← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38095

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير

نبيل أحمد صقر

Полный текст (319 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الباب الثانى منهج الطاهر بن عاشور فى التفسير بالرواية

стр. 37

أولا: خطته فى تفسير السور: يتناول ابن عاشور تفسير القرآن سورة سورة حسب ترتيبها فى المصحف الإمام، وقبل أن يشرع فى تفسيرها جعل لكل سورة مقدمة يذكر فيها اسم السورة وسبب تسميتها بهذا الاسم، ثم ترتيبها فى النزول وأسباب نزولها على وجه الإجمال، أما نزول الآيات منها- إن نزلت بسبب- فيتناوله عند تفسيرها، ثم يذكر عدد آيات السورة، ثم ما إذا كانت السورة مكية أو مدنية، وأخيرا أهم الأغراض التى تحتويها. ذكر اسم السورة وسبب هذه التسمية: قال عن اسم سورة" النبأ" وسبب تسميتها: «سميت هذه السورة فى أكثر المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة" سورة النبأ" لوقوع كلمة" النبأ" فى أولها. وسميت فى بعض المصاحف وفى صحيح البخارى وفى تفسير ابن عطية والكشاف" سورة عما يتساءلون" وفى تفسير القرطبى سماها" سورة عم" أى بدون زيادة" يتساءلون" تسمية لها بأول جملة فيها، وتسمى" سورة التساؤل"، لوقوع" يتساءلون" فى أولها، وتسمى سورة" المعصرات" لقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١). فهذه خمسة أسماء، واقتصر فى الإتقان على أربعة أسماء: عم، والنبأ، والتساؤل، والمعصرات (٢).

стр. 38

وذكر عن سبب تسمية سورة" النساء" بهذا الاسم: «سميت هذه السورة فى كلام السلف سورة النساء، ففي صحيح البخارى عن عائشة قالت:" ما نزلت سورة البقرة وسورة النساء إلا وأنا عنده" وكذلك سميت فى المصاحف وفى كتب السنة وكتب التفسير، ولا يعرف لها اسم آخر. ووجه تسميتها بإضافة إلى النساء أنها افتتحت بأحكام صلة الرحم، ثم بأحكام تخص النساء، وأن فيها أحكاما كثيرة فى أحكام النساء، والأزواج، والبنات، وختمت بأحكام تخص النساء» (١). ترتيب النزول: قال عن سورة النازعات: «هى معدودة الحادية والثمانين فى ترتيب النزول، نزلت بعد سورة النبأ، وقبل سورة الانفطار» (٢). وفى سورة المائدة ... قال: «روى ابن أبى حاتم عن مقاتل أن آية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ- إلى- عَذابٌ أَلِيمٌ نزلت عام الحديبية فلعل ذلك الباعث للذين قالوا: إن سورة العقود نزلت عام الحديبية، وليس وجود تلك الآية فى هذه السورة بمقتضى أن يكون ابتداء نزول السورة سابقا على نزول الآية، إذ قد تلحق الآية بسورة نزلت متأخرة عنها.

стр. 39

وفى الإتقان: إنها نزلت قبل سورة النساء، ولكن صح أن آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (١) نزلت يوم عرفة فى عام حجة الوداع. ولذلك اختلفوا فى أن هذه السورة نزلت متتابعة أو متفرقة، ولا ينبغى التردد فى أنها نزلت منجمة. وقد روى عن عبد الله بن عمر وعائشة أنها آخر سورة نزلت، وقد قيل: إنها نزلت بعد النساء، وما نزل بعدها إلا سورة براءة، بناء على أن براءة آخر سورة نزلت، وهو قول البراء بن عازب فى صحيح البخارى، وفى مسند أحمد عن عبد الله بن عمر، وأسماء بنت يزيد: أنها نزلت ورسول الله فى سفر، وهو على ناقته العضباء، وأنها نزلت عليه كلها. قال الربيع بن أنس: نزلت سورة المائدة فى مسير رسول الله- ﷺ إلى حجة الوداع. وفى شعب الإيمان، عن أسماء بنت يزيد: أنها نزلت بمنى، وعن محمد ابن كعب: أنها نزلت فى حجة الوداع بين مكة والمدينة وعن أبى هريرة: نزلت مرجع رسول الله من حجة الوداع فى اليوم الثامن عشر من ذى الحجة، وضعّف هذا الحديث. وقد قيل: إن قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (٢) أنزل يوم فتح مكة (٣). «ويظهر عندى أن هذه السورة نزل بعضها بعد بعض سورة النساء، وفى ذلك ما يدل على أن رسول الله- ﷺ قد استقام له أمر العرب وأمر المنافقين ولم يبق فى عناد الإسلام إلا اليهود والنصارى.

стр. 40

أما اليهود فلأنهم مختلطون بالمسلمين فى المدينة وما حولهما، وأما النصارى فلأن فتوح الإسلام قد بلغت تخوم ملكهم فى حدود الشام. وفى حديث عمر فى صحيح البخارى: وكان من حول رسول الله قد استقام له ولم يبق إلا ملك غسان بالشام كنا نخاف أن يأتينا» (١). وقد كثرت المرويات حول ترتيب هذه السورة كما ذكر ابن عاشور، لذا لم يترك حديثا أو رواية أو قولا مما سبق إلا وقد ذكر مصدره، أو عزاه إلى صاحبه، فإذا كان مصدره صحيح البخارى قبله، وإذا كان غير ذلك أبدى ما يفيد قبوله أو عدم قبوله ذاكرا الأسباب، ثم انتهى بعد عرض هذه المرويات على هذا النحو الذى ظهر له مؤيدا ذلك بحديث ابن عمر من صحيح البخارى. - أسباب النزول: وذكره لها فى مقدمة كل سورة كان على سبيل الإجمال- كما سبق- وفى تفسيره للآيات يذكر سبب نزول الآية إن كانت قد نزلت بسبب. قال فى أسباب نزول سورة آل عمران: «وذكر الواحدى فى أسباب النزول، عن المفسرين: إن أول هذه السورة إلى قوله وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ نزل بسبب وفد نجران، وهو وفد السيد والعاقب، أى سنة اثنتين من الهجرة، ومن العلماء من قالوا: نزلت سورة آل عمران بعد سورة الأنفال، وكان نزولها فى وقعة أحد، أى شوال سنة ثلاث، وهذا أقرب» (٢).

стр. 41

وفى سبب نزول سورة الكهف: «وسبب نزولها ما ذكره كثير من المفسرين، وبسطه ابن إسحاق فى سيرته بدون سند، وأسنده الطبرى إلى ابن عباس بسند فيه رجل مجهول: إن المشركين لما أهمهم أمر النبيء- ﷺ وازدياد المسلمين معه وكثر تساؤل الوافدين إلى مكة من قبائل العرب عن أمر دعوته، بعثوا النضر ابن الحارث، وعقبة بن أبى معيط إلى أحبار اليهود بالمدينة (يثرب) يسألونهم رأيهم فى دعوته، وهم يطمعون أن يجد لهم الأحبار ما لم يهتدوا إليه مما يوجهون به تكذيبهم إياه. قالوا: فإن اليهود أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء (أى صفاتهم وعلاماتهم) علم ليس عندنا، فقدم النضر وعقبة إلى المدينة ووصفا لليهود دعوة النبيء- ﷺ وأخبراهم ببعض قوله. فقال لهم أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث فإن أخبركم بهن فهو نبئ وإن لم يفعل فالرجل متقول، سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ما كان أمرهم. وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها وسلوه عن الروح ما هى. فرجع النضر وعقبة فأخبرا قريشا بما قاله أحبار اليهود. فجاء جمع من المشركين إلى رسول الله- ﷺ فسألوه عن هذه الثلاثة؛ فقال لهم رسول الله- ﷺ أخبركم بما سألتم عنه غدا (وهو ينتظر وقت نزول الوحى عليه بحسب عادة يعلمها). ولم يقل: إن شاء الله. فمكث رسول الله ثلاثة أيام لا يوحى إليه، وقال ابن إسحاق: خمسة عشر يوما، فأرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا اليوم عدة أيام لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، حتى أحزن ذلك رسول الله- ﷺ وشق عليه ثم جاءه جبريل- ﵇ بسورة الكهف وفيها جوابهم عن الفتية وهم أهل الكهف. وعن الرجل الطواف وهو ذو القرنين،

стр. 42

وأنزل عليه فيما سألوه من أمر الروح، وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (١). من سورة الإسراء. قال السهيلى: وفى رواية عن ابن إسحاق من غير طريق البكائى (أى زياد بن عبد الله البكائى الذى يروى عنه ابن هشام) أنه قال فى هذا الخبر: فناداهم رسول الله ﷺ هو (أى الروح) جبريل. وهذا خلاف ما روى غيره أن يهود قالت لقريش: سلوه عن الروح فإن أخبركم به فليس بنبي وإن لم يخبركم به فهو نبئ. أ. هـ وأقول: قد يجمع بين الروايتين بأن النبيء- ﷺ بعد أن أجابهم عن أمر الروح بقوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي بحسب ما عنوه بالروح عدل بهم إلى الجواب عن أمر كان أولى لهم العلم به وهو الروح الذى تكرر ذكره فى القرآن مثل قوله نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (٢)، وقوله: وَالرُّوحُ فِيها (٣) (وهو من ألقاب جبريل) على طريقة الأسلوب الحكيم مع ما فيه من الإغاظة لليهود، لأنهم أعداء جبريل كما أشار إليه قوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ (٤). الآية. ووضحه حديث عبد الله بن سلام فى قوله للنبى- ﷺ حين ذكر جبريل- ﵇ «ذاك عدو اليهود (من الملائكة) فلم

стр. 43

يترك النبى- ﷺ لهم منفدا قد يلقون منه التشكيك على قريش إلا سده عليهم» (١). وقد ذكر مصدر الرواية الأولى، وهو عن ابن إسحاق عن المفسرين، وأبدى نقده لما ذكره الطبرى من سند لهذه الرواية، أما الرواية الأخرى فلم يذكر مصدرها، ولما أمكنه الجمع بينهما ساق ابن عاشور ما يعزز هذا الجمع. عدد آيها: وذلك مما تتعدد فوائده مثل معرفة أحكام الوقف، والقراءة فى الصلاة، أو فى غيرها، ومضاعفة الثواب للمستزيد وعلو منزلته. قال عن عدد آيات سورة الطور: «وعدّ أهل المدينة ومكة أيها سبعا وأربعين، وعدّها أهل الشام وأهل الكوفة تسعا وأربعين، وعددها أهل البصرة ثمانيا وأربعين» (٢). وعن سورة الحديد: «وعدت آيها فى عدد أهل المدينة ومكة والشام ثمانا وعشرين، وفى عد أهل البصرة والكوفة تسعا وعشرين» (٣). سورة المجادلة: «آيها فى عدّ أهل المدينة وأهل مكة إحدى وعشرون، وفى عدّ أهل الشام والبصرة والكوفة اثنتان وعشرون» (٤).

стр. 44

مكيها ومدنيها: وتحقيق المكى والمدنى من العلوم الشريفة التى عنى بها علماء الإسلام، ولهم فى ذلك جهود وأبحاث، وفوائد هذا العلم كثيرة حيث يستعان به فى تفسير القرآن الكريم، ويعرف من خلاله كيفية الدعوة إلى الله تعالى، فأساليب القرآن فى مكة تختلف عنها فى المدينة تبعا للظروف والمقام والأحوال، وقد عنى ابن عاشور بهذا العلم، وحرص على ذكر المكى من السور والمدنى منها فى مقدمة كل سورة. قال عن سورة الشورى: «هى مكية كلها عند الجمهور، وعدّها فى الإتقان فى عداد السور المكية، وقد سبقه إلى ذلك الحسن بن الحصار فى كتابه فى الناسخ والمنسوخ كما عزاه إليه فى الإتقان، وعن ابن عباس وقتادة استثناء أربع آيات أولاها قوله: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (١) إلى آخر الأربع آيات، وعن مقاتل استثناء قوله تعالى: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا (٢) إلى قوله إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣) روى أنها نزلت فى الأنصار وهى داخلة فى الآيات الأربع التى ذكرها ابن عباس، وفى أحكام القرآن لابن الفرس عن مقاتل: إن قوله وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ (٤) الآية، نزل فى الأهل الصفة

стр. 45

فتكون مدينة. وفيه عنه أن قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (١) إلى قوله ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ نزل بالمدينة» (٢). وعن سورة محمد: «وهى مدينة بالاتفاق حكاه ابن عطية وصاحب الإتقان، وعن النسفى: أنها مكية، وحكى القرطبى عن الثعلبى وعن الضحاك وابن جبير: أنها مكية، ولعله وهم ناشئ عما روى عن ابن عباس أن قوله وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ (٣) الآية، نزلت فى طريق مكة قبل الوصول إلى حراء، أى فى الهجرة» (٤). أغراض السورة: وذلك ما يختتم به مقدمة كل سورة، مفصلا القول فى أغراضها، مبينا ما تحمله من وعد ووعيد، وإنذار وبشرى، أو نفى وتوبيخ، أو إثبات وتأييد، قال عن سورة الحجر: «افتتحت بالحروف المقطعة التى فيها تعريض بالتحدى بإعجاز القرآن، وعلى التنويه بفضل القرآن وهديه، وإنذار المشركين بندم يندمونه على عدم إسلامهم، وتوبيخهم بأنهم شغلهم عن الهدى انغماسهم فى شهواتهم، وإنذارهم بالهلاك عند حلول إبّان الوعيد الذى عينه الله فى علمه ...... » (٥).

стр. 46

وعن سورة الإسراء: «العماد الذى أقيمت عليه أغراض هذه السورة إثبات نبوة محمد- ﷺ وإثبات أن القرآن وحى من الله، وإثبات فضله وفضل من أنزل عليه، وذكر أنه معجز، ورد مطاعن المشركين فيه وفيمن جاء به، وإبطال إحالتهم أن يكون النبى- ﷺ أسرى به إلى المسجد الأقصى .... » (١). وقد التزم ابن عاشور فى مقدمة تفسير كل سورة بهذه الخطة، ومن الملحوظ أن أغلب ما ذكره فيها كان عن طريق الرواية التى حرص على ذكر مصادرها سواء كتب التفسير، أو الحديث، أو علوم القرآن. وقد يرجح بين الأقوال أو الروايات حين يجد الحديث ضعيفا كما ذكر فى" ترتيب النزول" عن سورة المائدة فى حديث أبى هريرة، ثم رجّح أن بعضها قد نزل بعد بعض سورة النساء التى قالت عنها أم المؤمنين عائشة «ما نزلت سورة البقرة وسورة النساء إلا وأنا عنده» وقد قوّى هذا الترجيح عنده ما ذكره من حديث ابن عمر فى صحيح البخارى، وقد يوفق بين روايتين كما فعل فى أسباب نزول سورة الكهف حيث عضض هذا التوفيق ببعض الآيات وبحديث «ذاك عدو اليهود من الملائكة». وقد يميل أحيانا إلى الاختصار كما فعل فى" العدد"، أما أغراض السورة فقد استقل بالحديث عنها لأن ذلك مما يعتمد على الفهم والموهبة. ويحمد لابن عاشور أنه لم يذكر فى مقدمة تفسير كل سورة أحاديث فضائل السور التى حرص على ذكرها كثير من المفسرين، وقد نبّه العلماء إلى بطلانها وعدم الالتفات إليها (٢).

стр. 47

ثانيا: منهجه فى التفسير: بعد فراغ ابن عاشور مما قدّم به كل سورة يتناول تفسير كل آية أو أكثر ليس كطريقة تجزيئية فحسب، وإنما يربط بين المناسبات، ويذكر التعليلات، حاشدا لكل آية ما يناسبها. وقد رأينا أن يتم الحديث عن هذا المنهج على بابين، الأول منهما" التفسير بالرواية" والآخر" التفسير بالدراية". ومقومات التفسير بالرواية عنده هى: ١ - تفسير القرآن بالقرآن ٢ - التفسير بالحديث النبوى ٣ - التفسير بأقوال الصحابة ٤ - التفسير بأقوال التابعين ٥ - التفسير بأسباب النزول ٦ - التفسير بالقصص ٧ - التفسير بالناسخ والمنسوخ ٨ - التفسير بالقراءات ٩ - التفسير بأقوال من التوراة والإنجيل.

стр. 48

١ - تفسير القرآن بالقرآن: هو أجل الوسائل لمعرفة أجل الغايات، فما أجمل فى كتاب الله فى موضع فإنه قد بسط فى موضع آخر. يقول محمد الأمين الجكنى عن هذا النوع من التفسير: «إن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله، إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جل وعلا من الله جل وعلا» (١). وتفسير القرآن بالقرآن يراه الشيخ الذهبى مرحلة تتقدم غيرها من مراحل التفسير «ولا يجوز لأحد مهما كان أن يعرض عنها إلى مرحلة أخرى، لأن صاحب الكلام أدرى بمعانى كلامه، وأعرف به من غيره» (٢). وتقع وجوه الاختلاف بين كل مفسر وآخر فى استخدام هذا النوع من التفسير بأنواعه المختلفة حيث نرى من يستعين به فى معنى لفظة أو تحديد دلالتها (٣)، أو توضيح حكم، أو جمع تفاصيل قصة من القصص القرآنى وزعت فى سور كثيرة.

стр. 49

ونرى أيضا من يستخدمه فى ترجيح قراءة على أخرى من القراءات المشهورة، أو دفع لما يوهم التعارض بين بعض الآيات. ويقول ابن عاشور فى مقدمة التحرير والتنوير عن هذا النوع من التفسير: «ولا يعد أيضا من استمداد التفسير ما فى بعض آى القرآن من معنى يفسر بعضا آخر منها، لأن ذلك من قبيل حمل بعض الكلام على بعض، كتخصيص العموم، وتقييد المطلق، وبيان المجمل، وتأويل الظاهر، ودلالة الاقتضاء، وفحوى الخطاب، ولحن الخطاب، ومفهوم المخالفة، وذكر ابن هشام فى المغنى اللبيب، فى حرف" لا" عن أبى على الفارسى أن القرآن كله كالسورة الواحدة، ولهذا يذكر الشيء فى سورة وجوابه فى سورة أخرى، نحو وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (١)، وجوابه ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) أهـ، وهذا كلام لا يحسن إطلاقه، لأن القرآن قد يحمل بعض آياته على بعض، وقد يستقل بعضها عن بعض، إذ ليس يتعين أن يكون المعنى المقصود فى بعض الآيات مقصودا فى جميع نظائرها، بله ما يقارب غرضها» (٣). وقد سار ابن عاشور فى تفسير القرآن بالقرآن وفق هذا المفهوم الذى حدده فى الفقرة السابقة، ومن أمثلة ذلك ما ذكره فى توضيح معنى لفظة فى قوله تعالى:

стр. 50

كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (سورة المطففين: الآية ١٤) " والقلوب: العقول ومحال الإدراك، وهذا كقوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ (١). وفى معنى" إهلاك القرى" ذكر فى قوله تعالى: ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (سورة الأنعام: الآية ١٣١). " والإهلاك: إعدام ذات الموجود وإماتة الحى. قال تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (٢)، فإهلاك القرى إبادة أهلها وتخريبها، وإحياؤها إعادة عمرانها بالسكان والبناء، قال تعالى: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها (٣) وإهلاك القرى هنا شامل لإبادة سكانها. لأن الإهلاك تعلق بذات القرى، فلا حاجة إلى التمجز فى إطلاق القرى على أهل القرى كما فى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (٤). لصحة الحقيقة هنا، ولأنه يمنع منه قوله: وأهلها غافلين. ألا ترى إلى قوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (٥).

стр. 51

فجعل إهلاكها تدميرها، وإلى قوله: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها (١). وفى إيضاح معنى آية والقصد من كناية الضمائر فيها. ذكر فى قوله تعالى: وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ* وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ* وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ* سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ* إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٢). " الكتاب المستبين" هو التوراة، والمستبين القوى الوضوح، فالسين والتاء للمبالغة يقال: استبان الشيء إذا ظهر ظهورا شديدا. وتعدية فعل الإتيان إلى ضمير موسى وهارون مع أن الذى أوتى التوراة هو موسى كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ (٣) من حيث إن هارون كان معاضدا لموسى فى رسالته فكان له حظ من إيتاء التوراة كما قال الله فى الآية الأخرى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً (٤)، وهذا من استعمال الإيتاء فى معنييه الحقيقى والمجازى» (٥).

стр. 52

وفى توضيح الدلالة من خلال السياق ذكر فى قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (سورة الزمر: الآية ٩). وفعل" يعلمون" فى الموضعين منزل منزلة اللازم فلم يذكر له مفعول. والمعنى: الذين اتصفوا بصفة العلم، وليس المقصود الذين علموا شيئا معينا حتى يكون من حذف المفعولين اختصارا إذ ليس المعنى عليه، وقد دل على أن المراد الذين اتصفوا بصفة العلم قوله عقبة إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ أى أهل العقول، والعقل والعلم مترادفان، أى لا يستوى الذين لهم علم فهم يدركون حقائق الأشياء على ما هى عليه، وتجرى أعمالهم على حسب علمهم، مع الذين لا يعلمون فلا يدركون الأشياء على ما هى عليه، بل تخلط عليهم الحقائق وتجرى أعمالهم على غير نظام، كحال الذين توهموا الحجارة آلهة ووضعوا الكفر موضع الشكر. فتعين أن المعنى، لا يستوى من هو قانت آناء الليل يحذر ربه ويرجوه، ومن جعل لله أندادا ليضل عن سبيله، وإذ قد تقرر أن الذين جعلوا لله أندادا هم الكفار بحكم قوله قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا (١). ثبت أن الذين لا يستوون معهم هم المؤمنون، أى هم أفضل منهم، وإذ قد تقرر أن الكافرين من أصحاب النار فقد اقتضى أن المفضلين عليهم هم من أصحاب الجنة. وعدل عن أن يقول: هل يستوى هذا وذاك، إلى التعبير بالموصول إدماجا للثناء على فريق ولزم فريق بأن أهل الإيمان أهل علم وأهل الشرك أهل

стр. 53

جهالة فأغنت الجملة بما فيها من إدماج عن ذكر جملتين، فالذين يعلمون هم أهل الإيمان، قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (١) والذين لا يعلمون هم أهل الشرك الجاهلون، قال تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٢). والأمثلة السابقة دار أغلبها حول معنى" اللفظة" لتحقيق الدلالة القرآنية لها من خلال السياق. ومن الأمثلة التى تتصل بالأحكام، ما ذكره فى قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (سورة الأنعام: ١٥١). «ومن المفسرين من فسر الفواحش بالزنا، وجعل ما ظهر منها ما يفعله سفهاؤهم فى الحوانيت وديار البغايا، وبما بطن اتخاذ الأخدان سرا، روى هذا عن السدى، وروى عن الضحاك وابن عباس، كان أهل الجاهلية يرون الزنا سرا حلالا، ويستقبحونه فى العلانية، فحرم الله الزنى فى السر والعلانية، وعندى أن صيغة الجمع فى الفواحش ترجّح التفسير الأول كقوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ (٣). ولعل الذى حمل هؤلاء على تفسير الفواحش بالزنى قوله فى سورة

стр. 54

الإسراء فى آيات عددت منهيات كثيرة تشابه آيات هذه السورة، وهى قوله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (١). وسوف نرى هذا النوع من التفسير فى مواطن كثيرة يشترك مع مقومات التفسير الأخرى عند ابن عاشور. ٢ - التفسير بالحديث النبوى: شغل الحديث النبوى مكانة كبيرة فى التحرير والتنوير، وأخذ أشكالا عديدة فى الإسناد والمتن، كما تعددت مصادره، وكان أكثرها شيوعا صحيح البخارى وصحيح مسلم يليهما موطأ الإمام مالك. يقول الإمام الشاطبى عن دور السنة فى بيان مقاصد القرآن الكريم: «السنة راجعة فى معناها إلى الكتاب، فهى تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره، وتخصيص عامه، وتقييد مطلقه» (٢). وذكر الدكتور فتحى الدرينى: «إن من القرآن الكريم ما لا يمكن

стр. 55

تحقيق معناه، أو إدراك أبعاد كليه، أو تفصيل مجمله، أو كيفية أداء تكاليفه على الوجه المراد منه إلا توقيفا ووحيا، بما اختص به الله تعالى رسوله ببيانه، ولم يتركه لتعدد النظر الاجتهادى التفسيرى، وهذا بالإجماع» (١). وعن تفسير السنة للحلال والحرام فى القرآن يقول الشيخ محمد أبو زهرة: «إن هذا القسم من القرآن الكريم تكفلت به السنة النبوية، لأن هذا من تبليغ الرسالة المحمدية وهو معناها، ومن يعارضها إنما يعارض تبليغ الرسالة النبوية، ويفترى على الله الكذب، فكل ما فى القرآن من أحكام فقهية سواء أكانت تتعلق بالعبادات أم كانت تتعلق بتنظيم المجتمع الإنسانى الذى يبتدئ بالأسرة، ويتدرج إلى الجماعات ثم الأمة وعلاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة المسلمين بغيرهم من الأمم فى السلم والحرب، كل هذا ببيان النبى ﷺ ، وهو حجة علينا يجب اتباعه» (٢). والتفسير بالحديث النبوى كان له دور بارز فى التحرير والتنوير استعان به ابن عاشور فى مواطن كثيرة من تفسيره، وقد رأينا فى صفحات الباب الأول من هذه الدراسة مصادره فى الحديث وكثرتها وتنوعها، وقد حرص أن يشير إلى مصدر الحديث عند الاستعانة به مكتفيا أحيانا باسم الراوى الأول له، ذكر فى قوله تعالى: إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة النور: ٥١).

стр. 56

«وفى الموطأ من حديث زيد بن خالد الجهنى: «إن رجلين اختصما إلى رسول الله. فقال أحدهما: يا رسول الله اقضى بيننا بكتاب الله (يعنى وهو يريد أن رسول الله يقضى له كما وقع التصريح فى رواية الليث بن سعد فى البخارى أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله فقال: أنشدك بالله إلا قضيت لى بكتاب الله). وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لى أن أتكلم (يريد لا تقضى له علىّ فأذن لى أن أبيّن) فقال رسول الله تكلم .... » إلخ (١). وأحيانا يذكر حديثا أجمع عليه بعض رجال الحديث ثم يذكر اسم الراوى الأول له ... قال فى الآية الخامسة والأربعين من سورة العنكبوت: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ. «روى أحمد وابن حبان والبيهقى عن أبى هريرة قال: «جاء رجل إلى النبى- ﷺ فقال: إن فلانا يصلى بالليل فإذا أصبح سرق، فقال: سينهاه ما تقول» أى صلاته بالليل» (٢). وذكر فى قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (سورة الطور: ٢١). «وقد روى جماعة منهم الطبرى والبزار وابن عدى وأبو نعيم وابن

стр. 57

مردويه حديثا مسندا إلى ابن عباس عن النبى- ﷺ قال: «إن الله يرفع ذرية المؤمن فى درجته وإن كانوا دونه (أى فى العمل كما صرح به فى رواية القرطبى) لتقربهم عينه ثم قرأ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ إلى قوله مِنْ شَيْءٍ (١). وحينا آخر يذكر مصدر الحديث مكتفيا به على وجه الاختصار، ثم يذهب إلى تأييده صراحة خصوصا إذا كان من أحاديث البخارى ... ذكر فى قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (سورة الإسراء: ١). «ففي صحيح البخارى أن النبى- ﷺ قال: «بينما أنا فى المسجد الحرام بين النائم واليقظان إذ أتانى جبريل ... » إلى آخر الحديث. وهذا أصح وأوضح مما روى فى حديث آخر أن الإسراء كان من بيته أو كان من بيت أم هانى بنت أبى طالب أو من شعب أبى طالب والتحقيق حمل ذلك على أنه إسراء آخر، وهو الوارد فى حديث المعراج إلى السماوات وهو غير المراد فى هذه الآية، فللنبى- ﷺ كرامتان: أولاهما الإسراء وهو المذكور هنا، والأخرى المعراج وهو المذكور فى حديث الصحيحين مطولا وأحاديث غيره. وقد قيل إنه هو المشار إليه فى سورة النجم» (٢).

стр. 58

أ- موقفه من السند: وإذا كان هناك اضطراب فى سلسلة الرواة تصدى لنقد السند معللا سبب هذا الاضطراب، ومن ذلك ما ذكره فى قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ* لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (سورة يونس: ٦٢ - ٦٤) «وروى الترمذى عن أبى الدرداء أنه سأل رسول الله- ﷺ عن قوله تعالى: لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فقال «ما سألنى عنها أحد غيرك منذ أنزلت فهى الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» قال الترمذى: وليس فى عطاء بن يسار أى ليس فى الحديث أن أبا صالح يرويه عن عطاء بن يسار كما هو معروف فى رواية أبى صالح إلى أبى الدرداء، وعليه فالحديث منقطع غير متصل السند، وقد رواه الترمذى بسندين آخرين منهما عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن أبى الدرداء وذلك سند فيه مجهول، فحالة إسناد هذا الخبر مضطربة لظهور أن عطاء لم يسمعه من أبى الدرداء» (١). ب- موقفه من المتن: ومن المواطن التى تمثل موقفه من المتن إذا وجد فيه ضعفا، ما ذكره فى قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا (سورة النساء: الآية ٦).

стр. 59

«وبلوغ صلاحية الزواج تختلف باختلاف البلاد فى الحرارة والبرودة، وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد فى القوة والضعف، والمزاج الدموى والمزاج الصفراوى. فلذلك أحاله القرآن على بلوغ أمد النكاح، والغالب فى بلوغ البنت أنه أسبق من بلوغ الذكر، فإن تخلفت عن وقت مظنتها فقال الجمهور: يستدل بالسن الذى لا يتخلف عنه أقصى البلوغ عادة، فقال مالك فى رواية ابن القاسم عنه، هو ثمان عشرة سنة للذكور والإناث، وروى مثله عن أبى حنيفة فى الذكور، وقال: فى الجارية سبع عشرة سنة، وروى غير ابن القاسم عن مالك أنه سبع عشرة سنة، والمشهور عن أبى حنيفة: أنه تسع عشرة سنة للذكور وسبع عشرة للبنات. وقال الجمهور: خمس عشرة سنة. قاله القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، وإسحاق، والشافعى، وأحمد والأوزاعى، وابن الماجشون وبه قال أصبغ، وابن وهب من أصحاب مالك، واختاره الأبهرى من المالكية، وتمسكوا بحديث ابن عمر أنه عرضه رسول الله- ﷺ يوم بدر وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرضه يوم أحد وهو ابن خمس عشرة فأجازه، ولا حجة فيه إذ ليس يلزم أن يكون بلوغ عبد الله بن عمر هو معيار بلوغ عموم المسلمين» فصادف أن رآه النبى- ﷺ وعليه ملامح الرجال، فأجازه، وليس ذكر السن فى كلام ابن عمر إيماء إلى ضبط الإجازة. وقد غفل عن هذا ابن العربى فى أحكام القرآن فتعجب من ترك هؤلاء الأئمة تحديد السن فى البلوغ بخمس عشرة سنة، والعجب منه أشد من عجبه منهم، فإن قضية ابن عمر قضية عين، وخلاف العلماء فى قضايا الأعيان معلوم، واستدل الشافعية بما روى أن النبى- ﷺ قال: إذ

стр. 60

استكمل الولد خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه، وأقيمت عليه الحدود، وهو حديث ضعيف لا ينبغى الاستدلال به». فهو يعرض هنا مسألة" بلوغ صلاحية الزواج" من بعض جوانبها، وتعليل اختلاف البلاد والأمزجة فيها، ثم يسرد أقوال أئمة المذاهب الفقهية أو أصحابهم أو غيرهم من العلماء، ثم يتناول بعض المرويات التى جاءت فى هذه المسألة، فإذا لم ترتق إلى درجة الحجية عنده سارع إلى نقدها وبيان عدم موافقته عليها، وقد رأيناه يذكر استدلال الشافعية بحديث ضعّفه بناء على ما ساقه من نقد لهذه الأقوال والمرويات وما ترتب عليها من أحكام فى بلوغ سن النكاح أو الجهاد. وقد تكون هناك أشكال كثيرة أخرى- سنراها فى صفحات مقبلة- لاحتجاج ابن عاشور بالنصوص النبوية، كأن يذكر مثلا: جاء فى الحديث، أو فى الحديث، أو يذكر جزءا من الحديث دون تمامه، أو غير ذلك من الأشكال، فقد كان يسعى إلى عدم الإطالة، فلا يحمل القارئ ما لا يطيق، ولا الكتاب ما لا يستطيع. ٣ - التفسير بأقوال الصحابة: إذا كانت السنة النبوية تعد المرتبة الثانية فى تفسير القرآن الكريم بعد تفسير" القرآن بالقرآن" فإن أقوال صحابة رسول الله ﷺ هى المرتبة التالية لها، فهم الذين سمعوا منه مباشرة وتناوبوا هذا السماع وشاركوا فى مجالسه وغزواته وشاهدوا أحواله وأفعاله (١).

стр. 61

ويقول الشيخ أبو زهرة: «إن الصحابة هم الذين سمعوا القرآن الكريم ابتداء، وهم الذين شاهدوا وعاينوا، وتلقوا التفسير عن النبى- ﷺ وكان ما يبهم عليهم يسألون النبى- ﷺ ويروى عن ذى النورين عثمان، رضى الله تعالى، عنه، أن النبى- ﷺ كان كلما تلا عليهم طائفة من الآيات تولى تفسيرها لهم، فكان تفسيرهم أقرب إلى السنة، بل يعده الكثيرون من السنة، ما دام لا يمكن أن يكون للرأى فيه مجال» (١). ويقول أيضا: «وإن الصحابة أعلم الناس بمعانى الألفاظ القرآنية لأنهم من العرب، ومن أعلم الناس بلغة العرب، وما يكون غريبا بالنسبة لنا، لا يكون غريبا بالنسبة لهم، والألفاظ معروفة معانيها لهم» (٢). وفى الإتقان: «روى الحاكم فى المستدرك أن تفسير الصحابى الذى شهد الوحى والتنزيل له حكم المرفوع» (٣). والمقصود هنا التفسير الذى لا يدرك بالرأى، ولا يستقل العقل بإدراكه. ويظهر موقف ابن عاشور من صحابة رسول الله- ﷺ خصوصا أبا بكر وعمر وعائشة رضى الله عنهم فيما ذكره فى تفسير

стр. 62

قوله تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (سورة النور: ١٧، ١٨). «قال ابن العربى: قال هشام بن عمار (١): «سمعت مالكا يقول: من سب أبا بكر وعمر أدب، ومن سبّ عائشة قتل لأن الله يقول يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢). فمن سبّ عائشة فقد خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل» أ. هـ. يريد بالمخالفة إنكار ما جاء به القرآن نصا وهو يرى أن المراد بالعود لمثله فى قضية الإفك لأن الله برّأها بنصوص لا تقبل التأويل، وتواتر أنها نزلت فى شأن عائشة، وذكر ابن العربى عن الشافعية أن ذلك ليس بكفر، وأما السب بغير ذلك فهو مساو لسب غيرها من أصحاب النبى ﷺ » (٣). وقد وقف غلاة الشيعة من الصحابة موقفا لا يتسم بالإنصاف لأغراض حزبية عديدة (٤). ومن الصحابة الذين ذكر أقوالهم عبد الله بن عمر، ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ

стр. 63

وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (سورة الأنعام: ٥٩). «وفى الصحيح عن عبد الله بن عمر أن رسول الله- ﷺ قال «مفاتح الغيب خمس» إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما فى الأرحام، وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا، وما تدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير» (١). وأخذ ابن عباس نصيبا وافرا من هذه الأقوال، ومثال ذلك ما جاء فى قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (سورة الشورى: الآية ١٧). ذكر ابن عاشور: «وعن ابن عباس: كل ما جاء فعل" ما أدرك" فقد أعلمه الله به «أى بيّنه لرسوله ﷺ » عقب كلمة" ما أدرك" نحو وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ* نارٌ حامِيَةٌ (٢)، وكل ما جاء فيه وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (٣)، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٤). لم يعلمه به أى لم يعقبه بما يبين إبهامه.

стр. 64

ويعقّب ابن عاشور: ولعل معنى هذا الكلام أن الاستعمال خص كل صيغة من هاتين الصيغتين بهذا الاستعمال فتأمل (١). وعن على وابن مسعود، ذكر فى تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (سورة النحل: ٩٠). «روى أحمد بن حنبل: إن هذه كانت السبب فى تمكن الإيمان من عثمان بن مظعون، فإنها لما نزلت كان عثمان بن مظعون بجانب رسول الله- ﷺ وكان حديث الإسلام، وكان إسلامه حياء من النبى- ﷺ وقرأها النبى عليه. قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان فى قلبى. وعن عثمان بن أبى العاص: كنت عند رسول الله- ﷺ جالسا إذ شخّص بصره، فقال: أتانى جبريل فأمرنى أن أضع هذه الآية بهذا الموضع" إن الله يأمر بالعدل" الآية أهـ. وهذا يقتضى أن هذه الآية لم تنزل متصلة بالآيات التى قبلها فكان وضعها فى هذا الموضع صالحا لأن يكون بيانا لآية وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ إلخ، ولأن تكون مقدمة لما بعدها وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ الآية. وعن ابن مسعود إن هذه الآية أجمع آية فى القرآن. وروى ابن ماجة عن على قال: أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على

стр. 65

قبائل العرب، فخرج، فوقف على مجلس قوم من شيبان بن ثعلبة فى الموسم. فدعاهم إلى الإسلام وأن ينصروه، فقال مفروق بن عمرو منهم: إلام تدعونا أخا قريش، فتلا عليهم رسول الله- ﷺ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الآية. فقال: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك» (١). وعن مالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله الأنصارى ذكر ابن عاشور فى قوله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا* وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (سورة مريم: ٥٦، ٥٧). وقوله وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا قال جماعة من المفسرين هو رفع مجازى، والمراد: رفع المنزلة، لما أوتيه من العلم الذى فاق به على من سلفه. ونقل هذا عن الحسن، وقال به أبو مسلم الأصفهانى، وقال جماعة: هو رفع حقيقى إلى السماء، وفى الإصحاح الخامس من سفر التكوين، «وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه» وعلى هذا فرفعه مثل رفع عيسى- ﵇ والأظهر أن ذلك بعد نزع روحه وروحنة جثته، ومما يذكر عنه أنه بقى ثلاث عشرة سنة لا ينام ولا يأكل حتى تروحن، فرفع. وأما حديث الإسراء فلا حجة فيه لهذا القول لأنه ذكر فيه عدة أنبياء غيره وجدوا فى السماوات. ووقع فى حديث مالك بن صعصعة عن الإسراء بالنبى- ﷺ إلى السماوات أنه وجد إدريس- ﵇

стр. 66

فى السماء وأنه لما سلم عليه قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح. فأخذ منه أن إدريس- ﵇ لم تكن له ولادة على النبى- ﷺ لأنه لم يقل له والابن الصالح، ولا دليل فى ذلك لأنه قد يكون قال ذلك اعتبارا بأخوة التوحيد فرجحها على صلة النسب فكان ذلك من حكمته. على أنه يجوز أن يكون ذلك سهوا من الراوى، فإن تلك الكلمة لم تثبت فى حديث جابر بن عبد الله فى صحيح البخارى. وقد جزم البخارى فى أحاديث الأنبياء بأن إدريس جد نوح أو جد أبيه. وذلك يدل على أنه لم يرمى قوله «مرحبا بالأخ الصالح، ما ينافى أن يكون أبا للنبى- ﷺ » (١). وعن أبى هريرة ذكر فى قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (سورة الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧). «وقال أبو هريرة سمعت رسول الله- ﷺ يقول على المنبر «أصدق كلمة أو أشعر كلمة قالتها العرب كلمة لبيد: ألا كل شىء ما خلال الله باطل» (٢). وعن عائشة وابن عباس وأبى هريرة، ذكر فى تفسير قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (سورة الشعراء: ٢١٤).

стр. 67

«ففي حديث عائشة وابن عباس وأبى هريرة فى صحيحى البخارى ومسلم يجمعها قوله، لما نزلت و" أنذر عشيرتك الأقربين"، قام رسول الله على الصفا فدعا قريشا فجعل ينادى: يا بنى فهر يا بنى عدى، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فقال: يا معشر قريش، فعم وخص، يا بنى كعب بن لؤى أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بنى عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، اشتروا أنفسكم من الله لا أغنى عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله سلينى من مالى ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئا، وكانت صفية وفاطمة من المؤمنين وكان إنذارها إعمالا لفعل الأمر فى معانيه كلها من الدعوة إلى الإيمان وإلى صالح الأعمال، فجمع النبى- ﷺ بين الإنذار من الشرك والإنذار من المعاصى لأنه أنذر صفية وفاطمة وكانتا مسلمتين. وفى صحيح البخارى عن ابن عباس قال: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد النبى على الصفا فجعل ينادى يا بنى فهر، يا بنى عدى، لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش تسمع فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن فيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم ما جرّبتنا عليك إلا صدقا، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك

стр. 68

سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت يدا أبى لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب (١). ومن الأمثلة التى حشد فيها أقوالا عن بعض الصحابة والتابعين ما ذكره فى قوله تعالى: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (سورة الأحقاف: ١٧). «وعن ابن عباس ومروان بن الحكم ومجاهد والسدى وابن جريج أنها نزلت فى ابن لأبى بكر الصديق واسمه عبد الكعبة الذى سماه النبى- ﷺ عبد الرحمن بعد أن أسلم عبد الرحمن قالوا: كان قبل الهجرة مشركا وكان يدعوه أبوه أبو بكر وأمه أم رومان إلى الإسلام ويذكراه بالبعث، فيرد عليهما بكلام مثل ما ذكره فى هذه الآية. ويقول: فأين عبد الله بن جدعان، وأين عثمان بن عمرو، وأين عامر ابن كعب، ومشايخ قريش حتى أسألهم عما يقول محمد. لكن ليست الآية خاصة به حتى تكون نازلة فيه، وبهذا يؤول قول عائشة رضى الله عنها لما قال مروان بن الحكم لعبد الرحمن هو الذى يقول الله فيه «والذى قال لوالديه أف لكما» وذلك فى قصة إشارة عبد الرحمن على مروان أخذه البيعة ليزيد بن معاوية بالعهد له بالخلافة. ففي صحيح البخارى فى كتاب التفسير عن يوسف بن ماهك أنه قال: «كان مروان بن الحكم على الحجاز استعمله معاوية فخطب، فجعل يذكر يزيد ابن معاوية لكى يبايع له بعد أبيه (أى بولاية العهد) فقال له عبد الرحمن

стр. 69

ابن أبى بكر أهرقلة" أى اجعلتموها وراثة مثل سلطنة هرقل" فقال خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذى أنزل الله فيه «والذى قال لوالديه أف لكما أتعدانني» فقالت عائشة من وراء حجاب، ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذرى (أى براءتى) وكيف يكون المراد ب" الذى قال لوالديه أف لكما" عبد الرحمن بن أبى بكر وآخر الآية يقول" أولئك الذين حق عليهم القول" إلى" خاسرين" فذكر اسم الإشارة للجمع، وقضى على المتحدث عنهم بالخسران، ولم أقف على من كان مشركا وكان أبواه مؤمنين، وأياما كان فقد أسلم عبد الرحمن قبل الفتح فلما أسلم جب إسلامه ما قبله، وخرج من الوعيد الذى فى قوله أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ الآية. لأن ذلك وعيد، وكل وعيد فإنما هو مقيد تحققه بأن يموت المتوعد به غير مؤمن، وهذا معلوم بالضرورة من الشريعة. وتلقب عند الأشاعرة بمسألة الموافاة، على أنه قيل إن الإشارة بقوله" أولئك" عائدة إلى" الأولين" من قوله «ما هذا إلا أساطير الأولين» (١). ومن الملحوظ فى أغلب الأمثلة السابقة حرص ابن عاشور فيما يرويه من أقوال الصحابة على ذكر مصادره مثل صحيح البخارى وصحيح مسلم وسنن ابن ماجة ومسند أحمد بن حنبل فضلا عن كتب التفسير. ومن الملحوظ أيضا أن هذه الأقوال تناولت جوانب مختلفة من التفسير، فالمثال الأول وهو عن ابن عمر كان فى معنى مفاتيح الغيب وعددها، والمثال الثانى وهو عن ابن عباس كان حول استعمال بعض الصيغ، والثالث من هذه الأمثال وهو عن ابن مسعود دار حول إسلام عثمان بن مظعون وبعض الحوادث فى زمن الدعوة، والمثال الرابع عن مالك بن صعصعة، وجابر بن عبد

стр. 70

الله عن مكانة النبى إدريس ﵇، والخامس وهو المروى عن أبى هريرة كان فى وصف أشعر أو أصدق كلمة قالتها العرب، والسادس عن عائشة وابن عباس وأبى هريرة دار حول سبب نزول الآية المذكورة، والمثال السابع والأخير وهو عن بعض الصحابة والتابعين دار حول تعيين فيمن نزلت الآية. وابن عاشور وهو يستعين بهذه الأقوال المختلفة اختلافا بينا كان يذكر الرواية أو القول، فإذا وجد ما يقتضى التعليق أو التوضيح فعل، وإن كان هناك اضطراب فى السند بيّنه، وتبدو موافقته على الشيء حين يسكت عنه، أو يؤوّ له مع وجود قرينة التأويل. ٤ - التفسير بأقوال التابعين: وقف علماء الحديث من أقوال التابعين مواقف مختلفة، كما اختلفوا فى قول الصحابى «فالتابعى إذا ورد عنه فى التفسير شىء يدرك بالرأى لم يكن له حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ ، لجواز أن يكون أدركه بنفسه استنادا إلى الدلالات اللغوية وغيرها من القرائن التى تعين على فهم المعنى، وإن ورد عنه ما لا يدرك بالرأى بأن يكون من المعانى التى لا يستقل العقل بإدراكها فذلك له حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ إلا أنه مرفوع مرسل فيجرى فيه من المذاهب ما يجرى فى الأحاديث المرسلة» (١).

стр. 71

ويقول ابن كثير: «وقد ذكر مسلم فى مقدمة كتابه" إن المرسل فى أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة من أصحاب الحديث» (١). وذكر على لسان ابن الصلاح: «والاحتجاج به مذهب مالك وأبى حنيفة وأصحابهما فى طائفة» (٢). فما موقف ابن عاشور- المالكى المذهب- من أحاديث التابعين أو أقوالهم؟ لقد استعان فى تفسيره بما جاء عن بعض التابعين على هذا النحو: ذكر عن مجاهد فى تفسير قوله تعالى: قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً* قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (سورة طه: الآيات ٥٧، ٥٨، ٥٩). «قال مجاهد: أنه مكان نصف، وكأن المراد أنه نصف من المدينة لئلا يشق الحضور فيه على أهل أطراف المدينة» (٣). وعن قتادة فى قوله تعالى:

стр. 72

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (سورة النحل: ٩٠). «وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به فى هذه الآية. وليس من خلق كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدح فيه، وإنما نهى عن سفاسف الاخلاق ومذاقها» (١). وعن عكرمة فى قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (سورة النحل ٢٨). «وعن عكرمة: نزلت هذه الآية بالمدينة فى قوم أسلموا بمكة، ولم يهاجروا فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها فقتلوا ببدر» (٢). وعن أول ما نزل من سورة المائدة ذكر: «وعن محمد بن كعب القرظى: إن أول ما نزل من هذه السورة قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ- إلى قوله- صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣).

стр. 73

ثم نزلت بقية السورة فى عرفة فى حجة الوداع (١) وفى قوله تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ الشعراء ١٩٧. " وعن مقاتل نزل بالمدينة. وكان الذى دعاه إلى ذلك أن مخالطة علماء بنى إسرائيل كانت بعد الهجرة. ولا يخفى أن الحجة لا تتوقف على وقوع مخالطة علماء بنى إسرائيل؛ فقد ذكر القرآن مثل هذه الحجة فى آيات نزلت بمكة، من ذلك قوله: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٢) فى سورة الرعد وهى مكية وقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٣) فى سورة القصص وهى مكية. وقوله: وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (٤) فى سورة العنكبوت وهى مكية. وشأن علماء بنى إسرائيل مشهور بمكة، وكان لأهل مكة صلات مع اليهود بالمدينة ومراجعة بينهم فى شأن بعثة محمد ﷺ كما تقدم عند قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ فى سورة الإسراء ولذا فالذى نوقن به أن السورة كلها مكية ... » (٥).

стр. 74

وفى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ (سورة النساء: ٧٧). «وقال السدى:" الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ" قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال وسألوا أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض القتال إذا فريق يخشون الناس» (١). وفى قوله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (سورة البقرة: ١٩٧). «وقال عطاء: حاضرو المسجد الحرام أهل مكة وأهل عرفة، ومر، وعرنة وضحينان، والرجيع، وقال الزهيرى: أهل مكة ومن كان على مسافة يوم أو نحوه، وقال ابن زيد: أهل مكة، وذى طوى، وفج، وما يلى ذلك. وقال طاوس" حاضر والمسجد الحرام كل من كان داخل الحرم» (٢).

стр. 75

وفى قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ (سورة البقرة: الآية ٢٣٠). " وذهب ابن جبير وعطاء وابن دينار وجابر بن زيد إلى أن طلاق البكر ثلاثا فى كلمة يقع طلقة واحدة، لأنه قبل البناء بخلاف طلاق المبنى بها، وكأن وجه قولهم فيه: أن معنى الثلاث فيه كناية عن البينونة، والمطلقة قبل البناء تبنيها الواحدة" (١) والملحوظ فى هذه النقول خلوها من الأحاديث النبوية، وإنما هى أقوال دارت حول تحديد مكان يوم الزينة كما جاء عن مجاهد فى المثال الأول،
следующие страницы →