بجلاله، كما أسند المجيء والإتيان على معنى يليق به تعالى: فلعل تكفيره الواقف لاحظ أن الله لا يوصف بالذهاب ولا بالمجيء، وكذلك لا وجه لتكفيره الواقف على قوله: لَفِي خُسْرٍ (١) مع أن الهمداني والعبادي قالا: إنه جائز، والكتابة على بقية ما نسب لابن الجزري تطول أضربنا عنها تخفيفا، ويدخل الواقف على الوقوف المنهي عنها في عموم قوله ﷺ في حق من لم يعمل بالقرآن: «رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه» كأن يقرأه بالتطريب والتصنع، فهذه تخلّ بالمروءة وتسقط العدالة. قال التتائي: ومما يردّ الشهادة التغني بالقرآن: أي بالألحان التي تفسد نص القرآن ومخارج حروفه بالتطريب وترجيع الصوت من لحن بالتشديد طرب. وأما الترنم بحسن الصوت، فهو حسن، فقد ورد «أن النبيّ ﷺ سمع صوت عبد الله بن قيس المكنى بأبي موسى الأشعري، وهو يقرأ القرآن، فقال لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود» (٢).
تنبيهات
: [التنبيه] الأول: يجب (٣) اتباع ما رسم في المصحف العثماني
من
ــ
الباب الثالث: في هاء التأنيث كطلحة وحمزة ونعمة وشجرة أكثرها مكتوب بالهاء، وبعضها بالتاء كما سيأتي
стр. 37
المقطوع والموصول، وما كتب بالتاء المجرورة، وما كتب بالهاء، وتأتي مفصلة في محالها. كل ما في القرآن من ذكر إنما من كل حرفين ضم أحدهما إلى الآخر، فهو في المصحف الإمام حرف واحد، فلا تفصل أن عن ما إن كان لا يحسن موضع ما الذي نحو إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ فلا يقال إن الذي نحن مصلحون، وإن كان يحسن موضع ما الذي نحو إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ فهما حرفان، ولم يقطع في القرآن غيره، وكل ما في القرآن من ذكر عما، فهو حرف واحد إلا قوله تعالى: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ فهما حرفان، لأن المعنى الذي نهوا عنه، ولم يقطع في القرآن غيره، وكل ما في القرآن من ذكر ماذا فلك فيه وجهان. أحدهما: أن تجعل ما مع ذا كلمة واحدة، وذا ملغاة.
ــ
بيانهما في الباب الآتي ويجوز كتابة الجميع بالهاء وبالتاء، ولم يختلفوا في الوصل أنها تاء وإنما اختلفوا في الوقف عليها والاختيار عند أكثرهم اتباع الخط. وقيل: إن شئت وقفت بالهاء وإن شئت وقفت بالتاء، فعليه الهاء والتاء أصلان. وقيل التاء أصل، لأنها حرف إعراب ولأنك تقول قامت وقعدت، ويوقف عليها في لغة طيئ في امرأة وجارية.
وقيل الهاء أصل في الأسماء للفرق بينها وبين الأفعال لكثرة ما كتب بالهاء في الأسماء
стр. 38
والثاني: أن تجعل ما وحدها استفهاما محلها رفع على الابتداء وذا اسما موصولا بمعنى الذي محله رفع خبر ما، لأنها لم تلغ، فهما كلمتان، واشترطوا في استعمال ذا موصولة أن تكون مسبوقة بما، أو من الاستفهاميتين نحو قوله:
[الكامل]
وقصيدة تأتي الملوك غريبة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها
أي من الذي قالها، وإن لم يتقدّم على ذا ما ولا من الاستفهاميتان لم يجز أن تكون موصولة، وأجازه الكوفيون تمسكا بقول الشاعر: [الطويل]
عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق
فزعموا أن التقدير والذي تحملينه طليق، فذا موصول مبتدأ وتحملين صلة والعائد محذوف وطليق خبر وعدس اسم صوت تزجر به البغلة، وفيه الشاهد على مذهب الكوفيين أن هذا بمعنى الذي، ولم يتقدم على ذا ما، ولا من الاستفهاميتان، ومن ذلك وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (١) فمن نصب العفو له وجهان. أحدهما: جعل ماذا كلمة واحدة ونصبه بينفقون ونصب العفو بإضمار ينفقون: أي ينفقون العفو. الثاني: جعل ماذا حرفين ما وحدها استفهاما محلها رفع على الابتداء، وذا اسما موصولا بمعنى الذي محله رفع خبر ما لأنها لم تلغ ونصب العفو بإضمار ينفقون. وكل ما فيه من
ــ
وقلة ما كتب بالتاء فيها، ووقف الجمهور بالتاء على: وَلاتَ حِينَ، وأَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ، وذات من ذاتَ بَهْجَةٍ بالتاء إن وقف لضرورة، وإلا فليس ذلك وقفا، ووقف أبو جعفر وابن كثير وابن عامر ورويس عن يعقوب على يا أبت بالهاء والباقون بالتاء والوقف على ملكوت والطاغوت والتابوت بالتاء، وعلى هَيْهاتَ هَيْهاتَ بالتاء عند من كسرها تشبيها لها بتاء الجمع في نحو عرفات، وبالهاء عند من فتحها، وعلى
стр. 39
ذكر أينما فهو في الإمام كلمة واحدة في قوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (١) في البقرة، وأَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ (٢) في النحل، وأَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٣) في الشعراء. وكل ما فيه من ذكر كل ما، فكل مقطوعة عن ما. قال الزجاجي: إن كانت كلما ظرفا فهي موصولة وإن كانت شرطا فهي مقطوعة كقوله: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ (٤) فكل مقطوعة من غير خلاف، وما عدا ذلك فيه خلاف وكل ما فيه من ذكر أمّن فهو بميم واحدة إلا أربعة مواضع فبميمين، وهي: أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥) في النساء، وأَمْ مَنْ أَسَّسَ (٦) في التوبة، وأَمْ مَنْ خَلَقْنا (٧) في الصافات، وأَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً (٨) في فصلت. وكل ما فيه من ذكر: فإن لم فهو بنون إلا قوله: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ (٩) في هود: وكل ما فيه من ذكر إما فهو بغير نون إلا قوله: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ (١٠) في الرعد فبنون. وكل ما فيه من ذكر ألا فبغير نون كلمة واحدة إلا عشر مواضع فبنون اثنان في الأعراف حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ (١١)، وأَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ (١٢)، وأَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ (١٣) في التوبة، واثنان في هود: وَأَنْ
ــ
التوراة بالهاء عند الجمهور، وبها عند حمزة، وعلى مرضات بالهاء عند الكسائي، وبالتاء عند حمزة.
стр. 40
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ (١) وأَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ (٢). الثاني: أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً (٣) في الحج، وأَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ (٤) في يس، وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ (٥) في الدخان، وأَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً (٦) في الممتحنة، وأَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ (٧) في ن. وكل ما فيه من ذكر كيلا ولكيلا فموصول كلمة واحدة في آل عمران لِكَيْلا تَحْزَنُوا (٨) وفي الحج لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً (٩)، وثانية الأحزاب: لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ (١٠). وفي الحديد لِكَيْلا تَأْسَوْا (١١)، وأما كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً (١٢) في الحشر، ولِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ (١٣) في الأحزاب فهما كلمتان. وكل ما فيه من ذكر نعمة فبالهاء إلا في أحد عشر موضعا، فهي بالتاء المجرورة اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ* (١٤) في البقرة وآل عمران، واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ (١٥) في المائدة، وبَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ (١٦) في إبراهيم، وفيها وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها (١٧)، وثلاثة في النحل وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (١٨)،
ــ
الباب الرابع: فيما جاء من هاء التأنيث مكتوبا بالتاء ومكتوبا بالهاء فالنعمة كتبت بالهاء إلا في أحد عشر موضعا فبالتاء، وهي: واذكروا نعمت الله
стр. 41
ويَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ (١)، واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ (٢)، وبِنِعْمَتِ اللَّهِ (٣) في لقمان، واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (٤) في فاطر، فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (٥) في الطور. وكل امرأة ذكرت فيه مع زوجها فهي بالتاء المجرورة كامرأت عمران، وامرأت العزيز معا بيوسف، وامرأت فرعون، وامرأت نوح، وامرأت لوط، ولم تذكر امرأة باسمها في القرآن إلا مريم في أربعة وثلاثين موضعا.
التنبيه الثاني: (٦) يكره اتخاذ القرآن معيشة وكسبا،
والأصل في ذلك ما رواه عمران بن حصين مرفوعا: «من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيأتي قوم يقرءون القرآن يسألون الناس به» وفي تاريخ البخاري بسند صالح: «من قرأ القرآن عند ظالم ليرفع منه لعن بكل حرف عشر لعنات». قاله السيوطي في الإتقان: أي لأن في قراءته عنده نوع إهانة ينزه القرآن عنها، ونصب عشر على أنه مفعول لعن ونائب الفاعل مستتر يعود إلى من. وللسيوطي في الجامع «من أخذ على القرآن أجرا فذاك حظه من القرآن» حل عن أبي هريرة، وفيه
ــ
عليكم واحدة في البقرة وواحدة في آل عمران: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ في المائدة، وبَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ في إبراهيم، وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ، ويَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ، وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ في النحل، وبِنِعْمَتِ اللَّهِ في لقمان، واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ في فاطر، وبنعمت بك في الطور، والرحمة كتبت بالهاء إلا في سبعة مواضع فبالتاء، وهي: ويَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ في
стр. 42
«من قرأ القرآن يتأكل به الناس جاء يوم القيامة ووجهه عظم ليس عليه لحم» هب عن بريدة ويدخل في الوعيد كل من ركن إلى ظالم، وإن لم يرفع منه شيئا لعموم قوله وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ (١) وقراءة القرآن أو غيره عنده تعدّ ميلا وركونا، قال السمين: ولما كان الركون إلى الظالم دون مشاركته في الظلم واستحق العقاب على الركون دون العقاب على الظلم أتى بلفظ المسّ دون الإحراق. وهذا يسمى في علم البديع الاقتدار وهو أن يبرز المتكلم المعنى الواحد في عدة صور اقتدارا على نظم الكلام، وركن من بابي علم وقتل، قرأ العامة: ولا تركنوا بفتح التاء والكاف ماضيه ركن بكسر الكاف من باب علم، وقرأ قتادة بضم الكاف مضارع ركن بفتح الكاف من باب قتل، والمراد بالظالم من يوجد منه الظلم، سواء كان كافرا أو مسلما.
التنبيه الثالث (٢): اعلم أن كل كلمة تعلقت بما بعدها وما بعدها من تمامها لا يوقف عليها كالمضاف دون المضاف إليه
، ولا على المنعوت دون نعته ما لم يكن رأس آية، ولا على الشرط دون جوابه، ولا على الموصوف دون صفته، ولا على الرافع دون مرفوعه، ولا على الناصب دون منصوبه، ولا على المؤكد دون توكيده، ولا على المعطوف دون المعطوف عليه ولا على البدل دون
ــ
البقرة، وإِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ في الأعراف، ورَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ في هود، وذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ في مريم، وفَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ في الروم، وأَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ، ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ في الزخرف. والسنة كتبت بالهاء إلا في خمسة مواضع فبالتاء، وهي سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ في الأنفال، وإِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، وفَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا في فاطر، وسُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في المؤمن. والمرأة كتبت بالهاء إلا في سبعة مواضع، فبالتاء
стр. 43
المبدل منه، ولا على أن أو كان أو ظن وأخواتهنّ، دون اسمهن، ولا اسمهنّ دون خبرهنّ ولا على المستثنى منه دون المستثنى، لكن إن كان الاستثناء منقطعا فيه خلاف: المنع مطلقا لاحتياجه إلى ما قبله لفظا، والجواز مطلقا لأنه في معنى مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه. الثالث التفصيل، فإن صرح بالخبر جاز وإن لم يصرح به فلا، قاله ابن الحاجب في أماليه. ولا يوقف على الموصول دون صلته. ولا على الفعل دون مصدره، ولا على حرف دون متعلقه. ولا على شرط دون جوابه، سواء كان الجواب مقدّما أو مؤخرا، فالمقدّم كقوله:
قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١) لأن قوله إن عدنا متعلق بسياق الكلام والافتراء مقيد بشرط العود، والمؤخر كقوله: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ (٢) فإن قوله فإن الله جزاء من في: فَمَنِ اضْطُرَّ، ولا على الحال دون ذيها، ولا على المبتدإ دون خبره، ولا على المميز دون مميزه. ولا على القسم دون جوابه،
ــ
وهي امْرَأَتُ عِمْرانَ في آل عمران، وامْرَأَتُ الْعَزِيزِ ثنتان في يوسف، وامْرَأَتُ فِرْعَوْنَ في القصص، وامْرَأَتَ نُوحٍ، وامْرَأَتَ لُوطٍ، وامْرَأَتَ فِرْعَوْنَ في التحريم. والكلمة تكتب بالهاء إلا في ثلاثة مواضع فبالتاء، وهي: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ في الأعراف، وحقت كلمت ربك في يونس، وحقت كلمت ربك في المؤمن. والمعصية تكتب بالهاء إلا في موضعين فبالتاء وهما: معصيت الرسول ثنتان في المجادلة. واللعنة تكتب بالهاء إلا في موضعين فبالتاء، وهما: لَعْنَتَ اللَّهِ في آل عمران، ولَعْنَتَ اللَّهِ في النور، والشجرة تكتب بالهاء إلا في موضع واحد فبالتاء، وهو: إن شجرت الزقوم في الدخان، والثمرة تكتب بالهاء إلا في موضع واحد فبالتاء وهو: وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ في فصلت، وتكتب لومة لائم في المائدة بالهاء، وبَقِيَّتُ اللَّهِ في هود بالتاء، قُرَّتُ عَيْنٍ لِي في القصص بالتاء، ويجوز في جميع المستثنيات أن يوقف عليه بالهاء.
стр. 44
ولا على القول دون مقوله لأنهما متلازمان كل واحد يطلب الآخر، ولا على المفسر دون مفسره لأن تفسير الشيء لا حق به ومتمم له، وجار مجرى بعض أجزائه، ويأتي التنبيه على ذلك في محله.
التنبيه الرابع (١): إذا اضطر القارئ ووقف على ما لا ينبغي الوقف عليه حال الاختيار
فليبتدئ بالكلمة الموقوف عليها إن كان ذلك لا يغير المعنى، فإن غير فليبتدئ بما قبلها ليصح المعنى المراد، فإن كان وقف على مضاف فليأت بالمضاف إليه أو وقف على المفسر فليأت بالمفسر، أو على الأمر فليأت بجوابه، أو على المترجم فليأت بالمترجم نحو: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (٢) فلا يوقف عليه حتى يأتي بالمترجم.
التنبيه الخامس (٣): قال ابن الجزري: ليس كل ما يتعسفه بعض القراء مما يقتضي وقفا يوقف عليه
كان يقف على قوله: أَمْ لَمْ* تنذر، ويبتدئ هم لا يُؤْمِنُونَ* على أنها جملة من مبتدإ وخبر، وهذا ينبغي أن يردّ ولا يلتفت إليه وإن كان قد نقله الهذلي في الوقف والابتداء وكأن يقف على
ــ
الباب الخامس في الهاءات التي تزاد في آخر الكلمة للوقف عليها تزاد الهاء وقفا للعوض عن حرف حذف. ولبيان حركة الساكن، فالتي للعوض لازمة وجائزة، فاللازمة تكون في فعل الأمر المعتلّ الفاء واللام نحو شه من وشى يشي، وعه من وعى يعي، وله من ولى يلي، وليس في القرآن منه شيء فلا يجوز حذفها منه وقفا لئلا تصير الكلمة على حرف واحد، وهو ممتنع إذ أقلّ حروف الكلمة حرفان:
حرف يبتدأ به وحرف يوقف عليه، ويستغنى عنها وصلا تقول: ش ثوبك، وع كلاما،
стр. 45
قوله: ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ ثم يبتدئ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا، ونحو: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ. ثم يبتدئ: اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ، ونحو: فَلا جُناحَ ثم يبتدئ: عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، ونحو: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي ثم يبتدئ: بِحَقٍّ، وهو خطأ من وجهين.
أحدهما: أن حرف الجرّ لا يعمل فيما قبله. قال بعضهم: إن صح ذلك عن أحد كان معناه إن كنت قلته فقد علمته بحق. الثاني: أنه ليس موضع قسم.
وجواب آخر أنه إن كانت الباء غير متعلقة بشيء فذلك غير جائز، وإن كانت للقسم لم يجز. لأنه لا جواب هاهنا، وإن كان ينوي بها التأخير كان خطأ، لأن التقديم والتأخير مجاز ولا يستعمل المجاز إلا بتوقيف عن رسول الله ﷺ أو حجة قاطعة، ونحو: ادْعُ لَنا رَبَّكَ* ثم يبتدئ: بِما عَهِدَ عِنْدَكَ* وجعل الباء حرف قسم، ونحو: يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ ثم يبتدئ: بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، وذلك خطأ، لأن باء القسم لا يحذف معها الفعل، بل متى ما
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 46
ذكرت الباء تعين الإتيان بالفعل كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ*، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ*، ولا تجد الباء مع حذف الفعل، ونحو: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ ثم يبتدئ:
رَأَيْتَ نَعِيماً وليس بشيء لأن الجواب بعده، وثم ظرف لا ينصرف فلا يقع فاعلا ولا مفعولا، وغلط من أعربه مفعولا لرأيت، أو جعل الجواب محذوفا والتقدير إذا رأيت الجنة رأيت فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ونحو: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ، ثم يبتدئ عِلْمَ الْيَقِينِ بنصب علم على إسقاط حرف القسم وبقاء عمله وهو ضعيف، وذلك من خصائص الجلالة فلا يشركها فيه غيرها عند البصريين، وجواب القسم لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ أي والله لترونّ الجحيم كقول امرئ القيس: [الطويل]
فقالت يمين الله مالك حيلة ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
فهذا كله تعنت وتعسف لا فائدة فيه فينبغي تجنبه وتحرّيه لأنه محض تقليد، وعلم العقل لا يعمل به إلا إذا وافقه نقل وسقت هذا هنا ليجتنب فإني رأيت من يدعي هذا الفنّ يقف على تلك الوقوف فيلقى في أسماع الناس شيئا لا أصل له وأنا محذر من تقليده واتباعه، وكذا مثله ممن يتشبه بأهل العلم وهم عنهم بمعزل، اللهم أرنا الحق حقا فنتبعه، والباطل باطلا فنجتنبه.
التنبيه السادس (١): ينبغي للقارئ أن يراعي في الوقف الازدواج والمعادل والقرائن والنظائر.
قال ابن نصير النحوي: فلا يوقف على الأول حتى
ــ
والتي لبيان حركة الساكن تلحق أنواعا: منها نون التثنية وجمع المذكر السالم نحو رجلين ورجلان ومسلمين ومسلمون فيقال: رأيت رجلينه ومسلمينه وجاءني رجلانه ومسلمونه لتسلم كسرة النون في التثنية وفتحتها في الجمع عند الوقف. ولا يجوز إلحاقها بنون مساكين، لأنها ليست نون جمع. وقد تلحق بالنون الداخلة على الأفعال
стр. 47
يأتي بالمعادل الثاني، لأنه به يوجد التمام وينقطع تعلقه بما بعده لفظا نحو:
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ*، مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها* والأولى الفصل والقطع بين الفريقين، ولا يخلط أحدهما مع الآخر بل يقف على الأول. ثم يبتدئ بالثاني.
التنبيه السابع (١): كل ما في القرآن من ذكر الذين والذي يجوز فيه الوصل بما قبله نعتا،
والقطع على أنه خبر مبتدإ محذوف أو مبتدإ حذف خبره إلا في سبعة مواضع فإنه يتعين الابتداء بها: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ (٢) في البقرة، وفيها أيضا: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ (٣)، وفيها. أيضا: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا (٤)، وفي التوبة: الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا (٥)، وفي الفرقان: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ (٦)، وفي غافر: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ (٧) لا يجوز وصلها بما قبلها لأنه يوقع في
ــ
نحو يضربان ويضربون تشبيها لها بنون التثنية والجمع فيقال يضربانه ويضربونه، وإنما فعلوا ذلك لأن النون فيما ذكر خفية وقعت بعد ساكن فكرهوا إسكانها وقفا لخفائها،
стр. 48
محظور كما بين فيما تقدم، وفي سورة الناس: الَّذِي يُوَسْوِسُ (١) على أنه مقطوع عما قبله، وفصل الرماني إن كانت الصفة للاختصاص امتنع الوقف على موصوفها لأنها لتعريفه فيلزم أن تتبعه في إعرابه ولا تقطع وإن كانت للمدح لا لتعريفه جاز القطع والإتباع والقطع أبلغ من إجرائها لأن عاملها في المدح غير عامل الموصوف.
التنبيه الثامن (٢): أصل بلى عند الكوفيين بل التي للإضراب
زيد الياء
ــ
إسكانها وقفا لخفائها، هذا كله فيما وقع في غير القرآن، أما ما وقع فيه فلا يجوز عند
стр. 49
في آخرها علامة لتأنيث الأداة ليحسن الوقف عليها يعنون بالياء الألف، وإنما سموها ياء لأنها تمال وتكتب بالياء، لأنها للتأنيث كألف حبلى. وقال البصريون: بلى حرف بسيط، وتحقيق المذهبين في غير هذا، وهي للنفي المتقدم في اثنتين وعشرين موضعا في ست عشرة سورة يمتنع الوقف على سبعة، وخمسة فيها خلاف، وعشرة يوقف عليها أشار إلى ذلك العلامة السيوطي نظما فقال: [الكامل]
حكم بلى في سائر القرآن ... ثلاثة عن عابد الرحمن
أعني السيوطي جامع الإتقان ... عن عصبة التفسير والبرهان
فالوقف في سبع عليها قد منع ... لما لها تعلق بما جمع
قالوا بلى في سورة الأنعام ... والنحل وعدا عن ذوي الأفهام
ــ
ما روى عن يعقوب، وتفصيله يعرف من محله، ومنها النون التي هي ضمير جمع
стр. 50
وقل بلى في سبأ قد استقرّ ... كذا بلى قد فاتلونها في الزمر
قالوا بلى في آخر الأحقاف ... وفي التغابن للذكي الوافي
وقل بلى في سورة القيامة ... فاحذر من التفريط والملامة
وخمسة فيها خلاف زبرا ... بالمنع والجواز حيث حرّرا
بلى ولكن قد أتى في البقرة ... وفي الزمر بلى ولكن حرّره
بلى ورسلنا أتى في الزخرف ... وفي الحديد مثلها عنهم قفي
قالوا بلى في الملك ثم جوّزوا ... في ثالث الأقسام وقفا أبرزوا
وعدّها عشر سوى ما قد ذكر ... لم تخف عن فهم الذكيّ المستقرّ
قوله وعدها أي ما الاختيار جواز الوقف عليه وهو العشرة الباقية.
التنبيه التاسع (١): اعلم أن كلا حرف لا حظ له في الإعراب،
وكذا
ــ
المؤنث مشدّدة أو مخففة نحو: فأتمهن، يأكلهنّ، منهنّ، أرضعن لكم، يتربصن، فالنحويون يجيزون إلحاق الهاء بها وقفا كما في الوقف على إنّ وأنّ المشدّدتين، لكن إلحاقها بالمشدّدة أحسن منه بالمخففة، ومنع ذلك القرّاء إلا يعقوب فيجيزه في المشدّدة، ومنها ما الاستفهامية المجرورة، وهي عمّ وفيم وبم ولم وممّ فيلحق بها الهاء يعقوب والبزيّ
стр. 51
جميع الحروف لا يوقف عليها إلا بلى ونعم، وكلا. وحاصل الكلام عليها أن
ــ
بخلاف عنهما، ومنها هو وهي فيلحق بهما الهاء يعقوب، واتفقوا على إلحاقها بكتابيه
стр. 52
فيها أربعة أقوال: يوقف عليها في جميع القرآن، لا يوقف عليها في جميعه، لا يوقف عليها إذا كان قبلها رأس آية، الرابع التفصيل، إن كانت للردع والزجر وقف عليها وإلا فلا. قاله الخليل وسيبويه، وهي في ثلاثة وثلاثين موضعا في خمس عشرة سورة في النصف الثاني، وسئل جعفر بن محمد عن كلا لم لم تقع
ــ
وماليه وحسابيه وسلطانيه وماهيه وقفا تبعا للخط. واختلفوا فيه وصلا كما هو مبين في محله.
الباب السادس: في الوقف على هاء الكناية ويقال لها هاء الضمير، فإن كانت لمؤنث لحقتها ألف وقفا ووصلا، لأنها من مخرجها، ولأنها كهي في الخفاء فضمت الألف إليها لبيانها فيقال ضربها وضربتها وبها، وإن كانت لمذكر لحقتها وصلا وواو إن انفتح ما قبلها أو انضم وياء إن انكسر ما قبلها فيقال ضربهو وضربتهو ونهي، ويحذفان وقفا، لأنهم يحذفونهما، وهما من نفس الكلمة ففيما إذا زيدتا أولى، وإنما لم تحذف الألف في المؤنث، لأنهم جعلوها فاصلة بين المذكر والمؤنث. وقال بعض النحاة: والياء بعد الكسرة بدل من الواو وهو الأصل إلا أنهم كرهوا الخروج من كسرة إلى ضمة فكسرت الهاء وانقلبت الواو ياء كما في ميراث، والحجازيون يضمون الهاء بكل حال فيقولون مررت بهو وبدار هو الأرض، وهذا يدل على أن الأصل هو الواو، وما ذكر في المذكر أوّلا هو إجماع القرّاء. ومن العرب من يختلس الضمة والكسرة وصلا، وهذه اللغة لا تجري في القرآن. نعم تجري فيه عند ابن كيسان إن حذفت الياء للجازم كقوله تعالى: نؤته، ومن يأته، وف (أ) لقه فإن سكن ما
стр. 53
في النصف الأول منه؟ فقال لأن معناها الوعيد فلم تنزل إلا بمكة إيعادا للكافر.
التنبيه العاشر (١): اعلم أن ترتيب السور وتسميتها وترتيب آيها وعدد السور مسموع
من رسول الله ﷺ ومأخوذ عنه، وهو عن جبريل، فكان جبريل يعلمه عند نزول كل آية أن هذه تكتب عقب آية كذا في سورة كذا، وجمعته الصحابة من غير زيادة ولا نقصان، وترتيب نزوله غير ترتيبه في التلاوة والمصحف، وترتيبه في اللوح المحفوظ كما هو في مصاحفنا كل حرف كجبل قاف، ولم يزل يتلقى القرآن العدول عن مثلهم إلى أن وصل إلينا وأدّوه أداء شافيا، ونقله عنهم أهل الأمصار وأدّوه إلى الأئمة الأخيار وسلكوا في نقله وأدائه الطريق التي سلكوها في نقل الحروف وأدائها من التمسك بالتعليم والسماع دون الاستنباط والاختراع، ولذلك صار مضافا إليهم وموقوفا عليهم إضافة تمسك ولزوم واتبع لا إضافة استنباط، ورأي واختراع بل كان بإعلام رسول الله ﷺ لأصحابه فعنه أخذوا رءوس الآي آية آية. وقد أفصح الصحابة بالتوقيف بقوله: «كان رسول الله ﷺ يعلمنا العشر فلا نتجاوزها إلى عشر أخر حتى نتعلم ما فيها من العلم والعمل» وتقدّم أن عبد الله بن عمر قام على حفظ
ــ
قبل الهاء فإن كان ياء كسرت الهاء، وإلا ضمت، واختلف القرّاء في إثبات الياء بعد الهاء المكسورة والواو بعد المضمومة وصلا، فمن أثبتهما فعلى الأصل، ومن حذفهما كره أن يجمع بين ساكنين في نحو: اضربهي، واضربيهو، لأن الهاء ليست بحاجز حصين، والوقف عليها بالسكون أو بالروم أو بالإشمام بشرطهما المعروف في محله.
الباب السابع في الوقف على آخر الكلمة المتحركة منوّنة وغير منوّنة الوقف عليها يكون بالسكون وهو الأصل سواء تحركت بضمة أم بكسرة أم بفتحة، وبالإشمام إن تحركت بضمة وهو ضمّ الشفتين بعد السكون، وبالروم إن تحركت بضمة أو
стр. 54
سورة البقرة ثمان سنين، أخرجه مالك في موطئه، وما نقل عن الصحابة فالنفس إليه أميل مما نقل عن التابعين، لأن قول الصحابي كذا له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ خصوصا من دعا له النبي ﷺ كابن عباس حيث قال له: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». قال ابن عباس: «قال لي رسول الله ﷺ : لما رأيت جبريل لم يره خلق إلا عمى إلا أن يكون نبيا ولكن يكون ذلك في آخر عمرك».
التنبيه الحادي عشر (١): أوّل من اقتصر على جمع قراءة السبعة المشهورين أثناء المائة الرابعة: أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد.
واختلاف القرّاء اختلاف تنوّع وتغاير لا اختلاف تضادّ وتناقض،
ــ
كسرة، وهو اختلاس الضمة أو الكسرة وانتزاعها إلى محل الواو أو الياء، ويفارق الإشمام بأنه يدركه البصير والأعمى، والإشمام لا يدركه إلا البصير، واختص به الضمّ لإمكان الإشارة إلى محله بخلافها إلى محل الكسر والفتح، والروم في المفتوح ليس بحسن لأنه غير مضبوط لخفاء الألف، والمنصوب المنون يبدل تنوينه ألفا في الوقف إيذانا بوجوده في الوصل، واختاروا الألف لشبهها بالتنوين، لأنها تهوى في خرق الفم وهو يهوى في الخياشيم وكان القياس أن يقفوا على المرفوع والمجرور المنونين بالواو والياء إلا أن الوقف عليه بالواو يخرج عن الأصل، إذ ليس في كلامهم اسم آخره واو مضموم ما قبلها، ولو وقف على المجرور بالياء لالتبس بالمضاف إلى ياء المتكلم وقد حققت ذلك كله في شرح الشافية. واعلم أن القرّاء اختلفوا في الظنونا، والرسولا، والسبيلا، فمنهم من يثبت الألف فيها وقفا ويحذفها وصلا، ومنهم من يثبتها فيهما، ومنهم من يحذفها فيهما.
وذلك مذكور في محله، ومن نوّن: قواريرا وسلاسلا، في هل أتى وثمودا في هود
стр. 55
فإن هذا محال أن يكون في كلام الله تعالى. وهو إما في اللفظ فقط والمعنى واحد. وإما فيهما مع جواز اجتماعهما في شيء واحد أو اختلافهما معا مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء واحد، بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضي التضاد. فالأول كالاختلاف في الصراط، والثاني نحو مالك بالألف وملك بغيرها، والثالث نحو وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا مشدّدا ومخففا، فمعنى المشدّد أن الرسل تيقنوا أن قومهم قد كذبوهم، ومعنى المخفف أن الرسل توهموا أن قومهم قد كذبوهم فيما أخبروهم به، فالظنّ في الأولى يقين، وفي الثانية شك، والضمائر الثلاثة للرسل، فكل قراءة حق وصدق نزلت من عند الله نقطع بذلك ونؤمن به.
التنبيه الثاني عشر: قد عدّ أربعة من الصحابة الآي: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك وعائشة
، ونقله عنهم التابعون. فمن أهل المدينة عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، ومن أهل مكة عطاء بن أبي رباح وطاوس. ومن أهل الكوفة أبو عبد الرحمن السلمى وزر بن حبيش وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب. ومن أهل البصرة الحسن البصري وابن سيرين ومالك بن دينار وثابت البناني وأبو مجلز. ومن أهل الشام
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 56
كعب الأحبار فكان هؤلاء لا يرون بأسا بعدّ الآي، وروى أن عليّا عدّ الم آية، وكهيعص آية، وحم آية، وكذا بقية الحروف أوائل السور فهي عنده كلمات لا حروف لأن الحرف لا يسكت عليه ولا ينفرد وحده في السورة وقد يطلق الحرف على الكلمة والكلمة على الحرف مجازا، فما عدّه أهل الكوفة عن أهل المدينة ستة آلاف آية ومائتا آية وسبع عشرة آية. ثم عدّ ثانيا ستة آلاف آية ومائتي آية وأربع عشرة آية، وعدّه المكيون ستة آلاف آية ومائتي آية وتسع عشرة آية، وعدّه الكوفيون ستة آلاف آية ومائتي آية وثلاثين وست آيات، وعدّه البصريون ستة آلاف ومائتين وأربع آيات. وأما عدد كلمه وحروفه على قول عطاء بن يسار فسبعة وسبعون ألفا وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة.
وحروفه ثلاثة مائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا. وقال ابن عباس حروف القرآن ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وأحد وسبعون حرفا. فحروف القرآن متناهية ومعانيها غير متناهية، وفي الجامع الصغير «القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابرا
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 57
محتسبا كان له بكل حرف زوجان من الحور العين» طس عن عمر. قال أبو نصر: غريب الإسناد والمتن.
أوّل من جمع الناس في القرآن على حرف واحد، ورتب سوره عثمان بن عفان، وأوّل من نقطه أبو الأسود الدؤلي بأمر عبد الملك بن مروان، وعدد نقطه مائة ألف وخمسون ألفا وإحدى وخمسون نقطة، وعدد جلالاته ألفان وستمائة وأربعة وتسعون. وليس الاختلاف في عدد الحروف اضطرابا في عدّها بل هو إما باعتبار اللفظ أو الخط. لأن الكلمة تزيد حروفها في اللفظ، والشارع إنما اعتبر رسمها دون لفظها، لقوله في الحديث: «اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» وروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ «تعلموا القرآن واتلوه فإنكم تؤجرون فيه بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول الم حرف ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة» أما ترى أن الم في الكتابة ثلاثة أحرف، وفي اللفظ تسعة أحرف، فلو كانت الكلمة تعدّ حروفها لفظا على سبيل البسط دون رسمها لوجب أن يكون لقارئ الم تسعون حسنة، إذ هي في اللفظ تسعة
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 58
أحرف، فلما قال الصحابي وبعضهم يرفعه أنها ثلاثة أحرف وأن لقارئها ثلاثين حسنة لكل حرف عشر حسنات ثبت أن حروف الكلمة إنما تعدّ خطّا لا لفظا، وأن الثواب جار على ذلك، والمضاعفة مختلفة فنوع إلى عشرة ونوع إلى خمسين، كما هو في لفظ: «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف خمسون حسنة» والمعتبر ما رسم في المصحف الإمام.
التنبيه الثالث عشر (١): اختلف في الحروف التي في أوائل السور.
قال الصدّيق والشعبي والثوري وغيرهم: هي سرّ الله تعالى في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله بعلمه. قال الأخفش: كل حرف من هذه الأحرف قائم بنفسه يحسن الوقف عليه، والأولى الوقف على آخرها اتباعا للرسم العثماني، وبعضهم جعلها أسماء للسور. وحاصل الكلام فيها أن فيها أقوالا
ــ
على الخط، فمن ذلك قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ، فماذا على وجهين: أحدهما أن تكون ما مع ذا كلمة واحدة، والآخر أن تكون ذا بمعنى الذي فيكونان كلمتين، فالعفو على الأول منصوب بفعل مقدّر: أي قل ينفقون العفو، وعلى الثاني مرفوع خبر مبتدإ محذوف: أي قل الذي ينفقونه هو العفو، ومن الأول قوله تعالى في النحل: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً. ومن الثاني قوله فيها: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، ومن ذلك قوله تعالى: أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى، وقوله: أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ*، قرئ بإسكان الواو وفتحها، فمن فتحها بجعلها واو عطف والهمزة للاستفهام كانت مع ما بعدها كلمة واحدة، لأنها وحدها لا
стр. 59
توجب الوقف عليها وأقوالا توجب عدمه، وهي مأخوذة من أسماء الله تعالى، ف الر وحم ون هي حروف الرحمن مفرّقة، وكل حرف مأخوذ من أسمائه تعالى، زاد الشعبي: لله تعالى في كل كتاب سرّ، وسرّه في القرآن فواتح السور، في ثمانية وعشرين حرفا في فواتح تسع وعشرين سورة عدد حروف المعجم، وهي مع التكرير خمسة وسبعون حرفا، وبغير تكرير أربعة عشر حرفا وهي نصف جميع الحروف، وتسمى الحروف النورانية، جمعها بعضهم في قوله:* من قطعك صله سحيرا* فبعضها أتى على حرف ك ص وق ون، وبعضها على حرفين ك طه وطس ويس وحم، وبعضها على ثلاثة أحرف ك الم وطسم. وبعضها على أربعة أحرف ك المص والمر، وبعضها على خمسة نحو كهيعص حمعسق ولم تزد على الخمسة شيئا، ما كتبت على شيء أو ذكرت عليه إلا حفظ من كل شيء.
مطلب علوم القرآن ثلاثة (١):
وفيها أسرار وحكم أودعها الله فيها معلومة عند أهلها، لأن علوم القرآن
ــ
تستقلّ بنفسها ومن أسكنها كانت أو التي للعطف وهي مستقلة فتكون كلمة وما بعدها كلمة، فعلى الأول لا يجوز الوقف على الواو، وعلى الثاني يجوز. وأما الواوات في قوله: أَوَعَجِبْتُمْ*، أَوَلَيْسَ اللَّهُ، أَوَكُلَّما عاهَدُوا، أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ، أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ فواوات عطف لا يجوز الوقف عليها، ومن ذلك:
كالوهم أو وزنوهم، فكل منهما كلمة واحدة لأن الضمير المنصوب مع ناصبه كلمة واحدة هنا وإن كان المعنى كالوا لهم أو وزنوا لهم، ولو كانا كلمتين لكتب بينهما ألف كما كتبوها في جاءوا وذهبوا، فلا يجوز الوقف على كالوا ووزنوا. وعن عيسى بن عمر وحمزة أنهما كانا يقرءان كالوا لهم أو وزنوا لهم فيجوز على مذهبهما الوقف على الواو
стр. 60
ثلاثة: علم لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه، وهو ما استأثر الله به، كمعرفة ذاته وأسمائه وصفاته، والثاني ما أطلع الله عليه نبيه. والثالث علوم علمها نبيه وأمره بتعليمها. قال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم، لأن معاني القرآن لا تتناهى والتعرض لحصر جزئياتها غير مقدور للبشر ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ قال الشافعي: جميع ما حكم به النبيّ ﷺ فهو ما فهمه من القرآن، وما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهمه الله، وقال بعضهم ما من شيء في العالم إلا وهو في كتاب الله تعالى، وقال ابن برهان: ما قال النبي ﷺ من شيء فهو في القرآن أو فيه أصله قرب أو بعد فهمه من فهمه وعمه عنه من عمه.
مطلب استخراج عمر النبي ﷺ من القرآن (١):
وقد استخرج بعضهم عمر النبيّ ﷺ ثلاثا وستين سنة من قوله تعالى في سورة المنافقين وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن في فقده، ومن أراد البحر العذب فعليه بالإتقان ففيه العجب العجاب.
ــ
عند الضرورة والابتداء بقوله هم إجراء مجرى قولهم قاموا هم وقعدوا هم. ومن ذلك قوله: وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ، فغضبوا كلمة وهم كلمة، وموضع هم رفع، لأنه مؤكد للضمير المرفوع، وقوله: لَا انْفِصامَ كلمتان، وقوله: لَانْفَضُّوا كلمة واحدة واللام للتأكيد، وكذا قوله: ولأاوضعوا وقوله: ولأاذبحنه، وكتب هذان في المصحف بزيادة ألف بعد لا كما ترى ومن ذلك قوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، فما كلمة، وهي حرف نفي، ولي كلمة أخرى: أي لا مانع لي من عبادته، بخلافهما في قوله: ما لِيَ لا أَرَى الكهف. ومال هذا الرسول في الفرقان،
стр. 61
مطلب ثواب القارئ:
التنبيه الرابع عشر: في بيان ثواب القارئ .
أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعا: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه» وأخرج أيضا من حديث ابن عمر مرفوعا: «من قرأ القرآن فأعربه كان له بكل حرف عشرون حسنة، ومن قرأه بغير إعراب كان له بكل حرف عشر حسنات» والمراد بإعرابه معرفة معاني ألفاظه، وليس المراد الإعراب المصطلح عليه، وهو ما يقابل اللحن إذ القراءة به ليست قراءة ولا ثواب فيها، وإطلاق الإعراب على النحو اصطلاح حادث، لأنه كان لهم سجية لا يحتاجون إلى تعلمه، وتفسير القرآن لا يعلم إلا بأن يسمع من النبي ﷺ ، لأنه كلام متكلم لم تصل الناس إلى مراده بالسماع منه، بخلاف كلام غيره، ولهذا كان كلام الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل له حكم المرفوع، فلا يفسر بمجرّد الرأي والاجتهاد لخبر «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (١) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي، وثبت متصل الإسناد إلى شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلم يأخذ مضجعه فيقرأ سورة من كتاب الله إلا وكل الله به ملكا يحفظه فلا يقربه شيء يؤذيه حتى يهبّ متى هب» وفيه: «ما من رجل يعلم ولده القرآن إلا توّج يوم القيامة بتاج في الجنة» وفيه: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل القرآن كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند الله آخر آية تقرؤها» (٢).
ــ
وفمال الذين كفروا في المعارج فكلمتان، واختار الأصل أنهما كلمة واحدة، ووقف على ما في ذلك أبو عمرو والكسائي بخلاف عنه، والباقون على اللام، واختار ابن
стр. 62
[مطالب]
مطلب أهل الجنة يقرءون فيها:
وفيه دليل على أن أهل الجنة يقرءون فيها، وفيه: «من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية أو مائتي آية كتب من القانتين. ومن قرأ خمسمائة آية إلى ألفي آية أصبح وله قنطار من الأجر» (١).
مطلب كيفية قراءة النبي ﷺ :
وصحّ عن عائشة كيفية قراءة النبي ﷺ : كان يصلي النافلة جالسا حين أسنّ قبل موته بسنة فكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام وقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ثم يركع، وفيه: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين» (٢) قوله أقواما: أي درجة أقوام، وهم من آمن به، وعمل بمقتضاه ويضع به آخرين، وهم من أعرض عنه ولم يحفظ وصاياه، وفيه: «أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل السبع المثاني، وفضلت بالمفصل» وفيه دلالة على أن القرآن كان مؤلفا من ذلك الوقت، وإنما جمع في المصحف على شيء واحد، وفيه دلالة على أن سورة الأنفال سورة مستقلة وليست من براءة، والسبع الطوال البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، والمئون ما كان فيه مائة آية أو قريب منها بزيادة يسيرة أو نقصان يسير.
مطلب ما لقارئ القرآن في بيت المال (٣):
وعن عليّ وابن عباس ﵄ أنهما قالا: «ليس من مسلم قرأ
ــ
الجزري الوقف على ما لكل القراء. فمن وقف على «ما» ابتدأ بما بعدها، ومن وقف على
стр. 63
القرآن إلا وله في بيت مال المسلمين في كل سنة مائتا دينار، فإن أخذها في الدنيا، وإلا أخذها غدا بين يدي الله » وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ لا يفرض من بيت المال إلا لمن قرأ القرآن.
مطلب الاستعاذة (١):
اعلم أن الاستعاذة يجب قطعها من التسمية ومن أوّل السورة، لأنها ليست من القرآن، وكذا آمين يستحب قطعه من: وَلَا الضَّالِّينَ، لئلا يصل القرآن لما ليس منه. قال تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، لأن الاستعاذة إنما تكون قبل القراءة، دلت الآية أن الله أمرنا بالاستعاذة عند قراءة القرآن، وليس المعنى إذا استعذت فاقرأ، ولو كان المعنى كذلك لم تكن الآية تدل على أنا أمرنا بالاستعاذة قبل القراءة، بل كانت تدل على أنا أمرنا بالقراءة بعد الاستعاذة، وجائز أن نستعيذ من الشيطان الرجيم ثم لا نقرأ شيئا. قال أبو بكر بن الأنباري، فلو كان كما قال السجستاني: إن الآية من المقدّم والمؤخر: أي إذا
ــ
اللام ابتدأ بما بعدها. واتفقوا على كتابة اللام منفصلة، ومن ذلك قوله: أحد عشر كوكبا، فأحد وعشر كلمتان فيجوز الوقف على أوّلهما للضرورة، ومن ذلك يومئذ وحينئذ، فمجموع كل منهما كلمة واحدة فلا يوقف على أوّلها بحال، لاتصاله مع إذ خطا سواء أعرب يوم أم بني خلافا لبعضهم فيما إذا أعرب، ومن ذلك قوله: أَيَأْمُرُكُمْ
стр. 64
استعذت بالله من الشيطان الرجيم فاقرأ القرآن لوجب على كل مستعيذ بالله من الشيطان أن يقرأ القرآن، وليس الأمر كذلك. وأما أوّل التوبة، فمن كان مذهبه التسمية وصل آخر الأنفال بأوّل التوبة معربا، ومنهم من وصل غير معرب كأنه واقف واصل كراهة أن يأتي بالتسمية في أوّل التوبة، والوقف على آخر التعوّذ تامّ لأن الاستعاذة لا تعلق لها بما بعدها لا لفظا ولا معنى، لأنا مأمورون به عند التلاوة، وإن لم يكن من القرآن.
مطلب البسملة (١):
واختلف في البسملة فقيل إنها ليست من القرآن؛ وإنما كتبت للفصل
ــ
بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، فبعد وإذ كلمتان، لأن إذ هنا عاملة للجرّ في الجملة بعدها، فلا تكون مبنية مع غيرها، وجميع ما ذكر يعرف اتصاله وانفصاله من جهة المعنى، لا من جهة صورة الخط، وكل ما في كتاب الله تعالى من قوله: أمّن، فهو بميم واحدة إلا في أربعة مواضع فبميمين، وهي: أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا في النساء، وأَمْ مَنْ أَسَّسَ في التوبة، وأَمْ مَنْ خَلَقْنا في الصافات، وأَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً في فصلت، وكل ما فيه من قوله: فَإِنْ لَمْ*، فهو بنون إلا قوله: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ في هود، وكل ما فيه من قوله عما فهو بغير نون إلا قوله تعالى: عَنْ ما نُهُوا
стр. 65
بين السور، وهو قول ابن مسعود ومذهب مالك، والمشهور من مذهب قدماء الحنفية، وعليه قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها، وقيل آية من القرآن نزلت للفصل والتبرّك بها، وهو الصحيح، وقيل آية تامّة من كل سورة، وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير والزهري وعطاء وعبد الله بن المبارك وعليه قراء مكة والكوفة وفقهاؤهما، وهو القول الجديد للشافعي. وقيل آية تامّة في الفاتحة، وبعض آية في البواقي، وقيل بعض آية في الكل، قاله المفتي أبو السعود في تفسيره، والوقف على آخر البسملة تامّ، لأن الحمد مبتدأ لانقطاعه عما قبله لفظا ومعنى.
مطلب وصل أوائل السورة بأواخرها (١):
واعلم أن لك في وصل أوائل السور بأواخرها ووصل الآيات بعضها ببعض أربعة أوجه: وهي أن تقول الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ فتسكن الميم وتقطع الهمزة من الحمد، وهذه قراءة النبيّ ﷺ ، لأنه كان يقف على آخر كل آية
ــ
عَنْهُ في الأعراف فبنون، وكل ما فيه من قوله وأما فهو بغير نون إلا قوله تعالى: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ في الرعد فبنون، وكل ما فيه من قوله ألا فبغير نون إلا في عشرة مواضع فبنون: اثنان في الأعراف: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ، وأَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، وواحد في التوبة: أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، واثنان في هود:
وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وأَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، وواحد في الحج: أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً، وواحد في يس: أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ، وواحد في الدخان: أَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ، وواحد في الممتحنة: أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً، وواحد في: ن
стр. 66
ويبتدئ بالذي بعدها. الثاني أن تقول الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ فتكسر الميم وتحذف الألف من الحمد، لأنها ألف وصل. الثالث الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ بفتح الميم من الرحيم، لأنك تقدر الوقف على الميم لأنها رأس آية. ثم تلقى حركة همزة الوصل عليها وتحذفها. وهذا الوجه ردئ لم يقرأ به أحد، وإنما سمعه الكسائي من العرب، ولا يجوز لأحد أن يقرأ به لأنه لا إمام له. الرابع أن تقول الرَّحِيمِ* الْحَمْدُ لِلَّهِ فتكسر الميم وتقطع الهمزة. كقول الشاعر: [الطويل]
أرى كلّ ذي مال يعظّم أمره ... وإن كان نذلا خامل الذّكر والاسم
سورة الفاتحة (١)
مكية مدنية، لأنها نزلت مرتين، مرة بمكة حين فرضت الصلاة، ومرة بالمدينة حين حوّلت القبلة، وهي سبع آيات إجماعا، لكن عدّ بعضهم البسملة
ــ
والقلم: أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ واختلفوا في أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ في الأنبياء، وما كان فيه من ذلك نون فللقارئ أن يقف عليها عند الضرورة، وكتب كي لا في النحل والحشر كلمتين، ولكيلا في آل عمران والحج وثاني الأحزاب وفي الحديد كلمة واحدة، وكتب: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ في المؤمن، ويَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ في الذاريات كلمتين، ويَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ في المعارج، ويَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ في الطور كلمة واحدة كما ترى.
سورة الفاتحة، مكية مدنية لأنها نزلت مرّتين: مرّة بمكة، ومرّة بالمدينة، والوقف على آخر التعوّذ تام وإن لم
стр. 67
منها. والسابعة صِراطَ الَّذِينَ إلى آخرها وإن لم تكن منها. فالسابعة غَيْرِ الْمَغْضُوبِ إلى آخرها، وكلمها مع البسملة تسع وعشرون كلمة، وبغيرها خمس وعشرون كلمة، وحروفها بالبسملة وبقراءة (ملك) بغير ألف مائة وأحد وأربعون حرفا. قاله الإسنوي. على أن ما حذف رسم لا يحسب، لأن الكلمة تزيد حروفها في اللفظ دون الخط. وبيان ذلك أن الحروف الملفوظ بها ولو في حالة كألفات الوصل، وهي بها مائة وسبعة وأربعون حرفا، وقد اتفق علماء الرسم على حذف ست ألفات: ألف اسم من بسم، وألف بعد لام الجلالة مرتين، وبعد ميم الرحمن مرتين، وبعد عين العالمين. والحق الذي لا محيص عنه اعتبار اللفظ عليه، فهل تعتبر ألفات الوصل نظرا إلى أنها قد يتلفظ بها في حالة الابتداء أولا لأنها محذوفة من اللفظ غالبا؟ كل محتمل. والأوّل أوجه، فتحسب مائة وسبعة وأربعين حرفا غير شدّاتها الأربعة عشر، وفيها أربعة وقوف تامّة على أن البسملة آية تامّة منها لا تعلق لها بما بعدها، لأنها جملة من مبتدإ وخبر: أي ابتدائي بسم الله أو في محل نصب، وعلى كل تقدير هو تامّ. قال المازري في شرح التلقين: وإذا كانت قرآنا فهلا كفر الشافعي مالكا وأبا حنيفة في مخالفتهما له في ذلك، كما يكفر هو وغيره من خالف في كون الحمد لله ربّ العالمين قرآنا. قيل لم يثبتها الشافعي قرآنا مثل ما أثبت غيرها، بل أثبتها حكما وعملا لأدلة اقتضت ذلك عنده، ومعنى حكما: أن الصلاة لا تصح إلا بها فهي آية حكما لا قطعا. واختلف هل ثبوت البسملة قرآنا بالقطع، أو بالظن؟ الأصح أن ثبوتها بالظن حتى يكفي فيها أخبار الآحاد، وتعلق الأحكام مظنون، ولا يحكم بكونها قرآنا إلا بالنقل المتواتر قطعا ويقينا، بل ولا نكفر بيقينيّ لم يصحبه تواتر، ولما لم ينقلوا إلينا كون البسملة قرآنا، كما نقلوا غيرها، ولا ظهر ذلك منهم، كما ظهر في غيرها من الآي وجب القطع بأنها ليست من الفاتحة ولم يقل أحد من السلف إن البسملة آية
стр. 68
من كل سورة إلا الشافعي، وقد أثبتها نصف القراء السبعة ونصفهم لم يثبتها، والمصحح للقسمة أن لنافع راويين أثبتها أحدهما والآخر لم يثبتها، وقوّة الشبهة بين الفريقين منعت التكفير من الجانبين اه، وفيها ثلاثة وعشرون وقفا، أربعة تامة وستة جائزة يحسن الوقف عليها ولا يحسن الابتداء بما بعدها، لأن التعلق فيها من جهة اللفظ والوقف حسن، إذ الابتداء لا يكون إلا مستقلا بالمعنى المقصود، وثلاثة عشر يقبح الوقف عليها والابتداء بما بعدها، فالتامّة أربعة: البسملة، والدين، ونستعين. والضالين على عدّ أهل الكوفة، وثلاثة على عدّ أهل المدينة والبصرة، وهو الدين، ونستعين والضالين، ومن قوله اهدنا إلى آخرها سؤال من العبد لمولاه متصل بعضه ببعض فلا يقطع لشدّة تعلق بعضه ببعض. والجائزة الحمد لله، والعالمين، والرحيم، وإياك نعبد، والمستقيم، وأنعمت عليهم، لكونه رأس آية، وإنما جاز الوقف عليها على
وجه التسامح، ولا ينبغي الوقف على الأخير سواء نصب غير بدلا أو نعتا أو حالا، أو على الاستثناء. قال أبو العلاء الهمداني: ومن قرأ غير بالرفع خبر مبتدإ محذوف حسن الابتداء به، وهي قراءة شاذة (١). والثلاثة عشر التي يقبح الوقف عليها والابتداء بما بعدها: الحمد، ومالك، ورب، ويوم، وإياك فيهما، واهدنا،
ــ
يكن من القرآن، لأنا مأمورون به عند القراءة، وعلى البسملة تامّ بل أتم، وتقديره ابتدائي بسم الله. أو أبتدئ بسم الله، وعلى (الحمد) غير جائز، لأنه لا يفيد، وقس به ما يشبهه، وعلى (لله) قبيح للفصل بين النعت والمنعوت، وعلى (ربّ) غير جائز لما مرّ، وللفصل بين المتضايفين اللذين هم كشيء واحد (العالمين) صالح، لأنه رأس آية، وليس تاما للزوم الابتداء بعده بالمجرور بغير جارّ (الرحيم) كاف وليس تاما، كذلك (الدين) تام و (نعبد) جائز وليس حسنا للفصل بين المتعاطفين (نستعين) تامّ
стр. 69
والصراط، وصراط، والذين، وغير. والمغضوب، وعليهم الثاني، ولا شك أن الواقف على تلك الوقوف أحق أن يوسم بالجهل كما لا يخفى، وبيان قبحها يطول.
سورة البقرة (١)
مدنية، مائتا آية وثمانون وخمس آيات في المدني والشامي والمكي،
ــ
(المستقيم) جائز وليس حسنا وإن كان آخر آية، لأن ما بعده بدل منه وهو متعلق به (أنعمت عليهم) جائز وليس حسنا، لأن ما بعده مجرور نعتا أو بدلا أو منصوب حالا أو استثناء وكل منهما متعلق به وقال أبو عمرو: حسن وليس بتام ولا كاف سواء جرّ ما بعده أم نصب (ولا الضالين) تامّ (آمين) ليست من القرآن، والمختار فصلها عما قبلها.
وجوّز وصلها به. ومعناها استجب، وحركت النون وإن كان حقها السكون الذي هو الأصل في المبنيّ لالتقاء الساكنين، ولم تكسر لكسرة الميم ومجيء الياء الساكنة قبلها.
واختير الفتح لأنه أخفّ الحركات وتشبيها له بليس وكيف.
سورة البقرة مدنية والوقف على الم ونحوه مما يأتي في أوائل السور تام إن جعل خبر مبتدإ
стр. 70
وست في الكوفي، وسبع في البصري، وكلمها ستة آلاف كلمة ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وحروفها خمسة وعشرون ألف وخمسمائة حرف، وفيها مما يشبه رءوس الآي، وليس معدودا منها بإجماع اثنا عشر موضعا ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ، فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ، وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ طَعامُ مِسْكِينٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ الأول، ولا شهيد. والمكي يعدّها.
يبني الوقف على الم، والوصل على اختلاف المعربين في أوائل السور، هل هي مبنية أو معربة؟ وعلى أنها معربة عدّها الكوفيون آية. لأن هذه الحروف إذا وقف عليها كان لها محل من الإعراب، وتصير جملة مستقلة بنفسها، ففيها ونظائرها ستة أوجه، وهي لا محل لها أو لها المحل، وهو الرفع بالابتداء أو الخبر، والنصب بإضمار فعل أو النصب على إسقاط حرف القسم كقوله: [الوافر]
إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد
وكقوله: [الطويل]
فقالت يمين الله ما لك حيلة ... وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
ــ
محذوف: أي هذه أو هذا الم، أو منصوبا بمحذوف: أي اقرأ أو خذ الم أو جعل كل حرف منه مأخوذ من كلمة. ومعناه أنا الله أعلم. وقال أبو حاتم هو حسن. وقال أبو عمرو قال أبو حاتم هو كاف. وقال غيره ليس بتام ولا كاف لأن معناه يا محمد. وقيل هو قسم. وقيل تنبيه انتهى. وقيل مبتدأ خبره ذلِكَ الْكِتابُ وقيل عكسه، وعلى كل من هذه الأوجه لا يوقف عليه، بل على الكتاب إن جعل لا ريب لا شك، وإن جعل بمعنى حقا فالوقف على لا ريب. والوقف على الوجهين تامّ. وللثاني شرط يأتي،
стр. 71
وكقوله: [الوافر]
تمرون الديار فلم تعوجوا ... كلامكمو عليّ إذا حرام
أو الجر بإضمار حرف القسم: أي إنها مقسم بها حذف حرف القسم وبقي عمله، ونحو الله لأفعلنّ، وذلك من خصائص الجلالة فقط لا يشركها فيه غيرها الم تام. إن رفع ذلك بهدى، أو هدى به، أو رفع بما عاد من الهاء المتصلة بفي، أو رفع بموضع لا ريب فيه كأنك قلت ذلك الكتاب حق بهدى، أو رفع ذلك بالكتاب، أو الكتاب به، أو رفع ذلك بالابتداء والكتاب نعت أو بدل، ولا ريب فيه خبر المبتدإ، وكاف: إن جعلت خبر مبتدإ محذوف أي هذه أو هذا الم، وحسن: إن نصبت بمحذوف: أي اقرأ الم وليست بوقف إن جعلت على إضمار حرف القسم. وأن ذلك الكتاب قد قام مقام جوابها، وكأنه قال وحق هذه الحروف أن هذا الكتاب يا محمد هو الكتاب الذي وعدت به على لسان النبيين من قبلك فهي متعلقة بما بعدها لحصول الفائدة فيه فلا تفصل منه لأن القسم لا بدّ له من جواب وجوابه بعده، والقسم يفتقر إلى أداة، وهنا الكلام عار من أداة القسم، وليست الم وقفا أيضا إن جعلت مبتدأ وذلك خبره، وكذا لا يكون الم وقفا إن جعل ذلك مبتدأ ثانيا، والكتاب خبره، والجملة خبر الم وأغنى الربط باسم الإشارة، وفيه نظر من حيث تعدّد الخبر، وأحدهما جملة، لكن الظاهر جوازه كقوله: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى إن جعل تسعى خبرا، وأما إن جعل صفة فلا وإن جعل الم مبتدأ وذلك مبتدأ ثانيا، والكتاب بدل أو عطف بيان حسن الوقف على الكتاب، وليس بوقف إن جعل ذلك مبتدأ خبره لا ريب، أو جعل ذلك مبتدأ والكتاب،
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 72
ولا ريب فيه خبران له، أو جعل لا ريب فيه خبرا عن المبتدإ الثاني، وهو وخبره خبر عن الأول، وهكذا يقال في جميع الحروف التي في أوائل السور على القول بأنها معربة، وأن لها محلا من الإعراب، ولا يجوز الوقف على ذلك، لأن الكتاب إما بيان لذلك وهو الأصح، أو خبر له أو بدل منه فلا يفصل مما قبله، والوقف على لا قبيح لأن لا صلة لما بعدها مفتقرة إليه، والوقف على رَيْبَ تامّ: إن رفع هدى بفيه أو بالابتداء وفيه خبره، وكاف إن جعل خبر لا محذوفا لأن العرب يحذفون خبر لا كثيرا، فيقولون لا مثل زيد أي في البلد، وقد يحذفون اسمها ويبقون خبرها يقولون لا عليك أي لا بأس عليك، ومذهب سيبويه أنها واسمها في محل رفع بالابتداء، ولا عمل لها في الخبر إن كان اسمها مفردا، فإن كان مضافا أو شبيها به فتعمل في الخبر عنده كغيره.
ومذهب الأخفش أن اسمها في محل رفع وهي عاملة في الخبر، والتقدير هنا لا ريب فيه، فيه هدى، ففيه الأول هو الخبر وبإضمار العائد على الكتاب يتضح المعنى، وردّ هذا أحمد بن جعفر، وقال لا بدّ من عائد، ويدل على خلاف ذلك قوله تعالى في سورة السجدة: تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ لأنه لا يوقف على ريب اتفاقا لأنهم يشترطون لصحة الوقف صحة الوقف على نظير ذلك الموضع. وهذا تعسف من جماعة من النحاة أضمروا محلا متصلا به خبر لا، واكتفى بالمحل لأن خبر لا التبرئة لا يستنكر إضماره في حال نصب الاسم ولا رفعه، نقول إن زرتنا فلا براح بالرفع، وإن
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 73
زرتنا فلا براح بنصبه وهم يضمرون في كلا الوجهين. وهذا غير بعيد في القياس عندهم ولو ظهر المضمر لقيل لا ريب فيه هدى. وهذا صحيح في العربية. والوقف على فِيهِ تام: إن رفع هدى بالابتداء خبره محذوف أو رفع بظرف محذوف غير المذكور تقديره فيه فيه هدى، وكاف: إن جعل خبر مبتدإ محذوف أي هو، وحسن: إن انتصب مصدرا بفعل محذوف، وليس بوقف إن جعل هدى خبرا لذلك الكتاب، أو حالا منه أو من الضمير في فيه أي هاديا، أو من ذلك، ففي هدى ثمانية أوجه: الرفع من أربعة والنصب من أربعة لِلْمُتَّقِينَ تام: إن رفعت الذين بالابتداء، وفي خبره قولان: أحدهما أولئك الأولى والثاني أولئك الثانية والواو زائدة وهذان القولان منكران لأن والذين
يؤمنون يمنع كون أولئك الأولى خبرا، ووجود الواو يمنع كون أولئك الثانية خبرا أيضا والأولى تقديره محذوفا أي هم المذكورون، وحسن: إن نصب الذين بأعنى أو أمدح أو أذكر، لأن النصب إنما يكون بإضمار فعل فنصبه بالفعل المضمر، وهو في النية عند ابتدائك بالمنصوب، فلا يكون فاصلا بين العامل والمعمول، لأنك إذا ابتدأت بالمعمول فكأنك مبتدئ بالعامل معه وتضمره حال ابتدائك بالمعمول وليس المتقين بوقف إن جرّ الذين صفة لهم أو بدلا من هم أو عطف بيان لأنه لا يفصل بين النعت والمنعوت، ولا بين البدل والمبدل منه لأنهما كالشيء الواحد، ومن حيث كونه رأس آية يجوز، ففي
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 74
محل الذين ثلاثة أوجه: الجرّ من ثلاثة وهو كونه صفة للمتقين أو بدلا من هم أو عطف بيان والنصب من وجه واحد وهو كونه مفعولا لفعل محذوف، والرفع من وجهين كونه خبرا لمبتدإ محذوف، أو مبتدأ والخبر ما ذكرناه فيما تقدم بِالْغَيْبِ، والصَّلاةَ جائزان: والأولى وصلهما لعطف يقيمون الصلاة على يؤمنون يُنْفِقُونَ تامّ: على استئناف ما بعده، وكاف إن جعل الذين الأوّل منصوبا على المدح أو مجرورا على الصفة أو مرفوعا خبر مبتدإ محذوف أي هم المذكورون، فعلى هذه التقديرات الثلاث يكون، والذين يؤمنون مستأنفا جملة مستقلة من مبتدإ وخبر، ولا وقف من قوله وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ إلى يُوقِنُونَ فلا يوقف على أولئك لأن ما الثانية عطف على ما الأولى، ولا على من قبلك لأنها عطف على ما قبلها، ولا على الآخرة، لأن الباء من صلة يوقنون، وموضع بالآخرة نصب بالفعل بعدها وقدّم المجرور اعتناء به أو للفاصلة، وتقديم المفعول على الفعل يقطع النظم، وتقدير الكلام وهم يوقنون بالآخرة، وإن جعل الذين يؤمنون بالغيب مبتدأ، والخبر محذوفا تقديره هم المذكورون، والذين الثاني عطفا على الذين الأوّل جاز الوقف على من قبلك يُوقِنُونَ تامّ إن جعل أولئك مبتدأ خبره على هدى من ربهم، وليس بوقف إن جعل الذين يؤمنون بالغيب مبتدأ خبره أولئك على هدى للفصل بين المبتدإ والخبر، ومن حيث كونه رأس آية يجوز مِنْ رَبِّهِمْ ليس بوقف منصوص عليه فلا يحسن تعمده، فإن وقف عليه واقف جاز. قاله العماني.
الْمُفْلِحُونَ تام: وجه تمامه أنه انقضاء صفة المتقين وانقطاعه عما بعده لفظا ومعنى، وذلك أعلى درجات التمام، وأولئك مبتدأ أوّل، وهم مبتدأ ثان،
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 75
والمفلحون خبر الثاني والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون هم فصلا، والخبر المفلحون فيكون من قبيل الإخبار بالمفرد وهو أولى، إذ الأصل في الخبر الإفراد، ويجوز أن يكون بدلا من أولئك الثانية أو مبتدأ كما تقدم. هذا ما يتعلق بالوقوف، وأما ما يتعلق بالرسم العثماني، فقد اتفق علماء الرسم على حذف الألف التي بعد الذال التي للإشارة في نحو ذلك، وذلكم حيث وقع، ومن لكنه، ولكن حيث وقع من أولئك وأولئك حيث وقع، ورسموا أولئك بزيادة واو قبل اللام قيل للفرق بينها وبين إليك جارا ومجرورا. قال أبو عمرو في المقنع: كمل ما في القرآن من ذكر الكتاب، وكتاب معرّفا ومنكرا فهو بغير ألف إلا أربعة مواضع فإنها كتبت بالألف أوّلها في الرعد لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ وفي الحجر: إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ، وهو الثاني فيها، وفي الكهف: مِنْ كِتابِ رَبِّكَ، وهو الثاني منها، وفي النمل: تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ، ورسموا الألف واوا في الصلاة والزكاة والحياة ومناة حيث وقعت لأنهم يرسمون ما لا يتلفظ به لحكم ذكروها علمها من علمها وجهلها من جهلها فلا يسأل عنها، ولذا قالوا: خطان لا يقاس عليهما خط المصحف الإمام وخط العروض، كما يأتي التنبيه على ذلك في محله. قال مجاهد: أربع آيات من أوّل البقرة في صفة المؤمنين، والمفلحون آخرها، وآيتان في نعت الكفار، وعظيم آخرهما، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية كلها متصل بعضها ببعض، وقدير آخرها إِنَّ حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر، الذين: اسمها، وكفروا صلة وعائد، ولا يؤمنون خبر إنّ وما بينهما جملة معترضة بين اسم إن
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .