بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تمهيد
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على المبعوث رحمة للعالمين، ﷺ ، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الكرام أجمعين، ومن سار على هذا الدرب إلى يوم الدين، وبعد:
فقد أرسل الله رسوله بمهمة تفصيل وتبيان ما أجمل في القرآن الكريم، كما في قول الله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١).
وقوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢).
وجاء في القرآن الكريم توجيهات دقيقة تبين مدى ارتباط القرآن الكريم بالسنّة النبوية، وذلك من خلال ربط طاعة الله بطاعة رسوله ﷺ ، كما في قوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٣).
стр. 4
وقوله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) (١).
لكن الطاعة لا تكون باللسان فحسب، إنما يتعدى ذلك إلى كل جزئيات حركة الإنسان، (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٢).
وهكذا، فمن طاعة رسول الله ﷺ تتبّع ما تحدّث به عن القرآن، أي ما فسره الرسول من القرآن، ذلك لأن أفضل ما يفسّر القرآن القرآن ذاته، ثم ما يفسره رسول الله.
وهذا التفسير النبوي ليس إلا وحيا من الله، وكما قال العلماء:
القرآن وحي مجمل والسنة وحي مفصّل، ولا غنى لأحدهما عن الآخر:
وحي بتفصيل ووحي مجمل ... تفسيره ذاك وحي ثان
وعلى هذا المنوال عاش الرعيل الأول من هذه الأمة مع القرآن وتفسير رسول الله لما أبهم وأجمل وأشكل منه، ولم يعرف عن أحد منهم تفسيره بالرأي، ولم يؤثر عن أحدهم أن له تفسيرا للقرآن الكريم.
ودار الزمن دورته، وإذا بين أيدي المسلمين طائفة كبيرة من كتب التفاسير، زاد بعضها عن عشرات المجلدات، ويتساءل العاقل: كيف حدث هذا التضخّم؟ وماذا حشيت هذه المجلدات؟!
صحيح أن بعضها- وهي القلة- يحوي زبدة الأحكام والقضايا المهمة، لكن الكثير منها يحوي الغث والسمين، ودخلت الإسرائيليات والموضوعات والبدع فيها، واختلط الحابل بالنابل، حتى ضاع الكلم الطيب في هذا الزحام.
стр. 5
والطامة الكبرى أن الأمة ابتليت بمن تصدّى لتفسير الكتاب العزيز، وهو لا يرقى إلى فهم مقطوعة من النثر أو الشعر العربي، وفسروا القرآن بعيدا عن السنة، فكان ما كان، ورحم الله القائل:
تصدّر للتأليف كل مهوّس ... جهول يسمى بالفقيه المدرّس
وحقّ لأهل العلم أن يتمثلوا ... ببيت قديم شاع في كل مجلس
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى استامها كل مفلس
لكن العودة إلى سنة رسول الله لنلتقط منها ما صحّ عن رسول الله في مجال تفسير كتاب الله هو الضابط لكل ما يدور في هذا الحقل، وكان هذا الكتاب المتواضع، سائلا الله القبول والعفو، إنه هو السميع المجيب.
***
стр. 6
الفصل الأول الفرق بين التفسير والتأويل
على الرغم من أن العرب الذين أنزل فيهم القرآن الكريم، كانوا على مستوى رفيع من التذوّق اللغوي، وذلك من خلال اهتمامهم بالشّعر والبلاغة ونحو ذلك، على الرغم من ذلك فإنما احتيج إلى شرح وتأويل للقرآن الكريم، قال الإمام السيوطي: (إن القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق معانيه، فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر، مع سؤالهم النبي ﷺ في الأكثر، كسؤالهم لما نزل قوله: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) (١).
فقالوا: وأيّنا لم يظلم نفسه؟! ففسّره النبي ﷺ ، واستدلّ عليه بقوله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (٢).
وكسؤال عائشة ﵂ عن الحساب اليسير، فقال: «ذلك العرض».
وكقصة عديّ بن حاتم في الخيط الأبيض والأسود وغير ذلك، مما سألوا عن آحاد منه، ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه،
стр. 7
وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر، لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلّم، فنحن أشدّ الناس احتياجا إلى التفسير، ومعلوم أن تفسير بعضه يكون من قبل بسط الألفاظ الوجيزة، وكشف معانيها، وبعضه من قبيل ترجيح بعض الاحتمالات على بعض) (١).
وهكذا فمسألة تفسير القرآن وتأويله شرف كبير يؤتيه الله من شاء من خلقه، دليل ذلك قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (٢).
وفسّر الحكمة حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵁ بقوله:
المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله.
ومن طريق آخر قال ابن عباس: يعني تفسير القرآن، فإنه قد قرأه البرّ والفاجر.
وزاد أبو الدرداء فقال: الحكمة هي: قراءة القرآن والفكرة فيه.
قال الأصبهاني: أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن، بيان ذلك أن شرف الصناعة إمّا بشرف موضوعها مثل الصياغة، فإنها أشرف من الدباغة، لأن موضوع الصياغة الذهب والفضة، وهما أشرف من موضوع الدباغة الذي هو جلد الميتة، وإما بشرف غرضها، مثل صناعة الطب، فإنها أشرف من صناعة الكناسة، لأن غرض الطب إفادة الصحة، وغرض الكناسة تنظيف المستراح، وإما لشدّة الحاجة إليها كالفقه، فإن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الطب، إذ ما من واقعة في الكون في أحد من الخلق إلا وهي مفتقرة إلى الفقه، لأن به انتظام
стр. 8
صلاح أحوال الدنيا والدين، بخلاف الطب، فإنه يحتاج إليه بعض الناس في بعض الأوقات.
وعلق الحافظ السيوطي على ذلك بقوله:
إذا عرف ذلك، فصناعة التفسير قد حازت الشرف من الجهات الثلاث، أما من جهة الموضوع، فلأن موضوعه كلام الله تعالى الذي هو ينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضيلة، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، وأما من جهة الغرض، فلأن الغرض منه هو الاعتصام بالعروة الوثقى والوصول إلى السعادة الحقيقة التي لا تفنى، وأما من جهة شدة الحاجة، فلأن كل كمال ديني أو دنيوي، عاجلي أو آجلي، مفتقر إلى العلوم الشرعية والمعارف الدينية، وهي متوقفة على العلم بكتابة الله تعالى (١).
واختلف العلماء في التفسير والتأويل، فمنهم من قال: إنها بمعنى واحد، ومنهم من قال: بل إنهما مختلفان في المعنى.
قال العلامة ابن منظور: (الفسر) البيان، فسر الشيء يفسر بالكسر ويفسره بالضم فسرا، وفسره: أبانه، والتفسير مثله.
ثم قال: الفسر: كشف المغطى، والتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل (٢).
وفي الاصطلاح: عرّفه العلامة الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) بقوله: هو علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه (٣).
стр. 9
وعرفه بعضهم بأنه: علم نزول الآيات، وشئونها، وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها ومفسّرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها (١).
وأما التأويل فعرّفه ابن منظور بقوله: الأول: الرجوع، آل الشيء يؤول أولا ومآلا: رجع، وأول الشيء: رجعه، وألت عن الشيء:
ارتددت، وفي الحديث الشريف: «من صام الدهر فلا صام ولا آل» أي ولا رجع إلى خير .... ثم قال: وأوّل الكلام وتأوّله: دبره وقدره، وأوله: فسّره (٢).
أما عن الفرق بين التفسير والتأويل: ففي ذلك اختلاف وجهات نظر:
قال بعضهم: التفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية (٣).
وقال الراغب الأصفهاني: التفسير أعمّ من التأويل، وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، والتأويل في المعاني، كتأويل الرؤيا.
والتأويل يستعمل أكثره في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها، والتفسير أكثره يستعمل في مفردات الألفاظ، والتأويل أكثره يستعمل في الجمل.
فالتفسير إما أن يستعمل في غريب الألفاظ كالبحيرة والسائبة
стр. 10
والوصيلة، أو في تبيين المراد وشرحه، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) (١).
وإما في كلام مضمن بقصة لا يمكن تصوره إلا بمعرفتها، نحو قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) (٢) وقوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) (٣).
وأما التأويل: فإنه يستعمل مرة عاما، ومرة خاصا، نحو الكفر المستعمل تارة في الجحود المطلق، وتارة في جحود الباري خاصة.
والإيمان المستعمل في التصديق المطلق تارة، وفي تصديق دين الحق تارة، وإما لفظ مشترك بين معان مختلفة، نحو لفظ وجد، المستعمل في الجدة والوجد والوجود (٤).
وقال الماتريدي:
التفسير القطع على أن المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله أنه عنى باللفظ هذا، فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، وإلا فتفسير بالرأي وهو المنهي عنه، والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله (٥).
وعلّل الزركشي سبب الاختلاف فقال: وكان السبب في اصطلاح كثير على التفرقة بين التفسير والتأويل التمييز بين المنقول والمستنبط، ليحيل على الاعتماد في المنقول، وعلى النظر في المستنبط (٦).
...
стр. 11
الفصل الثاني لماذا العودة إلى العهد الأول ؟
في القاعة الأولى من مكتبة الأسد بدمشق، وفي قسم التفسير، يوجد كمية كبيرة من كتب التفسير، منها القديم ومنها الحديث، وفي كل عام تطالعنا المطابع بشيء جديد يتعلّق بأمور التفسير.
ولو استعرضنا بعضا من هذه التفاسير، لرأينا أمرا عجبا!! فبعض هذه التفاسير تكلّمت عن كل شيء، جامعة أمورا كثيرة، لكن كما قال أحد العلماء: فيها كل شيء إلا تفسير القرآن الكريم!!
لكن وقبل الدخول في الحديث التفصيلي عن الأمور التي حشي بها التفسير، نذكر بعض الموجود من التفاسير:
تفسير الإمام الطبري، المسمى جامع البيان في تأويل القرآن، وهو مطبوع (١٢ مجلدا)، وإرشادات العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم للعلامة أبي السعود: (٥ مجلدات)، وتفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للعلامة نظام الدين النيسابوري: (٦ مجلدات)، والتفسير الكبير مفاتيح الغيب، للإمام الرازي: (٣٤ مجلدا)، والتفسير الفريد للقرآن المجيد، لمحمد عبد المنعم الجمال: (١٦ مجلدا)، ومحاسن التأويل، للعلامة محمد جمال الدين القاسمي: (١٧ مجلدا)، وتفسير القرآن العظيم، للعلامة عماد الدين بن كثير: (٧ مجلدات)، وتفسير القرآن وإعرابه وبيانه، لمحمد علي طه الدرة: (١٦ مجلدا)، الجامع لأحكام القرآن، للعلامة محمد أحمد الأنصاري القرطبي:
стр. 12
(١٠ مجلدات)، والتفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج للدكتور وهبة الزحيلي، (١٧ مجلدا)، ومدارك التنزيل وحقائق التأويل، للعلامة عبد الله النسفي، (٤ مجلدات)، وتفسير البحر المحيط، للعلامة أبي حيان الأندلسي: (٩ مجلدات)، ومعالم التنزيل، للعلامة أبي محمد الحسين الفراء البغوي: (٤ مجلدات)، والتفسير الحديث، لمحمد عزة دروزة، (١٢ مجلدا)، الدر المنثور في التفسير المأثور، للحافظ السيوطي: (٨ مجلدات)، زاد المسير في علم التفسير، للعلامة ابن الجوزي: (٨ مجلدات)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي: (١٤ مجلدا)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للعلامة الآلوسي: (١٧ مجلدا)، مجمع البيان في تفسير القرآن، للعلامة الطبرسي: (١٠ مجلدات)، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، للإمام الشوكاني (٦ مجلدات)، التبيان في تفسير القرآن، لأبي جعفر الطوسي: (١٠ مجلدات)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للعلامة الشنقيطي: (٩ مجلدات)، تفسير التحرير والتنوير، للعلامة محمد الطاهر عاشور: (١٥ مجلدا)، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل، للعلامة الزمخشري (٦ مجلدات)، إضافة إلى تفسيرات كثيرة، وخاصة التي تتحدث عن موضوع ما، أو سورة ما، أو زاوية فقهية ما.!!
إذا: لماذا العودة إلى التفسير في عهد النبي ﷺ ، وعهد صحابته والتابعين، بعد ما رأينا هذا الكمّ الهائل من كتب التفسير في هذه الأيام؟!
وفي الجواب نقول بحول الله وقوته:
إن في كتب التفاسير بدعا وموضوعات وإسرائيليات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يحتجّ بها واحد من أنصاف المتعلمين، على أن هذه
стр. 13
ليست إلا روايات مبثوثة في كتب التاريخ والتفسير لا تقدّم ولا تؤخر.
ذلك لأن الواقع قد أثبت بما لا شك فيه أبدا أن لهذه الموضوعات والبدع والإسرائيليات آثارا مدمرة فتاكة، بحيث كان لها الدور الكبير في تمزيق المجتمع المسلم إلى أحزاب وفرق وشيع، من حيث الجدل العقيم الذي دار بين المسلمين حول الجبر والقدر والاختيار والحاكمية ونحو ذلك، وما قضية خلق القرآن عن الباحثين ببعيد!!
إضافة إلى تشويش الحركة الثقافية الإسلامية، بحيث أوردها أناس كبار علماء في كتبهم وتفسيراتهم، واحتجّوا بها في محاضراتهم وعلى المنابر وفي مسائل الوعظ، فتلقّفها الناس وخاصة العوام، على أساس أنها من المسلّمات التي لا غبار عليها، وهي في واقع الحال كذب وبدع!!
وكان نتيجة ذلك تراكمات في كتب التفسير، واضطر علماء التفسير إلى نقل بعضها، أو الردّ على بعضها، أو التبرير لبعضها، مما أبعد كتب التفسير عمّا أوجدت من أجله، فأصبح بعضها- كما قيل- يحوي كل العلوم عدا تفسير القرآن الكريم!!
وهكذا فتح باب الدسّ على مصراعيه، لينقضّ المستشرقون والحاقدون على هذا الدين؛ رافعين ألوية التشكيك وزعزعة الثقة بأمثال هذه الكتب، فراحوا يشوهون حقائق الدين مستدلين بأقوال بعض هؤلاء المفسرين- سامحهم الله-.
ثم تلقّف هذه القضية بعض جهلة المسلمين- والذين لا يميّزون بين الغثّ والسمين- فسلّطوا الأضواء الكاشفة على بعض هذه البدع ليستخفّوا من خلالها بما جاء به الإسلام، وليقولوا للناس: إن هذا الدين يخالف المنطق والعقل والعلم!!
أجل: فقد كان لهذه البدع والإسرائيليات والموضوعات أثر عظيم
стр. 14
في تأخّر المسلمين وتخلفهم، وذلك من خلال انشغال كثير من علمائهم بالرد على هذا الهراء، وتبيان الحقيقة الساطعة من خلال الرجوع إلى علوم مضبوطة: كالجرح والتعديل، وروايات التاريخ، وتبيان الصحيح من الموضوع في كتب الأحاديث النبوية، ونحو ذلك.
من هنا نقول:
ما هي الفائدة المرجوة من هذه النقولات الكبيرة والكثيرة، وهي محض افتراء وكذب؟ ولماذا شغل أولئك المفسرون أنفسهم بأمثال هذه الإسرائيليات والبدع في التفاسير والموضوعات، ثم شغلوا من بعدهم بها أيضا؟!
ورحم الله المفسر الكبير أبا حيان الأندلسي الغرناطي (ت:
٧٥٤ هـ) عند ما قال عن كتب التفاسير:
وكذلك ذكروا ما لا يصحّ من أسباب النزول، وأحاديث في الفضائل، وحكايات لا تناسب، وتواريخ إسرائيلية، ولا ينبغي ذكر هذا في علم التفسير (١).
ثم ما هي الفائدة من ذكر طائفة كبيرة من الروايات- كما في تفسير الطبري- قد يكون بعضها غير صحيح، على الرغم من أنه رحمه الله تعالى ذكر أسانيد الروايات؟!
ما دام أنه لم يبين المجروح من رجال السند ولا المعدّل منهم، فكيف- ونحن في عصر قلّت فيه الخبرة لدى الناس في أمثال هذه العلوم- يتعرّف القارئ في تفسير الطبري على الرواية السقيمة من الرواية الصحيحة؟!
ألا يكفي لمستشرق أو حاقد أو جاهل أن يقول أمرا غير صحيح؟! ألا يكفيه أن يسند رأيه بتفسير جليل لإمام كبير هو تفسير الطبري؟!
стр. 15
أليس في كتب التراث مرويات صحيحة وحسنة تغني عن أمثال هذه البدع والإسرائيليات؟
ورحم الله الحافظ ابن كثير عند ما قال:
وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة، لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذي ينفون عنها تحريف الضالين، وانتحال المبطلين كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد الذين دوّنوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه، من منكره، وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضّاعين والكذابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي، خاتم الرسل سيد البشر ﷺ ، أن ينسب إليه كذب، أو يحدّث عنه بما ليس منه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم (١).
وإتماما للفائدة، وتنبيها لبعض ما وقع فيه علماء التفسير، سواء كان ذلك عن عمد أو غيره، أسوق بعض الإسرائيليات والموضوعات والبدع، ناقلا إياها من كتب التفسير المطبوعة، راجيا الله تعالى أن يسامح كل من نقل الإسرائيليات والبدع، ولا يتسع المجال لسرد تلكم القصص والخرافات، لذلك سأشير إلى بعض الأماكن التي وردت فيها، وسأنقل بعضها:
١ - قصة مكذوبة عن النبي ﷺ ،
وهي حتما من الإسرائيليات التي أوردها الحافظ السيوطي في تفسيره (الدر المنثور): ١/ ٩٧ - ١٠٣.
стр. 16
وهي قصة يرفضها العقل السليم، ويرفضها النقل الدقيق، لذلك حكم السيوطي بوضعها في كتابه: اللئالئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: ١/ ٨٢، وكذلك فعل ابن كثير في البداية والنهاية: ١/ ٣٧.
والقصة جاءت في تفسير قوله تعالى: (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) (١).
لكن العجيب من واحد كالعلامة الحافظ السيوطي- وهو من هو من العلم والتمحيص والتحقيق- كيف يقبل وضع هذه القصة في تفسيره دون أن يعلّق عليها ولو بكلمة!!
٢ - قصة المسخ:
ينقل الإمام السيوطي في تفسيره الدر المنثور: ١/ ١٠٣ - ١٠٥ رواية عن علي بن أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ سئل عن المسوخ، فقال: هم ثلاثة عشر: الفيل، والدب، والخنزير، والقرد، والجريث، والضب، والوطواط، والعقرب، والدعموص، والعنكبوت، والأرنب، والزهرة، وسهيل.
فقيل: يا رسول الله! وما سبب مسخهن؟ فقال:
أما الفيل: فكان رجلا جبارا لوطيا، لا يدع رطبا ولا يابسا، وأما الدب: فكان مؤنثا يدعو الناس إلى نفسه، وأما الخنزير: فكان من النصارى الذين سألوا المائدة، فلما نزلت كفروا، وأما القردة: فيهود اعتدوا في السبت، وأما الجريث: فكان ديوثا، يدعو الرجال إلى حليلته، وأما الضب: فكان أعرابيا يسرق الحاج بمحجنه، وأما
стр. 17
الوطواط فكان رجلا يسرق الثمار من رءوس النخل، وأما العقرب:
فكان رجلا لا يسلم أحد من لسانه، وأما الدعموص: فكان نماما يفرّق بين الأحبّة، وأما العنكبوت: فامرأة سحرت زوجها، وأما الأرنب:
فامرأة الزهرة: فكانت لا تطهر من حيضها، وأما سهيل: فكان عشارا باليمن،
وأما الزهرة: فكانت بنتا لبعض ملوك بني إسرائيل افتتن بها هاروت وماروت!!
فهل يقبل مسلم أن تحشى كتب التفسير بأمثال هذه الخرافات وهذا الهراء؛ الذي لا يرقى إلى درجة الخيال العلمي؟! والعجيب أن الحافظ السيوطي ذكر هذه القصة من غير سند، ولم يعلّق عليها بكلمة استنكار!!
٣ - بناء الكعبة:
نقل المفسرون في قضية بناء الكعبة أمورا تشبه الأساطير، وللتوسع يراجع: كتاب الدر المنثور للسيوطي: ١/ ١٢٥ - ١٣٧.
ومن ذلك ما رواه ابن جرير الطبري: عن عطاء بن أبي رباح قال: لما أهبط الله آدم من الجنة: كان رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء (١) يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة، حتى شكت إلى الله في دعائها، وفي صلاتها، فوجه إلى مكة، فكان
стр. 18
موضع قدمه قرية، وخطوه مفازة حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن فلم يزل يطوف به، حتى أنزل الله الطوفان فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم ﵇، فبناه، فذلك قوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) (١).
لكن ابن جرير ساق القصة دون أي تعليق، أو تبيان لدرجة الوضع!! ورحم الله الحافظ ابن كثير عند ما قال: ولم يجئ في خبر صحيح عن المعصوم ﷺ أن البيت كان مبنيا قبل الخليل ﵇، ومن تمسك في هذا بقوله: (مَكانَ الْبَيْتِ) فليس بناهض ولا ظاهر، لأن مراده: مكان المقدر في علم الله تعالى، المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم (٢).
٤ - في هجران المرأة الناشز:
في قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) (٣)، يقول أحد المفسّرين: معنى (وَاهْجُرُوهُنَّ):
أكرهوهن على الجماع واربطوهن، من هجر البعير إذا شدّة بالهجار!! ويعلّق الزمخشري على ذلك بقوله: وهذا من تفسير الثقلاء (٤).
وهذا أمر من الغرابة بمكان!! فإذا كانت الزوجة ناشزا عاصية زوجها، فكيف يقال له أن يكرهها على الجماع، فإذا أبت وعاندت، فعليه أن يربطها؟!
إنه مخالف لأبسط قواعد الشريعة، والتي أمرت الزوج أن يرسل
стр. 19
رسولا إلى زوجته قبل أن يواقعها: من كلمة جميلة، وابتسامة بريئة، أو هدية ما أو قبلة ونحو ذلك، وبالتالي فهو مخالف للغة العربية وسياق المناسبة.
فلو قرأ أمثال هذا الهراء مستشرق أو حاقد أو جاهل، أفعليه وزر إن ضرب زوجته أو عدّها في عداد الحيوانات؟!
ومن هنا نفهم السرّ وراء الحملات المسعورة والتي توجّه ضد هذا الدين، وتتهمه في مسألة ظلم المرأة، وللمسلمين دور كبير- وللأسف- في ترويج ذلك كله!!
٥ - قصة القوم الجبّارين:
في تفسير قوله تعالى: (قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها) (١) أورد المفسرون إسرائيليات وبدعا وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان، من ذلك ما أورده السيوطي عن أبي ضمرة قال:
استظل سبعون رجلا من قوم موسى في خفّ رجل من العماليق!! (٢) وما أورده ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه، حتى نزل قريبا من المدينة، وهي (أريحاء) فبعث إليهم اثني عشر نقيبا، من كل سبط منهم عين، ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة، فرأوا أمرا عظيما من هيبتهم، وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطا- بستانا- لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجني الثمار، فنظر إلى آثارهم فتبعهم، فكلما أصاب واحدا منهم أخذه، فجعله في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم، فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوه من أمرهم، فقال: اكتموا
стр. 20
عنا، فجعل الرجل يخبر أخاه وصديقه، ويقول: اكتم عني، فأشيع في عسكرهم، ولم يكتم منهم إلّا رجلان: يوشع بن نون، وطالب بن يوحنا، وهما اللذان أنزل الله فيهما: (قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ) (١).
ثم ينقل ابن جرير عن مجاهد أن عنقود عنبهم لا يحمله إلا خمسة أنفس، بينهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس وأربعة!! (٢)
ويلحق في هذا قصة محشوة بالأباطيل والإسرائيليات، وهي قصة:
عوج بن عوق.
ذكر المفسرون: أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع، وأنه كان يمسك الحوت، فيشويه في عين الشمس، وأن طوفان نوح لم يصل إلى ركبتيه، وأنه امتنع عن ركوب السفينة مع نوح، وأن موسى كان طوله عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع، ووثب في الهواء عشرة أذرع، فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرا لأهل النيل سنة و .. !!!
فهل يسمى هذا تفسيرا للقرآن وهو يخالف القرآن ذاته؟!
وذلك كلام الله في القرآن وهو يحدثنا عن دعاء نوح على قومه:
(رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) (٣) ثم يحدثنا عن مصارع الكافرين جميعا: (فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ) (٤).
ومعلوم أن الله أغرق ابن نوح لأنه عاند وتكبّر ورفض الركوب مع المؤمنين، وهذا ما أكّده القرآن في عدة مواضع، منها قوله تعالى:
стр. 21
(وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (١).
فكيف يغرق ابن نوح، وينجو بطل هذه القصة الخرافية وهو عوج بن عوق؟!
ثم من قام بحساب طوله هذا (٣٠٠٠ ذراع)؟!
علما أن هذا يخالف الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وفيه قول الرسول ﷺ : «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن».
ورحم الله ابن كثير، فقد ردّ على أمثال هذه الخرافات والبدع ردا قويا، واعتبرها كذبا وافتراء (٢).
٦ - خرافات في بعض القصص المتعلقة بالأنبياء ﵈:
مثال ذلك ما أورده البغوي وابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (٣).
قال ابن جرير: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم، وكفروا، وكانوا اثني عشر سبطا، تبرأ سبط منهم مما صنعوا، واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقا في الأرض، فساروا، حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون، يستقبلون قبلتنا!! (٤).
وقال البغوي: هم قوم خلف الصين بأقصى الشرق على نهر مجرى
стр. 22
الرمل يسمى نهر الأردن، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل ويسقون بالنهار ويزرعون، لا يصل إليهم منا أحد وهم على دين الحق، وذكر أن جبرائيل
﵇ ذهب بالنبي ﷺ ليلة أسري به إليهم، فكلمهم، فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا:
لا، فقال لهم: هذا محمد النبي الأمين فآمنوا به، فقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه مني السلام، فرد النبي ﷺ على موسى وعليهم، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة، وأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت، وقيل: هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي ﷺ ، والأول أصحّ!! (١).
ورحم الله الدكتور محمد أبو شهبة عند ما علّق على هذه الخرافة بقوله:
وأما ما ذكروه: فليس هناك ما يشهد له من عقل، ولا نقل صحيح، بل هو يخالف الواقع الملموس، والمشاهد المتيقن، وقد أصبحت الصين وما وراءها معلوما كل شبر فيها، فأين هم؟ ثم ما هذا النهر من الشهد؟! وما هذا النهر من الرمل؟! وأين هما؟! ثم أي فائدة تعود على الإسلام والمسلمين من التمسك بهذه الروايات التي لا خطام لها، ولا زمام!؟ وماذا يكون موقف الداعية إلى الإسلام في هذا العصر الذي نعيش فيه، إذا انتصر لمثل هذه المرويات الخرافية الباطلة؟!
إن هذه الروايات لو صحت أسانيدها لكان لها بسبب مخالفتها للمعقول، والمشاهد الملموس ما يجعلنا في حل من عدم قبولها، فكيف وأسانيدها ضعيفة واهية؟! (٢).
стр. 23
٧ - قصة سفينة نوح ﵇:
في كتب التفاسير بدع وأباطيل وإسرائيليات، خلال الأحاديث عن سفينة نوح ﵇، إلى درجة أنه يخيّل للإنسان أن المفسرين كانوا من ركابها!!
أخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن الحسن، قال: كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع.
وذكر ابن جرير عن ابن عباس قال: قال الحواريون لعيسى ﵇: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة، فحدثنا عنها، فانطلق بهم، حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب، قال:
أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: هذا كعب بن حام بن نوح، فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله- فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه؛ قد شاب، قال له عيسى ﵇: هكذا هلكت؟! قال: لا، مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة قامت، فمن ثم شبت، قال: حدثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثرت أرواث الدواب، أوصى الله إلى نوح: أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه، فوقع منه خنزير وخنزيرة!!
فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر يخرب السفينة بقرضه أوحى الله إلى نوح: أن اضرب بين عيني الأسد، فخرج من منخره سنور، وسنورة، فأقبلا على الفأر فأكلاه!!
وفي رواية أخرى:
أن الأسد عطس، فخرج من منخره سنوران: ذكر وأنثى، فأكلا الفأر، وأن الفيل عطس، فخرج من منخره خنزيران، ذكر وأنثى فأكلا
стр. 24
أذى السفينة، وأنه لما أراد الحمار أن يدخل السفينة أخذ نوح بأذني الحمار، وأخذ إبليس بذنبه، فجعل نوح ﵇ يجذبه، وجعل إبليس يجذبه، فقال نوح: ادخل شيطان- ويريد به الحمار- فدخل الحمار، ودخل معه إبليس، فلما سارت السفينة جلس إبليس في أذنابها يتغنى، فقال له نوح: ويلك من أذن لك؟!
قال: أنت! قال: متى؟ قال: أنت قلت للحمار ادخل يا شيطان، فدخلت بإذنك.
وزعموا أيضا:
أن الماعز لما استصعبت على نوح أن تدخل السفينة فدفعها في ذنبها، فمن ثم انكسر، وبدا حياها، ومضت النعجة فدخلت من غير معاكسة، فمسح على ذنبها، فستر الله حياها- يعني فرجها-!!
وزعموا أيضا: أن سفينة نوح ﵇ طافت بالبيت أسبوعا! بل رووا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ : «إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا، وصلت عند المقام ركعتين».
وزعموا أيضا: أنه لما رست السفينة على الجودي وكان يوم عاشوراء صام نوح، وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرا لله!!! (١).
هل هذه القصة وأمثالها توضع في كتب تفسير كتاب الله تعالى؟! ثم ما هو الدليل على أمثال هذه التفاصيل حول طول وعرض سفينة نوح، ثم من الذي نقل ما جرى ضمن السفينة؟
وبالتالي ما هي الفائدة المرجوة من حشو كتب التفاسير بأمثال هذه
стр. 25
التفاهات والمغالطات والبدع التي لا ترقى إلى أن تكون قصة خيالية للأطفال؟!
٨ - في قصة يوسف ﵇:
في تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (١).
أباطيل وإسرائيليات وبدع ساقها المفسرون، وهي لا توافق النقل الصحيح ولا العقل السليم، وتتنافى مع عصمة أنبياء الله ﵈، وهذه من القضايا التي لا تتسامح الشريعة معها، إذ ليست المسألة متعلقة برجل عادي، إنما هي بنبي ابن نبي ابن نبي ﵈، وسأنقل ما جاء في الدر المنثور لنرى إلى أي درجة وصل التهاون واللامبالاة أمام مقام المعصومين ﵈:
أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ قال: لما همّت به، تزينت ثم استلقت على فراشها، وهمّ بها وجلس بين رجليها يحلّ تبانه، نودي من السماء:
يا ابن يعقوب! لا تكن كطائر ينتف ريشه، فبقي لا ريش له، فلم يتعظ على النداء شيئا حتى رأى برهان ربه جبريل ﵇ في صورة يعقوب عاضا على إصبعيه، ففزع فخرجت شهوته من أنامله، فوثب إلى الباب فوجده مغلقا، فرفع رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له، واتبعته فأدركته، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه، فألفيا سيدها لدى الباب!!
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها)، قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان
стр. 26
من الطمع أن همّ بحل التكة، فقامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت، فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال: أي شيء تصنعين؟!
فقالت: أستحي من إلهي أن يراني على هذه الصورة، فقال يوسف ﵇: تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا أستحي من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟!
ثم قال لها: لا تنالينها مني أبدا، وهو البرهان الذي رأى!!
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﵁ في قوله: (وَهَمَّ بِها) قال: حلّ سراويله حتى بلغ ثنته، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، فمثل له يعقوب ﵇، فضرب بيده على صدره فخرجت شهوته من أنامله!!
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس ﵄ في قوله: (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) قال: رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضا على إبهامه، فأدبر هاربا وقال: وحقك يا أبت لا أعود أبدا!!
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة وسعيد بن جبير في قوله: (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) قال: حلّ السراويل وجلس منها مجلس الخاتن، فرأى صورة فيها وجه يعقوب عاضا على أصابعه، فدفع صدره فخرجت الشهوة من أنامله، فكل ولد يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا، إلا يوسف ﵇ نقص بتلك الشهوة ولدا، ولم يولد له غير أحد عشر ولدا!!!
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله
стр. 27
عنه في قوله: (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) قال: رأى يعقوب عاضا على أصابعه يقول: يوسف يوسف!!
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵁ في قوله:
(لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) قال: تمثل له يعقوب فضرب في صدر يوسف، فطارت شهوته من أطراف أنامله، فولد لكل ولد يعقوب اثنا عشر ذكرا، غير يوسف لم يولد له إلا غلامان!!
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة ﵁ في الآية قال: رأى آية من آيات ربه، حجزه الله بها عن معصيته، ذكر لنا أنه مثل له يعقوب عاضا على إصبعيه وهو يقول له: يا يوسف، أتهمّ بعمل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء؟ فذلك البرهان، فانتزع الله كل شهوة كانت في مفاصله!!
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرطي ﵁ قال: البرهان الذي رأى يوسف ﵇، ثلاث آيات من كتاب الله (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) (١) وقول الله: (وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) (٢) وقوله الله: (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) (٣).
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب قال: رأى في البيت في ناحية الحائط مكتوبا: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ
سَبِيلًا) (٤).
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن وهب بن منبه ﵁ قال:
стр. 28
لما خلا يوسف وامرأة العزيز، خرجت كف بلا جسد بينهما، مكتوب عليه بالعبرانية: (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) (١) ثم انصرفت الكفّ وقام مقامها، ثم رجعت الكفّ بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية:
(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) (٢) ثم انصرفت الكفّ وقاما مقامها، فعادت الكف الثالثة، مكتوب عليها: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) (٣) وانصرفت الكف وقاما مقامهما، فعادت الكف الرابعة، مكتوب عليها بالعبرانية: (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٤) فولى يوسف ﵇ هاربا!!
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في قوله: (لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) قال: آيات ربه، رأى تمثال الملك!! (٥).
أهكذا تكون كتب تفسير كلام الله سبحانه، روايات أقرب إلى الخيال والمنامات، وتحليلات لا تليق برجل عادي، فكيف يقبلها الحفاظ والرواة والمفسرون والمحدّثون إذا ألصقت بنبي ابن نبي؟!
ألا يحق للعاقل أن يتساءل: كيف تكتب آيات من القرآن باللغة العبرية قبل أن ينزل القرآن بآلاف السنين؟!
وإذا كان يوسف المعصوم هرب عند ما رأى صورة أبيه، فماذا يفعل الرجل العادي؟!
ثم ما هو فضله إذا كانت شهوته قد خرجت من إصبعه أو أنامل قدميه؟
стр. 29
ثم كيف يروى: مرة أنه لم يبق له إلا أحد عشرا ولدا، ثم مرة أخرى غلامين اثنين؟!
ثم أليس كلام المفسرين عن مراودته إياها يناقض القرآن الكريم وهو يحدثنا عن اعتراف زليخا بأنها هي التي راودته: (أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) (١) أو ليس الكلام الواضح في القرآن عن دخوله السجن يدل دلالة قاطعة على نزاهته وعصمته: (قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (٢).
أجل!!
إن أنبياء الله ورسله أعلى من أن يهمّ أحدهم بارتكاب الفاحشة- والعياذ بالله- فهم الصفوة المختارة، الذين عصمهم الله تعالى.
وكان الأجدر بالأئمة الأعلام كالسيوطي والطبري والبغوي والواحدي والثعلبي وغيرهم أن ينزّهوا كتب التفسير عن أمثال هذه الخرافات والضلالات والإسرائيليات، وإلا ما الفائدة من أن يفرد الطبري قرابة ثماني صفحات في سرد أمثال هذا الهراء؟!!
٩ - في إفساد بني إسرائيل:
أطنب المفسرون في الحديث عن إفساد بني إسرائيل مرة تلو مرة، وذكروا ما أنزل الله بها من سلطان، وسردوا أسماء مسميات ونحو ذلك.
ولدى البحث يتبين أن مردّ ذلك إلى الإسرائيليات والأباطيل!!
فالإمام السيوطي واين جرير الطبري وغيرهم فصّلوا تفصيلات
стр. 30
عجيبة (١)، لكن الحافظ ابن كثير ردّ ذلك كله، معتبرا إياه مع الموضوعات والكذب (٢).
وقد أورد القرآن الكريم الحكاية بشكل مجمل دون التعرّض لأمثال تلك التفصيلات، قال تعالى: (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) (٣).
فأيهما أفضل: التوقّف عند المنقول الصحيح وعدم الدخول في هذه التفريعات والجزئيات، أو النقولات عن وهب بن منبه وأمثاله؟!
وما هي الفائدة من سرد ثلاث صفحات من صفحات التفسير، والطبري ينقل لنا روايات وقصصا عجيبة تشبه الأساطير والخيال عن بخت نصّر وأفعاله؟!
١٠ - قصة أهل الكهف:
قص البيان الإلهي القصص لهدف أسمى، وهو ما ذكره القرآن ذاته، قال الله تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) (٤).
وأكد الهدف من تدرج الآيات وذكر القصص في القرآن، فقال
стр. 31
تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا) (١).
لكن مما يؤسف له أن غالبية كتب التفاسير تحدثت عن أمور فرعية ما أنزل الله بها من سلطان، واستفاض بعض المفسرين في نقل روايات تتحدث عن الأمر الذي ما ذكره القرآن أبدا!!
ففي قصة أهل الكهف بدل أن يحدثنا المفسرون عن العبرة من ذكر الله لقصتهم في القرآن، وخاصة تركيز العقيدة في النفوس، من خلال التعلّق بالله وعدم الخوف ممن سواه، بدل ذلك أطنب واحد من المفسرين كالإمام السيوطي في نقل روايات تتحدث عن لون الكلب! واسمه! وعدد أهل الكهف! ومكانهم!!!
والطامة الكبرى أنه نقل روايات بنى أصحابها على ذلك استنباطات لا ترقى إلى درجة جديرة لأن تكون من قصص الخيال للأطفال!!
من ذلك ما رواه السيوطي عن ابن عباس في قوله تعالى: (ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) (٢).
قال: أنا من القليل، مكسلمينا وتمليخا، وهو المبعوث بالورق إلى المدينة، وعرطوس ونينوس ودردوتس وكفاشطهواس ونطفوا سيسوس، وهو الراعي، والكلب اسمه قطمير، دون الكردي وفوق القبطي الألطم، قال أبو عبد الرحمن: بلغني أن من كتب هذه الأسماء في شيء وطرحه في حريق سكن الحريق!!!
وينقل الحافظ السيوطي أمثال هذه الرواية، وهي تتعلق بالأمور التي أمرنا الله بعدم البحث عنها، مثال ذلك:
стр. 32
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) (١).
قال: اسم كلبهم قطمور!
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اسم كلب أصحاب الكهف:
قطمير!
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قلت لرجل من أهل العلم:
زعموا أن كلبهم كان أسدا، قال: لعمر الله ما كان أسدا، ولكنه كان كلبا أحمر خرجوا به من بيوتهم يقال له: قطمور!
وأخرج ابن أبي حاتم عن كثير النواء قال: كان كلب أصحاب الكهف أصفر!!
وأخرج ابن أبي من طريق سفيان قال: قال رجل بالكوفة يقال له عبيد، وكان لا يتّهم بالكذب، قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء أنبجاني!!!
لكن، هل هكذا يفسّر القرآن الكريم؟!
إن من العجب الذي لا ينتهي أن يلجأ مفسرون كبار إلى تسويد عدد لا بأس به من الصحف ضمن أمثال هذه القصص الخيالية.
والأنكى من ذلك أن توثّق القصة بمصطلحات كبيرة (مثل: وكان لا يتهم بالكذب)، ثم ينقل لك أنه رأى كلب أهل الكهف أحمر اللون!!
ألم يخطر ببال أولئك العمالقة: كيف عاش كلب أهل الكهف آلاف السنين؟!
стр. 33
وكيف رآه رجل في العصر الأموي أو العباسي ولم يره أحد من الصحابة الكرام؟!
علما أن سياق القصة في القرآن أشارت إلى عدم ابتداع أمثال هذه الأمور، فلا فائدة من البحث في عدد أهل الكهف: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) (١).
وحتما كانت الفائدة أكبر لو ذكر لنا السيوطي وابن جرير وغيرها الهدف من القصة، وحصروا الأمر بما جاء في القرآن الكريم، لكن وللأسف!! (٢).
١٠ - في قصة يأجوج ومأجوج:
خلط المفسرون في سياق تفصيلات وتعريفات هذه القصة خلطا كبيرا، وتكلموا عن: عددهم، وطولهم، وطريقة أكلهم، ونحو ذلك، والنقل الصحيح والعقل السليم يكذب ذلك كله، ولا حول ولا قوة إلا بالله!! (٣).
١١ - قصة بلقيس ملكة سبأ:
وقد ذكرها القرآن الكريم بشكل تفصيلي، كما في سورة النمل:/ ٣٢ - ٤٤/.
وكالعادة سوّد المفسرون صحائف عديدة وهم يتحدثون عن الهدية التي أرسلتها إلى النبي سليمان! وتكلموا عن عدد الجواري والغلمان الذين حملوا الهدية!!
стр. 34
ثم أكثروا من الروايات في اسم الذي جاء بعرشها إلى المكان الذي يجلس فيه سليمان، مثال ذلك ما أورده الحافظ السيوطي:
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله: (قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ) (١) قال: عظيم كأنه جبل!
وأخرج ابن جرير وابن ابي حاتم عن شعيب الجبائي قال: كان اسم العفريت كوزن!
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال: اسمه كوزي!
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان في قوله تعالى: (قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ) (٢).
قال: هو آصف بن برخيا، وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم!
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد: كان اسمه أسطوم!
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال: هو الخطر!
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال: هو رجل من الإنس يقال له: ذو النور! وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: هو آصف بن برخيا بن مشعيا بن منكيل، واسم أمه باطورا من بني إسرائيل!
أما كيف استطاع هذا العملاق أن ينقل عرش بلقيس، فإليك بقية الحكاية: أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال: لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء، ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان!!
وهكذا يفصّل المفسرون هذه القصة تفصيلا غريبا، بحيث يضعون
стр. 35
لكل جزئية روايات عدة حتى إذا ما انتهت القصة، أرادوا أن يثبتوا لك صحتها وصدقها فقالوا:
عن الأوزاعي قال: كسر برج من أبراج تدمر، فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء مدمجة كأن أعطافها طيّ الطوامير، عليها عمامة طولها ثمانون ذراعا، مكتوب على طرف
العمامة بالذهب: (بسم الله الرحمن الرحيم) أنا بلقيس ملكة سبأ زوجة سليمان بن داود، ملكت الدنيا كافرة ومؤمنة، ما لم يملكه أحد قبلي ولا يملكه أحد بعدي، صار مصيري إلى الموت فأقصروا يا طلّاب الدنيا (١).
بعد ذلك كله نقول: ألم يكن الأجدر بكتب التفسير أن تنزّه عن مثل هذا اللغط واللغو والإسرائيليات والموضوعات؟
أو كان ينقص المسلمين أمثال هذا الترف في القول والكتابات؟
ولماذا لم توجّه طاقات المفسرين والعلماء إلى البحث في كل ما يفيد من قرآن وسنة ونحو ذلك؟!
١٢ - قصة داود ﵇:
والتي ذكرها القرآن بشكل تفصيلي، كما في سورة ص:
/ ٢١ - ٢٥/ لكن التوسع كان في قضايا هامشية، بل فيها طعن بعصمة أنبياء الله بحيث تصوّر الروايات مكر نبي الله داود، فلما أمات النبيّ داود زوج المرأة الجميلة تزوجها داود، ولما ندم داود على فعله، هبط عليه ملك من ملائكة الله، فسجد، ومكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه، فأكلت الأرض جبينه، وهو يقول في سجوده: ربّ زلّ داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب!! (٢).
стр. 36
وحاشا أن يتم ذلك مع نبي معصوم.
١٣ - قصة أيوب ﵇:
تحدث المفسرون عن المرض الذي أصابه، وبالغوا في ذلك، حتى ذكروا أمورا لا دليل عليها، وبالتالي تنافي مهام النبي وعصمته ومقامه المحمود، من ذلك ما رواه الإمام السيوطي عن قتادة في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ) (١).
قال: ذهاب الأهل والمال، والضر الذي أصاب في جسده، قال:
ابتلى سبع سنين وأشهرا، فألقي على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن!! (٢)
هل تقبل هذه الرواية المتعلقة بنبي معصوم، حتى لو رواها قتادة أو أبوه أو ما إلى هنالك؟!
إننا لا نقبلها لعالم أو صالح، فكيف نقول إن نبيا معصوما له مهمة تبليغ الناس رسالة الله، كيف يقال: إنه ألقي على القمامة سنوات، وأن الدود والدواب كانت تأكل من جسده، وأن الناس ابتعدوا عنه؟! فكيف يبلغ رسالة الله للناس وهو على ذلكم الحال الذي لا يطاق ولا يتصوّر؟!
وهكذا الحال في كثير من القصص التي رواها المفسرون، ومن أراد التوسّع فليرجع إلى ما كتبوا حول:
قصة إرم ذات العماد، أو بما يتعلّق بعمر الدنيا وبدء الخلق، وخلق الشمس والقمر، وبعض الظواهر الكونية كالرعد والبرق والصواعق، والحديث عن جبل ق المحيط بالكون كله وما إلى هنالك!!
стр. 37
إذا:
إذا كانت غالبية كتب التفاسير مليئة بالإسرائيليات والموضوعات والخرافات والقصص الخيالية، أليس الأجدر بنا أن نعود إلى المفسّر الأول للقرآن الكريم وهو خاتم الأنبياء محمد ﵊؟
نعم، فالعودة إلى الأصول من الأصول، وليس أخبر بكتاب الله بعد الله غير رسول الله ﷺ .
من هنا كانت فكرة إظهار التفسير النبوي الصحيح، حيث الاعتماد محصور بما ورد من أحاديث صحيحة، بعيدا عن الحشو والتضخيم.
ولعل من المفيد أن نتّبع التسلسل القرآني، موردين ذلك شرحا وحفظا، معترفين أن هذا العمل لا يناسب الكثيرين، لكن ما دام العمل مبنيا على النحو الذي قال نبي الله شعيب ﵇ وهو يخاطب قومه الذين رفضوا مقولاته: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (١).
معتذرا من ساداتنا العلماء المفسرين، والذين تعبوا كثيرا من أجل جمع هذه المعلومات حول ما يتعلق بكتاب الله، سائلا من الله أن يسامحني إن أخطأت، وأن يجعل الرحمات تتبع كل العلماء العاملين المخلصين.
...
стр. 38
الفصل الثالث هل فسّر الرسول ﷺ القرآن كله ؟
أنزل الله القرآن على قلب النبي ﷺ ، وجاء فيه تعهّد الله بحفظه وبيانه، قال الله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (١).
وفي القرآن الكريم بيان واضح لإحدى وظائف رسول الله ﷺ ، وهي تبيين معاني القرآن الكريم، قال تعالى: (* يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ) (٢) وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (٣).
وبالتالي فالسنة النبوية شقيقة القرآن الكريم، فما جاء مجملا في القرآن فصّلته السنّة، وما جاء عاما خصصته السنة، وما جاء مطلقا قيدته السنة، وهكذا.
فالقرآن الكريم وحي من الله تعالى، بنصّه ومعانيه، أمّا السنة فهي وحي من الله من جهة معانيها، بينما نصوصها فهي من كلام رسول الله ﷺ .
ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
стр. 39
يُوحى) (١) وقول رسول الله فيما رواه الإمام مسلم: «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد».
وقوله ﷺ فيما رواه أبو داود «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه».
ويفهم من هذا الحديث وغيره أن الله تعالى أنزل القرآن على النبي ﷺ وأذن له في شرح ما في هذا القرآن وتفصيله، وعلق الإمام القرطبي على هذا الحديث بقوله: فقوله: «أوتيت الكتاب ومثله معه» معناه أنه أوتي الكتاب وحيا يتلى، وأوتي من البيان مثله، أي أذن أن يبين ما في الكتاب، فيعم ويخص، ويزيد عليه، ويشرح ما في الكتاب، فيكون في وجوب العمل به ولزوم قبوله كالظاهر المتلو من القرآن.
ويحتمل وجها آخر: وهو أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو، مثل ما أعطي من الظاهر المتلو، كما قال تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) (٢).
وأما قوله: «يوشك رجل شبعان ... إلخ» فالمقصود منه التحذير من مخالفة السنّة التي سنّها الرسول ﷺ وليس لها ذكر في القرآن، كما هو مذهب الخوارج والروافض الذين تعلّقوا بظاهر القرآن، وتركوا السنن التي ضمنت بيان الكتاب فتحيّروا وضلّوا.
стр. 40
روى الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ ويحضره جبريل بالسنّة التي تفسير ذلك.
وروي عن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السنّة من السنّة إلى القرآن (١).
لكن: هل فسر الرسول ﷺ القرآن كله؟
هناك جدل بين العلماء في هذه المسألة، وقد أراحنا الشيخ محمد حسين الذهبي في البحث عن ذلك، حيث قال:
اختلف العلماء في المقدار الذي بيّنه النبي ﷺ من القرآن لأصحابه:
فمنهم من ذهب إلى القول بأن رسول الله ﷺ بيّن لأصحابه كل معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه، وعلى رأس هؤلاء ابن تيمية (٢).
ومنهم من ذهب إلى القول: بأن رسول الله ﷺ لم يبيّن لأصحابه من معاني القرآن إلا القليل، وعلى رأس هؤلاء: الخويّيّ (ت: ٦٣٧ هـ) والسيوطي (ت: ٩١١ هـ) (٣).
وقد استدلّ كل فريق على ما ذهب إليه بأدلة نوردها ليتضح لنا الحق، ويظهر الصواب.
- أدلة من قال بأن النبي ﷺ بيّن كل معاني القرآن: