خاتمة القسم الأول
عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله وإنه بشر يتكلم في الغضب، فذكرت ذلك للرسول فقال: «اكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق».
ذلك لأن السنة وحي من الله: (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) (١).
لكن الذي حدث هو ما حذّر منه رسول الله ﷺ ، وذلك في سنن الترمذي: «يوشك الرجل متكئا على أريكة يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرّمناه، ألا وإن ما حرّم رسول الله مثل ما حرّم الله».
وقد أكّد هذا الخط الفاروق عمر ﵁ بقوله: إنه سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنة، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله، فالسنة هي التي تفسر القرآن:
فهو المفسّر للقرآن وإنما ... نطق النبيّ لنا به عن ربه
علما أن المسلمين لو بقوا على ما كان عليه الرعيل الأول، من تمسّك بكتاب الله، وبكل ما شرحه وفسّره رسول الله، لما آل الأمر إلى ما نحن عليه.
стр. 142
ذلك الرعيل الأول من هذه الأمة سمع من النبي ﷺ قوله- كما في موطأ الإمام مالك-: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما:
كتاب الله وسنة رسوله، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».
وبالتالي اقتنع الصحابة الأكارم أن رسول الله لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا وقدّم للناس كل ما فيه النفع والخير، وحذّرهم من كل ما يؤدي بهم إلى الضرر والهلاك، مصداق ذلك قوله صلوات الله عليه:
«ما تركت من شيء يقربكم من الجنة إلا أخبرتكم به، ولا شيء يباعدكم عن النار إلا حذرتكم منه».
وجاء من بعدهم فضبطوا مسألة الرواية عن طريق العلم الدقيق المنضبط، وهو علم السند، وكان ذلك ميّزة لم تصل إليها أمة من الأمم:
قد خصّت الأمة بالإسناد ... وهو من الدّين بلا ترداد
واليوم، وبعد ما رأينا من الموضوعات والإسرائيليات والبدع التي ألحقت بالتفاسير، لا بدّ لنا من صيحة تحذير، ومن ثورة فكرية، ومن نهضة صادقة، لننفض الغبار والتراكمات عن هذا العلم القيّم، ولا يعني ذلك نسف كتب التفاسير ورفضها جملة وتفصيلا، أبدا، فعلماء التفسير قدّموا خدمات جليلة، وتعبوا تعبا لا مثيل له، لكن المسألة تنحصر بإبعاد ما لا يوافق القرآن والسنة والمنهج الشرعي عن كتب التفاسير، وهو من باب التهذيب ليس إلا.
والذي يضبط المسألة ما قال تعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (١) وقوله أيضا: (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (٢).
стр. 143
فإن وفّقنا لبيان بعض هذه الإسرائيليات فهذا من فضل الله، وإلا فنسأل الله العفو والغفران، مردّدين مع ذلكم الشاعر قوله الرائع الجميل:
أيا من أتى ذنبا وقارف ذلة ... ومن يرتجي الرحمن من الله والقربا
تعاهد صلاة الله في كل ساعة ... على خير مبعوث وأكرم من نبّا
فتكفيك همّا أيّ همّ تخافه ... وتكفيك ذنبا جئت أعظم به ذنبا
ومن لم يكن يفعل فإن دعاءه ... يجد قبل أن يرقى إلى ربه حجبا
عليك صلاة الله ما لاح بارق ... وما طاف بالبيت الحجيج وما لبّا
(رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (١).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ...
стр. 144
القسم الثاني تفسير القرآن الكريم في عهد الصّحابة الأكارم
стр. 145
الباب الأول مع الصحابة الكرام
стр. 146
الفصل الأول ما هي الحاجة إلى تفسير القرآن ؟!
قال العلّامة اللغوي مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي:
(الفسر: الإبانة، وكشف المغطّى، كالتفسير، والفعل كضرب ونصر، ونظر الطبيب إلى الماء، كالتفسرة، أو هي البول، كما يستدل به على المرضى، أو هي مولّدة.
ثعلب: (التفسير والتأويل واحد) أو هو كشف المراد عن المشكل، والتأويل ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر ... ) (١).
والدليل الواضح على أن معنى التفسير هو: الإيضاح والتبيين، قول الله تعالى: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (٢).
وأما تعريف التفسير في الاصطلاح:
فله تعريفات كثيرة، منها ما نسبه الإمام السيوطي إلى المفسّر أبي حيّان الأندلسي (ت: ٧٥٤ هـ) أنه قال: (علم يبحث فيه عن كيفية النّطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حال التركيب، وغير ذلك كمعرفة: النسخ، وسبب النزول، وما به من توضيح المقام كالقصة والمثل) (٣).
стр. 147
وأما شرف التفسير:
(فلا يخفى، قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (١) قال:
المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله.
وبالتالي أجمع العلماء على أن التفسير من فروض الكفايات، وأجلّ العلوم الثلاثة الشرعية.
قال الأصبهاني: أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن، بيان ذلك أن شرف الصناعة إما بشرف موضوعها مثل الصياغة، فإنها أشرف من الدّباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة، وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة.
وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطبّ، فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة، وغرض الكناسة تنظيف المستراح.
وإما لشدة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشدّ من الحاجة إلى الطب، إذ ما من واقعة في الكون في أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه، لأن به انتظام صلاح أحوال الدنيا والدّين، بخلاف الطب، فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات.
إذا عرف ذلك، فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث.
أما من جهة الموضوع: فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، فيه نبأ ما قبلكم وخبر
стр. 148
ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه.
وأما من جهة الغرض، فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى، والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا تفنى.
وأما من جهة شدّة الحاجة، فلأن كل كمال ديني أو دنيوي، عاجليّ أو آجلي، مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتاب الله تعالى) (١).
لكن السؤال المطروح: ما هي الحاجة إلى التفسير؟ خاصة وأن الله أنزل القرآن الكريم واضحا بيّنا؟!
يقول الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى:
(إن القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه، فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر، مع سؤالهم النبي ﷺ في الأكثر، كسؤالهم لما نزل قوله تعالى: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) (٢).
فقالوا: وأيّنا لم يظلم نفسه؟!
ففسّره النبي ﷺ ، واستدل عليه بقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (٣).
وكسؤال عائشة ﵂ عن الحساب، فقال صلوات الله عليه: «ذلك العرض» (٤).
стр. 149
وكقصة عديّ بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود (١) وغير ذلك، ممن سألوا عن آحاد منه، ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر، لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم، فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير، ومعلوم أن تفسيره بعضه يكون من قبل بسط الألفاظ الوجيزة، وكشف معانيها، وبعضه من قبل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض .. ) (٢).
إذا:
لا بدّ من تفرّغ بعض العلماء لتقديم تفاسير مناسبة لكل زمان، حيث يستدلّ الناس من خلالها على كنوز الحكمة وذخائرها، لا أن يهتمّ المسلمون فقط بتنميق المصحف وزركشته و .. ما إلى هنالك؟
فالله أنزله وسيلة هداية، وسبيل تذكر واعتبار، وطريق فوز ونجاح ... وهذا هو السرّ وراء تقدّم السلف الصالح، وهو ذاته السرّ الكامن وراء تخلف الخلق!! ...
стр. 150
الفصل الثاني ماذا تعني الصّحبة ؟
ذهب علماء الحديث في تعريف الصحابي مذهبا مختلفا عن أهل الفقه والأصول، فعرّف ابن كثير ﵀ الصحابي بقوله:
(هو من رأى رسول الله ﷺ في حال إسلام الرّائي، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يرو عنه شيئا) (١).
وجاء تفصيل ذلك أكثر بقولهم: هو من لقي النبي ﷺ يقظة، مؤمنا به، بعد بعثته، حال حياته، ومات على الإيمان.
وزاد أهل الفقه والأصول على تعريف أهل الحديث بقولهم:
(وطالت صحبته، وكثر لقاؤه به، على سبيل التبع له، والأخذ عنه، وإن لم يرو عنه شيئا).
ويتفرّع عن مسألة الصحبة عدّة نقاط، أهمها:
أ- عدالة الصحابة:
عرّف الحافظ السيوطي العدالة بقوله: (هي ملكة- أي: هيئة راسخة في النفس- تمنع من اقتراف كبيرة، أو صغيرة دالّة على الخسّة، أو مباح يخلّ بالمروءة) (٢).
لكن مسألة العدالة بين أخذ وردّ:
стр. 151
فالمعتزلة يرون: (أن الصحابة كلهم عدول إلا من قاتل أمير المؤمنين عليا كرّم الله وجهه ولم يتب عن هذا الصنع) (١).
أما الشيعة فلهم رأي آخر، مفاده: (إن الصحابة قد ارتدّوا جميعا بعد وفاة النبي ﷺ إلا ثلاثة- أي زيادة على آل البيت- وهؤلاء الثلاثة هم: سلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري.
ثم ذكر أن أربعة آخرين قد لحقوا بهم، وهم: عمار بن ياسر، وأبو سلمان الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وأبو عمرة، فصاروا سبعة) (٢).
وأما أهل السنّة والجماعة فيرون:
(أن الصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ ، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل) (٣).
ب- موقفنا مما جرى بين الصحابة من مشاجرات واقتتال !!
رحم الله عمر بن عبد العزيز الذي سئل عن ذلك، فقال: تلك دماء طهّر الله يديّ منها، أفلا أطهّر منها لساني؟!
ثم قال: مثل أصحاب رسول الله ﷺ مثل العيون، ودواء العيون ترك مسّها (٤).
ورحم الله جعفر الصادق حينما قال في ذلك:
стр. 152
أقول ما قاله الله تعالى: (عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى) (١).
ج- حكم سبّ أحد الصحابة !!
ذهب بعض العلماء- وعلى رأسهم ابن تيمية، والنووي، ومالك، و ... - إلى أن من سبّ الصحابة، يتّهم بالفسق والضلال، ويعزّر و ... ، لكن لا يوصله ذلك إلى الكفر.
وذهب البعض الآخر- وعلى رأسهم القرطبي، والرازي، والسرخسي، والحميدي و ... - إلى أن من سبّ صحابة الرسول صلوات الله عليه، أو انتقص في عدالتهم، أو جاهر ببغضهم، يكفر، ويحلّ قتله؛ إلا أن يتوب!!
وذلك لأن اتهامهم بذلك يخالف المنهج القرآني والنبوي، مصداق ذلك قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٢).
ومصداق ذلك قول النبي صلوات الله عليه: «لا تسبّوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» (٣).
وقوله صلوات الله عليه: «إن الله اختارني، واختار لي أصحابا، جعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا، فمن سبّهم فعليه لعنة الله
стр. 153
والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» (١).
د- هل هم متفاوتون في الفضل ؟!
ذكر القرآن الكريم التفاضل بين أنبياء الله تعالى، وذلك في قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) (٢).
وذكر مسألة تفضيل الزمان بعضه على بعض، قال تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (٣).
وكذلك المكان، قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) (٤).
ونبّه البيان الإلهي إلى أن التفضيل يجب أن لا يؤدي إلى الحسد ونحو ذلك.
قال تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (٥).
وهناك خلاف بين العلماء في مسألة أفضلية الصحابة الكرام:
فالرأي الأول يتلخّص (بالإمساك عن الخوض في ذلك، وتفويض الأمر إلى الله وإلى ذلك ذهب الآلوسي وابن أبي الحديد ....
والرأي الثاني: (يجوز الخوض في بيان الأفضل من الصحابة
стр. 154
الكرام)، فأهل السنة يرون أن ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل كترتيبهم في الإمامة ... (١).
هـ- ما هي أهم سمات الصحابة ؟!
هناك طائفة من السمات والخصائص جعلت الصحابة الكرام يتبوءون هذه المكانة المرموقة، وقد ذكر العلامة وحيد الدين خان نماذج منها، وذلك بقوله:
١ - لقد أحبّ الصحابة الدّين أكثر من كل شيء.
٢ - عرفوا الرسول ﷺ قبل شهادة التاريخ له.
٣ - آمنوا في عهد الصّراع: حيث عانوا الأمرّين!
٤ - أنفقوا أموالهم في سبيل دين لم يظهر شأنه بعد.
٥ - آثروه على أنفسهم حتى في السيادة.
٦ - عرفوا حدودهم.
٧ - تساموا عن الحقد والبغض.
٨ - نصروا الدين أكثر مما بايعوا عليه.
٩ - التركيز على الهدف والابتعاد عن الاختلاف.
١٠ - اقتنعوا بالجلوس في مقعد خلفي.
١١ - أعطوا الأمور قدرها وحقها.
١٢ - ارتقوا ارتقاء الشجرة ... (٢).
ز- أفضلية الصحابة في القرآن والسنّة:
في كثير من آيات الكتاب العزيز- وفي أكثر من اثنتي عشرة سورة-
стр. 155
حديث مستفيض عن فضائل الصحابة، من ذلك قوله تعالى:
(الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (١).
وفي كثير من الأحاديث النبوية حديث مستفيض عن فضائل الصحابة الكرام، من ذلك قول النبي صلوات الله عليه: «ليبلّغ الحاضر الغائب، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله، يوشك أن يأخذه، ومن يأخذه الله فيوشك أن لا يفلته» (٢).
ورحم الله الشاعر حينما قال فيهم:
هم صحابة خير الخلق أيّدهم ... ربّ السماء بتوفيق وإيثار
فحبّهم واجب يشفي السقيم به ... فمن أحبهم ينجو من النار (٣)
...
стр. 156
الفصل الثالث الإسرائيليات في تفسير الصحابة !!
ساق البيان الإلهي طائفة من أخبار الأمم الماضية، وذلك من باب العبرة والذكرى، مصداق ذلك قوله تعالى- وذلك بعد سرد قصة يوسف ﵇: (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (١).
لكن أنّى للأمة الأمية- أمة العرب- أن تستطيع معرفة ذلك، وهم أبعد ما يكونون عن الحضارة والعلم والتاريخ.
مما أدّى إلى أن يلجئوا- مضطرّين- إلى أهل الكتاب ليستفسروا منهم عن تفصيلات حكايات الأمم الماضية، وخاصة الذين أسلموا منهم.
وبالطبع فذاك أمر مسموح به في الميزان الشرعي، مصداق ذلك قول النبي ﷺ : «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار».
لكن هل السماح بالأخذ عنهم هو سماح مطلق؟ أم أنه سماح مقيّد ومنضبط؟!
بعض الحاقدين على الإسلام- وخاصة المستشرقين منهم- صوّروا
стр. 157
الصحابة تصويرا يدل على أنهم يتصفون بالغفلة والسذاجة، بحيث إنهم يصدّقون كل ما يرد عن (كعب الأحبار، ووهب بن منبه) وغيرهما، لكن الحقيقة هي أنهم كانوا يصدّقونهم في الأمور التي تتّفق مع الإسلام، ويسقطون كل ما يخالف الإسلام، ويتوقّفون عند كل ما يحتمل الصدق والكذب، ولا يسألون عن الشبهات .. ، وخاصة ما يتعلق بالعقيدة.
ولذلك لم يرد مطلقا أن الصحابة سألوا واحدا من أهل الكتاب عن طول سفينة نوح ﵇! أو عن اسم كلب أهل الكهف! أو عن صفة الغلام الذي قتله الخضر! ولا عن تفصيلات حكاية بقرة بني إسرائيل و ... !!
فتلك من القضايا التي لا تقدّم ولا تؤخر، وليست من الأوليات، إنما هي من الأمور التي إن عرفها الإنسان فلا ضير، وإن لم يعرفها ولم يسأل عنها فلا ضير أبدا.
إذا:
الحاكم للمسألة، والقول الفصل فيها هو حكم الشريعة الإسلامية، دليل ذلك قول الرسول صلوات الله عليه: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون».
لكن- كما هي العادة- فقد أخذ ذلك بعض المستشرقين، ومن ثمّ سلّطوا عليه المجاهر المكبّرة، فاتّهموا الصحابة الكرام تهما لا تليق، واعتبروا أن كثيرا مما رواه الصحابة مكذوب وما إلى هنا لك، وذلك لأن مصدره أهل الكتاب.
من ذلك قول محمود أبو ريّة: (وتلقّى الصحابة ومن تبعهم كل ما يلقيه هؤلاء الدهاة- يقصد عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب بن
стр. 158
منبه- بغير نقد أو تمحيص، معتبرين أنه صحيح لا ريب فيه) (١).
ثم يقول: (وكان من أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدّقوهم فيما يقولون، ويروون عنهم ما يفترون ... ، وكان أبو هريرة- ﵁ أكثر الصحابة وثوقا بهم وأخذا عنهم وانقيادا لهم) (٢).
وأجمل ما يردّ على الافتراءات أن الكتب المعتمدة والصحيحة قد نقلت لنا طائفة من الأمور التي تدلّ- وبكل وضوح- على أن الصحابة الكرام كانوا يناقشون أهل الكتاب، فإذا وجدوا صحة وتثبتا في المسألة، أخذوا بها، وإذا وجدوا فيها خطأ ومخالفة لأمور الشريعة ردوا عليهم خطأهم، وبينوا الصواب في ذلك.
مصداق ذلك ما رواه أبو هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلّي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه» (٣).
ودار نقاش بين أبي هريرة وبين كعب الأحبار، فقال كعب: إنها في جمعة واحدة من السنة، فردّ عليه أبو هريرة وقال: بل هي- ساعة الإجابة- في كل جمعة.
فعاد كعب إلى التوراة، فرأى أنه قد أخطأ بذلك، وأن الصواب مع قول أبي هريرة، فعاد إلى قوله.
مثال آخر: رواه ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن
стр. 159
عباس ﵄ أنه قال: المفدّى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود!! (١).
مثال آخر: رواه ابن كثير أن ابن عباس بلغه أن نوفا البكالي- وهو ربيب كعب يزعم أن موسى صاحب الخضر غير موسى بن عمران ﵇، فقال ابن عباس: كذب عدو الله!! (٢).
وروى ابن كثير أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب منكرا: أنت تقول أن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟!
وعلّق ابن كثير ذلك بقوله: وهذا الذي أنكره معاوية على كعب هو الصواب، والحقّ مع معاوية في ذلك الإنكار!! (٣).
وروى البخاري في صحيحه عن معاوية بن أبي سفيان أنه ذكر كعبا، وقال: إنه كان أصدق هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب!.
... وغالبية ما يروى من إسرائيليات عن الصحابة معزوّ إلى (٤):
أ- عبد الله بن عباس ﵄:
روي له (١٦٦٠) حديثا، أما في التفسير فقد روي له كثير في ذلك، بل لقد جمع العلامة اللغوي مجد الدين الفيروزآبادي (ت:
٨١٧ هـ) ذلك كله في تفسير كامل، وطبع تحت اسم (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس)، لكن معظم طرق ذاك التفسير لم تثبت ولم تصحّ نسبتها إليه ﵁.
стр. 160
ورحم الله الإمام الشافعي عند ما قال: لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث (١).
صحيح أن هناك طرقا صحيحة النسب إلى ابن عباس، كطريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، وطريق قيس بن مسلم الكوفي عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، وطريق ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت. و .. وغيرهم، لكن كثيرا من الطرق لم تصحّ ولم تثبت، كطريق محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح، وكطريق مقاتل بن سليمان الأزدي الخراساني، وغيرهما .. واستغلّ الحاقدون ذلك، فاتهموا ابن عباس بتوسّعه بالأخذ عن أهل الكتاب، وعلى رأسهم اليهودي المستشرق (جولدزيهر). فمن أقواله في ذلك: (وأجدر من ذلك بالتصديق الأخبار التي تفيد أن ابن عباس كان لا يرى غضاضة أن يرجع في الأحوال التي يخامره الشك إلى من يرجو عنده علمها، وكثيرا ما ذكر أنه كان يرجع في تفسير معاني الألفاظ إلى من يدعى: أبا الجلد!!) (٢).
ثم يقول: (كثيرا ما تجد بين مصادر العلم المفضلة لدى ابن عباس اليهوديين اللذين اعتنقا الإسلام: كعب الأحبار وعبد الله بن سلام ...
ولن يعدّ ابن عباس أولئك الكتابيين حججا فقط في الإسرائيليات وأخبار الكتب السابقة، بل كان يسأل أيضا كعب الأحبار مثلا عن التفسير الصحيح للتعبيرين القرآنيين (أم الكتاب) و (المرجان).
وقد رأى الناس في هؤلاء اليهود أن عندهم أحسن الفهم- على العموم- في القرآن وفي كلام الرسول ﷺ وما فيها من المعاني الدينية، ورجعوا إليهم سائلين عن هذه المسائل بالرغم من التحذير الشديد من
стр. 161
كل جهة من سؤالهم) (١) لكن الواقع يثبت أن كثيرا مما نسب إلى ابن عباس موضوع ومكذوب، ومما يؤسف أن غالبية المفسّرين نقل ذلك دون التنبيه إلى خطورة ما نسب إليه، ومن الأمثلة على ذلك:
روى ابن كثير في التفسير نقلا عن البيهقي في (الأسماء والصفات) عن طريق شريك بن عبد الله النخعي عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله
عنهما في قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (٢).
قال: سبع أرضين، في كل أرض نبيّ كنبيّكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى) (٣).
وقد علّق أبو حيّان على الحديث بقوله: هذا حديث لا شكّ في وضعه، وهو من رواية الواقدي الكذّاب! (٤).
وسند الحديث أيضا ضعيف، لأن (شريك) يخطئ، وقد تغير حفظه منذ ولي القضاء في الكوفة، وعطاء بن السائب اختلط قبل موته (٥).
ومما يدلنا على الوضع على ابن عباس ﵁ ما نسبه المفسّر البغوي إليه، وذلك أثناء تفسيره لقول الله تعالى: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ... ) (٦).
стр. 162
قال: أي حبّ زينب وهي في عصمة زيد!! (١)
ورحم الله الشيخ محمد أبا زهرة عند ما قال معقبا على ذلك: وقد كان المنتظر من البغوي ألا يروي خرافة حبّ النبي ﷺ لزينب، بعد تزويجه إياها لزيد عن مسلم مطلقا، فضلا عن ابن عباس.
وقد حكى البغوي مثل هذه الرواية عن قتادة أيضا، وهي لا تصحّ بحال، وقد دسّها في التفسير يوحنا الدمشقي في العهد الأموي.
ب- أبو هريرة ﵁:
يعتبر أكثر الصحابة رواية للحديث، ففي مسند الإمام أحمد له قرابة (٣٨٤٨) حديثا، ومن أصحّ الطرق عنه: حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين.
واستغلّ الحاقدون على الإسلام مسألة رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار، وروّجوا لادّعائهم الملفق وهي أن كعبا سلّط قوة دهائه على سذاجة أبي هريرة، ليبثّ في الدين الخرافات والإسرائيليات!!
مصداق ذلك قول أبي رية: (ويبدو أن أبا هريرة كان أول الصحابة انخداعا به- يقصد كعب الأحبار- وثقة عنه وعن إخوانه، كما كان أكثرهم رواية للحديث، ويتبيّن من الاستقراء أن كعب الأحبار قد سلّط قوة دهائه على سذاجة أبي هريرة لكي يستحوذ عليه، وينمّيه ليلقّنه كل ما يريد أن يبثّه في الدين الإسلامي من خرافات وأوهام، وكان له في ذلك أساليب غريبة، وطرق عجيبة، فقد روى الذهبي في (تذكرة الحفّاظ) في ترجمة أبي هريرة أن كعبا قال فيه: ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة، فانظر دهاء هذا الكاهن ومكره بأبي هريرة الذي يتجلى في درس تاريخه أنه كان رجلا فيه غفلة وغرّة، إذ من أين يعلم أبو هريرة ما في التوراة، ولو عرفها لما استطاع أن
стр. 163
يقرأها لأنها كانت باللغة العبرية .. )!! (١).
وقد هيّأ الله سبحانه من علماء الأمة كالدكتور السباعي والدكتور عجاج الخطيب والدكتور أبو زهو والدكتور أبو شهبة- من ردّ أمثال تلك الاتهامات وفنّدها تماما، ورحم الله العلامة المحقق أحمد شاكر عند ما قال في ذلك السياق:
(وقد لهج أعداء السنّة وأعداء الإسلام في عصرنا، وشغفوا بالطعن في أبي هريرة وتشكيك الناس في صدقه وفي روايته وما إلى ذلك، وإنما أرادوا أن يصلوا إلى تشكيك الناس في الإسلام تبعا لسادتهم المبشّرين، وإن تظاهروا بالقصد إلى الاقتصار على الأخذ بالقرآن أو الأخذ بما صحّ من الحديث في رأيهم، وما صحّ من الحديث في رأيهم إلا ما وافق أهواءهم وما يتبعون من شعائر أوروبة وشرائعها، ولن يتورّع أحدهم عن تأويل القرآن إلى ما يخرج الكلام عن معنى اللفظ في اللغة التي نزل بها القرآن ليوافق تأويلهم وهواهم وما إليه يقصدون!!.
وما كانوا بأول من حارب الإسلام في هذا الباب، ولهم في ذلك سلف من أهل الأهواء قديما، والإسلام يسير في طريقه قدما، وهم يصيحون ما شاءوا، لا يكاد الإسلام يسمعهم، بل هو إما يتخطاهم لا يشعر بهم، وإما يدمرهم تدميرا.
ومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون، يكاد يرجع في أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون، بفرق واحد فقط: أن أولئك الأقدمين- زائغين كانوا أم ملحدين-
كانوا علماء مطلعين، أكثرهم ممن أضلّه الله على علم! أما هؤلاء المعاصرون، فليس إلا الجهل والجرأة، وامتضاغ ألفاظ لا يحسنونها يقلّدون في الكفر ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم!! ولقد رأيت الحاكم
стр. 164
أبا عبد الله المتوفى سنة (٤٠٥ هـ) حكى في كتابه (المستدرك) (١) كلام شيخ شيوخه، إمام الأئمة أبي بكر بن محمد بن إسحاق بن خزيمة المتوفى سنة (٣١١ هـ) في الردّ على من تكلّم في أبي هريرة، فكأنما هو يردّ على أهل عصرنا هؤلاء، وهذا نصّ كلامه:
(وإنما يتكلم في أبي هريرة لرفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم، فلا يفهمون معاني الأخبار: إما معطل جهمي يسمع أخباره التي يرونها خلاف مذهبهم الذي هو كفر فيشتمون أبا هريرة، ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه تمويها على الرعاع والسفلة، أن أخباره لا تثبت بها الحجّة، وإما خارجي يرى السيف على أمة محمد ﷺ ، ولا يرى طاعة خليفة ولا إمام، إذا سمع أخبار أبي هريرة عن النبي ﷺ خلاف مذهبهم الذي هو ضلال ولم يجد حيلة في دفع أخباره بحجّة وبرهان، كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة، أو قدري اعتزل الإسلام وأهله، وكفّر أهل الإسلام الذين يتبعون الأقدار الماضية التي قدّرها الله تعالى وقضاها قبل كسب العباد لها، إذا نظر إلى أخبار أبي هريرة التي قد رواها عن النبي ﷺ في إثبات القدر، ولم يجد حجة يؤيد بها صحة مقالته التي هي كفر وشك، كانت حجته عن نفسه أن أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها! أو جاهل يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانّه، إذا سمع أخبار أبي هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه التي تخالف مذهبه ويحتجّ بأخباره على مخالفيه إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه .. ) (٢).
ج. عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄:
أحد كبار رواة الأحاديث النبوية، وأحد الذين كتبوا الأحاديث في زمن رسول الله ﷺ ، مصداق ذلك ما أخرجه البخاري في كتاب العلم
стр. 165
عن أبي هريرة قال: (ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله ﷺ مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب .. ).
ومصداق ذلك ما أخرجه ابن سعد عن عبد الله بن عمرو قال:
استأذنت النبي ﷺ في كتابه ما سمعته، قال: فأذن لي فكتبته، فكان عبد الله يسمّي صحيفته تلك الصادقة (١).
لكن بعض الحاقدين دسّوا السّم في العسل، وقالوا: لقد تعلّم عبد الله بن عمرو اللغة السريانية، وتتلمذ على يد كعب الأحبار و .. !!
وهذا يدخل تحت الشعار الذي رفعه عليّ ﵁: (كلمة حقّ أريد بها باطل). فعبد الله تعلّم السريانية في بلاد الشام، وكان يروي بعض ما ورد في التوراة، لكن بما يوافق الشريعة الإسلامية، من ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عطاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن هذه الآية التي في القرآن: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) (٢).
قال في التوراة: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخّاب بالأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا:
لا إله إلا الله فيفتح به أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا).
لكن أبا ريّة وأمثاله حرّفوا الكلم عن مواضعه، واتهموا كبار الصحابة، ومنهم عبد الله بن عمرو بأنهم كانوا يروون الإسرائيليات ويخلطونها في التفسير والحديث!!
لكنه الدّجل والافتراءات وقلّة الأمانة العلمية، مثال ذلك:
стр. 166
نقل أبو رية عن (فتح الباري لابن حجر العسقلاني) (١) أن عبد الله بن عمرو كان قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يرويها للناس عن النبي ﷺ ، فتجنب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين، وكان يقال له: لا تحدّثنا عن الزاملتين!! (٢).
والحقيقة هي أن عبارة ابن حجر خالية من عبارة (عن النبي)، ولكن أبا ريّة زادها من عنده، تدليسا وكذبا، حتى توافق هواه!!!
د- عبد الله بن سلام ﵁:
يهودي، أسلم في عهد رسول الله ﷺ ، أخرج البخاري عن سعد بن أبي وقاص قال: فيه أنزل قوله تعالى: (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ) (٣)، وكان عالما بعلوم التوراة وعلوم القرآن الكريم.
لكن- مما يؤسف له- أن بعض الحاقدين على الإسلام طعنوا فيه من زاوية روايته للإسرائيليات.
والحق يعلّمنا أن نزن كل ذلك بالميزان الشرعي، فما وافق الكتاب والسنة أخذنا به، وما خالف تركناه جانبا، والحق أحقّ أن يتبع.
стр. 167
الباب الثاني تفسير القرآن في عهد الصحابة
стр. 168
الفصل الأول ماذا عن تفسير الصحابة ؟
ذهب بعض العلماء- وعلى رأسهم ابن تيمية- إلى القول بأن النبي ﷺ فسّر القرآن كله، ودليلهم على ذلك قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) (١).
وذهب بعض العلماء إلى القول بأن النبي ﷺ لم يفسّر جميع القرآن، بل فسّر آيات منه، وإلّا فأين هو التفسير النبوي الكامل للقرآن؟!
لكن الحقيقة هي ما ذهب إليه الفريق الوسط، ومنهم الشيخ محمد متولي شعراوي، وذلك حين ميز بين آيات الأحكام والآيات الكونية، فقال:
(لم يفسّر لنا رسول الله ﷺ القرآن، لأنه لو فسّره بالأشياء التي ستوجد في القرن العشرين أو الثلاثين أو الأربعين لتعجّب معاصروه أيّما تعجّب، ولاستعظموه أيّما استعظام، لأنه للآن ما زال أناس ينكرون أن الأرض كرة تدور، ولو أنه ﷺ فسّره على قدر عقل معاصريه ومعلوماتهم الكونية لحجّر علينا ولجمد القرآن، لأنه من يتصدّر لتفسير القرآن بعد ذلك سيواجه بأن الرسول فسّره هكذا، وعليك ألا تزيد عن ذلك، ولذلك فرسول الله ﷺ ترك تفسير القرآن حتى تأخذ كل مرحلة
стр. 169
فكرية من لمحات القرآن بقدر ما تستطيع، وذلك في أمور الكونيات، أما المطلوب من الأحكام فقد بيّنها صلوات الله عليه وأوضحها للناس) (١).
وهكذا تلقّف الصحابة الكرام القرآن وتفسيره من النبي ﷺ ، لكن ليس التفسير التفصيلي، إنما المجمل والذي يهتم بالظواهر والأحكام، دون البحث عن معرفة دقائق القرآن الباطنة.
ونظرا لتفاوت الصحابة في العلم باللغة العربية، ونظرا لبعد البعض عن النبي صلوات الله عليه وانهماكهم بالزراعة والتجارة ونحو ذلك، بينما فرّغ بعضهم نفسه فلازم النبي في حلّه وترحاله، ونظرا لتفاوت الصحابة في الدرجة العلمية والمواهب العقلية، لذلك كله نجد أنهم تفاوتوا في فهم القرآن الكريم.
ولذلك كان بعض الصحابة يستشكل آيات من القرآن، فلا يفهم المراد منها.
وكان بعضهم يخفى عليه مفردات اللغة فلا يفهم المقاصد القرآنية.
دليل ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁: قرأ عمر ﵁ على المنبر قوله تعالى: (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) (٢)، فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأبّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلّف يا عمر!! (٣).
ومن ذلك ما أخرجه أبو عبيدة من طريق مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: كنت لا أدري ما معنى (فاطر السموات) حتى
стр. 170
أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، والآخر يقول: أنا ابتدأتها (١).
ومن ذلك ما أخرجه البخاري من أن عدي بن حاتم لم يفهم معنى قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (٢).
وبلغ من أمره أن أخذ عقالا أبيض وعقالا أسود، فلما كان بعض الليل، نظر إليهما فلم يستبينا، فلما أصبح أخبر الرسول ﷺ بشأنه، فعرّض بقلّة فهمه، وأفهمه المراد (٣).
стр. 171
الفصل الثاني ما هي أهم مصادر تفسير الصحابة ؟
اعتمد الصحابة الكرام في تفسيرهم للقرآن الكريم على أربعة مصادر هي (١):
أ- القرآن الكريم:
أجمع العلماء على أن أهم ما يفسّر القرآن هو القرآن نفسه، من ذلك قول ابن تيمية ﵀: (فإن قال قائل: فما أحسن طريق للتفسير؟
والجواب: أن أصحّ الطرق في ذلك أن يفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر) (٢).
ومن ذلك قول الحافظ السيوطي ﵀: (قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولا من القرآن، فما أجمل منه في مكان فقد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقط بسط في موضع آخر منه) (٣).
مثال ذلك ما ورد في القرآن من قصص، فقصة موسى ﵇
стр. 172
جاءت مجملة في سورة، وجاءت مبسوطة في سورة أخرى، وهكذا.
ومن تفسير القرآن بالقرآن: أن يحمل المجمل على المبين ليفسّر به، مثال ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ) (١) وتفسيرها في أواخر السورة، وذلك بأنه العذاب الأدنى المعجّل في الدنيا، قال تعالى: (فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ) (٢).
ومن تفسير القرآن بالقرآن: حمل المطلق على المقيّد، والعام على الخاص، مثالها: نفي الخلّة والشفاعة على جهة العموم، قال تعالى:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٣).
فقد استثنى الله المتقين من نفي الخلّة، وذلك في قوله تعالى:
(الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (٤).
واستثنى ما أذن فيه من الشفاعة، وذلك في قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) (٥).
ومن تفسير القرآن بالقرآن: حمل بعض القراءات على غيرها، فبعض القراءات تختلف مع غيرها في اللفظ وتتفق في المعنى، فقراءة ابن مسعود ﵁: (أو يكون لك بيت من ذهب) تفسّر لفظ الزخرف في القراءة المشهورة: (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ) (٦).
стр. 173
والدليل على أن القراءات تعتبر مرجعا مهما من مراجع تفسير القرآن بالقرآن:
ما روي عن مجاهد ﵀ أنه قال: لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود قبل أن أسأل ابن عباس ما احتجت أن أسأله عن كثير مما سألته عنه.
ب- النبي ﷺ :
كان الصحابة الكرام إذا أشكل عليهم آية من كتاب الله، فلم يفهموا المراد منها، رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، وذلك لأن الله تعالى حدّد وظائف الرسول، ومنها بيان ما في القرآن من أحكام ونحو ذلك، قال تعالى:
(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (١).
وأخرج أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال:
«ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه» (٢).
ومن الأمثلة التي تدلّ على مدى اعتماد الصحابة على أقوال النبي ﷺ في تفسير القرآن ما يلي:
قال رسول الله ﷺ لأبيّ بن كعب: «ألا أعلّمك سورة ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؟».
فقلت: بلى.
قال: «إني لأرجو ألا تخرج من ذلك الباب حتى تعلمها».
فقام رسول الله ﷺ وقمت معه، فجعل يحدثني ويدي في يده أتباطأ
стр. 174
كراهية أن يخرج قبل أن يخبرني بها، فلما دنوت من الباب، قلت:
يا رسول الله! السورة التي وعدتني.
قال: «كيف تقرأ إذا قمت إلى الصلاة؟».
فقرأت فاتحة الكتاب.
فقال: «هي، هي، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت» (١).
مثال آخر: عند ما أنزل الله تعالى قوله- في سياق قصة نبي الله موسى ﵇ مع قومه-: (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) (٢).
فسئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: «إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزأتهم، أو لأجزأت عنهم» (٣).
مثال آخر:
في قوله تعالى: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) (٤).
روى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: إن رجلا سأل النبي ﷺ عن معنى هذه الآية.
فقال صلوات الله عليه: «كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة» (٥).
مثال آخر:
стр. 175
في قوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (١).
روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول:
نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلّغ، ويكون الرسول عليكم شهيدا، فذلك قوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (٢).
إلى ما هنا لك من تفسير نبوي لآيات القرآن الكريم .. (٣).
ج- الاجتهاد وقوة الاستنباط:
كان الصحابة الكرام إذا لم يجدوا التفسير في القرآن، وفي السنة النبوية، كانوا يجتهدون، لكن شريطة أن يملك الصحابي أدوات الاجتهاد، وهي:
أولا: معرفة أوضاع اللغة وأسرارها.
ثانيا: معرفة عادات العرب.
ثالثا: معرفة أحوال اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقت نزول القرآن.
رابعا: قوة الفهم وسعة الإدراك.
(فمعرفة أسباب النزول، وما أحاط بالقرآن من ظروف وملابسات، تعين على فهم كثير من الآيات القرآنية، ولهذا قال الواحدي: (لا يمكن
стр. 176
معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها).
وقال ابن دقيق العيد: (بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن).
وقال ابن تيمية: (معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبّب) (١).
ومن الأدلة القوية على تفاوت الصحابة في معرفتهم بأدوات الاجتهاد ما يلي:
استعمل عمر ﵁ قدامة بن مظعون على البحرين، فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر، فقال عمر: من يشهد على ما تقول؟
قال الجارود: أبو هريرة يشهد على ما أقول.
فقال عمر: يا قدامة إني جالدك!
قال: والله لو شربت كما يقول ما كان لك أن تجلدني.
قال عمر: ولم؟
قال: لأن الله يقول: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (٢).
فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله ﷺ بدرا وأحدا والخندق والمشاهد.
فقال عمر ﵁: ألا تردون عليه قوله؟
فقال ابن عباس ﵁: إن هذه الآيات أنزلت عذرا للماضين
стр. 177
وحجّة على الباقين، لأن الله يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (١).
فقال عمر: صدقت.
ومثله ما أخرج البخاري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كان عمر ﵁ يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه وقال: لم يدخل هذا معنا وإن لنا أبناء مثله؟
فقال عمر: إنه من أعلمكم، فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قوله تعالى:
(إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ... ) (٢)، فقال بعضهم وبعضهم الآخر لم يقل شيئا.
فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟
فقلت: لا.
فقال: ما تقول؟
قلت: هو أجل رسول الله ﷺ له، قال: (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فذلك علامة أجلك: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) (٣).
فقال عمر ﵁: لا أعلم منها إلا ما تقول ... (٤).
د- أهل الكتاب من اليهود والنصارى:
(إن القرآن الكريم يتفق مع التوراة في بعض المسائل، وبالأخص في قصص الأنبياء، وما يتعلق بالأمم الغابرة، وكذلك يشتمل القرآن
стр. 178
على مواضع وردت في الإنجيل، كقصة ميلاد عيسى ابن مريم، ومعجزاته ﵇.
غير أن القرآن الكريم اتخذ منهجا يخالف منهج التوراة والإنجيل، فلم يتعرّض لتفاصيل جزئيات المسائل، ولم يستوف القصة من جميع نواحيها، بل اقتصر من ذلك على موضع العبرة فقط.
ولما كانت العقول دائما تميل إلى الاستيفاء والاستقصاء، جعل بعض الصحابة ﵃ أجمعين يرجعون في استيفاء هذه القصص التي لم يتعرّض لها القرآن من جميع نواحيها إلى من دخل في دينهم من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وغيرهم من علماء اليهود والنصارى.
وهذا بالضرورة كان بالنسبة إلى ما ليس عندهم فيه شيء عن رسول الله ﷺ ، لأنه لو ثبت شيء في ذلك ما كانوا يعدلون عنه إلى غيره مهما كان المأخوذ عنه).
***
стр. 179
الفصل الثالث أشهر المفسّرين في عهد الصحابة
(اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود وابن عباس، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير- ﵃ اجمعين-.
أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم عليّ ﵁، والرواية عن الثلاثة نزرة جدا، وكأن السبب في ذلك تقدّم وفاتهم، كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية أبي بكر للحديث، ولا أحفظ عن أبي بكر في التفسير إلا آثارا قليلة جدا لا تكاد تجاوز العشرة، وأما عليّ فروي عنه الكثير.
قال أبو الطفيل: شهدت عليا يخطب، وهو يقول: سلوني، فو الله لا تسألونني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم: أبليل نزلت أو بنهار، أم في سهل أم في جبل) (١).
إذا: أشهر المفسّرين من الصحابة:
١ - عبد الله بن عباس ﵄:
تضافرت عدة أسباب ساعدت على تكوين شخصيته العلمية، أهمها:
стр. 180
نشوءه في بيت النبوة، وذلك لأن خالته ميمونة كانت زوجة النبي ﷺ ، وذات ليلة ضمّه الرسول وقال: «اللهم علّمه الكتاب والحكمة» (١).
وفي مرة أخرى قال الرسول ﷺ : «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» (٢).
إضافة إلى حرصه الدائم على طلب العلم، واستعداده الفطري لتلقي العلوم، و ... كل ذلك جعله ذا مكانة مرموقة، خاصة في التفسير، لذلك لقّب (بحبر الأمة)، ومدحه عليّ بقوله: كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق.
كان منهجه في التفسير يعتمد على: تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسير القرآن بالسنة النبوية، ثم تفسير القرآن بالاجتهاد، والاعتماد كثيرا على اللغة العربية، وما إلى هنا لك.
٢ - عبد الله بن مسعود ﵁:
لازم النبي ﷺ في حلّه وترحاله، حتى بلغ مكانة عظيمة، ووهبه الله ذاكرة حافظة، لذلك قال النبي ﷺ : «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي- أبي بكر وعمر-، واهتدوا بهدي عمار، وما حدّثكم ابن مسعود فصدّقوه» (٣).
وقال صلوات الله عليه: «من أراد أن يسمع القرآن غضّا طريّا كما أنزل فليقرأه- فليسمعه- من ابن أم عبد» (٤).