Полный текст (363 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
المقدمة فى تعريف التفسير وانواعه
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه إلى يوم الدين، وبعد:
فلقد حظى القرآن الكريم وهو الكتاب الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد- حظى بالتفاف أعلام الأمة الاسلامية حوله لفهم نصوصه المطهرة والعمل بما تتضمنه من أحكام عديدة فيها صلاح الحال والمآل لهذه الأمة الكبيرة.
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ.
(سورة الأنعام الآية ٣٨) ولقد تنوعت المصادر التى استقى منها المفسرون مناهجهم لفهم كتاب الله لمحاولة التعرف على فهم دقائقه وإبرازها فى صورة لائقة لتكون فى متناول الإنسان المسلم الذى يحب كتاب الله تلاوة وفهما والعمل بما يحويه هذا الكتاب من خيرى الدنيا والآخرة، ولقد اعتمد المفسرون على مصادر عديدة تحددت منها مناهجهم وتعددت بتعدد تلك المصادر.
وكان أهم تلك المصادر:
١ - ما أثر عن رسول الله ﷺ فى بيان معنى المجمل من القرآن وإيضاح المعنى القرآنى وتقريبه.
فعن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله ﷺ :
стр. 2
قال: أرأيت قول الله:
كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ.
(سورة الحجر الآية ٩٠) قال: اليهود والنصارى.
قال: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ! ما عضين؟
قال: «آمنوا ببعض وكفروا ببعض».
وقد فسر رسول الله ﷺ الآية الكريمة:
هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ.
(سورة الرحمن الآية ٦٠) بقوله: هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة.
ويروى أن أبا بكر قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ. (سورة المائدة الآية ١٠٥) وإنا سمعنا رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه. وأبو بكر رضى الله عنه يقول: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية؟
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً. يُجْزَ بِهِ. (سورة النساء الآية ١٢٣) فكل سوء عملنا يجزينا به؟
فقال رسول الله ﷺ :
стр. 3
غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟
- قال: بلى.
- قال: فهو ما تجزون به.
ولقد عرف هذا النوع الذى برز فى تفسير بعض المفسرين بالتفسير بالمأثور، ومن أهم مصادره التى يعتمد عليها (الدر المنثور فى التفسير بالمأثور) للإمام جلال الدين السيوطى- حيث اعتمد على ما أثر عن رسول الله ﷺ ، وصحابته الأجلاء فى تقرير المعانى لكثير من آيات القرآن الكريم ومن أبرزهم ابن عباس رضى الله عنهما الذى حظى بصحبة رسول الله ﷺ خادما ومتعلما مع حظوته بدعاء الرسول ﷺ فكان فقيه الأمة وحبرها الذى لا يجارى علما وفقها فى الدين ومعرفة بالتأويل.
ولقد كان القرآن الكريم، ولا يزال محورا للثقافة الإسلامية منذ أن تألفت أمة بقيادة رسول الله ﷺ . جمعها على التوحيد لله وخلافته فى الأرض، فرأى المسلمون فى آيات القرآن الكريم حثا على النظر والتأمل فيه وتدبر آياته:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ. (سورة ص الآية ٢٩) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ. (سورة محمد الآية ٢٤) ومن ثم نشأ- زيادة على التفسير بالمأثور-: (التفسير بالرأى) القائم على التدبر والفهم لكتاب الله والاستعانة فى ذلك بالعلوم الخادمة لهذا الغرض الجليل وهى كثيرة تعددت وتنوعت فمنها علوم العربية نحوها وصرفها وبلاغتها وما روى عن رسول الله ﷺ قولا وعملا وغير ذلك من العلوم الكثيرة.
стр. 4
واختلفت أنظار المفسرين وطرقهم ومناهجهم فى التفسير تبعا لاختلاف مشاربهم، فمنهم من غلبت عليه النزعة الفكرية العقائدية فتوسع توسعا كبيرا فى شرح الآيات
المتصلة بهذه المعانى، ومنهم من غلبت عليه النزعة الفقهية الشرعية فتوسع توسعا كبيرا فى هذه النواحى وهكذا من توسع فى القصص والأخبار ومن توسع فى الأخلاق والتصوف والمواعظ وآيات الله فى الأنفس والآفاق وغير ذلك.
كذلك كان من المفسرين من أطال ومنهم من أوجز واختصر ومنهم من توسط بين هذا وذاك.
ولقد ترك هؤلاء وهؤلاء ثروة علمية ضخمة. أبانت عن جهود أمة .. خدمت كتاب ربها وعنيت به عناية فائقة ... لا يسبقها فى ذلك أمة .. حفظا وضبطا وشرحا واستنباطا لمسائل الشريعة الغراء لتكون الأمة الإسلامية كما أراد الله لها خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر وتؤمن إيمانا حقيقيا بالله .
ولم تقف الحركة الفكرية عند المسلمين يوما بالنسبة لكتاب الله سبحانه بخاصة فى هذا العصر الحديث الذى امتاز بالتقارب بين الأجناس، وتكاثرت وسائل الاتصال فيه بين الأمم والشعوب وانتعشت فيه وسائل العمران البشرى على وجه العموم، وما زالت هذه المناهج فى تفسير القرآن إلى الآن على ما كانت عليه فى السابق من تفسير بالمأثور، وتفسير بالرأى، وتفسير جامع بين المأثور والرأى، وما زال القرآن هو الكوكب الدرى الذى يضيء الطريق للساكنين، وينشر ضياءه فى الخافقين، أما ما أضافه العلماء فى العصر الحاضر إلى ذلك، فهو ما يتصل بما أشار إليه القرآن الكريم من أفكار علمية، وحقائق كشف عنها التقدم فى عصرنا الحاضر، ويسرف بعض الناس فى ذلك فيحملون القرآن ما لا يحتمل أو يخرجون باللفظ عن معناه الذى يتطلبه السياق.
وعلى كل حال فهى- إن حسنت النية- محاولات فيها اجتهاد يسير فى إطار الآية القرآنية الكريمة:
стр. 5
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (سورة فصلت الآية رقم ٥٣) وسنعرض فى أحاديثنا التالية لجهود العلماء فى كشف أسراره وتوضيح معانيه، وتوجيه الأبصار إلى النور الذى يحتويه.
ولا يسعنا فى ختام هذه المقدمة إلا التوجه بالشكر لفضيلة الامام الأكبر دكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر حيث كان لى عظيم الشرف أن يكتب فى مناهج المفسرين عن:
١ - الإمام سفيان الثورى وتفسيره
٢ - الإمام القشيرى وتفسيره.
٣ - الإمام ابو الحسن الشاذلى وتفسيره
٤ - الإمام ابو العباس المرسى وتفسيره فله عظيم الشكر وجزيل الامتنان
دكتور: منيع عبد الحليم محمود
مدرس التفسير وعلوم القرآن كلية أصول الدين- جامعة الأزهر
стр. 6
الإمام سفيان الثورى وتفسيره
ولد سنة سبع وتسعين، وخرج من الكوفة إلى البصرة سنة خمس وخمسين ومائة وتوفى بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة.
وكان عالم هذه الأمة وعابدها وزاهدها.
وكان لا يعلم أحدا العلم حتى يتعلم الأدب ولو عشرين سنة.
وامتنع مرة من الجلوس للعلم، فقيل له فى ذلك، فقال:
والله لو علمت أنهم يريدون بالعلم وجه الله لأتيتهم فى بيوتهم وعلمتهم، ولكن إنما يريدون به المباهاة، وقولهم حدثنا سفيان.
وكان إذا جلس للعلم وأعجبه منطقه يقطع الكلام ويقوم ويقول:
أخذنا ونحن لا نشعر: وهذه منزلة فى الأخلاق ومحاسبة النفس تعز على من رامها وتطول.
برز سفيان فى الحديث حتى وصل إلى أعلى مراتبه فكان: أمير المؤمنين فى الحديث- وكما أن للمؤمنين أميرا فى مسائل الدنيا فان للمحدثين أمراء وكان منهم سفيان.
كان أبوه من ثقات المحدثين، وكان من غير شك أول من لقن سفيان العلم، فنشأ سفيان- دون اختيار منه- بين كتب الحديث، وتفتحت عيناه على جو من العلم يتسم بعبير النبوة وتسوده جوامع الكلام، واتجه آليا فى دراسته وجهة أبيه، وفى ذلك يقول هو:
(طلبت العلم فلم تكن لى نية ثم رزقنى الله النية).
أى أنه طلب العلم أولا بحكم العادة البحتة، ثم وفقه الله سبحانه لأنه يقصد به وجه الله.
стр. 7
ولكن مما يجدر ملاحظته أن المحدثين إذ ذاك ما كانوا يأخذون على تدريس الحديث أجرا فلقد كانوا يتمثلون قوله تعالى:
قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ.
(سورة الأنعام الآية ٩٠) وفى سبيل طلب العلم قدم له أهله كل معونة وهيئوا له ما يمكن- وهو نزر يسير- من المساعدة، وفى ذلك تقول أمه:
(يا بنى، أطلب العلم وأنا أعولك بمغزلى، وإذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى فى نفسك زيادة فى الخير فان لم تر ذلك فلا تتعبن نفسك).
ويكفينا فى هذه الكلمة أن نأخذ منها:
١ - أن الجو الذى كان يعيش فيه سفيان كان جو تقشف.
٢ - أن هذا الجو كان يتسم بالتقوى والصلاح.
ونشأ سفيان بين «أب» من ثقات المحدثين، وأم تريد أن تعوله بمغزلها ليطلب العلم. من أجل زيادة النور فى قلبه.
وبدأ سفيان يتعلم اتباعا لأبيه، واستجابة لرغبة أمه.
وما إن دخل دور الشباب حتى بدأ يفكر جديا فى أمر معيشته، يقول سفيان:
لما همت بطلب الحديث، ورأيت العلم يدرس، قلت: أى رب، إنه لا بد لى من معيشة، فاكفنى هم الرزق، وفرغنى لطلبه، فتشاغلت بالطلب فلم أر إلا خيرا وأعلنها فى صراحة صريحة:
عليك بعمل الأبطال: الكسب من الحلال، والإنفاق على العيال.
ولما سئل عن الحلال ما هو؟ قال:
تجارة برة، أو عطاء من إمام عادل، أو صلة من أخ مؤمن، أو ميراث لم يخالطه شىء.
стр. 8
ويوصى سفيان من عنده قدر من المال أن يصلحه أى يثمره، فيقول:
من كان فى يده من هذه التجارة شىء فليصلحه، فانه زمان من احتاج كان أول ما بذل دينه.
ومن أجل كل ذلك طلب سفيان المال عن طريق التجارة، وسافر متاجرا.
ومع كل ذلك فما كان سفيان صاحب ثراء عريض، وما كان ليتمنى أن يكون صاحب ثراء عريض لقد وهب نفسه للعلم ووهبها للعلم لوجّه الله ، وما كان هدفه من المال إلا حفظ ماء وجهه ومن أجل ذلك لم يكن يستغرق فى التجارة وإنما كان يتاجر بقدر كسب ما يكفيه ثم يكرس باقى وقته للعلم.
كان سفيان الثورى معنيا بالقرآن عناية كبيرة، ولا يتأتى أن يكون الأمر على غير ذلك، فالقرآن فى حياة المسلم هو الأساس الأصيل الذى بدونه لا يكون اسلام، يقول الوليد بن عقبة:
كان سفيان الثورى يديم النظر فى المصحف، فيوم لا ينظر فيه يأخذه فيضعه على صدره.
ويقول عبد الرازق:
كان الثورى جعل على نفسه، لكل ليلة جزءاً من القرآن وجزءا من الحديث فيقرأ جزءا من القرآن ثم يجلس على الفراش فيقرأ جزءا من الحديث ثم ينام.
وكان سفيان يقول: سلونى عن التفسير والمناسك فإنى بهما عليم.
ومن أجل عناية الثورى بالقرآن يقول الأوزاعى:
لو قيل لى اختر رجلا يقوم بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ لاخترت لهما الثورى.
стр. 9
ومع عناية الثورى بالتفسير فانه لم يفسر القرآن على الطريقة المعروفة الآن وهى تتبع القرآن من أوله سورة سورة. وآية آية، حتى ينتهى إلى آخره، دون أن يترك آية بدون تفسير.
كان سفيان- إذن- يفسر آية من هنا وآية من هناك ... إنه كان يفسر الآية التى تحتاج إلى نوع من الشرح والإيضاح الذى يحتاجه بعض الناس لقصورهم فى اللغة، أو لقصورهم فى الثقافة.
وإذا فسر الإنسان القرآن كلمة كلمة، وآية آية ... وسورة سورة، على هذا النسق الحالى، فقد قيد القرآن- فى وهمه وفى وهم من اتبعه- بفكرته بثقافته، بعقليته، بهواه إن كان صاحب هوى ...
وما من شك فى أن أسلوب القرآن يتحكم فى المفسر، ولكن المفسر مهما حاول أن يستجيب إلى أسلوب القرآن فانه يجد مجالا للتأويل حتى يصل إلى ما يرى- بحسب مستواه- أنه حق.
ومع ذلك ومع كل ما قاله المفسرون مع قدماء ومن محدثين، ورغم مئات الشروح التى وضعت للقرآن فان القرآن ما زال غضّا نضرا جديدا، فياضا بالمعانى، سيلا بالإلهامات، ومن أجل هذه النضرة، ومن أجل ترك أبواب الإلهامات يوحيها القرآن كل يوم لقارئه، لم يفسر رسول الله ﷺ القرآن كلمة كلمة، وسورة سورة، وإنما هى كلمة من هنا وآية من هناك، بحسب الظروف والمقتضيات ... وانظر مثلا كتاب التفسير فى صحيح البخارى أو فى صحيح مسلم أو فى غيره من كتب الصحاح فستجد أن تفسير رسول الله ﷺ إنما هو على ما ذكرنا ...
ولم يحاول كبار الصحابة تفسير القرآن على الوضع المألوف عندنا الآن، ذلك لأنهم كانوا يرون أن القرآن فى انطلاقه الموحى وفى نظرته الملهمة باستمرار، وفى تأثيره الروحى والأخلاقى يجب أن لا تحده حدود، وأن لا تقيده قيود ذهنية بشرية.
ومن أجل بقاء استمرار القرآن فياضا بالهداية، لا يحجب نبعه الصافى
стр. 10
حجاب من مراء أو من جدل، التزم سلفنا الصالح الخطة المحكمة: تفسير كلمة من هنا أو آية من هناك، بحسب الظروف والأحوال ...
وسار سفيان الثورى على نسقهم، بل إنه فى الأغلب الأعم من تفسيره التزم أن يعزو كل رأى الى صاحبه، وأحب من الذين تحدثوا فى التفسير طائفة معينة، وآثر من بين هذه الطائفة «مجاهد» ...
ولم يكن للثورى تفسير للقرآن معروف منشور، وكان الذين يتحدثون عن الثورى فيما يتعلق بتفسيره للقرآن انما يأخذون من ذلك متناثرات فى مختلف الكتب.
ولكن توفيق الله صاحب الأستاذ «امتياز على عرشى» مدير مكتبة رضا ببلدة رامبور بالهند، فعثر على تفسير القرآن الكريم للثورى، رواه أبو جعفر محمد عن أبى حذيفة النهدى عن الثورى فصححه ورتبه وعلق عليه ...
بيد أن هذا التفسير الذى نشر فى سنة ١٣٨٥ هـ- ١٩٦٥ م لم يستوعب آراء الثورى فى التفسير ففي جلية الأولياء وفى تفسير الطبرى وفى غير ذلك من الكتب كثير من آراء الثورى فى التفسير.
ولعلنا فى المستقبل نجد شبابنا الذين يشرعون فى كتابة رسائل الدكتوراة، أو يحبون البحث العلمى الجاد ينقبون عن آراء الثورى فى التفسير، وينشرون قدر المستطاع كل آراء الثورى فى التفسير سواء صدرت عنه شخصيا أو اختارها من بين آراء الصحابة أو التابعين رضوان الله عليهم.
والثورى له جوانب كثيرة خصبة تحتاج الى دراسة، فهو صاحب مذهب فقهى لا يقل فى عمقه وفى صدقه عن المذاهب المشهورة، وهو مذهب لم يجد من تلاميذ الثورى من يقوم على نشره وهو منشور أيضا فى ثنايا كتب الفقه والتفسير والحديث.
ولعلنا نجد من شبابنا من يقوم بمهمة جمع آراء الثورى فى الفقه، فيكون لنا مذهب اتباعى من أصدق المذاهب وأخلصها.
стр. 11
وكان للثورى مسند فى الحديث يحتوى على آلاف من أحاديث رسول الله ﷺ . والثورى ثقة فى الحديث، ولعلنا نجد أيضا من شبابنا من يتفرغ- ابتغاء مرضاة الله تعالى- لجمع أحاديث الثورى، واعادة مسنده من جديد ...
نموذج من تفسيره:
عن مجاهد فى قوله :
وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ. (سورة البقرة الآية ١٦٦) قال: تواصلهم فى الدنيا.
وعن أبى جعفر فى قول الله تعالى:
وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ (سورة التوبة الآية ٦٠) قال: الغارمين المستدينين بغير فساد.
وابن السبيل المجتاز من الأرض إلى الأرض.
وعن ابن عباس فى قوله تعالى:
أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً. (سورة مريم الآية ٧٤) قال: الأثاث المال، والرئى المنظر.
وعن عكرمة قال: سئل ابن عباس:
أكان الليل قبل أو النهار .. ؟ فقرأ:
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما. (سورة الأنبياء الآية ٣٠) ثم قال: هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك ليعلموا أن الليل قبل النهار.
وعن مجاهد فى قوله:
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ. (سورة الفتح الآية ٢٩) قال: الخشوع والتواضع ...
стр. 12
الإمام ابن قتيبة وتفسيره
هو الإمام العالم الفاضل أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى وقيل المروزي، الإمام النحوى اللغوى المصنف فى فنون التفسير والحديث وغيرهما من الفنون. ولد سنة ٢١٣ هـ.
وسكن بغداد، وحدث بها عن ابن راهويه، وتتلمذا لكثير من المشاهير كمسلم بن قتيبة والده، والقاضى يحيى بن أكثم وأبى حاتم السجستانى وشبابة بن سوار والجاحظ.
وروى عنه ابنه أحمد وابن درستويه وغيرهما، وأخذ عنه العلم كثير من العلماء كأحمد بن مروان المالكى. وقاسم بن إصبع الأندرسى وأبو القاسم عبد الله بن محمد الأزدى وغيرهم.
تولى ابن قتيبة قضاء الدينور مما يدل على غزارة علمه وسعة فضله وتفرغ للبحث والدراسة والجمع والتحصيل، ثم مارس التأليف فطال فيه باعه، وظهر به فضله، وكان من كبار المجتهدين، ومن مؤلفاته الهامة ما يلى:
أدب الكاتب.
عيون الأخبار.
تأويل الحديث.
تأويل مشكل القرآن.
غريب القرآن.
المعارف.
الشعر والشعراء.
الاختلاف فى اللفظ والرد على الجهمية.
стр. 13
ويهمنا من هذه الكتب ما يتصل بالتفسير وعلومه حيث تبدو خدمته للقرآن واضحة، ومنهجه فى تأويل الكتب المتصلة بعلومه سليما غاية السلامة، نافعا كل النفع.
وقد تحدث ابن قتيبة فى كتابه تأويل مشكل القرآن عن القرآن فقال:- الحمد الله الذى نهج لنا سبيل الرشاد، وهدانا بنور الكتاب، ولم يجعل له عوجا، بل نزله قيما، مفصلا بينا.
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. (سورة فصلت الآية ٤٢) وشرفه وكرمه، ورفعه وعظمه، وسماه روحه ورحمة، وشفاء، وهدى ونورا.
وقطع منه بمعجز التأليف أطماع الكائدين، أبانه بعجيب النظم عن جيل المتكلفين وجعله متلوا لا يمل على طول التلاوة، ومسموعا لا تمجه الآذان، وغضا لا يخلق على كثرة الرد وعجيبا لا تنقضى عجائبه، ومفيدا لا تنقطع فوائده .. ونسخ به سالف الكتب، وجمع الكثير من معانيه فى القليل من لفظه، وذلك معنى قول رسول الله ﷺ :
(أوتيت جوامع الكلم).
فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر قوله سبحانه:
«خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين».
كيف جمع له بهذا الكلام كل خلق عظيم، لأن فى أخذ العفو صلة القاطعين والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين.
وفى الأمر بالعرف تقوى الله، وصلة الأرحام، وصون اللسان عن الكذب وغض الطرف عن الحرمات.
стр. 14
وإنما سمى هذا وما أشبهه عرفا ومعروفا لأن كل نفس تعرفه، وكل قلب يطمئن إليه.
ويستطرد فى التمثيل لإيجاز القرآن فى اللفظ مع وفرة المعانى التى تدل عليها الألفاظ القليلة .. ومما ذكره فى ذلك قوله تعالى:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ؟ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ؟. (سورة يونس الآية ٤٢، ٤٣) كيف دل على فضل السمع على البصر، حين جعل مع الصمم فقدان العقل ولم يجعل مع العمى إلا فقدان النظر.
وكان من المنافحين عن لغة العرب، الكاشفين عن أسرارها، الموضحين لمزاياها وخصائصها وإنه يقول عن العرب وما خصهم الله به من العارضة والبيان واتساع المجال.
وإنما يعرف فضل القرآن من كثرة نظره، واتساع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها فى الأساليب، وما خص الله به لغتنا دون جميع اللغات، فإنه ليس فى جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة والبيان، واتساع المجال ما أوتيته العرب خصيص من الله لما أرهصه فى الرسول، وأراده من إقامة الدليل على نبوته بالكتاب، فجعله علمه، كما جعل علم كل نبى من المرسلين من أشبه الأمور بما فى زمانه المبعوث فيه:
ويطول بنا المقام لو استعرضنا ما ذكره من أمثلة على ذلك، ويكفينا هنا قوله:
стр. 15
ولو أن قائلا قال: هذا قاتل أخى بالتنوين، وقال آخر: هذا قاتل أخى بالإضافة لدل التنوين على أنه لم يقتله، ودل حذف التنوين على أنه قد قتله:
ويتعرض ابن قتيبة لبعض المعانى المقصودة من الآيات التى عجز عن فهمها كثير من الناس، وظن البعض أنها تعارض العقل.
ومن أجمل ما ذكره فى ذلك ردا على ما قيل عن تكرار الكلام والزيادة، ومما يقوله فى ذلك.
وأما تكرار الأنبياء والقصص، فإن الله ﵎ أنزل القرآن نجوما «أجزاء متفرقة» فى ثلاث وعشرين سنة، بفرض بعد فرض تيسيرا منه على العباد، وتدريجا لهم إلى كمال دينه، ووعظ بعد وعظ، تنبيها لهم من سنة الغفلة، وشحذا لقلوبهم بمتجدد الموعظة، وناسخ بعد منسوخ، استعبادا لهم، واختبارا لبصائرهم يقول الله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا.
(سورة الفرقان الآية ٣٢) الخطاب للنبى ﷺ والمراد والمقصود به بالتثبيت أنه هو والمؤمنون.
وكان رسول الله ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة مخافة السّامة عليهم أى يتعهدهم بها عند الغفلة ودثور القلوب.
ولو أتاهم القرآن نجما واحدا لسبق حدوث الأسباب التى أنزله الله بها، ولثقلت جملة الفرائض على المسلمين، وعلى من أراد الدخول فى الدين، ولبطل معنى التنبيه، وفسد معنى النسخ، لأن المنسوخ يعمل به مدة ثم يعمل بناسخه بعده.
стр. 16
وكيف يجوز أن ينزل القرآن فى وقت واحد. افعلوا كذا ولا تفعلوا .. ولم يفرض الله على عباده أن يحفظوا القرآن كله، ولا أن يختموه فى التعلم، وإنما أنزله ليعملوا بحكمه، ويؤمنوا بمتشابهه، ويأتمروا بأمره، وينتهوا بزجره، ويحفظوا للصلاة مقدار الطاقة ويقرءوا فيها الميسور.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ ورضى الله عنهم وهم مصابيح الأرض، وقادة الأيام بمنتهى العلم، إنما يقرأ الرجل منهم السورتين والثلاث والأربع، والبعض والشطر من القرآن الا نفرا منهم وفقهم الله لجمعه، وسهل عليهم حفظه ..
وكانت وفود العرب ترد على رسول الله ﷺ ، فيقرئهم شيئا من القرآن فيكون ذلك كافيا لهم.
وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناة ومكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم، وقصة لوط إلى قوم.
فأراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص فى أطراف الأرض، ويلقيها فى كل سمع ويثبتها فى كل قلب، ويزيد الحاضرين فى الإفهام والتحذير ..
وليست القصص كالفروض، لأن كتب رسول الله ﷺ كانت تنفذ إلى كل قوم بما فرضه الله عليهم من الصلاة، وعددها وأوقاتها والزكاة وسننها، وصوم شهر رمضان وحج البيت، وهذا ما لا تعرف كيفيته من الكتاب .. ولم تكن تنفذ بقصة موسى وعيسى ونوح وغيرهم من الأنبياء، وكان هذا فى صدر الإسلام قبل إكمال الله الدين، فلما نشره الله فى كل قطر، وبثه فى آفاق الأرض، وعلم الأكابر الأصاغر، وجمع القرآن بين الثقلين زال هذا المعنى واجتمعت الأنباء فى كل مصر، وعند كل قوم ..
هذه بعض الملامح لتفكير ابن قتيبة وعلمه فيما يتصل بالقرآن. وكل
стр. 17
ما صدر منه فى ذلك ينبئ عن فكر ناضج، وعلم واسع، وحرص على الروح العلمية السليمة، العاملة على كشف الشبهات، وإزالة الأباطيل، وبيان وجه الحق فيما تعرض له من شئون.
وكان ابن قتيبة معنيا بالرد على الشبه التى تثار حول النصوص الدينية وخاصة من المعتزلة ونحوهم ملتزما للمنهج العلمى فى ذلك، فاستحق ثناء العلماء عليه.
قال ابن خلكان:
كان فاضلا ثقة سكن بغداد، وحدث بها عن اسحاق بن راهويه وأبى اسحاق إبراهيم بن سفيان بن سليمان وأبى حاتم السجستانى وتلك الطبقة وتصانيفه كلها مفيدة.
وقال الذهبى فى المغنى عنه: صدوق.
وقال الخطيب: ثقة.
وكانت وفاته فجأة سنة ٢٧٦ هـ، إذ أكل هريسة فأصابته حرارة فصاح صيحة شديدة ثم أغمى عليه، ثم أفاق، فما زال يتشهد حتى مات- الله ونفع بعلمه ..
стр. 18
معانى القرآن لأبى زكريا الفراء
كان والده زياد الأقطع محبا لآل البيت، متفانيا فى حبهم.
وكلمة «الأقطع» فى اسم والده هى وسام شرف ألحق باسمه بسبب حبه لآل البيت، فقد قطعت يده فى حربه مع سيد الشهداء الإمام الحسين رضى الله عنه:
وإذا كان هناك من يسمى: أمير المؤمنين فى الحديث- كسفيان الثورى- فإنه كان يحلو لثعلب العالم الكوفى الكبير أن يسمى الفراء: أمير المؤمنين فى النحو وهو لقب استحقه الفراء بجدارة.
وإذا كان قد بلغ القمة فى النحو، فإن ابن خالته هو محمد بن الحسن الفقيه الشيبانى صاحب أبى حنيفة كان قمة فى الفقه.
ومن أظهر أساتذة الفراء: على بن حمزة الكسائى- فى النحو، وسفيان بن عيينة فى الفقه والحديث.
وكان الفراء معنيا بعلم القراءات- وأجاده إجادة كبيرة وقد أخذه عن الكسائى، ومحمد بن حفص.
وهذه العقلية التى تمحضت- أو كادت- لدراسة علوم اللغة والنحو وما إليهما لا يأتى أن يكون عندها الاستعداد الفطرى لعلم الكلام ولكن طموح الفراء أبى إلا أن يحاول إتقان علم الكلام فاخفق وذلك لأن طبيعته هى طبيعة النحويين، وعن ذلك يقول أديب العربية أبو عمرو الجاحظ:
«دخلت بغداد سنة أربع ومائتين حين قدم إليها المأمون- وكان الفراء يحبنى، ويشتهى أن يتعلم شيئا من علم الكلام، فلم يكن له فيه طبع.
стр. 19
لقد أخفق فى دراسة علم الكلام، ولكنه كان يحب أن يشتهر بالاعتزال والفلسفة، وليس له فيهما قدم.
وأما تظاهره بذلك، فإنما كان تقربا للمأمون. فإنه ما كان أحد يتقرب منه إلا إذا كانت له ميول اعتزالية، ومرن لسانه على استعمال مصطلحات فلسفية.
ومع إخفاقه فى علم الكلام، فإنه برع فى علوم كثيرة، يقول ثمامة بن اشرس- وهو من أئمة المعتزلة، وكان مقربا من المأمون- يقول عن الفراء:
رأيت له أبهة أدب فجلست إليه، فناقشته عن اللغة، فوجدته بحرا وعن النحو، فشاهدته نسيجا وحده، وعن الفقه: فوجدته فقيها عارفا باختلاف القوم، وفى النجوم: ماهرا، وبالطب: خبيرا، وبايام العرب واشعارها: حاذقا.
واشتهر الفراء وذاع صيته، فاستدعاه الرشيد، وأنس له، وجنى الفراء من وراء ذلك ثروة ومنزلة فألف التردد على أبواب الأمراء والملوك فقد اتصل بالمأمون، ويروى المؤرخون له أن المأمون عهد إليه أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو، وما سمع من العرب، فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار. ووكل بها جوارى، وخدما للقيام بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه، ولا تتشوق نفسه إلى شىء حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة، وصير له الوراقين، والزمه الأمناء والمنفقين، فكان الوراقون يكتبون حتى صنف كتاب الحدود، وأمره المأمون بكتبه فى الخزائن.
وأنس المأمون به كما أنس الرشيد، وأدناه المأمون إلى درجة أن وكل إليه تعليم أبنائه ومع أنه كان يتردد على أبواب الأمراء والوجهاء والملوك، فقد كانت له ميزات حسنة نذكر منها:
أنه كان متقشفا بطبيعته، وكان المال الذى يأتيه فى أثناء العام يجمعه إلى موعد معين يفارق فيه بغداد إلى الكوفة، حيث أهله وعشيرته فيمكث بالكوفة
стр. 20
أربعين يوما بين أهله وعشيرته يتفقد أحوالهم ويتودد إليهم وينفق عليهم ما ادخره أثناء العام، ثم يعود من جديد إلى بغداد ...
وصلة الأرحام من أنفس القربات فى دين الإسلام الحنيف ومن الأمور التى تذكر بالخير للفراء هذا الموقف الكريم.
يروى ابن النديم خبرا يحكيه أبو العباس ثعلب أن السبب فى إملاء الفراء «الحدود» هو أن جماعة من أصحاب الكسائى صاروا إليه وسألوه أن يملى عليهم أبيات النحو ففعل، فلما كان المجلس الثالث قال بعضهم لبعض: إن دام هذا على هذا علم النحو الصبيان والوجه أن يقعد عنه:
فغضب وقال: سألونى القعود- يعنى للمحاضرة والإملاء- فلما قعدت تأخروا، والله لأملئن النحو ما اجتمع اثنان- فأملى ذلك ست عشرة سنة! ووثق به المأمون وبعلمه، فاتخذه معلما لاولاده.
ونأتى الآن إلى (كتاب المعانى) ويذكر ثعلب أن السبب فى تأليفه أن عمر بن بكير كان من أصحابه، وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفراء أن الأمير الحسن بن سهل ربما سألنى عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرنى فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لى أصولا، أو تجعل فى ذلك كتابا أرجع إليه فعلت! فقال الفراء لأصحابه:
اجتمعوا حتى أملى عليكم كتابا فى القرآن- وجعل لهم يوما حضروا فخرج إليهم، وكان فى المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس فى الصلاة وكان يكتب عن الفراء الوراقون- وهم تجار الكتب- ومع أن عدد من كان يحضر الدرس لا يكاد يحصى فإن الذى حرص على الكتابة هم: الوراقون ولما انتهى الفراء من الإملاء خزن الوراقون الكتاب ليبيعوه بثمن مرتفع جدا، وشكا الناس إلى الفراء فاحضر الوراقين وأخذ يتحدث معهم فى خفض ثمن النسخ فلم يفلح معهم وذلك لجشعهم.
стр. 21
لقد أعلنوا أنهم ينسخون الخمس ورقات بدرهم، ولم يجد معهم الحديث الإنسانى! وعند ذلك أعلن الفراء أنه سيملى من جديد، وبدأ فعلا، وجاء الناس باقلامهم ومحابرهم ولما رأى الوراقون ذلك أتوا إلى الفراء ورضوا أن ينسخوا كل عشر ورقات بدرهم، وتم الاتفاق على ذلك.
وعن هذا التفسير بقول ثعلب:
«لم يعمل أحد قبله مثله، ولا أحسب أن أحدا يزيد عليه».
وقد كان من الطبيعى أن الفراء كان مهمّا- وفى الدرجة الأولى- بالنحو كعلم له خطره. من بين العلوم، ثم استخدمه فى تفسير القراءات وتعليل وجوهها من العربية ويمكن أن يقال ان اهتمامه الزائد بالقراءات هو الذى جعله يهتم اهتماما مماثلا بالنحو! والقراءات ليست علما للعلم فقط. وإنما هى مرتبطة بالمعنى ارتباطا وثيقا، ومن هنا كان اهتمام كثير من المفسرين بها.
وكما اهتم بالقراءات وبالنحو، فإنه اهتم بأسباب النزول واهتم من قبل ذلك ومن بعد بجمال الأسلوب القرآنى، وبالمعنى اهتماما كبيرا، وما كان ذلك إلا من أجل الدقة فى بيان المعنى لتقريره.
نماذج من تفسيره:
ونذكر هنا عددا من النماذج المختصرة:
ففي مجال اهتمامه بتوجيه القراءات وما تدل عليه من معنى يذكر فى تفسير قوله تعالى من سورة النجم.
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ.
(الآية ٣٢) يقول: قرأ يحيى بن وثاب «كبير» وفسر عن ابن عباس أن كبير الإثم هو: الشرك فهذا موافق لمن قرأ «كبير الاثم» بالتوحيد- يعنى: الإفراد دون
стр. 22
الجمع «كبائر» - ... ثم يقول الفراء: وقرأ العوام: كبائر الإثم والفواحش- فيجعلون كبائر كأنه شىء عام وهو فى الأصل واحد، وكانى استحب لمن قرأ «كبائر» أن يخفض «الفواحش» ... قال الفراء: وما سمعت أحدا من القراء خفض «الفواحش» ...
وعن جمال الأسلوب القرآنى الذى يكشف عنه الفراء نجد تفسيرا لقوله تعالى:
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً، فَالْمُورِياتِ قَدْحاً ... فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً .... (سورة العاديات الآية ١، ٢، ٤،) قال: يريد به الوادى- ولم يذكر «الوادى» قبل ذلك وهو جائز لأن الغبار لايثار إلا من موضع. وإن لم يذكر إذا عرف اسم الشيء كنى عنه، وإن لم يجر له ذكر.
قال الله تعالى:
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. (سورة القدر الآية ١) يعنى القرآن وهو مستأنف سورة، وما استأنفه فى سورة إلا كذكره فى آية قد جرى ذكره فيما قبلها كقوله حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْناهُ.
وقال ﵎:
إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ. (سورة ص الآية ٣٢) يريد: الشمس، ولم يجر لها ذكر.
وفى مجال اهتمام الفراء بالصناعة النحوية نجد له بعض النوادر الجملية.
ففي قوله تعالى:
стр. 23
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ، ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ.
(سورة الزمر الآية ٨٠) يقول الفراء: نسى ما كان يدعو إليه: ترك الذى كان يدعوه إذا مسه الضر، يريد الله ﵎.
فإن قلت فهلا قال: نسى من كان يدعوه، قلت: إن «ما» قد تكون فى موضع «من» قال الله ﵎:
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. (سورة الكافرون الآية ١، ٢، ٣،) يعنى الله ﵎.
وقال .
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ.
(سورة النساء الآية ٣) فهذا وجه وبه جاء التفسير- ومثيله: «أن تسجد لما خلقت بيدى» وقد يكون نسى ما كان يدعو إليه يراد به:
نسى دعاءه إلى الله من قبل، فإن شئت جعلت الهاء فى قوله «إليه».
وإن شئت جعلتها لله ، وكل مستقيم ...
نفع الله الناس بتفسير الفراء وبعلمه الغزير.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه.
стр. 24
الإمام سهل بن عبد الله التسترى وتفسيره
من أعلام العلماء، وائمة التصوف، الزاهد الورع، والعابد المتقشف، أبو محمد سهل بن عبد الله التسترى، ولد فى تستر بالأهواز سنة ثلاث ومائتين من الهجرة وعاش فى القرن الثالث الهجرى، ذلك القرن الذى حفل بالأئمة الكبار فى كل فن من الفنون.
نشأ سهل فوجد امامه فى جنح الليل خاله محمد بن سوار، قائما يتبتل إلى الله ويضرع إليه ويناجيه، يصلى فى خشوع؛ ويدعو فى خضوع، ويقضى الليل ساهرا فى عبادة خاشعة آسرة، جذبت سهلا إليه، وربطته به، وحببته فيه.
ومرت أيام فإذا بالخال يقول:
يا سهل: ألا تذكر الله الذى خلقك؟
قال سهل: يا خال، كيف أذكره؟
فقال الخال: قل بقلبك عند تقلبك فى ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك: «الله شاهدى، الله معى، الله ناظر إلى» يقول سهل: فقلت ذلك ثلاث ليال ثم أعلمته به، فقال لى: قل فى كل ليلة سبع مرات فقلت ذلك ثم أعلمته، فقال: قل فى كل ليلة: احدى عشرة مرة، فقلت ذلك، فوضع فى قلبى له حلاوة، فلما كان بعد سنة قال لى خالى:
احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فانه ينفعك فى الدنيا والآخرة.
стр. 25
واستمر سهل على ذلك سنين، ووجد حلاوة للعبادة، وأحس بهذه الحلاوة تملأ جوانحه وتسرى بين كل ثنايا شعوره، وتملك عليه جميع أقطار نفسه، ولما تعود الذكر وتمرس به وأصبح له وردا، وأصبح له غذاء، توجه إليه خاله قائلا:
يا سهل: من كان الله معه، وهو ناظر إليه، وشاهده، أيعصيه؟
إياك والمعصية؟
ولكن كيف يتجنب المعصية وهى أمامه فى كل شىء إنها فى الطريق، إنها فى العمل إنها فى كل مجال. إن عليه أن يهئ نفسه ويعدها اعدادا كاملا للخير، ومن أجل ذلك
اعتزل، وتفرغ للعبادة والتهجد والذكر وكان لا يزال صغيرا لم يذهب إلى الكتاب بعد ..
وأرسلوه إلى الكتاب، فاشترط ان يكون ذهابه ساعة من نهار حتى لا ينفرط عقد عبادته، ولا يتشتت ذهنه.
وذهب إلى الكتاب. وضم إلى العمل العلم، وإلى الذكر فيوضات الخير النابعة من داخل القلب، لقد حفظ القرآن، وتفقه فى امور الشرع لقد حفظ القرآن وهو ابن ست سنين، وشغله الذكر والاستغراق فى العبادة عن متطلبات الحياة المادية العادية.
لقد تغذى بالذكر فخف احتياجه إلى ما سواه، وكان يكتفى بخبز الشعير، وكان يأكل أقل القليل منه.
يقول الإمام ابن عربى، صاحب الفتوحات المكية ..
رحل إلى عبادان، وتوجه إلى شيخ من كبار الشيوخ، فسأله عن مسألة فأجابه، فأعجب به، ولزم خدمته، وأقام عنده مدة ينتفع بكلامه ويتأدب بآدابه، ولما حصل ما شاء الله له من علوم الشيخ عاد إلى تستر، واشتهر فى مقام الزهد والتهجد والعبادة.
стр. 26
ثم أخذ فى السياحة إلى شتى الأقطار، ورحل إلى كثير من البلدان، وقابل العديد من الأولياء والعلماء.
لقد حصل العلم بسلوكه، وحصل العلم بتلقيه ومدارسته. لقد ضم إلى الشريعة الحقيقة، واستمرت سياحته سنين، وعاد إلى تستر ... عاد إليها على نور من ربه، وبدأ دعوته إلى الله على هدى وبصيرة، ولم يبدأ الدعوة إلى الله إلا بعد أن أذن الله له.
يقول صاحب كتاب صفة الأولياء ومراتب الأصفياء:
ذكر سهل التسترى، وهو ابن سبع سنين وساح فى طلب العلم وهو ابن تسع سنين وكانت تلقى مشكلات المسائل على العلماء ثم لا يوجد جوابها إلا عنده وهو ابن إحدى عشرة سنة، وحينئذ ظهرت عليه الكرامات.
وبلغ سهل النضوج العلمى والنضوج الروحى بتوفيق الله تعالى بعد جهاد ومجاهدة بعد ذكر وعبادة، بعد صوم وسياحة، وحينما أذن الله له فى الدعوة إليه، أخذ يدعو إلى الله على بصيرة، ويرسم الطريق إليه على هدى.
ولم تقتصر دعوته إلى الله على التربية وتعليم السلوك، ولم تقتصر دعوته على القول والموعظة الحسنة، لقد ترك مؤلفات قيمة فى مجالات متعددة، وشارك فى أنواع من العلوم- ومن أشهر كتبه ..
رقائق المحبين.
مواعظ العارفين.
جوابات أهل اليقين.
قصص الأنبياء.
هذا فضلا عن تفسيره المشهور.
ولقد امتاز سهل بتعظيمه للسنة، وبتعظيمه للشريعة.
لقد ذهب إلى أبى داود- صاحب السنن زائرا- واستقبله أبو داود فى
стр. 27
احترام واعزاز. وقبل سهل فم أبى داود، لأنه ينطق بالسنة ويلغها للناس.
وأبان سهل بذلك عن تواضع جم، واحترام عميق للسنة ولمن يخدمون السنة.
ومن كلماته الحكيمة الدالة على كمال الاقتداء:
«ما عبد الله بشيء أفضل من مخالفة الهوى» «ما أعطى أحد شيئا أفضل من علم يستزيد افتقار إلى الله» وكانت وفاته بالبصرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين بعد حياة مباركة، ﵀ ونفع به.
стр. 28
تفسير سهل بن عبد الله التسترى
هذا التفسير من التفاسير التى تمثل بحق التفسير الصوفى للقرآن الكريم.
فمؤلفه له القدم الثابته فى مجال السلوك الصوفى القائم على أساس من الشريعة والاقتداء بالرسول ﷺ .
وقد تكلم على بعض آيات من القرآن مبينا ما ألهمه بشأنها.
وقد جمع أقواله أبو بكر بن أحمد فى كتاب «عرف» بتفسير التسترى، وهو هذا التفسير الذى نعرفه الآن، والذى طبع فى كتاب متوسط الحجم باسم .. «تفسير القرآن العظيم».
والناظر فى هذا التفسير- يلمح عليه دلائل التفسير الصوفى المستقيم، ويرى فيه تحقيق قول المؤلف ..
«أصولنا سبعة .. التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق.
لقد سار سهل فى إطار القرآن، وعرف ما قاله الأئمة أو كثير من الأئمة فى تفسير الآيات، ولكن القرآن لا يمكن أن يحيط أحد بأقطاره، ولا يمكن أن تكون المعانى اللغوية الضيقة هى كل ما عبر عنه القرآن، إنها- إن عبرت- فإنها تعبر عن ظاهر.
ولكن القرآن الكريم ليس هو ما يظهر للناظر منذ الوهلة الأولى.
إن وراء ظاهره أسرارا لا تتعارض مع هذا الظاهر، ولكنها توضحه وتجعله نافذا إلى القلوب جاذبا للنفوس، آسرا للأرواح. إنها ما عبر عنه الرسول ﷺ بقوله:
стр. 29
(لكل آية ظهر وبطن، ولكل حرف، حد ومطلع) ويرى سهل أن ظاهر الآية التلاوة، وباطنها الفهم، وحدها الحلال والحرام ومطلعها: اشراق القلب على المراد بها فقها من الله ، فالعلم الظاهر علم عام والفهم لباطنه، والمراد به خاص، قال تعالى:
فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (سورة النساء الآية ٧٨) «أى لا يفقهون خطابا. وتفسيره على هذا الأساس يتجه إلى بيان بعض ما تشتمل عليه الآيات من إشارات، وما تدل عليه من الهامات. فيبرز بعض ما يفهمه من دلائل هذه الآيات.
وقد تحدث كثير من العلماء عن هذا النوع من التفسير.
ويرى إمام ابن الصلاح أن ما ورد عن الصوفية المعتبرين من التفسير لم يذكره الصوفى على أنه تفسير للآية ولا ذهب به مذهب الشرح لها، وإنما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن فإنه النظير يذكر بالنظير.
أما ابن عطاء السكندرى الصوفى الشهير فإنه يوضح المفهوم الحقيقى لهذا النوع من التفسير «التفسير الصوفى» فيقول:
اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله بالمعانى الغريبة ليس إحالة لظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه، ما جلبت له الآية ودلت فى عرف اللسان، وثم افهام باطنه تفهم عند الآية والحديث لمن فتح الله قلبه، وقد جاء فى الحديث:
«لكل آية ظهر وبطن» ثم يرد على من يقول:
إن فى هذا النوع من التفسير إحالة لكلام الله وكلام رسوله وصرفا لهما عن معانيهما وما يقصد بهما، فيقول:
стр. 30
ليس ذلك بإحالة، وإنما يكون إحالة لو قالوا:
لا معنى للآية إلا هذا وهم لم يقولوا ذلك، بل يقرون الظواهر على ظواهرها مرادا بها، موضوعاتها ويفهمون عن الله تعالى ما أفهمهم.
هذا هو الذى نراه فى هذا النوع من التفسير كتفسير سهل بن عبد الله.
ان سهلا لم يقم بتفسير تقليدى، يتبع فيه القرآن، ويؤلف فيه تفسيرا شاملا يجمع ما استطاع جمعه من المعانى اللغوية والشرعية والأخلاقية والكونية، وما إلى ذلك من المجالات التى تحدث عنها القرآن.
لقد تحدث عما أحس به من آثار وقوع الآية على قلبه، وما نضح به شعوره المؤمن فى هذا المجال، ولم يقل إن هذا تفسير كما يقول المفسرون ولم يقل إنه التفسير الوحيد الذى لا تقبل الآية سواه.
على أن سهلا- ﵀ لم يقتصر فى تفسيره على الجانب الإشارى من القرآن الكريم.
لقد ذكر فى أحيان كثيرة المعنى الظاهر للآية، والذى شاركه فيه أكثر المفسرين قبل أن يذكر المعى الإشارى أو بعض ما يرى أنه المعنى الإشارى؟
ولقد اقتصر فى أحيان أخرى على المعنى الظاهر، ولم يتحدث عن معنى إشارى وفى أحيان أخرى اقتصر على المعنى الإشارى لوضوح المعنى الظاهر أو شهرته متداولا بين الناس.
أنظر إليه عند تفسير قوله تعالى:
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ. (سورة الروم الآية ٤١) يقول:
«مثل الله الجوارح بالبر، ومثل القلب بالبحر وهو أعم نفعا واكثر خطرا» هذا هو باطن الآية، ألا ترى أنه سمى قلبا لتقلبه وبعد غوره.
وهذا التفسير صغير الحجم، سهل المأخذ، يحوى الكثير من الإشارات
стр. 31
اللطيفة التى لا تخالف ظاهر القرآن، ومن الممكن أن تكون مما يشير إليه لفظ الآية، ويحتمله معناها.
وقد جمع فيه كثيرا من حكايات الصالحين وأخبارهم، ووجه الأنظار كثيرا إلى ما يذكر النفوس ويطهر القلوب ويسوق إلى الصلاح ومن نماذجه الطيبة:
سئل سهل عن قوله تعالى:
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. (سورة آل عمران الآية ٧٩) قال محمد بن سوار:
الربانى الذى لا يختار على ربه أحدا سواه وهو اسم مشتق من الربوبية:
وقال سهل: الربانيون هم العالون فى الدرجة من العلم بالعلم كما قال محمد بن الحنفية لما مات عبد الله بن عباس رضى الله عنهما: لقد مات هذا اليوم ربانى هذه الأمة وإنما نسب إلى الرب لأنه عالم من علمه، كما قال:
«من أنبأك هذا»؟ قال: نبأنى العليم الخبير فنسبه إلى النبوة بما علمه الله ، وكل من أنباك بخبر موافق للكتاب والسنة فهو منبئ.
وقال عمر بن واصل: الربانيون هو المجموعون من العلماء، كما قال على رضى الله عنه:
الناس ثلاثة: عالم ربانى، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق.
قوله سبحانه:
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ.
(سورة الفرقان الآية ٥٨)
стр. 32
سئل ابن سالم عن التوكل والكسب بأيهما تعبد الخلق؟
قال: التوكل حال رسول الله ﷺ والكسب سنته، وإنما سن الكسب لهم لضعفهم حين أسقطوا عن درجة التوكل الذى هو حاله، فلم يسقطهم عن درجة طلب المعاش بالكسب الذى هو سنة، ولولا ذلك لهلكوا ..
قال سهل: من طعن فى الكسب فقد طعن فى السنة، ومن طعن فى التوكل فقد طعن فى الإيمان.
стр. 33
الإمام الطبرى وتفسيره
إذا ما جئنا بالحديث عن ابن جرير الطبرى وتفسيره فقد جئنا شيخ المفسرين بلا منازع لقد كان ابن جرير أديبا ذا أسلوب- يندر أن يصل إليه فحول الأدباء، لا تحس حينما تقرأه بتكلف أو تصنع بل تحس بالبلاغة والفصاحة تنساب انسياب الماء الرقراق، أو تهدر هدير الأعصار المجتاح، وفى كلا الأمرين تكون بصدد الاسلوب المتقن الآسر.
وكان ابن جرير فقيها. صاحب مذهب فى الفقه، يؤسفنا أن لم يعن به أحد وهذا المذهب الفقهى يصلح أن يعنى به أحد طلبة الدكتوراة فيكون رسالة نفيسة تفيد العلم وتلقى بأضواء نفاذة فى الفقه الإسلامى.
وكان ابن جرير مؤرخا من كبار المؤرخين، وله تاريخه المستفيض المشهور، وكان محدثا من كبار المحدثين، لقد كان أمة وحده.
ولنسر معه فى تسلسل حياته وفى أقوال العلماء عنه وعن تفسيره، فيكون ذلك تفصيلا لما ذكرناه.
هو الإمام المفسر المؤرخ أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى ...
ولد بآمل سنة خمس وعشرين ومائتين، واتجه منذ بواكير حياته إلى طلب العلم ودراسة علوم الدين، فحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وكتب الحديث وهو ابن تسع سنين، ورحل فى طلب العلم إلى كثير من مدن الإسلام ملتقيا بعلمائها، متعرفا على أخبارها، متزودا مما تذخر به من ألوان الثقافة، حتى توفر له من المراجع والمعارف ما مكنه من تأليف الكتب النافعة الجامعة التى خلدت اسمه، ورفعت ذكره، ووضعته فى مكانه البارز بين علماء الإسلام.
стр. 34
لقد رحل إلى الرى فسمع بها محمدا بن حميد الرازى وغيره من مشاهير المحدثين.
ثم انتقل عنها إلى البصرة فسمع محمدا بن المعلى. ومحمدا بن بشار المعروف ببندار ..
ثم رحل إلى الكوفة فسمع من هناء بن السرى، وأبى كرب محمد بن العلاء الهمدانى وانتهى به المسير فى بلاد العراق إلى بغداد فنهل مما تذخر به من علم. واستفاد مما تحتوى عليه من ألوان الثقافة الدينية.
وتجاوز بغداد إلى الشام فقرأ القرآن على العباس بن الوليد البيرونى بقراءة الشامين واستفاد منه ...
ثم انتهى به المسير إلى مصر فلقى بها من مشاهير العلماء محمدا بن عبد الله بن الحكم والمزنى ومحمدا بن اسحاق بن خزيمة وتلاميذ بن وهب.
وعاود رحلة العودة إلى طبرستان ثم انقطع للتدريس ببغداد حتى وافته منيته فى عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة. دفن فى داره برحبة يعقوب ولم يغير شيبه ...
صنف الكثير من الكتب مثل.
كتاب التفسير.
وكتاب التاريخ.
وكتاب اختلاف الفقهاء.
وكتاب تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار وهو الذى سماه القفطى شرح الآثار.
وكتابه ذيل المذيل ..
стр. 35
وقد طبع تفسيره وتاريخه وشطر من كتاب اختلاف الفقهاء ومختارات من ذيل المذيل ..
وقد استفاض العلماء فى الحديث عن ملامح شخصيته ومعالم حياته فى شتى الجوانب ومختلف الاتجاهات.
وقال الخطيب:
كان ابن جرير أحد الأئمة. يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه، لمعرفته وفضله، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا لكتاب الله بصيرا بالمعانى فقيها فى أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها. وناسخها ومنسوخها. عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المخالفين فى الأحكام، ومسائل الحلال والحرام عارفا بأيام الناس وأخبارهم.
وقال أبو العباس بن سريج:
(محمد بن جرير الطبرى فقيه العالم): أما عن تفسيره فقد ظهر فيه:
١ - تحرزه قبل تأليفه.
٢ - ونشاطه فى إعداده.
٣ - وسروره بإتمامه.
لقد ظهر تحرزه فى قوله استخرت لله تعالى فى عمل كتاب التفسير، وسألته العون على ما نويته ثلاث سنين قبل أن أعمله، فأعاننى ..
وذكر المؤرخون أنه حدث نفسه بهذا التفسير وهو صبى، واستخار الله فى عمله، وسأله العون على ما نواه ثلاث سنين قبل أن يعمله، فأعانه سبحانه.
ثم لما أراد أن يملى تفسيره قال لأصحابه:
(أتنشطون لتفسير القرآن؟) ...
قالوا وكم يكون قدره؟ ..
стр. 36
فقال: ثلاثون ألف ورقة.
فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره لهم فى ثلاثة آلاف ورقة ..
والناظر فى هذا التفسير يلمح ما بذله ابن جرير من جهد كبير فى إتمامه، لقد اعتنى فيه بجمع الآثار، وتحقيق الأخبار، ومدلولات اللغة، وأحكام الشرع، وأبدى رأيه مرجحا وموضحا وفاتحا المجال للاجتهاد والاختيار ..
وقد قدم لتفسيره بعد الحمد والثناء والصلاة على خاتم الأنبياء فقال: ثم أما بعد: فإن من جسيم ما خص الله به أمة نبينا محمد ﷺ من الفضيلة، وشرفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة، وحباهم به من الكرامة السنية، حفظه ما حفظ عليهم- جل ذكره وتقدست أسماؤه- من وحيه وتنزيله، الذى جعله على حقيقة نبوة نبيهم ﷺ دلالة، وعلى ما خصه به من الكرامة علامة واضحة، وحجة بالغة، أبانه به من كل كاذب ومفتر، وفصل به بينهم وبين كل جاحد وملحد وفرق بينهم وبين كل كافر ومشرك، الذى لو اجتمع جميع من بين أقطارها جنها وإنسها، وصغيرها وكبيرها، على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .. فجعله لهم فى دجى الظلم نورا ساطعا، وفى سدف الشبه شهابا لامعا وفى مضلة المسالك دليلا هاديا وإلى سبل النجاة والحق حاديا ...
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
(سورة المائدة الآية ٦١) حرسه بعين منه لا تنام، وحاطه بركن منه لا يضام، لا تهى على الأيام دعائمه ولا تبيد على طول الأزمان معالمه، ولا يجوز عن قصد المحجة تابعه. ولا يضل عن سبل الهدى مصاحبه، من اتبعه فاز وهدى ومن حاد عنه ضل وغوى، فهو موئلهم الذى إليه عند الاختلاف يئلون ومعقلهم الذى
стр. 37
إليه فى النوازل يعقلون، وحصنهم الذى به من وساوس. الشيطان يتحصنون وحكمة ربهم التى إليها يحتكمون، وفصل قضائه بينهم الذى إليه ينتهون، وعن الرضا به يصدرون وحبله الذى بالتمسك به من الهلكة يعتصمون ..
ثم تحدث عن بعض مهمات تتعلق بالقرآن بين يدى تفسيره ..
فتحدث عن إتقان معانى اى القرآن ومعانى منطق من نزل بلسانه القرآن من وجه البيان والدلالة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو الحكمة البالغة، مع الإبانة عن فضل المعنى الذى به باين القرآن سائر الكلام.
ثم فصل القول فى البيان عن الأحرف التى اتفقت فيها ألفاظ العرب وألفاظ غيرها من بعض أجناس الأمم ..
ثم تكلم عن اللغة التى نزل بها القرآن من لغات العرب.
ثم تحدث عن قول رسول الله ﷺ : أنزل القرآن من سبعة أبواب الجنة وذكر الأخبار الواردة بذلك .. ثم فصل القول فى الوجوه التى من قلبها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن.
ثم ذكر بعض الأخبار التى رويت بالنهى عن القول فى تأويل القرآن بالرأى.
ثم ذكر الأخبار التى رويت فى الحض على العلم بتفسير القرآن ومن كان يفسره من الصحابة ..
ثم ذكر الأخبار التى غلط فى تأويلها منكرو القول فى تأويل القرآن.
ثم ذكر الأخبار عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محمودا علمه بالتفسير ومن كان منهم مذموما علمه به فمن المحمودين ابن عباس يقول عبد الله بن مسعود: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس». ومن المحمودين أيضا مجاهد يقول الثورى: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسك به» أما الذين لم يكن لهم فى التفسير قدم راسخة فمنهم الكلى وكنت أمر عليه طرفى النهار
стр. 38
ولم أكتب عنه ومنهم ابو صالح باذان، كان الشعبى رضى الله عنه يمر به.
فيأخذ بأذنه فيعركها ويقول:
[تفسر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن].
ثم ذكر القول فى تأويل أسماء القرآن وسوره وآية.
وانتقل بعد ذلك إلى التفسير.
وهو فى تفسيره يبدى رأيه ثم يستشهد عليه بالآثار والأخبار مستعينا فى ذلك بقواعد وأقوال السابقين ..
فعن تأويل قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. (سورة البقرة الآية ٢١) قال: فأمر جل ثناؤه الفريقين اللذين أخبر الله عن أحدهما أنه ...
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
(سورة البقرة الآية ٦) لطبعه على قلوبهم وعلى سمعهم.
وعن الآخر أنه يخادع الله والذين آمنوا بما يبدى بلسانه من قبله: آمنا بالله وباليوم الآخر، مع استبطانه خلاف ذلك، ومرض قلبه، وشكه فى حقيقة ما يبدى من ذلك وغيرهم من سائر خلقه المكلفين .. بالاستكانة والخضوع له بالطاعة، وأفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة، لأنه جل ذكره هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم فقال لهم جل ذكره: فالذى خلقكم وخلق آباءكم أجدادكم وسائر الخلق غير كم وهو يقدر على ضركم ونفعكم أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نفع ولا ضر.
وكان ابن عباس فيما روى لنا عنه يقول فى ذلك نظير ما قلنا فيه، غير أنه
стр. 39
كان يقول فى معنى «اعبدوا ربكم».: وحدوا ربكم ... وقد دللنا على أن معنى العبادة الخضوع لله بالطاعة والتذلل بالاستكانة ... والذى أراد ابن عباس- ان شاء الله- بقوله فى تأويل قوله (اعبدوا ربكم) وحدوه، أى أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه.
حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن أبى محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الله:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين، أى وحدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم ..
ثم قال:
وهذه الآية من أدل دليل على فساد قول من زعم أن تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله غير جائز إلا بعد إعطاء الله المكلف المعونة على ما كلفه، وذلك أن الله أمر من وصفنا بعبادته والتوبة من كفره بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون، وانهم عن ضلالتهم لا يرجعون.
وقوله (لعلكم تتقون) تأويله: لعلكم تتقون بعبادتكم ربكم الذى خلقكم وطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه وافراد كم له العبادة لتتقوا، سخطه وغضبه أن يحل عليكم، وتكونوا من المتقين الذين رضى عنهم ربهم:
وكان مجاهد يقول فى تأويل قوله: «لعلكم تتقون» تطيعون ..
حدثنا ابن وكيع قال: حدثنى أبى عن سفيان عن ابن أبى نجيح عن مجاهد فى قوله (لعلكم تتقون) قال: لعلكم تطيعون ..
قال أبو جعفر: والذى أظن أن مجاهدا أراده. بقوله هذا لعلكم أن تتقوا ربكم بطاعتكم إياه، وإقلاعكم عن ضلالتكم ....
من هنا استحق كتاب جامع البيان عن تأويل القرآن للطبرى ثناء العلماء، فقال ابن خزيمة:
стр. 40
نظرت فيه من أوله إلى آخره وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير ولقد ظلمته الحنابلة.
وقال أبو حامد الأسفرائني:
لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا وقال القفطى:
لم ير أكبر من تفسير الطبرى ولا أكثر فوائد.
وقال السيوطى:
كتاب الطبرى فى التفسير أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض وللإعراب وللاستنباط، فهو يفوق بذلك تفاسير الأقدمين.
وقال السيوطى:
(جمع فى تفسيره بين الرواية والراى) ولم يشاركه فى ذلك أحد قبله ولا بعده.
وانتهت به الحياة كما قال ابن كامل عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن فى دار برحبة يعقوب، ولم يغير شيبه، وكان السواد فى رأسه ولحيته كثيرا، وكان أسمر إلى الأدمة أعين، نحيف الجسم مديد القامة فصيحا، واجتمع عليه من لا يحصيه إلا الله تعالى، وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب قال ابن دريد:
إن المنية لم تتلف به رجلا ... بل أتلفت علما للدين منصوبا
كان الزمان به تصفو مشاربه ... والآن أصبح بالتكدير مقطوبا
كلا وأيامه الغر التى جعلت ... للعلم نورا وللتقوى محاريبا
«رحم الله ابن جرير الطبرى، ونفع بعلمه:
следующие страницы →