Полный текст (363 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فقال: ثلاثون ألف ورقة.
فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره لهم فى ثلاثة آلاف ورقة ..
والناظر فى هذا التفسير يلمح ما بذله ابن جرير من جهد كبير فى إتمامه، لقد اعتنى فيه بجمع الآثار، وتحقيق الأخبار، ومدلولات اللغة، وأحكام الشرع، وأبدى رأيه مرجحا وموضحا وفاتحا المجال للاجتهاد والاختيار ..
وقد قدم لتفسيره بعد الحمد والثناء والصلاة على خاتم الأنبياء فقال: ثم أما بعد: فإن من جسيم ما خص الله به أمة نبينا محمد ﷺ من الفضيلة، وشرفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة، وحباهم به من الكرامة السنية، حفظه ما حفظ عليهم- جل ذكره وتقدست أسماؤه- من وحيه وتنزيله، الذى جعله على حقيقة نبوة نبيهم ﷺ دلالة، وعلى ما خصه به من الكرامة علامة واضحة، وحجة بالغة، أبانه به من كل كاذب ومفتر، وفصل به بينهم وبين كل جاحد وملحد وفرق بينهم وبين كل كافر ومشرك، الذى لو اجتمع جميع من بين أقطارها جنها وإنسها، وصغيرها وكبيرها، على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .. فجعله لهم فى دجى الظلم نورا ساطعا، وفى سدف الشبه شهابا لامعا وفى مضلة المسالك دليلا هاديا وإلى سبل النجاة والحق حاديا ...
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
(سورة المائدة الآية ٦١) حرسه بعين منه لا تنام، وحاطه بركن منه لا يضام، لا تهى على الأيام دعائمه ولا تبيد على طول الأزمان معالمه، ولا يجوز عن قصد المحجة تابعه. ولا يضل عن سبل الهدى مصاحبه، من اتبعه فاز وهدى ومن حاد عنه ضل وغوى، فهو موئلهم الذى إليه عند الاختلاف يئلون ومعقلهم الذى
стр. 37
إليه فى النوازل يعقلون، وحصنهم الذى به من وساوس. الشيطان يتحصنون وحكمة ربهم التى إليها يحتكمون، وفصل قضائه بينهم الذى إليه ينتهون، وعن الرضا به يصدرون وحبله الذى بالتمسك به من الهلكة يعتصمون ..
ثم تحدث عن بعض مهمات تتعلق بالقرآن بين يدى تفسيره ..
فتحدث عن إتقان معانى اى القرآن ومعانى منطق من نزل بلسانه القرآن من وجه البيان والدلالة على أن ذلك من الله تعالى ذكره هو الحكمة البالغة، مع الإبانة عن فضل المعنى الذى به باين القرآن سائر الكلام.
ثم فصل القول فى البيان عن الأحرف التى اتفقت فيها ألفاظ العرب وألفاظ غيرها من بعض أجناس الأمم ..
ثم تكلم عن اللغة التى نزل بها القرآن من لغات العرب.
ثم تحدث عن قول رسول الله ﷺ : أنزل القرآن من سبعة أبواب الجنة وذكر الأخبار الواردة بذلك .. ثم فصل القول فى الوجوه التى من قلبها يوصل إلى معرفة تأويل القرآن.
ثم ذكر بعض الأخبار التى رويت بالنهى عن القول فى تأويل القرآن بالرأى.
ثم ذكر الأخبار التى رويت فى الحض على العلم بتفسير القرآن ومن كان يفسره من الصحابة ..
ثم ذكر الأخبار التى غلط فى تأويلها منكرو القول فى تأويل القرآن.
ثم ذكر الأخبار عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محمودا علمه بالتفسير ومن كان منهم مذموما علمه به فمن المحمودين ابن عباس يقول عبد الله بن مسعود: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس». ومن المحمودين أيضا مجاهد يقول الثورى: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسك به» أما الذين لم يكن لهم فى التفسير قدم راسخة فمنهم الكلى وكنت أمر عليه طرفى النهار
стр. 38
ولم أكتب عنه ومنهم ابو صالح باذان، كان الشعبى رضى الله عنه يمر به.
فيأخذ بأذنه فيعركها ويقول:
[تفسر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن].
ثم ذكر القول فى تأويل أسماء القرآن وسوره وآية.
وانتقل بعد ذلك إلى التفسير.
وهو فى تفسيره يبدى رأيه ثم يستشهد عليه بالآثار والأخبار مستعينا فى ذلك بقواعد وأقوال السابقين ..
فعن تأويل قوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. (سورة البقرة الآية ٢١) قال: فأمر جل ثناؤه الفريقين اللذين أخبر الله عن أحدهما أنه ...
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
(سورة البقرة الآية ٦) لطبعه على قلوبهم وعلى سمعهم.
وعن الآخر أنه يخادع الله والذين آمنوا بما يبدى بلسانه من قبله: آمنا بالله وباليوم الآخر، مع استبطانه خلاف ذلك، ومرض قلبه، وشكه فى حقيقة ما يبدى من ذلك وغيرهم من سائر خلقه المكلفين .. بالاستكانة والخضوع له بالطاعة، وأفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة، لأنه جل ذكره هو خالقهم وخالق من قبلهم من آبائهم وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم فقال لهم جل ذكره: فالذى خلقكم وخلق آباءكم أجدادكم وسائر الخلق غير كم وهو يقدر على ضركم ونفعكم أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نفع ولا ضر.
وكان ابن عباس فيما روى لنا عنه يقول فى ذلك نظير ما قلنا فيه، غير أنه
стр. 39
كان يقول فى معنى «اعبدوا ربكم».: وحدوا ربكم ... وقد دللنا على أن معنى العبادة الخضوع لله بالطاعة والتذلل بالاستكانة ... والذى أراد ابن عباس- ان شاء الله- بقوله فى تأويل قوله (اعبدوا ربكم) وحدوه، أى أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه.
حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن أبى محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الله:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين، أى وحدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم ..
ثم قال:
وهذه الآية من أدل دليل على فساد قول من زعم أن تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله غير جائز إلا بعد إعطاء الله المكلف المعونة على ما كلفه، وذلك أن الله أمر من وصفنا بعبادته والتوبة من كفره بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون، وانهم عن ضلالتهم لا يرجعون.
وقوله (لعلكم تتقون) تأويله: لعلكم تتقون بعبادتكم ربكم الذى خلقكم وطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه وافراد كم له العبادة لتتقوا، سخطه وغضبه أن يحل عليكم، وتكونوا من المتقين الذين رضى عنهم ربهم:
وكان مجاهد يقول فى تأويل قوله: «لعلكم تتقون» تطيعون ..
حدثنا ابن وكيع قال: حدثنى أبى عن سفيان عن ابن أبى نجيح عن مجاهد فى قوله (لعلكم تتقون) قال: لعلكم تطيعون ..
قال أبو جعفر: والذى أظن أن مجاهدا أراده. بقوله هذا لعلكم أن تتقوا ربكم بطاعتكم إياه، وإقلاعكم عن ضلالتكم ....
من هنا استحق كتاب جامع البيان عن تأويل القرآن للطبرى ثناء العلماء، فقال ابن خزيمة:
стр. 40
نظرت فيه من أوله إلى آخره وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير ولقد ظلمته الحنابلة.
وقال أبو حامد الأسفرائني:
لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له كتاب تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيرا وقال القفطى:
لم ير أكبر من تفسير الطبرى ولا أكثر فوائد.
وقال السيوطى:
كتاب الطبرى فى التفسير أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض وللإعراب وللاستنباط، فهو يفوق بذلك تفاسير الأقدمين.
وقال السيوطى:
(جمع فى تفسيره بين الرواية والراى) ولم يشاركه فى ذلك أحد قبله ولا بعده.
وانتهت به الحياة كما قال ابن كامل عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن فى دار برحبة يعقوب، ولم يغير شيبه، وكان السواد فى رأسه ولحيته كثيرا، وكان أسمر إلى الأدمة أعين، نحيف الجسم مديد القامة فصيحا، واجتمع عليه من لا يحصيه إلا الله تعالى، وصلى على قبره عدة شهور ليلا ونهارا، ورثاه خلق كثير من أهل الدين والأدب قال ابن دريد:
إن المنية لم تتلف به رجلا ... بل أتلفت علما للدين منصوبا
كان الزمان به تصفو مشاربه ... والآن أصبح بالتكدير مقطوبا
كلا وأيامه الغر التى جعلت ... للعلم نورا وللتقوى محاريبا
«رحم الله ابن جرير الطبرى، ونفع بعلمه:
стр. 41
معانى القرآن للزجّاج
بدأ القرآن بالبحث عن العلم، وكانت أول كلمة فى الوحى هى:
«اقرأ».
وأخذ المسلمون يندفعون حول العلم اتباعا لتوجيه القرآن الكريم، حتى ولو لم يكن عند البعض منهم الجو المهيأ لدراسة العلم.
وهذا واحد هو نموذج لفئة كبيرة من أمثاله، لم تكن ظروفهم الأولى مواتية للتفرغ للعلم، ولكنه جاهد وثابر، وبذل كل ما يستطيع حتى احتل المكانة التى يتمتع بها العلماء من جاه وثراء.
إنه أبو إسحاق الزجاج:
نشأ فى بيئة متواضعة فى القرن الثالث، الهجرى سنة إحدى وأربعين ومائتين من الهجرة، ولكنها ذات خلق كريم فاضل، وهيأته البيئة الأولى إلى أن يعمل فى الزجاج، ومن هنا كانت نسبته المشهورة «الزجاج» التى يعرف بها بين كبار العلماء والأعلام.
كان يخرط الزجاج، وقبل ذلك كان قد حصل شيئا من العلم، فكان يشتغل أثناء فراغه بالتعليم، ولاحظ فى نفسه ميلا شديدا إلى دراسة النحو فكان يقتصد من قوته، ويشترى من الوراقين بعض ما يمكنه من إرواء رغبته فى كتب النحو، يسهر فى دراستها ليله، ويقرأ فيها أثناء فراغه نهارا.
ولما رأى نفسه معدة للفهم والتلقى عن العالم الكبير أحمد بن يحيى المعروف بثعلب «النحو» على مذهب أهل الكوفة- فأخذ الزجاج ينظم وقته بحيث يحضر درس هذا العالم الشهير.
ثم بعد ذلك انتقل إلى عالم كبير هو أبو العباس المبرد صاحب كتاب
стр. 42
الكامل الذى صارت شهرته فى الآفاق- وثقف الزجاج من ثقافته الواسعة حتى أخذ فى الظهور واتسعت شهرته لعلمه الغزير ولخلقه الكريم، وأدبه الجم، وعقيدته السليمة.
وقد استدعاه الوزير عبيد الله سليمان بن وهب، وتحدث إليه فرأى علما غزيرا، وأدبا رفيعا، ونفسا متواضعة فلم يزده علمه إلا تواضعا وأدبا. إنه العلم النافع.
وأخذ الوزير يستدعيه من آن لآخر، وفى كل مرة يزداد إعجابه حتى إذا ما وثق به تماما وكل إليه تعليم ابنه القاسم- فن الأدب العربى.
ومضت السنوات، وجاء الوقت الذى تولى الوزارة فيه: القاسم بن عبيد الله تلميذ الزجاج الوفى- فأغدق على الزجاج ما جعله ينعم بحياة أكثر ترفا ونعيما.
ولم تصرف هذه الحياة الزجاج عن الاستمرار فى طلب العلم، بل ربما مكنته من الإزدياد فى طلبه، وكان شعاره هو الشعار الإسلامى:
رَبِّ زِدْنِي عِلْماً. (سورة طه الآية ١١٤) وأخذت- لذلك- شهرته تنتشر وتذيع، حتى طلبه الخليفة العباسى المكتفى بالله وانخرط الزجاج فى مجلس المكتفى بالله، ورأى المكتفى منه ما رآه الوزير من علم غزير وأدب كريم فجعله نديما من ندمائه.
وأقبلت على الزجاج الدنيا من أوسع أبوابها، ولكن ذلك لم يصرف الزجاج عن وجهته، وإنما كان يجلس مدرسا، والتف حوله العلماء يسمعون ويستفيدون، وتتلمذ له كبار العلماء.
وكان من تلاميذه: أبو على الفارسى، صاحب الشهرة الكبيرة فى اللغة والأدب، وتتلمذ عليه الكثيرون الذين كان لهم الأثر البالغ فى النحو واللغة.
ومن أنفس ما ألفه الزجاج هو كتابه فى تفسير القرآن:
لقد كتبه فى فترة بلغ فيها قمة النضج الفكرى من حياته، واستغرق هذا التفسير حوالى ست سنوات وتفسيره هذا يمتاز بأمرين:
стр. 43
أحدهما: أنه تفسير بالمأثور، وذلك أن الزجاج يذكر الآية، ثم يروى فيها ما أثر عن أسلافنا رضوان الله عليهم، ولكنه لا يذكر ما روى فيها دون اختيار وانتقاء، وإنما يختار الأحسن والأوفق الذى يتفق مع ما يراه يتمشى مع الأسلوب العربى السليم ومع الجو الإسلامى العام، فتفسيره بالمأثور لم يكن مجرد جمع عن السابقين، وإنما كان إيرادا على روية وتدبير وتفكير.
أما الأمر الثانى الذى برع فيه الزجاج فهو: التخريج النحوى للآيات الكريمة التى تحتاج إلى إيضاح نحوى، ومن هنا كان الزجاج يروى رغبته فى استمتاع بادائها ..
والكتاب يطبع الآن لاول مرة فى طبعة محققة تحقيقا متقنا، وذلك ما يقوم به الدكتور عبد الجليل شلبى من علماء الأزهر، وقد أخرج منه جزءين كبيرين، وسيخرج الباقى تباعا إن شاء الله وكان لهذا التفسير أثره الكبير فيمن أتى من المفسرين من بعد:
لقد تأثر به مثلا صاحب كتاب «الكشاف» «الذى كان معنيا بالنحو والبلاغة.
وكما ناقش الزجاج من كتبوا قبله من معانى القرآن، أو كتبوا فى مجازه وبلاغته، فإن تلميذ الزجاج الامام: أبو على الفارسى قد أخذ نفسه- مع إعجابه باستاذه- يتتبع كل ما أرى أن استاذه أخطأ فيه، سواء كان الخطأ صريحا أو خلاف الأرجح.
ثم أخذ يعرضها مسألة مسألة، ثم يعرض رأيه هو فيها محللا وناقدا لها.
وقد سمى كتابه اسما له مغزاه، لقد سماه: «الاغفال» وكان مؤدبا فى التسمية مراعاة إلى استاذه، أنه يريد أن يقول:
إن ما لاحظه مجرد إغفال من استاذه، وقال فى أوائل هذا الكتاب «الاغفال» هذه الكلمات المهذبة:
هذه مسائل من كتاب أبى إسحاق فى اعراب القرآن ذكرناها لما اقتضت
стр. 44
عندنا من الايضاح عنها للإغفال الواقع فيها ... ، ونحن ننقل كلامه فى كل مسألة من هذه المسائل بلفظه وعلى جملته عن النسخة التى سمعناها منه فيها ثم نتبعه بما عندنا ... »
ومع هذا الأسلوب المهذب قد يتساءل إنسان فيقول:
ما دام أبو على الفارسى سمع التفسير من الزجاج فلم لم يناقشه اثناء الشرح والسماع؟ والجواب عن ذلك:
قد تكون هيبة الزجاج هى التى منعته من ذلك ولكن الأقرب فى الإجابة أن الفارسى لم يكن إذ ذاك قد وصل فى النضج العلمى إلى الدرجة التى تمكنه من الملاحظات على استاذه فلما نضج بمرور الزمن رأى من الوفاء عليه لاستاذه أن ينبه على «الاغفال» وها هى نماذج من تفسيره: لقوله :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ (سورة البقرة الآية رقم ٢٦٩) معنى «يؤتى» يعطى، والحكمة فيها قولان: قال بعضهم هى النبوة، ويروى عن ابن مسعود أن الحكمة هى القرآن، وكفى بالقرآن حكمه، لان الأمة به صارت علماء جيلا بعد جيل، وهو وصلة إلى كل علم يقرب من الله ، وذريعة إلى رحمته، ولذلك قال الله تعالى:
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (سورة البقرة الآية رقم ٢٦٩) ومعنى وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي ما يفكر فكرا يذكر به ما قص من آيات القرآن إلا أولوا الألباب، أى ذووا العقول.
стр. 45
وقوله : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ هذا من نعت أولى الألباب، أى فهؤلاء يستدلون على توحيد الله- بخلقه السموات والأرض وأنهم يذكرون الله فى جميع أحوالهم «قياما وفعودا وعلى جنوبهم».
معناه ومضطجعين، وصلح فى اللغة أن يعطف بعلى على «قياما وقعودا» لان معناه ينبئ عن حال من أحوال تصرف الإنسان، تقول:
أنا أسير إلى زيد ماشيا وعلى الخيل. المعنى ماشيا وراكبا فهؤلاء المستدلون على حقيقة توحيد الله يذكرون الله فى سائر هذه الأحوال.
وقد قال بعضهم: يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ (سورة آل عمران الآية ١٩١). أى يصلون على جميع هذه الأحوال على قدر امكانهم فى صحتهم وسقمهم.
وحقيقته عندى- والله أعلم- انهم موحدون الله فى كل حال.
стр. 46
تحصيل نظائر القرآن للحكيم الترمذى
إننا نعجل فنورد فى مطلع الحديث عن الحكيم الترمذى قوله:
(ما صنفت حرفا عن تدبير، ولا لينسب إلى شىء من المؤلفات، ولكن كان إذا اشتد على وقتى اتسلى به .. ).
لقد تثقف فى اللغة والدين والحكمة كأحسن ما يكون التثقيف، والتزم العبودية لله أخلص ما تكون العبودية، لما توفر له العاملان الأساسيان لكل مرب ومصلح: الثقافة وتزكية النفس، وأخذ يجاهد فى سبيل الله، داعيا العبيد الآبقين إلى الدخول من جديد فى ساحة الرضوان، ليتكفل الله بهم، وليرعاهم، وليسعدوا فى دنياهم وفى آخرتهم:
وفاضت عنه الحكمة جذابة وضاءة زكية، فاضت عنه حديثا، وفاضت عنه سلوكا وفاضت عنه كتابة وبحثا وتأليفا فى مختلف الميادين الدينية، يقول عنه الإمام الشعرانى: وهو من كبار مشايخ خراسان، وله التصانيف المشهورة وكتب الحديث ..
ثم يروى الإمام الشعرانى بعض أقواله: نذكر منها قوله: دعا الله الموحدين للصلوات الخمس رحمة منه عليهم، وهيأ لهم فيها ألوان الضيافات لينال العبد من كل قول وفعل شيئا من عطاياه ، فالأفعال كالأطعمة والأقوال كالأشربة، وهم عرش الوحدانية.
وكان رضى الله عنه يقول:
(صلاح الصبيان فى المكتب، وصلاح قطاع الطريق فى السجن، وصلاح النساء فى البيوت).
أما الإمام القشيرى فإنه يقول عنه:
стр. 47
(من كبار الشيوخ، وله تصانيف فى علوم القوم).
الواقع أنه لم يكن له التصانيف فى علوم القوم (والقوم هنا هم الصوفية) فحسب، وإنما كانت له كتب كثيرة فى كثير من الفنون المختلفة.
ومنذ زمن بعيد والناس- كبارا وصغارا- متأثرون به نقدا أو إعجابا.
ومن الكتب التى كان يدرسها الإمام ابو الحسن الشاذلى والإمام أبو العباس المرسى كتاب: «ختم الأولياء».
وكتاب ختم الأولياء للحكيم الترمذى، كتاب أقام الجو الثقافى وأقعده حين صدوره وكان سببا فى صعوبات كثيرة اعترضت المؤلف بسبب الآراء التى احتوى عليها.
وهو كتاب أثار اهتمام الإمام الأكبر محيى الدين بن عربى اثارة كبرى.
فافرد له كتابا خاصا ثم افرد له صفحات من كتاب الفتوحات وحاول ان يجيب على ما ورد فيه من اسئلة ووضع نفسه بهذا موضع، الاختبار وهو من هو فلسفة وحكمة وعلما وتصوفا، ووضع نفسه بهذا موضع التحدى وكانه يقول:
ها أنا ذا أجيب على الاسئلة متحديا فيما يتعلق بصحة الإجابة.
لقد كان الشاذلى يلقى دروسا فى شرح هذا الكتاب ولقد بلغ من روعة هذه الدروس ان كان ابو العباس المرسى يحرص كل الحرص على حضورها لما كان لها فى نظره من الأهمية وحينما يكون على سفر فى شأن من شئون الدعوة، فإنه يلتمس كل وسيلة تمكنه من حضورها.
ولقد كان كتاب ختم الأولياء مفقودا إلى عهد قريب، ثم عثر الأستاذ عثمان يحيى عليه فطبعه فى بيروت طبعة محققة مع دراسة عن الترمذى.
ويقول ابن عطاء الله السكندرى- رضى الله عنه- عن أبى العباس المرسى:
(وكان هو والشيخ أبو الحسن كل مهما يعظم الإمام الربانى محمد ابن على الترمذى، وكان لكلامه عندهما الخطوة التامة .. وكانا يقولان أنه أحد الأوتاد الأربعة).
стр. 48
ومن كتبه التى أثارت ضجة كبرى أيضا كتاب: (علل العبودية .. أو علل الشريعة).
ومن الناس من يقول: ان الأحكام لا تعلل، وإن الله سبحانه يذكر الأحكام معللا لها أحيانا، فنعرف علتها نصا، ويترك سبحانه فى الأغلب الأعم التعليل، فنأخذ بالأحكام ولا نتساءل عن التعليل، والعبودية التزام ما أتى به الوحى: التزامه دون فتور أو تباطؤ، أو تردد ودون محاولات للتعليل.
فلما أخرج الإمام الحكيم هذا الكتاب ثار عليه هؤلاء ورموه بالانحراف.
وألقى الحكيم بنفسه فى معركة الفكر السائدة فكتب من الكتب فى ذلك:
١ - الرد على الرافضة، فأثار الرافضة ضده- (الرافضة هم الشيعة) ٢ - الرد على المعطلة، والمعطلة هم المعتزلة، فأثار المعتزلة ضده.
وكتب كتبا كثيرة متعددة، أثارت جدلا ونقاشا، وثورة فكرية فى المجتمع الإسلامي، ومن الكتب التي لها صلة بكتابنا الذي نقدمه الآن كتاب: (الفروق ومنع الترادف).
وفكرة الكتاب تقوم على أن الترادف غير موجود فى اللغة العربية، فليس هناك لفظتان بمعنى واحد، وهذا رأى يخالفه فيه كثيرون، وليس هو الرأى العادى، ولم يبال الترمذى بما يشيع عنه الناس، وإنما كتب فى ذلك مبرهنا، ممثلا، فاثار بذلك أيضا جدلا فى الأوساط اللغوية.
والكتاب الذى نقدمه هو تفسير للقرآن فى زاوية خاصة جدا هى زاوية بيان أن القرآن خال من المترادفات، وان كل كلمة فيه لها أصلها اللغوى الذى يختلف عن الأصل اللغوى للكلمات التى تشابهها.
وطريقته: إن يأتى بالأصل اللغوى للكلمة ثم يورد ما يمكن أن يكون فى تيارها من كلمات قريبة المعنى منها، مبينا الفرق ولو كان يسيرا.
ولقد أتى من أجل ذلك بمجموعة من المصطلحات القرآنية، وأخذ فى تفسيرها وبيان أصلها وما تختلف به عما يشابهها من الكلمات وحديثنا النظرى
стр. 49
هذا عن الكتاب يوضحه الأمثلة التى نوردها وهاك نموذجا من تفسيره يقول:
١ - المال: وإنما صار الخير فى هذا المكان «المال» لأنه خير الدنيا ونعيمها، فالاختيار واقع عليه ولذلك سمى (خيرا).
٢ - الايمان والإسلام: وانما سمى الخير «الإسلام والايمان» فى مكان آخر: لأنه مختاره للآخرة.
٣ - الوفاء والإمامة: إنما صار الخير: الوفاء والإمامة فى مكان آخر.
فذاك لاختيار الله اياه.
٤ - السعة والغنى: وإنما صار الخير «السعة والغنى» فى مكان آخر فذاك مختاره للدنيا.
٥ - السرور: وإنما صار الخير «السرور» فى مكان آخر: لأنه مختاره على الأشياء. أ. هـ. ونموذج آخر من تفسيره: يقول:
«الهدى» فقد جاءت على ثمانية عشر وجها. فالحاصل من هذه الكلمة: كلمة واحدة فقط، وذلك ان الهدى: هو الميل، ويقال فى اللغة:
رأيت فلانا يتهادى فى مشيته، أى يتمايل. ومنه قوله تعالى:
إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ (سورة الاعراف الآية رقم ١٥٦) أى ملنا اليك، ومنه سميت الهدية: هدية: لأنها تميل بالقلب الى مهديها. وأن القلب امير على الجوارح، فاذا هداه الله لنوره، أى اماله إليه لنوره: اهتدى، أى: استمال، وقد قال فى تنزيله.
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (سورة النور الآية ٣٥) فهذا أصل الكلمة، ثم وجدنا تفسير الهدى:
١ - البيان: فانما صار الهدى بيانا فى ذلك المكان، لأن البيان اذا أوضح على القلب بنور العلم: مد ذلك النور القلب إلى ذلك الشيء وأماله إليه.
٢ - الاسلام: وانما صار الهدى فى المكان الآخر (الإسلام) لأنه اذا
стр. 50
مال القلب بذلك النور الى ذلك الشيء الذى تبين له: انقاد العبد وأسلم ومد عنفا إلى قبوله.
٣ - التوحيد: وانما صار الهدى التوحيد فى المكان الآخر، لأنه إذا مال القلب إلى ذلك النور سكن عن التردد، واطمأن إلى ربه فوحد.
٤ - الدين: وانما صار الهدى «الدين» فى مكان آخر، لأنه إذا مال القلب إلى ذلك النور: دان الله، أى: خضع، والدين: هو الخضوع، ومنه قيل للشيء المتضع: «دون».
٥ - الدعاء: وإنما صار الهدى فى مكان آخر «الدعاء» لأنه إذا دعا إلى الله بقلب مستنير: مالت القلوب إلى ذلك النور، لأن على ذلك الكلام نورا، لأنه خرج من قلب مستنير.
٦ - بصيرة: وإنما صار الهدى «بصيرة» فى مكان آخر، لأنه إذا دعا الداعى بقلب ذى نور: ولج الكلام مع النور فى الاسماع فاستنارت الصدور من المستمعين، فابصرت عيون نفوسهم، وهى بصائرها، فتلك بصيرة النفس، فان للفؤاد بصرا، وللنفس بصيرة كلاهما بصيران فى الصدر، لأن الصدر: ساحة القلب، وساحة النفس، وقد اشتركا فى هذه الساحة، ومنه تصدر الأمور، ولذلك سمى صدرا لأنه مصدر الأمور، والأعمال منه تصعد إلى الاركان: ما دبر القلب، وما دبرت النفس، اتفقا، أو اختلفا فتنازعا.
فالاركان لأيهما غلب بجنوده، فإذا كانت النفس ذات بصيرة: بايعت القلب فى الحق والصواب الذى هو كائن من القلب، لأن فى القلب المعرفة:
والعقل معها، والحفظ معها، والفهم معها، والعلم معها، فهؤلاء كلهم حزب واحد، فاذا كانت النفس ذات بصيرة: تابعت القلب وجنوده، واذا عميت: فانما تعمى لغلبة الشهوات ... ودخان الهدى، نازعت القلب بجنودها، فغالب ومغلوب، وذلك قول رسول الله ﷺ .
حدثنا بذلك عمر بن أبى عمر العبدى، قال حدثنا محمد بن الوعيى، قال حدثنى يعلى بن الاشدق الطائفي، قال سمعت عمى عبد الله بن جراد
стр. 51
يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ليس الأعمى من يعمى بصره، انما الأعمى من تعمى بصيرته).
ومن قوله تعالى: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (سورة القيامة الآية ١٤) فكل آدمى على بصيرة، فما دام لا تغلب على بصيرته الشهوات فهو مستقيم، فاذا غلبت الشهوات عليها عميت، فاذا عميت استمرت لشدتها وتجلب على القلب شدتها حتى يتابعها القلب، فاذا تابعها عمى القلب، قال الله تبارك اسمه:
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ (سورة الحج الآية ٤٦).
٧ - المعرفة: وانما صار الهدى المعرفة فى مكان آخر، لأنه إذا استنار الصدر: انشرح وانفسح، فعرف القلب ما يأتى وما يذر، فى ذلك الضوء.
٨ - القرآن: وانما صار الهدى «القرآن».
٩ - والرسول: فى مكان آخر، لأن القلب اذا عقل ما فى القرآن مال إلى ما فيه من الأمر والنهى والوعظ.
١٠ - الرشد: وانما صار الهدى «الرشد».
١١ - والصواب: فى مكان آخر، لأنه إذا مال القلب إلى ذلك النور فقد رشد.
١٢ - التقوى: وانما صار الهدى «التقوى» لأنه اذا مال القلب إلى ذلك النور فقلبه صار فى الوقاية، والتقوى هى الوقاية من النار.
١٣ - التوفيق: وانما الهدى «التوفيق» لأنه اذا مال القلب إلى ذلك النور وفقه الله للصواب.
١٤ - التوبة: وانما صار الهدى «التوبة» لأنه اذا مال القلب إلى ذلك النور. تاب، والتوبة هى الرجوع إلى الله.
стр. 52
١٥ - الممر: وانما صار الهدى «الممر» لأنه الممر طريق العباد إلى الله، فاذا مال القلب إلى ذلك النور، فقد أصاب الممر.
فمرجع هذه الأشياء التى حيرت وجوها ذات شعب: الى كلمة واحدة ..
لأن الهدى: هو ميل القلب إلى الله بذلك النور الذى أشرق به الصدر فانشرح وانفسح وهو قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه).
هذه الأصالة الفكرية وهذه السعة فى المعارف، وهذه الجرأة فى اعلان ما يرى أنه الحق هى التى اطلقت على أبى عبد الله الترمذى: الحكيم، وهذا الوصف يميزه عن الامام الترمذى المحدث الكبير، ولكنها هى نفسها التى عرضته لفتنة أثارها اعداؤه وحاسدوه.
ان الله يقول: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا (سورة الأنعام الآية ١١٢).
ولم يكن للترمذى عدو واحد، وانما كان له أعداء من الرافضة ومن المعطلة ومن المحدثين ومن الفقهاء وقد اثر هؤلاء على العامة، فكان له أعداء من العامة أيضا والناس على دين ملوكهم، أما الناس هنا فهم العامة، وأما ملوكهم فهم أصحاب الأقلام والألسنة.
ولكن العجب العجاب أنه أيضا تعرض للاضطهاد من الصوفية أنفسهم.
ولكن الحق الذي تقوله: أنه لم يخل من المسئولية فى ذلك فإنه هاجم دون رفق أو هوادة أو مجاملة كل انحراف:
انظر إليه يقول عن الصوفية:
تمل للمفتونين (بعض الصوفية) يقول لكم محمد بن على (هو الحكيم نفسه) حرام على قلوبكم الوصول إلى منار القرية حتى تؤدوا الفرائض على
стр. 53
ما وصفت، ثم حرام على قلوبكم بعد ذلك درجات الوسائل، حتى تميتوا مشيئاتكم، ثم حرام على قلوبكم بعد ذلك الدرجة العظمى فى ملك الملوك بين يديه حتى تنقطع عن قلوبكم مشيئة الوصول إليه.
وتالب عليه جميع اعدائه فاخذوا يتهمونه (وهو الصوفى العالم الحكيم) بهم لا تخطر له على بال، حتى رموه فى النهاية بالزندقة.
وأخذ الحكيم الترمذى الى الوالى وتحدث اليه الوالى فوجد عقلا وحكمة.
ولكنه من جانب آخر وجد هياجا شديدا ضد الحكيم، ماذا يصنع؟
انه أخذ على الحكيم تعهدا أن لا يتحدث فى الحب وكان الحديث فى الحب من التهم التى اتهموه بها، ولم تسكن الفتنة، فاخرج الحكيم من ترمذ فسافر الى بلخ فكرمه أهلها وقدروه واعتزوا به.
وهدأت الفتنة فى ترمذ وعاقب الله تعالى كل من أساء اليه فعاد الى ترمذ معززا مكرما ومات بها سنة ٣٢٠ هـ- على ارجح الاقوال.
стр. 54
شيخ الحنفية ببغداد الجصاص وتفسيره
أبو بكر أحمد بن على الرازى- شيخ الحنفية ببغداد الذى انتهت اليه رئاسة المذهب فى زمانه.
عاش الرازى فى عصر ازدهر فيه العلم وكثرت فيه العلماء فى فنون العلم المختلفة وظهر ذلك واضحا فيما انتجته قرائح علماء هذا العصر من تراث كبير ما زال المعين الفياض الذى يفيض على المجتمع الانسانى بما يعود عليه بالنفع فى دينه ودنياه.
وقد لقب بالرازى والجصاص نسبة الى العمل بالجص- ولد الرازى سنة خمس وثلاثمائة للهجرة، وشب على طلب العلم والسعى فى تحصيله وشد الرحال اليه فى أشهر مواطنه.
حيث دخل بغداد سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ثم انتقل منها الى الاهواز ليلتقى بمن فيها من علماء العصر.
ويواصل الجصاص الرحلة فيعود الى بغداد مرة أخرى ومنها يخرج الى نيسابور مع الحاكم النيسابورى وكان ذلك برأى شيخه الكبير أبو الحسن الكرخى.
وقد عاد الجصاص من نيسابور الى بغداد سنة أربع وأربعين وثلاثمائة بعد أن مات شيخه الكرخى وقد أفاد الجصاص من الرحلة الى الذين تلقى وروى عنهم من أمثال أبى الحسن الكرخى- آنف الذكر- وأبى العباس الاحيم
стр. 55
النيسابورى وعبد الله بن جعفر بن فارس الأصبهاني، وعبد الباقى بن قانع القاضى وسليمان بن أحمد الطبرانى وغيرهم الكثير- لقد أفاد الجصاص منهم علما وسلوكا تمثل فى طهره وعفافه وزهده وورعه وصيانته.
مؤلفاته
:- وقد كان من ثمار الرحلة لطلب العلم والجد فى تحصيله تلك الثروة الضخمة التى تركتها لنا قريحة هذا العالم الفذ والتى من أشهرها هذه المصنفات الجليلة:
أحكام القرآن
شرح مختصر شيخه أبى الحسن الكرخى شرح مختصر الطحاوى شرح الجامع محمد بن الحسن شرح الاسماء الحسنى كتاب فى أصول الفقه جوابات عن مسائل وردت عليه أدب القضاء وكثيرا ما ترى الحصاص مذكورا فى المصنفات المشهورة فيذكر صاحب الطبقات السنية فى طبقات الحنفية نقلا عن صاحب «الغنية» عن أبى بكر جواهر زادة فى مسالة اذا وقع البيع بغبن فاحش قال:- ذكر الجصاص وهو أبو بكر الرازى فى واقعاته أن للمشترى أن يرد وللبائع أن يسترد.
وذكر أيضا قول الشيخ جلال الدين فى «المغنى فى أصول الفقه» فى الكلام فى الحديث المشهور قال: قال الجصاص: أنه أحد قسمى المتواتر ...
стр. 56
منصب قضاء القضاة
: ولما ذاع صيت الجصاص وظهر للناس علمه وعرفوا قدره وحسن سيرته وتحليه بالزهد والورع خوطب فى تولى منصب قضاء القضاة ولكنه أبى وتعفف عن قبول هذا المنصب الخطير. وقد نقل صاحب الطبقات السنية فى ذلك.
حدث أبو بكر الابهرى قال: خاطبنى المطيع على قضاء القضاة وكان السفير فى ذلك أبو الحسن بن أبى عمرو الشرابى فأبيت عليه وأشرت بأبى بكر أحمد بن على الرازى.
فأحضر للخطاب على ذلك، وسألنى أبو الحسن بن أبى عمرو معونته عليه فخوطب فامتنع، وخلوت به فقال لى: تشير على بذلك؟ فقلت: لا أرى لك ذلك ..
ثم قمنا الى بين يدى أبى الحسن بن أبى عمرو، وأعاد خطابه، وعدت الى معونته فقال لى: أليس قد شاورتك فأشرت على أن لا أفعل؟
فوجم أبو الحسن بن أبى عمرو من ذلك، قال: تشير علينا بانسان ثم تشير عليه الا يفعل ..
قلت: نعم، إمامى فى ذلك مالك بن أنس، أشار على أهل المدينة أن يقدموا نافعا القارئ فى مسجد رسول الله ﷺ ، وأشار على نافع أن لا يفعل، فقيل له فى ذلك.
فقال: أشرت عليكم بنافع، لانى لا أعرف مثله، وأشرت عليه أن لا يفعل لانه يحصل له اعداء وحساد فكذلك أنا أشرت عليكم به لانى لا أعرف مثله وأشرت عليه أن لا يفعل لانه أسلم لدينه.
تلاميذ الجصاص
: وقد كثر تلاميذ الرازى كثرة فائقة وانتفع بعلمه الكثيرون وانتهت الرحلة اليه حيث جمع مآثر من تقدمه فى العلم والورع والزهد والصيانة، ومن أشهر هؤلاء الذين أخذوا عنه وانتفعوا به:
стр. 57
أبو بكر أحمد بن موسى الخوارزمى، وأبو عبد الله محمد بن يحيى الجرجانى شيخ القدورى، وأبو الفرج أحمد بن محمد بن عمر المعروف بابن المسلمة وأبو جعفر محمد بن أحمد النسفى، وأبو الحسن محمد بن أحمد الزعفرانى، وأبو الحسن بن محمد بن أحمد بن الطيب الكعارى والد اسماعيل قاضى واسط وغيرهم.
تفسير الجصاص «أحكام القرآن»
. يعتبر هذا السفر الذى تركته قريحة الجصاص من أجمع الكتب التى تناولت أحكام القرآن بصورة مفصلة أفاد منها غيره ممن جاء بعده وكتب فى هذه الاحكام من أمثال الكبا الهرامى وابن عربى والقرطبى صاحب التفسير المشهور «الجامع لاحكام القرآن».
والكتاب يجمع هذه الاحكام فى أبواب مرتبه تجمع شمل الآيات التى تتناول قضية أو حكما عاما يفصل الكلام عليها تفصيلا مشفوعا بأقوال العلماء وقرائهم واستنكاراتهم ونظرة سريعة فى سورة النساء تريك صدق ما نقول عن هذا التبويب الفريد، ففي مطلع السورة وما بعده تجد هذه الابواب.
باب دفع أموال اليتامى باعيانها ومنعه الوحى من استهلاكها.
باب تزويج الصغار باب هبة المرأة المهر لزوجها باب دفع المال الى السفهاء باب دفع المال إلى اليتيم باب أكل ولى اليتيم من ماله- الى غير ذلك من الابواب ..
نموذج من أحكام القرآن
فى باب الامتنان بالصدقة يذكر الحصاص جمله من الآيات يجمع شملها هذا الباب هى قوله تعالى:
стр. 58
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً» الآية وقوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ».
وقوله تعالى:
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً» (سورة البقرة الآية ٢٦٢ و ٢٦٤ و ٢٦٣) وقوله تعالى: «وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ». (سورة الروم الآية ٣٩) ثم يقول الجصاص بعد ذكر هذه الآيات:
«أخبر الله تعالى فى هذه الآيات أن الصدقات اذا لم تكن خالصة لله عارية من منّ واذى فليست بصدقه لان ابطالها هو احباط ثوابها، فيكون فيها بمنزلة من لم يتصدق، وكذلك سائر ما يكون سبيله وقوعه على وجه القربة الى الله تعالى:
وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (سورة محمد الآية ٣٣) وقال تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ (سورة البينة الآية ٥) [فما لم يخلص لله تعالى من القرب فغير مثاب عليه فاعله ونظيره أيضا قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (سورة الشورى الآية ٢٠)
стр. 59
ومن أجل ذلك قال اصحابنا: لا يجوز الاستئجار على الحج وفعل الصلاة وتعليم القرآن وسائر الافعال التى شرطها أن تفعل على وجه القربة.
لان أخذ الاجر عليها يخرجها عن أن تكون قربة لدلائل هذه الآيات ونظائرها وروى عن الحسن فى قوله تعالى:
لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى قال: هو المتصدق يمن بها فنهاه الله عن ذلك وقال ليحمد الله اذ هداه للصدقة وعن الحسن فى قوله تعالى:
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ (سورة البقرة الآية ٢٦٥] قال يتثبتون اين يضعون اموالهم.
وعن الشعبى قال: تصديقا ويقينا من انفسهم وقال قتادة: ثقة من أنفسهم، والمن فى الصدقة: أن يقول المتصدق قد أحسنت إلى فلان وأغنيته- فذلك ينقصها على المتصدق بها عليه والاذى قوله: انت ابدا فقير: وقد بليت بك وأراحني الله منك ..
ونظيره من القول الذى فيه تعبير له بالفقر فقال تعالى:
«قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» يعنى والله أعلم- ردا جميلا ومغفرة قيل فيها ستر الحالة على السائل.
وقيل العفو عمن ظلمه خير من صدقة يتبعها اذى لانه يستحق الماثم بالمن والأذى ورد السائل بقول جميل فيه السلامة من المعصية.
فأخبر الله تعالى أن ترك الصدقة برد جميل خير من صدقة يتبعها اذى وامتنان وهو نظير قوله تعالى:
«واما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ..
стр. 60
الحاكم النيسابورى وتفسيره
فى حوالى ثلاثمائة وعشرين صحيفة من القطع الكبير جدا جمع الحاكم فى كتابه النفيس المستدرك ما صح عنده من التفسير بالمأثور.
والحاكم هو أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد، وعرف بالحاكم لتوليه القضاء، ولد سنة (٣٢١ هـ) وقد عنى أبوه بتربيته عناية فائقة، فأخذ فى الدرس من زمن مبكر جدا من حياته، وواصل الليل بالنهار، وبلغ فى العلم مبلغا عظيما.
قال ابن قاضى شهبة:- «طلب العلم فى صغره، وأول سماعه سنة ثلاثين، ورحل فى طلب الحديث، وسمع على شيوخ يزيدون على ألفى شيخ، وتفقه على ابن أبى هريرة، وأبى سهل الصعلوكى وغيرهم».
أخذ عنه الحافظ أبو بكر البيهقى فأكثر عنه، وبكتبه تفقه وتخرج، ومن بحره استمد، وعلى منواله مشى.
ويذكر صاحب الشذرات: أنه كتب عن نحو ألفى شخص، وحدث عن الاصم، وعثمان بن السماك، وطبقتهما، وقد درس القراءات وعنى بها عناية فائقة، ولم يدرسها نظريا فحسب وانما قراه بالفعل على جماعة كثيرة من مشاهير أئمة القراءات.
أما تصانيفه فانها كثيرة، بل هى من الكثرة بحيث يقول المؤرخون عنه:
«بلغت تصانيفه ألفا وخمسمائة جزء»، ويلاحظ أنهم لم يقولوا: ألفا وخمسمائة كتاب، وانما ألفا وخمسمائة جزء، ماذا كان حجم الجزء.؟
والذى لا شك فيه أنه كان من المكثرين فى التأليف المستفيضين فى الدراسة، ويقول عنه صاحب الشذرات:-
стр. 61
وصنف التصانيف الكثيرة، ويقول ابن ناصر الدين «له مصنفات كثيرة».
وكان للحاكم تلاميذ، وفتن به كثيرون، انظر الى صاحب الشذرات يقول:
وانتهت إليه رئاسة الفن بخراسان لا بل بالدنيا.
أما عبد الغافر فقد أطنب- كما يقول ابن شهبة- فى مدحه وذكر فضائله وفوائده ومحاسنه الى أن قال:- مضى الى رحمة الله ولم يخلف بعده مثله.
ويقول عنه أحد مؤرخيه:
أحد أركان الاسلام، وسيد المحدثين وامامهم فى زمنه، والرجوع اليه فى هذا الشأن وقدمه الراسخة كانت فى فن الحديث وقد وثقه الكثيرون، ويقول الخطيب البغدادى عنه:- كان ثقة، ويقول ابن عماد: «وهو ثقة حجة».
وقال عنه ابن ناصر الدين:- «وهو صدوق من الاثبات» وهكذا يقولون عنه ويعبرون عن ثقتهم فيه، ولكنهم يعودون فيقولون مثلا:- وكان يميل الى التشيع، أو: «وكان فيه تشيع» «ابن عماد» هكذا.
كيف يكون ثقة ويتهم بالتشيع فى آن واحد مع آن واحد مع المحدثين ينأون عن كل ذى نزعة أو عصبية، إن الامام الذهبى يقف معتدلا فى وجه المفتونين بالحاكم ويقف موضحا الامر فى رمى الحاكم بالتشيع فيفسر الامر تفسيرا معقولا، ويضع كل شىء فى موضعه المستقيم، قال الذهبى:
هو معظم الشيخين بيقين ولذى النورين، وانما تكلم فى معاوية فاوذى،
стр. 62
قال:- وفى المستدرك جملة وافرة على شرطهما، وجملة وافرة على شرط أحدهما لكن مجموع ذلك نصف الكتاب وفيه نحو الربع مما صح سنده وفيه بعض الشيء معلل وما بقى وهو الربع مناكير وواهيات لا تصح، وفى ذلك بعض موضوعات قد علمت عليها لما اختصرته.
وهذا الرأى للذهبى يضع كتاب «المستدرك» فى وضعه الصحيح ويبين أن الحاكم لم يكن شيعيا، وإنما كان يحب عليا وكان حبه لعلى كرم الله وجهه ورضى الله عنه قد ملك عليه شعوره فتحدث عن معاوية باحاديث لا ترضى أنصاره فوصف لذلك بالتشيع أو بالميل الى التشيع، وليس ذلك من التشيع فى شىء فكثير من أهل السنة وكثير من المؤرخين منهم يقولون بما يقول به الحاكم وليسوا من التشيع من شىء، ولان الحاكم لم يكن شيعيا فانهم وصفوه بأنه حجة ثقة وقد توفى الحاكم فجأة عقب خروجه من الحمام فى صفر سنة ٤٠٥ هجرية، توفى مستحما طاهرا ﵀ رحمة واسعة.
والآن نورد بعض النماذج من تفسيره:
يقول الله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ قال:- حدثنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن خالد عن سماك بن حرب، وقرا:
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ.
(سورة آل عمران الآية ٥) فقال حدثنى عبد الله بن عميرة عن العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه قال:- «كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ فى البطحاء فمرت سحابة فقال:
стр. 63
أتدرون ما هذا قلنا الله ورسوله أعلم، فقال: السحاب، فقلنا: السحاب، فقال: والمزن، فقلنا والمزن فقال: والعنان، فقلنا: والعنان ثم قال أتدرون كم بين السماء والأرض فقلنا: الله ورسوله اعلم قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء الى السماء التى تليها مسيرة خمسمائة سنة وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله، كما بين السماء والارض ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين ركبهم وأظلافهم كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك ليس يخفى عليه من أعمال بنى آدم شىء.
ونموذج آخر:
يقول الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ سورة آل عمران الآية ٩٦] قال: «عن خالد بن عرعرة قال سأل رجل عليا رضى الله تعالى عنه أول بيت وضع للناس للذى بمكة مباركا أهو أول بيت بنى فى الأرض قال:
لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة والهدى ومقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وإن شئت انباتك كيف بناه الله ، ان الله أوحى الى إبراهيم أن ابن لى بيتا فى الأرض فضاق به ذرعا فأرسل الله اليه السكينة وهى ريح حجوج لها رأس فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت ثم تطوقت الى موضع البيت تطوق اليه، فبنى إبراهيم فكان يبني هو سائقا كل يوم حتى اذا بلغ مكان الحجر قال لابنه ابغنى حجرا فالتمس تمة حجر ثم أتاه به فوجد الحجر الاسود قد ركب فقال: له ابنه من أين لك هذا قال: جاء به من لم يتكل على بنائك جاء به جبريل ﵇ من السماء فاتمه ..
ونموذج ثالث:- يقول الله تعالى: «وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً
стр. 64
وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» (سورة الأعراف الآية ١٦٣) يقول:- حدثنا ابن جريح عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس رضى الله عنهما وهو يقرأ فى المصحف قبل أن يذهب بصره وهو يبكى فقلت ما يبكيك يا ابن عباس جعلني الله فداك؟ فقال هل تعرف ايلة قلت وما ايلة قال قرية كان بها ناس من اليهود فحرم الله عليهم الحيتان. يوم السبت فكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرعا بيضاء سمانا كامثال المخاض بأفنائهم وابنياتهم فاذا كان فى غير يوم السبت لم يجدوها ولم يدركوها الا فى مشقة ومئونة شديدة فقال بعضهم لبعض أو قال ذلك منهم لعلنا لو اخذناها يوم السبت وأكلناها فى غير يوم السبت ففعل ذلك أهل بيت منهم فاخذوا فشووا فوجد جيرانهم ريح الشوى فقالوا والله ما نرى إلا اصاب بنى فلان شىء فاخذها آخرون حتى فشا ذلك فيهم وكثر فافترقوا فرقا ثلاثا فرقة أكلت وفرقة نهت وفرقة قالت لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا فقالت الفرقة التى نهت انما نحذركم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف أو قذف أو ببعض ما عنده من العذاب والله لا نبيت فى مكان أنتم فيه وخرجوا من السور فغدوا عليه من الغد فضربوا باب السور فلم يجبهم أحد فاتوا بسبب فاسندوه إلى السور ثم رقى منهم راق على السور فقال يا عباد الله قردة والله لها أذناب تعاوى ثلاث مرات ثم نزل من السور ففتح السور فدخل الناس عليهم فعرفت القردة أنسابها من الانس ولم يعرف الأنس أنسابهم من القردة قال: فيأتى القرد إلى نسيبه وقريبه من الأنس فيحتك به ويلصق ويقول الإنسان أنت فلان فيشير برأسه أى نعم ويبكى وتأتى القردة إلى نسيبها وقريبها من الأنس فيقول لها أنت فلانة فتشير برأسها أى نعم وتبكى فيقول لهم الأنس أما إنا حذرناكم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف أو مسخ أو ببعض ما عنده من العذاب قال ابن عباس فاسمع الله يقول فأنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا
стр. 65
بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، فلا أدرى ما فعلت الفرقة الثالثة، قال ابن عباس فكم قد رأينا من منكر فلم ننه عنه قال عكرمة فقلت ما ترى جعلنى الله فداك انهم قد انكروا وكرهوا حين قالوا:
«لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً» (سورة الاعراف الآية ١٤٤) فأعجبه قولى ذلك وأمر لى ببردين غليظين فكسانيهما.
стр. 66
الامام السلمى وتفسيره
مؤلف هذا التفسير: محمد بن الحسين بن موسى الأزدى أبو عبد الرحمن السلمى جدا، النيسابورى بلدا. كان شيخ الصوفية، وعالمهم بخراسان، ذكره الحافظ عبد الغافر فى السياق فقال:
شيخ الطريقة فى وقته، الموفق فى جميع علوم الحقائق، ومعرفة طريق التصوف، وصاحب التصانيف المشهورة العجيبة فى علم القوم، وقد ورث التصوف عن أبيه وجده، وجمع من الكتب ما لم يسبق إلى ترتيبه، حتى بلغ فهرست تصانيفه المائة أو اكثر.
وكان من المشتغلين بعلم الحديث، سمع من أبى العباس الأصم، وابن فارس العمرى البلخى، والحافظ ابى على الحسين بن محمد النيسابورى وغيرهم من كبار المحدثين ..
وروى كثيرا من مسموعاته، وممن روى عنه من الأئمة:
الحاكم أبو عبد الله، وأبو القاسم القشيرى، وأبو صالح المؤذن، وكثيرون وقد وثقه فى الحديث علماء اجلاء منهم الخطيب البغدادى والتاج السبكى وغيرهما، يقول الخطيب:
قدر أبى عبد الرحمن عند أهل بلده جليل، وكان مع ذلك محمودا صاحب حديث ...
ويقول التاج: أبو عبد الرحمن ثقة، ولا عبرة بالكلام فيه ..
وقد كان للسلمى بيت كتب جمع فيه من الكتب ما لم يسبق إلى ترتيبه من ذخائر المحدثين والصوفية، وكان يخلو بهذا البيت ينقطع فيه للقراءة والتأليف.
стр. 67
وكان شيوخ نيسابور يستعيرون منه بعض ما يحتاجون إليه من هذه الذخائر، فيعيرهم إياه ..
وقد ابتدأ أبو عبد الرحمن التصنيف سنة نيف وخمسين وثلاثمائة، وهذا معناه أن أباه عبد الرحمن ظل يؤلف قريبا من بضعة وخمسين عاما ..
وقد اشتهر أبو عبد الرحمن بأنه نقّال الصوفية، وراوى كلامهم، وممن له العناية التامة بتوطئة مذهب المتصوفة وتهذيبه على ما بينه الأوائل.
ولقد كان مدققا فى تعبيره عن مذهب الصوفية، واختباره لمن سبقه.
بمثل هذا المذهب من الشيخ، فالإمام الكامل، الفقيه الأصولي المفسر الأسفرايني الذي اشتهر بالدفاع القوى عن مذهب أهل السنة والرد على البدع وعلى كل ما يخالف مذهب أهل السنة: يقول فى كتابه «التبصير فى الدين»:
سادس ما امتاز به أهل السنة هو:
علم «التصوف» والاشارات وما لهم فيها من الدقائق والحقائق، لم يكن قط لاحد من «أهل البدعة» فيه حظ، بل كانوا محرومين مما فيه من الراحة والحلاوة، والسكينة والطمأنينة، وقد ذكر ابو عبيد الرحمن السلمى من مشايخهم قريبا من ألف، وجمع اشاراتهم وأحاديثهم. ولم يوجد فى جملتهم قط من ينسب إلى بدع «القدرية» و «الروافض» و «الخوارج».
وكيف يتصور فيهم من هؤلاء، وكلامهم يدور على التسليم والتفويض من النفس، والتوحيد بالخلق والمشيئة.
وأهل البدع ينسبون الفعل والمشيئة، والخلق والتقدير، إلى انفسهم وذلك بمعزل عما عليه أهل الحقائق من التسليم والتوحيد.
ولد على المشهور- فى رمضان سنة ثلاثين وثلاثمائة، وقيل: سنة خمس وعشرين وثلاثمائة ..
وكان والده شيخا، ورعا، زاهدا، دام المجاهدة، له القدم فى علوم
стр. 68
المعاملات، وحينما توفى قام جده لأمه وكان واسع الثراء- على رعايته، فما أن توفى حتى آل إليه من ثروته ما مكنه من التفرغ للكتابة والتأليف، وكانت تصانيفه مقبولة، حبيبة إلى الناس، تباع بأغلى الأثمان.
وفى أخريات أيامه ابتنى للصوفية خانقاه صغيره، كانت مشهورة فى نيسابور وفى ما جاورها أو بعد عنها من أقاليم مملكة الاسلام، حتى أن الخطيب البغدادي حين ذهب إلى نيسابور زار هذه الدويرة التي كان يسكنها الصوفية يومئذ ..
أما عن تفسيره فإن له طابعا خاصا هو طابع التفاسير الصوفية الخالصة، إن كل اتجاهه كان منحصرا فى جمع ما يتيسر من آراء الصوفية حول آيات من القرآن الكريم، وهو لذلك ليس تفسيرا مفصلا لكل آية من آيات القرآن الكريم، وليس تحليلا لفظيا أو بيانا لحكم شرعي.
وهو لذلك يمثل فهمّا خاصا لقوم مخصوصين فيما يتصل بتفسير القرآن الكريم، أو الحديث عن بعض الفهوم المستنبطة منه.
ومثل هذا المنهج فى التأليف قد لا يستسيغه من يقصر الفهم فى القرآن على ظاهر الآيات، ومن هنا كانت الحملة الشديدة العنيفة على هذا الكتاب، حتى لقد قال الذهبي ليته لم يصنفه.
وإذا ما تاملنا فى سر هذه الحملة فإننا نجد أن أساسها لا يرجع إلى فساد ما نقله فى نفسه، وإنما إلى ربطه بالآية كفهم لها أو تعبير عن بعض ما تشير إليه.
قال التاج السبكي: وكتاب حقائق التفسير المشار إليه قد كثر الكلام فيه، وقيل أنه اقتصر فيه على ذكر تأويلات ومجال الصوفية ينبو عنها ظاهر اللفظ.
ولقد اطلعنا على الكتاب وهو مخطوط لم يطبع بعد ولكن توجد منه نسخ كثيرة ومنها فى مكتبة الأزهر وغيرها فوجدناها لا تخرج عن كلام الصوفية
стр. 69
المعتبرين فى فهم الآيات وتنزيلها على إشارات تتعلق بإصلاح السلوك واخلاص العبودية فضلا عما يدور بين الناس من معانيها الظاهرة.
إن ما يقوله الصوفية حول آيات من القرآن الكريم إنما هو الهامات واشراقات بتوفيق الله رائعة، وهم فى هذا الميدان يسمون الهاماتهم: إشارات، يعنون بذلك أن الآيات القرآنية لها تفسير بحسب اللغة وأسباب النزول وحوادث التاريخ، وهو تفسير يتفاوت دقة وجمالا، ولكنه مع ذلك تفسير لا يستنفد كل ما تعطيه الآيات القرآنية من اشارات، وما يشع عنها من انوار، وما يتضوع عنها من عبير طيب، وينبغى علينا أن نلاحظ أن هذه الاشارات لا تهدف فى قليل ولا فى كثير إلى أن تحل محل التفسير المألوف كما أن هذه الاشارات لا تتعارض مع التفسير المالوف.
انها اشارات وليست تفسيرا، ومن أجل ذلك فإنه لا تعارض بين الصوفية والمفسرين.
ونستطيع أن نقول: ان نقد الكتاب إنما يتجه لو كان مؤلفه يرى أن ما يقوله هو وحده الذى تفيده الآية. أما إذا اعتقد أن ما ذكره جهد يضاف إلى جهود، وتسليط للضوء على جانب من الجوانب التى تفيدها الآية، فإن النقد حينئذ يصبح غير ذى موضوع.
وإليك نماذج من تفسيره لتتمكن من الحكم عليه على بصيرة:
قال تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ (سورة الأنفال الآية ٢٧) قال أبو عثمان: من خان الله تعالى فى السر هتك ستره فى العلانية، قال بعضهم: فى هذه الآية خيانة الله تعالى فى الاسرار وحب الرئاسة وإظهار خلاف الاضمار، وخيانة الرسول ﵇ فى آداب الشريعة، وترك
стр. 70
السنن، والتهاون بها، وخيانات الأمانات، فى المعاملات والأخلاق، ومعاشرة المؤمنين فى ترك النصيحة لهم.
وقال تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ (سورة يونس الآية ٥٧) قال ابن عطاء: الموعظة للنفوس، والشفاء للقلوب، والهدى للأسرار، والرحمة لمن هذه صفته.
قال جعفر: شفاء لما فى الصدور، أى راجعة لما فى السرائر، قيل: شفاء المعرفة، والصفا، وقيل شفاء التوبة، وقيل: شفاء التسليم والرضا، ولبعضهم شفاء المشاهدة واللقاء.
стр. 71
متشابه القرآن للقاضى عبد الجبار بن أحمد الهمدانى
للمعتزلة نزعة معروفة محددة، إنها النزعة التى تحكم العقل له القياد.
وهذا ظاهر فى كل ما يكتبون فى التفسير وفى التوحيد.
ومن أهم الشخصيات التى توضح مذهبهم- والتى وجدت تآليفها رواجا وانتشارا: القاضى عبد الجبار.
وقد كان لنشر كتابه: «المغنى» أثر كبير فى التعريف المستفيض بآراء المعتزلة وهو كتاب كبير اجتمع على تحقيق اجزائه الكثيرة طائفة من كبار المحققين فأخرجوه اخراجا متقنا.
ولقد لقى القاضى عناية الكثيرين ممن يهتمون به، فنشر له كتاب:
«الأصول الخمسة» وكتاب: «تنزيه القرآن عن المطاعن».
ولقد ولد القاضى بخراسان، ولا نكاد نعرف عن حياته الأولى شيئا، ولكنه من غير ما شك تعلم على الطريقة التقليدية: الفقه والتفسير والتوحيد والعربية، وغير ذلك مما كان تقليدا فى زمنه.
لقد خرج إلى البصرة، واختلف إلى مجالس العلماء.
ولقد نشأ فى أسرة متواضعة، فنشأ فى تقشف وشظف من العيش ولكن نفسه الطموحة تمردت على ظروفه، فأبى إلا ان يتابع الطريق العلمى فى غير فتور أو ملل.
وشاءت المقادير أن يتصل بالصاحب بن عباد، وكان الصاحب بن عباد ذا ميول شيعية وبين الشيعة والمعتزلة شبه كبير، وخاصة بين المعتزلة والشيعية الزيدية الذين تتلمذ أمامهم زيد على واصل بن عطاء رأس المعتزلة الأول.
стр. 72
كان تقدير الصاحب للمعتزلة كبيرا إلى درجة أنه ما كان يولى القضاء إلا من المعتزلة.
كان القاضى عبد الجبار حينئذ صاحب شهرة عريضة، بل إنه بدأ يحتل مكان الرئاسة للمعتزلة فاستدعاه الصاحب إلى «الرى» واصدر له امرا يتولى رئاسة القضاء فى (الرى) (وقزوين) وغيرهما ثم ولاه اضافة إلى ذلك جرجان وطبرستان.
وأتته الدنيا راغمة وكثر ماله وخدمه وحشمه، وما كان ذلك عن انحراف فى طريقه فقد كان مثلا كريما للعدالة والتحرى الدقيق فى الاحكام.
أما تقدير الصاحب وحبه له فقد فاق كان وصف:
لقد وصل به الأمر أن كان يقول عنه: افضل أهل الأرض.
ويقول عنه: أعلم أهل الأرض.
وما من شك أنه كان صاحب خلق فاضل، وصاحب علم عزيز.
وبيما القاضى فى اوج الشهرة: إذا بالصاحب ينتهى أجله، ويذهب للقاء ربه.
وهنا بدأت مشكلة فى غاية العمق تختلف فيها الأنظار فى كل زمن، وقد اختلفت فيها الأنظار اختلافا كبيرا إذا ذاك، ولعل الكثيرين يتفقون معنا فى انها تحتاج حقيقة إلى تامل.
لقد أحسن الصاحب إلى القاضى كل الإحسان واحبه وقدره وغمره بالمال والمناصب ثم مات الصاحب ودعى القاضى للصلاة عليه وهنا وقف القاضى بين أمرين كلاهما مر أحدهما مبدؤه- مبدأ القاضى- وهو مبدأ الاعتزال، وهذا المبدأ يقتضى التوبة الصادقة لأن مرتكب الكبيرة فاسق فإذا لم يتب فلا صلاة عليه، هل يصلى عليه ويخالف فى ذلك مبدأه ويصغر فى عين نفسه ويصبح بمخالفته مبدأه مهرجا أو مزيفا.
стр. 73
أما الأمر الثانى: فهو الوفاء الذى يقتضيه الصلاة على الصاحب والشكر وعدم التنكر له بعد انتقاله إلى ربه وعدم نكران الجميل.
المبدأ أو الوفاء.
وآثر القاضى: المبدأ.
ورفض الصلاة على الصاحب.
وهنا ثار الناس عليه ثورة عارمة ورموه ينكران الجميل، وبعدم الوفاء، ونقم عليه فخر الدولة وقبض عليه، وعزله من منصبه وصادر امواله.
أكان القاضى على حق، أكان مخطئا ذلك ما نتركه للقارئ.
ولقد طال عمر القاضى حتى ليقول ابن الأثير:
«وقد جاوز التسعين» ومات فى ذى القعدة سنة خمس عشرة وأربعمائة.
والكتاب الذى نتحدث عنه هو كتاب:
«متشابه القرآن» وعنوانه يدل على محتواه، فهو تفسير للآيات المتشابهة.
والمتشابه يختلف الناس فى معناه ولكنهم مهما اختلفوا فإن القاضى عرض للآراء المختلفة فى المتشابه، والمتشابه- فيما يرى- هو الذى على صفة تشتبه على السامع من حيث خرج ظاهره على أن يدل على المراد به لشىء يرجع إلى اللغة أو التعارف، ويضرب القاضى مثالا لذلك:
بقول تعالى:- إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ (سورة الأحزاب الآية ٥٧) فإن هذه الكلمة القرآنية وما شاكلها ظاهرها محال على الله تعالى، فالمراد مشتبهه ويحتاج فى معرفته إلى الرجوع إلى غيره من المحكم.
стр. 74
وتفسير القاضى للمتشابه بهذا النحو يجعل دائرة المتشابه واسعة تشمل كل الآراء التى قيلت فى المتشابه.
أما المحكم فهو الذى لا يحتمل إلا المعنى الظاهر فى أصل اللغة أو بالتعارف أو بشواهد العقل، وذلك نحو قوله تعالى:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (سورة الإخلاص) ونحو قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً (سورة يونس الآية ٤٤) والكتاب مسائل، يعرض المؤلف الآية فى صورة مسألة، ويفسرها بما يتناسب مع الجو الإسلامى وخصوصا مع جو الاعتزال، ومن أمثلة ذلك ما يلى:
مسألة قالوا: ثم ذكر تعالى بعد ذلك ما يدل على إنه خص المؤمن بالهدى دون غيره.
فقال:
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ (سورة البقرة الآية ٢١٣) والجواب عن ذلك: قد تقدم انا قد بينا أن تخصيصه المؤمن بأن هداه لا يدل على إنه لم يهد غيره، وإنما خصه، لانه الذى انتفع بالهدى دون غيره.
«وبينا أنه قد يخص المؤمن بالهدى الذى هو بمعنى الثواب، أو طريقه
стр. 75
المؤدى إليه، إلا أن المراد فى هذا الموضع: الدلالة، ولذلك علق الهدى بالحق فما اختلفوا فيه.
وقوله تعالى من بعد:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (سورة النساء الآية ٢٩ و ٣٠) فدل تعالى على أن من يفعل أكل المال بالباطل وقتل النفس يدخله النار لا محالة وقد يوصف بذلك الفاسق من أهل الصلاة، كالكافر، فيجب حمل الآية على العموم، ومعقول من حال الكلام أنه يريد النهى عن أن يأكل بعضنا أموال بعض، والوعيد وارد عليه على الحد الذى وقع النهى.
عنه، فليس لاحد أن يتعلق بذلك فاما قتل النفس فالنهى يتناول فيه أن يقتل بعضنا بعضا أو أن يقتل نفسه وكلاهما سواء فى صحة النهى فيهما، فإن حمل على الامرين ورد الوعيد عليهما جميعا.
وإنما قال: العلماء إن المراد به: ولا يقتل بعضكم بعضا، من حيث ثبت أن الإنسان ملجأ إلى أن يقتل نفسه، فلا يصح وحاله هذه أن ينهى عن القتل، فيجب إذا صرف النهى إلى
الوجه الثانى، والوعيد إنما ورد على هذا الحد.
مسألة: قالوا: ثم ذكر بعده ما يدل على أنه هو الخالق لانصراف المؤمن عن اتباع الشيطان، فقال:
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا (سورة النساء الآية ٨٣)
следующие страницы →