← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38095

منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير

نبيل أحمد صقر

Полный текст (319 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ويقول ابن كثير: «وقد ذكر مسلم فى مقدمة كتابه" إن المرسل فى أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة من أصحاب الحديث» (١). وذكر على لسان ابن الصلاح: «والاحتجاج به مذهب مالك وأبى حنيفة وأصحابهما فى طائفة» (٢). فما موقف ابن عاشور- المالكى المذهب- من أحاديث التابعين أو أقوالهم؟ لقد استعان فى تفسيره بما جاء عن بعض التابعين على هذا النحو: ذكر عن مجاهد فى تفسير قوله تعالى: قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً* قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (سورة طه: الآيات ٥٧، ٥٨، ٥٩). «قال مجاهد: أنه مكان نصف، وكأن المراد أنه نصف من المدينة لئلا يشق الحضور فيه على أهل أطراف المدينة» (٣). وعن قتادة فى قوله تعالى:

стр. 72

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (سورة النحل: ٩٠). «وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به فى هذه الآية. وليس من خلق كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدح فيه، وإنما نهى عن سفاسف الاخلاق ومذاقها» (١). وعن عكرمة فى قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (سورة النحل ٢٨). «وعن عكرمة: نزلت هذه الآية بالمدينة فى قوم أسلموا بمكة، ولم يهاجروا فأخرجتهم قريش إلى بدر كرها فقتلوا ببدر» (٢). وعن أول ما نزل من سورة المائدة ذكر: «وعن محمد بن كعب القرظى: إن أول ما نزل من هذه السورة قوله تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ- إلى قوله- صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣).

стр. 73

ثم نزلت بقية السورة فى عرفة فى حجة الوداع (١) وفى قوله تعالى: أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ الشعراء ١٩٧. " وعن مقاتل نزل بالمدينة. وكان الذى دعاه إلى ذلك أن مخالطة علماء بنى إسرائيل كانت بعد الهجرة. ولا يخفى أن الحجة لا تتوقف على وقوع مخالطة علماء بنى إسرائيل؛ فقد ذكر القرآن مثل هذه الحجة فى آيات نزلت بمكة، من ذلك قوله: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٢) فى سورة الرعد وهى مكية وقوله: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٣) فى سورة القصص وهى مكية. وقوله: وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (٤) فى سورة العنكبوت وهى مكية. وشأن علماء بنى إسرائيل مشهور بمكة، وكان لأهل مكة صلات مع اليهود بالمدينة ومراجعة بينهم فى شأن بعثة محمد ﷺ كما تقدم عند قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ فى سورة الإسراء ولذا فالذى نوقن به أن السورة كلها مكية ... » (٥).

стр. 74

وفى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ (سورة النساء: ٧٧). «وقال السدى:" الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ" قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال وسألوا أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض القتال إذا فريق يخشون الناس» (١). وفى قوله تعالى: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (سورة البقرة: ١٩٧). «وقال عطاء: حاضرو المسجد الحرام أهل مكة وأهل عرفة، ومر، وعرنة وضحينان، والرجيع، وقال الزهيرى: أهل مكة ومن كان على مسافة يوم أو نحوه، وقال ابن زيد: أهل مكة، وذى طوى، وفج، وما يلى ذلك. وقال طاوس" حاضر والمسجد الحرام كل من كان داخل الحرم» (٢).

стр. 75

وفى قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ (سورة البقرة: الآية ٢٣٠). " وذهب ابن جبير وعطاء وابن دينار وجابر بن زيد إلى أن طلاق البكر ثلاثا فى كلمة يقع طلقة واحدة، لأنه قبل البناء بخلاف طلاق المبنى بها، وكأن وجه قولهم فيه: أن معنى الثلاث فيه كناية عن البينونة، والمطلقة قبل البناء تبنيها الواحدة" (١) والملحوظ فى هذه النقول خلوها من الأحاديث النبوية، وإنما هى أقوال دارت حول تحديد مكان يوم الزينة كما جاء عن مجاهد فى المثال الأول،

стр. 76

أو الأخلاق التى كان عليها أهل الجاهلية وما أمر الله به منها إذا كانت من الخلق الحسن أو ما كانوا عليه من أخلاق مذمومة، ونهى الله تعالى عنها كما جاء عن قتادة فى المثال الثانى، أو نزول الآية الثامنة والعشرين من سورة النحل فى المدينة كما جاء عن عكرمة فى المثال الثالث، أو أول ما نزل من سورة المائدة عن محمد بن كعب القرظى فى المثال الرابع، وكذلك ما جاء عن مقاتل فى المثال الخامس، وما جاء عن السدى فى شأن قوم أسلموا، وسألوا أن يفرض عليهم القتال فى المثال السادس، أو ما جاء عن عطاء وطاوس فى شأن حاضرى المسجد الحرام، أو ما جاء فى شأن طلاق البكر كما جاء عن ابن جبير وعطاء وابن دينار وجابر بن زيد فى المثالين السابع والثامن. وقد كانت مصادر ابن عاشور فى الحديث النبوى من كتب السنة المعتبرة فضلا عما عرفناه عن موقفه من السند والمتن والأحاديث الضعيفة وأحاديث فضائل السور، وكانت النقول عن التابعين عنده تمثل الجانب الذى يمكن الاستئناس به حيث تدرك بالعقول معانيه، أو ما تلقاه هؤلاء التابعون من أقوال عن صحابة رسول الله ﷺ فى أسباب النزول، أو أول ما نزل من آيات بعض السور أو مكان نزولها. (١) ٥ - التفسير بأسباب النزول: من الأقوال التى تحدد قيمة أسباب النزول فى التفسير وشروط استخدامها، وكذا الأقوال التى توضح سبب نزول القرآن منجما خصوصا الآيات التى نزلت بسبب.

стр. 77

ومما ذكره الدكتور فتحى الدرينى: «اقتضاء صحة التفسير وعلميته" للمأثور" أمر تقتضيه ظروف تنزيله منجما على مدى ثلاث وعشرين عاما تقريبا، إذ احتفت ببعض آية ظروف ومناسبات، يطلق عليها" أسباب النزول" مما لم يتح لغير من عاصر التنزيل مشاهدتها، والوقوف على دقائقها، كما يطلق عليها بعض من تخصص فى علم أسباب النزول" القصة التشريعية" وهى عنصر بالغ الأهمية من عناصر ثقافة المفسر، إذ تسدد خطاه فى تعيين المعنى المراد، فكانت من القرائن الدالة عليه، دون أن يكون لها من أثر على تكييف النص القرآنى، فى قصر شمول معناه، أو عموم حكمه، أو تقييد إطلاقه، وإنما هى مجرد قرائن، أو دوال للاستيضاح فحسب» (١). وذكر أيضا: «ومعلوم أن هذه" المناسبات" لا يمكن الوقوف عليها بالنسبة إلى الأجيال الخالفة من العلماء، أو تصورها إلا عن طريق" النقول المأثورة" فكان هذا العنصر الأثرى إذن أساسيا فى قوام تفسير المفسر بالنسبة إلى الآى التى احتفت بها مثل تلك الظروف والمناسبات لما تلقى من ضوء على المراد من معنى النص، ولا سيما إذا كان النص القرآنى ذا وجوه من المعانى، أو يحتمل دلالات، فكان" سبب النزول" أنه قرينة على تعيين مراد الشارع منها، أو ترجيحه على الأقل» (٢).

стр. 78

ويقول ابن خلدون: «كان القرآن ينزل جملا جملا، وآيات آيات لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع» (١). والنيسابورى: «إن نزول القرآن بحسب الوقائع والحوادث أوفق فى باب التكليف والاستبصار» (٢). والقسطلانى: «إن الوحى فى الزمن الأخير من الحياة النبوية كان أكثر نزولا لأن الوفود بعد فتح مكة كثروا، وكثر سؤالهم عن الأحكام» (٣). وقد أظهرت الأقوال السابقة أهمية أسباب النزول فى تفسير كثير من الآيات ووصفت الضوابط التى يمكن بواسطتها الاستعانة بها. وابن عاشور استعان بأسباب النزول وجعل لها فصلا خاصا من المقدمات العشر التى ذكرها فى مقدمة التحرير والتنوير حيث رسم فيه منهجه فى الاستعانة بهذه الوسيلة، ومما ذكره فى هذا الفصل. «أولع كثير من المفسرين يتطلب أسباب نزول آى القرآن، وهى حوادث يروى أن الآيات من القرآن نزلت لأجلها لبيان حكمها أو حكايتها أو إنكارها أو نحو ذلك، وأغربوا فى ذلك وأكثروا حتى كاد بعضهم أن يوهم

стр. 79

الناس أن كل آية من القرآن نزلت على سبب، حتى رفعوا الثقة بما ذكروا، بيد أنّا نجد فى بعض آى القرآن إشارة إلى الأسباب التى دعت إلى نزولها. ونجد لبعض الذى أسبابا تثبت بالنقل دون احتمال أن يكون ذلك رأى الناقل، فكان أمر أسباب نزول القرآن دائر بين القصد والإسراف، وكان فى غض النظر عنه وإرسال حبله على غاربه خطر عظيم فى فهم القرآن» (١). وفحوى هذا الكلام أن ابن عاشور ينعى على بعض المفسرين الذين أكثروا فى ذكر أسباب النزول وأغربوا فيها ليوهموا الناس أن لكل آية سببا فى نزولها، ومن ثم رفعوا الثقة فيما يذكرون من أقوال. وعلى الجانب الآخر وجد ابن عاشور فى بعض الآيات إشارة إلى الأسباب التى دعت إلى نزولها، كما أن لبعض الآيات أسبابا ثبتت بالنقل لا بالرأى، وعلى ذلك لا يستطيع أن يغض النظر عن ذكر هذه الأسباب أو الإشارات ولكن دون إسراف أو مبالغة. وذكر أيضا فى هذا الفصل: «إن من أسباب النزول ما ليس المفسر بغنى عن علمه بها لأن فيها بيان مجمل، أو إيضاح خفى وموجز، ومنها ما يكون وحده تفسيرا، ومنها ما يدل المفسر على طلب الأدلة التى بها تأويل الآية أو نحو ذلك». أى أن أسباب النزول تمثل عونا كبيرا فى بيان المواد من الآية المطروحة أمام المفسر أيا ما كانت الحاجة التى تستوجب وقوفه عندها شريطة أن تكون صحيحة الأسانيد كما ذكر ابن عاشور فى مواضع كثيرة فى هذا الفصل. وابن عاشور وهو يستعين بأسباب النزول نراه أحيانا يذكر أكثر من سبب فى نزول الآية الواحدة ...

стр. 80

ذكر فى سبب نزول قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها (سورة البقرة: الآية ٢٦). روى الواحدى فى أسباب النزول عن ابن عباس أن الله تعالى لما أنزل قوله: لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ (١) وقوله: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً (٢) قال المشركون أرأيتم أى شىء يصنع بهذا، فأنزل الله إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها وروى عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت فى كتابه وضرب بها المثل ضحك اليهود وقالوا ما يشبه أن يكون هذا كلام الله فأنزل الله إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي الآية» (٣). والرواية الأولى عن ابن عباس، والثانية عن الحسن وقتادة، ويمكن التوفيق أو الجمع بينهما حيث لا يختلف موقف المشركين أو اليهود فيما ضربه الله تعالى من مثل فى الآيتين المذكورتين، ولعل ذلك هو المقصود من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي ........ الآية. حيث يتوقف فهم المراد منها على علم المفسر بسبب نزولها».

стр. 81

وذكر فى قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١). " روى الطبرى، والواحدى" فى سبب نزول هذه الآية: أن عياش بن أبى ربيعة المخزومي كان قد أسلم وهاجر إلى المدينة قبل هجرة النبى- ﷺ ، وكان أخا أبى جهل لأمه، فخرج أبو جهل وأخوه الحارث ابن هشام، والحارث بن زيد بن أبى أنيسة فى طلبه، فأتوه بالمدينة وقالوا له: " إن أمك أقسمت أن لا يظلها بيت حتى تراك، فارجع معنا حتى تنظر إليك، ثم ارجع، وأعطوه موثقا من الله أن لا يهيجوه، ولا يحولوا بينه وبين دينه، فخرج معهم فلما جاوزوا المدينة أوثقوه، ودخلوا به مكة، وقالوا له" لا نحلك من وثقائك حتى تكفر بالذى آمنت به" وكان الحارث بن زيد يجلده ويعذبه، فقال عياش للحارث «والله لا ألقاك خاليا إلا قتلتك» فبقى بمكة حتى خرج يوم الفتح إلى المدينة فلقى الحارث بن زيد بقباء، وكان الحارث قد أسلم ولم يعلم عياش بإسلامه، فضربه عياش فقتله، ولما أعلم أنه أسلم رجع عياش إلى رسول الله- ﷺ فأخبره بالذى صنع تنزلت: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً فتكون هذه الآية قد نزلت بعد فتح مكة.

стр. 82

وفى ابن عطية: قيل نزلت فى اليمان. والد حذيفة بن اليمان حين قتله المسلمون يوم أحد خطأ. «وفى رواية للطبرى: أنها نزلت فى قضية أبى الدرداء حين كان فى سرية، فعدل إلى شعب فوجد رجلا فى غنم له، فحمل عليه أبو الدرداء بالسيف، فقال الرجل" لا إله إلا الله" فضربه فقتله وجاء بغنمه إلى السرية، ثم وجد فى نفسه شيئا فأتى إلى النبى- ﷺ فذكر له فنزلت الآية» (١). ونحن هنا أمام ثلاث روايات فى سبب نزول هذه الآية الأولى ذكرها الطبرى والواحدى، والثانية ابن عطية فى تفسيره، والأخيرة الطبرى وحده، والأولى والأخيرة ذكرهما الطبرى على الرغم من اختلافهما. وفى الإتقان: «كثيرا ما يذكر المفسرون لنزول الآية أسبابا متعددة، وطرق الاعتماد فى ذلك أن ينظر إلى العبارة الموافقة، فإن عبّر أحدهما بقوله: نزلت فى كذا، والآخر نزلت فى كذا، وذكر أمرا آخر، فإن هذا يراد به التفسير لا ذكر سبب النزول، فلا منافاة بين قوليهما إذا كان اللفظ يتناولهما، وإن عبر أحد بقوله نزلت فى كذا، وصرح الآخر بذكر سبب النزول فهو المعتمد، وذاك استنباط» (٢). وأحيانا ما يذكر رواية واحدة كما فى قوله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (سورة العنكبوت: الآية ٣). روى الطبرى عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: نزلت هذه الآية: الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا إلى قوله: وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣).

стр. 83

«فى عمار بن ياسر إذ كان يعذب فى الله، هو وأمثاله مثل عياش بن أبى ربيعة، والوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام ممن كانوا يعذبون بمكة، وكان النبى- ﷺ يدعو لهم الله بالنجاة لهم وللمستضعفين من المؤمنين» (١). «ورواية الطبرى هذه عن عبد الله بن عبيد بن عمير صريحة الجزم بأنها فى سبب نزول الآيات المذكورة وقد نبّه السيوطى إلى ان قبيل المسند من الصحابى إذا وقع من تابعى فهو مرفوع أيضا لكنه مرسل، فقد يقبل إذا صح المسند إليه وكان من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير أو اعتضد بمرسل آخر أو نحو ذلك» (٢). وكما ذكر فى قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (سورة النور الآية ٥٥). قال أبو العالية (٣): مكث رسول الله بمكة عشر سنين بعد ما أوحى إليه خائفا هو وأصحابه، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة وكانوا فيها خائفين

стр. 84

يصبحون ويمسون فى السلاح، فقال رجل: يا رسول الله أما يأتى علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال رسول الله: لا تغبرون (أى تمكثون) إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم فى الملإ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة" ونزلت هذه الآية. فكان اجتماع هذه المناسبات سببا لنزول هذه الآية فى موقعها هذا بما اشتملت عليه من الموعود به الذى لم يكن مقتصرا على إبدال خوفهم أمنا كما اقتضاه أثر ابى العالية، ولكنه كان من جملة الموعود كما كان سببه من عداد الأسباب» (١). وأحيانا يذكر روايات عدة ويستبعد واحدة منها، ذكر فى قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ سورة الحج الآية ١١. «والظاهر أن هذه الآية نزلت بالمدينة. ففي صحيح البخارى عن ابن عباس فى قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء». وفى رواية الحسن: أنها نزلت فى المنافقين يعنى المنافقين من الذين كانوا مشركين مثل: عبد الله بن أبى بن سلول، وهذا بعيد لأن أولئك كانوا مبطنين الكفر فلا ينطبق عليهم قوله" فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ". وممن يصلح مثالا لهذا الفريق العرنيون الذين أسلموا وهاجروا وجاءوا إلى المدينة، فأمرهم

стр. 85

النبى- ﷺ بأن يلحقوا براعى إبل الصدقة خارج المدينة فيشربوا من ألبانها وأبوالها حتى يصحوا فلما صحوا قتلوا الراعى واستاقوا الذود ومروا، فألحق بهم النبى- ﷺ الطلب فى أثرهم حتى لحقوا بهم فأمر بهم فقتلوا. وفى حديث الموطأ: أن أعرابيا أسلم وبايع النبى- ﷺ فأصابه وعك بالمدينة، فجاء إلى النبى- ﷺ يستقيله بيعته فأبى أن يقيله: فخرج من المدينة فقال النبى- ﷺ : «المدينة كالكير تنفى خبثها وينصع طيبها» فجعله خبثا لأنه لم يكن مؤمنا ثابتا، وذكر الفخر عن مقاتل إن نفرا من أسد وغطفان قالوا: نخاف أن لا ينصر الله محمدا فينقطع الذى بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميزوننا، فنزل فيهم قوله تعالى مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ (الحج: ١٥). وعن الضحاك (١): «أن الآية نزلت فى المؤلفة قلوبهم منهم: عينية بن حصن والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس قالوا: ندخل فى دين محمد فإن أصبنا خيرا عرفنا أنه حق، وإن أصبنا غير ذلك عرفنا أنه باطل. وهذا كله ناشئ عن الجهل وتخليط الأسباب الدنيوية بالأسباب الأخروية، وجعل المقارنات الاتفاقية كالمعلومات اللزومية، وهذا أصل كبير من أصول الضلالة فى أمور الدين وأمور الدنيا. ولنعم المعبر عن ذلك قوله تعالى: خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ إذ لا يهتدى إلى تطلب المسببات من أسبابها» (٢).

стр. 86

من خلال استقراء الأمثلة السابقة- وغيرها- مما أورده ابن عاشور فى أسباب النزول يمكن القول أن أبرز سمات استخدام ابن عاشور لأسباب النزول هى: - ذكر أكثر من رواية فى سبب نزول الآية الواحدة دون ترجيح أو توثيق، وأحيانا يستبعد واحدة من هذه الروايات مع تعليل هذا الاستبعاد. - أهم مصادر أسباب النزول عند ابن عاشور: البخارى، والموطأ، والواحدى، والطبرى، وابن عطية وتفسير الفخر الرازى، ولا يمنع ذلك أن تكون هناك مصادر أخرى من كتب الحديث كصحيح مسلم، والترمذى، وابن ماجة وغيرهم، أو من كتب التفسير الأخرى كتفسير الجصاص والقرطبى والزمخشرى. - قد يكتفى أحيانا باسم التابعى الذى وردت عنه الرواية دون ذكر الإسناد من قبيل الاختصار. - أكثر الذين ذكر مروياتهم فى أسباب النزول من التابعين الذين وثّقهم النقاد. ٦ - التفسير بالقصص: التفسير بالقصص من الوسائل التى لجأ إليها ابن عاشور فى تفسيره «والقصص القصة، وفعل بمعنى مفعول كالنقص والقبض، والقصص جمع القصة، ويقال اقتصصت الحديث، وقصصته قصا، وقصصا رويته على جهته، وهو من اقتصصت بالخبر تتتابع فيه المعانى» (١).

стр. 87

وهناك فروق بين تفسير القصة فى حدود المضمون القرآنى والفهم العربى للنصوص القرآنية، والذى يعتبر فيه النقل عن رسول الله ﷺ والصحابة أو التابعين هو المصدر الأساسى، وبين الإسرائيليات فمصدرها الأساسى أهل الكتاب يهود ومسيحيون وعوامهما (١). ويقول الشيخ محمد أبو زهرة عن طابع القصص القرآنى: «إننا إذ نظرنا نظرة فاحصة تليق بمقام القرآن، ومكانته فى البيان الغربى، نجد أن التكرار فيه له مغزى، ذلك أن القرآن ليس كتاب قصص، وليس كالروايات القصصية التى تذكر الحوادث المتخيلة أو الوقعة. إنما قصص القرآن، وهو قصص لأمور واقعة، يساق للعبر وإعطاء المثلات، وبيان مكان الضالين ومنزلة المهتدين، وعاقبة الضلال وعاقبة الهداية، وبيان ما يقاوم به النبيون، وورائهم كل الدعاة للحق، فهو قصص للعبرة بين الواقعات، لا لمجرد المتعة من الاستماع، والقراءة، ولذلك قال الله تعالى فى آخر قصة نبى الله يوسف ﵇. لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢) (سورة يوسف: الآية ١١١). ويقول أبو جعفر الطوسى عن الوجه فى تكرير القصة بعد القصة فى القرآن الكريم: «إن رسول الله- ﷺ كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص مكررة لوقعت قصة

стр. 88

موسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم آخرين، فأراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص فى أطراف الأرض، ويلقيها فى كل سمع، ويثبتها فى كل قلب، ويزيد الحاضرين فى الإفهام» (١). ولا نعتقد أن هدف القصص القرآنى كان على هذا النحو، فالقصة الواحدة لا تتكرر بعينها فى السور المختلفة، ولكنها فى كل سورة تحمل طابعا مغايرا يختلف من حيث الإطالة أو التركيز تبعا للعبرة المقصودة، فضلا عن تنوع هذه القصص، فليست هى مقصورة على قصص الأنبياء فحسب، ولكن هناك أيضا قصص ابني آدم، وأهل الكهف، وقارون، وأصحاب الأخدود، وأصحاب الفيل، وقصص صدر الدعوة الإسلامية، كالغزوات، والهجرة، والإسراء وغيرها (٢). ومما ذكره ابن عاشور فى مقدمة التحرير والتنوير عن المنهج القصصى للقرآن الكريم: «والقصة: الخبر عن حادثة غائبة عن المخبر بها، فليس ما فى القرآن من ذكر الأحوال الحاضرة فى زمن نزوله قصصا مثل ذكر وقائع المسلمين مع عدوهم وجمع القصة قصص بكسر القاف، وأما القصص بفتح القاف فاسم للخبر المقصوص وهو مصدر وسمى به المفعول، يقال قصّ على فلان إذا أخبره بخبر. وأبصر أهل العلم أن ليس الغرض من سوقها قاصرا على حصول العبرة والموعظة مما تضمنته القصة من عواقب الخير أو الشر، ولا على حصول التنويه بأصحاب تلك القصص فى عناية الله بهم، أو التشويه بأصحابها فيما لاقوه من

стр. 89

غضب الله عليهم كما تقف عنده أفهام القانعين بظواهر الأشياء وأوائلها، بل الغرض من ذلك أسمى وأجلّ. إن فى تلك القصص لعبرا جمة وفوائد للأمة؛ ولذلك نرى القرآن يأخذ من كل قصة أشرف مواضيعها ويعرض عما عداه ليكون تعرضه للقصص منزها عن قصد التفكه بها. من أجل ذلك كله لم تأت القصص فى القرآن متتالية متعاقبة فى سورة أو سور كما يكون كتاب التاريخ، بل كانت مفرقة موزعة على مقامات تناسبها، لأن معظم الفوائد الحاصلة منها لها علاقة بذلك التوزيع، هو ذكر وموعظة لأهل الدين فهو بالخطابة أشبه» (١). ومن القصص القرآنى الذى يتعلق بالحوادث الغابرة قصة أصحاب الأخدود المذكورة فى سورة البروج. يقول ابن عاشور عن بعض أغراض هذه السورة: «ابتدئت أغراض هذه السورة بضرب المثل للذين فتنوا المسلمين بمكة بأنهم قوم فتنوا فريقا ممن آمن بالله فجعلوا أخدودا من نار لتعذيبهم ليكون المثل تثبتا للمسلمين وتعبيرا لهم على أذى المشركين وتذكيرهم بما جرى على سلفهم فى الإيمان من شدة التعذيب الذى لم ينلهم مثله، ولم يصدهم ذلك عن دينهم، وإشعار المسلمين بأن قوة الله عظيمة فسيلقى المشركون جزاء صنيعهم ويلقى المسلمون النعيم الأبدى والنصر» (٢). ومما ذكره فى تفسير قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ* وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ* قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ سورة البروج، الآية ١ - ٤. «وهذه قصة اختلف الرواة فى تعيينها وفى تعيين المراد منها فى هذه الآية.

стр. 90

والروايات كلها تقتضى أن المفتونين بالأخدود قوم اتبعوا النصرانية فى بلاد اليمن على أكثر الروايات، أو فى بلاد الحبشة على بعض الروايات، وذكرت فيها روايات متقاربة تختلف بالإجمال والتفصيل، والترتيب، والزيادة، والتعيين، وأصحها ما رواه مسلم والترمذى عن صهيب أن النبى ﷺ ساقها تفسيرا لهذه الآية، والترمذى ساق حديثها فى تفسير سورة البروج. وعن مقاتل كان الذين اتخذوا الأخاديد فى ثلاث من البلاد بنجران، وبالشام، وبفارس. أما الذى بالشام ف (أنطانيوس) الرومى وأما الذى بفارس فهو (بختنصر) والذى بنجران ف (يوسف ذو نواس). ولنذكر القصة التى أشار إليها القرآن تؤخذ من سيرة ابن إسحاق على أنها جرت فى نجران من بلاد اليمن، وأنه كان ملك وهو ذو نواس له كاهن أو ساحر، وكان للساحر تلميذ اسمه عبد الله بن الثامر وكان يجد فى طريقه إذ مشى إلى الكاهن صومعة فيها راهب كان يعبد الله على دين عيسى ﵇ ويقرأ الإنجيل اسمه (فيميون) بفاء، فتحتية، فميم، فتحتية (وضبط فى الطبعة الأوروبية من سيرة ابن إسحاق- التى يلوح أن أصلها المطبوعة عليه أصل صحيح، بفتح فسكون فكسر فضم)، قال السهيلى، ووقع للطبرى بقاف عوض الفاء. وقد يحرف فيقال ميمون بميم فى أوله وبتحتية واحدة، أصله فى غسان من الشام ثم ساح فاستقر بنجران، وكان منعزلا عن الناس مختفيا فى صومعته، وظهرت لعبد الله فى قومه كرمات. وكان كلما ظهرت له كرامة دعا من ظهرت لهم إلى أن يتبعوا النصرانية، فكثر المتنصرون فى نجران، وبلغ ذلك الملك ذا نواس وكان يهوديا، وكان أهل نجران مشركين يعبدون نخلة طويلة، فقتل الملك الغلام وقتل الراهب

стр. 91

وأمر بأخاديد وجمع فيها حطب وأشعلت، وعرض أهل نجران عليها فمن رجع عن التوحيد تركه ومن ثبت على الدين الحق قذفه فى النار. فكان أصحاب الأخدود ممن عذب من أهل دين المسيحية فى بلاد العرب. وقصص الأخاديد كثيرة فى التاريخ، والتعذيب بالحرق طريقة قديمة، ومنها: نار إبراهيم ﵇. وأما تحريق عمرو بن هند مائة من بنى تميم وتلقيبه بالمحرق فلا أعرف أن ذلك كان باتخاذ أخدود. وقال ابن عطية: رأيت فى بعض الكتب أن أصحاب الأخدود هو محرق وآله الذى حرق من بنى تميم مائة» (١). وفى قوم تبّع ذكر فى قوله تعالى: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (سورة الدخان: الآية ٣٧). «وافتتح الكلام بالاستفهام التقريرى لاسترعاء الأسماع لمضمونه لأن كل أحد يعلم أن تبعا ومن كان قبله من الملوك خير من هؤلاء المشركين. والمعنى: أنهم ليسوا خيرا من قوم تبع ومن قبلهم من الأمم الذين استأصلهم الله لأجل إجرامهم فلما ماثلوهم فى الإجرام فلا مزية لهم تدفع عنهم استئصال الذى أهلك الله به أمما قبلهم. والاستفهام فى" أهم خير أم قوم تبع" تقريرى، إذ لا يسعهم إلا أن يعترفوا بأن قوم تبع والذين من قبلهم خير منهم لأنهم كانوا يضربون بهم الأمثال فى القوة والمنعة؛ والمراد بالخيرية التفضيل فى القوة والمنعة، كما قال تعالى بعد ذكر قوم فرعون أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ (٢).

стр. 92

وقوم تبع هم حمير، وهم سكان اليمن وحضر موت من حمير وسبأ، وقد ذكرهم الله تعالى فى سورة ق. وتبع بضم الميم وتشديد الموحدة لقب لمن يملك جميع بلاد اليمن حميرا وسبأ وحضر موت. فلا يطلق على الملك لقب تبع إلا إذا ملك هذه المواطن الثلاثة، قيل سموه تبعا باسم الظل لأنه يتبع الشمس كما يتبع ظل الشمس، ومعنى ذلك: أنه يسير بغزوته إلى كل مكان تطلع عليه الشمس، كما قال تعالى فى ذى القرنين فَأَتْبَعَ سَبَباً* حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ إلى قوله لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (١) وقيل لأنه تتبعه ملوك مخاليف اليمن، وتخضع له جميع الأقيال والأذواء من ملوك مخاليف اليمن وأذوائه، فلذلك لقب تبعا لأنه تتبعه الملوك. وتبع المراد هنا المسمى أسعد والمكنى أبا كرب، كان قد عظم سلطانه وغزا بلاد العرب ودخل مكة ويثرب وبلغ العراق، ويقال إنه الذى بنى مدينة الحيرة فى العراق، وكانت دولة تبع فى سنة ألف قبل البعثة المحمدية، وقيل كان فى حدود السبعمائة قبل بعثة النبى ﷺ . وتعليق الإهلاك بقوم تبع دونه يقتضى أن تبعا نجا من هذا الإهلاك وأن الإهلاك سلّط على قومه، قالت عائشة: ألا ترى أن الله ذم قومه ولم يذمه. والمروى عن النبى ﷺ فى مسند أحمد وغيره أنه قال: «لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم (وفى رواية) كان مؤمنا» وفسره بعض العلماء بأنه كان على دين إبراهيم ﵇، وأنه اهتدى إلى ذلك بصحبة حبرين من أحبار اليهود لقيهما بيثرب حين غزاها، وذلك يقتضى نجاته من الإهلاك ولعل الله أهلك قومه بعد موته أو فى مغيبه» (٢).

стр. 93

وعن عاد وثمود ذكر فى قوله تعالى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (سورة النجم ٥٠ - ٥٢). «لما استوفى ما يستحقه مقام النداء على باطل أهل الشرك من تكذيبهم النبى، ﷺ ، وطعنهم فى القرآن ومن عبادة الأصنام، وقولهم فى الملائكة، وفاسد معتقدتهم فى أمور الآخرة، وفى المتصرف فى الدنيا، وكان معظم شأنهم فى هذه الضلالات شبيها بشأن أمم الشرك البائدة؛ نقل الكلام إلى تهديدهم بخوف أن يحل بهم ما حل بتلك الأمم البائدة، فذكر من تلك الأمم أشهرها عند العرب وهم: عاد، وثمود، وقوم نوح، وقوم لوط. فموقع هذه الجملة كموقع الجمل التى قبلها فى احتمال كونها زائدة على ما فى صحف موسى وإبراهيم ويحتمل كونها مما شملته الصحف المذكورة فإن إبراهيم كان بعد عاد وثمود وقوم نوح، وكان معاصرا للمؤتفكة عالما بهلاكها. ولكون هلاك هؤلاء معلوما لم تقرن الجملة بضمير الفصل. ووصف عاد ب" الأولى" على اعتبار عاد اسما للقبيلة كما هو ظاهر. ومعنى كونها أولى لأنها أول العرب ذكرا وهم أول العرب البائدة، وهم أول أمة أهلكت بعد قوم نوح. وأما القول بأن عاد هذه لما هلكت خلفتها أمة أخرى تعرف بعاد إرم أو عاد الثانية كانت فى زمن العماليق فليس بصحيح. ويجوز أن يكون" الأولى" وصفا كاشفا، أى عادا السابقة، وقيل" الأولى" صفة عظمة، أى الأولى فى مراتب الأمم قوة وسعة.

стр. 94

وإنما قدم فى الآية ذكر عاد وثمود على ذكر قوم نوح مع أن هؤلاء أسبق لأن عادا وثمودا أشهر فى العرب وأكثر ذكرا بينهم وديارهم فى بلاد العرب» (١). وفى قصة موسى ﵇، ذكر ابن عاشور فى تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ (سورة البقرة: الآية ٦١). «وقد أشارت الآية إلى قصة ذكرتها التوراة مجملة منتثرة، وهى أنهم لما ارتحلوا من برية سينا من" حوريب" ونزلوا فى برية" فاران" فى آخر الشهر الثانى من السنة الثانية من الخروج سائرين إلى جهات" حبرون" فقالوا تذكرنا السمك الذى كنا نأكله فى مصر مجانا (أى يصطادونه بأنفسهم) والقثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم وقد يبست نفوسنا فلا نرى إلا هذا المن فبكوا فغضب الله عليهم وسأله موسى العفو فعفا عنهم، وأرسل عليهم السلوى فادخروا منها طعام شهر كامل» (٢). والقصص القرآنى ليست كغيرها من القصص، فأحداثها واقع تاريخى يخلو من المبالغات والأوهام والأباطيل، وقد تكون مجملة مرة، ومفصلة مرة أخرى، ولكن تختلف صياغتها فى كل مرة من هذه المرات تبعا للهدف الذى يسعى إليه السياق، ووحدة الحدث والوحدة العامة تغنيان عن تفاصيل كثيرة،

стр. 95

ولا يلعب الترتيب الزمنى فيها شرطا بارزا، وغالبا ما يعقب أحداث القصة تعليل واضح مظهرا الجزاء أو العاقبة. ومن وجوه الإعجاز فى القصص القرآنى أن عرب الجزيرة العربية قبل الإسلام لم يعرفوا هذه القصص، لا فى أخبارها، ولا فى أسلوبها. وإذا كان بعض هذه الأخبار قد وصل إليهم، فقد كان عن طريق اليهود والمسيحيين من ساكنى الجزيرة العربية، وبعض التجار الذين كانوا ينتقلون بين أرجائها، وتناقلتها الأفواه، وتشويش الحقائق فيها ظاهر، والأكاذيب والتحريف والمعتقدات الفاسدة تملؤها. وقد تكون فى القصص القرآنى تسلية للنبى ﷺ ، وتثبيت فؤاده، وتثبيت قلوب المؤمنين معه، وقد يكون فيها كذلك شحذ للهمم أو استرواح للنفوس، ولكن يتحقق كل ذلك من خلال عرض حقائق معجز فى أسلوبه، مقنع فى عظاته، تتعدد فيه ألوان البيان الصافى أيا ما كانت صور التكرار. وقد قرأنا فى المثال السابق قصة موسى مع اليهود الذين خرجوا معه، وعدم صبرهم على طعام واحد، وفى المثال التالى جزء آخر من قصة موسى ﵇ وهو لم يزل فى المهد، وقد حرص ابن عاشور على بيان ما تضمنه من موعظة وذكرى. جاء فى تفسير قوله تعالى: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ سورة القصص: الآية ١٣. «وموضع العبرة من هذه القصة أنها تتضمن أمورا ذات شأن فيها ذكرى للمؤمنين وموعظة للمشركين.

стр. 96

فأول ذلك وأعظمه: إظهار أن ما علمه الله وقدره هو كائن لا محالة كما دلّ عليه قوله وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ (١) إلى قوله يَحْذَرُونَ وإن الحذر لا ينجى من القدر. وثانيه: إظهار أن العلو الحق لله تعالى وللمؤمنين وأن علو فرعون لم يغن عنه شيئا فى دفع عواقب الجبروت والفساد ليكون فى ذلك عبرة لجبابرة المشركين من أهل مكة. وثالثه: أن تمهيد القصة بعلو فرعون وفساد أعماله مشير إلى أن ذلك هو سبب الانتقام منه والأخذ بناصر المستضعفين ليحذر الجبابرة سوء عاقبة ظلمهم وليرجوا الصابرون على الظلم أن تكون العاقبة لهم. ورابعه: الإشارة إلى حكمة وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (٢) فى جانب بنى إسرائيل وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ (٣) فى جانب فرعون إذ كانوا فرحين باستخدام بنى إسرائيل وتدبير قطع نسلهم. وخامسه: أن إصابة قوم فرعون بفئة من قبل من أملوا منه النفع أشد عبرة للمعتبر وأوقع حسرة على المستبصر، وأدل على أن انتقام الله يكون أعظم من انتقام العدو، كما قال فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً مع قوله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً (٤).

стр. 97

وسادسه: أنه لا يجوز بحكم التعقل أن تستأصل أمة كاملة لتوقع مفسد فيها، لعدم التوازن بين المفسدين، ولأن الإحاطة بأفراد أمة كاملة متعذرة فلا يكون المتوقع فساده إلا فى جانب المغفول عنه من الأفراد فتحصل مفسدتان هما: أخذ البرىء وانفلات المجرم. وسابعه: تعليم أن الله بالغ أمره بتهيئة الأسباب المفضية إليه، ولو شاء الله لأهلك فرعون ومن معه بحادث سماوى ولما قدر لإهلاكهم هذه الصورة المرتبة ولأنجى موسى وبنى إسرائيل إنجاء أسرع، ولكنه أراد أن يحصل ذلك بمشاهدة تنقلات الأحوال ابتداء من إلقاء موسى فى اليم إلى أن يرده إلى أمه فتكون فى ذلك عبرة للمشركين الذى وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (١). وليتوسموا من بوارق ظهور النبى محمد ﷺ ، وانتقال أحوال دعوته فى مدارج القوة أن ما وعدهم به واقع بأخره. وثامنه: العبرة بأن وجود الصالحين من بين المفسدين يخفف من فساد المفسدين، فإن وجود امرأة فرعون كان سببا فى صد فرعون عن قتل الطفل مع أنه تحقق أنه إسرائيلى فقالت امرأته لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً. وتاسعه: ما فى قوله: وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ من الإيماء إلى تذكير المؤمنين بأن نصرهم حاصل بعد حين، ووعيد المشركين بأن وعيدهم لا مفر لهم منه. وعاشره: ما فى قوله: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ من الإشارة إلى أن المرء يؤتى من جهله النظر فى أدلة العقل.

стр. 98

ولما فى هذه القصة من العبر اكتفى مصعب بن الزبير بطالعها عن الخطبة التى حقه أن يخطب بها فى الناس حين حلوا له بالعراق من قبل أخيه عبد الله بن الزبير، مكتفيا بالإشارة مع التلاوة فقال: طسم* تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ* نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ* إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ (وأشار إلى جهة الشام يريد عبد الملك بن مروان) وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ* وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ (وأشار بيده نحو الحجاز، يعنى أخاه عبد الله ابن الزبير وأنصاره) وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما (وأشار إلى العراق يعنى الحجاج) منهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ» (١). ومن قصص صدر الدعوة الإسلامية، ذكر صاحب التحرير والتنوير فى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا سورة الحشر، الآية ٢. «وتفصيل القصة التى أشارت إليها الآية على ما ذكره جمهور أهل التفسير: أن بنى النضير لما هاجر المسلمون إلى المدينة جاءوا فصالحوا النبى ﷺ على أن لا يكونوا عليه ولا له، ويقال: إن مصالحتهم

стр. 99

كانت عقب وقعة بدر لما غلب المسلمون المشركين لأنهم توسموا أنه لا تهزم لهم راية، فلما غلب المسلمون يوم أحد نكثوا عهدهم وراموا مصالحة المشركين بمكة، إذ كانوا قد قعدوا عن نصرتهم يوم بدر (كدأب اليهود فى موالاة القوى) فخرج كعب بن الأشرف وهو سيد بنى النضير فى أربعين راكبا إلى مكة فحالفوا المشركين عند الكعبة على أن يكونوا أعوانا لهم على مقاتلة المسلمين. فلما أوحى إلى رسول الله ﷺ بذلك أمر محمد بن مسلمة أن يقتل كعب بن الأشرف فقتله غيلة فى حصنه فى قصة مذكورة فى كتب السنة والسير. وذكر ابن إسحاق سببا آخر وهو أنه لما انقضت وقعة بئر معونة فى صفر سنة أربع كان عمرو بن أمية الضمرى أسيرا عند المشركين، فأطلقه عامر ابن الطفيل. فلما كان راجعا إلى المدينة أقبل رجلان من بنى عامر وكان لقومهما عقد مع رسول الله ﷺ ، ونزلا مع عمرو بن أمية، فلما ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يحسب أن يثأر بهما من بنى عامر الذين قتلوا أصحاب النبى ﷺ ببئر معونة، ولما قدم عمرو بن أمية أخبر رسول الله ﷺ بما فعل، فقال له رسول الله ﷺ : لقد قتلت قتيلين ولا أدينهما، وخرج رسول الله ﷺ إلى بنى النضير يستعينهم فى دية ذينك القتيلين، إذ كان بين بنى النضير وبنى عامر حلف، وأضمر بنو النضير الغدر برسول الله ﷺ فأمر المسلمين بالتهيؤ لحربهم. ثم أمر النبى ﷺ المسلمين بالسير إليهم فى ربيع الأول سنة أربع من الهجرة، فسار إليهم هو والمسلمين وأمرهم بأن يخرجوا من قريتهم فامتنعوا وتنادوا إلى الحرب ودس إليهم عبد الله بن أبى بن سلول أن لا

стр. 100

يخرجوا من قريتهم وقال: إن قاتلكم المسلمون فنحن معكم ولننصرنكم وإن أخرجتم لنخرجن معكم، فدربوا على الأزقة (أى سدوا منافذ بعضها لبعض ليكون كل درب منها صالحا للمدافعة) وحصنوها، ووعدهم أن معه ألفين من قومه وغيرهم وأن معهم قريظة وحلفاءهم من غطفان من العرب، فحاصرهم النبى ﷺ وانتظروا عبد الله بن أبى بن سلول وقريظة وغطفان أن يقدموا إليهم ليردوا عنهم جيش المسلمين، فلما رأوا أنهم لم ينجدوهم قذف الله فى قلوبهم الرعب، فطلبوا من النبى ﷺ الصلح فأبى إلا الجلاء عن ديارهم وتشارطوا على أن يخرجوا، ويحمل كل ثلاثة أبيات منهم حمل بعير مما شاءوا من متاعهم، فجعلوا يخربون بيوتهم ليحملوا معهم ما ينتفعون به من الخشب والأبواب. فخرجوا فمنهم من لحق بخيبر، وقليل منهم لحقوا ببلاد الشام فى مدن (أريحا) وأذرعان من أرض الشام وخرج قليل منهم إلى الحيرة» (١). فى الأمثلة السابقة- وفى غيرها- لم ينفصل تفسير القصص القرآنى عن السياق، ولم يجعل ابن عاشور للقصة القرآنية قسما خاصا بها كما يفعل كثير من المفسرين كالطبرسى فى مجمع البيان، وابن كثير فى تفسير القرآن العظيم، وكانت تتآذر وسائل كثيرة أخرى عنده لتوضيح المقصود منها، مثل الاستعانة بآيات من سور أخرى مناسبة، وأحاديث وآثار عن الصحابة والتابعين، وأقوال مفسرين ومؤرخين وعلماء، فضلا عن التوراة أو الإنجيل، وقد كان ابن عاشور فى كل ذلك بعيدا عن المبالغات والحشو والإسرائيليات،

стр. 101

حاشدا هذه الوسائل لبيان الصدق التاريخى للقصة القرآنية وإظهار وجوه الإعجاز فيها من حيث الإخبار عن حوادثها وأشخاصها، ومن حيث تكرار بعض عناصرها فى أكثر من سورة، وفى كل مرة نجد لونا جديدا من التصريف البيانى أعجز العرب عن محاكاته، فضلا عن استخلاص العبر والحكم والحث على النظر والتأمل فى نهاية الجبابرة وجزاء المكابرين، وسير الأنبياء وما لاقوه من صنوف الغرور والعنت من أجل التوحيد والعدالة والأخلاق، وانتصار الحق، وانتصار المؤمنين به، وتثبيت قلب الرسول الكريم وقلب من آمن بدعوته. وكان ابن عاشور فى تقديمه كل سورة تتحدث آياتها عن قصة أو أكثر مفصلة أو مجملة يذكر أغراضها وما تحويه من مثل وتذكير وإشعار، ثم يتناول تفسيرها لغة وإعرابا، ثم يسرد أحداثها وما تحويه من إخبار عن حوادث سابقة كقصة أصحاب الأخدود، وأمم غابرة كقوم تبّع وعاد وثمود، وأنبياء يدعون وملوك يستكبرون كقصة فرعون مع موسى ﵇، وأقوام يعاندون ويضمرون الغدر كالمنافقين، وانهيار صفوفهم وتخاذل أعوانهم ثم انتصار مسلمى صدر الدعوة المحمدية عليهم على النحو الذى رأيناه فى المثال الأخير من الأمثلة السابقة. ٧ - التفسير بالناسخ والمنسوخ: يتفق المسلمون على وقوع النسخ فى بعض آيات القرآن الكريم، كما يتفق علماؤهم على أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ فى كتاب الله، «فأول ما ينبغى لمن أحب أن يتعلم شيئا من علم هذا الكتاب الابتداء فى علم الناسخ والمنسوخ اتباعا لما جاء عن أئمة السلف رضى الله عنهم أجمعين، لأن كل من

стр. 102

تكلم فى شىء من هذا الكتاب العزيز ولم يعلم الناسخ والمنسوخ كان ناقصا» (١). ويقول الخوئى: «لا خلاف بين المسلمين فى وقوع النسخ، فإن كثيرا من أحكام الشرائع السابقة قد نسخت بأحكام الشريعة الإسلامية، وإن جملة من هذه الشريعة قد نسخت بأحكام أخرى من هذه الشريعة نفسها» (٢). ويحدد ابن الجوزى المواطن التى يقع فيها النسخ فى القرآن الكريم بقوله: «والنسخ إنما يقع فى الأمر والنهى دون الخبر المحض، والاستثناء ليس بنسخ، ولا التخصيص، وأجاز بعض من لا يعتد بخلافه وقوع النسخ فى الخبر المحض، وسمى الاستثناء والتخصيص نسخا، والفقهاء على خلافه» (٣). وذكر السيوطى: «قال ابن الحصار: إنما يرجع فى النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله- ﷺ أو عن صحابى يقول آية كذا نسخت كذا. قال: وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر، ولا يعتمد فى النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهادا لمجتهدين، من غير نقل صحيح، ولا معارضة بينة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر فى عهده (ص) والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأى والاجتهاد. قال: والناس فى هذا بين طرفى نقيض، فمن

стр. 103

قائل لا يقبل فى النسخ أخبار أحاد العدول، ومن متساهل يكتفى بقول مفسر أو مجتهد والصواب خلاف قولهما» (١). ويفهم من أقوال ابن الحصار فى الفقرة السابقة أن من شروط تحديد الآيات الناسخة والآيات المنسوخة: ١ - الرجوع فى النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله ﷺ . ٢ - يحكم بالنسخ عند وجود تعارض مقطوع به من علم التاريخ الذى يمكن به معرفة الآيات المتقدمة فى النزول عن الآيات المتأخرة أى (أن يكون حكم المنسوخ ثابتا قبل ثبوت حكم الناسخ) (٢). ٣ - قبول أخبار آحاد العدول (٣). ٤ - لا اجتهاد فى النسخ، ولا قبول لقول مفسر واحد فيه، وإنما المعتمد فى ذلك النقل والتاريخ. وفى تفسير ابن عاشور لقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها سورة البقرة: الآية ١٠٦. يقول عن معنى النسخ:

стр. 104

«والنسخ إزالة الشيء بشيء آخر، قاله الراغب، فهو عبارة عن إزالة صورة أو ذات وإثبات غيرها عوض لها، نقول: نسخت الشمس الظل لأن شعاعها أزال الظل وخلفه فى موضعه، ونسخ الظل الشمس كذلك لأن خيال الجسم الذى حال بين الجسم المستنير وبين شعاع الشمس الذى أناره قد خلف الشعاع فى موضعه، ويقال نسخت ما فى الخلية من النحل والعسل إلى خلية أخرى، وقد يطلق على الإزالة فقط دون تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر، وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص، وهو إثبات المزيل، وأما أن يطلق على مجرد إثبات فلا أحسبه صحيحا فى اللغة، وإن أو همه ظاهر كلام الراغب، وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا أخططت أمثال حروفه فى صحيفتك إذا وجدوه إثباتا محضا، لكن هذا توهم لأن يطلق النسخ على محاكاة حروف الكتاب بإطلاق مجازى بالصورة أو تمثيله بتشبيه الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلى إلى الكتاب المنتسخ، ثم جاءت من ذلك النسخة، قال تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١) وقال وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ (٢) وأما قولهم الولد نسخة من أبيه فمجاز على مجاز، ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة، فلا تقول نسخ الليل النهار لأن الليل ليس بأمر وجودى، بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة من انعدام الجرم المنير» (٣). ويقول فى تفسير الآية السابقة: «والمراد من النسخ هنا الإزالة وإثبات العوض بدليل قوله نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها» (٤).

стр. 105

والمقصود بالإزالة وإثبات العوض تبعا لهذا القول هو رفع حكم شرعى سابق بحكم شرعى آخر متأخر عنه، سواء أكان حكما أخف أم مماثل أم أثقل (١) مراعاة لمصلحة العباد. وما تحتاجه الدعوة من تدرج وتأسيس. ويقول صاحب التحرير والتنوير فى تفسير قوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ سورة النحل، الآية ١٠١. «فيشمل التبديل نسخ الأحكام مثل نسخ قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها (٢) بقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٣) لأن نسخ الأحكام إنما كثر بعد الهجرة حين تكونت الجامعة الإسلامية. وأما نسخ التلاوة فلم يرد من الآثار ما يقتضى وقوعه فى مكة فمن فسر به الآية كما نقل عن مجاهد فهو مشكل». وقوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ... الآية وهى من سورة الإسراء، وكان نزولها فى مكة، وقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ... الآية، وهى من سورة الحجر مكية أيضا، والنسخ إنما كثر فى السور المدينة حيث

стр. 106

تختلف فى مميزاتها عن السور المكية من حيث الأسلوب والخصائص والظروف، وكون الآية الثانية ناسخة للأولى فهو نسخ الحكم وبقاء التلاوة، وأما نسخ التلاوة وبقاء الحكم فليس هناك- كما ذكر ابن عاشور- مما يؤيده من آثار تقتضى وقوعه، وما نقل عن مجاهد فى هذا الشأن مما يوجب التباسا فى الفهم. ويشمل التعارض بالعموم والخصوص ونحو ذلك من التعارض الذى يحمل بعضه على بعض، فيفسر بعضه بعضا، ويؤول بعضه بعضا، كقوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ (١) فى سورة الشورى مع قوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (٢) فى سورة المؤمنين فيأخذوا بعموم وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فيزعمونه إعراضا عن أحد الأمرين إلى الأخير منهما. وكذلك قوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (٣) يأخذون من ظاهره أنه أمر بمشاركتهم فإذا جاءت آيات بعد ذلك لدعوتهم وتهديدهم زعموا أنه انتقض كلامه وبدا له ما لم يكن يبدو له من قبل. وكذلك قوله تعالى: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ (٤) مع آيات وصف عذاب المشركين وثواب المؤمنين.

стр. 107

وكذلك قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (١) مع قوله تعالى لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ (٢) ومن هذا ما يبدو من تخالف بادئ الأمر كقوله بعد ذكر خلق الأرض ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ (٣) فى سورة فصلت مع قوله تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٤) من سورة النازعات، فيحسبونه تناقضا مع الغفلة عن محمل" بعد ذلك"، من جعل (بعد) بمعنى (مع) وهو استعمال كثير، فهم يتوهمون التناقض مع جهلهم أو تجاهلهم بالوحدات الثمانية المقررة فى المنطق. فالتبديل فى قوله تعالى" بَدَّلْنا" هو التعويض ببدل، أو عوض. والتعويض لا يقتضى إبطال المعوض- بفتح الواو- بل تقتضى أن يجعل شىء عوضا عن شىء. وقد يبدو للسامع أن مثل لفظ المعوض- بفتح الواو- جعل عوضا عن مثل لفظ العوض- بالكسر- فى آيات مختلفة باختلاف الأغراض من تبشير وإنذار أو ترغيب وترهيب، أو إجمال وبيان، فيجعله الطاعنون اضطرابا لأن مثله قد كان بدل ولا يتأملون فى اختلاف الأغراض» (٥). ويدفع ابن عاشور تلك الدعاوى الباطلة التى قالها المشركون، فإذا نزلت آية ما، ثم أنزل الله آية أخرى يحمل معناها تعارضا على النحو الذى ذكره مفسرنا، أبدوا سخطهم وأظهروا سخريتهم، وقالوا على ما حكت الآية

стр. 108

عنهم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ ظانين ظنا فاسدا أن محمدا ﷺ أتى بهذا القرآن من عند نفسه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، فالقرآن يفسر بعضه بعضا، ويؤول بعضه بعضا، وهم يجهلون اختلاف المقامات والأحوال من لين وترغيب وشدة وترهيب وعموم وخصوص، ويعتقد هؤلاء المشركون أن ذلك تناقضا، هيأ لهم ذلك جهلهم وتعلقهم بضلالهم، أو يتعمدون المكابرة أمام الحقائق ويخلطون بينها دون اعتبار لوجوه الخطاب واختلاف المرامى، وبعد أن يرد ابن عاشور هذه المطاعن يبين المقصود من" بَدَّلْنا" فى الآية الكريمة السابقة، حيث ذكر أن المعنى هو التعويض ببدل أى عوض، ولا يعنى ذلك إبطال المعوض" بالفتح" بل هو قائم وقد يكون مما نسخ خطه وبقى حكمه، أو ما نسخ حكمه وبقى خطه تبعا لمقتضيات الخطاب (١). ومن أمثلة ما ذكره فى رفع حكم آية وبقاء تلاوتها فى قوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٢). «قال المفسرون على أن هذه الآية ناسخة للتى قبلها فسقط وجوب تقديم الصدقة لمن يريد مناجاة الرسول- ﷺ وروى ذلك عن ابن عباس واستبعده ابن عطية» (٣).

стр. 109

وفى تفسير قوله تعالى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (سورة الأنعام، الآية ١٤١). ذكر ابن عاشور: «وإنما أوجب الله الحق فى الثمار والحب يوم الحصاد؛ لأن الحصاد إنما يراد للادخار، وإنما يدخر المرء ما يريده للقوت، فالادخار هو فطنة الغنى الموجبة لإعطاء الزكاة، والحصاد مبدأ تلك المظنة، فالذى ليست له إلا شجرة أو شجرتان، فإنما يأكل ثمرها مخضورا قبل أن ييبس، فلذلك رخصت الشريعة لصاحب الثمرة أن يأكل من الثمر إذا أثمر، ولم توجب عليه إعطاء حق الفقراء إلا عند الحصاد، ثم إن حصاد الثمار، وهو جذاذها، فهو قطعها لادخارها، وأما حصاد الزرع فهو قطع السنبل من جذور الزرع ثم يفرك الحب الذى فى السنبل ليدخر، فاعتبر ذلك الفرك بقية للحصاد، ويظهر من هذا أن الحق إنما وجب فيما يحصد من المذكورات مثل الزبيب والتمر والزرع والزيتون، من زيته أو من حبه بخلاف الرمان والفواكه.

стр. 110

وعلى القول المختار: فهذه الآية غير منسوخة، ولكنها مخصصة ومبينة بآيات أخرى وبما يبينه النبى- ﷺ فلا يتعلق بإطلاقها، وعن السدى أنها نسخت بآية الزكاة، يعنى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً (١) وقد كان المتقدمون يسمون التخصيص نسخا» (٢). وعلى هذا النحو اعتبر ابن عاشور قوله تعالى كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ... الآية غير منسوخة، إنما هى مخصصة ومبيّنة بآيات أخرى وبما قام ببيانه ﷺ ، ومن ثم فإن ما روى عن السدى فى كون هذه الآية منسوخة يرجع إلى أن المتقدمين كانوا يسمون التخصيص نسخا. وفى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (سورة البقرة الآية ٦٢). ذكر ابن عاشور: «ومعنى من آمن بالله، الإيمان الكامل، وهو الإيمان برسالة محمد ﷺ بقرينة المقام وقرينة قوله وَعَمِلَ صالِحاً إذ شرط قبول الأعمال الإيمان الشرعى، لقوله تعالى ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وقد عدّ عدم الإيمان برسالة محمد ﷺ بمنزلة عدم الإيمان بالله لأن مكابرة
следующие страницы →