← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38092

المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره

محمد علي الحسن

Полный текст (299 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» (١)، هذا ليلهم، أما نهار الصحابة في المسجد، فكان يسمع لهم ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم الرسول ﷺ بأن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا، ومن هنا كان عدد الحفاظ من الصحابة رضوان الله عليهم كثيرا، أشهرهم الخلفاء الأربعة والعبادلة وعمرو بن العاص وابن الزبير ومعاوية وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة، وغيرهم من المهاجرين، ويكفي أن نعلم من كثرتهم أنه قتل منهم في يوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة مثلهم أي أربعون ومائة (٢). أما الحفظة من الأنصار فهم كثيرون، أشهرهم: أبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو زيد (وهو قيس بن السكن). يتضح لنا أن الحفاظ كثيرون، وقد زادوا على حد التواتر، ومع ذلك فقد أثار أعداء الإسلام- قديما وحديثا- شبهة مفادها أن الحفظة من الصحابة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. وتمسكوا بأثر رواه البخاري وغيره، وظنوا أن هذا مستمسك لهم، وما هو بذلك؛ وقد رد علماؤنا كيدهم إلى نحورهم. أما الأثر فما ورد في صحيح البخاري عن أنس بن مالك- ﵁ أنه قال: (مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد) (٣). فقد زعموا أن هؤلاء الأربعة هم الحفظة ولا أحد غيرهم ظنا منهم أن الحصر في هذا الأثر حصر حقيقي. والواقع أن هذا الحصر نسبي لا حقيقي، ويدلنا على ذلك ما رواه أنس بن مالك نفسه، وقد سأله قتادة عن جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ فقال: (أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد) (٤).

стр. 142

فقد ذكر في هذه الرواية أربعة، غير أنه ذكر أبيّ بن كعب بدلا من أبي الدرداء في الرواية الأولى. وهو صادق في كلتا الروايتين، لأنه لا يعقل أن يكذب نفسه، فتعيّن أنه يريد من الحصر الذي أورده الحصر الإضافي، فمرة ذكر أبا الدرداء، ومرة ذكر أبيّ بن كعب، وهذا التوجيه وإن كان بعيدا، إلّا أنه يتعين المصير إليه جمعا بين هاتين الروايتين، وبينهما وبين روايات ذكرت غير هؤلاء. ومن هنا قال المازري: لا يلزم من قول أنس- ﵁: (لم يجمعه غيرهم). أن الواقع كذلك في الأمر نفسه، لأنه لا يمكن الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في الأمصار، ولم يتمّ له ذلك إلّا إذا كان قد لقي كل واحد منهم، وأخبر عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النبي ﷺ ، وهذا في غاية البعد في العادة (١)، وكيف يكون الواقع ما ذكر، وقد جاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: «خذوا القرآن عن أربعة: عن عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب» (٢). والأربعة المذكورون منهم اثنان من المهاجرين وهما الأولان، واثنان من الأنصار وهما الأخيران. اهـ. ولعل مراد المازري بهذا نفي الحصر الحقيقي وتوجيه الحصر الإضافي، ويؤكد ذلك حديث آخر رواه ابن أبي داود عن محمد بن كعب القرظي قال: (جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبيّ بن كعب، وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري). وهناك أجوبة كثيرة عن هذه الشبهة، وقد أجاب الإمام أبو بكر الباقلاني بأجوبة ثمانية، ولكن ابن حجر ضعفها، وغيره فندها. ونكتفي في النهاية بكلمة للمازري حيث يقول: (وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه، فإنا لا نسلّم حمله على ظاهره، سلمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه، لكن لا يلزم من كون كل واحد من الجم الغفير لم يحفظه كله، أن لا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير.

стр. 143

وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه، بل إذا حفظ الكلّ الكلّ ولو على التوزيع كفى) (١). قال القرطبي: قد قتل يوم اليمامة سبعون وقتل في عهد النبي ﷺ في بئر معونة مثل هذا العدد، قال: وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم (٢). هذا عن جمع القرآن حفظا وتلاوة، أما الجمع بمعنى كتابة القرآن وتدوينه، فلم تكن عناية النبي ﷺ وأصحابه بحفظ القرآن واستظهاره لتمنعهم من توثيق القرآن بكتابته وتدوينه، فقد اتخذ الرسول ﷺ من أصحابه كتبة للوحي، منهم زيد بن ثابت وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وثابت بن قيس وخالد بن الوليد، إذ كان النبي ﷺ يأمر من حضر منهم بالكتابة لما ينزل عليه من القرآن، فيكتب الكاتب: إما على العسب أو اللخاف أو الرقاع أو قطع الأديم أو عظام الأكتاف والأضلاع (٣). ثم يوضع المكتوب في بيت رسول الله ﷺ وكان مجموعا في صحف قال تعالى: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً [البينة: ٢]. أي يقرأ قراطيس مطهرة من الباطل، فيها مكتوبات مستقيمة قاطعة بالحق والعدل. وقال أيضا: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ ١١ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ١٢ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ١٣ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ١٤ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ١٥ كِرامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١١ - ١٦]. أي أن هذه تذكرة مثبتة في صحف مكرمة عند الله، مرفوعة المقدار منزهة عن أيدي الشياطين، قد كتبت بأيدي كتبة أتقياء، وما كتب بالصحف كان مؤلفا.

стр. 144

روي عن ابن عباس عن عثمان ﵃ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أنزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب، فقال: «ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا» (١). وعن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع (٢). خلاصة ما تقدم أن القرآن الكريم قد حفظ في صدور الكثير من الصحابة. وقد كتب القرآن كله، فتحقق جمع القرآن في عهد النبي ﷺ حفظا وكتابة في الصدور وفي السطور، سئل محمد بن الحنفية ما ترك النبي ﷺ فقال: (ما ترك إلّا ما بين الدفتين، أي: القرآن). يتضح مما تقدّم أن تواتر القرآن، وقطعيته في الحفظ والرواية دون الكتابة التي لم تتواتر كما هو معروف من أمر كتبة الوحي، فكان النبي ﷺ يدعو بعض من يكتب عنده، وربما كتب الواحد والاثنان أو دون العدد الذي يتحقق به التواتر.

стр. 145

المبحث الثاني جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁ لم يشعر الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي ﷺ أنهم في حاجة إلى جمع القرآن في كتاب واحد، حتى كثر القتل في الحفّاظ في حروب الردة، فقد استشهد فيها خلق كثير من القرّاء والحفظة، قيل: إنه قتل سبعون وقيل: خمسمائة، وأيا كان فإن عدد القتلى قد هال المسلمين، فخشي عمر بن الخطاب من ذلك على ضياع بعض الصحف ففكر في عرض الأمر على أبي بكر ليقوم بجمع القرآن. روى البخاري أن زيد بن ثابت ﵁ قال: (أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وفإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ «اشتد» يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شابّ عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبّع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل (١) من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني، حتى شرح الله

стр. 146

صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ١٢٨ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩]. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر (١). كيفية جمع زيد للقرآن (في عهد أبي بكر): يقول زيد نفسه فيما رواه البخاري: (فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال) وهذا يفيد أن طريقة الجمع تعتمد على أمرين: ١ - ما كان محفوظا في صدور الصحابة رضوان الله عليهم. ٢ - ما كان مكتوبا بين يدي رسول الله ﷺ ولا يقبل المكتوب إلّا بشهادة عدلين. روى ابن أبي داود- في كتاب المصاحف- من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: (قام عمر، فقال من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به) (٢)، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق (٣)، فكان أبو بكر ﵁ أول من جمع القرآن في المصحف). وكان زيد- ﵁ لا يقبل شيئا مكتوبا حتى يشهد عدلان على أن المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ ، ذكر ذلك صاحب الفتح حيث قال: (وعند ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه).

стр. 147

ونقل السيوطي عن السخاوي (١) أنه قال: (المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب من الوجوه التي نزل بها القرآن، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ قال أبو شامة: (إنما كان قصدهم أن ينقلوا من عين المكتوب بين يدي النبي ﷺ (٢). يتضح للمتأمل أن الجدير بالقبول هو أن المراد بالشهادة فيهما، الشهادة على الكتابة بين يدي النبي ﷺ لا الشهادة على القرآنية، لأن القرآنية لم تكن موضع شك حتى تحتاج إلى شهادة، لكثرة الحفاظ في ذلك الوقت، بخلاف الكتابة بين يدي النبي ﷺ فإن كثيرا من الصحابة كانوا يكتبون القرآن لأنفسهم على حسب ما يتيسر لهم، ولو في غير مجلس النبي ﷺ ، ويلاحظ أن ما قاله ابن حجر من أنه يجوز أن يكون قد أريد بالشاهدين الحفظ والكتابة، لا عدلان من الناس يشهدان، هو احتمال في غاية البعد، لأن اللفظ متبادر جدا في هذا المعنى دون ما قصه ابن حجر، والله أعلم. وبعد فلا يفوتنا أن ندفع الشبهة التي تعلق بها المغرضون في الرواية التي أثبت بها زيد كتابة آية لم يثبتها إلّا شاهدان اثنان، وهذا كاف لإثبات عدم التواتر لهذه الآية المفقودة. نقول: إن بعض هذه الروايات منقطع كما يقول علماء الحديث، ولو سلمنا أن هذه الروايات صحيحة، لما ثبتت الدعوى، بل على فرض أن زيدا قد أثبتها منفردا، لم يكن ذلك قادحا في تواتر القرآن، لأن التعويل في توثيق القرآن إنما هو على الرواية، والتلقي طبقة عن طبقة إلى رسول الله ﷺ مع تحقيق للتواتر في الرواية دون الكتابة، بل لو لم يكتب أصلا ما قدح في تواتره، حيث نقل سماعا ومشافهة على سبيل التواتر في كل طبقة من طبقات رواته (٣).

стр. 148

وبعد: هذا معنى جمع القرآن في عهد أبي بكر الذي كان أول من جمع القرآن بعد وفاة النبي ﷺ . قال عليّ ﵁: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله، ذكر ذلك ابن كثير وقال: إن أبا بكر وضع الصحف التي جمع فيها القرآن بين لوحين (١)، ومن الواضح البين أنه لا يمكن أن يجمع القرآن كله مع ترتيب آياته وسوره إذا كانت الأشياء التي كتب عليها مختلفة حجما ونوعا، طولا وعرضا، كما أن عددها لا يحصى، لأن الآيات قد نزلت في مدى ثلاثة وعشرين عاما وفي كل مرة ينزل فيها الوحي يكتب النازل من القرآن على شيء من الأشياء المذكورة سابقا. لذا فقد تمت الكتابة على شيء واحد صالح للبقاء، متماثل في طوله وعرضه، حتى يتأتى جمعه بين اللوحين وربطه بخيط كما في بعض الروايات، هذا الدور الذي قام به زيد بن ثابت، فكان له سبق التنفيذ، ولعمر بن الخطاب سبق الاقتراح، ولأبي بكر الصديق الأمر بذلك، ﵃ أجمعين.

стр. 149

المبحث الثالث الجمع في عهد عثمان ﵁ لئن كان جمع أبي بكر للقرآن خوفا من ضياع المكتوب بموت حفظة القرآن، فإن جمع عثمان بن عفان كان خوفا من اختلاف الأمصار في وجوه القراءات، حين قرأه كل مصر بقراءة تختلف عن قراءة مصر آخر، وأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا، وفي قصة حذيفة بن اليمان خير بيان لأسباب الجمع أو النسخ بتعبير أصح. روى الإمام البخاري بسنده عن ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدثه، أن حذيفة ابن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق (١). ١ - يتضح مما تقدم أن سبب الجمع والداعي إلى نسخ المصحف، هو منع التماري والاختلاف في القراءات، بسبب تفرق الصحابة في الأمصار، فقد كان كل فريق

стр. 150

يقرأ بما روي له عن الصحابة في بلده، فيختلف الشامي مع العراقي، والمكي مع المدني، وأظهر بعضهم تكفير بعض، والبراءة منه، وتلاعنوا، فأشفق حذيفة مما رأى منهم، فلما قدم المدينة- فيما ذكر البخاري والترمذي- دخل حذيفة على عثمان قبل أن يدخل إلى بيته، فقال: «أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك» (١) وفي هذا خير بيان للباعث على الجمع أو النسخ بتعبير أدق. ما يستفاد من هذه الرواية: ٢ - أن عثمان بن عفان قد جعل على رأس القائمين على الجمع زيد بن ثابت، وهو من كتبة الوحي للرسول ﷺ ، وهو الذي قام بالجمع في عهد أبي بكر، وبخبرته وعدالته وعقله كما وصفه أبو بكر (إنك شابّ عاقل لا نتهمك) بكل هذا أصبح موضعا للثقة، فولاه عثمان الأمر، ولكنه أمر الكتبة إذا اختلفوا في كتابة كلمة أن يكتبوها بلغة قريش كما في كلمة (التابوت والتابوه) (٢). ٣ - أن هذه الرواية مطلقة لم تحدد عدد المصاحف، وهناك رواية حددتها بسبعة، وقيل: أربعة، قال القرطبي: وهو الأكثر (٣)، ولكن هذا القول يعوزه الدليل وإن ذهب إليه الأكثر، والحديث الذي سقناه سابقا هو أصح ما في هذا الباب، وقد جاء فيه النص هكذا: (فأرسل إلى كل أفق بمصحف) ولا شك أنه أرسل هذه المصاحف لرفع الخلاف في كل أفق. والآفاق المعروفة آنذاك: المدينة التي استبقى فيها نسخة، ومكة والكوفة والبصرة والشام واليمن والبحرين، فهذه آفاق لا شك أنه نال كل أفق منها نسخة، لذا نميل إلى هذا الرأي الصحيح في سنده، والذي يتفق مع المنطق السليم، لأن القضاء على الاختلاف لا يتم إلا بإرسال مصحف إلى كل مصر من الأمصار. ولا شك أن المصاحف التي أرسلها نسخة عن الأصل، فهي نقل لعين ما نقل عن رسول الله ﷺ كما هو.

стр. 151

٤ - في هذه الرواية أخبار عن حرق عثمان للمصاحف، سواء أكانت صحفا أم مصاحف، وفي عمله جمع للمسلمين على المصحف الموحد الثابت عن رسول الله ﷺ وترك ما سواه، لما حوته من قراءات شاذة أو تفسيرات زائدة. ولقد غالى بعض الشيعة في قضية حرق المصاحف، وزعمت ما زعمت، وكان الأحرى بهم أن يقفوا عن هذه المغالاة، وأن يستمعوا إلى قول الإمام علي كرم الله وجهه: فيما ذكره أبو بكر الأنباري عن سويد بن غفلة قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: (يا معشر الناس، اتقوا الله، وإيّاكم والغلو في عثمان، وقولكم: حرّاق المصاحف، فو الله ما حرقها إلّا على ملأ منا أصحاب رسول الله ﷺ . وعن عمير بن سعيد قال: قال علي بن أبي طالب: (لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان) (١). هذا كلام علي- ﵁ الذي يتشيعون له ويفضلونه على جميع الصحابة، قد ارتضى فعل عثمان وحسنه، وحث الناس على الثناء عليه من أجله، فطعنهم فيه بأمر ارتضاه عليّ يعتبر طعنا منهم في عليّ نفسه. لم يكتف بعض الشيعة بالطعن في عثمان، بل زعموا أن عثمان ﵁ قد أسقط شيئا من القرآن، وحرّف بعض آياته، والمنصف منهم يرفض هذا الزعم كما ورد في كتاب أبي جعفر «الأم»: (إن اعتقادنا في جملة القرآن الذي أوحى به الله تعالى إلى نبيه محمد ﷺ هو كل ما تحتويه دفتا المصحف المتداول بين الناس، وعدد السور المتعارف عليه هو (١١٤) سورة، أما عندنا فسورتا الضحى والشرح تكونان سورة واحدة، وكذلك سورتا الفيل وقريش، وأيضا سورتا الأنفال والتوبة. أما ما ينسب إلينا الاعتقاد في أن القرآن أكثر من هذا فهو كذب). ولقد شهد المستشرقون على قطعية القرآن وثبوته دون تغيير ولا تبديل. يقول جوير: (إن المصحف الذي جمعه- نسخه- عثمان قد تواتر إلينا دون تحريف. ولقد حفظ بعناية شديدة، بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في

стр. 152

النسخ التي لا حصر لها، والمتداولة في البلاد الإسلامية، فلم يوجد إلّا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا). ويقول لوبلوا: (إن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر) (١). أقول: والفضل ما شهدت به الأعداء.

стр. 153

المبحث الرابع ترتيب الآيات والسور القرآنية أولا: ترتيب الآيات: معنى الآية لغة: ١ - العلامة: ومنه قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: ٢٤٨]. ٢ - العبرة ومنه قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا .. [آل عمران: ١٣]. ٣ - المعجزة: ومنه قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [البقرة: ٢١١]. ٤ - الدليل والبرهان: ومنه قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [الروم: ٢٢]. والمناسبة بين كلّ هذه المعاني اللغوية للآية وبين الآية القرآنية واضحة، فهي من القرآن المعجز، وهي علامة على صدق من جاء بها، وفيها عبرة لمن أراد أن يعتبر بها، وهي من الأمور العجيبة لسمو أسلوبها ومعناها، وفيها معنى الدليل لأنها برهان على ما تضمنته من هداية وعلم (١). أما تعريف الآية القرآنية اصطلاحا: (فهي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها). هذا التعريف كما أورده السيوطي ينطبق على الآية كما ينطبق على تعريف السورة، لذا لا بد من إضافة قيد لينحصر التعريف بالآية، فيقال: (هي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها معروفة بالسماع، مندرجة في السورة).

стр. 154

وليس معنى انقطاع الآية عما قبلها وما بعدها، ألا يكون لها تعلق في المعنى بسابقتها أو لاحقتها، إنما المراد أن ما يعدّ آية هو الذي لا يكون جزءا من آية قبله أو آية بعده. حكم ترتيب الآيات: الإجماع معقود على أنه ترتيب الآيات توقيفي نقله السيوطي وقال: ولا شبهة في ذلك، وقال الزركشي: «من غير خلاف بين المسلمين». قال كاتب الوحي زيد بن ثابت: كنا عند النبي ﷺ نؤلف القرآن في الرقاع (١) .. قال البيهقي: والمراد تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ . وقال عثمان بن عفان- ﵁: (كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) (٢). ويكفي ثبوت الترتيب قراءته ﷺ لسور كثيرة بمشهد من الصحابة رضوان الله عليهم ثم نقله للتابعين على مثل ذلك، حتى وصل إلى جيلنا كذلك من غير خلاف على مر العصور. وربما يتوهم متوهم أن الخلاف في عدد الآيات، يعني الخلاف في ترتيبها، فقد روي أن عدد الآيات ستة آلاف آية فقط ومنهم من زادها مائتي آية وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة، وقيل: وتسع عشرة، فهذا الخلاف في العدد لا يعني أبدا الخلاف في الترتيب، ذلك أن سبب اختلاف السلف في عدد الآي ناجم عن وقوف النبي ﷺ على رءوس الآي، فإذا علم محلها وصل للتمام فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة (٣).

стр. 155

كما أن بعض السلف يعدّ البسملة آية من كل سورة، وبعضهم لا يعدها، فيكون الفارق في عدد الآيات بمقدار عدد السور إلا واحدة وهي سورة براءة. ثانيا- السور القرآنية: معناها: لفظ السورة مفرد يجمع على سور، كغرفة وغرف، وتطلق لغة على المنزلة من البناء، أي: الصف من صفوفه التي يوضع بعضها فوق بعض، كما تطلق ويراد بها المنزلة الرفيعة، وسمّيت السورة من القرآن بهذا الاسم تشبيها لها بسورة البناء، فإنها قطعة من كتاب الله محكمة مترابطة، يكمل بعضها بعضا في الغرض الذي أنزل من أجله، كما أن المنزلة من البناء قطعة متماسكة يكمل بعضها بعضا، ويتحقق باجتماعها الغرض الذي من أجله أقيم البناء، أو سمّيت بذلك لارتفاعها، لكونها من كلام الله، وعلى كلا التقديرين فالمناسبة حاصلة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي. أما معناها الاصطلاحي فما سبق ذكره (بأنها طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها معروفة بالسماع). وسور القرآن تختلف طولا وقصرا، فسورة الكوثر هي أقصر سور القرآن إذ يبلغ عدد آياتها ثلاث آيات، وسورة البقرة أطول سور القرآن، وقد تجاوزت الجزءين، وقد قسم القرآن حسب طول السور وقصرها إلى أربعة أقسام: ١ - السور الطوال: وهي سبع: سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، أما السورة السابعة فقيل: إنها سورة الأنفال والتوبة معا، إذ لم يكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم وقيل: سورة يونس. ٢ - المئون: وهي كل سورة تزيد آياتها على مائة. ٣ - المثاني: وهي التي تلي المئين أي ما كان عدد آياتها أقل من مائة وسميت بالمثاني لأنها تثنى (أي: تكرر) أكثر مما تثنى الطوال والمئون. ٤ المفصل: وهي أواخر القرآن ابتداء من سورة (ق) أو الحجرات وانتهاء بسورة الناس.

стр. 156

حكم ترتيب السور القرآنية في ترتيب السور ثلاثة آراء: ١ - ترتيب جميع السور توقيفي ، ويستدل أصحاب هذا الرأي بقصة معارضة جبريل القرآن على النبيّ ﷺ ، وهذا يعني أن جبريل كان يقرأ القرآن مرتبا بسوره وآياته. وأقوى أدلة هذا الفريق هو إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على المصحف العثماني وحرقهم لجميع المصاحف المختلفة الترتيب في السور. ٢ - ترتيب جميع السور اجتهادي . ويستدلون على ذلك باختلاف مصاحف الصحابة في ترتيب السور، ولو كان الترتيب توقيفيا لما اختلفوا. وكذلك ما روي عن عثمان- ﵁ أن النبي ﷺ قبض ولم يبين للصحابة أمر سورتي الأنفال وبراءة، وكانت الأنفال من أول ما نزل من القرآن وكانت براءة من آخر ما نزل، ولما ترك النبي ﷺ البيان قال عثمان: كانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتها في السبع الطوال، فهذه القصة تدل على أن ترتيب السور كان أمرا اجتهاديا. ٣ - ترتيب بعض السور توقيفي وبعضها الآخر اجتهادي . وقد وصف الزرقاني هذا القول بأنه أمثل الآراء وإليه ذهب فطاحل العلماء (١). وأصحاب هذا الرأي وإن اتفقوا على هذا التقسيم إلّا أنهم اختلفوا في مقدار التوقيفي والاجتهادي. وعلى أية حال فإن الذي لا مجال للشك فيه أن كتابة القرآن بترتيبه المعروف في السور والآيات قد أجمعت عليه الأمة، منذ الجمع الأول والثاني وحتى عصرنا الحاضر. لذا نميل إلى الرأي الأول، لأن إجماع الصحابة وإقرارهم كاف للدلالة على توقيف ترتيب السور، ولا نعلم عنهم خلافا، فكفى بذلك دليلا وبرهانا، والله أعلم.

стр. 157

المبحث الخامس رسم المصحف نقصد برسم المصحف، أو كما يسميه بعض العلماء الرسم العثماني وهما واحد، لأن عثمان- ﵁ قد كتب المصاحف كما كتبت في عهد الرسول ﷺ ، وأقرّ كتّاب الوحي على كتابتها بصورتها المعروفة. وقد اختلف العلماء في الرسم فذهب فريق منهم أن الرسم توقيفي. قال ابن المبارك في كتابه الإبريز: قال الدباغ: (ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن العزيز ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي ﷺ ، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الأحرف ونقصانها لأسرار لا تهتدي إليها العقول، وما كانت العرب في جاهليتها، ولا أهل الإيمان من سائر الأمم في أديانهم يعرفون ذلك، ولا يهتدون بعقولهم إلى شيء منه، وهو سر من أسراره، خصّ الله كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، فلا يوجد شبه ذلك الرسم لا في التوراة ولا في الإنجيل، ولا في غيرهما من الكتب السماوية. وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز، وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في مائة دون فئة، وإلى سر زيادة الياء في بأييد من قوله تعالى: والسّماء بنيناها بأييد .. [الذاريات: ٤٧]. أم كيف يتوصل إلى سرّ زيادة الألف في «سعوا» في قوله تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [الحج: ٥١]. وعدم زيادتها في سعو من قوله تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [سبأ: ٥]. وإلى سر زيادتها في قوله تعالى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ .. [الأعراف: ٧٧]. وحذفها من قوله تعالى: وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [الفرقان: ٢١].

стр. 158

وإلى سر زيادتها في قوله تعالى: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [البقرة: ٢٣٧]. وإسقاطها من قوله تعالى: فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ [النساء: ٩٩]. أم كيف تبلغ العقول إلى وجه حذف الألف في بعض الكلمات المتشابهة دون بعض، كحذفه من قرءنا في يوسف والزخرف، وإثباته في سائر المواضع قُرْآناً، وكذا إثبات الألف بعد الواو في سَماواتٍ في سورة فصّلت، وحذفها في غيرها سموت، وكذا في إطلاق بعض التاءات وربطها نحو «رحمة» و «نعمة» و «قرة» و «شجرة» فإنها في بعض المواضع كتبت بالتاء المفتوحة وفي مواضع أخرى كتبت بالهاء ... وكل ذلك لأسرار إلهية وأغراض نبوية) (١). وذهب الفريق الثاني: منهم ابن خلدون والباقلاني إلى أن الرسم اصطلاحي واجتهادي لا توقيفي. قال الباقلاني: (وأما الكتابة فلم يفرض النبي ﷺ على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلّا بالسمع والتوقيف، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه، أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلّا على وجه مخصوص، وحدّ محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدلّ عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية، بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه ولم يبين لهم وجها معينا، ولا نهى أحدا عن كتابته. ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوج الألفات، وأن يكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك، وإذا كانت خطوط المصحف وكثير من حروفها

стр. 159

مختلفة ومتغايرة الصورة، وكان الناس قد أجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى، من غير تأثيم ولا تناكر، علم أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص، كما أخذ عليهم في القراءة، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز. فكل رسم دال على الكلمة مقيد بوجه قراءته، تجب صحته وتصويب الكاتب به على أية صورة كانت. وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه وأنّى له ذلك) (١). هذه أقوال الفريقين ويظهر أن القول بتوقيف الرسم هو الأولى بالقبول. قال البيهقي: من يكتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه، ولا يغيّر مما كتبوه شيئا، فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا، وأعظم أمانة منّا، فلا ينبغي أن نظنّ بأنفسنا استدراكا عليهم (٢). نص الإمام مالك على أنه لا توضع المصاحف إلّا على وضع كتابة الإمام يعنى عثمان بن عفان. وقال الإمام أحمد: (تحرم مخالفة خط مصحف عثمان واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك) (٣). بقي القول في حكم كتابة بعض آيات القرآن استشهادا أو كتابتها على اللوح للتعليم أو غير ذلك مما يكتب في غير المصاحف. أقول: هذا جائز لأن النبي ﷺ حين أمر كتّابه أن يكتبوا للملوك والرؤساء كانت كتابتهم على رسم الكتابة الاعتيادية، وعلى غير الرسم الذي كانوا يكتبون به المصاحف التي يكتبون فيها القرآن حين نزوله، مع أن المملي واحد والكتّاب هم هم، فالرسم القرآني يجب التزامه في كتابة المصحف وحده دون غيره، ولا يقاس عليه لأنه أمر توقيفي لغير علة فلا يدخله القياس.

стр. 160

شكل المصحف وإعجامه الشكل: (هو وضع العلامات التي تدل على ما يعرض للحرف من حركة أو سكون). أما الإعجام: (فخاص ببيان ذات الحرف، وتمييزه عن غيره، ويكون بالنقط كالتاء عليها نقطتان، والياء تحتها نقطتان ونحو ذلك). وجدير بالذكر أن القرآن قد كتب خاليا من الشكل والإعجام، وقد كتبه عثمان بن عفان كذلك، ولم يخش عليه من الالتباس؛ لأن العرب يدركون القرآن بسليقتهم، وكان تلقيهم للقرآن عن طريق الرواية والسماع. وطبيعي أن مخالطة العرب لغيرهم قد أفسدت هذه السليقة السليمة، وبدأ يظهر اللحن رويدا رويدا، وينتشر شيئا فشيئا، حتى بدا لزياد بن أبيه (١) والي البصرة أن يضع حدّا لهذه الظاهرة، بعد أن أشار عليه أبو الأسود الدؤلي بعد فزعه عند ما سمع رجلا يقرأ قوله تعالى: .. أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ .. [التوبة: ٣]. بجر اللام في «رسوله» بدل رفعها أو نصبها، فعهد زياد لأبي الأسود أن يقوم بهذه المهمة الجليلة، والتي كانت الحاجة إليها أمس وأقوى من الحاجة إلى الإعجام، وذلك أن الخطأ في حركات الحروف أضعاف الخطأ في إعجامها، وكان الشكل في البداية بالنقط، ولمّا أريد وضع الإعجام بالنقط، أصبح الأمر ملتبسا في التمييز بين الشكل والإعجام، فعمدوا إلى تغيير لون النقط، ثم جعل الشكل بالطريقة المعروفة لنا الآن، وبقي الإعجام هو المختص بالنقط، وقيل: إن الذي أمر بالإعجام هو الحجاج بن يوسف. وعلى هذا فالآمر بالشكل والآمر بالإعجام هما واليا العراق، وهم ثقفيان من ثقيف التي طالما استعملهم الأمويون في حكم العراق بالذات، لما عرفوا من شدّتهم في جاهليتهم وإسلامهم، والله أعلم.

стр. 161

الفصل الخامس من مباحث علوم القرآن المبحث الأول: العام والخاص. المبحث الثاني: المطلق والمقيد. المبحث الثالث: المنطوق والمفهوم. المبحث الرابع: النسخ في القرآن. المبحث الخامس: المحكم والمتشابه في القرآن.

стр. 162

المبحث الأول العامّ والخاصّ العامّ: (هو لفظ وضع للدلالة على أفراد غير محصورين على سبيل الاستغراق والشمول)، أو (هو اللفظ الموضوع الذي يستغرق جميع ما يصلح له من أفراد من غير حصر كمّي أو عدديّ). وقد ورد في اللغة صيغ تدل على العموم نوردها مستشهدين بالآيات القرآنية. ١ - اسم الجنس إذا عرف بأل، كقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ .. [النور: ٢]. فلفظ الزانية والزاني يدل على العموم، أي: كل زانية وكل زان. ٢ - الألفاظ (كل وجميع وأجمع وكافة)، كقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: ١٨٥]. وقوله: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق: ٢١]. وقوله: .. وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً .. [التوبة: ٣٦]. وقوله: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص: ٧٣]. ٣ - لفظ (من) فيمن يعقل سواء أكانت للشرط، كقوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: ١٦٠]. أم كانت للاستفهام، كقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً .. [الحديد: ١١]. ٤ - لفظ (ما) فيما لا يعقل في الجزاء والاستفهام، كقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [هود: ٦]، أي: كل دابة، وكقوله: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: ١١]، أي: أيّ شيء خلقتم. ٥ - النكرة المنفية أو في سياق النفي، كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ .. [البقرة: ٢٥٥]. فلفظ (إله) نكرة منفية ولفظ (سنة) نكرة في سياق النفي، وكلا اللفظين يدل على العموم.

стр. 163

٦ - لفظ الجمع المعرف بالإضافة، كقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء: ٣١]. ٧ - الأسماء الموصولة، كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور: ٤]. أما التخصيص (فهو قصر العامّ على بعض أفراده بدليل). والمخصّص قد يكون منفصلا أو متصلا، أو على حدّ تعبير الأصوليين مستقلا أو غير مستقلّ، وقد يكون غير ذلك كما سنرى. والمخصّص المتصل هو نفسه غير مستقل، وهو غير تامّ بنفسه لاعتماده على ما قبله من لفظ العامّ، وهو منحصر في أربعة: ١ - التخصيص بالاستثناء: وهو إخراج ما بعد إلّا أو إحدى أخواتها مما قبلها، كقوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل: ١٠٦]. فالاستثناء جعل الحكم مقصورا على من كفر راضيا مختارا. ٢ - التخصيص بالشرط: أي تعليق الأمر على شرط بإحدى أدوات الشرط، وهي كثيرة، قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: ١٨٠]. فوجود المال شرط في الوصية، فإن عدم فلا وصية. ٣ - التخصيص بالغاية: وألفاظ الغاية: إلى وحتى. مثال (إلى) قوله تعالى: .. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ .. [البقرة: ١٨٧]. فإتمام الصيام عامّ، وقد خصّص بدخول الليل، إذ لا يجب فيه الصيام. ومثال (حتى) قوله تعالى: .. وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ .. [البقرة: ١٩٦]. ٤ - التخصيص بالصفة. مثل قوله تعالى: وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ .. [النساء: ٢٣] (١).

стр. 164

ومعنى ذلك أن الربيبة من المرأة لا تحرم على الرجل إلّا إذا دخل بأمها، فإذا لم يدخل بأمها حلّت له الربيبة. وعلى هذا وضعت القاعدة، الدخول بالأمهات يحرّم البنات، والعقد على البنات يحرّم الأمهات. وقد ألحق بعض الفقهاء بدل بعض من كل، والحال، وجعلوهما مثل التخصيص بالصفة. فبدل بعض من كل، مثل قوله تعالى: .. وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا .. [آل عمران: ٩٧]، فلا يجب الحجّ على جميع الناس بل هو خاصّ على المستطيع منهم. أما الحال فمثاله قوله تعالى: .. لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .. [المائدة: ٩٥]. فحرّم قتل الصيد حالة الإحرام خاصّة، وأباحه في الإحلال منه. أما المخصص المنفصل أو المستقل فيشمل أنواعا كثيرة، فقد يخصّص عموم القرآن آية أو حديث أو إجماع، ومثال تخصيص عموم القرآن بالقرآن قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً .. [البقرة: ٢٣٤]. فهذه الآية عامّة تدل على أن عدّة كلّ امرأة توفي زوجها عنها هي أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم جاءت الآية الكريمة تخصص عمومها: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤]. فجعلت مدة عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هي وضع حملها، سواء بلغت المدة أربعة أشهر وعشرة أيام أم لم تبلغ. أما تخصيص السنة للقرآن: فمثاله ما ورد عن النبي ﷺ في رجم الزاني المحصن، فهذا مخصّص لآية الجلد في سورة النور: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ .. [النور: ٢]. هذا وفي كتب الأصول أبحاث مستفيضة لمن أراد المزيد.

стр. 165

المبحث الثاني المطلق والمقيّد المطلق: ما دل على فرد شائع غير مقيد لفظا بأي قيد: كتلميذ وحيوان وطائر، فإنها ألفاظ وضع كلّ منها للدلالة على فرد واحد شائع في جنسه، ولئن كانت النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فإنها في سياق الإثبات غالبا ما تدل على الإطلاق. أما المقيّد: (فهو ما دل على فرد مقيد لفظا بقيد ما) (١) كحيوان ناطق، وتلميذ مجتهد. متى يحمل المطلق على المقيد: هناك حالات متفق عليها يحمل فيها المطلق على المقيد، وحالات متفق عليها على عدم حمل المطلق على المقيد، وحالات مختلف فيها. اتفقوا على حمل المطلق على المقيد، في حالة اتحاد الموضوع والحكم معا، وخير مثال على هذه الحالة، ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: واقع رجل امرأته في رمضان فاستفتى رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «هل تجد رقبة؟» قال: لا، قال: «هل تستطيع صيام شهرين؟» قال: لا، قال: «فأطعم ستين مسكينا». رواه البخاري (٢). ورواه ثانية عن الراوي نفسه أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا. قال أبو هريرة ثم جلس فأتي النبيّ ﷺ بعرق فيها تمر- والعرق: المكتل-، فقال: «تصدّق بهذا»، قال: أعلى أفقر منا؟ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا؟.

стр. 166

فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك» (١). فهذان الحديثان موضوعهما واحد وهو الجماع المتعمد في نهار رمضان، والحكم فيهما واحد؛ إما الإعتاق، وإما الصوم ستين يوما، وإما الإطعام، وقد ذكر الحديث الأول صيام شهرين وأطلقهما من التفريق أو التتابع. أما الحديث الثاني فقد قيد صيام الشهرين بالتتابع، لذا يحمل المطلق على المقيد، فلا يجزئ صيام الشهرين إلّا إذا كانا متتابعين، وإنما قلنا بوجوب حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، لأن العامل بالحكم المقيد هو عامل بالحكم المطلق، أما العامل بالمطلق فلا يكون عاملا بالمقيد، لذا وجب الجمع بينهما ما دام ذلك ممكنا. أما الحالة الثانية التي اتفق الأصوليون على عدم حمل المطلق على المقيد فيها، فهي حالة اختلاف الموضوع والحكم معا، مثال هذه الحالة: قوله تعالى في كفارة اليمين في حالة عدم استطاعة الحانث في يمينه أن يطعم أو يكسو أو يعتق: .. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ .. [البقرة: ١٩٦]. فقد أطلقت الآية الصوم ولم تقيده بالتتابع، لذا يجوز التتابع والتفريق في الصيام. أما قوله تعالى: في كفارة قتل الخطأ: .. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ .. [النساء: ٩٢]. فقيد الصوم بالتتابع، فلا يحمل المطلق على المقيد في مثل هذه الحالة لأمرين: أولا: لاختلاف الموضوعين، إذ الآية الأولى في كفارة اليمين والثانية في كفارة قتل الخطأ. وثانيا: لأن الحكمين مختلفان في النصين. وهناك حالات مختلف فيها، كحالة اختلاف الموضوع أو الحكم إن وافق اتحاد أحدهما. والخلاف طويل بين الأصوليين، يطول بنا المقام إن تحدثنا عنه.

стр. 167

المبحث الثالث المنطوق والمفهوم لا يتأتى لمفسر أو مجتهد أن يفسر أو يفقه شيئا من القرآن إلّا إذا أحاط بآيات القرآن الكريم، وكيفية دلالتها على المعاني، فلا بد من معرفة منطوق القرآن ومفهومه، وسنتحدث عن المنطوق والمفهوم بإيجاز تاركين التفصيل لأمهات كتب الأصول. ١ - المنطوق: عرفه العلماء: (بأنه ما دل عليه اللفظ في محل النطق) كوجوب غسل الوجه واليدين إلى المرافق، الذي دلت عليه الآية بمنطوقها في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ .. [المائدة: ٦]. والمنطوق إذا دل لفظه على تمام معناه، فالدلالة مطابقة كقوله تعالى: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ .. [البقرة: ١٩٦]. وإن دل اللفظ على جزء المعنى فهو التضمن، ومثاله: دلالة لفظ الإنسان على ما في معناه من الحيوان، وإن دلّ اللفظ على الحكم بطريق الالتزام فهو دلالة الالتزام كقوله تعالى: .. وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ .. [البقرة: ٢٣٣]. فإن من كلف بالنفقة يجب أن يثبت له نسب المولود. ويجب أن يراعى في دلالة المنطوق بالقرآن، حمل دلالة ألفاظه على المعاني الشرعية، والتي تكفّل الشارع الحكيم ببيانها، فإذا ما ورد في القرآن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ .. [البقرة: ١٨٣]. وجب تفسير الصوم بمدلوله الشرعي لا اللغوي. فإذا لم يكن للفظ مدلول شرعي وجب أخذ معناه من الحقيقة العرفية في عهده ﷺ فإن تعذر ذلك حمل على المدلول اللغوي.

стр. 168

٢ - المفهوم: عرفه العلماء بأنه: (ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق). فالمعنى المدلول عليه لم يؤخذ من اللفظ المنطوق مباشرة، بل هو مسكوت عنه، وهذا المعنى المستفاد المسكوت عنه إن كان موافقا في الحكم للمعنى المستفاد من المنطوق، فهو مفهوم الموافقة، وإن كان مخالفا للمنطوق فهو مفهوم المخالفة، على هذا فالمفهوم قسمان: القسم الأول: مفهوم الموافقة، أو ما يسمى بفحوى الخطاب أو لحن الخطاب. مثاله قوله تعالى: .. فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما .. [الإسراء: ٢٣]. فالآية تحرّم التأفف والنّهر للوالدين هذا هو منطوقها، وهي تحرّم كذلك الضرب والإيذاء لهما، وإن لم ينطق بهما، إلّا أن هذا المسكوت عنه أولى بالتحريم، وهو مفهوم موافقة، لأن حكم ضرب الوالدين موافق لحكم التأفف والنهر لهما في التحريم، وهذا ما يسميه بعض الفقهاء فحوى الخطاب، وقد يكون مفهوم الموافقة المسكوت عنه مساويا لحكم المنطوق، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً .. [النساء: ١٠]. فالآية بمنطوقها قد حرّمت أكل أموال اليتامى ظلما، ويفهم منها تحريم إحراق أموال اليتامى إذا كان مما يحرق، وتحريم الركوب إذا كانت مما يركب، فتحريم الحرق أو الركوب وغير ذلك مساو لحكم أكل مال اليتيم. القسم الثاني: مفهوم المخالفة، أو كما يسميه ابن فورك دليل الخطاب: وهو كما عرفه العلماء: «دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف لما دلّ عليه المنطوق لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في الحكم» (١). وقد اختلف في أنواع مفهوم المخالفة تبعا للقيود المعتبرة، وأصح الأقوال أنها أربعة أنواع وهي:

стр. 169

١ - مفهوم الصفة: وهو تعليق الحكم بالصفة المفهمة التي تشعر بالعلية فإذا انتفى الوصف انتفى الحكم، مثاله قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا .. [الحجرات: ٦]. فالآية بمنطوقها تدل على وجوب التّبيّن إذا كان المخبر فاسقا، ومفهوم المخالفة إذا كان المخبر عدلا وثقة فلا يجب التبيّن بل يقبل قوله وخبره. ٢ - مفهوم الشرط: وهو تعليق الحكم على الشيء بكلمة (إن) أو غيرها من أدوات الشرط. فلا خلاف أن المشروط لا يثبت إلّا بثبوت الشرط، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، فقوله تعالى في سورة الطلاق: .. وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ .. [الطلاق: ٦]. يدل على وجوب النفقة إذا كانت المرأة حاملا، فإذا لم يتحقق الحمل فلا تجب النفقة لعدم تحقيق الشرط. ٣ - مفهوم الغاية: وهو تعليق الحكم بغاية فيكون ما بعدها مخالفا لما قبلها مثاله قوله تعالى: .. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ .. [البقرة: ١٨٧]. فمنطوق الآية يفيد وجوب الصيام في النهار إلى ابتداء الليل، أي: المغرب، وهي تدل بمفهومها على عدم وجوب الصوم بعد دخول الليل. وكذلك قوله تعالى: .. وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ .. [البقرة: ٢٢٢]. فمنطوقها النهي عن قرب النساء أيام الحيض إلى أن تطهر، ومفهومه إباحة قربهن بعد طهارتهن. ٤ - مفهوم العدد: وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص يدل على أن ما عدا ذلك العدد بخلافه ومثاله قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً .. [النور: ٤]. ومفهوم المخالفة أنهم إذا أتوا بأربعة شهداء عدول، فإنهم لا يجلدون ثمانين جلدة.

стр. 170

ما لا يعمل به مفهوم المخالفة: ١ - لا يعمل بمفهوم المخالفة للاسم واللقب، فإذا حكمنا على زيد بالقيام، فلا يعنى الحكم على غيره بالقعود وعدم القيام، لأن زيدا علم. ولا يعمل بمفهوم المخالفة لاسم الجنس، فقول النبي ﷺ : «في الغنم زكاة» لا ينفي وجوب الزكاة في غير الغنم، لأن الغنم اسم جنس، وقد ذكر علماء الأصول أنواعا أخرى وفيها خلاف طويل. ٢ - إذا ورد الشرع بإبطال المفهوم في الأنواع التي يعمل بها والتي سبق ذكرها، كمفهوم الشرط مثلا في قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً .. [النور: ٣٣]. مفهوم الآية أنه يجوز البغاء منهن إذا لم يكرهن أحد، أي إذا لم يردن التحصن، وهذا المفهوم باطل لقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً .. [الإسراء: ٣٢]. وقد يقال: فلماذا ذكر هذا الشرط وهو غير مراد بالآية؟ وهل هذا إلّا إهمال لذكره أو تفريغ لمحتواه، وهو عبث محض؟ نقول: إن ذكر هذا فيه فائدة إذ فيه تقريع وتوبيخ وتقبيح لهذا الفعل بهذه الصورة، حالة الإكراه على الزنا لمن تريد العفاف، فالنهي عن هذه الصورة لا يدل على إباحة ما عداها كالزنا مزاجا وموافقة منها، وإنما حرمت الآية هذه الصورة لما ورد في سبب نزول الآية من إكراه أمية بن خلف لجواريه على الزنا، فشكون ذلك لرسول الله ﷺ فنزل قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ .. الآية (١). ومثال آخر: قوله تعالى: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [آل عمران: ١٣٠].

стр. 171

فهذه الآية تدل بمنطوقها وظاهرها على تحريم الربا المضاعف، ويدل مفهومها على إباحة الربا فيما سوى المضاعف، وهو معطل بقوله تعالى: .. وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ .. [البقرة: ٢٧٩]. هكذا رأس المال دون زيادة أو نقصان، مهما كانت الزيادة ومهما كان النقصان. ويرد هنا السؤال نفسه الذي سبق وقلناه، فلماذا نص الشرع على تحريم الربا المضاعف ما دام المراد تحريم الربا المضاعف وغيره؟ نقول: في تحريم الربا المضاعف نهي وزجر وردع لتلك الصورة الشائنة والشائهة، والاستغلال البشع الذي كان عليه العرب في جاهليتهم، وتصوير لحالهم القبيح، وفيه ما فيه من التقريع والتوبيخ، ما لا يعلمه الجهال الذين يفتون عن جهل بجواز قليل الربا، أو عن علم، ولكنهم ركبوا الهوى، وركنوا إلى مكافئات المرابين وأعوانهم من مردة الحكم المجرمين.

стр. 172

المبحث الرابع التعريف بالنسخ كتب فيه خلائق لا يحصون، واتفق العلماء على جوازه ووقوعه في القرآن الكريم، ولم ينكره أحد من الأقدمين، إلّا ما روي عن أبي مسلم الأصفهاني- المعتزلي- ووافقه من المتأخرين الإمام محمد عبده وتابعه الشيخ الباقوري والشيخ محمد الغزالي وعبد المتعال محمد الجبري الذي ألف كتابا في إبطال النسخ، وقد تصدى للرد عليهم الدكتور مصطفى زيد في رسالته القيمة، والتي كان موضوعها «النسخ في القرآن الكريم»، وقد أثنى على بحثه الشيخ محمد أبو زهرة، والكتاب يقع في مجلدين، وقد استوعب هذه القضية استيعابا بما لا مزيد عليه. ونحن في هذه العجالة لا نستطيع التعرض لهذه القضية بتمامها، بل سنوجز الكلام بما يفي بالغرض في هذا المقام. معنى النسخ لغة: للنسخ في اللغة ثلاثة معان: أولا- بمعنى الإزالة: ومن ذلك قولهم: نسخت الشمس الظلّ، إذا أزالته، أي: أذهبت الظلّ وحلّت محله، ونسخ الشيب الشباب، إذا أزال سواد الشعر وحلّ محله بياضه، فهنا الإزالة بعوض أو ببدل، وقد تكون الإزالة من غير عوض كقولهم: نسخت الريح الأثر، أي: أزالته ولم تحل مكانه، بل ذهبت هي أيضا، فلم يبق ريح ولا أثر، وبمعنى الإزالة ورد قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها .. [البقرة: ١٠٦]. ثانيا- النسخ بمعنى النقل، أي: نقل الشيء من موضع إلى موضع ومن ذلك قولهم: نسخت الكتاب، أي: نقلت ما فيه، ومن هذا المعنى قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩].

стр. 173

ثالثا- النسخ بمعنى البدل: ذكره ابن منظور عن ابن الأعرابي في لسان العرب فقال: إن النسخ تبديل الشيء من الشيء وهو غيره، والنسخ أيضا نقل الشيء من مكان إلى مكان وهو هو، فهو يفرّق بين التبديل والنقل، في نقل الشيء عينه من مكان إلى آخر دون تغيير. وقد اختلف علماء اللغة في المعنى الحقيقي والمجازي للنسخ، فقال بعضهم: إن الإزالة هي المعنى الحقيقي، والمعاني الأخرى مجازية، ومنهم من عكس، والخلاف يطول استقصاؤه ولا يترتب عليه أثر يذكر. معنى النسخ شرعا: اختلف مؤلفو علوم القرآن والأصول في تعريف النسخ، فمن قائل بأن النسخ «هو إبطال الحكم المستفاد من نص سابق بنص لاحق». ومن قائل: (إنه خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم شرعي سابق). ومن قائل: (هو رفع الحكم الشرعي لخطاب شرعي). وأقوال أخرى لا تخلو من مقال ورشق نبال، وأولى الأقوال وأقربها للصواب أن النسخ (هو رفع الحكم الشّرعي بدليل شرعي متأخر). ما يستفاد من هذا التعريف: ١ - أن يكون الحكم المنسوخ شرعيا، فلا ينطبق ذلك في رفع الأحكام المبتناة على البراءة الأصلية، أو العادات والأعراف الجاهلية، أو الأحكام العقلية، هذا ما يفيده رفع الحكم الشرعي. ٢ - أن يكون الناسخ شرعيا كذلك، فالشرع لا ينسخ إلّا بالشرع، فلا يصح أن يكون العقل ناسخا لحكم الشرع، كما هي الحال الآن في آفة المفتونين الذين ينسخون الأحكام الشرعية وفقا لمقتضيات العقل، مؤولين ذلك بالمصالح والمنافع. ٣ - أن يكون الناسخ متراخيا عن المنسوخ، فإذا كان الخطاب المرفوع حكمه مقيدا بوقت معين كقوله تعالى: .. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ .. [البقرة: ١٨٧]. فإن

стр. 174

الحكم ينتهي بانتهاء وقته، فلا يقال لهذه الغاية الدالة على انتهاء الحكم: إنها نسخ، وذلك لاتصالها بدليل الحكم الأول، وهكذا يقال في كل حكم مؤجل بأجل، إذ لا يعني انتهاء أجله أنه نسخ. دليل مشروعية النسخ: جاءت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنّة وإجماع الصحابة بيّنة واضحة تدل على جواز النسخ ووقوعه. ١ - أما الكتاب: فقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها .. [البقرة: ١٠٦]. وقد فسرها جمهور المفسرين، واستدل بها جمهور الأصوليين، وهي من أقوى الأدلة على جواز النسخ. يقول إمام المفسرين ابن جرير الطبري: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أي: ما نبدّل من حكم آية فنغيره، وذلك بأن يحوّل الحلال حراما والحرام حلالا، والمباح محظورا، والمحظور مباحا، ولا يكون ذلك إلّا في الأمر والنهي، والحصر والإطلاق، والمنع والإباحة .. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. أما قوله: أَوْ نُنْسِها فمعناه نتركها فلا نبدّلها. وأما قوله: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها فمعناه: نأت بحكم خير لكم من حكم الآية التي نسخناها، ولا شكّ أن الخيرية تتحقق بالنسبة للناس في الدنيا، إذا كان الحكم الجديد أو الناسخ أخفّ من الحكم المنسوخ، وتتحقق أيضا إذا كان فضلا بالنسبة للآخرة حيث إن الثواب أجزل. والدليل الثاني: قوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل: ١٠١]. قال الزمخشري: تبديل الآية مكان الآية هو النسخ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع لأنها مصالح، والله تعالى عالم بالمصالح والمفاسد، فيثبت ما يشاء وينسخ ما يشاء بحكمته، وهذا معنى قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ.

стр. 175

٢ - أما السنة: فقد دل قوله ﷺ على جواز النسخ فقد صح الحديث: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» (١). وليس معنى الحديث إلّا القول بجواز زيارتها بعد النهي عن ذلك، والنسخ لا يعني أكثر من ذلك، أن يحوّل الحرام حلالا، والمحظور مباحا على حد قول ابن جرير الطبري. ٣ - أما إجماع الصحابة: فقد انعقد على أن شريعة محمد ﷺ ناسخة لجميع الشرائع السابقة، وانعقد إجماعهم على نسخ وجوب الوصية للوالدين والأقربين بآية المواريث، فإجماعهم على ذلك دليل شرعي على النسخ. ٤ - وأما الدليل العقلي: فإن وقوع النسخ بالفعل هو أدلّ دليل على وجوده وعلى جوازه. وعلى الرغم من تضافر الأدلة على النسخ ووقوعه. فإننا وجدنا أن طائفة من المنتمين للإسلام قد أنكروا النسخ، كما أنكرته فرقة الشمعونية والعنانية من اليهود وتابعهم النصارى. يقول ابن كثير: (والذي يحمل على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله، لأنه يحكم ما يشاء، كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه وقع ذلك في كتبه المتقدمة، وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرّم ذلك، وكما أباح لنوح- بعد خروجه من السفينة- أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حلّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها، وأمر بنو إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل، كيلا يستأصلهم- وبقوا أحياء يذيقون البشرية ألوانا من أحقادهم- ولله في ذلك حكمة وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه) (٢).

стр. 176

المنكرون للنسخ: أنكر أهل الكتاب- اليهود والنصارى- وقوع النسخ وجوازه، وزعموا أن النسخ يستلزم البداء، ومعنى البداء لغة الظهور بعد الخفاء، قالوا: لو جاز النسخ على الله تعالى لكان إما لحكمة ظهرت له بعد أن لم تكن ظاهرة، أو لغير حكمة، وكلا الأمرين باطل، لأن الأول بداء، والثاني عبث، والبداء والعبث لا يجوزان على الله تعالى، إذ كل منهما نقص يتنزه الله أن يوصف به (١). ويجاب على هذا الزعم بهذا التساؤل، لماذا لا يكون النسخ لحكمة معلومة لله ولم تكن خافية عليه، أليس هذا هو القول السديد؟ بلى ... ولكن: .. كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [الكهف: ٥]. والعجب أن الرافضة- المرتدة عن الإسلام- قد تجاوزت اليهود في كفرهم. وصدهم عن الإسلام، فاليهود ينكرون النسخ لأنه يستلزم البداء، أما الرافضة فيثبتون النسخ المستلزم للبداء فوصفوا الله- تنزه عن ذلك- بالبداء ونسبوا ذلك إلى أئمة آل البيت زورا وبهتانا. وقالوا: (البداء ديننا ودين آبائنا). وأعجب بعد ذلك من قول أبي مسلم الأصفهاني من متأخري المعتزلة الذي قال بجواز النسخ عقلا، ومنع وقوعه شرعا، واستدل بقوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢]. وقد حذا حذوه الإمام محمد عبده ومن شايعه من المتأخرين. هؤلاء جميعا لم يحالفهم الصواب، وليس لهم دليل إلّا التحكم العقلي. والحقيقة أننا بحاجة إلى وقفة هادئة متأملة في موضوع نسخ بعض الأحكام في شريعة رسولنا خاتم النبيين محمد ﷺ في فترة نزول القرآن السابقة، خصوصا ونحن ما نزال نتلو هذه الآيات المنسوخة ... إلى جانب أننا مطالبون- بعد عصر التنزيل- بالأحكام النهائية التي آلت إليها الشريعة وثبتت عليها بانتهاء الوحي ووفاة النبي ﷺ ، فوق ما هو مقرر ومعلوم بالبداهة عند جميع المسلمين، من امتناع وقوع النسخ بعد انقطاع الوحي.

стр. 177

لقد تم النسخ، كما هو معلوم في ظل مبدأ تنجيم القرآن الكريم، أي: نزوله مفرقا على نجوم ودفعات ومراحل مختلفة، بلغت في مجموعها نحوا من ثلاث وعشرين سنة كما أشرنا إلى ذلك، كان لهذا التنجيم فوائده الكثيرة المعروفة، ولكن الفائدة الرئيسة أو الغرض الأساس من هذا التنجيم تكمن في أنه كان هو الوسيلة الربانية لإعداد الفرد المسلم والأمة المسلمة، بوصف هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، لأول مرة في التاريخ من خلال نصوص كتاب ... فإذا كان القرآن الكريم هو الذي صنعها وأخرجها للناس خير أمة، فقد تنزلت آياته الكريمة على مراحل وأوقات وفي مناسبات، لإحكام بناء هذه الأمة الخيرة، أو الأمة الوسط لبنة لبنة، وآية آية، وموقفا إثر موقف على اختلاف الظروف والأحوال، ويختص الجيل القرآني الأول- أو جيل التنزيل إن صح التعبير- فوق ذلك بأنه الجيل الوحيد أو الجيل الأول في تاريخ هذه الأمة الخيرة الذي عبر به القرآن الكريم من أوضاع الجاهلية إلى أحكام الإسلام، وانتقل به من جميع ملابسات الشرك إلى آفاق التوحيد. حتى حقق به القرآن الكريم ذلك «الجيل الأنموذج» أو «الجيل المثال» الذي يحتذى به إلى يوم الدين. هذا الجيل القرآني الفريد الذي ليس له نظير في تاريخ الإسلام، وفي تاريخ بني الإنسان، كان النسخ بالنسبة إليه واحدا من أعمق وأهم وسائل التربية والإعداد في بناء شخصياته على الصعيد الفردي، وفي مواجهته على الصعيد الجماعي- كأمة ومجتمع- مع الجاهلية العربية وسائر الجاهليات الأخرى في الأمم والشعوب، بل قد يمكننا القول: إن النسخ كان ضرورة لا بد منها لنقل أبناء عصر التنزيل من الجاهلية إلى الإسلام، بدليل أنه جاء مرة نسخا مباشرا، وجاء مرة أخرى على مراحل .. ولكن الذي يهمنا تأكيده هنا، هو أن النسخ الذي عمل عمله في إعداد ذلك الجيل الفريد ... لا معنى لاستمراره ... بل لا يمكن له من أي وجه أن يوجد بعد ذلك العصر، ونحن نتربى الآن بالاقتداء والتأسي بذلك الجيل ... لا بالنسخ الذي ساهم في صنعه هو ... فالتربية بالنسخ- إن صح الشعار أو التعبير- بالنسبة لجيل التنزيل، يقابله بالنسبة لسائر الأجيال الأخرى بعده: التربية بالقدوة أو الاحتذاء بذلك الجيل الذي تمثلت فيه حجة الله على عباده إلى يوم الدين.

стр. 178

وقد نجح جيل الصحابة- ﵃ في تقديم أرفع النماذج الإنسانية، في كل مجال ... أما رسول الله ﷺ ، الذي قدمت لنا سيرته الشريفة أهم وسائل ذلك الإعداد التاريخي، وألقت ضوءا على فهم مراحله، فقد تجمع في شخصه الكريم كلّ تلك الصفات والجمالات الرفيعة، وبلغ في كل واحد منها شأوا لم يبلغه أحد ممن فرغ له نفسه، سواء أكان من الصحابة أم من غيرهم، فكان بذلك رسول الإنسانية الكامل وملاذها الأخير ﷺ . كان تشريع النسخ إذا جزءا من ذلك الإعداد التاريخي المرحلي، أو وسيلة من وسائله البارزة ... وبعد أن تم هذا الإعداد، الذي قدم لنا الأنموذج أو المثال الأخير كما قلنا، أصبحت الأمة الإسلامية مطالبة بالأحكام الأخيرة في البناء والإعداد، وأصبح النسخ «واقعة تاريخية» لا يمكن ولا يعقل تكرارها مرة أخرى بعد قيام الجيل الأول، وبعد أن تمت عملية الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام بصورة تطبيقية عملية، أعطت أروع الأمثلة وأعمقها على «أن أحكام الإسلام ليست رؤيا مثالية في عالم الخيال ... ولكنها حقيقة حية في دنيا الواقع ... وبذلك البعد الهائل الذي ليس له نظير، حتى كان مثلا يحتذى. نقول: أصبح النسخ واقعة تاريخية لا يعقل تكرارها، كما لم تعد هناك ضرورة لتكرار الجزئيات المرحلية في تربية الشخصية المسلمة والأمة المسلمة ... طريق معرفته: لا يصح القول في النسخ جزافا، فلا يعتمد في النسخ على قول المفسرين، ولا اجتهاد المجتهدين، من غير نقل صريح، لأن النسخ يتضمن رفع حكم، وإثبات حكم تقرر في عهده ﷺ ، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد كما قال ابن الحصار. هذا ما أوقع الكثير من العلماء في الخطأ، فبمجرد ظهور شبهة التعارض يلجئون إلى القول بالنسخ في حين أن الجمع بينهما ممكن، ولا شك أن الجمع هو الأولى من إهمال أحدهما ... بل الجمع بينهما ولو من وجه من الوجوه أولى من

стр. 179

إهمالهما من كل الوجوه وادعاء النسخ فيهما، لأن النسخ على خلاف الأصل ... وما كان خلاف الأصل لا بد من بيّنة عليه، وإلّا لم تقم به حجة، وهذه الحجة: إما أن ينص اللاحق على أنه ناسخ للسابق لفظا أو دلالة، كما سيأتي ذكره في آيات المناجاة، أو آيات الزنا، أو ما ورد في الحديث الشريف: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها». وإما أن يكون بين النصين تعارض بحيث لا يمكن التوفيق بينهما، فينظر في النصين المتعارضين، فإن كان أحدهما معلوما وقطعيا والآخر مظنونا فالعمل بالمقطوع واجب. وإن كانا معلومين مقطوعا بهما، أو ظنيين في درجة واحدة من القوة، ينظر إلى القرائن، كأن يكون أحدهما متأخرا عن الآخر فيكون المتأخر ناسخا والمتقدم منسوخا. وقد يعرف التاريخ (مثلا) من إسناد الراوي كأن يقول: هذا الحديث في غزوة كذا أو سنة كذا، أو يقول نزلت هذه الآية في مكة والأخرى في المدينة أو نحو ذلك. أما إذا جهل التاريخ فلا نسخ، إذ إن أحدهما ليس بأولى من الآخر بالنسخ، وكل من ادعى غير ذلك فقوله مردود لعدم معرفته التاريخ. أقول: لم أطلع على دليلين قطعيين «أعني قطعي الثبوت وقطعي الدلالة» قد تعارضا من كل الوجوه. أما في الأدلة الظنية التي وقع فيها التعارض، فالقرائن لا تحصى في إعمالها، فنلجأ إليها، وإن تعذرت فالقرائن كثيرة، كذلك في تقديم أحد الدليلين ونسخ أحدهما. أنواع النسخ: جرت عادة علماء التفسير والأصول أن يذكروا للنسخ أنواعا ثلاثة: ١ - نسخ الحكم دون التلاوة. ٢ - ونسخ التلاوة دون الحكم. ٣ - ونسخ الحكم والتلاوة معا- وقد يكون ولعهم بالتقسيم والتبويب هو الذي شجعهم على اعتماد مثل هذه الأقوال

стр. 180

وذكرها في بطون الكتب. على ما فيها من مخالفة واضحة ونبو صريح عن نظم القرآن وأناقة أسلوبه المعجز، ومخالفات أخرى لا مجال هنا للإشارة إليها (١). وهاك الأنواع الثلاثة: ١ - منسوخ الحكم دون التلاوة: هذا النوع الوحيد الجدير بالقبول، لذا فقد اتفق جميع العلماء على وقوعه وجوازه، ولم يشذ عن إجماعهم إلّا من ذكرناه سابقا، ولكن الذين اتفقوا على وقوعه وجوازه قد اختلفوا في عدد الآيات المنسوخة فمنهم المكثر، ومنهم المقتصد، ومنهم المقل، ونحن نرفض قول المفرطين في كثرة دعاوى النسخ التي تجاوزت المئات، وهي أقوال لا يدل عليها فطرة من عقل ولا نقل، ولقد حصر الإمام السيوطي قضايا النسخ في عشرين موضعا، واختصرها المرحوم مصطفى زيد بما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وهاك من الأمثلة المتفق عليها (٢). أ- كان قيام الليل- قبل فرض الصلوات- فرضا على رسول الله ﷺ وعلى أمته؛ لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ١ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ٢ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ٣ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ١ - ٤]. فمكث يجتهد بقراءة القرآن حتى نزول قوله تعالى في آخر السورة: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل: ٢٠].
следующие страницы →