Полный текст (363 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
متشابه القرآن للقاضى عبد الجبار بن أحمد الهمدانى
للمعتزلة نزعة معروفة محددة، إنها النزعة التى تحكم العقل له القياد.
وهذا ظاهر فى كل ما يكتبون فى التفسير وفى التوحيد.
ومن أهم الشخصيات التى توضح مذهبهم- والتى وجدت تآليفها رواجا وانتشارا: القاضى عبد الجبار.
وقد كان لنشر كتابه: «المغنى» أثر كبير فى التعريف المستفيض بآراء المعتزلة وهو كتاب كبير اجتمع على تحقيق اجزائه الكثيرة طائفة من كبار المحققين فأخرجوه اخراجا متقنا.
ولقد لقى القاضى عناية الكثيرين ممن يهتمون به، فنشر له كتاب:
«الأصول الخمسة» وكتاب: «تنزيه القرآن عن المطاعن».
ولقد ولد القاضى بخراسان، ولا نكاد نعرف عن حياته الأولى شيئا، ولكنه من غير ما شك تعلم على الطريقة التقليدية: الفقه والتفسير والتوحيد والعربية، وغير ذلك مما كان تقليدا فى زمنه.
لقد خرج إلى البصرة، واختلف إلى مجالس العلماء.
ولقد نشأ فى أسرة متواضعة، فنشأ فى تقشف وشظف من العيش ولكن نفسه الطموحة تمردت على ظروفه، فأبى إلا ان يتابع الطريق العلمى فى غير فتور أو ملل.
وشاءت المقادير أن يتصل بالصاحب بن عباد، وكان الصاحب بن عباد ذا ميول شيعية وبين الشيعة والمعتزلة شبه كبير، وخاصة بين المعتزلة والشيعية الزيدية الذين تتلمذ أمامهم زيد على واصل بن عطاء رأس المعتزلة الأول.
стр. 72
كان تقدير الصاحب للمعتزلة كبيرا إلى درجة أنه ما كان يولى القضاء إلا من المعتزلة.
كان القاضى عبد الجبار حينئذ صاحب شهرة عريضة، بل إنه بدأ يحتل مكان الرئاسة للمعتزلة فاستدعاه الصاحب إلى «الرى» واصدر له امرا يتولى رئاسة القضاء فى (الرى) (وقزوين) وغيرهما ثم ولاه اضافة إلى ذلك جرجان وطبرستان.
وأتته الدنيا راغمة وكثر ماله وخدمه وحشمه، وما كان ذلك عن انحراف فى طريقه فقد كان مثلا كريما للعدالة والتحرى الدقيق فى الاحكام.
أما تقدير الصاحب وحبه له فقد فاق كان وصف:
لقد وصل به الأمر أن كان يقول عنه: افضل أهل الأرض.
ويقول عنه: أعلم أهل الأرض.
وما من شك أنه كان صاحب خلق فاضل، وصاحب علم عزيز.
وبيما القاضى فى اوج الشهرة: إذا بالصاحب ينتهى أجله، ويذهب للقاء ربه.
وهنا بدأت مشكلة فى غاية العمق تختلف فيها الأنظار فى كل زمن، وقد اختلفت فيها الأنظار اختلافا كبيرا إذا ذاك، ولعل الكثيرين يتفقون معنا فى انها تحتاج حقيقة إلى تامل.
لقد أحسن الصاحب إلى القاضى كل الإحسان واحبه وقدره وغمره بالمال والمناصب ثم مات الصاحب ودعى القاضى للصلاة عليه وهنا وقف القاضى بين أمرين كلاهما مر أحدهما مبدؤه- مبدأ القاضى- وهو مبدأ الاعتزال، وهذا المبدأ يقتضى التوبة الصادقة لأن مرتكب الكبيرة فاسق فإذا لم يتب فلا صلاة عليه، هل يصلى عليه ويخالف فى ذلك مبدأه ويصغر فى عين نفسه ويصبح بمخالفته مبدأه مهرجا أو مزيفا.
стр. 73
أما الأمر الثانى: فهو الوفاء الذى يقتضيه الصلاة على الصاحب والشكر وعدم التنكر له بعد انتقاله إلى ربه وعدم نكران الجميل.
المبدأ أو الوفاء.
وآثر القاضى: المبدأ.
ورفض الصلاة على الصاحب.
وهنا ثار الناس عليه ثورة عارمة ورموه ينكران الجميل، وبعدم الوفاء، ونقم عليه فخر الدولة وقبض عليه، وعزله من منصبه وصادر امواله.
أكان القاضى على حق، أكان مخطئا ذلك ما نتركه للقارئ.
ولقد طال عمر القاضى حتى ليقول ابن الأثير:
«وقد جاوز التسعين» ومات فى ذى القعدة سنة خمس عشرة وأربعمائة.
والكتاب الذى نتحدث عنه هو كتاب:
«متشابه القرآن» وعنوانه يدل على محتواه، فهو تفسير للآيات المتشابهة.
والمتشابه يختلف الناس فى معناه ولكنهم مهما اختلفوا فإن القاضى عرض للآراء المختلفة فى المتشابه، والمتشابه- فيما يرى- هو الذى على صفة تشتبه على السامع من حيث خرج ظاهره على أن يدل على المراد به لشىء يرجع إلى اللغة أو التعارف، ويضرب القاضى مثالا لذلك:
بقول تعالى:- إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ (سورة الأحزاب الآية ٥٧) فإن هذه الكلمة القرآنية وما شاكلها ظاهرها محال على الله تعالى، فالمراد مشتبهه ويحتاج فى معرفته إلى الرجوع إلى غيره من المحكم.
стр. 74
وتفسير القاضى للمتشابه بهذا النحو يجعل دائرة المتشابه واسعة تشمل كل الآراء التى قيلت فى المتشابه.
أما المحكم فهو الذى لا يحتمل إلا المعنى الظاهر فى أصل اللغة أو بالتعارف أو بشواهد العقل، وذلك نحو قوله تعالى:
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (سورة الإخلاص) ونحو قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً (سورة يونس الآية ٤٤) والكتاب مسائل، يعرض المؤلف الآية فى صورة مسألة، ويفسرها بما يتناسب مع الجو الإسلامى وخصوصا مع جو الاعتزال، ومن أمثلة ذلك ما يلى:
مسألة قالوا: ثم ذكر تعالى بعد ذلك ما يدل على إنه خص المؤمن بالهدى دون غيره.
فقال:
فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ (سورة البقرة الآية ٢١٣) والجواب عن ذلك: قد تقدم انا قد بينا أن تخصيصه المؤمن بأن هداه لا يدل على إنه لم يهد غيره، وإنما خصه، لانه الذى انتفع بالهدى دون غيره.
«وبينا أنه قد يخص المؤمن بالهدى الذى هو بمعنى الثواب، أو طريقه
стр. 75
المؤدى إليه، إلا أن المراد فى هذا الموضع: الدلالة، ولذلك علق الهدى بالحق فما اختلفوا فيه.
وقوله تعالى من بعد:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (سورة النساء الآية ٢٩ و ٣٠) فدل تعالى على أن من يفعل أكل المال بالباطل وقتل النفس يدخله النار لا محالة وقد يوصف بذلك الفاسق من أهل الصلاة، كالكافر، فيجب حمل الآية على العموم، ومعقول من حال الكلام أنه يريد النهى عن أن يأكل بعضنا أموال بعض، والوعيد وارد عليه على الحد الذى وقع النهى.
عنه، فليس لاحد أن يتعلق بذلك فاما قتل النفس فالنهى يتناول فيه أن يقتل بعضنا بعضا أو أن يقتل نفسه وكلاهما سواء فى صحة النهى فيهما، فإن حمل على الامرين ورد الوعيد عليهما جميعا.
وإنما قال: العلماء إن المراد به: ولا يقتل بعضكم بعضا، من حيث ثبت أن الإنسان ملجأ إلى أن يقتل نفسه، فلا يصح وحاله هذه أن ينهى عن القتل، فيجب إذا صرف النهى إلى
الوجه الثانى، والوعيد إنما ورد على هذا الحد.
مسألة: قالوا: ثم ذكر بعده ما يدل على أنه هو الخالق لانصراف المؤمن عن اتباع الشيطان، فقال:
وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا (سورة النساء الآية ٨٣)
стр. 76
والجواب عن ذلك: ان ظاهره يقتضى انه لولا فضله لا قدمنا على المعصية، وليس فيه بيان ذلك الفضل، والمراد به الالطاف والتاييد وسائر ما يصرف المرء عن اتباع الشيطان والمعاصى، وبين تعالى أن ذلك الفضل لو لم يفعله لكان فيهم من لا يتبع الشيطان مبينا بذلك أن المعلوم من حال كثير منهم أنه يؤمن ويتصرف عن اتباع الشيطان وإن لم يلطف له، وهذا يصدق قولنا فى اللطف أنه قد يختص بمكلف دون مكلف.
وإن حملت الكلام على أنه لولا فضله على الكل لا تبعوا الشيطان إلا قليلا منهم فإنهم مع فضله عليهم يتبعونه، فإنه يدل على مثل ما قدمناه فى أن اللطف قد يختص، وقد يختص، وقد يفعل بمكلفين فيكون لطفا لاحدهما دون الآخر، كما أن رفق الوالد بأحد ولديه قد يكون لطفا له فى التعليم، ولا يكون لطفا فى الآخر.
وبعد: فإن هذا الكتاب فى غاية النفاسة إذا نظرنا إلى مذهب المعتزلة أما إذا نظرنا إلى مذهب أهل السنة، فإن فيه الكثير من التفانى، ولكن فيه أيضا، الكثير مما يمكن المناقشة فيه والجدل، وهو على كل حال كتاب للخاصة.
стр. 77
الإمام القشيرى وتفسيره لطائف الإشارات
يمثل الإمام القشيرى اتجاها خاصا فى العلوم الإسلامية، إنه الاتجاه الصوفى فى أدق مظاهره وأنقى صوره: اتباع للسنة، وكشف لدقائق الطريق، ورد لما نسب إلى التصوف من مظاهر، وما التصق به من رسوم ..
والإمام القشيرى هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك زين الإسلام القشيرى نسبة إلى قبيلة بنى قشير العربية الأصيلة.
ولد فى قرية من نواحى نيسابور ومات أبوه وهو صغير، فاتجهت اسرته نحو العلم، فسمع من كبار الشيوخ، وتلقى عن كثير من العلماء ومن أهم هؤلاء الذين أثروا فى تكوين شخصيته العلمية وحياته الفكرية ابن فروك وأبو إسحاق الأسفرائني وغيرهم.
ثم ارادت المقادير أن يحضر درس: الأستاذ ابن على الدقاق، ليرى اخلاصا، ويرى تقوى، ويرى نورا يرتسم على وجهه، ويشرق من كلماته فينير قلوب السامعين، وبجذبهم إلى الله، وكانت فطرة القشيرى النقية على استعداد تام لسلوك الطريق، ورأى الإمام أبو على الدقاق فيه النجابة، فقبله فى زمرة مريديه، ثم اصطفاه فى زمرة أخصائه، وزوجه ابنته، مع كثرة أقاربها ..
وتأثر القشيرى بالشيخ الدقاق، وكان ذا شخصية قوية فيما يتصل بالتصوف والصوفية، دقيق البحث عميق الفكرة، رائد السلوك، يقول المناوى عنه:
كان لسان وقته، وإمام عصره، فارها فى العلم، محمود السيرة، مجهود السريرة، جنيدى الطريقة سرى الحقيقة، أخذ مذهب الشافعى عن القفال
стр. 78
والحصرى وغيرهما، وبرع فى الأصول وفى الفقه وفى العربية حتى شدت إليه الرحال فى ذلك، ثم أخذ فى العمل، وسلك طريق التصوف، وأخذ عن النصرآباذي .. قال ابن شهبة: (وزاد عليه حالا ومقالا، وعنه أخذ القشيرى صاحب الرسالة، وله كرامات ظاهرة ومكاشفات باهرة ...
وكما استفاد القشيرى من أساتذته تأثر بمن عاصره من العلماء، كما أثر فيهم، ومن أشهر هؤلاء: (السلمى وأبى المعالى الجويني إمام الحرمين).
وقد ألف الإمام القشيرى عددا من المؤلفات الهامة تدور فى مجملها حول التصوف، سواء أكان تحديدا لماهيته، أم فهما للقرآن على ضوئه، أو مناقشة للأمور التي تلازمه كالذكر ونحوه ... ومن أهم هذه المؤلفات:
١ - الرسالة القشيرية، كتبها المؤلف فى سنة سبع وثلاثين وأربعمائة إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام.
كتبها تصحيحا لأوضاع كثيرة انحرفت، وبيانا لما ينبغى أن يكون عليه المريد الصادق.
لقد كانت هناك جوانب كثيرة فى الاجواء التي تزعم أنها صوفية قد دب إليها الفساد، وسلك بعض المدعين مسالك لا تمت إلى الدين ولا إلى التصوف بصلة، كما هو الشأن دائما فى المدعين المزيفين الذين يوجدون فى كل عصر وفى كل ميادين، فأشفق الإمام القشيرى على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر- أى أمر التصوف- على هذه الجملة قد بنى قواعده، وعلى هذا النحو سار سلفه ...
وقاده هذا الاشفاق إلى أن يكتب هذه الرسالة مبينا فيها جانبين:
الجانب الأول: سيرة رجال التصوف وبعض أقوالهم، وذكر فى هذا الجانب كثيرا من أعلام الصوفية كنماذج يسير المريد على هديهم ...
أما الجانب الثاني: فإنه مبادئ السلوك ومناهجه ..
٢ - تفسيره المشهور: لطائف الاشارات «وسنتحدث عنه بالتفصيل».
стр. 79
٣ - التيسير فى التفسير، مخطوط فى النهد ولندن.
٤ - حياة الأرواح والدليل على طريق الصلاح والفلاح، مخطوط بالاسكوريال.
٥ - المعراج وقد حققه الدكتور على حسن عبد القادر.
٦ - شكابة أهل السنة، ذكرها السبكى فى طبقات الشافعية كاملة ..
٧ - الفصول، وهو مخطوط بالقاهرة.
٨ - الوحيد النبوى، مخطوط بالقاهرة.
٩ - اللمع، مخطوط بالقاهرة.
١٠ - شرح أسماء الله الحسنى، وقد طبعه مجمع البحوث الإسلامية ..
وهذه المؤلفات انما تدل على تمكن صاحبها من علوم الشريعة والحقيقة، ورعايته فى الحديث لما يقتضيه كل من العلمين، فلم يكن فى حديثه عن التصوف إلا معبرا عن الشريعة، ولم يكن فى حديثه عن الشريعة إلا موضحا لها ببعض المفاهيم الصوفية ..
وانتهى الأمر بالقشيرى إلى أن أصبح كما يقول عنه الإمام عبد الغافر:
الإمام مطلقا، الفقيه، المتكلم، الاصولي، المفسر، الاديب، النحوى، الكاتب، الشاعر لسان عصره، وسيد وقته، وسر الله بين خلقه، مدار الحقيقة، وعين السعادة، وقطب السيادة، من جمع بين الشريعة والحقيقة، كان يعرف الأصول على مذهب الاشعرى، والفروع على مذهب الشافعى ..
ولقد ترجم له صاحب كتاب «دمية القصر» أبو الحسن الباخرزى فقال:
جامع لأنواع المحاسن، تنقاد له صعابها ذلل المراسين، فلو قرع الصخر بصوت تخديره لذاب، ولو ربط ابليس فى مجلس تذكيره لتاب، وله فصل الخطاب فى فصل المنطق المستطاب، ماهر فى التكلم على مذهب الاشعرى، خارج فى احاطته بالعلوم عن الحد البشرى كلماته للمستفيدين فوائد وفوائد،
стр. 80
واعتاب منبره للعارفين وسائد ثم إذا عقد بين مشايخ الصوفية حبوته، ورأوا قربته من الحق وحظوته: تضاء لوا بين يديه، وتلاشوا بالإضافة إليه وطواهم بساطه فى حواشيه، وانقسموا بين النظر والتفكير فيه، وله شعر يتوج به رءوس معاليه، إذا ختمت به أذناب أماليه».
وتوفى يوم الاحد فى السادس عشر من شهر ربيع الأول عام ٤٦٥ هـ خمس وستين وأربعمائة بمدينة (نيسابور) ودفن بجوار شيخه أبى على الدقاق رحمهما الله رحمة واسعة.
قدم الإمام القشيرى لتفسيره بمقدمة تشير إلى منهجه، وتبين طريقته فى تأليفه فقال:
الحمد الله الذى شرح قلوب أوليائه بعرفانه، وأوضح نهج الحق بلائح برهان لمن أراد طريقه، وأتاج البصيرة لمن ابتغى تحقيقه، وأنزل الفرقان هدى وتبيانا على صفيه محمد ﷺ وعلى آله معجزة وبيانا، وأودع صدور العلماء معرفته وتأويله، وأكرمهم بعلم قصصه ونزوله، ورزقهم الإيمان بمحكمة ومتشابهه وناسخه، ووعده ووعيده، وأكرم الاصفياء من عباده بفهم ما أودعه من لطائف اسراره وأنواره، لاستبشار ما ضمنه من دقيق اشاراته، وخفى رموزه بما لوح لاسرارهم من مكنونات، فوقفوا بما خصوا به من أنوار الغيب على ما استتر عن أغيارهم، ثم نطقوا على مراتبهم وأقدارهم والحق يلهمهم بما به يكرمهم فهم به عنه ناطقون وعن لطائفه مخبرون وإليه يشيرون، وعنه يفصحون والحكم إليه فى جميع ما يأتون به ويذرون.
وقال الإمام أبو القاسم القشيرى ﵀:
وكتابنا هذا يأتى على ذكر طرف من اشارات القرآن على لسان أهل المعرفة اما من معانى مقولهم، أو قضايا أصولهم سلكنا فيه طريق الاقلال خشية الملال، مستجدين من الله تعالى عوائد المنة، متبرئين من الحول والمنة، مستعصمين من الخطإ والخلل، مستوفقين لاصوب القول والعمل ملتمسين أن
стр. 81
يصلى على سيدنا محمد ﷺ ، ليختم لنا بالحسنى بمنته وافضاله، وتيسر الاخذ فى ابتداء هذا الكتاب فى شهور سنة اربع وثلاثين وأربعمائة، وعلى الله إتمامه إن شاء الله تعالى .
لقد بين فى هذه المقدمة أن كتابه إنما هو ذكر لطرف من اشارات القرآن على لسان أهل المعرفة، وهذه الاشارات دقيقة محكمة مختصرة، وهى وإن كانت تعبر عن الحقيقة فإنها لا تخالف الشريعة، فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول.
إن هذا التفسير يمثل مرحلة أخرى فوق مرحلة التفسير العادى الذى يعتمد على قواعد اللغة وألوان العلوم التى يحتاج إليها المفسر .. إنه كشف لذوق، وإبراز لا حساس تحصل من المجاهدة، وساعد عليه فضل الله تعالى الذى فجر ينابيع الفهوم ..
ومن هنا يعد مكملا لغيره من ألوان التفاسير لا مباينا لها، ويتعاون الجميع كل فى مجاله على فهم آيات القرآن الكريم.
ومن نماذج هذا التفسير:
قوله جل ذكره:
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (سورة آل عمران الآية ١٤٦) «إن الذين درجوا على الوفاء، وقاموا بحق الصفاء، ولم يرجعوا عن الطريق وطالبوا نفوسهم بالتحقيق، وأخذوا عليها بالتضييق والتدقيق، وجدوا محبة الحق سبحانه ميراث صبرهم، وكان الخلف عنهم الحق عند نهاية أمرهم، فما زاغوا عن شرط الجهد، ولا زاغوا فى حفظ العهد، وسلموا
стр. 82
تسليما وخرجوا عن الدنيا وكان كل منهم للعهد مقيما مستديما، وعلى شرط الخدمة والوداد مستقيما .. »
قوله جل ذكره: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (سورة الانفطار الآية ٦) أى ما خدعك وما سول لك حتى عملت بمعاصيه؟ ويقال: سأله وكأنما فى نفس السؤال لقنه الجواب، يقول: غرنى كرمك بى ولولا كرمك لما فعلت، لأنك رأيت فسترت، وقدرت فأمهلت ..
لا استحلالا له ولكن طول حلمه عنه حمله على سوء خصاله وكما قلت:
يقول مولاى: أما تستحى ... مما أرى من سوء أفعالك
قلت: يا مولاى رفقا فقد ... جرأنى كثرة أفضالك
قوله جل ذكره: الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ أى ركب أعضاءك على الوجوه الحكمية فى أى صورة ما شاء، من الحسن والقبح والطول والقصر، ويصح أن تكون الصورة هنا بمعنى الصفة وفى بمعنى على فيكون معناه: على أى صفة شاء ركبك: من السعادة أو الشقاوة، والإيمان أو المعصية» هذا وقد قام الدكتور إبراهيم بسيونى بجهد مشكور فى تحقيق هذا التفسير واخراجه على صورة طيبة حازت إعجاب الجميع، فشكر الله له جهده، ونفع بهذا التفسير ..
стр. 83
شيخ الشافعية ببغداد الكيا الهراس وتفسيره
الإمام شمس الإسلام عماد الدين أبو الحسن على بن محمد الطبرى المعروف بالكياالهراس الملقب: عماد الدين.
«والكيا» بهمزة مكسورة ولام ساكنة، ثم كاف مكسورة بعدها ياء مثناة من تحت معناه الكبير بلغة الفرس.
«الهراس» براء مشددة وسين مهملة- قال ابن العماد فى الشذرات:
(لا نعلم تبعيته لأي شىء) ولد الهراس خامس ذى القعدة سنة خمسين وأربعمائة للهجرة ونشأ طالبا للعلم جادا فى تحصيله ورحل فى سبيله إلى نيسابور فى الثامنة عشرة من عمره قاصدا ساحة العالم الجليل والإمام المشهور إمام الحرمين الذى كان حسن الوجه مليح الكلام فحصل طريقته وتخرج وصار من ائمة اصحابه، وبرز فى الفقه والأصول وغيرهما من العلوم، وأصبح من رءوس المعيدين فى الدرس- وكان هو وأقرانه- الغزالي والخوافي- أبرز تلاميذ إمام الحرمين وأنبغ من تخرج به.
ومما يدل على جده فى تحصيل العلم وحفظه ما قاله عن نفسه:
وكان فى مدرسة «سرهنگ» قناة لها سبعون درجة وكنت إذا حفظت الدرس انزل القناة وأعيد الدرس كل درجة فى الصعود والنزول، وكذا كنت افعل فى كل درس حفظته .. ».
وقد واصل الهراس الرحلة إلى بيهق ودرس بها زمنا ثم تحول بعد ذلك إلى مدينة العلم وحاضرة العصر وموطن العلم والعلماء مدينة بغداد. وقد انتهى به الأمر فى هذه المدينة إلى ان تبوأ بها منزلة رفيعة فى العلم وشأنا عظيما بين العلماء حيث تولى التدريس بالمدرسة النظامية بها فى ذى الحجة سنة ثلاث وتسعين
стр. 84
وأربعمائة واستمر مدرسا بها إلى ان توفى فى أول شهر المحرم سنة أربع وخمسمائة للهجرة.
مكانته وثناء العلماء عليه:
لقد بلغ الهراس منزلة سامية ومحلا مرموقا فى العلم وبين العلماء وقد استفاض العلماء فى بيان مكانته والتعريف بمنزلته فقال عبد الغفار بن اسماعيل الفارس عنه:
«الإمام البالغ فى النظر مبلغ الفحول».
وقال السبكى عنه:
أحد فحول العلماء ورءوس الأئمة فقها وأصولا وجدلا وحفظا لمتون احاديث الاحكام.
وقال الاسنوى:
كان اماما نظارا، قوى البحث، دقيق الفكر، ذكيا فصيحا، جهورى الصوت حسن الوجه جدا وكان فى مناظرته قوى الحجة بين الدلالة واضح الرأى له لطافة وعذوبة.
يقول السبكى:
وكانت فيه لطافة عند مناظرته، ربما ناظر بعض علماء العراق فأنشد:
ارفق بعيدك ان فيه يبوسه ... جبلية ولك العراق وماؤه
قيل: انشد هذا البيت فى مناظرته مع أبى الوفاء بن عقيل الحنبلى- وكان أبو الوفاء مشهورا بتمسكه بالاصول وشدته فى الرأى، وقد نقل عنه الجوزى فى كثير من كتبه عن كتبه محتجا بآرائه ولا سيما فى كتاب «تلبيس ابليس».
ومما يدل على هذه المكانة السامية ومنزلته بين علماء عصره، ما حكاه الاسنوى قائلا:
стр. 85
«وكان ممن حضر جنازته الشريف أبو طالب الزيوبى. وقاضى القضاة أبو الحسن بن الدامغانى مقدما أصحاب الحنفية، وكانت بينه وبينهما منافسة فوقف احدهما عند
رأس قبره والآخر عند رجليه، وأنشد ابن الدامغانى:
وما تغنى النوادب والبواكى وقد أصبحت مثل حديث أمس
وأنشد الشريف
:-
عقم النساء فلم يلدن شبيهه ... ان النساء بمثله عقم
وقد رثاه خادمه أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان العزى الشاعر المشهور حيث قال:
بكى على شمسه الاسلام اذا فلت ... بأدمع قل فى تشبيهها المطر
حبر عهدناه طلق الوجه مبتسما ... والبشر احسن ما يلقى به البشر
احيا ابن ادريس درسا كنت تورده ... تحار فى نظمه الآذان والفكر
من فاز منه بتعليق فقد علقت ... يمينه بشهاب ليس ينكدر
رحم الله الهراس الذى كان محبا لأهل بيت رسول الله ﷺ والسنة قولا وعملا حتى قال عنه ابن خلكان: كان محدثا يستعمل الأحاديث فى مناظراته ومجالساته ونقل عنه قوله:
«إذا جالت الأحاديث فى ميادين الكفاح طارت رءوس المقاييس فى مهاب الرياح».
فتاويه
:- وللهراس كثير من الفتاوى المنثورة فى امهات المراجع ونقلها عنه تلاميذه المشهورون، ومنها ما نقله عنه الحافظ أبى طاهر السلفى إذ قال:
«استفتيت شيخنا الكيا الهراس: ما يقوله الإمام- وفقه الله تعالى- فى رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، أتدخل كتبه الحديث هذه الوصية أم لا؟
стр. 86
فكتب الشيخ تحت السؤال: نعم، كيف لا وقد قال النبى ﷺ .
«من حفظ على أمتى أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما».
مؤلفاته
:- كثرت مؤلفات الهراس فى فنون مختلفة شملت القرآن والحديث وعلوم الشريعة الغراء، ومن اشهر هذه المؤلفات:
أحكام القرآن- وسنتناوله بالحديث بعد ذلك (لوامع الدلائل فى زوايا المسائل) و (شفاء المسترشدين فى مباحث المجتهدين).
و (نقد مفردات الإمام أحمد).
و (كتاب فى أصول الفقه).
стр. 87
أحكام القرآن
يعتبر كتاب احكام القرآن الذى ألفه الهراس واحدا من اشهر التآليف التى تعنى بآيات الاحكام فهما واستنباطا واستخراجا للأصول منها حيث تظهر الثروة الكبيرة فى مجال الفقه والتشريع الاسلامى.
وقد راعى مؤلفه فيه الايجاز والاختصار والاقتصار على اللباب فجاء كتابه وافيا فى بابه نافعا لقارئه.
والكتاب يعد من أول الكتب المؤلفة فى أحكام القرآن على مذهب الإمام الشافعى حيث استخدم منهجه وسلك مسلكه وسار على طريقته فضم بذلك- إلى جانب ما ألفه غيره من أتباع أبى حنيفة ومالك رحمهما الله نظرة تكاد تكون متكاملة على الجانب التشريعى للقرآن الكريم.
يقول الهراس اثناء مقدمته لهذا الكتاب.
«وبعد: فإنى لما تأملت مذاهب القدماء المعتبرين، والعلماء المتقدمين والمتأخرين ومذاهبهم وآراءهم ولحظت مطالبهم وأبحاثهم، رأيت مذهب الشافعى رضى الله عنه وأرضاه اسدها وأقواها وأرشدها وأحكمها حتى كان نظره فى كبر آرائه ومعظم ابحاثه يترقى عند حد الظن والتخمين إلى درجة الحق واليقين.
ولم أجد لذلك سببا أقوى وأوضح وأو فى من تطبيقه مذهبه على كتاب الله تعالى:
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. (سورة فصلت الآية ٤٢) وأنه اتيح له درك غوامض معانيه، والغوص على تيار بحره لاستخراج
стр. 88
ما فيه. وان الله فتح عليه من أبوابه ويسر عليه من اسبابه ورفع له من حجابه ما لم يسهل لمن سواه، ولم يأت لمن عداه فكان على ما اخبر الله تعالى عن ذى القرنين فى قوله: آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً فَأَتْبَعَ سَبَباً.
(سورة الكهف الآية ٨٤) ولما رأينا الأمر كذلك اردت أن اصنف فى احكام القرآن كتابا اشرح فيه ما انتزعه الشافعى رضى الله عنه من أخذ الدلائل فى غوامض المسائل
وضممت إليه ما نسجته على منواله، واحتذيت فيه على مثاله على قدر طاقتى وجهدى ومبلغ وسعى وجدى ..
ثم يقول:- ولن يعرف قدر هذا الكتاب وما فيه من العجب العجاب إلا من وفر حظه من علوم المعقول والمنقول. ومتبحر فى الفروع والأصول ثم اكب على مطالعة هذه الفصول بمسكة صحيحة وقريحة نقية غير قريحة ..
وأعوذ بالله من الاعجاب بالابداع والميل بالهوى إلى بعض الآراء فى مظان النزاع، وأسأله أن يجعل مجامع مساعينا وجل متابعنا فى طلب مرضاته إنه ولى قدير وبالاجابة جدير فأقول:
لما رأيت أقاويل المفسرين فى أحكام القرآن متجاوزة حد البيان آخذة بطرفى الزيادة والنقصان، جررت فى سرجها هذه الفصول المتضمنة من اللفظ والمعنى شفاء كل عليل مع انتخابى فيها قصد السبيل، وتوقى التعليل والتطويل ...
وقد انتفع بهذا الكتاب الكثيرون من العلماء واثنوا عليه الثناء المستطاب واعتمدوا عليه فى تأليفهم بعده حتى قال عنه ابن العربى الذى جاء بعده فى مقدمة كتابه أحكام القرآن.
«إن مؤلفه أتى فيه بالعجب، ونثر فيه لباب الألباب وفتح فيه لكل من جاء بعده إلى معارفة الباب، فكل أحد غرف منه على قدر انائه ..
стр. 89
نموذج من «أحكام القرآن»
قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها. (سورة البقرة الآية ١١٤) قوله «منع» نزل فى شأن المشركين حين منعوا المسلمين من ذكر الله تعالى فى المسجد الحرام وسعيهم فى خرابه بمنعهم من عمارته بذكر الله وطاعته وقوله «أولئك ما كان لهم ان يدخلوها إلا خائفين».
يدل على ان المسلمين اخرجوهم منها إذ دخلوها.
ويدل على مثل ذلك قوله تعالى:
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ.
وعمارتها تكون ببنائها واصلاحها والثانى حضورها ولزومها، كما يقال:- فلان يعمر مسجد فلان؛ أى يحضره ويلزمه.
قوله :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ. (سورة البقرة الآية ١١٥) ويدل على جواز التوجه إلى الجهات فى النوافل، وللمجتهد جواز التعبد بالجميع ..
قوله تعالى:- وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ.
стр. 90
دلت على أن التنظف ونفى الأوساخ والاقذار عن الثياب والبدن مأمور به وقد قال سليمان بن فرج أبو واصل اتيت أبا أيوب فصافحته فرأى فى أظافرى طولا فقال: جاء إلى النبى ﵇ رجل يسأل عن اخبار السماء فقال:
يجيء أحدكم يسأل عن خبر السماء وأظفاره كأنها اظفار الطير يجتمع فيها الوسخ والتفث؟
قوله تعالى:- إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً.
الامام: من يؤتم به فى امر الدين كالنبى ﵇ والخليفة والعالم اخبر الله تعالى إبراهيم انه جاعله للناس اماما، وسأل إبراهيم ربه أن يكون ابناؤه أئمة فقال تعالى:
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. (سورة البقرة الآية ١٢٤) ودل قوله تعالى:
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.
على ان الاجابة قد وقعت له فى ان من ذريته ائمة ولكن لا امامه لظالم حتى لا يقتدى به، ولا يجب على الناس قبول قوله فى امر الدين.
نعم: كان يجوز ان تظهر المعجزة على يد فاسق ظالم، ويجب قبول قوله لوجود الدليل، وان لم يجب قبول قول الفاسق لعدم ظهور الصدق وعدمه عقلا غير ان العصمة وجبت للانبياء سمعا.
ويجوز عقلا وجوب قبول قول الفاسق ولكن دلت هذه الآية على ان عهد الله تعالى لا ينال الظالمين.
فيحتمل أن يكون ذلك النبوة، ويحتمل أن يكون ما اراد لهم من امر دينه، وأجاز قولهم فيه، وأمر الناس بقبوله منهم.
стр. 91
ويطلق العهد على الأمر قال الله تعالى.
إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا. (سورة آل عمران الآية ١٨٣) يعنى امرنا وقال:
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ. (سورة يس الآية ٦٠) يعنى ألم اقدم إليكم الأمر به:
وإذا كان عهد الله هو اوامره، فقوله: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ لا يريد به انهم غير مأمورين لأن ذلك خلاف الاجماع، فدل على ان المراد به أن يكونوا بجملة من تقبل منهم أوامر الله، ولا يؤمنون عليها.
стр. 92
الواحدى النيسابورى وأسباب النزول
هو على بن أحمد بن محمد بن على الواحدى النيسابورى، الامام الكبير أبو الحسن كان أبوه من التجار فتهيأ له طلب العلم والأخذ منه، فأخذ العربية عن أبى الحسن القهندزى، واللغة عن أبى الفضل أحمد بن محمد بن يوسف العروضى صاحب أبى منصور الأزهرى، وسمع من أبى الطاهر الزيادى وأبى بكر أحمد بن الحسن الحيرى وأبى إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، وعبد الرحمن بن حمدان النصرونى، وأحمد إبراهيم النجار وخلق.
وداب الواحدى فى طلب العلم، وجد فيه حتى لقد قيل عنه: واحد عصره فى التفسير وكان له من المؤلفات الكثيرة فى التفسير وغيره، ومن مؤلفاته فى ذلك:
البسيط، والوسيط، والوجيز، وكلها تفسير للقرآن الكريم، فالبسيط فى نحو ستة عشر مجلدا، والوسيط فى اربعة مجلدات، والوجيز فى أقل من ذلك:
ومنها: اسباب النزول وهو موضوع حديثنا وهو مطبوع بمصر محقق.
ومنها: التحبير فى شرح الأسماء الحسنى.
ومنها: شرح ديوان المتنبى.
ومنها: الدعوات.
ومنها: المغازى.
ومنها: الاغراب فى علم الاعراب.
ومنها: كتاب تفسير النبى ﷺ .
стр. 93
ومنها: شرح ديوان المتنبى.
وكان له شعر مليح، واختيار طيب لما ينقل، فمن تفسيره فيما نقله التاج السبكى فى طبقاته ما قاله فى الوسيط فى تفسيره سورة القتال عند الكلام على قوله تعالى:
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ.
أخبرنى أبو الحسن محمد بن أحمد بن الفضل بن يحيى، عن محمد بن عبيد الله الكاتب قال:
قدمت مكة، فلما وصلت إلى طيزناباذ ذكرت بيت أبى نواس:
كرم ما مررت به إلا ... تعجبت ممن يشرب الماء
فهتف بى هاتف اسمع صوته ولا اراه:
وفى الجحيم حميم ما تجرعه ... حلق فابقى له فى البطن امعاء
وفى تفسير «ألم نشرح» نقل بسنده عن ابن العتبى قال:
كنت ذات ليلة فى البادية بحالة من الغم، فألقى فى روعى بيت من الشعر، فقلت:
ارى الموت لمن أص ... بح مغموما له اروح
فلما جن الليل سمعت هاتفا يهتف فى الهواء.
ألا ايها المرء ال ... ذى الهم به برح
وقد انشد بيتا لم ... يزل فى فكره يسبح
إذا اشتد بك، الأمر ... ففكر فى ألم نشرح
فعسر بين يسرين ... إذا ابصرته فافرح
وقد نقل الواحدى عن الشعبى قال:
فرق الله تنزيله فكان بين أوله وآخره عشرون أو نحو عشرين سنة انزله قرآنا
стр. 94
عظيما وذكرا حكيما، وحبلا ممدودا، وعهدا معهودا، وظلا عميما، وصراطا مستقيما، فيه معجزات باهرة وآيات ظاهرة، وحجج صادقة، ودلالات ناطقة، دحض به حجج المبطلين. ورد به كيد الكائدين، وايد به الاسلام والدين فلمع منهاجه، وثقب سراجه، وشملت بركته، ولمعت حكمته على خاتم الرسالة، والصادع بالدلالة، الهادى للأمة، الكاشف للغمة الناطق بالحكمة، المبعوث بالرحمة، فرفع اعلام الحق، واحيا معالم الصدق، ودفع الكذب ومحا آثاره، وقمع الشرك وهدم مناره، ولم يزل يعارض ببيناته المشركين، حتى مهد الدين، وابطل شبه الملحدين، ﷺ صلاة لا ينتهى امدها، ولا ينقطع مددها وعلى آله وأصحابه الذين هداهم وطهرهم ...
أما كتابه اسباب النزول فهو من احسن المؤلفات فى هذا الباب وقد جمع فيه تقريبا جميع المرويات من الحديث وأقوال الصحابة والتابعين فى سبب نزول الآيات، وقد رتبه سورة بعد سورة. على ترتيب المصحف ويذكر فى كل سورة منها ما ورد من سبب نزول الآيات بها فليس كل آية ورد بها سبب نزول عنده ولكنه عد ذلك فى كثير من الآيات مع ذكر السند الذى يوثقها.
وهاك نموذجا من أسباب النزول:- قوله تعالى:
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. (سورة الصف الآية ١) أخبرنا محمد بن جعفر، حدثنا محمد بن عبد الله بن زكريا، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدغولى، قال: حدثنا محمد بن بهيجى، حدثنا محمد بن كثير الصنعانى عن الأوزاعى عن يحيى بن كثير، عن ابن سلمة عن عبد الله بن سلام:
قال:
قعدنا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فتذكرنا وقلنا:
стр. 95
لو نعلم أى الأعمال أحب إلى الله ﵎ عملناه. فأنزل الله تعالى:
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
إلى قوله:
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ. (سورة الصف الآية ١، ٤) إلى آخر السورة فقرأها علينا رسول الله ﷺ .
وفى سورة الفتح: قوله :
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ. إلى آخر الآية.
أخبرنا سعيد بن محمد المقرى قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المدينى، قال حدثنا أحمد بن عبد الرحمن السقطى قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا همام عن قتادة عن أنس قال:
لما نزلت:
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ.
قال أصحاب رسول الله ﷺ : هنيئا لك يا رسول الله ما أعطاك الله، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى:
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ .... (سورة الفتح الآية ١، ٥)
стр. 96
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل فى وجوه التأويل
مؤلفه هو: أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى- الملقب ب «جار الله» وقد كان حنفى المذهب، معتزلى العقيدة.
ولقب بجار الله، لأنه ذهب إلى مكة وجاور بها زمنا.
أما مولده: فكان فى رجب سنة ٤٦٧ هـ- فى قرية من قرى «خوارزم تسمى «زمخشر» ومن هنا كان انتسابه إليها فقيل له: الزمخشرى.
رحلته
: وقد دأب الزمخشرى على السفر والانتقال من مكان إلى مكان، فقد سافر إلى بغداد، وسافر إلى «خراسان» عدة مرات، وسافر إلى الأرض المقدسة، وأقام بها طويلا، وألف فيها كتابه «الكشاف» الذى يقول عنه: انه ألفه فى مدة مقدارها مدة خلافة أبى بكر رضى الله عنه أى سنتان وبضعة أشهر، انه يقول:
«ووفق الله وسدد ففرغ منه فى مقدار مدة خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وكان يقدر تمامه فى أكثر من ثلاثين سنة، وما هى إلا آية من آيات هذا البيت المحرم، وبركة أفيضت على من بركات هذا الحرم المعظم، اسأل الله أن يجعل ما تعبت فيه سببا ينجينى ونورا لى على الصراط يسعى بين يدى ويمينى، ونعم المسئول ... »
لقد ألفه الزمخشرى فى أواخر عمره، وألفه بعد أن أجرى تجربة فى التفسير كانت ناجحة، وذلك أنه طلب إليه املاء تفسير ويقول عن ذلك:
فأمليت عليهم مسألة فى الفواتح، وطائفة من الكلام فى حقائق سورة
стр. 97
البقرة، وكان كلاما مبسوطا كثير السؤال والجواب، طوف بالذيول والأذناب، وإنما حاولت به التنبيه على غزارة نكت هذا العلم وأن يكون لهم منارا يحجونه، ومثالا يحتذونه ... »
ونجحت هذه التجربة، فأخذ الناس يفدون إليه ليأخذوها عنه، ويسافرون إليه ليستفيدوا بها منه. ثم- لما حط رحاله بمكة- شرع فى تفسيره «الكشاف» ولم يؤلفه على نسق التجربة السابقة وإنما: «فى طريقة أخصر من الأولى- كما يقول- مع ضمان التكثير من الفوائد والفحص عن السرائر».
توفى الزمخشرى سنة ٥٣٨ هـ- بجرجانية خوارزم.
أما كتابه فإن الناس يقولون عنه عادة: «الكشاف للزمخشرى» وهو كتاب أثار- وما زال يثير- الاستحسان الجم، والنقد اللاذع إذ أن صاحبه يوصف بوصفين ظاهرين يعلنهما على الملأ ويذكرهما دون خفاء.
أما أحد هذين الوصفين فهو: أنه يتمذهب بمذهب أهل الاعتزال ويعتز به إلى درجة أنه كان أحيانا إذا قصد صاحبا له، واستأذن عليه فى الدخول يقول لمن يأخذ له الاذن:
«قل له: أبو القاسم المعتزلى بالباب» ويركز على كلمة «المعتزلى ... »
وقد بدأ تفسيره منذ الكلمات الأولى على مذهب الاعتزال وسار فيه من أوله إلى آخره واضعا نصب عينيه هذا المذهب، ففسر الآيات التى اختلف فيها بين أهل السنة وأهل الاعتزال على طريقة المعتزلة، وأسرف فى ذلك ...
والقرآن الكريم ليس كتاب مذهب، فإذا وضعت الاساس عند التفسير على طريقة معنة، واتخذت ذلك شعارا فقد ملت عن شرعة الانصاف.
ومن هنا كان النقد المستفيض من قمم علماء أهل السنة.
أما الوصف الثانى- الذى ظهر فى وضوح فى التفسير وفى صاحب التفسير:
стр. 98
فهو هذا النوع من بيان اعجاز القرآن فى بلاغته وفصاحته، وايضاح أنه حقيقة من كلام رب العالمين، وليس للبشر إلى مثله من سبيل ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
ولقد أعد الزمخشرى نفسه لهذا اعدادا كاملا:
لقد أعد له لغة، وأعد له بلاغا وبيانا، وأعد له اسلوبا وفصاحة وأعد له نحوا وصرفا ...
ولكن الذى يركز عليه صاحب الكشاف ولا يرى من اتقانه مناصا للمفسر هو: علم المعانى، وعلم البيان وما من شك فى أن التفسير يحتاج إلى علوم جمة نترك للزمخشرى نفسه بيانها، أنه يقول عن التفسير:
«لا يتم لتعاطيه واجالة النظر فيه كل ذى علم- كما ذكر الجاحظ فى كتاب نظم القرآن- فالفقيه ان برز على الاقران فى علم الفتاوى والاحكام والمتكلم وان بز الدنيا فى صناعة الكلام، وحافظ القصص والاخبار وان كان من ابن القرية احفظ (أحد فصحاء العرب) والواعظ وان كان من الحسن البصرى أوعظ والنحوى وان كان انحى من سيبويه واللغوى وان علك اللغات بقوة لحييه: لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص عن شىء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع فى علمين مختصين بالقرآن وهما: علم المعانى وعلم البيان، وتمهل فى ارتيادهما آونة، وتعب فى التنقير عنهما ازمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة فى معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله- بعد أن يكون أخذ من سائر العلوم بحظ جامعا بين أمرين: تحقيق- وحفظ- كثير المطالعات طويل المراجعات، قد رجع زمانا، ورجع إليه ورد عليه فارسا فى علم الاعراب مقدما فى حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقادها- يقظان النفس داركا للمحة وإن لطف شأنها، منبها على الرمزة وإن خفى مكانها لاكزا جاسيا ولا غليظا جافيا، متصرفا ذا دراية بأساليب النظم والنثر، مرتضى غير ربض بتلقيح بنات الفكر، قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف
стр. 99
ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقة، ووقع فى مداحضه ومزالقه» ولقد أعجب الزمخشرى بتفسيره حتى أنه ليقول فيه شعرا، منه:
إن التفاسير فى الدنيا بلا عدد وليس فيها لعمرى مثل كشافى إن كنت تبغى الهدى فالزم قراءته فالجهل كالداء والكشاف كالشافى وربما كان اصدق ما قيل فيه هو كلام الشيخ حيدر الهروى، فانه وفاه حقه فيما هو عليه من البلاغة والبيان، وذلك حق لا يمارى فيه انسان، ثم بين ما أخذ عليه وهو حق أيضا لا ينكره منصف، أما ما الزمخشرى- فيما رأى الشيخ الهروى- فإنه يقول:
«إن كتاب الكشاف عالى القدر، رفيع الشأن لم ير مثله فى تصانيف الأولين، ولم يرد شبيهه فى تآليف الآخرين، اتفقت على متانة تراكيبه الرشيقة كلمة المهرة المتقنين، واجتمعت على محاسن اساليبه الأنيقة السنة الكلمة من المفلقين، ما قصر فى قوانين التفسير وتهذيب براهينه، وتمهيد قواعده، وتشييد معاقده.
وكل كتاب بعده فى التفسير- ولو فرض أنه لا يخلو عن النقير والقطمير إذا قيس به- لا تكون له تلك الطلاوة، ولا يوجد فيه شىء من تلك الحلاوة، على أن مؤلفه يقتفى أثره، ويسأل خبره وقلما غير تركيبا من تراكيبه إلا وقع فى الخطأ والخطل، وسقط من مزالق الخبط والزلل، ومع ذلك كله إذا فتشت عن حقيقة الخبر، فلا عين منه ولا أثر، ولذلك قد تداولته أيدى النظار فاشتهر فى الاقطار كالشمس فى وسط النهار ...
أما ما يؤخذ عليه فهو أمور منها:
أنه كلما شرع فى تفسير آية من الآيات القرآنية مضمونها لا يساعد هواه.
стр. 100
ومدلولها لا يطاوع مشتهاه: صرفها عن ظاهرها بتكلفات باردة، وتعسفات جامدة، وصرف الآية- بلا نكتة بلاغية لغير ضرورة- عن الظاهر، تحريف لكلام الله ، وليته يكتفى بقدر الضرورة، بل يبالغ فى الاطناب والتكثير لئلا يتهم بالعجز والتقصير، فتراه مشحونا بالاعتزالات الظاهرة التى تتبادر إلى الافهام، والخفية التى لا تتسارق إليها الأوهام بل لا يهتدى إلى حبائله إلا وراد بعد وراد من الأذكياء الحذاق- ولا ينتبه لمكائده إلا واحد من فضلاء الآفاق، وهذه آفة عظيمة، ومصيبة جسيمة.
ومنها: أنه يطعن فى أولياء الله المرتضين من عباده، ويغفل عن هذا الصنيع لفرط عناده، ونعم ما قال الرازى فى تفسير قوله تعالى: «يحبهم.
ويحبونه»: خاض صاحب «الكشاف» فى هذا المقام فى الطعن فى أولياء الله تعالى، وكتب فيها ما لا يليق بعاقل أن يكتب مثله فى كتب الفحش، فهب أنه اجترأ على الطعن فى أولياء الله تعالى، فكيف اجتراؤه على كتبه ذلك الكلام الفاحش فى تفسير كلام الله المجيد.
ومنها: أنه ... أورد فيه أبياتا كثيرة- وأمثالا غريزة، بنى على الهزل والفكاهة أساسها وأورد على المزاج البارد نبراسها وهذا أمر من الشرع والعقل بعيد لا سيما عند أهل العدل والتوحيد.
ومنها: أنه يذكر أهل السنة والجماعة وهم الفرقة الناجية- بعبارات فاحشة، فتارة يعبر عنهم بالمجبرة، وتارة ينسبهم على سبيل التعريض إلى الكفر والإلحاد- وهذه وظيفة السفهاء الشطار، لا طريقة العلماء الابرار ... ».
وهاك نموذجا من التفسير لقوله تعالى:
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ، يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (سورة الزخرف الآية ٦٧، ٦٨، ٦٩، ٧٠)
стр. 101
قال: «يومئذ» منصوب بعدو، أى منقطع فى ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين فى غير ذات الله، وتنقلب عداوة ومقتا إلا خلة المتصادقين فى الله، فإنها الخلة الباقية المزادة قوة إذا رأوا ثواب التحاب فى الله تعالى- والتباغض فى الله- وقيل «إلا المتقين» إلا المجتنبين اخلاء السوء.
وقيل: نزلت فى أبى بن خلف وعقبة بن أبى معيط.
«يا عباد» حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون فى الله يومئذ «الذين آمنوا» منصوب المحل صفة لعبادى لانه منادى مضاف، أى الذين صدقوا «بآياتنا وكانوا مسلمين» مخلصين وجوههم لنا جاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا.
وقيل: إذا بعث الله الناس فزع كل أحد فينادى مناد يا عبادى فيرجوها الناس كلهم ثم يتبعها الذين آمنوا فييأس الناس منها غير المسلمين.
قرئ يا عباد «تحبرون» تسرون سرورا يظهر حباره، أى أثره فى وجوهكم كقوله تعالى:
«تعرف فى وجوههم نضرة النعيم».
وقال الزجاج: تكرمون اكراما يبالغ فيه، والحبرة المبالغة فيما وصف بجميل».
رحم الله الزمخشرى ونفع الناس بعلمه.
стр. 102
ابن العربى وتفسيره (أحكام القرآن)
مؤلف هذا التفسير هو
: أحد الاعلام الكبار- ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحفاظها القاضى أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد- المعافرى الاندلسى الاشبيلى.
ولد أبو بكر سنة ٤٦٨ هجرية وتأدب ببلده وقرأ القراءات وسمع به من أبى عبد الله بن منظور، وأبى محمد بن خزرج ثم انتقل ورحل إلى جملة من البلاد والأقطار فسمع العلم فى بلاد الاندلس وبخاصة قرطبة التى زخرت بالعلماء أمثال أبى عبد الله بن عتاب وأبى مروان بن سراج وغيرهما وحصلت له عناية العبادية- أصحاب اشبيلية فى ذلك الوقت- رئاسة ومكانة فلما انقضت دولتهم خرج إلى الحج مع ابنه القاضى أبى بكر سنة ٤٨٥ هـ وطوف فى البلاد يأخذ عن علماء كل قطر ينزل فيه، فلقى بمصر أبا الحسن الخلعى، وأبا الحسن بن مشرف، وأبا الحسن بن داود الفارسى وغيرهم، وفى مكة سمع من أبى عبد الله الحسين بن على الطبرى وغيره، وفى الشام لقى أبا حامد الغزالى والإمام أبا بكر الطرطوشى الذى تفقه به، وأبا سعيد الزنجاني، وأبا نصر المقدسى وغيرهم كثير، وفى عاصمة العلم بغداد التى زارها عدة مرات سمع من أبى الحسن المبارك بن عبد الجبار الصيرفى، ومن أبى بكر بن طرخان، ومن النقيب الشريف أبى الفوارس طراد بن محمد الزينبى، وأبى زكريا التبريزى وآخرين يضيق المقام عن سرد أسمائهم، وما أحد منهم إلا وله شهرة فى فنه وعلمه فعن هؤلاء وهؤلاء أخذ مجلة من الفنون حتى اتقن الفقه والأصول، وقيد الحديث واتسع فى الرواية، واتقن مسائل الخلاف والكلام وتبحر فى التفسير وبرع فى الأدب والشعر ...
стр. 103
وأخيرا وبعد هذه الرحلات المتوالية والجد فى طلب العلم عاد ابن العربى، عاد وفى جعبته العلم الكثير حتى قيل عنه:
لم يأت به أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق وعلى الجملة فقد كان ﵀ من أهل التفنن فى العلوم والاستبحار فيها- والجمع لها متقدما فى المعارف كلها- متكلما فى أنواعها- نافذا فى جمعها- وحريصا على ادائها ونشرها حتى قالوا عنه:
إنه أحد من بلغ مرتبة الاجتهاد، واحد من انفرد بالاندلس بعلو الإسناد ويجمع إلى ذلك كله:
آداب الاخلاق، مع حسن المعاشرة، وكثرة الاحتمال- وكرم النفس وحسن العهد، وثبات الود، وغير ذلك من صفات العلماء العاملين الذين يألفون ويؤلفون رضى الله عنه وارضاه.
هذا هو ابن العربى- كما تصوره المصادر- حتى صار استاذا.
وكثر تلاميذ الاستاذ ابن العربى كثرة فائقة: رحلوا إليه وسمعوا منه وأخذوا عنه- ويكفى أن نذكر من تلاميذه: القاضى عياض الذى قال عن استاذه:
«واستقصى أبو بكر ببلده فنفع الله به أهلها لصرامته وشدته ونفوذ احكامه، وكانت له فى الظالمين سورة مرهوبة، يؤثر عنه فى قضائه احكام غريبة، ثم صرف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثه.
وكان نصيحا ادبيا شاعرا كثير الخبر، مليح المجلس» وأخذ عنه أبو زيد السبيلى- وأحمد بن خلف الطلاعى- وعبد الرحمن بن ربيع الاشعرى والقاضى أبو الحسن الخلعى
وغيرهم.
أما التصانيف التى تركتها المعية ابن العربى فهى من الكثرة والإفادة بمكان نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
احكام القرآن- وهو ما نحن بصدده كتاب: المسالك فى شرح موطأ مالك.
стр. 104
كتاب: القبس على موطأ مالك.
عارضة الأحوذى على كتاب الترمذى.
القواصم والعواصم.
المحصول فى أصول الفقه وكتاب القانون فى تفسير الكتاب العزيز.
وكتاب الانصاف فى مسائل الخلاف- عشرون مجلدا- وغير ذلك كثير- ومما يجدر بالذكر ما قاله ابن العربى فى كتابه (القبس): إنه ألف كتابه المسمى «انوار الفجر فى تفسير القرآن» فى عشرين سنة ثمانين ألف ورقة، وتفرقت فى أيدى الناس- وبا لجملة فقد خلف ابن العربى رحمة الله كتبا كثيرة انتفع الناس بها بعد وفاته، كما نفع هو بعلمه من جلس إليه فى حياته.
وقد كانت وفاته بعد هذه الحياة العلمية الكريمة سنة ٥٤٣ هـ فى مراكش وحمل ميتا إلى مدينة فاس، ودفن بها رضى الله عنه وارضاه.
تفسير ابن العربى: أحكام القرآن
يتعرض هذا التفسير لآيات الأحكام فى القرآن الكريم كما يظهر من اسمه- وطريقه فى تفسيره: أن يذكر السورة- ثم يذكر عدد ما فيها من آيات الاحكام، ثم يأخذ فى شرحها آية آية قائلا: الآية الأولى وفيها خمس مسائل مثلا ...
والآية الثانية وفيها سبع مسائل مثلا ... وهكذا حتى يفرغ من آيات الاحكام الموجودة فى السورة كلها.
وكتاب احكام القرآن يعتبر مرجعا مهما للتفسير الفقهى عند المالكية، وذلك لان ابن العربى كان مالكى المذهب كثير التعصب له والدفاع عنه.
غير إنه- والحق يقال- لم يكن مشتطّا فى تعصبه إلى الدرجة التى يتغاضى فيها عن كل زلة علمية تصدر من مجتهد مالكى، ولم يبلغ به التعسف إلى الحد الذى يجعله ينقد كلام مخالفه إذا كان وجيها ومقبولا.
стр. 105
والذى يتصفح هذا التفسير يلمس منه روح الانصاف لمخالفيه أحيانا- كما يلمس منه روح التعصب المذهبى التى تستولى على صاحبها فتجعله احيانا كثيرة يرمى مخالفيه، وان كان اماما له قيمته ومركزه بالكلمات المقذعة اللاذعة، تارة بالتصريح، وتارة بالتلميح.
فإذا أضيف إلى ذلك ما ذكرناه من قبل إنه جمع آداب الاخلاق وحسن المعاشرة وكثرة الاحتمال، وكرم النفس وحسن العهد وثبات الود .. إذا أضيف ذلك علمنا أن ما كتبه ابن العربى فى كتبه كلها انما هو محوط بسياج الروح العلمية الاسلامية الكريمة من عالم جمع إلى العلم وفضله العمل به والسير على منواله. رحم الله ابن العربى واجزل له المثوبة ونفع الله بعلمه أنه سميع مجيب.
وهاك نموذج من تفسيره: قوله تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فيها ست مسائل:
المسألة الأولى: قوله تعالى (أمه) كلمة ذكر لها علماء اللسان خمسة عشر معنى رأيت من بلغها إلى أربعين، منها أن الأمة بمعنى الجماعة، ومنها أن الأمة الرجل الواحد الداعى إلى الحق.
المسألة الثانية: فى هذه الآية إلى بعدها وهى قوله:
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (سورة آل عمران الآية ١١٠) دليل على أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض كفاية ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر نصرة الدين باقامة الحجة على المخالفين، وقد يكون فرض عين إذا عرف منه.
المسألة الثالثة: فى مطلق قوله تعالى:
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ (سورة آل عمران الآية ١٠٢)
стр. 106
دليل على أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فرض يقوم به المسلم، وإن لم يكن عدلا، خلافا للمبتدعة الذين يشترطون فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر العدالة.
وقد بينا فى كتب الأصول أن شروط الطاعات لا تثبت إلا بالادلة، كل أحد عليه فرض فى نفسه أن يطيع، وعليه فرض فى دينه أن ينبه غيره على ما يجهله من طاعة أو معصية، وينهاه عما يكون عليه من ذنب، وقد بيناه فى الآية الأولى قبلها.
المسألة الرابعة- فى ترتيب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: ثبت عن النبى ﷺ أنه قال:
«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» وفى هذا الحديث من غريب الفقه أن النبى ﷺ بدا فى البيان بالأخير فى الفعل، وهو تغيير المنكر باليد، وإنما يبدأ باللسان والبيان فإن لم يكن فباليد.
يعنى أن يحول بين المنكر وبين متعاطيه بنزعه عنه وبجذبه منه فإن لم يقدر إلا بمقاتلة وسلاح فيتركه، وذلك إنما هو إلى السلطان، لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجا إلى الفتنة وآئلا إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، مثل أن يرى عدوا يقتل عدوا فينزعه منه ولا يستطيع الا بدفعه ويتحقق أنه لو تركه قتله، وهو قادر على نزعه ولا يسلمه بحال وليخرج السلاح.
المسألة الخامسة: فى هذه الآية دليل على مسالة اختلف فيها العلماء، وهى إذا رأى مسلم فحلا يصول على مسلم فإنه يلزمه أن يدفعه عنه، وإن أدى إلى قتله ولا ضمان على قاتله حينئذ، سواء كان القاتل له هو الذى صال عليه الفحل أو معينا له من الخلق وذلك إنه إذا دفعه عنه فقد قام بفرض يلزم جميع المسلمين فناب عنهم فيه، ومن جملتهم مالك الفحل فكيف يكون نائبا عنه فى قتل الصائل ويلزمه ضمانه؟
стр. 107
وقال أبو حنيفة: يلزمه الضمان، وقد بيناها فى مسائل الخلاف.
المسألة السادسة: فى هذه الآية دليل على تعظيم هذه الأمة وكذلك فى قوله سبحانه:
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
стр. 108
تفسير الإمام ابن الجوزى «زاد المسير»
تقديره
: الإمام ابن الجوزى علم من أعلام الفكر الإسلامى، برز فى الحديث والوعظ والتفسير والتاريخ وغيرها من أصناف العلوم الدينية، ووصل فيها إلى مرتبة مشهورة، تحدث عنها باعجاب، وأقره العلماء على هذا الحديث، قال فى كتابه «لفتة الكبد»:
ولقد وضع الله لى من القبول فى قلوب الخلق فوق الحد، واوقع كلامى فى نفوسهم فلا يرتابون بصحته، وقد أسلم على يدى نحو مائتين من أهل الذمة.
وقال سبطه أبو المظفر: أقل ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف ..
وسمعته يقول على المنبر فى آخر عمره: «كتبت باصبعى هاتين ألفى مجلدة، وتاب على يدى مائة ألف».
وقال عنه الحافظ الدبيثى فى ذيله على تاريخ ابن السمعانى:
شيخنا الإمام جمال الدين بن الجوزى صاحب التصانيف فى فنون العلم من التفاسير والفقه والحديث والوعظ والرقاق والتواريخ وغير ذلك، وإليه انتهت معرفة الحديث وعلومه، والوقوف على صحيحه من سقيمه، وله فيه المصنفات من المسانيد والأبواب والرجال، ومعرفة ما يحتج به فى أبواب الأحكام والفقه وما لا يحتج به من الأحاديث الواهية الموضوعة، والانقطاع والاتصال، وله فى الوعظ العبارة الرائقة، والاشارات الفائقة، والمعانى الدقيقة، والاستعارة الرشيقة، وكان من أحسن الناس كلاما، وأتمهم نظاما، واعذبهم لسانا، وأجودهم بيانا، وبورك له فى عمره وعمله فروى الكثير، وسمع الناس منه أكثر من أربعين سنة، وحدث بمصنفاته مرارا ...
стр. 109
وقال الموفق عبد اللطيف: كان ابن الجوزى لا يضيع من زمانه شيئا، يكتب فى اليوم أربعة كراريس، ويرتفع له كل سنة من كتابته ما بين خمسين مجلدا إلى ستين، وله فى كل علم مشاركة، لكنه كان فى التفسير من الاعيان، وفى الحديث من الحفاظ، وفى التاريخ من المتوسعين، ولديه فقه كاف.
وقال ابن خلكان: وبالجملة فكتبه أكثر من أن تعد، وكتب بخطه شيئا كثيرا، والناس يغالون فى ذلك حتى يقولوا: إنه جمعت الكراريس التى كتبها وحسبت مدة عمره، وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس .. ويقال: إنه جمعت براية أقلامه التى كتب بها حديث رسول الله ﷺ فحصل منها شىء كثير، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففعل ذلك، فكفت وفضل منها.
حياته
: ولد ابن الجوزى أبو الفرح جمال الدين عبد الرحمن بن أبى الحسن بن على فى سنة إحدى عشرة وخمسمائة من الهجرة ببغداد، وتوفى والده وهو ابن ثلاث فكفلته امه وعمته، واتجه إلى العلم منذ بدأ وعيه بالحياة، فاتجه إلى سماع العلم فى سن الخامسة وحفظ القرآن وهو صغير، وسمع أمهات كتب الحديث كمسند أحمد وصحيحى البخارى ومسلم وجامع الترمذى وما لا يحصى من كتب الحديث.
ومن ملامح نشأته، ومظاهر حياته ما يقوله ابن العماد من أنه كان يراعى حفظ صحته، وتلطيف مزاجه، وما يفيد عقله قوة، وذهنه حدة، لباسه الناعم الأبيض المطيب .. وله مداعبات حلوة وما تناول ما لا من جهة لا يتيقن حلها، ولا ذل لأحد .. قال فى لفتة الكبد يخاطب ولده: وما ذل أبوك فى طلب العلم قط، ولا خرج يطوف فى البلدان كغيره، من الوعاظ ولا بعث رقعة إلى أحد يطلب منه شيئا ..
ولم تكن حياته كلها سهلة ميسرة، لينة مبهجة، لقد استلذ فى سبيل العلم
стр. 110
ما يستصعبه غيره وقنع فى سبيل الوصول إلى ما يبتغيه بالقليل .. إنه يذكر فى كتابه صيد الخاطر، إنه كان فى زمن الطلب يأخذ معه ارغفة يابسة ويخرج فى طلب الحديث، فيقف على نهر عيسى لا يقدر على أكل هذا الخبر اليابس إلا عند المالك، كلما أكل لقمة شرب عليها شربة، وأنه وجد مع ذلك من لذة العلم وحلاوة الإيمان ما جعله يخاف على نفسه العجب ان شرحه ..
ولقد حبب إليه العلم من زمن الطفولة، ولم يرغب فى فن واحد من فنونه، بل رغب فى كل منه، وكان يتردد أبدا بين الزهد والعبادة وبين العلم والبحث.
شيوخه
: ومن أهم شيوخه أبو الحسن بن الزاغونى الذى كان كما قال ابن الجوزى:
له فى كل فن من العلم حظ وافر، ووعظ مدة طويلة، وكان له حلقة بجامع المنصور يناظر فيها يوم الجمعة قبل الصلاة ثم يعظ فيها بعد الصلاة، ويجلس يوم السبت أيضا.
وكان من شيوخه أبو القاسم الحريرى وأبو القاسم السمرقندى، وأبو منصور القزاز، وعبد الجبار بن منده، وقرأ الادب على أبى منصور الجواليقى صاحب كتاب المعرب.
وكان فى كل ذلك كما قال عن نفسه: لم أقنع بفن واحد بل كنت اسمع الفقه والحديث، واتبع الزهاد، ثم قرات اللغة، ولم أترك أحدا ممن يروى ويعظ، ولا غريبا يقدم، إلا وأحضره، وأتخير الفضائل، ولقد كنت أدور على المشايخ لسماع الحديث فينقطع نفسى من العدو لئلا أسبق، وكنت أصبح وليس لى مأكل، وأمسى وليس لى مأكل، ما أذلنى الله لمخلوق قط.
الواعظ
: أما عن وعظه فقد بلغ فيه غاية الشهرة، وكان من أهم أسباب ارتفاع منزلته، وسمو مكانته قال الإمام ناصح الدين بن الحنبليّ الواعظ عنه:
следующие страницы →