ب- محمد بن كعب القرظي المدني ثم الكوفي سنة ١١٨ هـ (١).
ج- زيد بن أسلم المتوفى سنة ١٣٦ هـ، وقد أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن زيد ومالك ابن أنس إمام دار الهجرة (٢).
٣ - مدرسة العراق:
وقد تلقى الكثير منهم عن عبد الله بن مسعود ﵁:
ومن هؤلاء:
أ- مسروق بن الأجدع الكوفي المتوفى سنة ٦٣ هـ.
ب- قتادة بن دعامة السدوسي البصري المتوفى سنة ١١٧ هـ، وقد وثقه أئمة الجرح والتعديل كيحيى بن معين.
ومن التابعين:
أ- أبو سعيد الحسن البصري المتوفى سنة ١٢١ هـ.
ب- مرة الهمذاني من الكوفة.
هؤلاء هم أشهر التابعين في سائر الأمصار، وعنهم أخذ تابعو التابعين كسفيان ابن عيينة المتوفى سنة ١٩٨ هـ، ووكيع بن الجراح المتوفى سنة ١٩٧ هـ، وشعبة بن الحجاج المتوفى سنة ١٦٠ هـ، وسفيان الثوري المتوفى سنة ١٦١ هـ، ويزيد بن هارون المتوفى سنة ٢٠٦ هـ، وروح بن عبادة المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني (شيخ البخاري) المتوفى سنة ٢٢١ هـ، وإسحاق بن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨ هـ، وآدم بن أبي إياس العسقلاني المتوفى سنة ٢٢٠ هـ.
تدوين التفسير:
بقي علم التفسير مفرقا ومنثورا في أحاديث متفرقة، فيروي الصحابي أو التابعي تفسير الآية دون أن يرتب ذلك في باب أو كتاب، ولم يرد إلينا كتاب في التفسير
стр. 212
يفسر لنا القرآن سورة سورة، وآية آية، كما هي مرتبة في المصاحف، أما ما روي أن ابن عباس قد فسر القرآن في تنوير المقباس، فإن هذا لم تصح نسبته إلى ابن عباس، وقد ردّ هذا الزعم ردا علميا صحيحا في رسالة دكتوراه.
والذي يروي لنا أن الفراء المتوفى سنة ٢٠٧ هـ هو أول من قام بتفسير القرآن سورة سورة وآية آية. قال ابن النديم في كتابه الفهرست: (إن عمر بن بكير كتب إلى الفراء أن الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا، أو تجعل في ذلك كتابا أرجع إليه فعلت).
فقال الفراء لأصحابه: اجتمعوا حتى أملّ عليكم كتابا في القرآن، وجعل لهم يوما، فلما حضروا خرج إليهم، وكان في المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس في الصلاة، فالتفت إليه القراء فقال له: اقرأ بفاتحة الكتاب، ففسّرها ثم توفّى- أي استوفى- الكتاب كلّه، يقرأ الرجل ويفسر الفراء. فقال أبو العباس ثعلب: (لم يعمل أحد قبله مثله، ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه) (١).
стр. 213
المبحث الثالث مصادر التفسير
أعني بالمصادر هنا تلك المراجع التي يرجع إليها المفسرون من كتاب أو سنة وأقوال الصحابة وآراء للسلف في تفسيرهم القرآن الكريم، وذلك بغض النظر عن الاتجاه الذي اتجهه كل واحد منهم في تفسيره.
المصدر الأول القرآن الكريم
ويعتبر أهم مصادر التفسير على الإطلاق، بل هو أحسن وأصح الطرق أن يفسر القرآن بالقرآن، كما قال ابن تيمية (١).
فإذا أردنا أن نعرف معنى آية فعلينا أن نطلب أول ما نطلب تفسيرها من القرآن نفسه، لأن القائل أحق من غيره في تفسير قوله عقلا، فإذا ما وجدنا وتنازعنا في فهم آية رددناها إلى آية أخرى تفسرها: .. فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ .. [النساء: ٥٩].
كيف تتم عملية تفسير القرآن بالقرآن:
يشتمل القرآن على المجمل والمبين وعلى المطلق والمقيد. وعلى العامّ والخاصّ، فما أوجز في مكان قد يبسط في مكان آخر، وما جاء مطلقا قد يلحقه التقييد في موضع آخر، وما جاء عاما في آية قد يلحقه التخصيص في آية أخرى.
فإذا أردنا أن نفسر آية من كتاب الله، علينا أن نجمع الآيات المتشابهة في الألفاظ أو في المعاني.
стр. 214
نوضح هذا بمثال من سورة الفاتحة بقوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤].
فقد ورد تفسيرها في سورة الانفطار: يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ ١٥ وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ ١٦ وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ١٧ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ١٨ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار: ١٥ - ١٩].
فالله هو مالك يوم الدين، الذي لا يملك فيه أحد شيئا، لأن الأمر كله إليه.
وفي سورة الفاتحة أيضا: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ٦ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٦ - ٧].
وجدنا تفسير صراط الذين أنعم الله عليهم من القرآن نفسه، وذلك في سورة النساء: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ .. [النساء: ٦٩] (١).
ويقع في الخطأ والغلط من يفسر الآية القرآنية بمدلولها المتبادر إلى الذهن لأول وهلة، دون تأمل وتدبر لمعانيها في القرآن الكريم.
انظر إلى من فسر قوله تعالى في سورة الصافات: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ ..
[الصافات: ٢٢]. فقال: احشروا الظالمين وزوجاتهم، أي رجالا ونساء.
فلو تدبر الألفاظ القرآنية في كلمة الزوج لوجدها قد استعملت في معان ثلاثة (٢).
- فالأزواج بمعنى الحلائل للرجل وامرأته، فذلك كقوله تعالى: وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: ٢٥]. يعني بالأزواج: الحلائل في الآخرة، أما الأزواج بمعنى امرأة الرجل فقوله تعالى: وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ ..
[النساء: ١٢]، أي: زوجاتكم في الدنيا بعد موتهن.
- والأزواج بمعنى الأصناف فذلك كقوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ .. [يس: ٣٦]، أي: الأصناف من كل صنف من النبت.
стр. 215
- والأزواج يعني القرناء فالزوج هنا يعني القرين أو النظير أو الشبيه، ولا شك في أن هذا هو المعنى المناسب لقوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ ..
[الصافات: ٢٢]. أي: احشروا الظالمين وقرناءهم في جهنم، فهذا الأنسب، وهو زيادة في حسرتهم وندامتهم، كما قال بعض المفسرين: يحشر الزناة مع الزناة، وشاربو الخمر مع شاربيها.
وبعيد كل البعد، وغريب كل الغرابة، أن يحشر كل ظالم مع زوجته، وإلّا قلنا بحشر فرعون مع زوجته- وشتان بينهما- هو من أهل السعير، وهي من أهل النعيم.
ومما يجب على من يفسر القرآن بالقرآن أن يعلم أنّ القرآن لا يختلف بعضه مع بعض، فهذا الوهم يوقعه في الخطأ والاضطراب.
مثال ذلك الآيات القرآنية الكثيرة التي تذكر أطوار خلق الإنسان؛ فآية تذكر أن آدم خلق من تراب، ومرة تذكر خلق الإنسان من ماء، ومرة من طين، ومرة من حمأ مسنون، ومرة من صلصال، فلا تعارض بين هذه الآيات، إذ هي تتحدث عن الأطوار التي مر بها خلق الإنسان.
أظهر صور تفسير القرآن للقرآن:
١ - لعل أظهر هذه الصور ما تراه في قصص القرآن الكريم، فقد نجد القصة الواحدة قد ذكرت في مواضع متفرقة، وفي سور عديدة، فلنأخذ جزءا يسيرا من قصة إبراهيم التي ذكرت في سور متعددة، ولنتناول قصة ضيوفه ﵇، قال تعالى في سورة الذاريات: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ٢٤ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ٢٥ فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ٢٦ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ ٢٧ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً .. [الذاريات: ٢٤ - ٢٨].
وفي سورة هود ذكر الله لنا ما يفسر لنا هذه الآيات: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ٦٩ فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ٧٠ وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٦٩ - ٧١].
стр. 216
فتدبر هذه الآيات، وانظر كم هي المواطن والمواضع التي فسرتها بأجلى تفسير وأوضح بيان.
ومثال قصة إبراهيم ما نقرأه كثيرا عن قصة آدم، في كثير من السور القرآنية، ولا غنى لنا في معرفة القصة بكاملها إلّا بجمع الآيات بعضها مع بعض، حتى تكون عندنا الصورة الشاملة، والتفسير الكامل لهذه القصة القرآنية.
٢ - ومن صور تفسير القرآن بالقرآن: ما ذكره السيوطي في تخصيص عام القرآن بالقرآن قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ .. [البقرة: ٢٢٨]. خصّ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ [الأحزاب: ٤٩]. وبقوله تعالى: .. وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ .. [الطلاق: ٤].
وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ .. [النور: ٢]. خص بقوله تعالى: .. فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ .. [النساء: ٢٥].
٣ - وتقييد مطلق القرآن بالقرآن: مثل قوله تعالى وقد أطلق الشهادة في البيوع:
.. وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ .. [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: .. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ .. [النساء: ٦].
فقد قيد هذا المطلق- وهو الشهادة- بآية أخرى اشترطت العدالة في الشهود:
.. وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ .. [الطلاق: ٢].
ومثال ذلك أيضا إطلاق الآيات ميراث الزوجين، ثم قيدت ميراثهما بقوله تعالى: .. مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ .. [النساء: ١١]، وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ [النساء: ١٢] وقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ [النساء: ١٢].
٤ - ومن تفسير القرآن بالقرآن: بيان المجمل ومنه قوله تعالى: .. لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ .. [الأنعام: ١٠٣] فسرتها الآية الكريمة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ٢٢ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
стр. 217
عن عكرمة أنه قيل له عند ذكر الرؤية: أليس قد قال الله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ؟
قال: ألست ترى السماء، قال: بلى، قال: أفكلها ترى؟
ومن ذلك قوله تعالى: .. أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ..
[المائدة: ١]. فسره قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ .. [المائدة: ٣].
٥ - القراءات القرآنية: ذكرنا أهم صور تفسير القرآن بالقرآن، وقد أفردنا صورة مهمة منها ألا وهي القراءات القرآنية والتفسير، والتي تعدّ من تفسير القرآن بالقرآن وذلك بشروط واعتبارات معينة منها:
أن كثيرين ممن يتصدون للحديث في مثل هذا النوع حين يضربون له المثال، يعمدون إلى طائفة من القراءات الشاذة، التي لا تصلح في شيء من معايير التحقيق الواجب الأخذ به، ولا سيما في نحو هذا المجال المهم من العلم والدين، أن يعد شيء منها من القرآن أصلا حتى يصلح أن يقال فيه: إنه من تفسير القرآن بالقرآن.
نقول: يعمدون إلى طائفة من هذا النوع فيأخذونه مثالا لما هو تفسير قراءة لأخرى، ولو لزموا الجادة وسلكوا السبيل المستبين لأبعدوا هذا النوع مما نحن فيه بالكلية، وسلكوه فيما هو من قبيل التفسير بالسنة، أو بما هو من أقوال الصحابة- رضوان الله عليهم- فإن هذا هو التحقيق الذي لا مرية في صحته لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، على ما اختاره المحقق السيوطي وغيره.
المصدر الثاني سنة الرسول ﷺ
ليس في القرآن نفسه ما يبين جميع القرآن، فتفسير القرآن للقرآن قدر يسير، فما بقي من القرآن الذي لم يتناوله بيان القرآن بحاجة إلى بيان، لا تكفي اللغة والعقل إلى بيانه البتّة، فلا يمكن- لغة ولا عقلا- تفصيل المجمل الذي جاء في فرض الصلاة، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ .. [البقرة: ٤٣] لا يمكن فهم المراد منه إلّا بوحي سماوي
стр. 218
عن طريق الرسول ﷺ ، فلا يمكن للغة ولا لعقل أن يأتي بشيء فضلا عن أن يستقل به، ومن ثم كان لا بد من الرجوع إلى البيان منه إلى الرسول ﷺ كما رجع إليه الصحابة- رضوان الله عليهم- لذا فإنا نؤيد العلماء (١)، فيما نقدوا لابن خلدون قوله:
(إن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه) (٢).
وأقرب دليل على خطأ ابن خلدون ما نشاهده اليوم من الكتب المؤلفة على اختلاف لغاتها، وعجز كثير من أبناء هذه اللغات عن فهم كثير مما جاء فيها بلغتهم، إذ الفهم لا يتوقف على معرفة اللغة وحدها، بل لا بد لمن يفتش عن المعاني ويبحث عنها من أن تكون له موهبة عقلية خاصّة، تتناسب مع درجة الكتاب وقوة تأليفه (٣).
يقول الدكتور سيد أحمد خليل (٤): إن هذا التعميم من ابن خلدون في مقدمته، فيه شيء من المجازفة التي لا يقرها تاريخ التفسير نفسه، لذا استدرك ابن خلدون بعد هذه العبارة قائلا: إن في القرآن نواحي في حاجة إلى البيان، فقد كان النبي ﷺ يبين المجمل، والناسخ والمنسوخ يعرفه أصحابه فعرفوه، وعرفوا سبب نزول الآيات ومقتضى الحال منقولا عنه.
فهذا إقرار من ابن خلدون بأن فهم اللغة غير كاف لمعرفة تفسير القرآن الكريم، بل لا بد من الرجوع إلى النبي ﷺ لفهم المعاني الأخرى التي يتعذر معرفتها بدونه ﷺ ، ثم إن ابن خلدون نفسه قد ساق قصة وردت في صحيح الإمام البخاري أن عديّ ابن حاتم لم يفهم قوله تعالى: .. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ .. [البقرة: ١٨٧] (٥). وساق قصته المعروفة.
стр. 219
على أن ابن قتيبة وهو سابق لابن خلدون (من علماء القرن الثالث الهجري) قد قال القول السديد في هذه القضية: (إن العرب لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب والمتشابه، بل إن بعضها يفضل في ذلك على بعض) (١).
بذلك يتبين لنا أن القرآن الكريم تبينه السنة النبوية، ولا يكفي في فهمه إدراك اللغة العربية وحدها.
القدر الذي بينته السنّة من القرآن:
هذا الموضوع مما تعددت فيه الأقوال واضطربت فيه الأفهام، فقال فريق من العلماء: إن الرسول ﷺ لم يبين إلّا آيات قلائل، هذا القول ساقط من الاعتبار؛ لضعف سنده أولا، ومخالفته لأبسط البدهيات الشرعية والعقلية معا، وفي المقابل لهذا الرأي نسب السيوطي ومحمد حسين الذهبي إلى أن ابن تيمية من الفريق القائل بأن النبي ﷺ قد فسر كل القرآن، وذلك فهما من كلامه الذي سنورده لك، ونترك القارئ مع الدكتور إبراهيم خليفة وهو يرد على السيوطي والأستاذ الذهبي فهمهما.
يقول الدكتور إبراهيم رئيس قسم التفسير في كلية أصول الدين بالأزهر: حسما للخلاف لا بد من ذكر ما قاله ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير:
(فصل في أن النبي ﷺ بين لأصحابه معاني القرآن)
يجب أن يعلم أن النبي ﷺ بيّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى: .. لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ .. [النحل: ٤٤]. يتناول هذا وهذا.
وقد قال أبو عبد الرحمن السّلمي (٢): حدثنا الذين كانوا يقرءوننا القرآن- كعثمان ابن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما- أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات
стр. 220
لم يجاوزها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.
وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ في أعيننا.
وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين، قيل: ثمان سنين. ذكره مالك، وذلك أن الله تعالى قال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ .. [ص: ٢٩]، وقال:
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ .. [النساء: ٨٢] (١). وقال: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ .. [المؤمنين: ٦٨].
وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن.
وكذلك قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢].
وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام المقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.
وأيضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فنّ من العلم، كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى، الذي هو عصمتهم وبه ونجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم وديناهم. انتهى كلام ابن تيمية (٢).
مناقشة الأدلة التي استشهد بها القائلون بشمول البيان النبوي:
١ - لقد استدلوا بقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤].
فقالوا: إن هذه الآية تفيد بأن على الرسول ﷺ أن يبين جميع ألفاظ القرآن ومعانيه، فكلمة «ما» في قوله تعالى: ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ من صيغة العموم، فتشمل جميع ما يندرج تحتها من ألفاظ القرآن ومعانيه، ما لم تقم قرينة على التخصيص ببعض ذلك، ولا قرينة هنا فيجب الحمل على العموم الشامل لجميع الألفاظ والمعاني.
стр. 221
نقول لهم: إن القرينة المخصصة للعموم موجودة، فبعد عشرين آية من هذه الآية وفي السورة نفسها ورد قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ .. [النحل: ٦٤].
فلا يتم التفسير الصحيح ولا الفهم السديد إلّا بجمع الآيتين، لأن خير من يفسر القرآن هو القرآن ذاته.
فالبيان المطلوب من النبي ﷺ هو توضيح ما خفي على الصحابة، وما استشكلوه واختلفوا فيه، وليس بمطلوب منه ﷺ بيان ما لم يخف، فإن واقع أمر القرآن، وأمر ما نزل بلسانهم، أن فيه كثيرا من البيان، بل بديهة البيان بنفسها بالنسبة لكل ذي حظ من معرفة هذا اللسان، فضلا عن أهله الخلّص، فلا يسيغ
بالمنطق مع هذا أن يقوم النبيّ ﷺ ببيان هذه الجليات.
أما استدلالهم بأن الصحابة كانوا لا يجاوزون ما تعلموه من القرآن حتى يتعلموا ما فيها من العلم، فليس في هذا الأثر وجه لاستدلالهم على أن النبي ﷺ فسّر لهم جلّ القرآن كلمة كلمة وآية آية، لأن الأثر يحكي ما كان حال العلم وطلبه والاهتمام به والعمل بمقتضاه في عهد النبي ﷺ ، وقد يكون بالرجوع إليه ﷺ ، وقد يكون بالرجوع إلى اللغة .. قال القرطبي عن هذا الحديث: إنه حكاية ما كان عليه العلم وطلبه (١).
وقال المرحوم أحمد شاكر: فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير، فليس في الأثر ما يفيد أن النبي ﷺ فسر لهم جميع القرآن.
أما الدليل الثالث: فهو أن العادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله، فإن هذا الدليل العقلي لا يتعارض مع كون النبيّ ﷺ بيّن كلّ شيء تحتاجه الأمة، ولم يبين ما هو معروف بالضرورة وباللغة. ولا يمكن أن يشرح ما لا يشكل فهمه ولا يشتبه أمره، فإن طلب شرح مثله ضرب من العبث واستنفاد الوقت والجهد من غير طائل، فيجب أن يتنزه عن ذلك من له أدنى حظ من سلامة العقل وسداد منطقه، فضلا عن الصحابة، عليهم رضوان الله، في سداد رأيهم ووفرة علمهم.
стр. 222
وبعد فلقد آن الأوان لمعرفة مقدار ما فسّره النبي ﷺ من القرآن، بعد أن تبين لنا فساد القول بأنه ﷺ قد فسّر جميع القرآن، بل فساد فهم نسبة هذا القول لابن تيمية، رحمه الله تعالى، وأن الإمام السيوطي وأستاذنا الذهبي لم يحالفهما التوفيق في هذا الفهم السقيم، لذا رأينا السيوطي يتدارك ذلك فيما بعد.
كما أن تفسير النبي ﷺ لأكثر القرآن هو قول بعيد عن الواقع، لأن المدون من تفسيره ليس كثيرا بل هو قليل.
نعم لو توسع متوسع في معنى البيان، حتى يجعله شاملا للأحكام التي زادتها السنة على ما في القرآن، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وتحريم الحمر الأهلية وكلّ ذي ناب من السباع، والقضاء بشاهد ويمين، وغير ذلك، بل يجعله شاملا للسنة بأسرها كما قال الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن.
أقول: لو توسعنا في معنى البيان- بمثل هذا- لكان مقدار التفسير كثيرا بل يزيد على حجم القرآن.
ولكن إن أردنا التفسير بالمعنى المراد عند علماء الحديث، حين دونوا الحديث، وجعلوا فيه بابا للتفسير، فإن التفسير قليل لا يتجاوز المذكور في كتبهم «وهو قليل جدا، بل أصل المرفوع منه في غاية القلة» كما يقول السيوطي (١)، الذي وعد عد بسردها في آخر كتاب الإتقان، وقد وفّى هذا الحافظ- ﵀ وأوردها بما لا مزيد عليه، حيث أورد جميع تفسير النبي ﷺ الله عليه وسلم الثابت في كتب الصحاح والسنن، وكان نزرا يسيرا وبه لا يصح دعوى أستاذنا الذهبي أن التفسير كان كثيرا.
هذا ما انتهى إليه بحثنا في المقدار الذي فسره النبي ﷺ من القرآن، وهو قليل، ولكنه ليس قليلا بالغا من القلة آيات تعد على أصابع اليد الواحدة ثلاث أو أربع آيات، استنادا إلى الحديث المروي عن عائشة «لم يكن النبيّ ﷺ يفسر شيئا من القرآن إلا آيات تعدّ، علمهن إياه جبريل». فإن هذا الحديث منكر، كما قاله غير واحد من الحفاظ وأعلام الجرح والتعديل، لأن من رواته جعفر بن محمد الزبيري
стр. 223
قال البخاري: لا يتابع في حديثه. ولقد أورد الطبري هذا الحديث ثم تولى بنفسه بيان فساده حيث قال: إنه ممن لا يعرف في أهل الآثار. من أجل ذلك ضربنا صفحا عن ذكر أدلة القائلين بأن النبي ﷺ لم يفسر من القرآن إلا آيات تعد. بل على حد زعمهم آيات تعد على أصابع اليد الواحدة.
بذلك يبقى القول أن النبي ﷺ قد فسر من القرآن الشيء القليل، إلى الحد الذي اعترف به شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه بذلك، ونقله عن أحد أفذاذ أئمة السنة ومبرزي أعلامها رواية ودراية، أعني إمام السنة أحمد بن حنبل، إذ يقول شيخ الإسلام في مقدمته في أصول التفسير: (ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم، ولهذا قال الإمام أحمد: «ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازي» ويروي «ليس لها أصل» أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل» اهـ. (١)
قال شمس الدين الخويني ﵀: (وأما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا بأن يسمع من الرسول ﷺ ، وذلك متعذر إلا في آيات قلائل .. ) إلخ.
ومما يؤيد هذا الرأي: أن المطلع على كتب التفسير بالمأثور، يستطيع أن يرى بيسر وسهولة أن آراء المتحدثين في التفسير من الصحابة تتعدد، وقد تختلف إلى حد التنافر، وعدم إمكان الجمع بينها أصلا، وقل مثل هذا إن لم يكن أكثر منه بالنسبة لآراء التابعين في التفسير، ولا يصح في عقل عاقل أن يقع مثل هذا الاختلاف من الصحابة، ثم من التابعين لو جاء البيان من قبله ﷺ لجميع التنزيل جملة وتفصيلا.
ثمّ إنه لو كان بيان من قبله ﷺ لجميع القرآن أو أكثره؛ لكان حفظة العلم وحملة الشريعة من أصحاب النبي ﷺ ، أحرص الناس على نقله لمن بعدهم من التابعين، ولكان لهؤلاء التابعين أيضا مثل هذا الحرص على نقله إلى من بعدهم من أتباع التابعين، وهلم جرا حتى ينقله إلينا ثقاة الحفاظ الجامعين لعلم السنة
رواية ودراية، فإن هذا
стр. 224
لمن المهمات التي تتوافر الدواعي على نقلها، والعلم بها للقاصي والداني، كيف لا وهو بيان أول مصادر الشريعة، وأعظم أصول الدين، ولو كان هذا ما رأينا مثل هذا الحشد الضخم من التفسير بالرأي الذي نهض به أكابر علماء الأمة وأعلامها، وحفلت به كتبهم، مع إجماع أهل الحل والعقد منها في كل زمان إلى يومنا هذا، على صحة كثير من تفسيرهم ذلك، وعدم النكير على صنيع أصحابه، فلو عرف هؤلاء الأعلام مثل هذا البيان، فما كانت حاجتهم بعده إذا إلى إضاعة الكثير من وقتهم وجهدهم في تصنيف هذه التفاسير، اللهم إلا أن يرضى عاقل لنفسه اتهام أعلام الأمة ونقلة دينها بركوب العبث، ومخالفة النبي ﷺ ، وأخيرا فإن هذا هو رأي أئمة التفسير كالبيضاوي والشوكاني وغيرهم.
المصدر الثالث أقوال الصحابة
بعد أن بسطنا القول في تفسير القرآن بالقرآن، وفي تفسيره بالسنة جاء أوان القول إذا لم نجد التفسير في القرآن أو في السنة فإن المصدر الثالث في الأهمية هو أقوال الصحابة رضوان الله عليهم.
والذي يجب الانتباه إليه التفريق بين أقوال الصحابة، فإن أقوال الصحابة في الأمور التي لا مجال للرأي فيها تعطى حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، كحديث الصحابة عن سبب النزول، هذا هو الشرط الأول في اعتبار قول الصحابي له حكم المرفوع، أما الشرط الثاني فقد نبه إليه علماء الحديث وهو: أن لا يكون من صدر عنه مثل ذلك القول من الصحابة قد عرف بالأخذ عن بني إسرائيل في بعض الأحيان طبعا، وإلّا لم يعط حكم المرفوع؛ لاحتمال أن يكون من منقولاته عنهم (١)، وبعبارة أوضح، أن لا يحتمل أن يكون لقوله صلة بما عند بني إسرائيل، تلقى في النفس احتمال أن يكونوا هم الأصل في العلم به.
стр. 225
أما إذا قال الصحابي برأيه في القرآن، فينبغي التحاكم إليهم فيما هو بلسانهم، لأن أكثرهم عرب خلّص، ولهم من الفهم السليم والرأي السديد ما ليس لسواهم، فهم لذلك أحقّ من غيرهم في الأخذ بقولهم وفهمهم. وما يجدر ذكره أن أغلب ما ثبت من اختلاف الصحابة، بل السلف في التفسير، هو ما يتبين فيه وجه الصواب، بل مما يمكن فيه الجمع بين الأقوال المختلفة، والأخذ بها جميعا، وكذلك فإن غالب ما ثبت عنهم في ذلك إنما يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد، على ما بين ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير. فلقد عقد في ذلك فصلا في اختلاف السلف في التفسير وأنه اختلاف تنوع.
ولا يفوتنا أن ننبه إلى خطأ من فهم من كلام ابن تيمية، وهو أن كل خلاف الصحابة هو اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد، ثم أخذ يدلل على هذا الكلام.
والحقيقة أن كلام ابن تيمية لا يفيد هذا المعنى، وكأن الذي ورطه في هذا الفهم السقيم، هو العنوان الذي وضعه ابن تيمية حيث قال: (فصل في اختلاف السلف وأنه اختلاف تنوع)، ولكنه لو أتم قراءة ما تحت هذا العنوان لوجد الرأي الصحيح والفهم السديد لكلام ابن تيمية، حيث قال بعد سطرين:
(وغالب ما يصح عنهم في الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد).
لاحظ كلمة غالب، وليس كل، فالاختلاف في غالبه لا جميعه هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، كيف لا وقد وجد اختلاف تضاد بين الصحابة رضوان الله عليهم، بل وقع اختلاف التضاد بين أكبر علمين من الصحابة في التفسير، وهما عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، فقد روي عن عبد الله بن عباس في تفسير قوله تعالى:
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣]. قال ابن جرير: عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ رأى ربّه بقلبه (١) كما روى عن ابن عباس أيضا أنه قال: «أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ﷺ (٢).
стр. 226
وقد قال أبو ذر بقول ابن عباس، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربّك؟ قال: «نور أنّى أراه» (١) وذهب جميع الصحابة، ابن مسعود وأبو هريرة وعائشة ﵃ وغيرهم في تفسير الآية وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى بأن النبي ﷺ قد رأى جبريل روى ذلك الإمام البخاري عن ابن مسعود من وجهين:
الأول موقوف عليه، والثاني روي عنه مرفوعا إلى النبي ﷺ (٢).
وقد أورد كثير من المفسرين (٣) آراء الصحابة في هذه المسألة، ورجحوا قول عبد الله بن مسعود- ﵁ فيها من أن محمدا رأى جبريل ﵇، ودلل ابن
القيم على ما قاله ابن مسعود وقد أسهب فيه إسهابا مفيدا يحسن الرجوع إليه.
موقفنا من اختلاف الصحابة في التفسير:
إذا تقرر لدينا أن الصحابة- رضوان الله عليهم- قد اختلفوا في تفسير بعض الآيات فإنه ينبغي النظر في هذا الخلاف:
- فإذا كان الاختلاف في القول مرويا عن صحابي واحد، فالقول فيه ما قاله صاحب البرهان ﵀: «فأما إذا لم يكن الجمع بأي من قوليه، فالمتأخر من
стр. 227
القولين عن الشخص الواحد مقدم عنه إن استويا في الصحة، وإلّا فالصحيح هو المقدم» (١).
مثاله ما روي عن ابن عباس في جواز نكاح المتعة ثم رجوعه عنه.
- وأما إن كان ذلك مرويا عن أكثر من واحد، قدم منه ما كان عن رءوس القوم وأكابرهم من أمثال ابن عباس ﵄ في التفسير، وزيد بن ثابت في الفرائض، وأبيّ بن كعب في القراءات، وهلم جرا، ذلك أن منطق العقل أن الخطأ من هؤلاء أقل بكثير من خطأ من دونهم.
- وأما إذا لم يكن الخلاف مطلقا، بل كان الإجماع فلا شك أنه يحرم الخروج عن إجماعهم، لأن إجماعهم على أمر له قوة الدليل من القرآن والسنة.
المصدر الرابع الرأي أو الاجتهاد
أخّرت ذكر هذا المصدر للخلاف في اعتباره مصدرا من مصادر التفسير، ولأنه المصدر الأخير الذي يرجع إليه حين لا نجد للآية تفسيرا في المصادر السابقة.
وأطلقت على هذا المصدر الرأي أو الاجتهاد، لأن المقصود من الرأي ليس مجرد الرأي، وإنما المقصود هو الاجتهاد، إذ التفسير بالرأي لون من ألوان الاجتهاد.
إن الخلاف في التفسير بالرأي قد وقع بين الأقدمين والمحدثين، وقد حاول المحدثون أن يجعلوا الخلاف شكليا، كما قال أستاذنا الذهبي: «إن الخلاف لفظي لا حقيقي» ووافقه الأستاذ فائد، ومن قبلهما قال الشيخ الزرقاني ﵀ مثل قولهما- ويمكن أن يجعل الخلاف لفظيا (٢).
стр. 228
ويبدو أن أصحاب هذا الرأي لم يحالفهم الصواب في الجمع بين القولين، فجعلوا الخلاف لفظيا لا حقيقيا، مع أن الخلاف على ما سيظهر لك جوهري، وهاك أقوال المجيزين والمانعين للتفسير بالرأي.
أدلة المجيزين للتفسير بالرأي:
١ - من القرآن: قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: ٢٤].
قالوا: إن تدبر القرآن يكون بفهمه ومعرفة تفسيره، وذلك عن طريق العقل والاجتهاد بالرأي، وقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: ٨٣]. يدل على أن أهل الاستنباط والاجتهاد هم الذين يعملون معاني القرآن، بما وهبهم الله من قوة الاستنباط.
٢ - أن القول بمنع التفسير بالرأي مساو للقول بمنع الاجتهاد وهذا القول مردود بداهة.
٣ - اختلاف الصحابة في الأقوال- طبعا في بعض الأحيان- يدل دلالة واضحة على جواز التفسير بالرأي، إذ لولا ذلك لاتفقت تفاسيرهم.
٤ - دعاء النبي ﷺ لابن عباس أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل، فلو كان التأويل كل التأويل من التنزيل والسماع والنقل، لما كان لدعائه ﷺ فائدة في تخصيصه بالدعاء.
أما أدلة المانعين فقد استدلوا:
أولا: من القرآن الكريم قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤].
قالوا: إن هذه الآية حصرت البيان والتفسير بالنبي ﷺ فليس لأحد غيره أن يفسّر القرآن برأيه.
ثانيا: من السنة: ما رواه الترمذي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار» (١) وما رواه الترمذي أيضا وأبو داود
стр. 229
عن جندب بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (١).
ثالثا: الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين منها: قول أبي بكر الصديق ﵁: «أيّ سماء تظلني، وأيّ أرض تقلني، إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد الله تعالى؟».
ومن التابعين قول الشعبي: «ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأي». وكان سعيد بن المسيب كبير التابعين إذ سئل عن الحرام والحلال تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من آيات القرآن سكت كأن لم يسمع شيئا.
وجملة القول عند المانعين، أن التفسير بالرأي قول على الله بغير علم، وهو إثم وحرام لا يجوز ارتكابه.
وقد ردّ المجيزون على كل دليل استدلوا به، وهذا مجمل الرّد بإيجاز:
أما الدليل الأول وهو استدلالهم بالقرآن، فهو مردود، لأن الرسول ﷺ وإن بيّن القرآن إلا أنه لم يبيّن جميع القرآن، بل بيّن ما هو بحاجة إلى بيان كما بيناه لك سابقا.
أما الحديثان، فالأول منهما: محمول على القول بالرأي فيما لا يعلم إلا عن طريق السمع، أو فيمن يفسر القرآن حسب هواه، ولأنه تفسير بغير ما أراد الله، كما ثبت في الأثر، أما الحديث الثاني المروي عن جندب: فإن من رواته سهيل بن أبي الحزم، وقد طعن فيه أئمة الحديث البخاري والنسائي وأبو حاتم الذي قال فيه: ليس بالقوي، وقد ضعفه ابن معين والإمام أحمد وقال: روى أحاديث منكرة (٢).
أما الدليل الثالث: فإن ما روي عن هؤلاء من إحجام عن التفسير بالرأي، مبناه الحذر والحيطة لا الحظر والحرمة.
وبعد: فإن المتأمل في أدلة الفريقين يرى بوضوح أن الخلاف بينهما ليس لفظيا بل هو كما قال الأقدمون: إن المذهبين فيهما غلو وتقصير، وهما على طرفي نقيض
стр. 230
كما قال الإمام المحقق الألوسي: «وأما التفسير بالرأي فالشائع المنع عنه». ثم بعد أن ساق أقوال المانعين قال: ولا دليل في ذلك. نعم إن عبارة المانعين للتفسير بالرأي صريحة في منع كل تفسير بالرأي، وهي ناصعة في جلاء لا يعتوره أدنى شائبة من غموض أو التواء، على أنه حتى لو بلغ صاحب الرأي ما بلغ من علم واجتهاد وسعة أدب، فليس له أن يفسر القرآن برأيه، وإنما عليه أن يقتصر على المأثور فحسب، فهل بعد هذا نقول: إن الخلاف بينهم لفظي؟ وإن مراد المجيزين للتفسير بالرأي إنما يريدون الرأي المحمود، وإن مراد المانعين للتفسير بالرأي إنما هو الرأي المذموم؟
كلا إن المانعين للتفسير بالرأي يمنعونه ولو صدر عن العلماء؛ وكل فريق يعزز رأيه ويرد على الآخر: فكيف يقال: إن المنع للرأي المذموم، والجواز للرأي المحمود؟
إن المانعين للرأي لا يقصدون الرأي المذموم فحسب، إذ إن هذا بدهي من البدهيات التي يسلم لهم بها المجيزون، وإنما يقصدون المنع من التفسير بالرأي على عمومه وشموله، محموده ومذمومه، صحيحه وسقيمه، فالقائل بالقرآن برأيه وإن أصاب فقد أخطأ، فالمصيب مخطئ، فما بالك بالمخطئ.
هل بعد هذه الصراحة صراحة في قصدهم الواضح، من تحريم التفسير بالرأي، بجميع أشكاله وألوانه.
لهذا كله، فإن الحق الذي نقول به: إن الخلاف حقيقي لا أثر فيه للفظية، لذا كان لزاما علينا أن نسلك طريق الترجيح الذي لا محيص عنه فنقول: إن أدلة المجيزين للتفسير بالرأي أقوى حجة، والواقع العملي الثابت عن سيرة الصحابة والتابعين يدل عليه، فإن الذين رويت عنهم الأخبار بالامتناع عن التفسير بالرأي، قد ثبت عنهم التفسير بالاجتهاد والتفسير بالرأي، وما اختلاف التفاسير وتنوعها، واختلاف التفاسير عن الصحابة والتابعين إلا دليل ناصع على أن مصدر هذا الخلاف إنما هو تباين الآراء النابع عن اجتهادهم.
وتبقى أدلة المنع محصورة فيما لا يجوز أن يفسر به القرآن بالرأي، في المجال الذي ليس له أن يقول فيه قولا إلّا نقلا أو سماعا، هذا ما نميل إليه، أما أن نجمع بين
стр. 231
الرأيين بتحريم الرأي المذموم، وجواز الرأي المحمود، فما نظن أن الخلاف واقع في شيء من ذلك؛ لأن التفسير بالرأي المذموم ليس مورد خلاف بين العقلاء والعلماء، لأن كلمة المجيزين والمانعين سواء في رفضه، لذا لم يبق الخلاف إلّا في جواز التفسير بالرأي أو منعه عموما.
المصادر المعتلة في التفسير الإسرائيليات
هذا العنوان لا نريد به ما روي عن أبناء إسرائيل (يعقوب) ﵇ بخاصة، بل هو من باب التغليب على ما يشمل طائفتي اليهود والنصارى من بني إسرائيل، ويطلق على جميع الثقافة الدينية للطائفتين اليهودية والنصرانية، وهو ليس من باب تغليب الثقافة اليهودية على النصرانية، كما قال أستاذنا الذهبي مسندا قوله إلى أن ظاهر لفظ الإسرائيليات يدلّ على اللون اليهودي خاصّة، وأن الجانب اليهودي هو الذي اشتهر أمره، فكثر النقل عنه، وذلك لكثرة أهله وظهور أمره، وشدة اختلاطهم بالمسلمين من مبدأ ظهور الإسلام إلى أن بسط رواقه على كثير من بلاد العالم (١).
هذا كلام أستاذنا الذهبي وهو غير مسلّم به، لأن جميع الثقافة الدينية اليهودية باستثناء الكفر بعيسى، هي بالضرورة ثقافة نصرانية، كذلك يدين بها النصارى تماما، كما تدين اليهود، حتى إنهم ليسمون ما عند اليهود (العهد القديم)، ويسمون ما لديهم من الأناجيل الأربعة والرسائل (العهد الجديد) ويطلقون على جميع العهدين (الكتاب المقدس).
وإنما قلنا عنوان بني إسرائيل ما يشمل اليهود والنصارى، ولم نخص به اليهود لأن عيسى ﵇ مرسل إلى بني إسرائيل، كما أرسل موسى بنص القرآن، قال تعالى في وصفه ﵇: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ٤٩] (٢).
стр. 232
كيف تسربت الإسرائيليات إلى التفسير:
تناول القرآن الكريم بعض الموضوعات، كقصص الأنبياء والأمم بصورة مجملة، مقتصرا على مواضع العظة والاعتبار، دون تفصيل للجزئيات، فلا يعنى في قصة أهل الكف مثلا بأسمائهم، ولا باسم كلبهم وأنه قطمير، ولا باسم الملك الظالم في زمنهم، ولا بمكان وجودهم، ولا بهيئاتهم حين أفاقوا من سباتهم ونومهم، بعد ما يزيد على ثلاثة قرون، كل هذه الأمور وأمثالها قد نجد لها تفصيلا في التوراة والإنجيل، وهي من الأمور التي يجوز روايتها إذا كانت لا تخالف شريعتنا، فلا عجب إذا رأينا بعض الصحابة يسأل من أسلم من أهل الكتاب، من أمثال كعب الأحبار وعبد الله بن سلام وتميم الداري، وهكذا بدأ تسرّب الإسرائيليات في وقت مبكر في عهد الصحابة، ثم نشط هذا التسرب في عهد التابعين، فكانوا يسألون المتقدمين، ويسألون المسلمين من أهل الكتاب في زمنهم، من أمثال وهب بن منبه، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ولعل تفسير مقاتل بن سليمان هو من أصدق الظواهر في الاعتماد على الإسرائيليات في عهد التابعين، فمن قرأه يجد فيه العجب العجاب مما يصح روايته ومما لا يصح.
ثم ولع المتأخرون- بعد عهد التابعين- فحشوا تفاسيرهم بالإسرائيليات، بل الخرافات وأخص القصص القرآني، وما أورده من الخيالات التي لا يقرها شرع ولا عقل.
ويبدو أن هذه الظاهرة قد بدأت تخبو وتختفي من كتب التفسير المعاصرة فقد بدّد العلم كثيرا من الخيالات والأوهام، وأصبحت التفاسير نقية من شوائب الإسرائيليات، إلا في تفسير من في قلوبهم مرض وضغينة للإسلام.
حكم التفسير بالإسرائيليات
تنقسم الإسرائيليات باعتبار حكم الإسلام فيها إلى ثلاثة أقسام:
١ - ما وافق الشرع.
٢ - ما خالف الشرع.
٣ - ما سكت عنه الشرع.
стр. 233
وقد ذهب إلى هذا التقسيم الحافظ ابن كثير، وبيّن الحكم الشرعي في كل نوع فقال: إن الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد وهي على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه فذاك المرفوض.
والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل. فهذا لا نؤمن به ولا نكذبه ويجوز حكايته، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني.
ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب أهل الكهف، ولون كلبهم وعددهم.
وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلّم الله عنها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ودنياهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز (١). بهذا التقسيم الدقيق والتحقيق البالغ من ابن كثير، نستطيع أن نفهم الأحاديث الواردة عن النبي ﷺ بشأن الإسرائيليات، فقد روى البخاري عن ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (٢). فهذا الحديث يتعلق بما وافق شرعنا.
أما ما روي عن عمر أنه كان يقرأ في التوراة فغضب النبي ﷺ فهذا محمول على ما خالف شرعنا.
أما ما سكت شرعنا عنه، فلا هو من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فقد قال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا» (٣).
стр. 234
قال العلامة العيني في شرح الحديث: يعني إذا كان ما يخبرونكم به محتملا، لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه فتقعوا في الحرج.
وقد أحسن الخطابي في شرحه لهذا الحديث وللأحاديث السابقة إذ يقول:
«لم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه، وهذا الحديث، أي: لا تصدقوا ولا تكذبوا ... أصل في وجوب التوقف عما يشكّك في الأمور، فلا يقضي عليه بصحة أو بطلان، ولا بتحليل ولا تحريم، وقد أمرنا أن نؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء- ﵈ إلّا أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم صحيح ما يحكونه عن تلك الكتب من سقيمه، فنتوقف فلا نصدقهم، لئلا نكون شركاء معهم فيما حرفوه منه، ولا نكذبهم فلعله يكون صحيحا، فنكون منكرين لما أمرنا أن نؤمن به». وهذا النوع هو أكثر الأنواع التي رويت في التفسير كما قال ابن كثير، وقد ازداد شيئا فشيئا، بدأ من عهد الصحابة والتابعين وكان كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام من أكثر أهل زمانهم رواية لها؛ لعلمهم بالكتاب، ثم تضخمت بعدهم القصص والأخبار حتى أصبحت مصدرا من مصادر التفسير.
стр. 235
المبحث الرابع شروط المفسر
لا ريب أن من أراد أن يتصدى لتفسير القرآن فعليه استجماع الشروط المعتبرة، حتى يكون أهلا لبيان مراد الله، ومن أولى بدهيات الشروط: صحة اعتقاد المفسر، حتى يمكن الركون إلى تفسيره، فلا يطمأن إلى كلام الملاحدة والمبتدعة، مهما سمت علومهم، لأنهم يبغون الفتنة، كدأب الباطنية وغلاة الرافضة وأهل البدع- قديما وحديثا-؛ لأن مقصودهم هو ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله بما يوافق ضلالهم.
وهناك من العلوم التي يجب توافرها في المفسر، حتى يتسنى له تفسير كتاب الله ، وقد بلغ بها السيوطي خمسة عشر علما، نستطيع أن نضعها في بضعة علوم أساسية.
أولا: علوم اللغة العربية:
هذا من أولى الضرورات التي يجب أن يتحلى بها كلّ قاصد لتفسير كتاب الله، الذي من أهم صفاته أنه بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥] قُرْآناً عَرَبِيًّا [يوسف: ٢].
لذا قال الإمام مجاهد- شيخ المفسرين التابعين: «لا يحلّ لأحد يؤمن بالله وباليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب».
وقال الإمام مالك بن أنس ﵁: (لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلّا جعلته نكالا) (١).
ومن أهم علوم اللغة العربية:
أ- علوم النحو:
يتغير معنى الكلام حسب موقعه الإعرابي، فينتقل المعنى من الكفر إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الكفر بتغير حركة الإعراب فيه، وهذا معنى ما أخرجه أبو عبيد عن
стр. 236
الحسن: أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن النطق ويقيم بها قراءته، قال: (حسن فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيى بوجهها فيهلك فيها) (١).
والقرآن الكريم قد نزل بأفصح لغات العرب، وكلام الله تعالى، حاكم ومهيمن، على القواعد العربية، فعلامات الإعراب وقواعده مستنبطة من لسان العرب، وقد وضعت في عصر متأخر بعد نزول القرآن، لذا فلا يلتفت إلى كلام بعض علماء اللغة والمفسرين الذين يستبعدون بعض القراءات القرآنية، لاعتقادهم أنها مخالفة للقواعد العربية. مثل ما قاله الزمخشري وغيره في قراءة متواترة من سورة النساء: .. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ .. [النساء: ١]. وبالكسر والأرحام، فقد لغا في ذلك قلة من المفسرين في توجيه هذه القراءة وغيرها، وقد انبرى لهم الإمام أبو حيان في الرد عليهم في تفسيره البحر المحيط، ولسنا هنا بصدد الحديث عنها.
ب- علم الصرف:
علم الصرف به تعرف الأبنية والصيغ، وقد نص عليه ابن فارس قائلا: (من فاته علمه فاته المعظم، لأنا نقول «وجد» كلمة مبهمة، فإذا صرفناها اتضحت، فقلنا في المال: «وجدا» (٢) وفي الضالة «وجدانا» وفي الغضب «موجدة» وفي الحزن «وجدا») (٣).
وانظر إلى اختلاف المعنى من العدل إلى عكسه الجور لاختلاف التصريف في الآيتين التاليتين:
في سورة الحجرات: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: ٩]. بمعنى اعدلوا.
وفي سورة الجن: وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: ١٥]. فالقاسطون بمعنى الجائرون الظالمون.
ومن جهل هذا العلم فإنه يقع في البدع والخطأ، ومن ذلك ما قاله الزمخشري في الزمخشري في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن الإمام في قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: ٧١]
стр. 237
جمع أمّ، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، لئلا يفتضح أولاد الزنا، قال: وليت شعري أيهما أبدع، أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟! يعني أن الأم لا تجمع على إمام، وهذا كلام من لا يعرف الصناعة ولا لغة العرب، ثم قال: وهذا خطأ أوجبه جهله بالتصريف، فإن الأم لا تجمع على إمام بل أمهات (١).
ج- الاشتقاق:
لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف باختلافهما، كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح؟ (٢).
فإذا كان من السياحة، فتكون تسمية عيسى بالمسيح لكثرة سياحته، وإذا كان من المسح تكون تسميته؛ لأنه كان لا يمسح على ذي عاهة إلّا برأ بإذن الله.
د- علوم البلاغة:
بأقسامها الثلاثة: المعاني- البيان- البديع، لأنه يعرف بعلم المعاني خواص تراكيب الكلام، من حيث إفادتها المعنى، ويعرف بعلم البيان خواص تلك التراكيب من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، ويعرف بالبديع وجوه تحسين الكلام (٣).
وهذه العلوم يستعان بها في إدراك الإعجاز القرآني، بصورتها العجيبة التي أعجزت الخلق من الإنس والجن عن الإتيان بمثله. وأكثر كتب التفسير اهتماما بذلك كتاب الكشاف للزمخشري الذي يقول: (من حق مفسر كتاب الله الباهر، وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه، والبلاغة على كمالها، وما وقع
стр. 238
به التحدي سليما من القادح). وقد اعتنى في كتابه بالنواحي البلاغية. كيف لا وهو واضع كتاب أساس البلاغة؟!
ثانيا: علم أصول الفقه:
إذ به يعرف وجه الاستدلال في استنباط الأحكام، وقد بين لنا ابن قيم الجوزية بعض القواعد الأصولية، التي تتعلق بتفسير القرآن وذلك في كتابه بدائع الفوائد (١).
ولقد وجدنا كثيرا من المفسرين المشهورين قد برعوا في علم أصول الفقه، كما برعوا في التفسير على حد سواء، منهم:
١ - أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص المتوفى سنة ٣٧٠ هـ، وتفسير (أحكام القرآن)، وكتابه في الأصول مشهور باسمه (أصول الجصاص).
٢ - فخر الدين الرازي والمتوفى سنة ٦٠٦ هـ، وتفسيره (مفاتيح الغيب)، أما كتابه بالأصول فهو من أشهر الكتب الأصولية (المحصول في علم الأصول).
٣ - ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ، له تفسير وكتابه في الأصول (المسوّدة في أصول الفقه)، لآل تيمية أي هو وأبوه وجدّه.
٤ - القاضي ناصر الدين البيضاوي الشيرازي المتوفى سنة ٧٩١ هـ، له تفسير معروف (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) وكتابه في الأصول (مناهج الوصول إلى علم الأصول).
٥ - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ، وكتابه في التفسير (الدر المنثور)، وقد ساهم في التفسير الشهير بتفسير الجلالين. وكتابه في الأصول معروف باسم (الأشباه والنظائر).
٦ - محمد بن علي بن محمد الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠ هـ، وتفسيره (فتح القدير) وكتابه في الأصول (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول).
стр. 239
مما تقدم يتضح لنا أهمية هذا العلم لكل من يتصدى لتفسير كتاب الله، بل لكل مجتهد يريد استنباط الأحكام من آيات القرآن، وخير الكتب في هذا العلم، (الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، والموافقات للإمام الشاطبي، وما ذكرناه لك إرشاد الفحول للشوكاني).
ثالثا: علم أصول الدين ويطلق عليه علم الكلام:
وهو علم لا بد من توافره لكل مفسر، حتى لا يقع في الخطأ والزلل، فلا بد من إدراك العقيدة الصحيحة، والنظر إلى آيات القرآن من وجهة نظر صحيحة عن الكون والإنسان والحياة، فإن ذلك يساعده في فهم الآيات فهما صحيحا، ولا بد من معرفة الأصول الاعتقادية- ما يجب في حق الله وما يستحيل عليه، وما يجب في حق الرسل- ﵈ وما يستحيل عليهم.
يقول أبو حيان: (وقد صنف علماء الإسلام- من سائر الطوائف- في هذا كتبا كثيرة، وهو علم صعب، إذ المزلة فيه، والعياذ بالله، مفض إلى الخسران في الدنيا والآخرة) (١).
رابعا: علوم القرآن:
هناك مباحث في علوم القرآن لا بد من معرفتها، حتى يتسنى للمفسر أن يدرك القرآن إدراكا صحيحا، ودونها يتعثر فهمه، بل يقع في الضلال والإشكال، ومن هذه العلوم القرآنية:
أ- علم القراءات:
لأن به يعرف كيفية النطق، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض، فلا شك أن المعاني والتفاسير تختلف باختلاف الألفاظ زيادة أو نقصا، وتختلف باختلاف تغير حركة الألفاظ، أو إتيان بلفظ بدل لفظ، وذلك بتواتر أو آحاد، ويؤخذ هذا من علم القراءات.
стр. 240
وقد صنف العلماء في هذا العلم الجليل كتبا لا تعد ولا تحصى، ويرى أبو حيان أن من أحسنها كتاب الإقناع في القراءات السبع، لأبي جعفر بن الباذش، وفي القراءات العشر كتاب المصابيح لأبي الكرم الشهرزوري (١).
ويعتبر كتاب ابن الجزري (النشر في القراءات العشر) من خير الكتب المصنفة والمطبوعة في هذا العلم.
وقد رأينا أن كثيرا من المفسرين يتعرضون للقراءات القرآنية الواردة في الآيات القرآنية، وعلى سبيل المثال الإمام الطبري، وابن كثير، والزمخشري وصاحب البحر المحيط، بل رأينا كثيرا منهم قد ألف كتبا في علم القراءات، مثل ابن جرير الطبري، ومثل الكواشي (٢) المفسر الذي ألف كتاب المواقف في القراءة ويجدر بالذكر أن هذا الموضوع لا يأخذ إلّا شفاها عن أهل هذا العلم؛ ليعرف كيفية النطق الصحيح بالقرآن.
ب- أسباب النزول:
ارجع إلى ما كتبناه في أسباب النزول (٣).
ج- الناسخ والمنسوخ:
يروى أن علي بن أبي طالب مرّ بقاصّ في مسجد، وهو يحدث الناس، فسأله أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت. ولعلك أدركت أهمية الموضوع في ما سبق وذكرناه لك (٤).
د- علم القصص:
ذلك أن القرآن يذكر القصة الواحدة في مواضع عديدة من السور القرآنية، فما يجمله في مواضع، قد يفصله في سور أخرى، يعين على فهم مجملها.
стр. 241
خامسا: العلم بالأحاديث النبوية المفسرة للآيات القرآنية .
سادسا: العلم بتفسير الصحابي:
سلف تفصيله في مصادر التفسير (١).
هذه أهم العلوم فيمن فسر دون معرفتها فقد ضل، وهناك علوم أخرى كعلم الموهبة. والامتلاء من العلوم العديدة والمفيدة، للاقتدار على تحصيل التفسير، فإنه كما قال ابن أبي الدنيا عن تفسير القرآن (ما يستنبطونه بحر لا ساحل له) ولكن ما ذكرناه كالآلة للمفسر لا يكون مفسرا إلّا بتحصيلها، ويحسن بنا أن نذكر لك ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا في تخصيص بعض العلوم التي يحتاج إليها المفسر، فإن فيها إيضاحا وإضافة مفيدة لما ذكرناه لك.
قال ﵀: (للتفسير مراتب أدناه أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله وتنزيهه، ويصرف النفس عن الشر، ويجذبها إلى الخير، وهذه هي التي قلنا إنها
متيسرة لكل أحد: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٧].
وأما المرتبة العليا فهي لا تتم إلّا بأمور:
أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة، التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة، غير مكتف بقول فلان وفهم فلان، فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد، ومن ذلك لفظ التأويل اشتهر بمعنى التفسير مطلقا، أو على وجه الخصوص، ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى كقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣].
فما هذا التأويل؟ يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة ليفرق بينهما وبين ما ورد في الكتاب، فكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى.
стр. 242
فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه، بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ الهداية وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وقد قالوا: إن القرآن يفسر بعضه بعضا، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.
ثانيها: الأساليب، فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطن لنكته ومحاسنه، والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه. نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله كله على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة، ويحتاج في هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب (المعاني والبيان) ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب.
ترون في كتب العربية أن العرب كانوا مسددين في النطق، يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع، أتحسبون أن ذلك كان طبيعيا لهم؟ كلّا وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة، ولذلك صار أبناء العرب أشدّ عجمة من العجم عند ما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعيا ذاتيا لما فقدوه في مدة خمسين سنة بعد الهجرة.
ثالثها: علم أحوال البشر، فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب، وبين فيه ما لم يبين في غيره، بيّن فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعهم، والسنن الإلهية في البشر، وقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسننه فيها، فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف، وعزّ وذلّ، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير، علويه وسفليه، ويحتاج هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه.
قال الأستاذ الإمام: أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسر قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ .. [البقرة: ٢١٣].
стр. 243
وهو لا يعرف أحوال البشر، وكيف اتحدوا، وكيف تفرقوا، وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها، وهل كانت نافعة أو ضارة، وماذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم.
أجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية، وعن آياته في السموات والأرض وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمالي صادر عمن أحاط بكل شيء علما، وأمرنا بالنظر والتفكر، والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا، ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره، لكنا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده، لا بما حواه من علم وحكمة.
رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن، فيجب على المفسر القائم بهذا الفرض الكفائي، أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم، لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبي ﷺ بعث به لهدايتهم وإسعادهم، وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها، إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه؟
هل يكتفى من علماء القرآن- دعاة الدين والمناضلين ضد التقليد- بأن يقولوا تقليدا لغيرهم: إن الناس كانوا على باطل، وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة؟
كلا.
وأقول الآن: يروى عن عمر أنه قال: (إن جهل الناس بأحوال الجاهلية هو الذي يخشى أن ينقض عرى الإسلام عروة عروة) اهـ.
والمراد: أن من نشأ في الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله، يجهل تأثير هدايته وعناية الله بجعله مغيرا لأحوال البشر، ومخرجا لهم من الظلمات إلى النور، ومن جهل هذا يظن أن الإسلام أمر عادي، كما ترى بعض الذي يتربون في النظافة والنعيم يعدون التشديد في الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو؛ لأنه من ضروريات الحياة عندهم، ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة في تلك الأوامر، وتأثير تلك الآداب ومن أين جاءت.
стр. 244
خامسها: العلم بسيرة النبي ﷺ وأصحابه، وما كانوا عليه من علم وعمل، وتصرف في الشئون دنيويها وأخرويها. اهـ (١).
هذه عبارة الأستاذ الشيخ رشيد رضا بنصها، وفيها تركيز وإدماج لبعض ما قلناه من قبل، وفيها شرح وإيضاح لبعض آخر منه، وهي تلقي ضوءا على ما تقدم.
وتوضح بعض ما فيه من إيجاز.
стр. 245
المبحث الخامس أنواع التفسير
يقسم العلماء التفسير إلى نوعين رئيسين وهما: التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي أو الدراية، ومنهم من يضيف إليه التفسير الإشاري، كنوع ثالث وهو خارج عن اعتباره تفسيرا لأمور كثيرة سنراها فيما بعد.
أولا: التفسير بالمأثور
هو كل تفسير يعتمد على المصادر التفسيرية: القرآن والسنّة وأقوال الصحابة- رضوان الله عليهم- ومنهم من يضيف أقوال التابعين، وخير ما يمثل هذا اللون من التفسير هو الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي، وهناك من يعتبر تفسير ابن جرير الطبري وابن كثير من التفسير بالمأثور وفي هذا نظر: لما يحويه ابن جرير وابن كثير من اجتهادات وتوجيهات وترجيحات تعتمد على الدراية والرأي والاجتهاد، فالكتابان مصدران عظيمان للتفسير بالمأثور ولكنها لا يخلوان من التفسير بالرأي.
ويجدر التنبيه إلى أن اعتبار تفسير القرآن بالقرآن من التفسير بالمأثور فيه نظر، لإطلاق الأثر على التفسير القرآني، والأثر كما هو معروف يطلق على ما روي عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، ولكن لا بد من استدراك أن اعتبار تفسير القرآن للقرآن من التفسير بالمأثور هو من باب الاصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.
أشهر المفسرين في التفسير بالمأثور:
١ - الطبري (٢٢٤ - ٣١٠ ه ـ).
هو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، الإمام الجليل والمجتهد المطلق، صاحب التصانيف المشهورة، رحل من بلده طبرستان في طلب العلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فسمع بمصر والشام والعراق، ثم استقر ببغداد إلى أن مات فيها.
стр. 246
مكانته العلمية:
كان ابن جرير أحد الأئمة الأعلام، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه أحد من أهل عصره، فهو حافظ لكتاب الله، عارف بمعانيه، فقيه في أحكامه، عالم بالسنن وطرقها، مميز بين الناسخ والمنسوخ منها، عارف بأقوال الصحابة والتابعين، عالم بمواضع اختلاف الأئمة من قبله، عارف بأيام الناس وأخبارهم، ومن العلوم التي قد برع فيها: علم القراءات وعلم التفسير وعلم الحديث وعلم الفقه وعلم التاريخ، فقد ألف في القراءات كتابه القراءات، وفي التفسير كتاب جامع البيان عن تأويل آي القرآن، وفي التاريخ كتاب تاريخ الأمم والملوك وكتاب تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين، وفي الفقه كتاب اختلاف العلماء، وكتاب أحكام شرائع الإسلام وهذا الأخير كتاب ألف على ما أداه إليه اجتهاده. ومعظم هذه الكتب قد اختفى منذ زمن، ولم يحظ بالشهرة منها سوى كتابيه في التفسير والتاريخ.
ويعتبر ابن جرير أبا للتفسير، ويعتبر أيضا من الأئمة المجتهدين. يقول ابن خلكان: إنه كان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحدا. وقد قالوا: إن له مذهبا معروفا، وإن أصحابه ينتحلون مذهبه، ويقال لهم: الجريرية. لكن هذا المذهب لم يبق إلى زماننا هذا، فقد اندثر منذ زمن. وقد كان شافعيا قبل أن ينفرد بمذهب خاصّ به، فقد قال السيوطي في طبقات المفسرين: وكان أولا شافعيا، ثم انفرد بمذهب مستقل، وأقاويل واختيارات، وله أتباع ومقلدون، وله في الأصول والفروع كتب كثيرة (١). اهـ.
طريقته في التفسير:
يعتبر تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، قال عنه السيوطي: «وكتابه- يعني تفسير ابن جرير- أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوق بذلك تفاسير الأقدمين» (٢)،
стр. 247
وقال النووي: «أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري» (١) وتفسيره الذي بين أيدينا ما هو إلا مختصر تفسيره الأصلي على ما يبدو. قال ابن السبكي في طبقاته الكبرى: «إن أبا جعفر قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا كم يكون قدره؟
فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟
قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا الله ماتت الهمم فاختصره في نحو ما اختصر التفسير» (٢) اهـ.
وكتاب ابن جرير في التفسير من أقدم التفاسير التي وصلت إلينا. وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها سوى ما وصل إلينا منها في ثنايا كتب التفاسير الأخرى ومنها تفسير ابن جرير.
وتظهر طريقة ابن جرير في تفسيره في عدة نقاط وهي:
١ - إنكاره التفسير بمجرد الرأي.
٢ - اعتناؤه بالأسانيد.
٣ - تقديره للإجماع.
٤ - ذكره القراءات.
٥ - نقله من الإسرائيليات.
٦ - انصرافه عما لا فائدة فيه.
٧ - احتكامه إلى المعروف من كلام العرب.
٨ - رجوعه إلى الشعر القديم.
٩ - اهتمامه بالمذاهب النحوية.
١٠ - معالجته للأحكام الفقهية.
١١ - خوضه في مسائل الكلام.
وسنذكر الأمثلة على طريقته في التفسير:
стр. 248
فمثال إنكاره التفسير بالرأي قوله عند تفسير قوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف: ٤٩]. بعد ذكر أقوال السلف فيها، مع توجيهه للأقوال، وتعرضه للقراءات، فيقول ما نصه: « ... وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: «وفيه يعصرون» إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصرة التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي:
صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود
أي: المقهور، ومن قول لبيد:
فبات وأسرى القوم آخر ليلهم ... وما كان وقّافا بغير معصّر
وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (١).
أما اعتناؤه بالأسانيد فيظهر ذلك واضحا في تفسيره، لأنه يذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف، ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانا موقف الناقد البصير، فيوثق الرواة ويجرحهم، ويرد الروايات التي لا يثق بصحتها، ومثال ذلك تفسيره لقوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [الكهف: ٩٤] فيقول ما نصه: «روي عن عكرمة في ذلك- يعني في ضم سين (سدّا) وفتحها- ما حدثنا به أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال حدثنا: حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة، قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السّد يعني بفتح السين، وما كان من صنع الله فهو السّد، ثم يعقب على هذا السند فيقول: «وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك فإن الذي نقل ذلك عن أيوب هارون وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه» (٢) اهـ.
ومثال تقديره للإجماع تفسيره لقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠] فيقول ما نصه: «فإن قال قائل: فأي النكاحين عنى الله بقوله:
стр. 249
فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ؟ النكاح الذي هو جماع؟ أم النكاح الذي هو عقد تزويج؟
قيل: كلاهما، وذلك أن المرأة إذا نكحت رجلا نكاح تزويج، ثم لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها، ولم يجامعها حتى يطلقها، لم تحل للأول، لإجماع الأمة جميعا ... » (١).
أما ذكر القراءات في تفسيره، فإنه يذكر القراءات وينزلها على المعاني المختلفة، وكثيرا ما يردّ القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون عنده وعند علماء القراءات حجة، والتي تقوم على أصول مضطربة، فمثلا عند قوله تعالى:
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً [الأنبياء: ٨١] يذكر أن عامّة قراء الأمصار قرءوا (الريح) بالنصب على أنها مفعول لسخرنا المحذوف، وأن عبد الرحمن الأعرج قرأ (الريح) بالرفع على أنها مبتدأ ثم يقول: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه.
وجدير بالذكر أن ابن جرير كان من علماء القراءات المشهورين، وله كتاب في ذلك في ثمانية عشر مجلدا ولكنه ضاع مع الزمن، ولم يصل إلينا ككثير من مؤلفاته.
وابن جرير يأتي في تفسيره بأخبار مأخوذة من القصص الإسرائيلي، يرويها بإسناده إلى كعب الأحبار، وهب بن منبه وابن جريج والسدي ويتعقبها بالنقد، لكن تفسيره ما زال بحاجة إلى النقد الفاحص الشامل احتياج كثير من كتب التفسير الأخرى إلى ذلك النقد. ويحتكم ابن جرير في مواضع كثيرة من تفسيره إلى كلام العرب وشعرهم، كتفسيره لقوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٢] فيقول: «قال أبو جعفر: والأنداد جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان بن ثابت:
أتهجوه ولست له بندّ ... فشرّكما لخيركما الفداء
يعني بقوله: لست له بند: لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيرا لشيء وشبيها فهو له ند» (٢).
أما اهتمام ابن جرير بالمذاهب النحوية فيظهر ذلك واضحا في تفسيره، ويذكر أقوال الكوفيين والبصريين ويوجه الأقوال ويستشهد بالنحو على ما يقول.
стр. 250
ويعالج ابن جرير الكثير من الأحكام الفقهية كثيرا في تفسيره، ويذكر أقوال العلماء ومذاهبهم، ويخلص من ذلك برأي يختاره لنفسه. ويرجحه بالأدلة، وهذا ليس بغريب، لأن ابن جرير- كما ذكرنا- مجتهد له مذهب خاص به، عالم في مذاهب العلماء وأقوالهم.
وترى ابن جرير يخوض في تفسيره في مسائل الكلام كثيرا، مما يدل على أنه كان عالما في مسائل العقيدة، فتراه يستشهد بالآية على مسألة في العقيدة، وتراه يناقش مسألة أخرى ويرد على المعتزلة كثيرا في تفسيره وعلى القدرية، ويصفهم بالغباء فيما يذهبون إليه من الأقوال الغريبة، وذلك واضح في تفسيره خصوصا عند تفسيره لآيات الصفات.
٢ - ابن عطية الأندلسي (١):
هو القاضي عبد الحق بن عطية الأندلسي الغرناطي المالكي. ولد بغرناطة سنة ٤٨٠ هـ ونشأ فيها، وتربى في كنف أبيه القاضي الحافظ الذي أحاطه بأسباب العناية والرعاية، مما كان سببا في تكون شخصيته العلمية.
كان منذ صغره طموحا متطلعا، وقد لازمه هذا الطموح حتى برزت مواهبه، وعم إنتاجه وغدا شخصية علمية يشار إليها بالبنان. ويحدثنا الفتح بن خاقان عن صفات ابن عطية التي أورثته علوا في الرتبة وعظمة في المكانة، قال: «سابق الأمجاد في السؤدد جاهدا، حتى تناول الكواكب قاعدا» (٢).
مكانته العلمية:
قال لسان الدين ابن الخطيب: «كان ابن عطية فقيها عالما بالتفسير، والأحكام والحديث والفقه والنحو والأدب واللغة، له نظم ونثر، ولي القضاء (بالمرية) من حواضر الأندلس وكان غاية في الدهاء والذكاء» (٣).