← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38092

المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره

محمد علي الحسن

Полный текст (299 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

مكانته العلمية: كان ابن جرير أحد الأئمة الأعلام، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه أحد من أهل عصره، فهو حافظ لكتاب الله، عارف بمعانيه، فقيه في أحكامه، عالم بالسنن وطرقها، مميز بين الناسخ والمنسوخ منها، عارف بأقوال الصحابة والتابعين، عالم بمواضع اختلاف الأئمة من قبله، عارف بأيام الناس وأخبارهم، ومن العلوم التي قد برع فيها: علم القراءات وعلم التفسير وعلم الحديث وعلم الفقه وعلم التاريخ، فقد ألف في القراءات كتابه القراءات، وفي التفسير كتاب جامع البيان عن تأويل آي القرآن، وفي التاريخ كتاب تاريخ الأمم والملوك وكتاب تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين، وفي الفقه كتاب اختلاف العلماء، وكتاب أحكام شرائع الإسلام وهذا الأخير كتاب ألف على ما أداه إليه اجتهاده. ومعظم هذه الكتب قد اختفى منذ زمن، ولم يحظ بالشهرة منها سوى كتابيه في التفسير والتاريخ. ويعتبر ابن جرير أبا للتفسير، ويعتبر أيضا من الأئمة المجتهدين. يقول ابن خلكان: إنه كان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحدا. وقد قالوا: إن له مذهبا معروفا، وإن أصحابه ينتحلون مذهبه، ويقال لهم: الجريرية. لكن هذا المذهب لم يبق إلى زماننا هذا، فقد اندثر منذ زمن. وقد كان شافعيا قبل أن ينفرد بمذهب خاصّ به، فقد قال السيوطي في طبقات المفسرين: وكان أولا شافعيا، ثم انفرد بمذهب مستقل، وأقاويل واختيارات، وله أتباع ومقلدون، وله في الأصول والفروع كتب كثيرة (١). اهـ. طريقته في التفسير: يعتبر تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، قال عنه السيوطي: «وكتابه- يعني تفسير ابن جرير- أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوق بذلك تفاسير الأقدمين» (٢)،

стр. 247

وقال النووي: «أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري» (١) وتفسيره الذي بين أيدينا ما هو إلا مختصر تفسيره الأصلي على ما يبدو. قال ابن السبكي في طبقاته الكبرى: «إن أبا جعفر قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا الله ماتت الهمم فاختصره في نحو ما اختصر التفسير» (٢) اهـ. وكتاب ابن جرير في التفسير من أقدم التفاسير التي وصلت إلينا. وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها سوى ما وصل إلينا منها في ثنايا كتب التفاسير الأخرى ومنها تفسير ابن جرير. وتظهر طريقة ابن جرير في تفسيره في عدة نقاط وهي: ١ - إنكاره التفسير بمجرد الرأي. ٢ - اعتناؤه بالأسانيد. ٣ - تقديره للإجماع. ٤ - ذكره القراءات. ٥ - نقله من الإسرائيليات. ٦ - انصرافه عما لا فائدة فيه. ٧ - احتكامه إلى المعروف من كلام العرب. ٨ - رجوعه إلى الشعر القديم. ٩ - اهتمامه بالمذاهب النحوية. ١٠ - معالجته للأحكام الفقهية. ١١ - خوضه في مسائل الكلام. وسنذكر الأمثلة على طريقته في التفسير:

стр. 248

فمثال إنكاره التفسير بالرأي قوله عند تفسير قوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف: ٤٩]. بعد ذكر أقوال السلف فيها، مع توجيهه للأقوال، وتعرضه للقراءات، فيقول ما نصه: « ... وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: «وفيه يعصرون» إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصرة التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي: صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود أي: المقهور، ومن قول لبيد: فبات وأسرى القوم آخر ليلهم ... وما كان وقّافا بغير معصّر وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (١). أما اعتناؤه بالأسانيد فيظهر ذلك واضحا في تفسيره، لأنه يذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف، ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانا موقف الناقد البصير، فيوثق الرواة ويجرحهم، ويرد الروايات التي لا يثق بصحتها، ومثال ذلك تفسيره لقوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [الكهف: ٩٤] فيقول ما نصه: «روي عن عكرمة في ذلك- يعني في ضم سين (سدّا) وفتحها- ما حدثنا به أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال حدثنا: حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة، قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السّد يعني بفتح السين، وما كان من صنع الله فهو السّد، ثم يعقب على هذا السند فيقول: «وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك فإن الذي نقل ذلك عن أيوب هارون وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه» (٢) اهـ. ومثال تقديره للإجماع تفسيره لقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] فيقول ما نصه: «فإن قال قائل: فأي النكاحين عنى الله بقوله:

стр. 249

فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ؟ النكاح الذي هو جماع؟ أم النكاح الذي هو عقد تزويج؟ قيل: كلاهما، وذلك أن المرأة إذا نكحت رجلا نكاح تزويج، ثم لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها، ولم يجامعها حتى يطلقها، لم تحل للأول، لإجماع الأمة جميعا ... » (١). أما ذكر القراءات في تفسيره، فإنه يذكر القراءات وينزلها على المعاني المختلفة، وكثيرا ما يردّ القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون عنده وعند علماء القراءات حجة، والتي تقوم على أصول مضطربة، فمثلا عند قوله تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً [الأنبياء: ٨١] يذكر أن عامّة قراء الأمصار قرءوا (الريح) بالنصب على أنها مفعول لسخرنا المحذوف، وأن عبد الرحمن الأعرج قرأ (الريح) بالرفع على أنها مبتدأ ثم يقول: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه. وجدير بالذكر أن ابن جرير كان من علماء القراءات المشهورين، وله كتاب في ذلك في ثمانية عشر مجلدا ولكنه ضاع مع الزمن، ولم يصل إلينا ككثير من مؤلفاته. وابن جرير يأتي في تفسيره بأخبار مأخوذة من القصص الإسرائيلي، يرويها بإسناده إلى كعب الأحبار، وهب بن منبه وابن جريج والسدي ويتعقبها بالنقد، لكن تفسيره ما زال بحاجة إلى النقد الفاحص الشامل احتياج كثير من كتب التفسير الأخرى إلى ذلك النقد. ويحتكم ابن جرير في مواضع كثيرة من تفسيره إلى كلام العرب وشعرهم، كتفسيره لقوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢] فيقول: «قال أبو جعفر: والأنداد جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان بن ثابت: أتهجوه ولست له بندّ ... فشرّكما لخيركما الفداء يعني بقوله: لست له بند: لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيرا لشيء وشبيها فهو له ند» (٢). أما اهتمام ابن جرير بالمذاهب النحوية فيظهر ذلك واضحا في تفسيره، ويذكر أقوال الكوفيين والبصريين ويوجه الأقوال ويستشهد بالنحو على ما يقول.

стр. 250

ويعالج ابن جرير الكثير من الأحكام الفقهية كثيرا في تفسيره، ويذكر أقوال العلماء ومذاهبهم، ويخلص من ذلك برأي يختاره لنفسه. ويرجحه بالأدلة، وهذا ليس بغريب، لأن ابن جرير- كما ذكرنا- مجتهد له مذهب خاص به، عالم في مذاهب العلماء وأقوالهم. وترى ابن جرير يخوض في تفسيره في مسائل الكلام كثيرا، مما يدل على أنه كان عالما في مسائل العقيدة، فتراه يستشهد بالآية على مسألة في العقيدة، وتراه يناقش مسألة أخرى ويرد على المعتزلة كثيرا في تفسيره وعلى القدرية، ويصفهم بالغباء فيما يذهبون إليه من الأقوال الغريبة، وذلك واضح في تفسيره خصوصا عند تفسيره لآيات الصفات. ٢ - ابن عطية الأندلسي (١): هو القاضي عبد الحق بن عطية الأندلسي الغرناطي المالكي. ولد بغرناطة سنة ٤٨٠ هـ ونشأ فيها، وتربى في كنف أبيه القاضي الحافظ الذي أحاطه بأسباب العناية والرعاية، مما كان سببا في تكون شخصيته العلمية. كان منذ صغره طموحا متطلعا، وقد لازمه هذا الطموح حتى برزت مواهبه، وعم إنتاجه وغدا شخصية علمية يشار إليها بالبنان. ويحدثنا الفتح بن خاقان عن صفات ابن عطية التي أورثته علوا في الرتبة وعظمة في المكانة، قال: «سابق الأمجاد في السؤدد جاهدا، حتى تناول الكواكب قاعدا» (٢). مكانته العلمية: قال لسان الدين ابن الخطيب: «كان ابن عطية فقيها عالما بالتفسير، والأحكام والحديث والفقه والنحو والأدب واللغة، له نظم ونثر، ولي القضاء (بالمرية) من حواضر الأندلس وكان غاية في الدهاء والذكاء» (٣).

стр. 251

قال السيوطي: «عبد الحق بن عطية هو الإمام الكبير قدوة المفسرين وعدّة من أساطين النحاة وشيوخهم» (١). وعده ابن فرحون من أعيان مذهب الإمام مالك فترجم له وذكر مناقبه (٢). منهجه في التفسير: كان ابن عطية بذكر الآية الكريمة ثم يفسرها بعبارة سهلة، بعيدة عن الغموض والاحتمال، ويورد التفسير بالمأثور في غير إكثار. ويعرض الأقوال ويناقشها مع الرد أحيانا، وكان كثير الاستشهاد بالشعر للدلالة على المعاني، محتكما إلى اللغة العربية عند إرادة بعض المقاصد، كثير الاهتمام بالمسائل النحوية، وكان يتعرض للقراءات، مستعملها وشاذها ويوجهها، كما كان يتحرى الصحة في الأحاديث بعيدا عن الإسرائيليات، كل ذلك في غاية الإيجاز، وحذف فضول القول (٣). ولقد أقام ابن عطية منهجه في التفسير على أهم الأصول التالية: ١ - جمعه بين التفسير بالمأثور والرأي. ٢ - اللغة العربية والنحو. ٣ - القراءات. ٤ - عرض الأحكام الفقهية. ٥ - ردّه للإسرائيليات. التفسير بالمأثور والرأي- عند ابن عطية: لقد عنى ابن عطية بالتفسير بالمأثور، سواء ما تعلق منه بتفسير القرآن بالقرآن، أو تفسير القرآن بالحديث، أو بأقوال الصحابة والتابعين .. لكنه درج في تفسيره هذا

стр. 252

بعدم التقيد بالأسانيد كابن جرير الطبري التزاما مع منهجه الذي رسمه لنفسه في مقدمة تفسيره وهو (الإيجاز). أما التفسير بالرأي فشرطه ألا يتهجم الإنسان على كتاب الله تعالى فيفسره برأيه وهواه، دون حصوله على علوم التفسير: من لغة ونحو وأصول، ويتأول ابن عطية الأحاديث الواردة في النهي عن التفسير بالرأي، ويقول: بأن ذلك محمول على مغيبات القرآن وتفسير مجمله وذلك لا سبيل له إلّا بتوفيق من الله (١). وأجاب أيضا عن تحرج السلف الصالح- الصحابة والتابعين- من التفسير بالرأي فقال: «إن ذلك الإحجام كان تورعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم، أو أن توقفهم كان في مشكل القرآن خوفا من أن يكون تفسيرهم في تلك الحالة قد لا يوافق مراد الله تعالى» (٢). ومن أمثلة التفسير بالمأثور عنده: تفسير القرآن بالقرآن: تفسير معنى الهداية الواردة في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦]. بما ورد معناها في آيات أخرى. قال ابن عطية: «والهداية في اللغة: الإرشاد، لكنها تتصرف على وجوه، فالهدى يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ٥]. وقال: وقد جاء الهدى بمعنى الدعاء من ذلك قوله تعالى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: ٧]. أي: داع. وقد جاء الهدى بمعنى الإلهام من ذلك قوله: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: ٥٠].

стр. 253

ومثال تفسير القرآن بالحديث: عند تفسير قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ [آل عمران: ٩٦]. « ... قال القاضي أبو محمد ويؤيد هذا التأويل ما قال: أبو ذر- ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام» قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى» قلت: كم بينهما قال: «أربعون سنة» (١). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه باب أي مسجد وضع في الأرض (٢). وأما أمثلة التفسير بأقوال الصحابة فيمكن الوقوف عليها في تفسيره (٣). وأما التفسير بالرأي فمثاله عند تفسير قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: ٦٤]. فبعد أن استعرض معاني كلمة سواء، وأقوال العلماء في تفسيرها، قال: (والذي أقوله في لفظة «سواء»: إنها ينبغي أن تفسر بتفسير خاص بها في هذا الموضوع، وهو أنه دعاهم إلى معان، جميع الناس فيها مستوون، صغيرهم وكبيرهم، وقد كانت سيرة المدعوّين أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا، فلم يكونوا على استواء حال، فدعاهم بهذه الآية إلى ما تألفه النفوس من حق لا يتفاضل الناس فيه .. ) (٤). لقد أولى ابن عطية عناية فائقة باللغة والنحو، فعرض لأصل الألفاظ واشتقاقها وبيان معانيها وأوجه الإعراب فيها، وكثيرا ما كان ينقل آراء النحويين من البصريين والكوفيين، وقد يتعرض لها بالترجيح والتصحيح أو بالرد والتضعيف، وأكثر من الشواهد الشعرية في أغراض مختلفة ومقاصد متعددة.

стр. 254

اهتمامه بالقراءات: وخلاصته استعرض القراءات المتواترة في اللفظ القرآني، وتوجيهها على المعاني مع بيان الشاذ منها والتنبيه عليه، ومثاله عند تفسير قوله تعالى: الم ١ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: ١ - ٢]. قال ابن عطية: «وقرأ الجمهور- الم الله- بفتح الميم والألف ساقطة، وروي عن عاصم أنه سكّن الميم ثم قطع الألف، وروى الأولى حفص، وروى الثانية أبو بكر، وذكرها الفراء عن عاصم، وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة «الم» بكسر الميم للالتقاء، وذلك لأن الياء تمنع من ذلك، والصواب الفتح وهي قراءة جمهور الناس. عرضه للأحكام الشرعية: ومسلكه في ذلك أنه كان يذكر آراء المالكية في المسألة الفقهية، وينوه كثيرا برأي مالك، وفي بعض الأحيان يعرض لآراء المذاهب الأخرى الحنفية والشافعية والحنابلة ولكن في إيجاز. ومما هو جدير بالملاحظة أن ابن عطية كان يتحرى الدقة العلمية في النقل فيقول: «وهذا قول مالك وجميع أصحابه فيما علمت». وكان يعرض لأدلة الأحكام، ومن ثم يرجح آراء الفقهاء، أو يرد ما يحتاج إلى رد (١). وخلاصة القول: أن ابن عطية وقف من مسألة الأحكام الفقهية في تفسيره موقف العالم البصير بمسائل الأحكام، الواقف على دقائقه وأصوله، دونما تعصب أو ميل، وفي غير إسراف أو استفاضة. ردّه للإسرائيليات: يؤكد ابن عطية في غير موضع من تفسيره، أن الإسرائيليات لا تنهض في نفسها لتكون أساسا في تفسير الآيات، لأنها قائمة على الأباطيل والخيالات، ضعيفة

стр. 255

الإسناد تفتقر إلى النقل الصحيح، فضلا عن أن هذه المرويات الإسرائيلية تؤدي إلى زعزعة الثقة في المقصود من النصوص القرآنية، وفساد الاعتقاد بمراميها وأهدافها، وبذا فإنه يرى ضرورة الإضراب عن هذا القصص الإسرائيلي إلّا ما اقتضت الضرورة للاستعانة به على بيان المقصود من الآيات، وقد أكد هذا الموقف في مقدمة تفسيره فقال: «وقصدت فيه أن يكون جامعا وجيزا محررا، لا أذكر من القصص إلّا ما لا تنفك الآية إلّا به» (١). ومن أمثلة ما ردّه ابن عطية عن الإسرائيليات: ١ - عند تفسير قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ [البقرة: ٢٥٩]. قال ابن عطية: وروى في قصص هذه الآية أن بني إسرائيل لما أحدثوا الأحداث بعث الله عليهم بخت نصر البابلي، فقتلهم وجلاهم من بيت المقدس، فخربه، فلما ذهب عنه جاء «أرمياء» فوقف على المدينة معتبرا فقال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله تعالى وكان معه حمار- وقد ربطه بحبل جديد، وكان معه سلة فيها تين وهو طعامه- وقيل: تين وعنب، وكان معه ركوة من خمر، وقيل: من عصير، وقيل: قلة ماء هي شرابه- وبقي ميتا مائة عام- فروي أنه بلي وتفرقت عظامه هو وحماره، وروي أنه بلي دون الحمار- وأن الحمار بقي حيا مربوطا وتفرقت أوصاله دون «عزير»، وروى أن الله بعث إلى تلك القرية من عمّرها، وردّ إليها جماعة من إسرائيل ... وهكذا كله ضعيف ترد عليه ألفاظ الآية (٢). قيمة تفسير ابن عطية: قال لسان الدين ابن الخطيب: «عبد الحق بن عطية .. ألف تفسيره- فأحسن فيه وأبدع، وطار بحسن نيته كل «مطار» (٣).

стр. 256

أما ابن تيمية فقد وصفه أنه بعيد عن البدع، وأتبع للسنة والجماعة، فقال: «تفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري وأصح نقلا وبحثا، وأبعد عن البدع، وإن اشتمل بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعلّه أرجح هذه التفاسير لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها» (١). وشهد له الإمام السيوطي فقال: «لقد أحسن ابن عطية في تفسيره وأبدع حتى طار صيته، وصار كتابه أصدق شاهد بأمانته في العربية وغيرها» (٢). وكانت وفاته ﵀ عام (٥٤٦ هـ). ٣ - السمرقندي: ( ... - ٣٧٣ ه ـ): هو أبو الليث، نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي، الفقيه الحنفي، المعروف بإمام الهدى، المتفقة على أبي جعفر الهندواني المشتهر بكثرة الأقوال المفيدة، والتصانيف المشهورة. ومن أهم تصانيفه تفسير القرآن المسمى ببحر العلوم، وكتاب النوازل في الفقه، وخزانة الفقه، وتنبيه الغافلين، والبستان، المتوفى سنة ٣٧٣ هـ وقيل: ٣٧٥ هـ (٣). طريقته في التفسير: قال في كشف الظنون: «تفسير أبي الليث، نصر بن محمد الفقيه السمرقندي الحنفي، وهو كتاب لطيف مشهور مفيد، خرج أحاديثه الشيخ زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي المتوفى سنة ٨٥٤ هـ» (٤).

стр. 257

وتفسيره (بحر العلوم) مخطوط في ثلاث مجلدات كبار، وموجود بدار الكتب المصرية، وتوجد منه نسختان مخطوطتان بمكتبة الأزهر واحدة في مجلدين والأخرى في ثلاثة مجلدات. وقد قدم السمرقندي تفسيره بباب في الحث على طلب التفسير. وبيان فضله، واستشهد على ذلك بروايات عن السلف، رواها بإسناده إليهم، ثم بيّن أنه لا يجوز لأحد أن يفسر القرآن برأيه من ذات نفسه ما لم يتعلم أو يعرف وجوه اللغة وأحوال التنزيل، واستدل على حرمة التفسير بمجرد الرأي بأقوال رواها عن السلف بإسناده إليهم أيضا، ثم بين أن الرجل إذا لم يعلم وجوه اللغة وأحوال التنزيل فليتعلم التفسير ويتكلف بحفظه، ولا بأس بذلك على سبيل الحكاية ... وبعد أن فرغ من المقدمة بدأ بالتفسير. والسمرقندي يفسر القرآن بالمأثور عن السلف، فيسوق الروايات عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم في التفسير، ولكنه لا يذكر إسناده إلى من يروي عنهم إلا نادرا، ثم إنه لا يتعقب الروايات المختلفة ولا يرجح بينها- كما يفعل ابن جرير- إلا نادرا، وهو يعرض للقراءات لكن بقدر (١). كما أنه يحتكم إلى اللغة أحيانا، ويشرح القرآن بالقرآن إن وجدت آية شارحة لأخرى، ويروي القصص القرآني ولكن بقلة ودون تعقيب، ومن الجدير بالذكر أنه يذكر بعض الإشكالات على ظاهر النص ثم يجيب عنها، ثم يعرض ما يوهم الاختلاف والتناقض في القرآن ويزيل هذا الإيهام. أي أن الكتاب مفيد في ذاته، وجامع للتفسير بالرواية والتفسير بالدراية لكن الرواية تغلب الدراية فيه ولهذا يعد من كتب التفسير بالمأثور. ٤ - الثعلبي: ( ... - ٤٢٧ ه ـ). هو أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري المقرئ المفسر، كان حافظا واعظا، رأسا في التفسير والعربية، متين الديانة، قال ابن خلكان: «كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير» (٢) وقال

стр. 258

ياقوت في معجم الأدباء: «أبو إسحاق الثعلبي المقرئ، المفسر، الواعظ، الأديب، الثقة، الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة: من التفسير الحاوي أنواع الفرائد من المعاني والإشارات، وكلمات أرباب الحقائق، ووجوه الإعراب والقراءات .. » (١) وله من المؤلفات كتاب العرائس في قصص الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ونقل السمعاني عن بعض العلماء أنه يقال له: الثعلبي والثعالبي، وهو لقب له وليس بنسب، وذكره عبد الغفار الفارسي في كتاب سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه وقال: هو صحيح النقل موثوق به. حدث عن أبي طاهر بن خزيمة، والإمام أبي بكر بن مهران المقرئ، وعنه أخذ الواحدي التفسير وأثنى عليه، وكان كثير الحديث كثير الشيوخ، ولكن من العلماء من يرى أنه لا يوثق به، ولا يصح نقله، وسيأتي ذلك عند الحديث عن تفسيره. وتوفي ﵀ سنة ٤٢٧ هـ. التعريف بتفسيره «الكشف والبيان عن تفسير القرآن» وطريقته في التفسير: بدأ الثعلبي تفسيره بمقدمة أوضح فيها منهجه وطريقته التي سلكها في التفسير، فذكر اختلافه منذ الصغر إلى العلماء، واجتهاده في الاقتباس من علم التفسير الذي هو أساس الدين ورأس العلوم الشرعية، وقد صنف مفسري القرآن على فرق على طرق مختلفة: ١ - فرقة أهل البدع والأهواء، وعد منهم الجبائي والرماني. ٢ - وفرقة من ألفوا فأحسنوا، إلا أنهم خلطوا أباطيل المبتدعين بأقاويل السلف الصالحين، وعد منهم أبا بكر القفال. ٣ - وفرقة اقتصر أصحابها على الرواية والنقل دون الدراية والنقد، وعد منهم أبا يعقوب الحنظلي. ٤ - وفرقة حذفت الإسناد الذي هو الركن والعماد، ونقلت من الصحف والدفاتر، وحررت على هوى الخواطر، وذكرت الغث والسمين، والواهي والمتين. قال: وليسوا في عداد العلماء، فصنت الكتاب عن ذكرهم.

стр. 259

٥ - وفرقة حازوا قصب السبق، في جودة التصنيف والحذق، غير أنهم طوّلوا في كتبهم بالمعادات، وكثرة الطرق والروايات وعد منهم ابن جرير الطبري. ٦ - وفرقة جردت التفسير دون الأحكام، وبيان الحلال والحرام، والحل عن الغوامض والمشكلات، والرد على أهل الزيغ والشبهات، كمشايخ السلف الماضين، كمجاهد والسدي والكلبي .. ثم بين أنه لم يعثر في كتب من تقدمه على كتاب جامع مهذب يعتمد عليه، ثم ذكر ما كان من رغبة الناس إليه في إخراج كتاب في تفسير القرآن وإجابته لمطلوبهم، رعاية منه لحقوقهم، وتقربا به إلى الله ... ووصف كتابه بأنه شامل، مهذب، ملخص، مفهوم، منظوم، مستخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات، سوى ما التقطه من الأجزاء والتعليقات وما تلقفه من المشايخ الأثبات .. ثم قال: وخرجت فيه الكلام على أربعة عشر نحوا: البسائط والمقدمات، والعدد والتنزلات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والمعاني والجهات، والغوامض والمشكلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات، والأخبار والمتعلقات، أدرجتها في أثناء الكتاب بحذف الأبواب وسميته: كتاب الكشف والبيان عن تفسير القرآن ... ثم ذكر في أول الكتاب أسانيده إلى من يروي عنهم التفسير من علماء السلف واكتفى بذلك ولم يذكرها خلال الكتاب، كما ذكر أسانيده إلى مصنفات أهل عصره، وكتب الغريب والمشكل والقراءات، ثم ذكر بابا في فضائل القرآن وأهله، وبابا في معنى التفسير والتأويل ثم شرع في التفسير. وتفسيره (الكشف والبيان) مخطوط بمكتبة الأزهر لكنه غير كامل موجود في أربعة مجلدات ضخام ينتهي آخرها بأواخر سورة الفرقان والباقي مفقود. وقد قام المؤلف بالتفسير بما جاء عن السلف مع اختصاره للأسانيد، اكتفاء بذكرها في مقدمة الكتاب، وإنه يخوض في المسائل النحوية بتوسع ظاهر كتوسعه على «نعم وبئس» في القرآن الكريم، ويقوم بشرح الكلمات اللغوية وأصولها وتصاريفها، ويستشهد بالشعر على ما يقول كتحليله لكلمة (ينعق) في قوله تعالى:

стр. 260

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً .. [البقرة: ١٧١]. ثم إنه يتوسع في الكلام عن الأحكام الفقهية عند ما يتناول آية من آيات الأحكام، فيذكر الأقوال والخلافات والأدلة إلى درجة يخرج فيها عن مراد الآية، كتفسيره لقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] تجده يفيض في الكلام عما يفعل بتركة الميت بعد موته، ثم يذكر جملة الورثة ونصيب كل وارث منهم، ثم يقول بعد هذا: فصل في بساط الآية، وفيه يتكلم عن نظام الميراث في الجاهلية قبل مبعث الرسول ﷺ . موقفه من الإسرائيليات: يمتاز هذا التفسير بالتوسع الكبير في ذكر الإسرائيليات دون تعقب من مؤلفه بشيء من ذلك، أو دون تنبيه إلى ما فيه من استبعاد وغرابة، وهذا يظهر أن الثعلبي كان مولعا بالأخبار والقصص إلى درجة كبيرة، وهو قد ألف كتابا في قصص الأنبياء كقصة أصحاب الكهف وروايته عن السدي ووهب وكعب الأحبار وإتيانه بما لا يعقل من قصتهم. وجدير بالذكر أن الثعلبي لم يتحر الصحة في كل ما ينقل عن السلف، وقد لاحظ عليه السيوطي في الإتقان أنه يكثر الرواية عن السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (١). والثعلبي يذكر في تفسيره الكثير من الأحاديث الموضوعة خصوصا في فضائل السور، فهو يذكر في نهاية كل سورة حديثا أو اثنين في فضائلها، وهذا يدل على أن الثعلبي لم يكن له باع في معرفة صحيح الأخبار من سقيمها. وهذا كله (كثرة الإسرائيليات والإتيان بالأحاديث الموضوعة .. ) قد أتى على الثعلبي باللوم والنقد له ولكتابه. يقول ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير: «والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين وكان حاطب ليل، ينقل ما وجد في كتب

стр. 261

التفسير من صحيح وضعيف وموضوع» (١) وقال الكتاني في الرسالة المستطرفة عند الكلام عن الواحدي المفسر: «ولم يكن له ولا لشيخه الثعلبي كبير بضاعة في الحديث، بل في تفسيرهما- وخصوصا الثعلبي- أحاديث موضوعة وقصص باطلة» (٢). والحق كذلك أنه قليل بضاعة في الحديث، بل لا يكاد الثعلبي يميز بين الحديث الموضوع من غير الموضوع، وإلا لما روى أحاديث الشيعة الموضوعة على علي وعلى أهل البيت، وغيرها مما اشتهر وضعه. والعجيب من الثعلبي أنه يعيب كل كتب التفسير الأخرى حتى كتاب الطبري، وادعى في مقدمته أنه لم يعثر على كتاب جامع مهذب يعتمد عليه، ولكنه لم يستطع أن ينتج هذا الجامع المهذب كما وصف كتابه في المقدمة. ٥ - ابن كثير: (٧٠٠ - ٧٧٤ ه ـ): هو الإمام الجليل الحافظ، عماد الدين، أبو الفداء، إسماعيل بن عمرو بن كثير ابن ضوء بن كثير بن زرع البصري ثم الدمشقي الفقيه الشافعي، قدم دمشق وله سبع سنين مع أخيه بعد موت أبيه، سمع من ابن الشحنة، والآمدي، وابن عساكر، كما لازم المزي وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره، وأخذ عن ابن تيمية، وفتن بحبه، وامتحن بسببه، واتبعه في كثير من آرائه. كان مولده سنة ٧٠٠ هـ أو بعدها بقليل وتوفي في شعبان سنة ٧٧٤ هـ ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية، وكان قد كف بصره في آخر عمره. مكانته العلمية: كان ابن كثير على مبلغ كبير من العلم، وقد شهد له العلماء بسعة علمه، وغزارة مادته، خصوصا في التفسير والحديث والتاريخ، قال عنه ابن حجر: «اشتغل بالحديث

стр. 262

مطالعة في متونه ورجاله، وجمع التفسير، وشرع في كتاب كبير في الأحكام لم يكمل، وجمع التاريخ الذي سماه البداية والنهاية، وعمل طبقات الشافعية، وشرع في شرح البخاري ... وكان كثير الاستحضار حسن المفاكهة، وسارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته، ولم يكن على طريق المحدثين في تحصيل العوالي، وتمييز العالي من النازل، ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدثي الفقهاء، وقد اختصر مع ذلك كتاب ابن الصلاح وله فيه فوائد» وقال عنه الذهبي في المعجم المختص: «الإمام المفتي المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن، مفسر نقال، وله تصانيف مفيدة» وقال ابن حبيب فيه: «زعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف، وحدث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه في البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رئاسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير» وقال فيه أحد تلاميذه ابن حجر: «أحفظ من أدركناه لمتون الحديث، وأعرفهم بجرحها ورجالها، وصحيحها وسقيمها، وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك، وما أعرف أني اجتمعت به على كثرة ترددي عليه إلا واستفدت منه». التعريف بتفسيره (تفسير القرآن العظيم) وطريقته فيه: تفسير ابن كثير من أشهر ما دوّن في التفسير بالمأثور، ويعتبر في هذه الناحية الكتاب الثاني بعد كتاب ابن جرير، اعتنى فيه مؤلفه بالرواية عن مفسري السلف، ففسر فيه كلام الله تعالى بالأحاديث والآثار مسندة إلى أصحابها، مع الكلام عما يحتاج إليه جرحا وتعديلا، وتفسيره مطبوع في أربعة أجزاء كبار، وصدرت أخيرا طبعة محققة في ثمانية أجزاء (١). وقد قدم له مؤلفه بمقدمة طويلة هامة، تعرض فيها لكثير من الأمور التي لها تعلق واتصال بالقرآن وتفسيره، ولكن أغلب هذه المقدمة مأخوذ بنصه من كلام شيخه ابن تيمية، الذي ذكره في مقدمته في أصول التفسير.

стр. 263

أما طريقة مؤلفه في التفسير فإنه يذكر الآية، ثم يفسرها بعبارة سهلة موجزة، وإن أمكن توضيح الآية بآية أخرى ذكرها، وقارن بين الآيتين، حتى يتبين المعنى ويظهر المراد، وهو شديد العناية بهذا النوع من التفسير الذي يسمونه تفسير القرآن بالقرآن، وهذا الكتاب أكثر ما عرف من كتب التفسير سردا للآيات المتناسبة في المعنى الواحد. ثم بعد أن يفرغ من هذا كله، يشرع في سرد الأحاديث المرفوعة التي تتعلق بالآية، ويبين ما يحتج به وما لا يحتج به منها، ثم يردف هذا بأقوال الصحابة والتابعين ومن يليهم من علماء السلف. ونجد ابن كثير يرجح بعض الأقوال على بعض، ويضعف بعض الروايات، ويصحح بعضا آخر منها، ويعدل بعض الرواة ويجرح بعضا آخر، وهذا يرجع إلى ما كان عليه من المعرفة بفنون الحديث وأحوال الرجال. وكثيرا ما نجد ابن كثير ينقل من تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم وتفسير ابن عطية، وغيرهم ممن تقدمه. موقفه من الإسرائيليات: ما يمتاز به ابن كثير في تفسيره أنه ينبه إلى ما فيه من الإسرائيليات، ويحذر منها على وجه الإجمال تارة، وعلى وجه التعيين والبيان لبعض منكراتها تارة أخرى. ومثال ذلك تفسيره لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً .. [البقرة: ٦٧] إلى آخر الآيات نراه يقص لنا قصة طويلة وغريبة عن طلبهم للبقرة المخصوصة، وعن وجودهم لها عند رجل من بني إسرائيل كان من أبر الناس بأبيه ... إلخ، ويروي كل ما قيل في ذلك عن بعض علماء السلف ... ثم بعد أن يفرغ من هذا كله يقول ما نصه: «وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم فيها اختلاف، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها ولكن لا تصدق ولا تكذب، فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا. والله أعلم» (١).

стр. 264

أما المناقشات الفقهية فإن ابن كثير يذكر أقوال العلماء وأدلتهم عند ما يشرح آية من آيات الأحكام، وإن شئت أن ترى مثالا لذلك فارجع إليه عند تفسيره لقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: ١٨٥] فإنه ذكر أربع مسائل تتعلق بهذه الآية، وذكر أقوال العلماء فيها، وأدلتهم على ما ذهبوا إليه. وهكذا سائر الآيات كآيات الطلاق والمواريث ... إلخ. وبالجملة، فإن هذا التفسير من خير كتب التفسير بالمأثور وقد شهد له بعض العلماء، فقال السيوطي في ذيل تذكرة الحفاظ، والزرقاني في شرح المواهب: إنه لم يؤلف على نمطه مثله (١). ٦ - الثعالبي: ( ... - ٨٧٦ ه ـ). مؤلف الجواهر الحسان في تفسير القرآن، هو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف، الثعالبي، الجزائري، المغربي، المالكي، العالم العامل، الزاهد الورع، ولي الله الصالح العارف بالله، كان من أولياء الله المعرضين عن الدنيا وأهلها، ومن خيار عباد الله الصالحين قال ابن سلامة البكري: كان شيخنا الثعالبي رجلا صالحا، زاهدا عالما، عارفا، وليا من أكابر الأولياء، وبالجملة فقد اتفق الناس على صلاحه وإمامته، وأثنى عليه جماعة من شيوخه بالعلم والدين والصلاح، كالإمام الأبيّ، والولي العراقي، وغيرهما. وقد عرّف هو بنفسه في مواضع من كتبه، وبيّن أنه رحل من الجزائر لطلب العلم في آخر القرن الثامن، فدخل بجاية ثم تونس، ثم رحل إلى مصر ثم رجع إلى تونس، ويقول هو: لم يكن بتونس يومئذ من يفوتني في علم الحديث، إذا تكلمت أنصتوا وقبلوا ما أرويه، تواضعا منهم وإنصافا، واعترافا بالحق، وكان بعض المغاربة يقول لي لما قدمت من المشرق: أنت آية في علم الحديث، وذكر كل شيوخه الذين سمع منهم في تلك البلاد. وكان إماما علامة مصنفا، خلف للناس كتبا كثيرة نافعة، منها: الجواهر الحسان في تفسير القرآن، وكتاب الذهب الإبريز في غرائب القرآن العزيز، وتحفة الإخوان في

стр. 265

إعراب بعض آيات القرآن، وكتاب جامع الأمهات في أحكام العبادات، وغير ذلك من الكتب النافعة في نواح علمية مختلفة. وتوفي سنة ٨٧٦ هـ أو في أواخر التي قبلها على نحو تسعين سنة، ودفن بمدينة الجزائر. ﵀ ورضي عنه. التعريف بتفسيره (الجواهر الحسان) وطريقته فيه: لقد عرف الثعالبي تفسيره في مقدمته حيث قال: «فإني قد جمعت لنفسي ولك في هذا المختصر ما أرجو أن يقر الله به عيني وعينك في الدارين، فقد ضمنته بحمد الله المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية، وزدته فوائد جمة، من غيره من كتب الأئمة، وثقات أعلام هذه الأمة، حسبما رأيته أو رويته عن الأثبات، وذلك قريب من مائة تأليف، وما فيها تأليف إلا وهو لإمام مشهور بالدين ومعدود في المحققين، وكل ما نقلت فيه عن المفسرين شيئا فمن تأليفه نقلت، وعلى لفظ صاحبه عولت، ولم أنقل شيئا من ذلك بالمعنى خوف الوقوع في الزلل، وإنما هي عبارات وألفاظ لمن أعزوها إليه، وما انفردت بنقله عن الطبري، فمن اختصار الشيخ أبي عبد الله محمد ابن عبد الله بن أحمد اللخمي النحوي لتفسير الطبري نقلت، لأنه اعتنى بتهذيبه». ثم يبين رموز الكتاب فيقول: «وكل ما في آخره انتهى، فليس هو من كلام ابن عطية، بل ذلك مما انفردت بنقله عن غيره، ومن أشكل عليه لفظ في هذا المختصر فليراجع الأمهات المنقول عنها فليصلحه منها، ولا يصلحه برأيه وبديهة عقله فيقع في الزلل من حيث لا يشعر. وجعلت علامة التاء لنفسي بدلا من قلت، ومن شاء كتبها قلت، وأما العين فلابن عطية. وما نقلته من الإعراب من غير ابن عطية فمن الصفاقسي مختصر أبي حيان غالبا، وجعلت الصاد علامة عليه، وربما نقلت عن غيره معزوا لمن عنه نقلت. وكل ما نقلته عن أبي حيان- وإنما نقلي له بواسطة الصفاقسي- أقول: قال الصفاقسي، وجعلت علامة ما زدته على أبي حيان (م) وما يتفق لي إن أمكن فعلامته (قلت)». وبالجملة فحيث أطلق فالكلام لأبي حيان. ثم قال: «وما نقلته من الأحاديث الصحاح والحسان من غير البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي في باب الأذكار والدعوات، فأكثره من النووي وسلاح المؤمن. وفي الترغيب والترهيب، وأحوال

стр. 266

الآخرة، فمعظمه من التذكرة للقرطبي والعاقبة لعبد الحق. وربما زدت زيادة كثيرة من مصابيح البغوي وغيره، كما سنقف إن شاء الله تعالى على ذلك معزوا لمحاله. وبالجملة فكتابي هذا محشو بنفائس الحكم، وجواهر السنن الصحيحة والحسان، المأثورة عن سيدنا محمد ﷺ وسميته بالجواهر الحسان في تفسير القرآن .. » ثم نقل كثيرا مما جاء في مقدمة تفسير ابن عطية، فذكر بابا في فضل القرآن، وبابا في فضل تفسير القرآن وإعرابه، وفصلا فيما قيل في الكلام فيه، والجرأة عليه، ومراتب المفسرين، وفصلا في اختلاف الناس في معنى قوله ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» وفصلا في ذكر الألفاظ التي في القرآن مما للغات العجم بها تعلق، وبابا في تفسير أسماء القرآن وذكر السورة والآية ... ثم شرع في التفسير وفي كل ما تقدم يعتمد على ابن عطية وينقل عنه. وفي خاتمة التفسير يقول: «وقد أودعته بحمد الله جزيلا من الدرر، وقد استوعبت بحمد الله مهمات ابن عطية، وأسقطت كثيرا من التكرار وما كان من الشواذ في غاية الوهي، وزدت من غيره جواهر ونفائس لا يستغنى عنها، مميزة معزوة لمحالها، منقولة بألفاظها، وتوخيت في جميع ذلك الصدق والصواب». يتضح من كلام الثعالبي أن تفسيره مختصر لتفسير ابن عطية، مع زيادة نقول نقلها الثعالبي عمن سبقه من المفسرين، أي ليس له بعد الجمع والترتيب إلا عمل قليل، وأثر فكري ضئيل. والثعالبي يتعرض للقراءات أحيانا، ويدخل في الصناعة النحوية ناقلا عمن ذكره ومن عند نفسه، ويستشهد في بعض المواضع بالشعر العربي على المعنى الذي يذكره، وهو إذ يذكر الروايات المأثورة في التفسير يذكرها دون سنده إلى من يروي عنه، ويذكر الثعالبي بعض الروايات الإسرائيلية، ولكنه يتعقب ما يذكره بما يفيد عدم صحته أو على الأقل بما يفيد عدم القطع بصحته، مثال ذلك تفسيره لقوله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ [النمل: ٢٠] نجده يذكر بعض الأخبار الإسرائيلية ثم يقول بعد الفراغ منها «والله أعلم بما صح من ذلك». وجملة القول، فإن الكتاب مفيد، جامع لخلاصات كتب مفيدة، وليس فيه ما في غيره من الحشو المخل، والاستطراد الممل.

стр. 267

٧ - السيوطي: (٨٤٩ - ٩١١ ه ـ): هو الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي الشافعي، المسند المحقق، صاحب المؤلفات الفائقة النافعة. ولد في رجب سنة ٨٤٩ هـ وتوفي والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وأسند وصايته إلى جماعة، منهم الكمال بن الهمام، فقرره في وظيفة الشيخونية ولحظه بنظره، وختم القرآن وله من العمر ثمان سنين، وحفظ كثيرا من المتون، وأخذ عن شيوخ كثيرين، عدهم تلميذه الداودي فبلغ بهم واحدا وخمسين، كما عد مؤلفاته فبلغ بها ما يزيد على الخمس مائة مؤلف وشهرة مؤلفاته تغني عن ذكرها، فقد اشتهر شرقا وغربا ورزقت قبول الناس. وكان السيوطي آية في سرعة التأليف حتى قال تلميذه الداودي: عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا. وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا، وغريبا، ومتنا، وسندا، واستنباطا للأحكام. ولقد أخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث، قال: ولو وجدت أكثر لحفظت، ولما بلغ الأربعين سنة تجرد للعبادة، وانقطع إلى الله تعالى، وأعرض عن الدنيا وأهلها، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك في مؤلف سماه بالتنفيس، وأقام في روضة المقياس ولم يتحول عنها إلى أن مات، وله مناقب وكرامات كثيرة، وله شعر كثير جيد، أغلبه في الفوائد العلمية، والأحكام الشرعية. وتوفي في سحر ليلة الجمعة التاسع عشر من جمادى الأولى سنة ٩١١ هـ في منزله بروضة المقياس، فرضي الله عنه وأرضاه (١). التعريف بتفسيره (الدر المنثور في التفسير المأثور): عرّف الجلال السيوطي نفسه هذا التفسير، وبيّن الحامل له على تأليفه، في آخر كتابه (الإتقان) ومقدمة (الدر المنثور) نفسه، فقال في آخر (الإتقان): «وقد جمعت كتابا مسندا فيه تفاسير النبي ﷺ ، فيه بضعة عشر الف حديث، ما بين مرفوع وموقوف، وقد تم ولله الحمد في أربعة مجلدات، وسميته (ترجمان القرآن)» (٢).

стр. 268

وقال في مقدمة الدر المنثور: « ... وبعد، فلما ألفت كتاب ترجمان القرآن- وهو التفسير المسند عن رسول الله ﷺ وتم بحمد الله في مجلدات، فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرجة منها واردات (١)، رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله، ورغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث دون الإسناد وتطويله، فلخصت منه هذا المختصر، مقتصرا فيه على متن الأثر، مصدرا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر، وسميته بالدر المنثور في التفسير المأثور .. » (٢). منهجه في التفسير: يقول السيوطي في آخر الإتقان: «وقد شرعت في تفسير جامع لجميع ما يحتاج إليه من التفاسير المنقولة، والأقوال المعقولة، والاستنباطات والإشارات، والأعاريب واللغات، ونكت البلاغة ومحاسن البدائع وغير ذلك، بحيث لا يحتاج معه إلى غيره أصلا، وسميته بمجمع البحرين ومطلع البدرين، وهو الذي جعلت هذا الكتاب- أي الإتقان- مقدمة له» (٣). ومن هذه العبارة يتبين لنا أن كتاب (مجمع البحرين ومطلع البدرين) يشبه في منهجه وطريقته- إلى حد كبير- تفسير ابن جرير الطبري ولكن لا ندري إذا كان السيوطي قد أتم هذا التفسير أم لا، ويظهر لنا أنه لا صلة بينه وبين كتاب الدر المنثور، ذلك لأن الدر المنثور لا يتعرض فيه السيوطي مطلقا لما ذكره من منهجه في مجمع البحرين ومطلع البدرين، فلا استنباط ولا إعراب، ولا نكات بلاغية، ولا محسنات بديعية، ولا شيء مما ذكر أنه سيعرض له في مجمع البحرين ومطلع البدرين، وكل ما فيه هو سرد الروايات عن السلف دون تعقّب، فلا يعدّل ولا يجرّح، ولا يضعّف ولا يصحّح، فهو كتاب جامع فقط لما يروى عن السلف في التفسير، أخذه السيوطي من البخاري، ومسلم، والنسائي، والترمذي، وأحمد، وأبي داود،

стр. 269

وابن جرير، وابن أبي حاتم وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وغيره ممن تقدمه ودوّن التفسير. والسيوطي رجل مغرم بالجمع وكثرة الرواية، وهو مع جلالة قدره، ومعرفته بالحديث وعلله، لم يتحرّ الصحة فيما جمع في هذا التفسير، وإنما خلط فيه بين الصحيح والعليل، فالكتاب يحتاج إلى تصفية حتى يتميز لنا غثه من سمينه، وهو مطبوع في ستة مجلدات، ومتداول بين أهل العلم. ولا يفوتنا هنا أن ننبه إلى أن كتاب الدر المنثور، هو الكتاب الوحيد الذي اقتصر على التفسير المأثور بين هذه الكتب التي تكلمنا عنها فلم يخلط بالروايات التي نقلها شيئا من عمل الرأي كما فعل غيره. وإنما اعتبرنا كل هذه الكتب من كتب التفسير المأثور، نظرا لما امتازت به عما عداها من الإكثار في النقل، والاعتماد على الرواية، وما كان وراء ذلك من محاولات تفسيرية عقلية، أو استطرادات إلى نواح تتصل بالتفسير، فذلك أمر يكون ثانويا بالنسبة لما جاء فيها من روايات عن السلف في التفسير. ثانيا- التفسير بالرأي والدراية هو تفسير القرآن بحسب اجتهاد المفسرين ومعارفهم في اللغة والأصول غيرها. وجلّ كتب التفسير من هذا النوع مثل الكشاف للزمخشري، وتفسير البيضاوي والنسفي والقرطبي. أهم كتب التفسير بالرأي: لئن اعتبر العلماء تفسير ابن جرير بأنه أمّا في التفسير بالمأثور، فإن تفسير الزمخشري أمّا في التفسير بالرأي، مع خلاف في الاتجاه المذهبي لكل منهما. ١ - أما الزمخشري فهو فارس اللغة والبلاغة، وقد وضع بذورا في التفسير بالرأي، كان لها الأثر الواضح والبصمات الظاهرة في كثير من المفسرين، الرازي، والبيضاوي، وأبي السعود، والنسفي، وأبي حيان الذي وصف الزمخشري بأنه

стр. 270

أوتي من علوم القرآن بأوفر حظ، على الرغم من هجومه وهجوم المفسرين على اعتزالياته التي تعصب لها بشكل عجيب، متجاوزا كل قواعد اللغة والبلاغة، بل خلع الأدب وراء انحرافاته ونزعاته. ١ - الزمخشري (٤٦٧ - ٥٣٨ ه ـ): هو أبو القاسم، محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمي، الإمام الحنفي المعتزلي، الملقب بجار الله. ولد في رجب سنة ٤٦٧ هـ بزمخشر، قرية من قرى خوارزم، وقدم بغداد، ولقي الكبار وأخذ عنهم، دخل خراسان مرارا عديدة. وما دخل بلدا إلا واجتمع عليه أهلها وتتلمذوا له، وما ناظر أحدا إلا وسلم له واعترف به، ولقد عظم صيته وطار ذكره حتى صار إمام عصره من غير مدافعة. وليس عجيبا أن يحظى الزمخشري بكل هذا وهو الإمام الكبير في التفسير، والحديث، والنحو، واللغة والأدب، وصاحب التصانيف البديعة في شتى العلوم، ومن أجلّ مصنفاته: كتابه في تفسير القرآن العزيز الذي لم يصنف قبله مثله المسمى (الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)، والمحاجاة في المسائل النحوية، والمفرد والمركب في العربية، والفائق في تفسير الحديث، وأساس البلاغة في اللغة، والمفصل في النحو، ورءوس المسائل في الفقه ... وغيرها كثير. قال صاحب وفيات الأعيان: «كان الزمخشري معتزلي الاعتقاد، متظاهرا باعتزاله، حتى نقل عنه: أنه إذا كان قصد صاحبا له واستأذن عليه في الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له: أبو القاسم المعتزلي بالباب. وأول ما صنف كتاب الكشاف كتب استفتاح الخطبة «الحمد لله الذي خلق القرآن» فيقال: إنه قيل له: متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه، فغيره بقوله: «الحمد لله الذي جعل القرآن» وجعل عندهم بمعنى خلق، والبحث في ذلك يطول. وفي كثير من النسخ «الحمد لله الذي أنزل القرآن» وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنف». وكانت وفاة الزمخشري ﵀ ليلة عرفة سنة ٥٣٨ هـ بجرجانية خوارزم بعد رجوعه من مكة، ورثاه بعضهم بأبيات من جملتها:

стр. 271

فأرض مكة ندّى الدمع مقلتها ... حزنا لفرقة جار الله محمود التعريف بتفسيره (الكشاف) وطريقته فيه: الكشاف- بصرف النظر عما فيه من الاعتزال- تفسير لم يسبق مؤلفه إليه، لما أبان فيه من وجوه الإعجاز في غير ما آية من القرآن، ولما أظهر فيه من جمال النظم القرآني وبلاغته، وليس كالزمخشري من يستطيع أن يكشف لنا عن جمال القرآن وسحر بلاغته، لما برع فيه من المعرفة بكثير من العلوم. لا سيما ما برز فيه من الإلمام بلغة العرب، والمعرفة بأشعارهم. وما امتاز به من الإحاطة بعلوم البلاغة والبيان والإعراب والأدب، ولقد أضفى هذا النبوغ العلمي والأدبي على تفسير الكشاف ثوبا جميلا، لفت إليه أنظار العلماء وعلق به قلوب المفسرين. هذا وقد أحسّ الزمخشري إحساسا قويا بضرورة الإلمام بعلمي المعاني والبيان قبل كل شيء، لمن يريد أن يفسر كتاب الله ، وجهر بذلك في مقدمة الكشاف فقال: « ... ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح، من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سبكها، علم التفسير، الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم- كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن- فالفقيه وإن برّز على الأقران في علم الفتوى والأحكام، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرّية (١) أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوة لحييه، لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما: علم المعاني وعلم البيان، وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله، بعد أن يكون آخذا من سائر

стр. 272

العلوم بحظ، جامعا بين أمرين: تحقيق وحفظ، كثير المطالعات، طويل المراجعات، قد رجع زماننا ورجع إليه، وردّ وردّ عليه، فارسا في علم الإعراب، مقدما في حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقادها، يقظان النفس، دراكا للمحة وإن لطف شأنها، منتبها على الرمزة وإن خفي مكانها، لا كزا جاسيا، ولا غليظا جافيا، متصرفا ذا دراية بأساليب النظم والنثر، مرتاضا غير ريض بتلقيح بنات الفكر، قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقة ووقع في مداحضه ومزالقه». ولما علم الزمخشري أن كتابه قد تحلى بهذه الأوصاف قال متحدثا بنعمة الله: إن التفاسير في الدنيا بلا عدد ... وليس فيها لعمري مثل كشافي إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته ... فالجهل كالداء والكشاف كالشافي وإذا كان الزمخشري قد اعتز بكشافه، وبلغ إعجابه به إلى حدّ يقول فيه ما قال من تقريظ له، وإطراء عليه، فإنا نعذره في ذلك ولا نلومه عليه، فالكتاب وحد في بابه، وعلم شامخ في نظر علماء التفسير وطلابه، ولقد اعترف له خصومه بالبراعة وحسن الصناعة، وإن أخذوا عليه بعض المآخذ التي يرجع أغلبها إلى ما فيه من ناحية الاعتزال. اهتمام الزمخشري بالناحية البلاغية للقرآن: عند ما يلقي الإنسان نظرة فاحصة على العمل التفسيري الذي قام به العلامة الزمخشري في كشافه، يظهر لنا من أول وهلة أن المبدأ الغالب عليه في جهوده التفسيرية، كان في تبيين ما في القرآن من الثروة البلاغية التي كان لها كبير الأثر في عجز العرب عن معارضته والإتيان بأقصر سورة من مثله، والذي يقرأ ما أورده الزمخشري عند تفسيره لكثير من الآيات من ضروب الاستعارات والمجازات، والأشكال البلاغية الأخرى، يرى أن الزمخشري كان يحرص كل الحرص على أن يبرز في حلة بديعة جمال أسلوبه وكمال نظمه، وإنما لا نكاد نقطع- إذا استعرضنا كتب التفسير وتأملنا مبلغ عنايتها باستخراج ما يحتويه القرآن من ثروة بلاغية في المعاني

стр. 273

والبيان- بأنه لا يوجد تفسير أوسع مجالا في جهوده في هذا الصدد من تفسير الزمخشري. ولقد كانت لعناية الزمخشري بهذه الناحية في تفسيره من الأثر بين المفسرين، وبين مواطنيه من المشارقة ما هو واضح بيّن. أما أثره بين المفسرين فإن كل من جاء بعده منهم- حتى من أهل السنة- استفادوا من تفسيره فوائد كثيرة كانوا لا يلتفتوا إليها لولاه، فأوردوا في تفسيرهم ما ساقه الزمخشري في كشافه من ضروب الاستعارات والمجازات والأشكال البلاغية الأخرى، واعتمدوا ما نبّه عليه الزمخشري من نكات بلاغية، تكشف عما دقّ من براعة نظم القرآن وحسن أسلوبه. ثم إنا نستعرض هذه الروح البلاغية التي تسود في تفسير الزمخشري فنشهدها واضحة من أول الأمر عند ما تكلم عن قوله تعالى من أول سورة البقرة: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] فبعد أن ذكر كل الاحتمالات التي تجوز في محل هذه الجملة من الإعراب، نبّه على أن الواجب على مفسر كلام الله تعالى أن يلتفت للمعاني ويحافظ عليها، ويجعل الألفاظ تبعا لها، فقال ما نصه: « ... والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أن يضرب عن هذه المحال صفحا وأن يقال: إن قوله: الم جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، ذلِكَ الْكِتابُ جملة ثانية ولا رَيْبَ فِيهِ ثالثة وهُدىً لِلْمُتَّقِينَ، رابعة، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة، وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها ... وهلم جرا إلى الثالثة والرابعة، بيان ذلك، أنه نبّه أولا على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال، فكان تقريرا لجهة التحدي، وشدا من أعضاده، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلا بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ولا نقص أنقص مما للباطل والشبهة ... ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله ... ثم لم تخل كل واحدة من الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق، ونظمت هذا النظم السري، من نكتة

стр. 274

ذات جزالة، ففي الأولى: الحذف، والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه، وفي الثانية: ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة: ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة: الحذف، وضع المصدر الذي هو هدى موضع الوصف الذي هو هاد، وإيراده منكرا، والإيجاز في ذكر المتقين. زادنا الله اطلاعا على أسرار كلامه، وتبيينا لنكت تنزيله، وتوفيقا للعمل بما فيه» (١). مبدأ الزمخشري في التفسير عند ما يصادم النص القرآني مذهبه: والمبدأ الذي يسير عليه الزمخشري في تفسيره ويعتمد عليه عند ما تصادمه آية تخالف مذهبه وعقيدته، هو حمل الآيات المتشابهة على الآيات المحكمة، وهذا المبدأ قد وجده الزمخشري في قوله تعالى من سورة آل عمران: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [آل عمران: ٧] (فالمحكمات) هي التي أحكمت عباراتها، بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه (والمتشابهات) هي المتشابهات المحتملات. (وأم الكتاب) هي أصله الذي يحمل عليه المتشابه، ويرد إليه، ويفسر به (٢). على هذا التفسير جرى الزمخشري في كشافه عند ما تعرض لهذه الآية، وهو تفسير لا غبار عليه، كما أن هذا المبدأ: أعني مبدأ حمل الآيات المتشابهات على الآيات المحكمات، مبدأ سليم يقول به غير الزمخشري أيضا من علماء أهل السنة، ولكن الذي لا نسلمه للزمخشري هو تطبيقه لهذا المبدأ على الآيات التي تصادمه، فإذا مر بآية تعارض مذهبه، وآية أخرى في موضوعها تشهد له بظاهرها، نراه يدعي الاشتباه في الأولى والإحكام في الثانية، ثم يحمل الأولى على الثانية، وبهذا يرضي هواه المذهبي، وعقيدته الاعتزالية. وقد مثّل الزمخشري لحمل المتشابه على المحكم ورده إليه بقوله تعالى في الآية (١٠٣) من سورة الأنعام لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وقوله في الآيتين

стр. 275

(٢٢، ٢٣) من سورة القيامة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ٢٢ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ فهو يرى أن الآية الأولى محكمة والآية الثانية متشابهة، وعليه فيجب أن تكون الآية الثانية متفقة مع الآية الأولى، ولا سبيل إلى ذلك إلا بحملها عليها، وردها إليها. انتصاره لعقائد المعتزلة: إن الزمخشري لينتصر لمذهبه الاعتزالي، ويؤيده بكل ما يملك من قوة الحجة وسلطان الدليل، وإنا لنلمس هذا التعصب الظاهر في كثير من النصوص، وهو يحرص كل الحرص على أن يأخذ من الآيات القرآنية ما يشهد لمذهبه، وعلى أن يتأول ما كان منها معارضا له. انتصاره لرأي المعتزلة في أصحاب الكبائر: فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً [النساء: ٩٣] نجده يجعل لهذه الآية أهمية كبيرة في نصرة مذهبه، ويتيه بها على خصومه من أهل السنة، ويندد بهم حيث يقولون بجواز مغفرة الذنب وإن لم يتب منه صاحبه، وبأن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار، فيقول مستغلا هذه الفرصة المواتية للاستهزاء من خصومه السنيين: «هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ، ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلا، وفي الحديث: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امرئ مسلم» وفيه «لو أن رجلا قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه» وفيه «إن هذا الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيانه» وفيه: «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» والعجب من قوم يقرءون هذه الآية ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث العظيمة، وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم هواهم، وما يخيل إليهم مناهم، أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير

стр. 276

توبة أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: ٢٤] ثم ذكر الله التوبة في قتل الخطأ، لما عسى يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ، فيه حسم للأطماع وأي حسم، ولكن لا حياة لمن تنادي، فإن قلت: هل فيها دليل على خلود من لم يتب من أهل الكبائر؟ قلت: ما أبين الدليل وهو تناول قوله: وَمَنْ يَقْتُلْ أي قاتل كان، من مسلم أو كافر، تائب أو غير تائب، إلا أن التائب أخرجه الدليل، فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله» (١). انتصاره لمذهب المعتزلة في الحسن والقبح العقليين: ولما كان الزمخشري يقول بمبدإ المعتزلة في التحسين والتقبيح العقليين، كان لا بد له أن يتخلص من ظاهر هذين النصين المنافيين لمذهبه، وهما: قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥] وقوله: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا .. [الإسراء: ١٥] فنراه في الأولى يستشعر معارضة ظاهر الآية لهذا المبدأ فيسأل هذا السؤال: «كيف يكون للناس على الله حجة قبل الرسل وهم محجوجون بما نصبه الله من الأدلة التي النظر فيها موصل إلى المعرفة، والرسل في أنفسهم لم يتوصلوا إلى المعرفة إلا بالنظر في تلك الأدلة، ولا عرف أنهم رسل الله إلا بالنظر فيها؟ ثم يجيب هو عن هذا السؤال فيقول: (قلت): الرسل منبهون عن الغفلة، وباعثون على النظر، كما ترى علماء أهل العدل والتوحيد، مع تبليغ ما حملوه من تفصيل أمور الدين، وبيان أحوال التكليف، وتعليم الشرائع، فكان إرسالهم إزاحة للعلة، وتتميما لإلزام الحجة، لئلا يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولا فيوقظنا من سنة الغفلة، وينبهنا لما وجب الانتباه له» (٢). وقد تركنا الكلام على النص الثاني خوف التطويل. حملة الزمخشري على أهل السنة: هذا، وإن المتتبع لما في الكشاف من الجدل المذهبي، ليجد أن الزمخشري قد مزجه في الغالب بشيء من المبالغة في السخرية والاستهزاء بأهل السنة، فهو لا يكاد

стр. 277

يدع فرصة تمر دون أن يحقرهم ويرميهم بالأوصاف المقذعة، فتارة يسميهم المجبرة وأخرى يسميهم الحشوية، وثالثة يسميهم المشبهة، وأحيانا يسميهم القدرية، تلك التسمية التي أطلقها أهل السنة على منكري القدر، فرماهم بها الزمخشري لأنهم يؤمنون بالقدر، كما جعل حديث الرسول ﷺ الذي حكم فيه على القدرية أنهم مجوس هذه الأمة منصبا عليهم، وذلك حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى في الآية السابعة عشرة من سورة فصلت: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ولو لم يكن في القرآن حجة على القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة بشهادة نبيها ﷺ وكفى به شاهدا- إلا هذه الآية لكفى بها حجة (١). موقف الزمخشري من المسائل الفقهية: هذا، وإن الزمخشري- ﵀ يتعرض إلى حد ما، ودون توسع، إلى المسائل الفقهية التي تتعلق ببعض الآيات القرآنية وهو معتدل لا يتعصب لمذهبه الحنفي. فعند ما فسر قوله تعالى: .. إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ .. [البقرة: ٢٣٧] قال: والذي بيده عقدة النكاح الولي، يعني إلا أن تعفو المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة ما رآني، ولا خدمته، ولا استمتع بي، فكيف آخذ منه شيئا؟ أو يعفو الولي الذي يلي عقد نكاحهن، وهو مذهب الشافعي، وقيل: هو الزوج وعفوه أن يسوق إليها المهر كاملا، وهو مذهب أبي حنيفة، والأول ظاهر الصحة (٢). موقف الزمخشري من الإسرائيليات: ثم إن الزمخشري مقل من ذكر الروايات الإسرائيلية، وما يذكره من ذلك، إما أن يصوره بلفظ (روي) المشعر بضعف الرواية وبعدها عن الصحة، وإما أن يفوض

стр. 278

علمه إلى الله سبحانه، وهذا في الغالب يكون عند ذكره للروايات التي لا يلزم التصديق بها مساس بالدين، وإما أن ينبه على درجة الرواية ومبلغها من الصحة أو الضعف ولو بطريق الإجمال، وهذا في الغالب يكون عند الروايات التي لها مساس بالدين وتعلق به. فعند قوله تعالى: وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً [القصص: ٣٨] قال: روي أنه لما أمر ببناء الصرح، جمع هامان العمال حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير، فشيده حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، وكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه يبني، فبعث الله تعالى على جبريل ﵇ عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك، ويروى في هذه القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابه إلى السماء، فأراد الله أن يفتنهم، فردت إليه ملطوخة بالدم، فقال: قد قتلت إله موسى، فعندها بعث إليه جبريل ﵇ لهدمه والله أعلم بصحته. فهذه القصة صدرها الزمخشري لفظ (روي) المشعر بضعفها، وعقب عليها بقوله (والله أعلم بصحته) مما يدل على أنه متشكك في صحة هذه الرواية، مع أن القصة لا مطعن فيها ولا مغمز من ورائها يلحق بالدين، ولهذا اكتفى الزمخشري بما ذكر في حكمه عليها. ٢ - الرازي وتفسيره مفاتيح الغيب (٥٤٣ - ٦٠٦ ه ـ): هو فخر الدين محمد بن عمر بن الخطيب الرازي، عربي قرشي من سلالة أبي بكر الصديق ﵁. ولد في الري، ونشأ في البلاد الأعجمية وعاش فيها، استقرت أسرته في طبرستان، نسب إلى مدينة الري. وكما نسب إليها أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص، وكذلك أبو بكر بن زكريا الرازي عالم الطب والكيمياء.

стр. 279

تنقل الرازي- إمام التفسير- في الري وخراسان وخيوة وبخارى والعراق والشام، ثم سكن أخيرا في هراة في أفغانستان ومات فيها عام ٦٠٦ هـ. قال ابن خلكان: له اليد البيضاء باللسانين العربي والفارسي، برع في علوم كثيرة: علم التفسير والأصول والفقه والنحو والأدب، والفلسفة والطب والهندسة والفلك، ولكنه رأى أن أعظمها فائدة علوم القرآن والتفسير. منهجه في التفسير: لقد أثّرت علومه المكتسبة في رسم منهجه في التفسير: فعلمه في العلوم الرياضية والفلسفية والفلكية، قد جعلته يسهب في تفسير الآيات على ضوء هذه العلوم، فكثيرا ما نجده يرد على أقوال الفلاسفة والمتكلمين، وفي تفسير الآيات التي تتحدث عن النجوم تراه يتعرض لعلم الهيئة والفلك، وفي تفسير الآيات الكونية يتحدث عن العلوم الكونية بإسهاب لم تشهد له كتب التفسير مثيلا. وفي العلوم الشرعية: هو بحر في الأصول، فقد سبق وألف المحصول في علم الأصول وهذا ما نلحظه أحيانا في شرح قاعدة أصولية، بل يؤيد مذهبه الفقهي بالقواعد الأصولية. وهو عالم في الأدب والبلاغة، لذا نزع إلى إبراز هذا اللون تحت عنوان اللطائف القرآنية. وبالجملة فهو عالم في كل شيء، وضمن كتابه كل شيء، مما جعل بعض العلماء يصف تفسيره: «أن فيه كل شيء إلّا التفسير»، وقد دفع أبو حيان هذا القول وأنصفه قائلا: «جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير». والحق: أن تفسير الفخر فيه التفسير وفيه كل شيء. بقي أن نرد شبهة طالما أشكلت على العلماء قديما وحديثا: قال القاضي ابن شهبة: إن الفخر الرازي لم يتم تفسيره كما قال ذلك ابن خلكان في وفيات الأعيان (١).

стр. 280

وقد حكم ابن حجر أن الذي أكمل كتابه هو أحمد بن محمد المخزومي القمولي المتوفى سنة ٧٢٧ هـ (١). ويرى صاحب كشف الظنون أن الرازي قد فسر القرآن إلى سورة الأنبياء (٢). أما الذهبي فقد أشكل عليه هذا الأمر (٣) واضطرب في أقواله. أما الشيخ محمد ابن عاشور فقد حسم وجزم ودلل على نسبة كتاب التفسير كاملا إلى الإمام الفخر. ولست بصدد استقصاء ذلك، فمن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب التفسير ورجاله للمؤلف المذكور. ٣ - أبو حيان وتفسيره البحر المحيط: هو محمد بن يوسف ابن حيان الأندلسي الغرناطي، ولد بغرناطة سنة ٦٥٤ هـ يكنى «أبو حيان» ويلقب في المشرق بأثير الدين (٤). كانت له رحلات حصّل خلالها العلوم المختلفة، بعد أن تلقى أولويات علومه على شيوخ بلده، غادر الأندلس وتنقل في المغرب، ونزل مصر وأخذ عن علمائها، وتقدم في النحو ومسائله، وسمع الحديث في الإسكندرية، وقرأ كتاب سيبويه. أما شيوخه الذين أخذ عنهم في هذه المراكز العلمية المختلفة فيطول المقام بذكرهم، وقد ذكرهم المقري جميعا نقلا عن أبي حيان نفسه وغير واحد من العلماء وأصحاب الطبقات (٥). مكانته العلمية: لقد أجمع المؤرخون الذين ترجموا لأبي حيان على أنه كان نحوي عصره ومفسره، ولغويه، ومحدثه، ومقرئه، وأديبه.

стр. 281

قال الداودي نقلا عن بعض تلاميذه: «لم أره إلّا يسمع أو يشغل أو يكتب أو ينظر في كتاب، وكان عارفا باللغة والنحو والتصريف، فهو الإمام المجتهد المطلق فيهما، خدم هذا الفن أكثر عمره، حتى صار لا يدركه أحد في أقطار الأرض. منهجه في تفسير البحر المحيط: يقع هذا التفسير في ثمان مجلدات ضخمة، ألفه احتسابا لوجه الله تعالى، كما صرح في مقدمته، ما لمخلوق بتأليفه قصدت، ولا غير وجه الله به أردت (١). وقد قدم أبو حيان لكتابه بمقدمة قيمة صرح فيها بأن أهم المعارف علم كتاب الله، وأن غيره من العلوم أدوات له، ثم رسم لنا طريقته في تفسيره خطوة خطوة. عنايته باللغة والنحو: إن الباحث في تفسير أبي حيان يلحظ طابع الاهتمام والعناية باللغة والنحو والصرف، ولا عجب في ذلك، فإن ثقافة أبي حيان اللغوية والنحوية الواسعة التي شهد له بها العلماء، هي التي طغت على تفسيره، وجعلته مميزا بين كتب التفسير في طابعه اللغوي. هذا بالإضافة إلى أن البحر المحيط كان آخر تآليفه، الذي عكف عليه بعد أن بلغ أوج نضجه العقلي، وذروة استعداده الفكري، عقب أن استقرت به الحال، وحلت به عصا الترحال في مصر، وعين مدرسا للنحو والتفسير في قبة السلطان الملك المنصور (٢). والشواهد على اهتمامه في النحو أكثر من أن تحصى، ففي تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة: ٢٦]. قال: واختلف على نصب البعوضة على وجوه سبعة لا نطيل عليك بذكرها.

стр. 282

ومما هو جدير بالذكر، أن أبا حيان كان كثيرا ما ينقل عن الزمخشري وابن عطية بخاصة في المسائل النحوية، لكنه كان كثيرا ما يتعقبهما وينقدهما، ولكثرة هذه التعقيبات قام تلميذه تاج الدين أحمد بن عبد القادر باختصار البحر المحيط في كتاب أسماه (الدر اللقيط من البحر المحيط)، اقتصر في معظمه على ردوده على ابن عطية والزمخشري. عنايته بالقراءات المتواترة والشاذة: لقد ركز أبو حيان على علم القراءات باعتبارها أداة يحتاجها المفسر في تفسيره، وركيزة يقوم عليها تفسير كتاب الله لإظهار معانيه العظيمة، وما يشتمل عليه من دقيق الألفاظ وتناسبها، لقد صرح بذلك في مقدمة تفسيره، وهو يوضح ما يحتاجه المفسر إذا هو أقدم على هذه المهمة الخطيرة فقال: «الوجه السابع: اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقص، أو تغيير حركة، أو إتيان لفظ بدل لفظ، وذلك بتواتر وآحاد، ويؤخذ هذا الوجه من علم القراءات» (١). لذلك، فإننا نجده، إلى جانب اهتمامه بالعلوم اللغوية والنحوية، يبدي اهتماما بالغا بالقراءات المتواترة ويعتبرها في درجة واردة ومستنكرا الترجيح. قال أبو حيان: (وهذا الترجيح الذي يذكره بين القراءتين لا ينبغي، لأن هذه القراءات كلها صحيحة ومروية وثابتة عن رسول الله ﷺ ، ولكل منها وجه ظاهر حسن في العربية فلا يمكن ترجيح قراءة على قراءة» (٢). أما موقفه من الشاذ فإنه يتلخص في تضعيفها وردها والتنبيه عليها. اهتمامه بالأحكام الفقهية: لقد عرض أبو حيان للمسائل والأحكام الفقهية ولكن بقدر، فكان يذكر الأحكام الواردة في بعض الآيات، دون ذكر أدلة الأحكام، أو مناقشتها، أو ردها، أو

стр. 283

ترجيحها، وإن كان ينوه بذلك أحيانا، على أنه كان يحيل القارئ لينظر هذه الأدلة والحجج في كتب الفقه ومصنفاته (١). موقفه من الإسرائيليات والرد على الفرق: لقد أدرك أبو حيان خطر الروايات الإسرائيلية، لأنها لا تقوم على سند صحيح، ولم يوافقها نص من الكتاب ولا من السنة الصحيحة، فسلك في كتابه البحر المحيط مسلكا عني فيه بالتنبيه على الكثير منها، والإشارة إلى ضعفها وفسادها، وحذر القارئ من الاغترار بها وتصديقها، ودعا إلى تركها. صرح بذلك في مقدمة تفسيره، فقال: «إن الحكايات التي لا تتناسب والتواريخ الإسرائيلية لا ينبغي ذكرها في علم التفسير» (٢). فقد ضرب صفحا عن الإسرائيليات، مشيرا إلى بطلانها وتفاهتها، وكان أحيانا يذكرها بإيجاز ثم يتصدى لها بالرد مظهرا زيفها، مشيرا إلى ما تقوم عليه من خرافات وأباطيل، لا تتفق مع العقل السليم والنظر السديد، فضلا عن أنها تتنافى مع العقيدة وعصمة الأنبياء، ثم ينوه في آخر الأمر إلى أن سبب ذكرها هو التحذير منها، وعدم الوقوع في شراكها، والأدلة كثيرة على هذا الموقف، ففي تفسيره قوله تعالى: .. وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ .. [البقرة: ١٠٢]. ردّ ما أثير حول الملكين وما جرى بينهما، وما إلى ذلك من القصص فقال: «وقد ذكر المفسرون قصصا فيما يعرض من المحاورة بين الملكين، وبين من جاء ليتعلم منهما، ومن تلك القصص: أنهما يأمران بأن يبول في تنور، فاختلفوا في الإيمان الذي يخرج منه أيرى فارسا مقنعا حتى يغيب في السماء، أم نورا خرج من رماد يسطع حتى يدخل السماء، أو طائرا خرج من بين ثيابه وطار نحو السماء، وفسروا ذلك الخارج بأنه الإيمان، وهذا كله شيء لا يصح البتة، فلذلك لخصنا منه شيئا وإن كان لا يصح حتى لا نخلي كتابنا مما ذكر» (٣).

стр. 284

المثال الثاني: وهو مما أضرب عنه وأسقطه، لأنه يتنافى مع عصمة الأنبياء عند تفسير قوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ [ص: ٢١]. قال أبو حيان: «وذكر المفسرون في هذه القصة أقوالا لا تتناسب مع مناصب الأنبياء فضربنا عن ذكرها صفحا وتكلمنا على ألفاظ الآية» (١). هذا ومع شدة حذر أبي حيان تجاه الإسرائيليات والاحتياط من مغبة الوقوع فيها، إلّا أن تفسيره لم يخل منها، وهذا يعني أنه نقلها عن غيره من المفسرين، أو غفل عن ردها، أو تضعيفها (٢). رده على الفرق الإسلامية: إن أبا حيان يمثل الاتجاه السلفي، ويثبت عقيدة أهل السنة والجماعة في نفي الشبه والمكان والجسمية. ففي قوله تعالى: بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [المائدة: ٦٤]، قال: «معتقد أهل الحق أن الله تعالى ليس بجسم ولا جارحة ولا يشبّه بشيء من خلقه، ولا يكيف ولا يتحيّز وكل هذا مقرر في علم أصول الدين» (٣). ومما رد به على الفرق أيضا، وأثبت عقيدة أهل السنة والجماعة، عند تفسير قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [البقرة: ٢٦]. قال: «وأهل السنة يعتقدون أن الله مريد بإرادة واحدة أزلية موجودة بذاته، والقدرية والمعتزلة والنجارية والجهمية وبعض الرافضة نفوا الصفات التي أثبتها أهل السنة (٤).

стр. 285

رحم الله أبا حيان فقد دافع في كتابه عن الإسلام، وما رأيت مفسرا أعظم منه في دفاعه عن القراءات القرآنية، ولا أعظم منه في رده على المفسرين من الفرق الأخرى كالزمخشري وغيره جزاه الله خيرا. ثالثا: التفسير الإشاري هو تأويل القرآن بغير معناه الظاهري الذي يدل عليه، مثل تفسير كثير من الصوفية والوعاظ والفقهاء الذين يفسرون القرآن بمعان صحيحة في نفسها ولكن القرآن لا يدل عليها (١). فهذا لا يحق أن يسمى تفسيرا وهو خطأ في الدليل وإن كان المدلول صحيحا. قال الزركشي: كلام الصوفية في تفسير القرآن ليس بتفسير، وإنما هو معان ومواجيد يجدونها عند التلاوة، كقول بعضهم في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [التوبة: ١٢٣] إن المراد النفس. يريدون أن علة الأمر بقتال من يلينا هي القرب، وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه (٢). واعلم أن تفسير الألفاظ القرآنية بغير ظواهرها لا يخلو من حالين: ١ - إذا كان العدول عن ظاهر اللفظ لمعان باطلة كالذي يدعيه أهل الباطل من باطنية وغيرها هو إلحاد، ولعله المراد من قول ابن الصلاح في فتواه، إنه كفر لأنه خطأ في الدليل والمدلول معا. ٢ - وإذا كان العدول عن ظاهر اللفظ ولكن إلى معنى صحيح في ذاته فلا يصح تسميته تفسيرا، لأن التفسير هو إمعان النظر في مراد الله من هذا اللفظ، وما لا يحمله اللفظ لا يعد تفسيرا بحال من الأحوال، لأنه سلب للفظ القرآن لما دل عليه وأريد به. ولعل هذا مراد الذي وصف تفسير الرازي أنه ليس بتفسير، لما رآه من أقوال للصوفية أحيانا، ولعلماء أهل الكلام تارة أخرى.
следующие страницы →