء، أحببت أن أعلق عليه بما يفيد وأن أقوم نصه واعتمدت في ذلك على الطبعة الوحيدة للكتاب والتي طبعت بمطبعة الحلبي واجتهدت في إصلاح نصها وتحقيقه والتعليق عليها بما يفيد إن شاء الله قدر الإمكان والطاقة، والله خير مسئول أن يجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وكتب: شريف أبو العلا العدوي

стр. 2

ترجمة المؤلف (١) (القرن الحادي عشر الهجري- القرن السابع عشر الميلادي) هو أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن محمد بن أحمد بن عبد الكريم الأشموني الشافعي. فقيه، مقرئ. من تصانيفه: منار الهدى في بيان الوقف والابتداء، والقول المتين في بيان أمور الدين. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3

[مقدمة المؤلف] [خطبة الكتاب] بسم الله الرّحمن الرّحيم (١) الحمد لله (٢) الذي نوّر قلوب أهل القرآن بنور معرفته تنويرا، وكسا (٣) وجوههم من إشراق ضياء بهجته نورا، وجعلهم من خاصة أحبابه إكراما لهم وتوقيرا، فجعل صدورهم أوعية كتابه ووفقهم لتلاوته آناء الليل وأطراف النهار ليعظم لهم بذلك أجورا، فترى وجوههم كالأقمار تتلألأ من الإشراق ــ بسم الله الرّحمن الرّحيم قال سيدنا ومولانا قاضي القضاة، شيخ المشايخ الإسلام، ملك العلماء الأعلام، عمدة المحققين، زين الملة والدين، أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعيّ، متع الله

стр. 4

وتبتهج سرورا، وقد أخبر عنهم الصادق المصدوق ممثلا بأنهم جراب مملوء مسكا وأعظم بذلك فخرا وتبشيرا، فيا لها من نعمة طهروا بها تطهيرا، وجاوزوا بها عزّا ومهابة وتحبيرا، فهم أعلى الناس درجات في الجنان تخدمهم فيها الملائكة الكرام عشيّا وبكورا، ويقال لهم في الجنة تهنئة لهم وتبشيرا، إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً فسبحانه من إله عظيم تعالى في ملكه عَمَّا يقول الظالمون عُلُوًّا كَبِيراً، تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً أحمده حمد من قام بواجب تجويد (١) كلامه ومعرفة وقوفه (٢) ونسأله من فيض فضله وإحسانه لطفا وعناية وتيسيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يغدو قلب قائلها مطمئنا مستنيرا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا ﷺ عبده ورسوله الذي اختاره الله من القدم حبيبا ونبيّا ورسولا، وأرسله إلى الثقلين بشيرا ونذيرا، وقد أخذ له العهد والميثاق على سائر المخلوقات وكتب له بذلك منشورا: أما بعد (٣): فيقول العبد الفقير القائم على قدمي العجز والتقصير، ــ بوجوده الأنام، وحرسه بعينه التي لا تنام، بجاه سيدنا محمد أشرف الأنام، وآله وصحبه البررة الكرام.

стр. 5

الراجي عفو ربه القدير، أحمد بن الشيخ عبد الكريم ابن الشيخ محمد بن الشيخ عبد الكريم، عامل الله الجميع بفضله العميم، وأسكنهم من إحسانه جنات النعيم: هذا تأليف لم يسألني فيه أحد لعلمهم أني قليل البضاعة، غير دريّ بهذه الصناعة، فإني والله لست أهلا لقول ولا عمل، وإني والله من ذلك على وجل، لكن الكريم يقبل من تطفل، ولا يخيب من عليه عوّل، فإني بالعجز معلوم، ومثلي عن الخطأ غير معصوم، وبضاعتي مزجاة (١)، وتسمع بالمعيديّ خير من أن تراه (٢)، فشرعت فيما قصدت، وما لغيري وجدت، وذلك بعد لبثي حينا من الدهر أتروّى وأتأمل، وأنا إلى جمع ما تشتت من ذلك أميل، قادني إلى ذلك أمل ثواب الآخرة، سائلا من المولى الكريم الصواب والإعانة، متبرئا من حولي وقوّتي إلى من لا حول ولا قوّة إلا به، والمأمول من ذي العزة والجلال، أن ينفع به في الحال والمآل، وأن يكون تذكرة لنفسي في حياتي. وأثرا لي بعد وفاتي، فلا تكن ممن إذا رأى صوابا غطاه، وإذا وجد سهوا نادى عليه وأبداه، فمن رأى خطأ منصوصا عليه فليضفه بطرّته إليه والنصّ عليه. [البسيط]: يا من غدا ناظرا فيما كتبت ومن ... أضحى يردّد فيما قلته النّظرا سألتك الله إن عاينت لي خطأ ... فاستر عليّ فخير الناس من سترا ــ بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله على آلائه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وأصفيائه. وبعد: فهذا مختصر المرشد في الوقف والابتداء الذي ألفه العلامة أبو محمد الحسن بن عليّ بن سعيد العماني- رحمه الله تعالى- وقد التزم أن يورد فيه جميع ما أورده أهل هذا

стр. 6

فالموافق تكفيه الإشارة، ولا ينفع الحسود تطويل العبارة، وعلى الله اعتمادي في بلوغ التكميل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وسميته: منار الهدى، في بيان الوقف والابتداء (١) مقدما أمام المقصود فوائد وتنبيهات تنفع القارئ وتعينه على معرفة الوقف والابتداء ليكون على بصيرة إذا خاض في هذا البحر الزخار، الذي لا يدرك له قرار، ولا يسلك إلى قنته ولا يصار، من أراد السبيل إلى استقصائه لم يبلغ إلى ذلك وصولا، ومن رام الوصول إلى إحصائه لم يجد إلى ذلك سبيلا قد أودع الله فيه علم كل شيء، وأبان فيه كل هدى وغيّ، فترى كل ذي فنّ منه يستمد، وعليه يعتمد، جعله للحكم مستودعا ولكل علم منبعا، وإلى يوم القيامة نجما طالعا، ومنارا لامعا، وعلما ظاهرا، ولا يقوم بهذا الفن (٢) إلا من له باع في العربية، عالم بالقراءات، عالم بالتفسير، عالم باللغة التي نزل القرآن بها على خير خلقه، مزيل الغمة بعثه به بشيرا ونذيرا إلى خير أمة، ــ الفنّ، وأنا أذكر مقصود ما فيه مع زيادة بيان محل النزول وزيادة أخرى غالبها عن أبي عمرو عثمان بن سعيد المقري، وسميته: المقصد لتلخيص ما في المرشد فأقول: الوقف يطلق على معنيين: أحدهما القطع الذي يسكت القارئ عنده.

стр. 7

شهد به كتابه المبين، عن لسان رسوله الصادق الأمين، جعله كتابا فارقا بين الشك واليقين، أعجز الفصحاء معارضته، وأعيا الألباء مناقضته، وأخرس البلغاء مشاكلته، جعل أمثاله عبرا للمتدبرين، وأوامره هدى المستبصرين، ضرب فيه الأمثال، وفرّق فيه بين الحرام والحلال، وكرّر القصص والمواعظ بألفاظ لا تمل، وهي مما سواها أعظم وأجلّ، ولا تخلق على كثرة الترديد، بل بكثرة تلاوتها حسنا وحلاوة ولا تزيد، قد حثنا على فهم معانيه، وبيان أغراضه ومبانيه، فليس المراد حفظ مبناه، بل فهم قارئه معناه، قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها فقد ذمّ الله اليهود حيث يقرءون التوراة من غير فهم فقال: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ (١) فعلى العاقل الأديب، والفطن اللبيب، أن يربأ بنفسه عن هذه المنزلة الدنية، ويأخذ بالرتبة السنية، فيقف على أهم العلوم وآكدها المتوقف عليها فهم الكتاب والسنة، وهي بعد تجويد ألفاظه خمسة: علم العربية، والصرف، واللغة، والمعاني، والبيان. ــ وثانيهما: المواضع التي نصّ عليها القراء، فكل موضع منها يسمى وقفا وإن لم يقف القارئ عنده، ومعنى قولنا هذا وقف: أي موضع يوقف عنده، وليس المراد أن كل موضع من ذلك يجب الوقف عنده، بل المراد أنه يصلح عنده ذلك وإن كان في نفس القارئ طول، ولو كان في وسع أحدنا أن يقرأ القرآن كله في نفس واحد ساغ له ذلك، والقارئ كالمسافر، والمقاطع التي ينتهي إليها القارئ كالمنازل التي ينزلها المسافر، وهي مختلفة بالتامّ والحسن وغيرهما مما يأتي كاختلاف المنازل في الخصب ووجود الماء والكلأ وما يتظلل به من شجر ونحوه، والناس مختلفون في الوقف فمنهم من جعله على مقاطع الأنفاس، ومنهم من جعله على رءوس الآي، والأعدل أنه قد يكون في

стр. 8

فوائد مهمة تحتاج إلى صرف الهمة الفائدة الأولى: في ذكر الأئمة الذين اشتهر عنهم هذا الفنّ وهو فنّ جليل: قال عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما-: لقد عشنا برهة من دهرنا، وأن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن، ولقد رأينا اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده وكل حرف منه ينادي: أنا رسول الله إليك لتعمل بي وتتعظ بمواعظي. قال النحاس: فهذا يدل على أنهم كانوا يتعلمون الوقوف كما يتعلمون القرآن حتى قال بعضهم: إن معرفته تظهر مذهب أهل السنة من مذهب المعتزلة (١) ــ أوساط الآي. وإن كان الاغلب في أواخرها، وليس آخر كل آية وقفا، بل المعاني معتبرة والأنفاس تابعة لها، والقارئ إذا بلغ الوقف وفي نفسه طول يبلغ الوقف يليه فله مجاوزته إلى ما يليه فما بعده، فإن علم أن نفسه لا يبلغ ذلك فالأحسن أن لا يجاوزه كالمسافر إذا لقي منزلا خصبا ظليلا كثير الماء والكلأ وعلم أنه إن جاوزه لا يبلغ المنزل الثاني واحتاج إلى النزول في مفازة لا شيء فيها من ذلك فالأوفق له أن لا يجاوزه، فإن

стр. 9

كما لو وقف على قوله وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ، فالوقف على يختار هو مذهب أهل السنة لنفي اختيار الخلق لاختيار الحق فليس لأحد أن يختار، بل الخيرة لله تعالى، أخرج هذا الأثر البيهقي في سننه. وقال عليّ كرّم الله وجهه في قوله تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا الترتيل تجويد الحروف ومعرفة الوقوف. وقال ابن الأنباري: من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء، إذ لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن إلا بمعرفة الفواصل، فهذا أدل دليل على وجوب تعلمه وتعليمه. وحكى أن عبد الله بن عمر قد قام على حفظ سورة البقرة ثمان سنين، وعند تمامها نحر بدنة. أخرجه مالك في الموطأ، وقول الصحابي (١) كذا له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ : أي ولم يخالفه غيره ولم يكن للرأي فيه مجال. وهذا لا دخل للرأي فيه، فلو خالفه غيره أو كان للرأي فيه مجال لا يكون قوله حجة. واشتهر هذا الفنّ عن جماعة من الخلف، وهم: نافع ابن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني القارئ (٢) وعن صاحبه يعقوب بن ــ عرض له أي للقارئ عجز بعطاس أو قطع نفس أو نحوه عند ما يكره الوقف عليه عاد من أوّل الكلام ليكون الكلام متصلا بعضه ببعض. ولئلا يكون الابتداء بما بعده موهما للوقوع في محذور كقوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا فإن ابتدأ بما يوهم ذلك كان مسيئا إن عرف معناه. وقال ابن الأنباري: لا إثم عليه، لأن نيته الحكاية عمن قاله وهو غير معتقد له، ولا خلاف أنه لا يحكم بكفره من غير تعمد واعتقاد لظاهره.

стр. 10

إسحاق الحضرمي البصري (١)، وعن أبي حاتم السجستاني (٢)، وعن محمد ابن عيسى (٣)، وعن أحمد بن موسى (٤)، وعن عليّ بن حمزة الكسائي (٥)، ــ ويسن للقارئ أن يتعلم الوقوف، وأن يقف على أواخر الآي إلا ما كان منها شديد التعلق بما بعده كقوله تعالى وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ وقوله:

стр. 11

وعن القراء الكوفيين (١)، وعن الأخفش سعيد (٢)، وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى (٣)، ــ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* لأن اللام في الأول واللام في الثاني متعلقان بالآية قبلهما. ثم الوقف على مراتب: أعلاها التامّ، ثم الحسن، ثم الكافي، ثم الصالح ثم المفهوم، ثم

стр. 12

وعن محمد بن يزيد (١) والقتبي والدينوري (٢)، وعن أبي محمد الحسن بن علي العماني (٣) وعن أبي عمرو عثمان الداني (٤)، وعن أبي جعفر محمد بن ــ الجائز، ثم البيان، ثم القبيح، فأقسامه ثمانية، ومنهم من جعلها أربعة: تام مختار،

стр. 13

طيفور السجاوندي (١)، وعن أبي جعفر يزيد بن القعقاع (٢) أحد أعيان التابعين وغيرهم من الأئمة الأعلام، والجهابذة العظام، بأن أحدهم آخذا بزمام التحقيق والتدقيق، وتضرب إليه أكباد الإبل من كل مكان سحيق. [الطويل]: أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع وما حكاه ابن برهان عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة من أن تسمية الوقوف بالتام والحسن والقبيح بدعة ومعتمد الوقف على ذلك مبتدع. قال لأن القرآن معجز وهو كالقطعة الواحدة فكله قرآن وبعضه قرآن، فليس على ما ــ وكاف جائز، وصالح مفهوم، وقبيح متروك، وهذا اختاره أبو عمرو. ومنهم من جعلها ثلاثة: مختار وهو التامّ. وجائز وهو الكافي الذي ليس بتامّ، وقبيح وهو ما ليس بتامّ ولا كاف، ومنهم من جعلها قسمين: تام، وقبيح، فالتامّ هو الموضع الذي يستغني عما بعده كقوله في البقرة وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقوله في الفاتحة: وَإِيَّاكَ

стр. 14

ينبغي (١)، وضعف قوله غنيّ عن البيان بما تقدم عن العلماء الأعلام، ويبعده قول أهل هذا الفنّ: الوقف على رءوس الآي سنة متبعة، والخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع، ومما يبين ضعفه ما صح عن رسول الله ﷺ أنه نهى الخطيب لما قال: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما» ووقف. فقال له النبي ﷺ : «بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» ففي الخبر دليل واضح على كراهة القطع، فلا يجمع بين من أطاع ومن عصى، فكان ينبغي للخطيب أن يقف على قوله: فقد رشد. ثم يستأنف: ومن يعصهما فقد غوى. وإذا كان مثل هذا مكروها مستقبحا في الكلام الجاري بين الناس فهو في كلام الله أشدّ كراهة وقبحا وتجنبه أولى وأحق، وفي الحديث «أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال اقرإ القرآن على حرف. فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف» (٢) كل شاف ما لم تختم آية ــ نَسْتَعِينُ لكن الأول أتمّ لكونه آخر صفة المتقين، وما بعده صفة الكافرين. والثاني وإن استغنى عما بعده، لكن له به تعلق ما، لأن قوله اهْدِنَا سؤال من المخاطب، وقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ موجه للمخاطب، فمن حيث أن الكلام كله صادر من المتكلم إلى المخاطب كان في أوّله تعلق بما في آخره، ومن حيث أن قوله وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ آخر الثناء على الله تعالى كان مستغنيا عما بعده، فالتام يتفاوت، فالأعلى تامّ، وما دونه تامّ لكنه يسمى حسنا أيضا، ومنه الوقف على قوله تعالى في الصافات: مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ هو وقف تام، لكن على أَفَلا تَعْقِلُونَ أتمّ، لأنه آخر القصة، ولذلك

стр. 15

عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب، فالمراد بالحروف لغات العرب: أي أنها مفرقة في القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه (١)، على أنه قد جاء في القرآن ما قد قرئ بسبعة أوجه وعشرة أوجه ــ يسمى الأول حسنا أيضا، ولا يشترط في التام أن يكون آخر القصة بل أن يستغنى عما

стр. 16

كمالك يوم الدين، وفي البحر أن في قوله وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ اثنتين وعشرين قراءة، وفي أُفٍّ* لغات أوصلها الرماني إلى سبعة وثلاثين لغة. قال في فتح الباري: قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وقال مكي ابن أبي طالب، وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء السبعة، وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما. قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة ووافق خط المصحف العثماني لا يكون قرآنا وهذا غلط عظيم (١)، إذ لا شك أن هذه القراءات السبع مقطوع بها من عند ــ بعده كما تقرر كقوله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فإنه مبتدأ وخبر، فهو مستغن عن غيره وإن كانت الآيات إلى آخر السورة قصة واحدة. وبذلك علم أن الوقف الحسن هو التام، لكن له تعلق ما بما بعده، وقيل الحسن ما يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده كما تقرر لتعلقه به لفظا ومعنى كقوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ والرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ومالِكِ يَوْمِ الدِّينِ لأن المراد مفهوم، والابتداء برب العالمين وبالرحمن الرحيم وبملك يوم الدين قبيح، لأنها مجرورة تابعة لما قبلها. والكافي ما يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده إلا أن له به تعلقا معنويّا كالوقف على حُرِّمَتْ

стр. 17

الله تعالى، وهي التي اقتصر عليها الشاطبي وبالغ النووي في أسئلته حيث قال: لو حلف الإنسان بالطلاق الثلاث أن الله قرأ القراءات السبع لا حنث عليه، ومثلها الثلاث التي هي قراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف، وكلها متواتر تجوز القراءة به في الصلاة وغيرها، واختلف فيما وراء العشرة، وخالف خط المصحف الإمام، فهذا لا شك فيه أنه لا تجوز قراءته في الصلاة ولا في غيرها، وما لا يخالف تجوز القراءة به خارج الصلاة (١). وقال ابن عبد البر: لا تجوز القراءة بها ولا يصلى خلف من قرأ بها. وقال ابن الجزري: تجوز مطلقا إلا في الفاتحة للمصلي، انظر شرح العباب للرملي. والشاذ ما لم يصح سنده نحو لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ بفتح الفاء وإِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ برفع الله ونصب العلماء، وكذا كل ما في إسناده ضعف لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر عن النبي ﷺ سواء وافق الرسم أم لا. قال مكي: ما روى في القرآن ثلاثة أقسام: قسم يقرأ به ويكفر جاحده، وهو ما نقله الثقات ووافق العربية وخط المصحف. وقسم صح نقله عن الأجلاء وصح في العربية، ــ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وعلى الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ والصالح والمفهوم دونهما كالوقف على قوله تعالى وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ فهو صالح، فإن قال وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ كان كافيا، فإن بلغ يَعْتَدُونَ كان تاما، فإن بلغ عِنْدَ رَبِّهِمْ كان مفهوما، والجائز ما خرج عن ذلك ولم يقبح. والبيان سيأتي بيانه. والقبيح

стр. 18

وخالف لفظه الخط فيقبل ولا يقرأ به. وقسم نقله ثقة ولا وجه له في العربية أو نقله غير ثقة فلا يقبل وإن وافق خط المصحف. فالأول كملك ومالك (١) والثاني كقراءة ابن عباس «وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة» (٢) واختلف في القراءة بذلك، فالأكثر على المنع لأنها لم تتواتر، وإن ثبتت بالنقل فهي منسوخة بالعرضة الأخيرة. ومثال الثالث وهو ما نقله غير ثقة كثير، وأما ما نقله ثقة ولا وجه له في العربية فلا يكاد يوجد. وقد وضع السلف علم القراءات دفعا للاختلاف في القرآن، كما وقع لعمر بن الخطاب مع أبيّ بن كعب حين سمعه يقرأ سورة الفرقان على غير ما سمعها هو من النبي ﷺ ، فأخذه ومضى به إلى رسول الله ﷺ ، فأمر النبي ﷺ كل واحد أن يقرأ، فقرأ كل واحد ما سمعه، فقال النبي ﷺ هكذا أنزل (٣)، ولا شك أن القبائل كانت ترد على النبي ﷺ ، وكان يترجم لكل أحد بحسب لغته، فكان يمدّ قدر الألف والألفين والثلاثة لمن لغته كذلك، وكان يفخم لمن لغته كذلك، ويرقق لمن لغته كذلك، ويميل لمن لغته كذلك. وأما ما يفعله قراء زماننا من أن القارئ كل آية يجمع ما فيها من اللغات (٤)، فلم يبلغنا وقوعه عن رسول الله ــ ما لا يعرف المراد منه أو يوهم الوقوع في محذور كالوقف على بسم ورب وملك، وعلى قوله لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا وقوله: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا* ويسنّ للقادر

стр. 19

صلّى الله عليه وسلّم ولا عن أحد من أصحابه. قاله الشعراوي في [الدرر المنثورة في بيان زبدة العلوم المشهورة] وينبغي للقارئ أن يقطع الآية التي فيها ذكر النار أو العقاب عما بعدها إذا كان بعدها ذكر الجنة، ويقطعها أيضا عما بعدها إن كان بعدها ذكر النار: نحو قوله وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (١) هنا الوقف، ولا يوصل ذلك بقوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ (٢) ونحو يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ (٣) هنا الوقف، ولا يوصله بما بعده ونحو وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) هنا الوقف، فلا يوصله بما بعده من قوله لِلْفُقَراءِ ونحو قوله في التوبة: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) هنا الوقف، فلا يوصله بما بعده من قوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا (٦) وكذا كل ما هو خارج عن حكم الأول، فإنه يقطع. قال السخاوي: ينبغي للقارئ أن يتعلم وقف جبريل، فإنه كان يقف في سورة آل عمران عند قوله صَدَقَ اللَّهُ (٧) ثم يبتدئ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً (٨) والنبي ﷺ يتبعه، وكان النبي ﷺ يقف في سورة البقرة والمائدة عند قوله تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ (٩) وكان يقف على قوله: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ (١٠) وكان يقف قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ (١١) ثم يبتدئ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ ــ على شيء من الوقوف أن يقدّم منها الأعلى مرتبة. ولا بدّ للقارئ من معرفة أمور تتعلق بالوقف والابتداء وقد أوردتها في أبواب.

стр. 20

اتَّبَعَنِي (١) وكان يقف كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (٢) ثم يبتدئ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى (٣) وكان يقف وَالْأَنْعامَ خَلَقَها (٤) ثم يبتدئ لَكُمْ فِيها دِفْءٌ (٥) وكان يقف أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً (٦) ثم يبتدئ لا يَسْتَوُونَ (٧) وكان يقف ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ (٨) ثم يبتدئ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٩) وكان يقف لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (١٠) ثم يبتدئ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ (١١) فكان ﷺ يتعمد الوقف على تلك الوقوف، وغالبها ليس رأس آية، وما ذلك إلا لعلم لدنيّ علمه من علمه وجهله من جهله، فاتباعه سنة في جميع أقواله وأفعاله. الفائدة الثانية: في الوقف والابتداء وهو لغة الكف عن الفعل والقول، واصطلاحا قطع الصوت آخر الكلمة زمنا ما، أو هو قطع الكلمة عما بعدها، والوقف والقطع والسكت بمعنى، وقيل القطع عبارة عن قطع القراءة رأسا، والسكت عبارة عن قطع الصوت زمنا ــ الباب الأول: في ألف الوصل وهي تدخل على فعل الأمر المجرّد دون ماضيه ومضارعه ومصدره، وعلى الجميع غير المضارع إذا كان فعلها مزيدا فيه، وعلى الاسم للتعريف أو لغيره، وزيدت في ذلك للحاجة إليها، لأن فعل الأمر المجرّد مثلا ساكن ولا يمكن الابتداء به فاجتلبت الألف ليتوصل بها إلى النطق بالساكن وكان حقها

стр. 21

ما دون زمن الوقف عادة من غير تنفس، والناس في اصطلاح مراتبه مختلفون كل واحد له اصطلاح، وذلك شائع لما اشتهر أنه لا مشاحة في الاصطلاح، بل يسوغ لكل أحد أن يصطلح على ما شاء كما صرّح بذلك صدر الشريعة وناهيك به: قال ابن الأنباري والسخاوي (١): مراتبه ثلاثة: تام، وحسن، وقبيح. وقال غيرهما أربعة: تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك. وقال السجاوندي خمسة: لازم، ومطلق، وجائز، ومجوّز لوجه، ــ السكون، لأن الحروف حقها البناء عليه إلا أنهم اضطروا إلى حركتها بالابتداء بها فكسرت إن انفتح، أو انكسر عين الفعل كاعلموا واهدنا، وتضم إن انضمّ كاذكروا،

стр. 22

ومرخص ضرورة. وقال غيره ثمانية: تامّ، وشبيه، وناقص، وشبيه، وحسن، وشبيه، وقبيح، وشبيه، وجميع ما ذكروه من مراتبه غير منضبط ولا منحصر، لاختلاف المفسرين والمعربين، لأنه سيأتي أن الوقف يكون تاما على تفسير وإعراب وقراءة، غير تام على آخر إذ الوقف تابع للمعنى. واختلفوا فيه أيضا؛ فمنهم من يطلق الوقف على مقاطع الأنفاس على القول بجواز إطلاق السجع في القرآن، ونفيه منه أجدر، لقوله ﷺ : «أسجع كسجع الكهان؟» فجعله مذموما، ولو كان فيه تحسين الكلام دون تصحيح المعنى. وفرق بين أن يكون الكلام منتظما في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود منه، وبين أن يكون منتظما دون اللفظ، لأن في القرآن اللفظ تابع للمعنى: وفي السجع المعنى تابع للفظ، ومنهم من يطلقه على رءوس الآي، وأن كل موضع منها يسمى وقفا، وإن لم يقف القارئ عليه، لأنه ينفصل عنده الكلامان، والأعدل أن يكون في أواسط الآي، وإن كان الأغلب في أواخرها كما في آيتي المواريث، ففيهما ثلاثة عشر وقفا ف يُوصِيكُمُ اللَّهُ وما عطف عليه فيه تعلق معنوي لأن عطف الجمل، وإن كان في اللفظ منفصلا، فهو في المعنى متصل فآخر الآية الأولى عَلِيماً حَكِيماً وآخر الثانية تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ كما سيأتي مفصلا في محله إن شاء الله تعالى، وليس آخر كل آية وقفا، بل المعتبر المعاني، والوقف تابع لها فكثيرا ما تكون آية تامة، وهي متعلقة بآية ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 23

أخرى ككونها استثناء، والأخرى مستثنى منها، أو حالا مما قبلها أو صفة أو بدلا، كما يأتي التنبيه عليه في محله. وإذا تقاربت الوقوف بعضها من بعض لا يوقف عند كل واحد إن ساعده النفس. وإن لم يساعده وقف عند أحسنها، لأن ضيق النفس عن بلوغ التمام يسوّغ الوقف، ولا يلزم الوقف على رءوس الآي، كذا جعل شيخ الإسلام طول الكلام مسوّغا للوقف. قال الكواشي: وليس هذا العذر بشيء، بل يقف عند ضيق النفس، ثم يبتدئ من أوّل الكلام حتى ينتهي للوقف المنصوص عليه، كما يأتي في سورة الرعد، ليكون الكلام متصلا بعضه ببعض، وهذا هو الأحسن ولو كان في وسع القارئ أن يقرأ القرآن كله في نفس واحد ساغ له ذلك. مطلب تنوع الوقف (١): ويتنوع الوقف نظرا للتعلق خمسة أقسام، لأنه لا يخلو إما أن لا يتصل ما بعد الوقف بما قبله لا لفظا، ولا معنى، فهو التام، أو يتصل ما بعده بما قبله لفظا ومعنى، وهو القبيح، أو يتصل ما بعده بما قبله معنى لا لفظا، وهو ــ بني الفعل للمفعول ضمت الألف نحو: ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ اضْطُرَّ* اؤْتُمِنَ انطلق به. وأما الداخلة على الاسم فهي مفتوحة في الابتداء إن صحبتها لام التعريف نحو: الْمُفْلِحُونَ*، الدَّارُ*، الْآخِرَةِ* فإن دخلت عليها همزة الاستفهام أبدلت

стр. 24

الكافي، أو لا يتصل ما بعده بما قبله معنى ويتصل لفظا، وهو الحسن، والخامس متردّد بين هذه الأقسام، فتارة يتصل بالأول، وتارة بالثاني على حسب اختلافهما قراءة وإعرابا وتفسيرا، لأنه قد يكون الوقف تاما على تفسير وإعراب وقراءة، غير تام على غير ذلك وأمثلة ذلك تأتي مفصلة في محلها. مطلب مراتب الوقف: وأشرت إلى مراتبه بتامّ أو أتمّ، وكاف وأكفى، وحسن، وأحسن، وصالح وأصلح، وقبيح، وأقبح، فالكافي والحسن يتقاربان، والتام فوقهما، والصالح دونهما في الرتبة فأعلاها الأتمّ ثم الأكفى، ثم الأحسن، ثم الأصلح، ويعبر عنه بالجائز. وأما وقف البيان، وهو أن يبين معنى لا يفهم بدونه كالوقف على قوله تعالى: وَتُوَقِّرُوهُ (١) فرق بين الضميرين، فالضمير في وتوقروه للنبيّ ﷺ ، وفي تسبحوه لله تعالى، والوقف أظهر هذا المعنى المراد، والتام على قوله: وَأَصِيلًا* وكالوقف على قوله: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ (٢) ثم يبتدئ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ (٣) بين الوقف على عليكم أن الظرف بعده متعلق ــ مدّة ولم تسقط لئلا يلتبس الخبر بالاستفهام لانفتاح كل منهما، وإن لم تصحبها لام التعريف كسرت على الأصل في التقاء الساكنين، وذلك في تسعة أسماء: اسم وامرؤ وامرأة، واثنان واثنتان، وابن وابنم، وابنة واست. الباب الثاني: في الياءات وهي ضربان: ياءات تثبت خطّا، وياءات تحذف استغناء بالكسرة قبلها، فالثابتة لا تحذف لفظا ولا وصلا ولا وقفا وهي تقع حشو الآية لا آخرها نحو:

стр. 25

بمحذوف، وليس متعلقا باسم لا، لأن اسمها حينئذ شبيه بالمضاف، فيجب نصبه وتنوينه. قاله في الإتقان. فالتامّ سمى تامّا، لتمام لفظه بعد تعلقه وهو ما يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده، ولا يتعلق ما بعده بشيء مما قبله لا لفظا ولا معنى. وأكثر ما يوجد عند رءوس الآي غالبا، وقد يوجد قرب آخرها كقوله: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً (١) هنا التمام، لأنه آخر كلام بلقيس، ثم قال تعالى: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٢) وهو أتمّ، ورأس آية أيضا، ولا يشترط في التام أن يكون آخر قصة كقوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (٣) فهو تام، لأنه مبتدأ وخبر، وإن كانت الآيات إلى آخر السورة قصة واحدة ونحوه: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي (٤) هنا التام، لأنه آخر كلام الظالم أبي بن خلف، ثم قال تعالى: وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (٥) وهو أتمّ، ورأس آية أيضا، وقد يوجد بعد رأس الآية كقوله: مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ (٦) هنا التامّ، لأنه معطوف على المعنى: أي تمرون عليهم بالصبح وبالليل، فالوقف عليه تامّ، ــ إني أعلم، وأنصارى إلى الله، وطهر بيتي للطائفين، وهي كثيرة إلا أن فيها ما له نظائر محذوفة خطّا. فلا بد من معرفتها لئلا تلتبس الثابتة بالمحذوفة فيذهب القارئ إلى جواز حذف الثابت منها وحاذفه لاحن، فالثابتة في البقرة: وَاخْشَوْنِي، وفي آل عمران: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وفي

стр. 26

وليس رأس آية، وإنما رأسها مصبحين، وأَ فَلا تَعْقِلُونَ (١) أتمّ، لأنه آخر القصة، ومثله يَتَّكِؤُنَ وَزُخْرُفاً (٢) رأس الآية يتكئون، وزخرفا هو التمام، لأنه معطوف على سقفا، ومن مقتضيات الوقف التام الابتداء بالاستفهام ملفوظا به أو مقدّرا، ومنها أن يكون آخر قصة وابتداء أخرى وآخر كل سورة، والابتداء بياء النداء غالبا، أو الابتداء بفعل الأمر، أو الابتداء بلام القسم، أو الابتداء بالشرط، لأن الابتداء به ابتداء كلام مؤتنف أو الفصل بين آية عذاب بآية رحمة أو العدول عن الإخبار إلى الحكاية أو الفصل بين الصفتين المتضادتين، أو تناهي الاستثناء أو تناهي القوم أو الابتداء بالنفي أو النهي، وقد يكون الوقف تامّا على تفسير وإعراب وقراءة، غير تامّ على آخر نحو وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ (٣) تامّ إن كان والراسخون مبتدأ خبره يقولون على أن الراسخين لم يعلموا تأويل المتشابه، غير تام إن كان معطوفا على ــ الأنعام: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي، وفي الأعراف: الْمُهْتَدِي، وفي هود: فَكِيدُونِي، وفي يوسف: وَمَنِ اتَّبَعَنِي، وما نَبْغِي، وفي الحجر: أَبَشَّرْتُمُونِي وفي الكهف: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي، وفي مريم: فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ، وفي طه: فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، وفي القصص: أَنْ يَهْدِيَنِي وفي يس: وَأَنِ اعْبُدُونِي. وفي المنافقين: لَوْلا أَخَّرْتَنِي، ومن ذلك: فَلا تَسْئَلْنِي في الكهف عند الجمهور. وروى عن ابن عامر حذف الياء فيه. وأما قوله: بِهادِي الْعُمْيِ، وهما موضعان في النمل والروم. قال ابن الأنباري: فالياء محذوفة منه في الروم دون النمل،

стр. 27

الجلالة، وأن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه: كما سيأتي بأبسط من هذا في محله. والكافي ما يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده واستغناء ما بعده عنه بأن لا يكون مقيدا له، وعود الضمير إلى ما قبل الوقف لا يمنع من الوقف، لأن جنس التام، والكافي جميعه كذلك، والدليل عليه ما صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله «اقرأ عليّ» فقلت يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ فقال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، قال: فافتتحت سورة النساء فلما بلغت شهيدا، قال لي: «حسبك» (١) ألا ترى أن الوقف على شهيدا كاف وليس بتام، والتامّ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٢) لأنه آخر القصة وهو في الآية الثانية، وقد أمره النبي ﷺ أن يقف دون التامّ مع قربه، فدل هذا دلالة واضحة على جواز الوقف على الكاف، لأن قوله يومئذ إلخ ليس قيدا لما قبله، وفي الحديث نوع إشارة إلى أن ابن مسعود كان صيتا. قال عثمان النهدي: صلى بنا ابن مسعود المغرب بقل هو الله أحد فوددنا أنه لو قرأ سورة البقرة من حسن صوته وترتيله، وكان أبو موسى الأشعري كذلك، ــ فمن وقف على التي في النمل أثبت، ومن وقف على التي في الروم جوّز الحذف كما في الخط والجمهور يحذفون كل الياءات المحذوفة عند الوقف عليها اتباعا للمصحف، وكان يعقوب يثبت الياءات كلها في الوقف وإن كانت محذوفة في الخط إلا المنوّن والمنادي كهاد ووال ويا قوم ويا عباد وسيأتي بيانه. وأما نظائر هذه الياءات وهي محذوفة خطا، ففي آل عمران: وَمَنِ اتَّبَعَنِ، وفي المائدة: وَاخْشَوْنِ، وفي الأنعام: وَقَدْ هَدانِ، وفي الأعراف: ثُمَّ كِيدُونِ، وفي الإسراء: أَخَّرْتَنِ، وفيها وفي الكهف:

стр. 28

ورد أن رسول الله ﷺ سمع صوته وهو يقرأ القرآن. فقال «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود» كان داود ﵇ إذا قرأ الزبور تدنو إليه الوحوش حتى تؤخذ بأعناقها، والمراد بقوله: وآتاه الله الملك هو الصوت الحسن. قاله السمين: وعلامته أن يكون ما بعده مبتدأ أو فعلا مستأنفا أو مفعولا لفعل محذوف، نحو وعد الله، وسنة الله أو كان ما بعده نفيا أو إن المكسورة أو استفهاما أو بل أو ألا المخففة أو السين أو سوف، لأنها للوعيد، ويتفاضل في الكفاية، نحو فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (١) صالح فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً (٢) أصلح منه، بما كانوا يكذبون أصلح منهما، وقد يكون كافيا على تفسير وإعراب وقراءة، غير كاف على آخر، نحو يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (٣) كاف إن جعلت ما نافية، حسن إن جعلتها موصولة، وتأتي أمثلة ذلك مفصلة في محالها، والحسن ما يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده إذ كثيرا ما تكون آية تامة وهي متعلقة بما بعدها ككونها استثناء، والأخرى مستثنى منها، إذ ما بعده مع ما قبله كلام واحد من جهة المعنى كما تقدم، أو من حيث كونه نعتا لما قبله أو بدلا أو حالا أو توكيدا نحو: الحمد لله حسن، لأنه ــ الْمُهْتَدِ، وفي الكهف: إِنْ تَرَنِ، أَنْ يُؤْتِيَنِ، ما كُنَّا نَبْغِ، أَنْ يَهْدِيَنِ. وفي المؤمن والزخرف: اتَّبِعُونِ، فالجمهور على حذفها لفظا كما حذفت خطّا ويعقوب يثبتها وصلا ووقفا والياءات الواقعة آخر الآيات كقوله: فَارْهَبُونِ*، فَاتَّقُونِ*، وَلا تَكْفُرُونِ، وَأَطِيعُونِ*، والقراء على حذف الياء منها وصلا ووقفا إلا يعقوب فأثبتها في الحالين.

стр. 29

في نفسه مفيد يحسن الوقف عليه دون الابتداء بما بعده للتعلق اللفظي، وإن رفع ربّ على إضمار مبتدأ أو نصب على المدح وبه قرئ، وحكى سيبويه الحمد لله أهل الحمد برفع اللام ونصبها، فلا يقبح الابتداء به كأن يكون رأس آية نحو رَبِّ الْعالَمِينَ* يجوز الوقف عليه، لأنه رأس آية، وهو سنة، وإن تعلق ما بعده بما قبله لما ثبت متصل الإسناد إلى أمّ سلمة ﵂ «أن النبي ﷺ كان إذا قرأ قطع قراءته يقول: بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم ثم يقف، ثم يقول الحمد لله ربّ العالمين ثم يقف، ثم يقول الرحمن الرحيم ثم يقف» (١) وهذا أصل معتمد في الوقف على رءوس الآي، وإن كان ما بعد كلّ مرتبطا بما قبله ارتباطا معنويّا، ويجوز الابتداء بما بعده لمجيئه عن النبي ﷺ ، وقد يكون الوقف حسنا على قراءة، غير حسن على أخرى، نحو الوقف على مُتْرَفِيها (٢) فمن قرأ أمرنا بالقصر والتخفيف وهي قراءة العامة من الأمر: أي أمرناهم بالطاعة فخالفوا فلا يقف على مترفيها، ومن قرأ آمرنا (٣) بالمد والتخفيف بمعنى كثرنا، أو قرأ أمّرنا بالقصر والتشديد من الإمارة بمعنى ــ ذكر ياءات حذفت خطأ لسقوطها درجا والعربية توجب إثباتها وهي الياءات التي هي لامات الفعل، وكلها في محل الرفع نحو: وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما، ويقص الحق، حقّا علينا ننج المؤمنين، لهاد الذين آمنوا، فيوقف عليها بالحذف تبعا للخط ويعقوب يثبتها وقفا، وحذفت من: إن يردن الرحمن في يس، وليست من الياءات، لأنها ليست من نفس الكلمة، وحذفت من الواد، ووقف عليها الكسائي بالياء حيث جاء وخالف أصله في اتباع الكتابة.

стр. 30

سلطنا حسن الوقف على مترفيها، وهما شاذان لا تجوز القراءة بهما، وقد يكون الوقف حسنا والابتداء قبيحا نحو يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ (١) الوقف حسن، والابتداء بإياكم قبيح لفساد المعنى، إذ يصير تحذيرا عن الإيمان بالله تعالى. ولا يكون الابتداء إلا بكلام موفّ للمقصود. والجائز هو ما يجوز الوقف عليه وتركه، نحو وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ (٢) فإن واو العطف تقتضي عدم الوقف، وتقديم المفعول على الفعل يقتضي الوقف، فإن التقدير ويوقنون بالآخرة، لأن الوقف عليه يفيد معنى وعلامته أن يكون فاصلا بين كلامين من متكلمين، وقد يكون الفصل من متكلم واحد كقوله لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ (٣) الوقف جائز فلما لم يجبه أحد أجاب نفسه بقوله: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤) وكقوله: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (٥) هنا الوقف. ثم يبتدئ رسول الله على أنه منصوب بفعل مقدّر، لأن اليهود لم يقرّوا بأن عيسى رسول الله، فلو وصلنا عيسى ابن مريم برسول الله لذهب فهم من ــ ذكر ياءات مقرونة بنون الجمع حال النصب والجرّ، والنون محذوفة للإضافة، والياء ثابتة خطّا فتثبت لفظا في الوقف نحو: حاضري المسجد الحرام، ومحلى الصيد، والمقيمي الصلاة، ولا ترد وقفا إذ لم تثبت خطّا، ولأن حكم الإضافة لم يزل بالوقف، وإلا لوجب أن لا يجرّ ما بعد الياء، لأن الجرّ إنما كان بالإضافة وقد زالت، فمن زعم ردّ النون فقد أخطأ وخرق الإجماع وزاد في القرآن ما ليس منه.

стр. 31

لا مساس له بالعلم أنه من تتمة كلام اليهود فيفهم من ذلك أنهم مقرّون أنه رسول الله وليس الأمر كذلك، وهذا التعليل يرقيه ويقتضي وجوب الوقف على ابن مريم وبرفعه إلى التامّ. والقبيح وهو ما اشتدّ تعلقه بما قبله لفظا ومعنى ويكون بعضه أقبح من بعض نحو إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي (١)، فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٢) فإنه يوهم غير ما أراده الله تعالى، فإنه يوهم وصفا لا يليق بالباري ، ويوهم أن الوعيد بالويل للفريقين، وهو لطائفة مذكورين بعده، ونحو لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ (٣) يوهم إباحة ترك الصلاة بالكلية، فإن رجع ووصل الكلام بعضه ببعض غير معتقد لمعناه فلا إثم عليه، وإلا أثم مطلقا وقف أم لا، ومما يوهم الوقف على الكلام المنفصل الخارج عن حكم ما وصل به، نحو إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى (٤) لأن ــ ذكر ياءات تثبت خطا وتحذف لفظا في الوصل للساكن بعدها وتثبت في الوقف وهي كثيرة نحو: الْقَتْلى الْحُرُّ، مُوسَى الْكِتابَ*، وَيَأْبَى اللَّهُ، يُوَفَّى الصَّابِرُونَ. ذكر المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ياؤه محذوفة خطّا فكذا لفظا نحو: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ*، يا قَوْمِ اذْكُرُوا، يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا، رَبِّ ارْجِعُونِ، رَبِّ اغْفِرْ لِي*، ويا عِبادِ فَاتَّقُونِ، ويا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا وهما في الزمر، لكنهم أثبتوها خطّا في يا عِبادِيَ الَّذِينَ

стр. 32

الموتى لا يسمعون ولا يستجيبون، إنما أخبر الله عنهم أنهم يبعثون ومنه وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا (١) ونحو: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ (٢) ونحو: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ (٣) ونحو: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا (٤) ونحو: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي (٥) وشبه ذلك من كل ما هو خارج عن حكم الأول من جهة المعنى، لأنه سوّى بالوقف بين حال من آمن ومن كفر، وبين من ضلّ ومن اهتدى فهذا جليّ الفساد، ويقع هذا كثيرا ممن يقرأ تلاوة لحرصه على النفس فيقف على بعض الكلمة دون بعض، ثم يبني على صوت غيره ويترك ما فاته، ومثل ذلك ما لو بني كل واحد على قراءة نفسه، إذ لا بدّ أن يفوته ما قرأه بعضهم، والسنة المدارسة، وهو أن يقرأ شخص حزبا ويقرأ الآخر عين ما قرأه الأول وهكذا، فهذه هي السنة التي كان يدارس جبريل النبي ﷺ بها في رمضان، فكان جبريل يقرأ أولا ثم يقرأ النبي ﷺ عين ما قرأه جبريل. قال تعالى: فَإِذا قَرَأْناهُ (٦) أي على لسان جبريل فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (٧) وأما الأقبح فلا يخلو: إما أن يكون الوقف والابتداء قبيحين، أو يكون الوقف ــ آمَنُوا في العنكبوت، ويا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا في الزمر فتثبت في الوقف، واختلفوا في: يا عبادي لا خوف عليكم في الزخرف فعن أبي عمرو أنه وجدها

стр. 33

حسنا والابتداء قبيحا، فالأول كأن يقف بين القول والمقول نحو وَقالَتِ الْيَهُودُ (١) ثم يبتدئ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ (٢) أو وَقالَتِ النَّصارى (٣)، ثم يبتدئ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ (٤) أو قالَتِ الْيَهُودُ (٥) ثم يبتدئ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ (٦) أو لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا ثم يبتدئ إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ (٧) وشبه ذلك من كل ما يوهم خلاف ما يعتقده المسلم. قال أبو العلاء الهمداني: لا يخلو الواقف على تلك الوقوف: إما أن يكون مضطرّا أو متعمدا، فإن وقف مضطرّا وابتدأ ما بعده غير متجانف لإثم ولا معتقد معناه لم يكن عليه وزر، وقال شيخ الإسلام: عليه وزر إن عرف المعنى، لأن الابتداء ــ ثابتة في مصاحف أهل المدينة فكان يثبتها وصلا ووقفا، وأهل الكوفة يحذفونها فيهما. وعن أبي بكر عن عاصم فتحها والوقف عليها بالياء، وكل ما ذكر من العباد مضافا غير منادى فياؤه ثابتة كقوله: يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ، قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ، ويوقف عليها بالياء إلا قوله: فَبَشِّرْ عِبادِ. فأكثر القراء على أنها محذوفة خطّا فكذا تحذف لفظا في الوقف، وقيل بتحريكها وصلا فيجب إثباتها وقفا، ومثلها في ذلك الياء في يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا في الزمر، وفي فَما آتانِيَ اللَّهُ في النمل. ذكر المنوّن يوقف عليه بغير ياء عند الأكثر تبعا للخط نحو: باق وهاد ومهتد ومفتر، وابن

стр. 34

لا يكون إلا اختياريّا. وقال أبو بكر بن الأنباري: لا إثم عليه وإن عرف المعنى، لأن نيته الحكاية عمن قاله وهو غير معتقد لمعناه، وكذا لو جهل معناه، ولا خلاف بين العلماء أن لا يحكم بكفره من غير تعمد واعتقاد لمعناه، وأما لو اعتقد معناه فإنه يكفر مطلقا وقف أم لا، والوصل والوقف في المعتقد سواء. إذا علمت هذا عرفت بطلان قول من قال: لا يحلّ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف على سبعة عشر موضعا، فإن وقف عليها وابتدأ ما بعدها فإنّه يكفر ولم يفصل، والمعتمد ما قاله العلامة النكزاوي أنه لا كراهة إن جمع بين القول والمقول، لأنه تمام قول اليهود والنصارى، والواقف على ذلك كله غير معتقد لمعناه، وإنما هو حكاية قول قائلها حكاها الله عنهم، ووعيد ألحقه الله بالكفار، والمدار في ذلك على القصد وعدمه، وما نسب لابن الجزري من تكفير من وقف على تلك الوقوف ولم يفصل فنفي ذلك نظر نعم إن صحّ عنه ذلك حمل على ما إذا وقف عليها معتقدا معناها فإنه يكفر سواء وقف أم لا، والقارئ والمستمع المعتقدان ذلك سواء، ولا يكفر المسلم إلا ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 35

إذا جحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وما نسب لابن الجزري من قوله: [الرجز] مغلولة فلا تكن بواقف ... فإنه حرام عند الواقف ما لم يكن قد ضاق منك النفس ... فإن تكن تصغى فأنت القبس ولا على إنّا نصارى قالوا ... أيضا حرام فاعرفن ما قالوا ولا على المسيح ابن الله ... فلا تقف واستعذن بالله فإنه كفر لمن قد علما ... قد قاله الجزري نصّا حسبما وقس على الأحكام فيما قد بقي ... فإنه الحقّ فعي وحقق ولا تقل يجز على الحكاية ... فإنه قول بلا دراية مخالف للأئمة الأعلام، وما جزاء من خالفهم إلا أن يمحى اسمه من ديوان العقلاء فضلا عن الفضلاء، وما علمت وجه تكفيره الواقف على قوله (١): فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ (٢) وهو وقف جائز على أن جواب لما محذوف، وعليه فلا كراهة في الابتداء بقوله: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ (٣) قال السمين: قال ابن عصفور: يجوز أن يكون الله قد أسند إلى نفسه ذهابا يليق ــ فهو محذوف خطّا ولفظا ووصلا ووقفا نحو: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ*، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ*، ونحو: اتَّقِ اللَّهَ*، وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ منهم، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ.

стр. 36

بجلاله، كما أسند المجيء والإتيان على معنى يليق به تعالى: فلعل تكفيره الواقف لاحظ أن الله لا يوصف بالذهاب ولا بالمجيء، وكذلك لا وجه لتكفيره الواقف على قوله: لَفِي خُسْرٍ (١) مع أن الهمداني والعبادي قالا: إنه جائز، والكتابة على بقية ما نسب لابن الجزري تطول أضربنا عنها تخفيفا، ويدخل الواقف على الوقوف المنهي عنها في عموم قوله ﷺ في حق من لم يعمل بالقرآن: «رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه» كأن يقرأه بالتطريب والتصنع، فهذه تخلّ بالمروءة وتسقط العدالة. قال التتائي: ومما يردّ الشهادة التغني بالقرآن: أي بالألحان التي تفسد نص القرآن ومخارج حروفه بالتطريب وترجيع الصوت من لحن بالتشديد طرب. وأما الترنم بحسن الصوت، فهو حسن، فقد ورد «أن النبيّ ﷺ سمع صوت عبد الله بن قيس المكنى بأبي موسى الأشعري، وهو يقرأ القرآن، فقال لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود» (٢). تنبيهات : [التنبيه] الأول: يجب (٣) اتباع ما رسم في المصحف العثماني من ــ الباب الثالث: في هاء التأنيث كطلحة وحمزة ونعمة وشجرة أكثرها مكتوب بالهاء، وبعضها بالتاء كما سيأتي

стр. 37

المقطوع والموصول، وما كتب بالتاء المجرورة، وما كتب بالهاء، وتأتي مفصلة في محالها. كل ما في القرآن من ذكر إنما من كل حرفين ضم أحدهما إلى الآخر، فهو في المصحف الإمام حرف واحد، فلا تفصل أن عن ما إن كان لا يحسن موضع ما الذي نحو إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ فلا يقال إن الذي نحن مصلحون، وإن كان يحسن موضع ما الذي نحو إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ فهما حرفان، ولم يقطع في القرآن غيره، وكل ما في القرآن من ذكر عما، فهو حرف واحد إلا قوله تعالى: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ فهما حرفان، لأن المعنى الذي نهوا عنه، ولم يقطع في القرآن غيره، وكل ما في القرآن من ذكر ماذا فلك فيه وجهان. أحدهما: أن تجعل ما مع ذا كلمة واحدة، وذا ملغاة. ــ بيانهما في الباب الآتي ويجوز كتابة الجميع بالهاء وبالتاء، ولم يختلفوا في الوصل أنها تاء وإنما اختلفوا في الوقف عليها والاختيار عند أكثرهم اتباع الخط. وقيل: إن شئت وقفت بالهاء وإن شئت وقفت بالتاء، فعليه الهاء والتاء أصلان. وقيل التاء أصل، لأنها حرف إعراب ولأنك تقول قامت وقعدت، ويوقف عليها في لغة طيئ في امرأة وجارية. وقيل الهاء أصل في الأسماء للفرق بينها وبين الأفعال لكثرة ما كتب بالهاء في الأسماء

стр. 38

والثاني: أن تجعل ما وحدها استفهاما محلها رفع على الابتداء وذا اسما موصولا بمعنى الذي محله رفع خبر ما، لأنها لم تلغ، فهما كلمتان، واشترطوا في استعمال ذا موصولة أن تكون مسبوقة بما، أو من الاستفهاميتين نحو قوله: [الكامل] وقصيدة تأتي الملوك غريبة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها أي من الذي قالها، وإن لم يتقدّم على ذا ما ولا من الاستفهاميتان لم يجز أن تكون موصولة، وأجازه الكوفيون تمسكا بقول الشاعر: [الطويل] عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق فزعموا أن التقدير والذي تحملينه طليق، فذا موصول مبتدأ وتحملين صلة والعائد محذوف وطليق خبر وعدس اسم صوت تزجر به البغلة، وفيه الشاهد على مذهب الكوفيين أن هذا بمعنى الذي، ولم يتقدم على ذا ما، ولا من الاستفهاميتان، ومن ذلك وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (١) فمن نصب العفو له وجهان. أحدهما: جعل ماذا كلمة واحدة ونصبه بينفقون ونصب العفو بإضمار ينفقون: أي ينفقون العفو. الثاني: جعل ماذا حرفين ما وحدها استفهاما محلها رفع على الابتداء، وذا اسما موصولا بمعنى الذي محله رفع خبر ما لأنها لم تلغ ونصب العفو بإضمار ينفقون. وكل ما فيه من ــ وقلة ما كتب بالتاء فيها، ووقف الجمهور بالتاء على: وَلاتَ حِينَ، وأَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ، وذات من ذاتَ بَهْجَةٍ بالتاء إن وقف لضرورة، وإلا فليس ذلك وقفا، ووقف أبو جعفر وابن كثير وابن عامر ورويس عن يعقوب على يا أبت بالهاء والباقون بالتاء والوقف على ملكوت والطاغوت والتابوت بالتاء، وعلى هَيْهاتَ هَيْهاتَ بالتاء عند من كسرها تشبيها لها بتاء الجمع في نحو عرفات، وبالهاء عند من فتحها، وعلى

стр. 39

ذكر أينما فهو في الإمام كلمة واحدة في قوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (١) في البقرة، وأَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ (٢) في النحل، وأَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٣) في الشعراء. وكل ما فيه من ذكر كل ما، فكل مقطوعة عن ما. قال الزجاجي: إن كانت كلما ظرفا فهي موصولة وإن كانت شرطا فهي مقطوعة كقوله: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ (٤) فكل مقطوعة من غير خلاف، وما عدا ذلك فيه خلاف وكل ما فيه من ذكر أمّن فهو بميم واحدة إلا أربعة مواضع فبميمين، وهي: أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥) في النساء، وأَمْ مَنْ أَسَّسَ (٦) في التوبة، وأَمْ مَنْ خَلَقْنا (٧) في الصافات، وأَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً (٨) في فصلت. وكل ما فيه من ذكر: فإن لم فهو بنون إلا قوله: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ (٩) في هود: وكل ما فيه من ذكر إما فهو بغير نون إلا قوله: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ (١٠) في الرعد فبنون. وكل ما فيه من ذكر ألا فبغير نون كلمة واحدة إلا عشر مواضع فبنون اثنان في الأعراف حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ (١١)، وأَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ (١٢)، وأَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ (١٣) في التوبة، واثنان في هود: وَأَنْ ــ التوراة بالهاء عند الجمهور، وبها عند حمزة، وعلى مرضات بالهاء عند الكسائي، وبالتاء عند حمزة.

стр. 40

لا إِلهَ إِلَّا هُوَ (١) وأَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (٢). الثاني: أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً (٣) في الحج، وأَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ (٤) في يس، وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ (٥) في الدخان، وأَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً (٦) في الممتحنة، وأَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ (٧) في ن. وكل ما فيه من ذكر كيلا ولكيلا فموصول كلمة واحدة في آل عمران لِكَيْلا تَحْزَنُوا (٨) وفي الحج لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً (٩)، وثانية الأحزاب: لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ (١٠). وفي الحديد لِكَيْلا تَأْسَوْا (١١)، وأما كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً (١٢) في الحشر، ولِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ (١٣) في الأحزاب فهما كلمتان. وكل ما فيه من ذكر نعمة فبالهاء إلا في أحد عشر موضعا، فهي بالتاء المجرورة اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ* (١٤) في البقرة وآل عمران، واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ (١٥) في المائدة، وبَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ (١٦) في إبراهيم، وفيها وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها (١٧)، وثلاثة في النحل وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (١٨)، ــ الباب الرابع: فيما جاء من هاء التأنيث مكتوبا بالتاء ومكتوبا بالهاء فالنعمة كتبت بالهاء إلا في أحد عشر موضعا فبالتاء، وهي: واذكروا نعمت الله
следующие страницы →