← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38092

المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره

محمد علي الحسن

Полный текст (299 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقصارى القول، أننا نربأ بأصحاب الرسول ﷺ أن يكونوا قد وافقوا أو فكروا، فضلا عن أن يتآمروا على ضياع أحرف القرآن الستة دون نسخ لها. وحاشا لعثمان ﵁، أن يكون قد أقدم على ذلك وتزعمه، وكيف ينسب إليه هذا؟ والمعروف أنه نسخ المصاحف التي جمعت على عهد أبي بكر ﵁، قبل أن يدب النزاع في أقطار الإسلام بسبب اختلاف حروف القراءة في القرآن. فكانت تلك الصحف محتملة للأحرف السبعة جميعا، ضرورة أنه لم يحدث وقتئذ من النزاع والشقاق ما يدعو إلى الاقتصار على حرف واحد في رأيهم، ولم يثبت أن الصحابة تركوا من الصحف المجموعة على عهد أبي بكر حرفا واحدا، فضلا عن ستة أحرف، ولو كان ذلك لنقل إلينا متواترا، لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله. ثم كيف يفعل عثمان ذلك، ﵁ ذلك؟ وهو الذي عرف أن علاج الرسول لمثل هذا النوع الذي دبّ في زمانه، كان بجمع الناس وتقريرهم على الأحرف السبعة لا يمنعهم عنها، كلّا ولا بعضا. ثم كيف يفعل عثمان ذلك، وتوافقه الأمة، ويتم الإجماع؟ ثم يكون خلاف في معنى الأحرف السبعة مع قيام هذا الإجماع؟ أي كيف تجمع الأمة على ترك ستة أحرف، وإبقاء حرف واحد، ثم يختلف العلماء في معنى الأحرف السبعة على أربعين قولا، ويكادون يتفقون- رغم خلافهم هذا- على أن الأحرف السبعة باقية، مع أن الإجماع حجة عند المسلمين، وبه ينجلي ظلام الشك عن وجه اليقين. ولنفرض جدلا أن نزاع المسلمين في أقطار الأرض أيام خلافة عثمان ﵁، قضى عليه أن يجمع المسلمين على حرف واحد في القراءة، فلماذا لم تسمح نفسه الكريمة بإبقاء الستة الأحرف الباقية للتاريخ لا للقراءة؟ مع أن الضرورة تقدر بقدرها، وهذه الستة أحرف لم تنسخ لا تلاوة ولا حكما حتى تذهب بجرة قلم كذلك، ثم يبخل عليها بالبقاء للتاريخ وحده في أعظم مرجع، وأقدس كتاب، وهو القرآن الكريم (١).

стр. 107

المبحث الرابع القراءات القرآنية أولا: تعريف القراءات: معناها اللغوي: القراءات جمع قراءة، وهي مصدر من قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، واسم الفاعل منه قارئ وجمعه قرّاء. ويطلق لفظ قرأ ويراد منه عدة معان: فإذا قلت: قرأت القرآن، معناه لفظت به مجموعا، وأقرأت حاجتك إذا دنت، وقرأت الشيء قرآنا إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض. معناها الاصطلاحي: قال الزركشي: القراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرها (١). أما ابن الجزري فعرفها: (بأنها علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوا لناقله) (٢). وهذا التعريف اعتمده كثير من المؤلفين في علم القراءات. وهناك من عرف القراءات (بأنها مذهب يذهب إليه المقرئ)، وهو وإن كان مقصوده ما ذهب إليه العلماء: أن مبنى ما ذهب إليه القارئ هو الوحي والسماع، إلّا أن المستشرقين قد جعلوا من مثل هذا التعريف مأربا خبيثا للصيد في الماء العكر، إذ رأوا أن اختلاف القراءات مبناه اختلاف القراء وفق هواهم ومعتقداتهم، وراحوا يقيسون اختلاف الأناجيل على اختلاف الروايات في القراءات (٣).

стр. 108

ومع كل الأسف فقد وجدنا ممن شايعهم قد ذهب إلى مثل أقوالهم. ولعلّ في تعريف الزركشي ما يجلي هذه الحقيقة وما يبعده هذه الشبهة، إذ قال عن القراءات واختلافها: إنها اختلاف ألفاظ الوحي ... فهذا التعريف يلقي الضوء على أن مبنى القراءات الوحي النازل من السماء، وقد تبعه علماء القراءات- قديما وحديثا- في تجلية هذه الحقيقة، فجاءوا بتعريفات واضحة وناصعة، فعرّفوا القراءات (بأنها النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبي ﷺ . ومثل هذا التعريف (تلاوة ألفاظ القرآن الكريم كما تلاها المصطفى ﷺ أو كما علمها أو سمعها منه أصحابه وأقرّهم عليها) (١)، وكلها تعريفات قريبة مما ذكره الزركشي، فاختلاف ألفاظ الوحي هي مثل النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبي ﷺ ومثل تلاوة القرآن كما تلاها النبي ﷺ وصدق الله العظيم: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣]. نشأة القراءات: هذا العنوان الذي يستعمله كثير من المؤلفين عن حسن قصد، ويؤكده المستشرقون لغرض في نفوسهم، فيه نظر: ذلك أن القراءات المتواترة قرآن لا شك فيه، فقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وملك يوم الدّين بالألف وبدونها، واهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ واهدنا السراط المستقيم، بسينها وصادها، وكل قراءة قرآنية متواترة، كل ذلك قرآن وهو قديم، فلا يقال لقراءة منه: نشأت، لأن ذلك يشعر بالحداثة لبعضها في وقت من الأوقات. لذا أرى أنّ في استعمال المؤلفين المخلصين هذا العنوان تجاوزا- إن صحّ التعبير- وأرى أنّ في استعمال المستشرقين له مقصدا خبيثا، ونحن قد رأينا فيما أومأنا إليه سابقا من تعريف للقراءات بأنها اختلاف ألفاظ الوحي، مما يشير إلى أن القراءة قرآن لا تنفك قرآنيتها عنه ما دامت قد تواترت، فلا يقال لها: ناشئة إلّا إذا قيل للقرآن: ناشئا، وليس الأمر كذلك فقد نزل الوحي بالقراءة فيما ورد في بعض ألفاظه

стр. 109

أكثر من قراءة، بل حين بدأ نزول الوحي بدأها بأول كلمة في أول سورة نزلت هي (اقرأ) ففيها قراءتان متواتران: الأولى: هي قراءة الجمهور بهمزة ساكنة. والثانية: قراءة أبي جعفر بحذف الهمزة (اقرا يقرا كسعى يسعى)، وإنّه لأمر يسترعي الانتباه أن تكون أول كلمة في أول سورة نزلت كلمة اقرأ وأن يكون القرآن والقراءات مشتقا من مشتقاتها. بعد هذا التمهيد، أرى أن الحديث عن مصدر القراءات هو الحاسم لكثير من الشبه والأضاليل، التي يتمسك بها المستشرقون، والتي كان لأقوال بعض المفسرين وبعض العلماء قدر غير يسير في الإسهام في مد أولئك الملحدين بشيء من أسباب الضلالة، من غير قصد منهم ﵏ لما لم يلزموا جانب الحيطة والحذر، وأقصى غايات الحذر في هذا الأمر الجلل، فقد أمدوا- من حيث لا يشعرون- من في قلبه مرض واستعداد طبيعي لاتخاذ كل شاردة وواردة من القول صيدا ثمينا، وفرصة ذهبية للنيل من مقدسات هذه الأمة وقرآنها. أقول: إن المصدر الوحيد للقراءات، إنما هو الوحي النازل من السماء إلى النبي ﵊، الذي بلّغه بكل دقة، وبكل حركة إلى أصحابه الكرام، فكان يقرئهم إياه كما أنزل، كما روى ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فإذا ما علمهم القرآن، فأتقنوا تلاوته، أحبّ أن يسمعه منهم، توثيقا لما سمعوه عنه. روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود- ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ عليّ القرآن»، فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل، قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري»، فقرأت عليه سورة النساء ... حتى إذا جئت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] (١).

стр. 110

قال: «حسبك الآن»، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان، فالنبي ﷺ كان يتعهد أصحابه بتعليم القرآن وحفظه حتى أصبحت صدورهم سجلا لما نزل من الحق، وربما علّم النبي- ﵊ بعض أصحابه قراءة لم يسمعها أصحابه الآخرون، فيقرأ بعضهم القرآن على القراءة التي سمعها، ويقرأ آخر على قراءة غيرها سمعها من النبي ﷺ ، فيسمع أحدهما الآخر فينكر عليه عدم سماعه لها من الرسول ﷺ . ففي البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب- ﵁ قال: سمعت هشام ابن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة النبي ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلّم. ثم لبّبته بردائه أو بردائي، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، قلت له: كذبت، فو الله إن رسول الله ﷺ أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان، فقال رسول الله ﷺ : «أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرؤها، قال رسول الله ﷺ : «هكذا أنزلت» ثم قال رسول الله ﷺ : «اقرأ يا عمر» فقرأت، فقال: «هكذا أنزلت». ثم قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه» (١). وروى مسلم عن أبيّ بن كعب قال: «كنت في المسجد فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرءا، فحسّن النبي ﷺ شأنهما ... (٢) الحديث.

стр. 111

فمن حديث عمر وهشام ﵄ يتبين لنا أن تعدد القراءات سببه واحد هو أنّ رسول الله ﷺ اقرأ كلّا منهما على قراءة، وكلتا القراءتين أنزلت من عند الله تعالى. ومن حديث أبيّ بن كعب- ﵁ أن عدد القراءات ثلاث، وكلها حسّنها رسول الله ﷺ لأنها متلوة من الوحي، جعلها الله من باب التهوين والتسهيل على أمته. يقول الشيخ الزرقاني- ﵀: ثم إن الصحابة- رضوان الله عليهم- قد اختلف أخذهم عن رسول الله ﷺ ، فمنهم من أخذ القرآن عنه بحرف واحد، ومنهم من أخذه عنه بحرفين، ومنهم من زاد، ثم تفرّقوا في البلاد وهم على هذه الحال، فاختلف بسبب ذلك أخذ التابعين عنهم، وأخذ تابعي التابعين وهلم جرا، حتى وصل الأمر على هذا النحو إلى الأئمة القراء المشهورين، الذين تخصصوا وانقطعوا للقراءات، يضبطونها ويعنون بها وينشرونها (١). إذن فالأمر في تعدد القراءات أمر أخذ ونقل من الوحي، فلا يجوز لمسلم أن يعزو أية قراءة لغير ذلك، كما صنع المستشرق (جولد زيهر) وغيره من المستشرقين الذي عزوا القراءات إلى القارئين الذين مارس كل واحد منهم القراءة القرآنية ليصحح القرآن، وأن القارئ يقرأ وفق ما يحتمله الرسم القرآني الخالي من النقط والشكل. يقول جولد زيهر: (وترجع نشأة قسم كبير من هذه الاختلافات- أي في القراءات- إلى خصوصية الخط العربي، الذي يقدم هيكله مقادير صوتية مختلفة، تبعا لاختلاف النقط الموضوعة فوق هذا الهيكل أو تحته، وعدد تلك النقاط، بل كذلك في حالة تساوي المقادير الصوتية يدعو اختلاف الحركات الذي لا يوجد في الكتابة العربية الأصلية ما يحدده، إلى اختلاف مواقع الإعراب للكلمة، وبالتالي إلى اختلاف دلالتها، وإذا فاختلاف تحلية هيكل الرسم بالنقط، واختلاف الحركات في المحصول الموحّد القالب من الحروف لم يكن منقوطا أصلا، أو لم تتحر الدقة في نقطه أو تحريكه) (٢).

стр. 112

وقد أرجع الدكتور عبد العال سالم أساس هذا الزعم إلى الزمخشري وقال: إن مصدر الوحي لهذا المستشرق جولد زيهر إنما هو الزمخشري الذي قال بخطإ ابن عامر في قراءته للآية القرآنية (١). فقد زعم الزمخشري أن الذي حمل ابن عامر على قراءته أنه رأى في بعض المصاحف (شركائهم) مكتوبا بالياء، والسبب هو الرسم. اهـ. أقول: ونحن إذ نضع في الاحتمال أن يكون للزمخشري أثر في قول زيهر، إلّا أننا نجزم أن مراد كل منهم يختلف عن الآخر، إذ يهدف زيهر للوصول إلى قياس تعدد القراءات على تعدد الأناجيل، وهذه خطيئة ما نظن أن الزمخشري يقع في مثلها. وفي ضوء دراسة هذه الردود يمكن إيجازها في الأمور التالية: أولا: إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف والكتب، فإن القراءات وجدت قبل مرحلة تدوين المصاحف وكتابتها، وبعد تدوينها كانت في البداية غير منقوطة ولا مضبوطة الشكل، ومع ذلك كانت القراءات معروفة ومنتشرة وكانوا يقرءون الآيات حسب السماع والرواية لا حسب الرسم والكتابة. ثانيا: لو كانت القراءة تابعة للرسم لصحت كل قراءة يحتملها رسم المصحف، ولكن الأمر على غير ذلك، فإن بعض ما يحتمل الرسم صحيح مثل (فتثبتوا) في قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا .. [النساء: ٩٤] الآية. وبعضه مردود مثل قراءة حماد الرواية (أباه) في قوله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [التوبة: ١١٤] الآية. وكذلك قراءة: «تستكثرون» في قوله تعالى: قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ [الأعراف: ٤٨].

стр. 113

وهذه وتلك قراءة منكرة بالاتفاق، فليست من السبع، ولا الأربع عشرة، ولو كان مجرد الخط والرسم كافيا لاعتمدت. وعلى مثل هذه القراءات المنكرة اعتمد جولد زيهر في الاستدلال على قضيته الباطلة، ودعواه الخبيثة ضد القرآن الكريم. ثالثا: لقد ثبت بالتاريخ الصحيح أننا لا نزال نرى الكثير من المقرئين حتى يومنا هذا، يعطون تلاميذهم بعد أن يتموا حفظه على أيديهم إجازة تتضمن سند التلقي المتصل عنهم إلى النبي ﷺ ، وأن كثيرا من الأسانيد الصحيحة المتصلة مدونة محفوظة في كتب القراءات، فما ينكر هذا إلّا جاهل أو مكابر. كذلك إذا نظرنا إلى الأمصار الإسلامية وجدنا أن كل مصر التزم قراءة قارئ بعينه، مع احتمال رسم المصحف لهذه القراءة، وأن القرّاء انتشروا في هذه الأمصار ليعلموا الناس قراءة القرآن إيمانا منهم بأن رسم المصحف وحده لا يعني شيئا في مجال القراءة، وبخاصة أنه مجرد من النقط والشكل. يقول الشيخ الزرقاني: «لذلك اختار عثمان حفاظا يثق بهم، وأنفذهم إلى الأقطار الإسلامية، واعتبر هذه المصاحف أصولا ثواني، مبالغة في الأمر، وتوثيقا في القرآن، ولجمع كلمة المسلمين، فكان يرسل إلى كل إقليم مصحفه، مع من يوافق قراءته في الأكثر الأغلب، روي أن عثمان- ﵁ أمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن أبي شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن عبد القيس مع البصري (١). فلو كان الاعتماد على المصحف، لما كلف أمير المؤمنين نفسه بإرسال أولئك القراء إلى تلك الأمصار، وملاحظة أن اختيار القارئ كان موافقا لرسم المصحف المرسل إلى ذلك البلد، وهذا يؤكد أن دعامة القرآن هي التلقي والرواية. وإذا كان للمستشرقين عذرهم في تعصبهم للباطل وحقدهم الدفين ضد الإسلام ومبادئه، فما عذر من جاراهم من المسلمين وقال: بأن القراءات القرآنية منشؤها

стр. 114

الخط العربي حسب رسمها في المصحف العثماني، ومن هؤلاء الدكتور علي عبد الواحد وافي (١)، وتبعه في ذلك الدكتور طه حسين في صورة أكثر بشاعة وأشد خطرا، إذ هو ينكر على المعتقد بشرعية القراءات، وأنها ليست من الوحي، وإنما مصدرها اللهجات واللغات. يقول طه حسين: «والحق أنه ليست هذه القراءات السبع من الوحي في قليل ولا كثير، وليس منكرها كافرا ولا فاسقا ولا مغتمزا في دينه، وإنما هي قراءات مصدرها اللهجات واختلافها» (٢). وقد نهج الدكتور محمد عبد السلام كفافي نهج طه حسين فقال: وهناك سبب قوي لظهور القراءات لأن مصحف عثمان كتب بغير نقط ولا شكل (٣). والحق الذي لا يمارى فيه، أن القراءات سنة متبعة نقلت بالرواية والمشافهة من في رسول الله ﷺ ، وهي قرآن لا تنفك عنه، وهي ليست مغايرة له، بل هي ألفاظ مختلفة نزل بها الروح الأمين بعرضات متعددة، ولم تكن القراءات وليدة خط أو رسم أو عدم شكل وضبط لكتاب الله تعالى، ومن يقول بهذا فهو ضال مضل، لسوء نيته وخبث قصده، سواء كان (جولد زيهر) أو من سار على دربه، والذي يمعن النظر في كلام زيهر مثلا يجد له أبعادا وأهدافا، وقد استوفيناه في بحث خاصّ بالقراءات، نشر في مجلة البحوث الإسلامية بالرياض، العدد (٣٥). أركان القراءات يجدر التنويه لأمر، وهو أن ركن القراءة الوحيد، هو صحة السند لا غير، وأن إضافة الركنين الأخيرين لم تأت إلّا في وقت متأخر كما ذكر الأستاذ سعيد الأفغاني في تحقيقه لكتاب حجة القراءات لأبي زرعة، وقد وصف السفاقسي اشتراط غير صحة السند بأنه قول محدث لا يعول عليه.

стр. 115

بعد هذا التنويه والتنبيه نقول: إن كان الحديث عن القراءات ومعناها قد كثر فيه الخلاف والاختلاف بين أئمة هذا العلم، فإن الحديث عن أركانها أكثر اختلافا، فبعضهم يشترط لقبول القراءة أركانا ثلاثة، ومنهم من يكتفي بركنين، ومنهم من يقتصر على ركن واحد. والقائلون بالأركان الثلاثة يتفاوتون في الأخذ بكل ركن منها، وسأضع بين يديك هذه الأركان كما نظمها أحد أئمة هذا الشأن شعرا فقال: فكل ما وافق وجه النحو ... وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وحيثما يختل ركن أثبت شذوذه لو أنه في السبعة (١) تلك هي الأركان الثلاثة، وسأبدأ بأهمها، بل المجمع على اشتراطه إلا وهو: ١ - صحة السند: هذا أول الأركان المعتبرة، بل هو الذي يستهل به العلماء حديثهم عن أركان القراءات. فابن مجاهد شيخ هذه الصنعة إذ هو أول من سبع السبعة قد قال: (والقراءة التي عليها الناس بالمدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام، هي القراءة التي تلقوها عن أوّليهم تلقّيا، وقام بها في كل مصر من هذه الأمصار رجل ممن أخذ عن التابعين، أجمعت الخاصة والعامة على قراءته، وسلكوا فيها طريقه وتمسّكوا بمذهبه) (٢)، فلا يمكن اعتبار القراءة القرآنية إلّا إذا كانت قد أخذت بطريق التلقي والمشافهة، وهذا ما يؤكده في موضع آخر حيث يقول: (فهؤلاء سبعة نفر من أهل الحجاز والعراق والشام خلفوا في القراءة التابعين، وأجمعت على قراءتهم العوام من أهل كلّ مصر من هذه الأمصار) (٣).

стр. 116

فابن مجاهد يشترط لقبول القراءة صحة السند، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء المحققين كابن شنبوذ والإمام أبو الحسن البغدادي وابن خالويه ومكي بن أبي طالب والإمام الكواشي والإمام أبو شامة (١). ولم يشذ عن إجماع هؤلاء العلماء، إلّا محمد بن يعقوب المتوفّى سنة ٣٥٤ هـ. فإنه لم يشترط السند، واكتفى بقبول القراءة بشرطين: موافقة الرسم وموافقة اللغة العربية، وأسقط صحة السند، وفي ذلك يقول ابن الجزري: «وله «أي المذكور» اختيار في القراءة رويناه في الكامل وغيره، رواه عنه أبو الفرج الشنبوذي، ويذكر عنه أنه كان يقول: إن كل قراءة وافقت المصحف ووجها في العربية فالقراءة بها جائزة وإن لم يكن لها سند) (٢). والحق أن هذه هفوة من الهفوات التي لا يرتضيها شرع ولا عقل، وهي من أفسد الأقوال، فالقراءات قد تزداد وتنقص وفق احتمال موافقتها للغة أو للرسم القرآني، وبالتالي فهي وفق هوى أئمة اللغة واجتهادهم وليس الأمر كذلك. ٢ - موافقة القراءة للرسم العثماني: ذهب كثير من العلماء المتأخرين إلى اعتبارهم هذا الشرط، وقد ذكره أبو الفرج الشنبوذي أول الشروط المعتبرة إذ يقول: «إن كل قراءة وافقت رسم المصحف ووجها في العربية فالقراءة بها جائزة». ويفهم مما ورد في «كتاب السبعة في القراءات» عدم اشتراطه إذ يقول: (فمن حملة القرآن المعرب العالم بوجوه الإعراب والقراءات، العارف باللغات ومعاني الكلمات، البصير بعلم القراءات المنتقد للآثار، فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفّاظ القرآن في كل مصر من أمصار المسلمين) (٣).

стр. 117

فهذا الكلام يدلنا على شرطين لا ثالث لهما: وهما صحة السند وموافقة العربية، وأسقط موافقة الرسم، وذهب إلى ذلك الإمام أبو الحسن البغدادي شيخ القراء بالعراق فأسقط موافقة القراءة للرسم العثماني. وقد توسع بعض العلماء في موافقة القراءة للرسم العثماني، فرأى احتمال الموافقة كافيا، بل توسع بعضهم فرأى موافقة القراءة للرسم وحده وإن لم تتواتر. ونحن إذ نرد القراءة التي لم توافق الرسم، إلا أننا لا نقبلها لمجرد موافقتها الرسم. ٣ - موافقة القراءة للغة: ابتدأ بذكره صاحب النشر فجعله أول الأركان، وثنّى بذكره مكي بن أبي طالب والإمام الكواشي، وجعله ثاني الشروط بعد صحة السند، وقد قيد كل منهم هذا الشرط بقيد يختلف عن الآخر، فبينما يكتفى الكواشي بشرط موافقة القراءة للغة لأي وجه من الوجوه. نرى مكي بن أبي طالب يشترط أن يكون وجهه في العربية التي نزل بها القرآن شائعا. وذهب أبو الفرج الشنبوذي إلى تأييد رأي الكواشي في التساهل والاكتفاء بموافقة القراءة لأي وجه من الوجوه اللغوية، سواء أكان الوجه فصيحا مجمعا عليه أم كان مختلفا فيه اختلافا لا يضير مثله كما يقولون. نظرة في الأركان: لو تأملنا هذه الأركان لوجدناها أركانا تخضع لاستقراء العلماء واستنباطهم، فمنهم من جعلها ركنا واحدا، ومنهم من جعلها ركنين، مع اختلاف في تحديد الركنين، ومنهم من جعلها ثلاثة أركان وأضاف الموافقة للغة، وفي كل شرط خلاف، ففي السند: من العلماء من ذهب إلى اشتراط التواتر، ومنهم من اشتراط الشهرة، ومنهم من اكتفى بصحة السند ولو نقل آحادا. وفي موافقة الرسم: منهم من اشتراط الموافقة تحقيقا، ومنهم من قبلها ولو تقديرا أو احتمالا، وفي موافقة اللغة كلام استوفيناه في موضعه.

стр. 118

والذي لا شك فيه بل المجمع عليه، هو صحة السند، بل أرى أنه الركن الوحيد الذي ينبغي أن يقتصر عليه، والذي أعنيه بصحة السند ليس مجرد الصحة، بل التواتر، ذلك لأن القرآن كله متواتر، لا يشك في ذلك مسلم من المسلمين، وقراءته يتعبد بتلاوتها المؤمنون، وقراءاته المختلفة لا ضير بالاكتفاء ببعضها، لأنها كلها قرآن، فأرجلكم من قوله تعالى: .. وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ .. [المائدة: ٦] قرآن. وأرجلكم بالكسر في الموضع نفسه قرآن، ومالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إن قرأت بهذه القراءة قرآن، وملك يوم الدّين قرآن، إن شئت قرأت بهذه أو بتلك. فالقراءة قرآن يتعبد بتلاوتها فلا بد من تواترها لإثبات قرآنيتها. أما القراءة التي لم تتواتر سندا فلا تعتبر قرآنا مهما أضفت إليها من معايير وشروط، وقد أخطأ من حكم بقرآنيتها إذا وافقت الرسم ووافقت اللغة، وأنزلها منزلة المتواتر في السند. إن التواتر لا يكون إلّا بالسند الذي يرويه جمع عن جمع ... إلخ إذا وضح عندنا صحة اعتبار تواتر السند، فلا ضير علينا في الركنين الأخيرين، لأنه لم يثبت لدينا أن قراءة من القراءات المتواترة قد خالفت الرسم القرآني، أو خالفت العربية. ودع عنك ما يقال إن بعض القراءات القرآنية المتواترة قد خالفت العربية، كما زعموا في قوله تعالى: .. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ .. [النساء: ١]. والأرحام بالكسر أو قراءة فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ [البقرة: ٥٤] بالتسكين مخففة فإن كلام النحاة الذين خالفوا كلام القراء لا يستند إلى دليل. أعود لأقول: إن شرط القراءة أو ركنها الوحيد هو صحة السند وتواتره، ولا ثاني له والله أعلم. يقول الأستاذ سعيد الأفغاني: (والشرط الأساسي- كما يظهر للمتأمل- هو الأول، أي: صحة السند، أما الثاني والثالث فالغالب أنهما أضيفا ليتكون من الثلاثة ما ينطبق تمام المطابقة على القراءات العشر المعروفة) (١) ثم أضاف: «إن أول وأشهر

стр. 119

من عرف عنه اشتراط الشروط الثلاثة هو (مكي بن أبي طالب) الذي عاش في المائة الخامسة للهجرة حيث قال: (والقراءات الصحيحة ما صح سندها إلى رسول الله ﷺ وما صح وجهها في العربية، ووافقت خط المصحف) وشاع هذا القول بعده، حتى تبعه في ذلك بعض المتأخرين، ومشى عليه ابن الجزري في نشره وطيبته .. ، واستنكر الجمهرة ذلك. حتى قال السفاقسي: (وهذا قول محدث لا يعول عليه» (١). أشهر القراء من الصحابة: المشهورون من الصحابة هم: عثمان، وعليّ، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري، وهؤلاء هم الذين أرسلهم عثمان بالمصاحف إلى الآفاق الإسلامية. أشهر القراء التابعين: بالمدينة المنورة: سعيد بن المسيب، وعروة، وسالم، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وأخوه عطاء، وزيد بن أسلم، ومسلم بن جندب، وابن شهاب الزهري، وعبد الرحمن بن هرمز، ومعاذ بن الحارث المشهور بمعاذ القارئ. بمكة المكرمة: عطاء، ومجاهد، وطاوس، وعكرمة، وابن أبي مليكة، وعبيد ابن عمير، وغيرهم. بالبصرة: عامر بن عبد القيس، وأبو العالية، وأبو رجاء، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وجابر بن زيد، والحسن، وابن سيرين، وقتادة وغيرهم. بالكوفة: علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة السّلماني، والربيع بن خثيم، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل، وعمرو بن ميمون، وأبو عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وعبيد بن نضلة، وأبو زرعة بن عمرو، وسعيد بن جبير، والنخعي والشعبي. بالشام: المغيرة بن أبي شهاب المخزومي صاحب مصحف عثمان، وخليد بن سعد صاحب أبي الدرداء وغيرهما.

стр. 120

ثم تفرغ قوم للقراءات يضبطونها ويعنون بها، فكان بالمدينة أبو جعفر يزيد بن القعقاع ثم شيبة بن نصاح ثم نافع بن أبي نعيم. وكان بمكة: عبد الله بن كثير، وحميد بن قيس الأعرج ومحمد بن محيصن. وكان بالكوفة: يحيى بن وثاب، وعاصم بن أبي النجود، وسليمان الأعمش ثم حمزة ثم الكسائي. وكان بالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم الجحدري، ثم يعقوب الحضرمي. وكان بالشام: عبد الله بن عامر، وعطية بن قيس الكلابي، وإسماعيل بن عبد الله ابن مهاجر، ثم يحيى بن الحارث الذماري، ثم شريح بن يزيد الحضرمي، وقد لمع في سماء هؤلاء القراء نجوم عدة مهروا في القراءة والضبط حتى صاروا في هذا الباب أئمة يرحل إليهم ويؤخذ عنهم. القراءة السبعة وغيرهم: لا يفوتنا أن نذكر لك القراء السبعة الذين عناهم ابن مجاهد، الذي هو أول من سبّعهم، كما نذكر القرّاء العشرة الذين عناهم ابن الجزري في كتابه النشر في القراءات العشر، ثم نذكر الأربعة المتممين للأربعة عشر. القراء السبعة: ١ - نافع: هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني. أخذ القراءة عن أبي جعفر القاري وعن سبعين من التابعين الذين أخذوا عن عبد الله بن عباس، وأبي هريرة، عن أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ ، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة المنورة، توفي سنة ١٦٩ هـ. وأشهر رواته قالون وورش. ٢ - ابن كثير: هو أبو محمد أو أبو عبد الله بن كثير الداري، كان إمام الناس في القراءة بمكة. لقي من الصحابة عبد الله بن الزبير وأبا أيوب الأنصاري وأنس بن مالك. وروى عن مجاهد عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ وقرأ

стр. 121

على عبد الله بن السائب المخزومي، وقرأ عبد الله هذا على أبيّ بن كعب وعمر ابن الخطاب وكلاهما قرأ على رسول الله ﷺ وتوفي سنة ١٢٠ هـ. وأشهر رواته البزي وقنبل. ٣ - أبو عمرو البصري: هو أبو عمرو زبان بن العلاء بن عمار البصري. روى عن مجاهد بن جبر وسعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ ، قرأ على جماعة منهم أبو جعفر يزيد بن القعقاع والحسن البصري، وقرأ الحسن على حطان وأبي العالية. وقرأ أبو العالية على عمر بن الخطاب، توفّي أبو عمرو سنة ١٥٤ هـ. وأشهر رواته حفص الدوري والسوسي. ٤ - ابن عامر الشامي: هو عبد الله اليحصبي يكنى أبا نعيم وأبا عمران، وهو تابعي لقي واثلة بن الأسقع والنعمان بن بشير. وقد أخذ القراءة عن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي عن عثمان بن عفان عن رسول الله ﷺ . وقيل: إنه قرأ على عثمان نفسه، توفي بدمشق سنة ١١٨ هـ. وأشهر رواته هشام بن عمار وابن ذكوان. ٥ - عاصم الكوفي: هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود الأسدي، قرأ على زر بن حبيش على عبد الله بن مسعود، على رسول الله ﷺ وقرأ أيضا على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي معلم الحسن والحسين، وقرأ عبد الرحمن على الإمام علي وأخذ الإمام علي ﵁ قراءته عن رسول الله ﷺ ، توفي عاصم بالكوفة سنة ١٢٧ هـ. وأشهر رواته شعبة وحفص ٦ - حمزة الكوفي: هو أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات الكوفي مولى عكرمة بن ربيع التيمي، قرأ على أبي محمد سليمان بن مهران الأعمش على يحيى بن وثاب على زر بن حبيش على عثمان وعلي وابن مسعود على النبي ﷺ ، توفي بحلوان سنة ١٥٦ هـ. وأشهر رواته خلف بن هشام وخلاد.

стр. 122

٧ - الكسائي الكوفي: هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي لقب بالكسائي لأنه كان على الدوام لابسا «كساء»، قال أبو بكر الأنباري: اجتمعت في الكسائي أمور: كان أعلم الناس بالنحو، وأوحدهم بالغريب، وكان أعلم الناس بالقرآن، فكانوا يكثرون عليه حتى يضطر أن يجلس على الكرسي ويتلو القرآن من أوله إلى آخره، وهم يسمعون منه ويضبطون عنه، توفي سنة ١٨٩ هـ. وأشهر رواته أبو الحارث الليث بن خالد، والدوري حفص بن عمر. تمام القراء العشرة: ٨ - أبو جعفر المدني: يزيد بن القعقاع القاري نسبة إلى موضع بالمدينة يسمى «قارا». أخذ عن عبد الله بن عباس وأبي هريرة، عن أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ ، توفي سنة ١٣٠ هـ. وأشهر رواته عيسى بن وردان وابن جماز. ٩ - يعقوب البصري: هو أبو محمد يعقوب بن إسحاق الحضرمي قرأ على أبي المنذر سلّام بن سليمان الطويل، وقرأ سلّام على عاصم وعلى أبي عمرو، توفي بالبصرة سنة ٢٠٥ هـ. وأشهر رواته رويس وروح بن عبد المؤمن. ١٠ - خلف البزار: أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب البزار البغدادي، قرأ على سليم عن حمزة، وعلى يعقوب بن خليفة الأعشى وعلى أبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري صاحب المفضل الضبي، وعلى أبان العطار، وهم عن عاصم، توفي سنة ٢٢٩ هـ ببغداد. وأشهر رواته إسحاق الوراق وإدريس الحداد. تمام القراء الأربعة عشر: ١١ - الحسن البصري: هو السيد الإمام الحسن بن يسار أبو سعيد البصري الغني بشهرته عن تعريفه توفي سنة ١١٠ هـ. من رواية شجاع عن عيسى الثقفي عنه، ورواية الدوري عن شجاع عن عيسى الثقفي عنه.

стр. 123

١٢ - ابن محيصن: هو محمد بن عبد الرحمن السهمي المكي مقرئ أهل مكة مع ابن كثير توفي سنة ١٢٣ هـ. من روايتي البزي وابن شنبوذ بسندها إلى شبل عنه. ١٣ - يحيى اليزيدي: هو يحيى بن المبارك بن المغيرة، الإمام أبو محمد العدوي البصري المعروف باليزيدي توفي سنة ٢٠٢ هـ. من رواية سليمان بن الحكم عنه، ورواية أحمد بن فرح عن الدوري عنه. ١٤ - الأعمش: سليمان بن مهران الأسدي الكوفي الإمام الجليل كان عالما بالقرآن والحديث توفي سنة ١٤٨. من روايتي الشنبوذي والمطوعي بسندها إلى ابن قدامة عنه. هؤلاء الأئمة العظام هم الذين خدموا الأمة والملة، وحافظوا على الكتاب ونسأل الله تعالى أن يغمر الجميع بواسع رحمته وأن يجزيهم أحسن الجزاء على خدماتهم لدين الله وكتابه. حكم ما رواء العشرة: وقع الخلاف في القراءات الأربع بعد العشر، فقيل: إن المسألة ليست مسألة أشخاص ولا أعداد، بل هي قواعد ومبادئ، فأيما قراءة تواترت سندا فهي مقبولة، وإلّا فهي مردودة، لا فرق بين قراءات القراء السبعة والقراء العشرة والقراء الأربعة عشر وغيرهم (١).

стр. 124

المبحث الخامس أسباب نزول لمحة تاريخية سريعة عن هذا العلم يعتبر شيخ البخاري علي ابن المديني (١) ﵀ أول من دون كتابا في هذا العلم، وتلاه علماء (٢) آخرون لم يصلنا شيء من كتبهم، إلّا ما ذكره الواحدي والسيوطي عنهم، وبقي هذا العلم غير مدون ولا مجموع، حتى طالعنا أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي (٣) - المتوفى سنة ٤٦٨ - بكتابه المشهور أسباب النزول، وهو خير الكتب المصنفة في هذا الفن، رغم ما فيه من إعواز وأخطاء تاريخية، وروايات ضعيفة ورد أغلبها عن طريق الكلبي، التي هي من أوهى الطرق عن ابن عباس ﵄، وهي طريق سلسلة الكذب كما يطلق عليها علماء الحديث، كما اشتمل كتابه على روايات لا تمت إلى أسباب نزول الآية بصلة. وكان المأمول من العلماء من بعده أن يجردوا كتابه من تلك الأخطاء، وأن يسدوا ما فيه من إعواز، بيد أن الذين أتوا من بعده لم يفعلوا شيئا من ذلك، فإبراهيم الجعبري (٤) لم يفعل شيئا إلّا تجريد كتابه من الأسانيد التي ذكرها الواحدي، ولم يضف إلى ذلك شيئا يذكر، وقد تحدث في مقدمته قائلا: نزول القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال، ثم أخذ يسرد كتاب الواحدي سردا لم نحظ منه بتعليق يسير عليه.

стр. 125

وممن ألف في هذا العلم أبو الفرج- ابن الجوزي- المتوفى سنة ٥٩٧ هـ. وكتابه «أسباب نزول القرآن»، ثم جاء ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ وكتب كتابه «العجاب في بيان الأسباب» (١). ذكر السيوطي أنه مات عنه مسوّدة، وكان يذكرها كثير من العلماء في عداد المفقودات، ولكنها ظهرت أخيرا إلّا أن هذه المسوّدة ليست كاملة، فقد كتب ما يزيد على أربعمائة صفحة من القطع الكبير، ووصل في ذكر أسباب النزول إلى الآية الثامنة والسبعين من سورة النساء، أي حتى قوله تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: ٧٨]. ومن خلال اطلاعي على المسوّدة وجدتها ليست مثل كتابه فتح الباري، بل سوّد صفحات كثيرة في أشياء لا تمت إلى سبب النزول بصلة، مثل ذكره عن كوكب الزهرة، بأن الزهرة هي امرأة جميلة، ثم حدث ما حدث إلى أن رفعت إلى السماء .. وقد أطال في هجومه على من ضعفوا وردّوا هذه الرواية، والكلام في ذلك يطول ولا مجال لذكره. ثم جاء السيوطي واعدا بأن يكون كتابه «لباب النقول في أسباب النزول» من خير الكتب المصنفة في هذا الشأن، وقال مادحا كتابه: «إنني ألفت فيه- أي في أسباب النزول- كتابا حافلا موجزا محررا لم يؤلف مثله في هذا النوع، سميته «لباب النقول»، لقد أثنى على نفسه بشيء من المبالغة، في حين أن كتاب الواحدي بقي خيرا منه، وكان الأولى به أن يجمع مزاياه. ويكمل ما رآه ناقصا، ويسد ما فيه من إعواز كما قال، وهذا ما جعل محقق الكتاب- الأستاذ سيد صقر- يقول: (اللباب مصنوع من الأسباب). وأخيرا فإن آخر كتب المتقدمين كتاب إرشاد الرحمن في أسباب النزول والمتشابه والتجويد (٢) لمؤلفه عطية الله بن برهان الأجهوري المتوفى سنة ١١٧٠، وهو كتاب ما زال مخطوطا، وقد صنع مثلما صنع السيوطي، ووعد بإخراج كتاب فذّ في هذا المجال، ولكنه لم يصنع شيئا، إلا أنه جمع بين كتابي الواحدي والسيوطي وجرد أسانيدهما.

стр. 126

أولا- تعريف أسباب النزول: من المسلمات والبدهيات أن من القرآن ما نزل ابتداء، ومنه ما نزل عقب حادثة أو جوابا عن سؤال، وأكثر القرآن نزل ابتداء ليعالج الأوضاع والعادات الفاسدة القائمة آنذاك، فليس لكل آية سبب، وليس كل ما ذكر من الأسباب سببا في الحقيقة، فسبب النزول: (هو الحادثة التي وقعت في عهد الرسول ﷺ ونزل بشأنها قرآن، أو الأسئلة والاستفسارات الموجهة للنبي ﷺ ، وجاءت الآيات مجيبة عنها) وأحسن تعريف لذلك ما ذكره السيوطي قائلا: (والذي يتحرر في أسباب النزول أنه ما نزلت الآية أو الآيات مبينة لحكمه أيام وقوعه) ليخرج ما ذكره الواحدي في تفسيره سورة الفيل، من أن سببها قصة قدوم الحبشة، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة نوح وعاد وثمود وبناء البيت الحرام، ونحو ذلك، وكذلك ذكره في قوله تعالى: .. وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥] سبب اتخاذه خليلا فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى (١). فعند النظر في الرواية التي ذكرت أنها سبب النزول يجب أن يتحقق من مزامنة نزول الآية مع حدوث القصة أو الحادثة أو السؤال فإن تزامنت جاز أن تكون سبب نزول وإلّا فلا. ثانيا: الألفاظ الدالة على سبب النزول: جدير بالذكر أن الصحابة رضوان الله عليهم هم الطريق الوحيد لمعرفة أسباب النزول، لأنهم هم الذين عاينوا نزول القرآن، فلا خلاف أنه إذا قال الصحابي سبب نزول الآية كذا، فإن هذا يدل صراحة على السبب دون حاجة إلى بيان، ومثل ذلك إذا أخبر الصحابي عن حادثة أو سؤال وجه إلى النبي ﷺ ثم ذكر بعد ذلك الآيات عقيب الحادثة، أو إجابة للسؤال فإنه ذلك يعتبر نصا في سبب النزول.

стр. 127

ومثالا له ما رواه البخاري عن أنس بن مالك قال: قال أبو جهل: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) فنزل قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ٣٣ وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الأنفال: ٣٣ - ٣٤] (١). وهناك ألفاظ وقرائن تدل على سبيل الرجحان على سبب النزول، كأن ترد الفاء التعقيبية داخلة على مادة نزول الآية بعد سرد حادثة ما، أو بذكر سؤال طرح على رسول الله ﷺ ، كأن يقول: سئل رسول الله ﷺ عن كذا فنزلت. فهذا يدل على الرجحان، لا على سبيل الجزم، كما رأى ذلك بعض الباحثين لأنني وجدت آثارا كذلك ولم تدل على السبب، ويستوي في ذلك أن يكون السؤال الذي نزلت الآيات بسببه متصلا بأمر مضى كقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣]. أو بأمر حاضر كقوله: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ .. [النساء: ١٥٣]. فنزلت في اليهود قالوا للنبي ﷺ : إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء كما أتى موسى. أو بأمر مستقبل نحو قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها .. [الأعراف: ١٨٧]. كما لا ينبغي أن يفهم كل سؤال ورد في القرآن وأجيب عنه، يدل على سبب النزول، فقد ورد لفظ يسألونك في اثني عشر موضعا، ولم يثبت لأكثرها سبب للنزول، وإن حاول بعض المفسرين أن يتمحل لها سببا وأتى بما لا طائل تحته. بقي تحقيق القول فيما إذا قال الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا، هل يدل ذلك على سبب؟. نقل السيوطي عن ابن تيمية أنه قال: قولهم: نزلت هذه الآية في كذا، يردا به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب، كما

стр. 128

نقول: عنى بهذه الآية كذا (١)، فهي تحمل على التفسير إن ذكر فيها معنى تدل عليه الآية، وتحمل على بيان سبب النزول إن ذكر فيها ما دعا إلى نزولها. مثال ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا .. [النساء: ٩٤]. فإنه إذا قيل: نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب النبي ﷺ ، مر بهم رجل من سليم، وهو يسوق غنما له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه إلى النبي ﷺ ... الحديث (٢). فكان ذلك بيانا لسبب نزولها، وإذا قيل: نزلت في معاملة الناس بمقتضى ظواهرهم، كان تفسيرا لها وبيانا لمضمونها، ولغلبة استعمال هذه العبارة في التفسير، قال الزركشي في البرهان: قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها. وما أكثر الآيات القرآنية المتضمنة للأحكام، وجعلت هذه الأحكام أسبابا، ومن أراد معرفة ذلك فلينظر إلى تفسير الآيات: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]. وقوله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [التوبة: ١٢٢]. ثالثا: طريق معرفة أسباب النزول: يقول الواحدي في مقدمة كتابه: (كل آية لها سبب مقول مروي منقول) (٣). وعلى هذا فلا يحل القول في أسباب النزول إلّا بالرواية والسماع. ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها وجدّوا في الطّلاب، وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل ذي العثار في هذا العلم بالنار، لما رواه ابن عباس قال: قال رسول

стр. 129

الله ﷺ : «اتقوا الحديث إلّا ما علمتم، فإنه من كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار» (١). والسلف ﵏ كانوا أبعد الغاية احترازا عن القول في نزول الآية، فلا يقبلون إلّا ممن شاهدوا التنزيل، كالصحابة رضوان الله عليهم، فإن قولهم في سبب النزول هو مما لا مجال للرأي فيه، فهو بمثابة المرفوع، فإن صح النقل عنه وجب الأخذ به، وهو كالحديث المسند، أما إذا لم يجزم الصحابي، كأن قال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا فلا يعد هذا سببا. أما قول التابعي في سبب النزول إذا نقل أو سمع الصحابي، فيجري فيه من المذاهب ما يجري في الأحاديث المرسلة عند علماء مصطلح الحديث والأصول، أما قولهم بالاجتهاد فلا يصح، قال ابن سيرين: (سألت عبيدة عن آية من القرآن، فقال: اتق الله وقل سدادا ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن) (٢). وليس لأحد بعد عصر التابعين أن يخترع سببا للنزول. قال الواحدي (٣): «أما اليوم، فكل أحد يخترع شيئا ويختلق إفكا وكذبا ملقيا زمامه إلى الجهالة، غير مفكر في الوعيد للجاهل بسبب الآية». فوائد أسباب النزول: لا شك أن لمعرفة سبب النزول فوائد لا يستغني عنها أي مفسر لكتاب الله، كما قال الواحدي: ولا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها، أو كما قال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن (٤).

стр. 130

من هذه الفوائد: ١ - تخصيص الحكم بالسبب عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ. ٢ - ومن الفوائد دفع توهم الحصر عما يفيد بظاهره الحصر، وقد مثلوا على ذلك بمثال وهو قول الشافعي كما أورده الزركشي في معنى قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ... [الأنعام: ١٤٥]. قال: إن الحصر في الآية ليس مرادا، ذلك أن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادّة والمحادّة، جاءت الآية بهذا الحصر الصوري مشادة لهم ومحادة من الله ورسوله، لا قصدا إلى حقيقة الحصر، نازلة منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول: لا آكل اليوم إلّا الحلاوة، والغرض المضادّة لا النفي والإثبات على الحقيقة (١). ٣ - معرفة أن سبب النزول غير خارج عن حكم الآية، إلّا إذا ورد نص مخصّص لها. وهي من القضايا الأصولية التي ذكرها الآمدي والشاطبي وغيرهم، ودللوا عليها كقاعدة أصولية تتعلق بأسباب النزول، وهذه الفائدة من الأمور المجمع عليها عند من يعتد بقولهم في علم الأصول، وهي صحيحة ولا كلام، بل بدهية أن سبب النزول غير خارج عن حكم الآية. ٤ - أن السبب يفيد وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم. ٥ - ومجمل القول: إن فوائد معرفة أسباب النزول كثيرة ولا غنى عنها، فهي تفيد في فهم النص القرآني بكل أبعاده، فتزيل المشكل، وتوضح المبهم، وتدفع الغموض، وتطرد الشّبه، وترفع الخلاف، فهي أوضح سبيل وأقصره لفهم معاني الآيات التي ورد لها سبب.

стр. 131

وإضافة إلى ما ذكر تفيد الزمان والمكان الذي نزلت فيه الآية، فتميز المكي من المدني، وتفصل الدعوى في الناسخ والمنسوخ حين يعرف المتقدم من المتأخر، وإلى جانب هذا كله، فإنها تعطي صورة واضحة عن مراحل الدعوة الإسلامية، في سيرها ومعالجتها للأحداث بوسائل مكافئة في كل حالة من الحالات، وهذه فائدة لا تعدلها فائدة لمن تأمل فيها في رسم السياسة الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية، عبر مراحلها الزمنية في عهد النبي ﷺ . نعم إن علم الأسباب في النزول يبين الفهم الصحيح للآية، ولا يزول الإشكال إلّا بذكره، وقد توافقت كتب علوم القرآن قديما وحديثا على ذكر هذه الأمثلة لتبين أن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب ويضبطنا من الوقوع في الزلل. من ذلك ما ورد في قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]. فإننا لو تركنا لظاهر الآية لاقتضى أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة لا سفرا ولا حضرا، وهو خلاف الإجماع، ولكن بمعرفة سبب نزولها يتبين لنا أن هذا المفهوم خاطئ، فقد روي في سبب نزولها أن القبلة عميت على قوم فصلّوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبين خطؤهم، فعذرهم الله بها، فالآية ترفع الحرج عمن صلّى باجتهاده إلى جهة ما يظنها القبلة، فبان له الخطأ بعد ذلك، وكأن الله سبحانه يقول: لا حرج فالجهات كلها لله، وحيثما توجهتم فثم وجه الله (١). ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما .. [البقرة: ١٥٨]. فقد فهم عروة بن الزبير ﵁، أن الآية نزلت لبيان عدم فرضية السعي بين الصفا والمروة، فإن عبارة «لا جناح في كذا» لا يستعمل في الدلالة على وجوب الصلاة والزكاة. مثلا «لا جناح في أداء الصلوات الخمس أو في إخراج الزكاة، وإنما تصلح هذه العبارة للتعبير عن الإباحة لأن هذا المعنى هو مدلولها اللغوي»:

стр. 132

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ .. [البقرة: ١٩٨]. .. فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ... [البقرة: ٢٢٩] .. فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ .. [البقرة: ٢٣٠]. ومن هنا فهم عروة أن السعي بين الصفا والمروة ليس بفرض، لأن عبارة الآية تدل بمقتضى الاستعمال اللغوي على الإباحة، والإباحة تنافي الوجوب، لأن الإباحة لا إلزام فيها، بخلاف الوجوب. ولولا قوله تعالى: .. مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ .. [البقرة: ١٥٨]. لما فهم من الآية أن السعي عمل مرغّب فيه شرعا، فتدل الآية بمجموعها على الترغيب فيه وامتناع وجوبه، ولكن من يقف على سبب نزول الآية يعرف أنها لا تنافي وجوب السعي بين الصفا والمروة، فقد روي أن فريقا من الصحابة تحرجوا من الطواف بهما، لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلونه، وكانوا في ترددهم بين الصفا والمروة يتمسحون بصنمين كانا عليهما، فتأثموا من عمل هو من أعمال الجاهلية، وكان يقترن به عمل من أعمال الوثنية فنزلت. وروي أن الأنصار كانوا في الجاهلية يحجون إلى الصنم الذي يقال له مناة، ولا يتحللون من الطواف بهما، لأنه لم يكن ذكر في القرآن في ذلك الوقت. وكان الذي ذكر هو الطواف بالبيت العتيق فنزلت (١). ويجمع بين هذه الروايات كلها بأنها نزلت عقب تأثم الجميع، والمعقول أن هذا التأثم إنما وقع منهم قبل أن يسمعوا من رسول الله ﷺ شيئا في طلب السعي، وإلّا فحينئذ لا يعقل أن يتأثموا، فجاءت عبارة الآية على ما كان في نفوسهم من التأثم، تبين لهم أن هذا الأمر لا إثم فيه ولا جناح، فالمقصود منه إزالة ما كان في نفوسهم من التأثم لا نفي الوجوب، ولكن عروة لم يعرف سبب النزول ففهم أن الآية تنافي الوجوب. وقد دلت السنّة على وجوبه، وقد عرف عروة من خالته عائشة سبب نزولها، ولمّا عرف اهتدى إلى المقصود منها.

стр. 133

وكذلك قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: ٤]. فقد أشكل على بعض الأئمة معنى هذا الشرط، حتى قال الظاهرية: إن اليائسة لا عدة عليها إذا لم ترتب، وقد بين سبب النزول المراد من هذا الشرط، فقد أخرج الحاكم عن أبيّ بن كعب أنه لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد النساء، قالوا: قد بقيت عدد لم تذكر، وهي عدد الصغار والكبار فنزلت (١). فبين سبب النزول أن المعنى إن ارتبتم في حكمهن فعدتهن ثلاثة أشهر، والذين لم يقفوا على سبب نزول الآية، فهموا أن المعنى إن ارتبتم في حيضهن، فأشكل عليهم معناها، حتى قال بعضهم: بأن اليائسة لا عدة عليها. والأمثلة التي تبين فائدة أسباب النزول كثيرة اكتفينا بالمذكور واقتصرنا على الصحيح منها. وتجدر الإشارة إلى أن معرفة بعض أسباب النزول قد لا يقدم ولا يؤخر في قليل أو كثير كأن تنزل آية في زيد أو عمرو من الناس فالأمر سواء. حالات تعدد روايات أسباب النزول هذا بحث يشتمل على صور كثيرة نبدأ بالصور المتفق عليها ثم نثني بالمختلف فيها. ١ - لا خلاف بين العلماء أنه إذا تعددت أسباب النزول، وكانت رواية صحيحة وأخرى ضعيفة، فإنه يقدم الصحيح على الضعيف. من ذلك ما روي في أسباب نزول سورة: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى [الضحى: ١ - ٣]. فقد روى البخاري أن رسول الله ﷺ اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلّا قد تركك، فأنزل الله سورة الضحى .. (٢).

стр. 134

أما الطبراني فقد روى في سبب نزول السورة، عن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها وهي خادمة رسول الله ﷺ أن جروا دخل بيت النبي ﷺ فدخل تحت السرير فمات، فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله؟ جبريل لا يأتيني، فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله وَالضُّحى وَاللَّيْلِ .. السورة. قال ابن حجر: قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة ولكن كونها سبب نزول الآية غريب وفي إسناده من لا يعرف فالمعتمد ما في الصحيح (١). ٢ - ولا خلاف أيضا إذا كانت الروايات في أسباب النزول صحيحة، وإحداها أرجح من الأخرى بوجه من وجوه الترجيح أخذ بالأرجح وترك المرجوح، مثال ذلك: ما رواه البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال: بعضهم لو سألتموه، فقالوا: حدّثنا عن الروح فقام ساعة ورفع رأسه، فعرفت أنه يوحى إليه حتى صعد الوحي، ثم قال: .. قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] (٢). أما الترمذي فقد صحح عن ابن عباس قوله: إن قريشا قالت لليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل، فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الآية (٣). فالروايتان صحيحتان، ولكن رواية البخاري أصح سندا ودراية، لأن البخاري رواها عمن شاهد القصة وعاينها وهو ابن مسعود، أما الترمذي فروايته لا ترجح على رواية البخاري سندا، وابن عباس الذي رويت عنه الرواية لم يشاهد مثلما شاهد ابن مسعود الذي كان حاضر القصة (٤). وليست رواية من شاهد كرواية من سمع بها.

стр. 135

٣ - يذكر العلماء حالة تساوي روايات النزول في الصحة، ولست أرى لهذا النوع وجودا ولا دليلا، ووجدت في حديثهم اضطرابا، إذ يلجئون في هذه الحالة إلى القول بتداخل هذه الروايات، ويجعلونها سببا واحدا إذا كان زمانها متقاربا، أو يقولون بتعدد نزول الآية مرات متعددة، إذا كان الزمان متباعدا، حتى زعموا أن بعض الآيات قد نزلت ثلاث مرات. أما حالة تداخل الروايتين وجعلهما سببا واحدا، فيمثلون لهذه الحالة بما روي في سبب نزول آيات اللعان، فقد أخرج البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء. فقال النبي: «البينة أو حدّ في ظهرك» فقال يا رسول الله: (إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فأنزل عليه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور: ٦ - ٩] (١). وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: اسأل رسول الله ﷺ أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا يقتله، أيقتل به؟ أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله ﷺ فعاب السائل، فأخبر عاصم عويمرا فقال: والله لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنّه فأتاه فقال: «إنه قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآنا» الحديث. جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضا، فنزلت في شأنهما معا (٢). هذا الرأي فيه نظر، إذ المتأمل لنصوص الحديثين يجد القول الحق في أن سبب النزول هو ما روي بشأن هلال بن أمية لوجود قرائن في متن الحديث، فهذان

стр. 136

الحديثان وإن تساويا صحة في السند إلّا أن متن كل منهما يختلف عن الآخر مما جعل بعض العلماء يعتمد أن سبب النزول الوحيد للآية هو ما روي بشأن هلال لوجود قرائن تدل على ذلك. ومن هذه القرائن أن النبي ﷺ حين أتاه هلال بن أمية- بنفسه- قاذفا زوجته، قال له: «البينة أو حد في ظهرك» لأن الوحي لم ينزل بعد في حكم اللعان، لذا لم يبق إلّا أن يطبق عليه النبي ﷺ حد القذف، كما ورد في الآية السابقة نزولا لهذه الآية (١)، وهذا يلزمه بتطبيق حد القذف عليه، ولم يعفه من ذلك آيات اللعان في حقه. أما في قصة عويمر، فإن النبي ﷺ حين سأله عويمر لم يقل النبي ﷺ له: «البينة أو حد في ظهرك» بل قال له: «قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا». فلم يتوقف الرسول ﷺ في بيان حكمه. يقول صاحب معاني القرآن: وقد يذكرون حادثة تحققت في تلك الأيام المباركة، واستنبط النبي ﷺ حكمها من آية في ذلك الباب، فتراهم يقولون بعد ذلك: إن الآية نزلت في كذا، وربما قالوا: فأنزل الله قوله كذا، فكأنه إشارة إلى أنه من استنباطه ﵊. ولعل هذا ما جعل بعض العلماء يجزم أن قصة هلال بن أمية هي السبب الوحيد لوجود قرينة تدل على ذلك، وينفي أن تكون قصة عويمر سببا. وعلى أية حال، فهذا الخلاف لا يترتب عليه أثر مفيد، فسواء أتداخلت الروايتان وكانتا سببا للنزول، أم كانت قصة هلال بن أمية هي السبب الوحيد، فلا شيء يترتب على ذلك. ٤ - أما حالة تعدد الروايات في أسباب النزول التي حكموا فيها بتكرار نزول الآية لتباعد أزمانهما، فيمثلون لهذه الحالة بما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة أن النبي ﷺ وقف على حمزة حين استشهد، وقد مثل به، فقال: «لأمثلنّ بسبعين

стр. 137

منهم مكانك». فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف بخواتيم سورة النحل وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ .. إلى آخر السورة [النحل: ١٢٦ - ١٢٨]. وبما أخرجه الترمذي والحاكم عن أبيّ بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة، فمثلوا بهم. فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربينّ عليهم، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ الآية، فظاهر تأخير نزولها إلى يوم فتح مكة، وفي الحديث المتقدم ما يفيد نزولها يوم أحد. وهناك رواية ثالثة بأنها نزلت في مكة قبل الهجرة. قال ابن الحصار: ويجمع بينهما أنها نزلت في مكة قبل الهجرة مع السورة لأنها مكية، ثم ثانيا بأحد، ثم ثالثا يوم الفتح تذكيرا من الله لعباده. كما أن الزركشي قد ذكر نحو قوله إذ يقول: (وقد ينزل الشيء مرّتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه) (١). فهذه الأقوال لا يسندها دليل من الشرع أو العقل، وإذا ناقشنا المثال المذكور فإننا نقول: إن رواية البيهقي فيها مقال، ففي إسنادها «صالح بن بشير المري» وهو ضعيف عند الأئمة، قال البخاري عنه: إنه منكر الحديث، وعلى هذا فرواية الترمذي أصح منها (٢). قال القرطبي إن نزول هذه الآيات في أحد، مما أطبق عليه جمهور المفسرين ثم قال: إن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة في يوم أحد، ووقع ذلك في صحيح البخاري وفي كتاب السير، وذهب النحاس إلى أنها مكية، والمعنى متصل بما قبلها في المكي اتصالا حسنا، لأنها تتدرج في الرتب من الذي يدعي ويعظ، إلى الذي يجادل، إلى الذي يجازي على فعله. لكن ما روى الجمهور أثبت .. (٣). اهـ. القرطبي.

стр. 138

الفصل الرابع جمع القرآن الكريم المبحث الأول: الجمع في عهد النبي ﷺ . المبحث الثاني: الجمع في عهد أبي بكر الصديق ﵁. المبحث الثالث: الجمع في عهد عثمان ﵁. المبحث الرابع: ترتيب الآيات والسور القرآنية. المبحث الخامس: رسم المصحف «الرسم القرآني أو العثماني».

стр. 139

جمع القرآن الكريم تمهيد: المراد بجمع القرآن الكريم حفظه في الصدور وكتابته في السطور، وقد تحقق جمع القرآن بنوعيه حفظا وكتابة في جميع العهود. ففي عهد النبي ﷺ تواتر حفظه في الصدور، كما تمت كتابته، كلما نزلت آية من الآيات دعا من يكتب. وفي عهد أبي بكر جمع أوراق القرآن وما كتب في مكان واحد. وقد تجوز العلماء في إطلاق جمع القرآن في عهد عثمان الذي أمر بكتابته ونسخه. وما زال جمع القرآن- حفظا وكتابة- محققا وسيبقى كذلك إلى قيام الساعة وصدق الله العظيم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩].

стр. 140

المبحث الأول الجمع في عهد النبي ﷺ لقد جمع القرآن في عهد النبي ﷺ حفظا وكتابة، أما حفظه في الصدور فقد تجلى في حفظ النبي ﷺ لهذا القرآن، فقد كان يتشوق ويتلهف لنزول الوحي، فما إن ينزل بالآيات إلّا ويعجل النبيّ ﷺ بحفظها، لذا طمأنه الله سبحانه وأرشده إلى عدم الإسراع والتعجل بالقرآن قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ١٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: ١٦ - ١٩]. وقال تعالى: .. وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ .. [طه: ١١٤]. ومن هنا كان ﷺ جامع القرآن في قلبه الشريف، وسيد الحفاظ في عصره المنيف، ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القرآن وعلوم القرآن، وكان ﷺ يقرؤه على الناس على مكث، كما أمره مولاه، وكان جبريل يعارضه إياه في كلّ عام مرة، وعارضه إياه في العام الأخير مرتين. قالت عائشة وفاطمة ﵄: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة، وأنه عارضنا العام مرتين، ولا أراه إلّا حضر أجلي» (١). أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد أخذ القرآن قلوبهم، فأخذوا يتسابقون في حفظه- أحيوا ليلهم وسمع لبيوتهم في غسق الدجى كدوي النحل بالقرآن. بل عرفت منازلهم من سماع تلاوتهم للقرآن، قال رسول الله ﷺ : «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل،

стр. 141

وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» (١)، هذا ليلهم، أما نهار الصحابة في المسجد، فكان يسمع لهم ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم الرسول ﷺ بأن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا، ومن هنا كان عدد الحفاظ من الصحابة رضوان الله عليهم كثيرا، أشهرهم الخلفاء الأربعة والعبادلة وعمرو بن العاص وابن الزبير ومعاوية وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة، وغيرهم من المهاجرين، ويكفي أن نعلم من كثرتهم أنه قتل منهم في يوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة مثلهم أي أربعون ومائة (٢). أما الحفظة من الأنصار فهم كثيرون، أشهرهم: أبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو زيد (وهو قيس بن السكن). يتضح لنا أن الحفاظ كثيرون، وقد زادوا على حد التواتر، ومع ذلك فقد أثار أعداء الإسلام- قديما وحديثا- شبهة مفادها أن الحفظة من الصحابة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. وتمسكوا بأثر رواه البخاري وغيره، وظنوا أن هذا مستمسك لهم، وما هو بذلك؛ وقد رد علماؤنا كيدهم إلى نحورهم. أما الأثر فما ورد في صحيح البخاري عن أنس بن مالك- ﵁ أنه قال: (مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد) (٣). فقد زعموا أن هؤلاء الأربعة هم الحفظة ولا أحد غيرهم ظنا منهم أن الحصر في هذا الأثر حصر حقيقي. والواقع أن هذا الحصر نسبي لا حقيقي، ويدلنا على ذلك ما رواه أنس بن مالك نفسه، وقد سأله قتادة عن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ فقال: (أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد) (٤).

стр. 142

فقد ذكر في هذه الرواية أربعة، غير أنه ذكر أبيّ بن كعب بدلا من أبي الدرداء في الرواية الأولى. وهو صادق في كلتا الروايتين، لأنه لا يعقل أن يكذب نفسه، فتعيّن أنه يريد من الحصر الذي أورده الحصر الإضافي، فمرة ذكر أبا الدرداء، ومرة ذكر أبيّ بن كعب، وهذا التوجيه وإن كان بعيدا، إلّا أنه يتعين المصير إليه جمعا بين هاتين الروايتين، وبينهما وبين روايات ذكرت غير هؤلاء. ومن هنا قال المازري: لا يلزم من قول أنس- ﵁: (لم يجمعه غيرهم). أن الواقع كذلك في الأمر نفسه، لأنه لا يمكن الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في الأمصار، ولم يتمّ له ذلك إلّا إذا كان قد لقي كل واحد منهم، وأخبر عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النبي ﷺ ، وهذا في غاية البعد في العادة (١)، وكيف يكون الواقع ما ذكر، وقد جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «خذوا القرآن عن أربعة: عن عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب» (٢). والأربعة المذكورون منهم اثنان من المهاجرين وهما الأولان، واثنان من الأنصار وهما الأخيران. اهـ. ولعل مراد المازري بهذا نفي الحصر الحقيقي وتوجيه الحصر الإضافي، ويؤكد ذلك حديث آخر رواه ابن أبي داود عن محمد بن كعب القرظي قال: (جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبيّ بن كعب، وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري). وهناك أجوبة كثيرة عن هذه الشبهة، وقد أجاب الإمام أبو بكر الباقلاني بأجوبة ثمانية، ولكن ابن حجر ضعفها، وغيره فندها. ونكتفي في النهاية بكلمة للمازري حيث يقول: (وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه، فإنا لا نسلّم حمله على ظاهره، سلمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه، لكن لا يلزم من كون كل واحد من الجم الغفير لم يحفظه كله، أن لا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير.

стр. 143

وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه، بل إذا حفظ الكلّ الكلّ ولو على التوزيع كفى) (١). قال القرطبي: قد قتل يوم اليمامة سبعون وقتل في عهد النبي ﷺ في بئر معونة مثل هذا العدد، قال: وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم (٢). هذا عن جمع القرآن حفظا وتلاوة، أما الجمع بمعنى كتابة القرآن وتدوينه، فلم تكن عناية النبي ﷺ وأصحابه بحفظ القرآن واستظهاره لتمنعهم من توثيق القرآن بكتابته وتدوينه، فقد اتخذ الرسول ﷺ من أصحابه كتبة للوحي، منهم زيد بن ثابت وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وثابت بن قيس وخالد بن الوليد، إذ كان النبي ﷺ يأمر من حضر منهم بالكتابة لما ينزل عليه من القرآن، فيكتب الكاتب: إما على العسب أو اللخاف أو الرقاع أو قطع الأديم أو عظام الأكتاف والأضلاع (٣). ثم يوضع المكتوب في بيت رسول الله ﷺ وكان مجموعا في صحف قال تعالى: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً [البينة: ٢]. أي يقرأ قراطيس مطهرة من الباطل، فيها مكتوبات مستقيمة قاطعة بالحق والعدل. وقال أيضا: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ١١ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ١٢ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ١٣ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ١٤ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ١٥ كِرامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١١ - ١٦]. أي أن هذه تذكرة مثبتة في صحف مكرمة عند الله، مرفوعة المقدار منزهة عن أيدي الشياطين، قد كتبت بأيدي كتبة أتقياء، وما كتب بالصحف كان مؤلفا.

стр. 144

روي عن ابن عباس عن عثمان ﵃ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أنزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب، فقال: «ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا» (١). وعن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع (٢). خلاصة ما تقدم أن القرآن الكريم قد حفظ في صدور الكثير من الصحابة. وقد كتب القرآن كله، فتحقق جمع القرآن في عهد النبي ﷺ حفظا وكتابة في الصدور وفي السطور، سئل محمد بن الحنفية ما ترك النبي ﷺ فقال: (ما ترك إلّا ما بين الدفتين، أي: القرآن). يتضح مما تقدّم أن تواتر القرآن، وقطعيته في الحفظ والرواية دون الكتابة التي لم تتواتر كما هو معروف من أمر كتبة الوحي، فكان النبي ﷺ يدعو بعض من يكتب عنده، وربما كتب الواحد والاثنان أو دون العدد الذي يتحقق به التواتر.

стр. 145

المبحث الثاني جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁ لم يشعر الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي ﷺ أنهم في حاجة إلى جمع القرآن في كتاب واحد، حتى كثر القتل في الحفّاظ في حروب الردة، فقد استشهد فيها خلق كثير من القرّاء والحفظة، قيل: إنه قتل سبعون وقيل: خمسمائة، وأيا كان فإن عدد القتلى قد هال المسلمين، فخشي عمر بن الخطاب من ذلك على ضياع بعض الصحف ففكر في عرض الأمر على أبي بكر ليقوم بجمع القرآن. روى البخاري أن زيد بن ثابت ﵁ قال: (أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وفإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ «اشتد» يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شابّ عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبّع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل (١) من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني، حتى شرح الله
следующие страницы →