٥٥ - سورة الرحمن
- في قوله تعالى: (وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ) الآية: ٦٢.
عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال:
«جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبر على وجهه، في جنة عدن» (١).
٥٩ - سورة الحشر
- في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الآية: ٩.
عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجل لرسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله، أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهنّ شيئا، فقال رسول الله ﷺ : «ألا رجل يضيّفه هذه الليلة، يرحمه الله».
فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله ﷺ ، لا تدّخريه شيئا، قال: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوّميهم وتعالي، فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله ﷺ ، فقال:
«لقد عجب الله ، أو: ضحك من فلان وفلانة»، فأنزل الله : (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ) (٢).
стр. 107
٦١ - سورة الصف
- وفي قوله تعالى: (وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ) الآية: ٦.
عن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» (١).
٦٢ - سورة الجمعة
- في قوله تعالى: (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
الآية: ٣.
عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ ، فأنزلت عليه سورة الجمعة (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) قال: قلت من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا، وفينا سلمان الفارسي، وضع رسول الله ﷺ يده على سلمان، ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجال، أو رجل من هؤلاء» (٢).
٦٣ - سورة المنافقون
- في قوله تعالى: (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) الآية: ١.
стр. 108
عن زيد بن أرقم قال: كنت في غزاة، فسمعت عبد الله بن أبيّ يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي ﷺ ، فدعاني فحدّثته، فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أبيّ وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذّبني رسول الله وصدّقه، فأصابني همّ لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ) فبعث إليّ النبي ﷺ فقرأ فقال: «إن الله صدّقك يا زيد» (١).
- وفي قوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)
الآية: ٨.
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار (٢)، فقال الأنصاري:
يا للأنصار، وقال المهاجريّ: يا للمهاجرين، فسمّعها الله رسوله ﷺ ، قال: «ما هذا».
فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار.
فقال ﷺ : «دعوها فإنها منتنة».
قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي ﷺ أكثر، ثم كثر المهاجرين بعد، فقال عبد الله بن أبيّ: أو قد فعلوا، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله
стр. 109
عنه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، قال النبي ﷺ :
«دعه، لا يتحدّث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» (١).
٦٥ - سورة الطلاق
- في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) الآيتان: ١ - ٢.
عن سالم: أن عبد الله بن عمر ﵄ أخبره: أنه طلّق امرأته وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله ﷺ ، فتغيّظ فيه رسول الله ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلّقها فليطلّقها طاهرا قبل أن يمسّها، فتلك العدّة كما أمره الله» (٢).
٦٦ - سورة التحريم
- في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الآية: ١.
عن ابن عباس ﵄ قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجّا فخرجت معه، فلما رجعت وكنا ببعض الطريق، عدل إلى الأراك لحاجة له، قال: فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه فقلت:
стр. 110
يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ من أزواجه، فقال:
تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم خبّرتك به.
قال: ثم قال عمر: والله إن كنّا في الجاهلية ما نعدّ للنساء أمرا، حتى أنزل الله فيهنّ ما أنزل وقسم لهنّ ما قسم، قال: فبينا أنا في أمر أتأمّره إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، قال: فقلت لها: مالك ولما هاهنا، فيما تكلّفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجبا لك يا ابن الخطاب، ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتى يظلّ يومه غضبان.
فقام عمر، فأخذ رداءه مكانه حتى دخل على حفصة فقال لها:
يا بنيّة إنك لتراجعين رسول الله حتى يظلّ يومه غضبان؟
فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه، فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله، وغضب رسول الله ﷺ ، يا بنيّة لا تغرنك هذه التي أعجبها حسنها حبّ رسول الله ﷺ إياها، يريد عائشة.
قال: ثم خرجت حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها فكلّمتها، فقالت أم سلمة: عجبا لك يا ابن الخطاب، دخلت في كل شيء، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه، فأخذتني والله أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها، وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوّف ملكا من ملوك غسان، ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدقّ الباب، فقال: افتح افتح، فقلت: جاء الغسّاني؟ فقال: بل أشدّ من ذلك، اعتزل رسول الله ﷺ أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة،
стр. 111
فأخذت ثوبي فأخرج حتى جئت، فإذا رسول الله في مشربة (١) له، يرقى عليها بعجلة، وغلام لرسول الله أسود على رأس الدرجة، فقلت له: قل هذا عمر بن الخطاب، فأذن لي، قال عمر: فقصصت على رسول الله هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسّم رسول الله، وإنه عند رجليه قرظا مصبوبا (٢)، وعند رأسه أهب (٣) معلّقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: «ما يبكيك»؟ فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله؟!
فقال: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة» (٤).
٦٨ - سورة القلم
- في قوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ) الآية: ١.
عن عطاء بن أبي رباح قال: لقيت الوليد بن عبادة بن الصامت فقال: حدثني أبي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب فجرى بما هو كائن إلى الأبد» (٥).
٧٢ - سورة الجنّ
- في قوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً) الآية: ١.
عن ابن عباس ﵄ قال: انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين
стр. 112
خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين، فقالوا:
ما لكم؟
فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قال:
ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فانطلقوا، فضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء، قال: فانطلق الذين توجّهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن تسمّعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا (إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) وأنزل الله على نبيه ﷺ : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ)، وإنما أوحي إليه قول الجن (١).
٧٤ - سورة المدثر
- في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) الآيات: ١ - ٣.
عن يحيى بن أبي كثير: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن، عن أول ما نزل من القرآن، قال: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)، قلت يقولون: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (٢)، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله ﵄ عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدّثك إلا ما حدّثنا رسول الله ﷺ .
قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا،
стр. 113
ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني، وصبّوا عليّ ماء باردا، قال: فدثّروني وصبّوا عليّ ماء باردا، قال: فنزلت: (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)» (١).
٧٩ - سورة النازعات
- في قول الله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها) الآيات: ٤٢ - ٤٦.
عن سهل بن سعد ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ قال بإصبعيه هكذا، بالوسطى والتي تلي الإبهام: «بعثت أنا والساعة كهاتين» (٢).
٨٠ - سورة عبس
- في قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) الآيات: ١ - ١٠.
عن عائشة ﵂ قالت: أنزل (عَبَسَ وَتَوَلَّى) في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله ﷺ فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول: أترى بما تقول بأسا، فيقال: لا، ففي هذا أنزل (٣).
стр. 114
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال:
«تحشرون حفاة عراة غزلا (١)»، فقالت امرأة: أيبصر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: «يا فلانة (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)» (٢).
٨٣ - سورة المطففين
- في قول الله تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) الآية: ٦.
عن عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: «(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (٣).
- وفي قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) الآية: ١٤.
عن أبي هريرة ﵁: عن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الرّان الذي ذكر الله (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ)» (٤).
٨٤ - سورة الانشقاق
- في قوله تعالى: (فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً) الآية: ٨.
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «ليس أحد يحاسب إلا هلك»، قالت: قلت: يا رسول الله، جعلني الله فداءك، أليس يقول الله : (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً)
стр. 115
قال: «ذاك العرض يعرضون، ومن نوقش الحساب هلك» (١).
٨٥ - سورة البروج
- في قوله تعالى: (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) الآيات: ١ - ٣.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شر إلا أعاذه الله منه» (٢).
- وفي قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) الآيات: ٤ - ٨.
عن صهيب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليّ غلاما أعلّمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلّمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه.
وكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل:
حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو على ذلك إذا أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم، الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟
стр. 116
فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره.
فقال له الراهب:
أي بني! أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى أنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدلّ عليّ.
وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء.
فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال:
ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله تعالى.
فإن آمنت بالله تعالى دعوت الله فشفاك. فآمن بالله تعالى، فشفاه الله تعالى.
فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟
قال: ربي.
قال: ولك رب غيري؟
قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الغلام، فجيء بالغلام حتى دلّ على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقّه حتى وقع شقاه.
ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه.
стр. 117
ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه.
فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل بأصحابك؟
فقال: كفانيهم الله تعالى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور (١) وتوسّطوا به البحر، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه.
فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا.
وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: ما هو؟
قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني.
فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه فمات.
فقال الناس: آمنا برب الغلام، فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك.
قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك، فخدّت وأضرم فيها
стр. 118
النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له: اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبيّ لها، فتقاعست أن تقع فيها.
فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق» (١).
٨٨ - سورة الغاشية
- في قوله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ).
عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (٢)» ثم قرأ هذه الآيات.
٨٩ - سورة الفجر
- في قوله تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) الآية: ٣.
عن عمران بن حصين: أن النبي ﷺ سئل عن الشفع والوتر، فقال:
«هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر» (٣).
٩١ - سورة الشمس
- في قوله تعالى: (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها) الآية: ١٢.
عن عبد الله بن زمعة: أنه سمع النبي ﷺ يخطب، وذكر الناقة والذي عقر، فقال رسول الله ﷺ : «(إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها): انبعث لها رجل عزيز عارم، منيع في رهطه، مثل أبي زمعة».
стр. 119
وذكر النساء فقال: «يعمد أحدكم يجلد امرأته جلد العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه» (١).
٩٢ - سورة الليل
- في قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى)
الآيات: ٥ - ١٠.
عن علي ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ ، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكّس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: «ما منكم من أحد، وما من نفس منفوسة، إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة».
قال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟
قال: «أما أهل السعادة فيسيرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فيسيرون لعمل أهل الشقاء»، ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى ... ) (٢).
٩٣ - سورة الضحى
- في قول الله تعالى: (وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى) الآيتان: ١ - ٢.
عن جندب بن سفيان ﵁ قال: اشتكى رسول الله ﷺ ، فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إني لأرجو
стр. 120
أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله : (وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) (١).
٩٦ - سورة العلق
- في قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) الآيات: ١ - ٥.
عن عائشة ﵂ قالت: كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يلحق بغار حراء، فيتحنّث فيه- قال: والتحنث: التعبّد- الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزوّد بمثلها، حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال رسول الله: «ما أنا بقارئ»، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال:
اقرأ: قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ... )» الآيات.
فرجع بها رسول الله ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: «زملوني، زملوني» فزملوه حتى ذهب عنه الروع، قال لخديجة: «أي خديجة، ما لي، لقد خشيت على نفسي» فأخبرها الخبر، قالت خديجة: كلا، أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدا، فو الله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق.
стр. 121
فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، قال ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟
فأخبره النبي ﷺ خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا- ذكر حرفا- قال رسول الله: «أو مخرجيّ هم»؟!.
قال ورقة: نعم، لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك حيا أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله ﷺ (١).
- وفي قوله تعالى: (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) الآيتان: ١٥ - ١٦.
قال ابن عباس ﵄: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلّي عند الكعبة لأطأنّ على عنقه.
فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «لو فعله لأخذته الملائكة» (٢).
وفي رواية الترمذي عن ابن عباس أيضا قال: كان النبي ﷺ يصلّي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟
فانصرف النبي فزبره (٣)، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله: (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ) (٤).
стр. 122
فقال ابن عباس: فو الله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله (١).
٩٩ - سورة الزلزلة
- في قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها) الآية: ٤.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها) قال: «أتدرون ما أخبارها؟».
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها» (٢).
١٠٢ - سورة التكاثر
- في قوله تعالى: (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ).
الآيتان: ١ - ٢.
عن مطرّف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه: أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو يقرأ: (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) قال: «يقول ابن آدم: ما لي مالي، وهل لك من مالك إلا ما تصدّقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت» (٣).
- وفي قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) الآية: ٨.
قال الزبير بن العوام: لما نزلت هذه الآية، قلت: يا رسول الله فأي
стр. 123
النعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: «أما إنه سيكون» (١).
١٠٨ - سورة الكوثر
- في قوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) الآية: ١.
عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء، قال: «أتيت على نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفا، فقلت:
ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر» (٢).
وفي رواية أخرى، عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟
قال: «أنزلت عليّ آنفا سورة» فقرأ: (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ).
ثم قال: «أتدرون ما الكوثر»؟
فقلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: «فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ماذا أحدثوا بعدك» (٣).
١١٠ - سورة النصر
- في قوله تعالى: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً) الآيتان: ١ - ٢.
стр. 124
عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأوّل القرآن (١).
- وفي قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) الآية: ٣.
عن ابن عباس ﵄ قال:
كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟
فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم.
قال: ما تقولون في قول الله تعالى: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا.
فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟
فقلت: لا.
قال: فما تقول؟
قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له، قال: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) وذلك علامة أجلك (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول (٢).
стр. 125
١١٢ - سورة الإخلاص
- في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عن أبي هريرة ﵁:
عن النبي ﷺ قال: «قال الله: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد» (١).
وفي رواية أخرى عن أبي العالية أن النبي ﷺ ذكر آلهتهم فقالوا:
انسب لنا ربك، قال؛ فأتاه جبريل بهذه السورة (٢).
١١٣ - سورة الفلق
- في قوله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ) عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ نظر إلى القمر، فقال: «يا عائشة! استعيذي بالله من شرّ هذا؟ فإن هذا الغاسق إذا وقب» (٣).
١١٤ - سورة الناس
- عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي ﷺ قال: «قد أنزل عليّ آيات لم ير مثلهنّ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) إلى آخر السورة، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) إلى آخر السورة» (٤) ..
...
стр. 126
الباب الثالث واقع المسلمين مع سنّة رسول الله ﷺ
стр. 127
الباب الثالث واقع المسلمين مع سنّة رسول الله ﷺ قال العلامة الراغب الأصفهاني (ت: ٤٢٥ هـ) رحمه الله تعالى:
فالسنن: جمع سنّة، وسنّة الوجه: طريقته، وسنّة النبي ﷺ :
طريقته التي كان يتحرّاها، وسنّة الله تعالى: قد تقال لطريقة حكمته، وطريقة طاعته، نحو: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (١) (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (٢).
فتنبيه أن فروع الشرائع- وإن اختلف صورها- فالغرض المقصود منها لا يختلف ولا يتبدّل، وهو تطهير النفس، وترشيحها للوصول إلى ثواب الله تعالى وجواره (٣).
إذا:
تعتبر السنّة النبوية- قولا وتقريرا وفعلا- هي التفسير العملي للقرآن الكريم، حيث كان ﷺ يفسّر القرآن حسب الحاجة، ويبيّن المراد والمدلول في حال السؤال، أو حدوث واقعة ما تتطلب ذلك.
وهذا المنهج القرآني، والذي فصّله رسول الله ﷺ في كل حركاته، نراه واضحا مجسدا في: سفره وحضره، ويقظته ونومه، وحياته العامة
стр. 128
بل والخاصة، مع الله ومع عباد الله، مع زوجاته وأولاده وأحفاده، في السوق وفي المسجد، بين الأعراب والأحباب، في سلمه وحربه، أثناء قيادة الجيش، وأثناء المزاح وما إلى هنالك.
ولذلك ليس لرسول الله ﷺ حياة خاصة، وليس هنالك دوائر حمراء يمنع تجاوزها، أبدا، بل لقد روت نساؤه كل تفصيلات حياته البيتية، وذلك من منظور إلهي: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (١).
وبالتالي فلا غنى للفقه والتشريع عن السنة النبوية، لأنها المصدر الثاني بعد القرآن الكريم، ورحم الله الإمام الأوزاعي عند ما قال:
الكتاب أحوج إلى السنّة من السنة إلى الكتاب.
ورحم الله أبا حنيفة عند ما قال: آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنّة رسول الله ﷺ ، فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنّة رسوله أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وابن المسيب، فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا.
ورحم الله الشافعي عند ما قال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنّة رسول الله، ودعوا ما قلت.
كل هذا مأخوذ من قول الله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٢).
لكن هل هذا الكلام يسري على كل الأحاديث النبوية؟!
أبدا، فهناك أحاديث صحيحة وأخرى ضعيفة، وهناك أحاديث
стр. 129
موضوعة أو باطلة، فما هو العمل أمام ذلك كله؟!
لقد وضع المحققون من العلماء ضوابط دقيقة لحسن فهم السنة النبوية، أهمها (١):
١ - فهم السنة النبوية في ضوء القرآن الكريم:
فمهمة السنة أنها شارحة للقرآن، ومهمة الرسول أن يبين للناس ما نزل إليهم، وما كان للبيان أن يناقض المبيّن، ولا للفرع أن يعارض الأصل، فالبيان النبوي يدور أبدا
في فلك الكتاب العزيز لا يتخطاه.
لهذا كان حديث (الغرانيق) المزعوم مردودا بلا ريب، لأنه مناف للقرآن، ولا يتصور أن يجيء في سياق يندّد فيه القرآن بالآلهة المزيفة حيث يقول: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى) (٢).
فكيف يعقل أن تدخل في سياق هذا الإنكار والتنديد والأصنام كلمات تمتدحهن، وتقول: (تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى)؟!
وكان حديث (شاوروهنّ وخالفوهنّ) في شأن النساء باطلا مكذوبا لأنه مناف لقوله تعالى في شأن الوالدين مع رضيعهما: (فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما) (٣).
٢ - جمع الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد:
بحيث يرد متشابهها محكمها، ويحمل مطلقها على مقيدها،
стр. 130
ويفسر عامها بخاصها، ليتضح المعنى المراد منها، ولا يضرب بعضها ببعض.
مثال ذلك: في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ :
«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان، الذي لا يعطي شيئا إلا منّة، والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب، والمسبل إزاره».
هذا كلام عام، فهل كل من أطال إزاره، ولو كان على سبيل العادة التي عليها قومه، دون أن يكون من قصده كبر أو خيلاء؟ هل يعتبر مسبلا إزاره، وبالتالي يدخل تحت أصناف هذا الحديث النبوي؟
أبدا، فهناك أحاديث صحيحة تحدد المسألة، من ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار».
وهكذا نفهم أن الأحاديث التي تمنع إسبال الإزار مقيدة بالخيلاء والتكبّر على الناس.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: إن هذا الإطلاق- يعني في حديث المسبل- محمول على ما ورد من قيد (الخيلاء) فهو الذي ورد فيه الوعيد بالاتفاق (١).
٣ - الجمع أو الترجيح بين مختلف الحديث:
فإذا تعارضت أحاديث في مسألة ما مع أحاديث أخرى في المسألة نفسها، فيجب النظر إلى الأحاديث الصحيحة لتقدّم على الضعيفة، مثال ذلك:
ما رواه أبو داود والترمذي عن أم سلمة ﵂ قالت: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن
стр. 131
أمرنا بالحجاب، فقال النبي ﷺ : «احتجبا منه» فقلنا: يا رسول الله، أليس هو أعمى، لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ : «أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه!؟»
وهو حديث ضعيف- في سنده نبهان مولى أم سلمة وهو مجهول- ذكره الذهبي في (المغني في الضعفاء).
ويعارضه حديث في صحيح البخاري:
عن عائشة ﵂ قالت: «رأيت النبي ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد» (١).
قال القاضي عياض: فيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال الأجانب، لأنه إنما يكره لهن النظر إلى المحاسن، والاستلذاذ بذلك.
٤ - فهم الأحاديث في ضوء أسبابها وملابساتها ومقاصدها:
ففي منع المرأة الخروج إلى الحج أو السفر إلا مع محرم، كما في الحديث النبوي: «لا تسافر امرأة إلا ومعها محرم» العلة في ذلك التحريم هو الفتنة والخوف على المرأة، أما وقد أصبح الأمن هو السائد، ففي طائرة أو قطار يتجمع رجال ونساء، فهل تتحقق الخلوة والفتنة؟
أبدا، لذا أجاز الفقهاء للمرأة أن تحج بلا محرم ولا زوج، إذا كانت مع نسوة ثقات، أو في رفقة مأمونة، وهكذا حجت عائشة وطائفة من أمهات المؤمنين في عهد عمر، ولم
يكن معهن أحد من المحارم، بل صحبهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ﵃، كما في صحيح البخاري.
بل قال بعضهم: تكفي امرأة واحدة ثقة.
стр. 132
وقال بعضهم: تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنا، وصححه صاحب المهذب من الشافعية.
وهذا في سفر الحج والعمرة، وطرده بعض الشافعية في الأسفار كلها (١).
٥ - التمييز بين الوسيلة المتغيرة والهدف الثابت للحديث:
فالهدف من السواك هو تنظيف الأسنان، فقد تتغير الوسيلة ليحل محل السواك المعجون والفرشاة، ما دامت تؤدي إلى الهدف ذاته.
فالإمام النووي يرى: بأي شيء استاك مما يزيل التغير حصل الاستياك، كالخرقة والإصبع، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لعموم الأدلة.
٦ - التفريق بين الحقيقة والمجاز في فهم الحديث:
كما في الحديث المتفق عليه: «اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» والمقصود أن الجهاد هو أقرب طريق إلى الجنة.
٧ - التفريق بين الغيب والشهادة:
كما في مسألة النظر إلى نور الله يوم القيامة.
٨ - التأكد من مدلولات ألفاظ الحديث:
كما في مسألة التصوير الفوتوغرافي، أهو حلال أم هو حرام؟
طبعا إذا نظرنا إلى الشيء الظاهر نرى أن التحريم لا يشمل عكس خلق الله، إنما يشمل التحريم شيئا واحدا هو النحت والتجسيم.
... لكن، ماذا فعل المسلمون مع القرآن والسنّة؟ وبالتالي لماذا
стр. 133
تضخّمت كتب التفسير إلى ما عليه اليوم، بينما لم نجد سوى عدد قليل من الروايات الصحيحة التي تحدث فيها الرسول ﷺ عن جوانب تفسير بعض الآيات؟
لعل السبب في ذلك، أننا كمسلمين نقف من السنة النبوية موقفا لا نحسد عليه أبدا، ولعلي ألخص ذلك بهذه الجوانب الثلاثة:
أ- بعض المسلمين في هذه الأيام، نظر إلى السنة النبوية نظرة عجيبة، حيث قارن بين السنّة وبين ما يحمل في قلبه من أهواء وعصبيات، وما ينتمي إليه من جماعات وتحزّبات، ولما يعيشه من دوائر مغلقة.
فإذا رأى أن السنة تعارض أهواءه وعصبياته وما إلى هنالك، سكت عن السنة واتّبع ما تهواه النفس وتطمح إليه!!
وما أكثر الأمثلة على ذلك:
١ - هناك طائفة من الأحاديث الصحيحة المتواترة تحض النساء على زيارة المقابر، زيارة فيها الموعظة والاعتبار، ضمن شروط نصّت عليها كتب الفقه كالحشمة وعدم الاختلاط ونحو ذلك.
لكن بعض الذين لا يعجبهم منظر النساء في الأماكن العامة، سكتوا عن أمثال هذه الأحاديث الصحيحة، وتعلّقوا بأحاديث ضعيفة، أو فيها علل وما إلى هنالك، حيث أطلقوا صيحات: لعن الله زوّارات المقابر!!
٢ - هناك أحاديث صحيحة وحسنة متواترة تشجع النساء على حضور الجمع والجماعة والأعياد ونحو ذلك، لكن بعض المتعقّدين من العلاقة مع النساء سكتوا عن هذه الأحاديث، واختبئوا وراء أحاديث ضعيفة أو أقوال لبعض العلماء في العصر العباسي أو العثماني، ليقولوا إن السنة تمنع النساء من حضور أمثال تلكم المجالس!!
стр. 134
ورسول الله ﷺ قال في الحديث الصحيح: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» والرسول حدّد للنساء بابا مستقلا في مسجده الشريف!
والرسول حض الرجال على الوقوف في الصفوف الأولى، بينما حضّ النساء على الوقوف في الصفوف الخلفية، لأنه لم يكن هناك ما يفصل النساء عن الرجال في مسجده إلا بعض صفوف الأولاد!
والرسول خفف كثيرا من الصلوات، عند ما سمع بكاء صغير، فخاف أن تفتن أمه؛ كل هذا في مسجده الطاهر!!
وفي زمن الرسول صلّت النساء جماعة، أكثر من (١٧) سبعة عشر ألف صلاة!
لكن ماذا حدث بعد ذلك؟
سكت المتشددون عن أمثال هذه الأحاديث، وأخرجوا للناس أحاديث تحض المرأة على أن تصلي في بيتها، بل في المكان المظلم الموحش، بل في لباس رثّ!!
فخالفوا الأحاديث الواردة في الصحاح، وطبّلوا وزمّروا لحديث ورد عن ابن خزيمة: عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أحبّ الصلاة معك، قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي»!!
قال الراوي: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله !
لكن العلماء قالوا: يعتبر الحديث شاذا إذا كان الثقة قد خالف
стр. 135
الأوثق، فإذا كان المخالف ليس ثقة بل ضعيفا، فحديثه متروك أو منكر.
وهذا الذي رواه ابن خزيمة يخالف ما ورد في الصحيحين، ويخالف السنة العملية في عهد رسول الله والخلافة الراشدة.
لذلك اعتبر الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى أمثال هذا الحديث- الذي يمنع النساء من الصلاة في المساجد- باطل ومكذوب عن رسول الله.
٣ - منهج القرآن والسنة النبوية تحرمان المغالاة في المهور، مثال ذلك ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: دخل رجل على رسول الله ﷺ فقال: تزوجت امرأة من الأنصار على أربع أواق من الفضة.
قال: «على أربع أواق، كأنكم تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل».
لكن جاء بعضنا إلى أمثال هذه الأحاديث الصحيحة فعرضها على عصبياته وأمزجته وأهوائه ودوائره المغلقة، فسكت عنها وأهملها، وركّز على قصة حدثت في زمن الفاروق عمر ﵁، ولكثرة ما يردّدها الوعاظ والمشايخ فقد حفظناها وفرحنا بها، وملخصها:
أراد الفاروق عمر أن يحدّد المهور، فصعد المنبر وحرّم المغالاة في المهور، وهدّد كل الخارجين عن هذا القرار الصارم.
فقامت امرأة من زاوية المسجد وصاحت: يا عمر، الله يعطينا وأنت تمنعنا، اتق الله يا عمر، ثم استشهدت بقوله تعالى: (وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) (١) فانهزم عمر أمام أقوال المرأة،
стр. 136
ثم اعتذر أمام الناس وهو يقول: أخطأ أمير وأصابت امرأة، كل الناس أفقه منك يا عمر!!
لكن المحققين من العلماء قالوا:
هذه القصة مقطوعة السند، رجالاتها من الضعاف، فهل تقف أمام الأحاديث في الصحاح والسنن؟
كذلك فقد أتت في سياق الحديث عن استبدال الزوجة بزوجة ثانية (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) (١).
ب- الجانب الآخر: هو الخلط بين السنة والعادات، مثال ذلك:
١ - فيما يتعلق بجانب الطعام:
ما زال البعض يصرّ على عدم شرعية الأكل على الطاولة، بل لا بد للمسلم أن يأكل وهو جالس متربعا أو على ساق أو جاثما على الساقين!
كذلك لا يجوز- حسب أقوال هؤلاء المتشددين- استعمال السكين والشوكة في الأكل، مبررين ذلك بحديث روته عائشة ﵂:
لا تقطعوا اللحم بالسكين فإنه من صنع الأعاجم، وانهشوه نهشا فإنه أهنأ وأمرأ!!
لكن ذلك كله كان من عادة العرب، فهل نقول لإنسان هذا الزمن لا بدّ أن تأكل بأصابعك وعلى الأرض؟!
أبدا، فالسنّة: «سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك».
والحديث السابق عن عائشة، قال عنه المحققون من العلماء: إنه
стр. 137
حديث باطل، وبالتالي لم يرد نهي في الأكل على الطاولة، أو بالسكين والشوكة.
إذا: يدخل ذلك ضمن دائرة العفو، وهي ما سكت عنها الشارع رحمة بكم.
٢ - كذلك فيما يتعلق بأمور اللباس:
فالمشهور عند العرب: العمائم تيجان العرب، وكانت الغاية من غطاء الرأس ردّ الحرارة المرتفعة في الجزيرة العربية، وهكذا اختيار الثياب الفضفاضة ذات اللون الأبيض، لأنه كما ثبت علميا أن الأبيض يردّ أشعة الشمس.
فهل نقول لمن يسكن في منطقة باردة جدا- كروسيا مثلا- أنه لا بدّ أن تلبس الثياب البيضاء الفضفاضة؟!
أبدا، فتلك عادة وليست سنة، بينما السنة هي ما وردت في الصحاح: «كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة».
فليس في الإسلام زيّ معين، لا للرجال ولا للنساء، لكن ما أكثر من يشاغب في هذه المسألة وأمثالها، بهدف أن يبرز على أساس أنه يسير على السنّة، وهو في الواقع يخالف السنة القولية والعملية!!
٣ - أما ما يتعلق في المسكن:
فكتب التاريخ والسيرة تبين أن هناك تواضعا في عمارة البيوت أيام الرعيل الأول، لكن لا يعني ذلك أن يخرج بعض المتفيهقين في هذا الزمان ليحرّم كل حديث في البناء: كالبانيو والخلّاطات والأجراس الكهربائية ونحو ذلك.
стр. 138
ذلك لأن الله تعالى قال: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) (١).
وبالتالي لا يوجد حديث صحيح يحرّم أمثال ذلك أبدا، بل على العكس تماما، قد وردت أحاديث صحيحة: «من سعادة ابن آدم ثلاث:
زوجة صالحة، ومسكن صالح، ومركب صالح».
والضابط للمسألة: عدم الإسراف والتبذير، وعدم التكبّر على عباد الله.
ج- الزاوية الثالثة: أن بعض المسلمين جاءوا إلى السنن النبوية، فأخذوا منها ما يناسبهم، وسكتوا عن الأمور التي تخالفهم، وبذلك فعلوا ما فعله بنو إسرائيل في الشريعة التي أنزلت على موسى ﵇، ومن الأمثلة على ذلك:
١ - في كتاب الأدب للبخاري عن أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ كان في حجرتها، فدعا خادمة له، فأبطأت، فاستبان الغضب في وجهه، فقامت أم سلمة إلى الحجاب، فوجدت الخادمة تلعب، ومعه سواك، فقال: «لولا خشية القود- أي القصاص- يوم القيامة لأوجعتك بهذا السواك».
جاء بعض المسلمين إلى هذا الحديث، فقطّعوه إلى قطع، وأخذوا ما يناسبهم وتركوا ما لا يوافق أمزجتهم وأهواءهم، كيف ذلك؟
تحمّسوا لمسألة السواك، وهذا شيء جيد لأنه تطبيق للسنّة، حيث أن النبي ﷺ أكد في أحاديث كثيرة صحيحة على ذلك، كما في قوله:
«لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك».
لكن لماذا سكت هؤلاء عن بقية الحديث النبوي؟
стр. 139
إن البقية الأخرى هي سنّة «لا تغضب» والتي فعلها رسول الله ﷺ وهو يغلّب خوف الله على القصاص.
لكن- وللأسف الشديد- كم في المسلمين من يغضبون وفي جيوبهم السواك، بل كم منهم من يضرب زوجته ويسبّ عائلتها وقد يسبّ الله ذاته، وفي جيبه السواك؟!
أهكذا العيشة مع سنة رسول الله؟!!
٢ - تدخل محلا تجاريا فترى البائع يحمل في يده سبحة طويلة وشفتاه تتحركان وهو يتمتم بكلمات الذكر وما إلى هنالك، فيطمئن قلبك لهذا الوليّ، فتشتري دون أن تلتفت إلى الأسعار ولا إلى البضاعة، فإذا ما وصلت بيتك وفحصت الأغراض وجدته قد غشك غشا لا يفعله مجوسي ولا يهودي!!
علما أن أنس بن مالك ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ :
«يا بني، إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل، وذلك من سنتي، ومن أحب سنتي فقد أحبني».
لكن هؤلاء يتركون السنة المهمة وهي عدم الغش، ويتظاهرون بشكليات تخدع الناس.
٣ - أحد صحابة رسول الله ﷺ وهو الطفيل بن عمرو الدوسي، بعد أن أسلم طلب من رسول الله أن يأذن له للذهاب إلى دعوة قومه، فأذن له وانطلق يدعوهم صباحا ومساء، ومضى الشهر والثاني والثالث ولا مجيب، وعاد إلى الرسول غاضبا: يا رسول الله، ادع على قبيلة دوس.
فرفع الرسول يديه وقال: «اللهم اهد دوسا وائتني بهم مسلمين» ويشاء الله أن تدخل القبيلة في الدين الحنيف، وكان منهم الصحابي أبو هريرة ﵃.
стр. 140
إنها سنة الانفتاح على خلق الله، والدعاء لهم، وحب الهداية والخير لهم، وتتبع كل طرق التيسير والتبشير ونحو ذلك، لكن كثيرا من المسلمين قلبوا السنن ووظفوها بما يخدم أمزجتهم و ... ، فراحوا يطلقون كلمات الزندقة والتفسيق والتكفير، ونظروا للمجتمعات من وراء نظّارات سوداء، وحكموا عليهم أحكاما قاسية ما أنزل الله بها من سلطان، وبذلك خالفوا سنة رسول الله وهم يدّعون حمل سنة رسول الله!!
إذا:
غالبية المسلمين يعيشون فهما غير صحيح عن سنن رسول الله، لذلك كله ابتعدوا عن تفسير رسول الله للقرآن الكريم، ذلكم التفسير الصحيح المسند الجامع المختصر، وراح كل من هبّ ودبّ يخرج تفسيرا، واختلط الحابل بالنابل، وتضخمت كتب التفاسير حتى أصبحت- غالبيتها- تحوي كل شيء إلا التفسير!!
والطامة الكبرى عند ما لجأ بعضهم إلى الإسرائيليات والموضوعات والبدع ونحو ذلك، فحشوا بها تلكم التفاسير، فتاه الناس في هذه الدوامة.
بينما القرآن الكريم، ذلكم الكتاب الذي أنزله الله بلغة العرب، واضحا مبينا، لكن مع هذه التراكمات أصبحت التفاسير بحاجة إلى من يفسرها مرة أخرى، وكأن الهدف هو إظهار الأشياء الصعبة، وإبراز العضلات الفكرية والثقافية، حتى لو كان على حساب القرآن الكريم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!!! ***
стр. 141
خاتمة القسم الأول
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله وإنه بشر يتكلم في الغضب، فذكرت ذلك للرسول فقال: «اكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق».
ذلك لأن السنة وحي من الله: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) (١).
لكن الذي حدث هو ما حذّر منه رسول الله ﷺ ، وذلك في سنن الترمذي: «يوشك الرجل متكئا على أريكة يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه، ألا وإن ما حرّم رسول الله مثل ما حرّم الله».
وقد أكّد هذا الخط الفاروق عمر ﵁ بقوله: إنه سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنة، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله، فالسنة هي التي تفسر القرآن:
فهو المفسّر للقرآن وإنما ... نطق النبيّ لنا به عن ربه
علما أن المسلمين لو بقوا على ما كان عليه الرعيل الأول، من تمسّك بكتاب الله، وبكل ما شرحه وفسّره رسول الله، لما آل الأمر إلى ما نحن عليه.
стр. 142
ذلك الرعيل الأول من هذه الأمة سمع من النبي ﷺ قوله- كما في موطأ الإمام مالك-: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما:
كتاب الله وسنة رسوله، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».
وبالتالي اقتنع الصحابة الأكارم أن رسول الله لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقدّم للناس كل ما فيه النفع والخير، وحذّرهم من كل ما يؤدي بهم إلى الضرر والهلاك، مصداق ذلك قوله صلوات الله عليه:
«ما تركت من شيء يقربكم من الجنة إلا أخبرتكم به، ولا شيء يباعدكم عن النار إلا حذرتكم منه».
وجاء من بعدهم فضبطوا مسألة الرواية عن طريق العلم الدقيق المنضبط، وهو علم السند، وكان ذلك ميّزة لم تصل إليها أمة من الأمم:
قد خصّت الأمة بالإسناد ... وهو من الدّين بلا ترداد
واليوم، وبعد ما رأينا من الموضوعات والإسرائيليات والبدع التي ألحقت بالتفاسير، لا بدّ لنا من صيحة تحذير، ومن ثورة فكرية، ومن نهضة صادقة، لننفض الغبار والتراكمات عن هذا العلم القيّم، ولا يعني ذلك نسف كتب التفاسير ورفضها جملة وتفصيلا، أبدا، فعلماء التفسير قدّموا خدمات جليلة، وتعبوا تعبا لا مثيل له، لكن المسألة تنحصر بإبعاد ما لا يوافق القرآن والسنة والمنهج الشرعي عن كتب التفاسير، وهو من باب التهذيب ليس إلا.
والذي يضبط المسألة ما قال تعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (١) وقوله أيضا: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٢).
стр. 143
فإن وفّقنا لبيان بعض هذه الإسرائيليات فهذا من فضل الله، وإلا فنسأل الله العفو والغفران، مردّدين مع ذلكم الشاعر قوله الرائع الجميل:
أيا من أتى ذنبا وقارف ذلة ... ومن يرتجي الرحمن من الله والقربا
تعاهد صلاة الله في كل ساعة ... على خير مبعوث وأكرم من نبّا
فتكفيك همّا أيّ همّ تخافه ... وتكفيك ذنبا جئت أعظم به ذنبا
ومن لم يكن يفعل فإن دعاءه ... يجد قبل أن يرقى إلى ربه حجبا
عليك صلاة الله ما لاح بارق ... وما طاف بالبيت الحجيج وما لبّا
(رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (١).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ...
стр. 144
القسم الثاني تفسير القرآن الكريم في عهد الصّحابة الأكارم