← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 1191–1226 · переход к 1196.

стр. 1191

يأمرهما بإقامة الخطبة له في بلادهما، وأصحب الرسولين بالفقيه نجم الدين الخوارزمي، فأبطأ (١) عن السلطان ولم يعد إلا بعد عود السلطان من الروم على الوجه الذي لا يروم (٢). ومنها أن خلاط لما عظم بها البلاء، واشتد الغلاء، خرج من أهلها في يوم واحد مقدار عشرين ألف إنسان، وقد تغيرت صورهم من الجوع، حتى أن الأخ لايعرف الأخ، وكان شرف الملك الوزير يطعمهم فيذبح لهم كل يوم عدة أبقار، فما سكنت نفوسهم، حتى مات أكثرهم، وتفرق الباقون أيدي سبأ (٣). ومنها أن السلطان علاء الدين خوارزم شاه والد جلال الدين كان مدفونا بالجزيرة (٤) على ما ذكرنا، فسنح لجلال الدين وهو محاصر لأخلاط أن يبني مدرسة بأصفهان، وينقل تابوت والده من الجزيرة، فسير مقرب الدين مِهْتَر مهتران مقدم الفراشين (٥) إلى أصفهان، وكان هو الذي تولى غسل علاء الدين خوارزم شاه، ليبنى بها مدرسة، فيها قبة للدفن، ويكون فيها بيت الثياب، وبيت الفرش (٦)، وبيت (٧) الطشت، والركاب (٨)، وغير ذلك، وأصحبه ثلاثين ألف دينار، للشروع في عمارتها، وتقدم للوزير بالعراق بإطلاق ما يحتاج إليه تمام العمارة من وجوه الديوان، وأن يستعمل لها آلات الذهب من

стр. 1192

الشمعدانات والطشت والإبريق، وأن يقام بالباب فرس النوبة (١)، فسار المقدم إلى أصفهان، وشرع في العمارة. قال أبو الفتح: ووصلت إليها بعد أربعة أشهر، فوجدتها قد طلع بنيانها قدر قامة، وكاتب السلطان عمته شاه خاتون صاحبة سارية من أعمال مازندران. وكان أبوها تكش (٢) قد زوجها لملك مازندران أردشير (٣) بن الحسن [وتوفي عنها] (٤) بأن تركب بنفسها ومن بمازندران من الملوك والأمراء والصدور، فينقلون التابوت من الجزيرة إلى قلعة أردهن (٥)، وهي أحصن قلاع الأرض، إلى أن تتم عمارة المدرسة بأصفهان، ثم تنقل التابوت إليها. قال أبو الفتح: ولعمري كنت أكتب هذا التوقيع كارها لعلمي بأن جثته ما سلمت من إحراق التتار، ولقد أحرقوا عظام كل سلطان مدفون بأي أرض كان، حتى أحرقوا عظام السلطان (٦) محمود بن سبكتكين، وأخرجوه من قبره بغزنة، فأحرقت عظامه (٧). ومنها أن مجير الدين يعقوب بن الملك [١١١] العادل أبي بكر بن أيوب قرع سور خلاط يوما، والتمس حضور السلطان ليتحدث معه، فيما يعود إلى حصول الغرض،

стр. 1193

فلما حضر قال: إن الضر قد اتضح، وإن الطائفتين قد هلكتا، فهل لك أن تبارزني فيعود الأمر إلى فيصل؟ فقال السلطان: ومتى يكون ذلك؟ قال: بكرة غد. فلبس السلطان لأمة (١) حربه صباح غد، وبلغ ذلك الوزير (٢)، فأسرع إليه، وقال: مجير الدين ليس من أقران السلطان، وليس يليق بالسلطان أن يبارزه، ولو علمنا أن السلطان إذا أهلكهـ حصل مقصوده لرضينا به، فقال السلطان: هو كما ذكرت، ولكن كيف لا أقاتل إذا دُعِي نزال؟ ثم ركب وحده، وساق على الميعاد، ووقف وأعلم بحضوره، فشتموه وأمطرت عليه السهام، ولم يخرج مجير الدين، فرجع السلطان (٣). ومنها ما قاله أبو الفتح: إن السلطان استحضرني ليلة، فوجدت عنده عجوزا ذات هيبة قد خرجت من خلاط برسالة مزورة من الزكي العجمي، وكان من ذوي الحظ عند الملك الأشرف، والسلطان يعبّر عن لسانها بثلاث لغات: الفارسية، والتركية، والأرمنية، ورسالتها أن الزكي العجمي استدعي من السلطان خمسة آلاف دينار يفرقها في الأجناد، فيجلب (٤) أهواءهم بها إلى السلطان، حتى يرضوا بتسليم خلاط، ثم يفتح باب الوادي صباح غد فيدخل السلطان. فلما شاورني في ذلك قلت: إن الزكي من دهاة عصره ومن لا [يخفى] (٥) عليه الخطأ، وهو رجل عاقل لا يدخل في مثل هذه القضية، وأنا أعرفه حين ورد رسولا على السلطان، ومع هذا رأيت السلطان لشدة حرصه على أخذ خلاط، قد عزم على تسليم المطلوب إلى العجوز، فلما كررت عليه الكلام رجع عن ذلك، ولكن حرصه على أخذ خلاط حمله على أن أعطاها ألف دينار، وقال لها: إن بان لي صدفك بعلامة أخرى سلمنا إليك خمسة آلاف دينار، فرجعت ليلا ودخلت خلاط، وما كان للحديث أصل، وشاع الخبر في العسكر، وجاء إلى عز الدين أيبك من أخبره بأن الزكي بكاتب جلال الدين، فقتله من [١١٢] غير ذنب صدر منه، ولما ملك السلطان

стр. 1194

خلاط ظفر بالعجور بعض السرهنكية (١)، فأخرجها من مدبغة ومعها زوجها شيخ هرم، فأحضرت الذهب وقد نقصت منه ثلاث مائة دينار، وقيل: إنها خنقت، وكانت فائدة التزوير هلاكها، وهلاك زكي الدين (٢). ومنها أن عز الدين أيبك كتب كتابا إلى الملك الأشرف بالألغاز، وكذلك كتب مجير الدين إليه، فَمُسِكَا في الطريق. قال أبو الفتح: فناولني إياهما السلطان، وأعانني الله على حلهما، ومضمونهما الشكوى مما هم فيه من الضائقة، وفيهما أن العدو قد سحر السماء فلم يقع لا ثلج ولا غيره بحدود خلاط في هذه السنة، ومسك أيضا كتاب الأشرف إليهما، ومضمونه أن الذي ذكرتم من سحر العدو ليس له أصل، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، غير أن السنوات تختلف أحوالها، فتارة يتقدم الثلج، وتارة يتأخر، وها نحن عن قريب واصلون بالعسكر لكشف الضر وسنطردهم إلى ما وراء جيحون (٣). ومنها وفاة صاحب الديوان (٤) شمس الدين محمد، وكان من كبار الصدور وتولي بعده الجمال على العراقي (٥). ومنها إحضار وزير علاء الدين (٦) صاحب ألموت أسيرا، أسره برهان (٧) الذين سكر، مقطع ساوة (٨)، وسيره إلى خلاط، فحمل إلى قلعة دزمار (٩) وحبس فيها إلى أن هلك (١٠).

стр. 1195

ومنها ورود رسل صاحب الروم علاء الدين كيقباذ (١): وهم شمس الدين ألتون أبه (٢) الجاشنكير (٣) وكمال الدين ليماز (٤) بن إسحاق، وقاضي ارزنجان بهدايا وألطاف فيها ثلاثون بغلا موقرة، أحمالا من الأطلس، والحطابي والقندس (٥) والسمور وغيرها، وثلاثون مملوكا بالخيل والعدة، ومائة فرس، وخمسون بغلة بالجلال، فلما وصلوا إلى أرزنجان تعذر وصولهم إلى السلطان لأن صاحبها ركن الدين جهان شاه بن طغرل كان يعادي صاحب الروم، ويوالي جلال الدين، فما مكنهم من التوجه إلا بعد أن اتفق هو مع جلال الدين ودخل في طاعته، وحضر إلى خدمته، وأحضر الرسل المذكورين معه، ثم أن خلاط أخذت في سنة ست وعشرين [١١٣] وستمائة على ما ذكرنا (٦). وأراد السلطان أن يحمي خلاط من النهب، فغلبوه على رأيه، وحضر الخانات والأمراء وقالوا: إن العسكر قد ضعفت من طول الحصار، وماتت دوابهم، فإن منعتهم عن النهب قعد بهم الضعف عن لقاء العدو، فرضي بذلك، ونهبوا ثلاثة أيام، واستخرجوا دفاينهم وخباياهم بالمعاصير، فمن وقع بيده من الأخلاطية عذبه بأنواع العذاب، فهلك بذلك قوم، والذي يقوله الناس من أن جلال الدين أمر بقتل من بها غير صحيح، فإن قوة هلاكهم كانت بالغلاء، ونزل إليه مجير الدين وتقي الدين ابنا العادل، وعز الدين أيبك متولى أخلاط، فأبقى على الأخوين، وقتل عز الدين بعد أمور كثيرة (٧). ثم إن جلال الدين ندم على إذنه بالنهب والتخريب، فأطلق من الخزانة أربعة آلاف دينار ليجدد ما خربت المجانيق من السور، فعُمِّر في أسرع وقت، وأقطع الكور من

стр. 1196

أعمالها الخانات والأمراء، واستدعى (١) منه أورخان إقطاع سر ماري (٢)، فأجابه إليها لسخطه على شرف الدين أزدَرَه صاحبها (٣). ثم إن جلال الدين سار إلى منازجرد لترتيب المحاصرة، فوصل إليه ركن الدين جهان شاه بن طغرك صاحب أرزن الروم ثانيا، وأعلمه باتفاق ملوك الشام والروم عليه، وقال: إن الرأي في مبادرتهم قبل أن يجتمعوا، فأمره عند ذلك أن يرحل صوب أرزن الروم، فيتجهز بها، ويرحل السلطان بعده بخمسة أيام في عساكره، فيذهبان إلى خرت برت (٤) ويقيمان بها منتظرين حركة العسكرين، فأيهما تحرك أولًا ساقا إليه قبل اتصاله بصاحبه، فمرض بها مرضًا شديدا، وكانت الخانات والأمراء يحضرون الباب أيام مرضه على العادة، ثم تواترت كتب ركن الدين مُعْلمةً بحركة العسكرين على نية الاجتماع، فحين خف عنه المرض، ركب فنزل شرف الملك الوزير بعسكره وعسكر العراق على منازجرد، وتكين مُقْطع خُوّى، على بركري (٥)، وجردَّ أمامه أو ترخان في ألفي فارس برسم اليزك، فصادف بِيَاشْجُمان عسكر ارزنجان وخرت برت، فالتقاهم، ثم شاعت الهزيمة في الروم فقتلوا، وفي ثاني اليوم وصلت عساكر الروم والشام فتلاقوا، وجرى بينهم قتال شديد، فانهزم جلال الدين وأُسِر [١١٤] ألغ (٦) خان، وأطلس ملك، وعدَّة من المفاردة، فأمر كيقباد بضرب أعناقهم على ما ذكرناه مفصلا (٧).

стр. 1197

ذكر استيلاء الملك الأشرف على بعلبك وكان قد حاصرها قريبا من عشرة أشهر، واشتدَّت مضايقة عسكره لها، وكان بها الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه (١)، فأذعن إلى تسليمها لابن عمها [الملك الأشرف] (٢)، وأقطعة الملك الأشرف قُصَيْر دمشق (٣)، والزبداني (٤)، ومواضع أُخر (٥). وتوجه الملك الأمجد إلى دمشق فقتل بها في السنة المذكورة، قتله مملوك كان عنده من أخص مماليكه، وذلك أنه فقد دواةً محلَّاةً له، واتهم بها هذا المملوك، وألزمه إحضارها فلم يعترف بها، فأمر باعتقاله في مرقدٍ بإيوان دارِه، ثم جلس على باب ذلك المرقد يلعب بالنرد (٦)، فخرج ذلك المملوك وبيده سيف مسْلول فضرب به أستاذه ضربا مثخنا، وطلع إلى سطح الدار ورمى بنفسه إلى قاعتها، فمات لوقته، وعاش الأمجد إلى الليل، ثم توفى، ودفن في مدرسة والده، وكانت مدة ملكهـ لبعلبك تسعا وأربعين سنة، من أيام عم أبيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وإلى هذه السنة. وكان ملكا جليلا، فاضلا متأديا، يحب العلماء والفضلاء والشعراء، وكان ينظم الشعر الجيد، ودون له ديوان من أشعاره (٧).

стр. 1198

ومن جيده قصيدة مطلعها: حي عني الحمى، وحى المصلي … وزمانًا بالرقمَتين تولى كان أغلى الأوقات في النفس قَدْرًا … فتلاشي زمانُه واضمحلا هل إلى ذلك الزمان سبيل … وضلال أن يقتضى الشوق "هلًا" بت والبرق لا أَمَلَّ دموعى … عند إيماضه، ولا البرق مَلا مستهاما ألقى الغرام بجسم … منذ أبلاه هجركُم ما أبلا ذا غليل من حُرقة البين والهجـ … ــــــــــــــــر بغير اقترابكم لن يُبلا أيها الناظمون هذا قرَيضي … دق في صنعة القريض وجلا يتمشى على السماكِ افتخارًا … ثم يضحى منه عليكم مُطلا وبغيضٌ إلى من ليس بدري … صنعة الشعر أن يكون مذلا بقريض إذا كسا الشعرُ عِزًا … قائليه، كساه هونًا وذلا ما يُسمى في حلبة الشعر يومًا … سابقًا لا، ولا أسْتُحِث (١) فَضَلا (٢) ومدحه جماعة من الشعراء منهم: شرف (٣) الدين بن عنين بقصيدة يمدح فيها شعره منها: لما تخبرني أروى قصائده … مضيتُ قدمًا وخلّفت الرواة ورا فأعجب لبحر غدا في رأس شاهقة … من العواصم طام يقذف الدُّرَرَا شعرٌ ثمت به الشعري لشركتها … فيه فباتت تباهى الشمس والقمرا سِحْرٌ ولكن هاروتا وصاحبه … ما روت ما نهيا فيه ولا أمرا كم (٤) قُمْتُ في مجلس السادات أنشده … فلم يكن لحسود في عُلاه مرا (٥)

стр. 1199

وقال ابن كثير (١): الملك الأمجد أشعر بني أيوب، وشعره مشهور، ومن شعره الرائق الفائق في شاب راه يقطع قضبان بان فأنشأ على البديهة: من لي بأهيفَ (٢) قال حين عتبته … في قطع كل قضيبِ بانٍ رائق تحكى شمائله الرِّشاء (٣) إذا انثنى … ريَّانَ بين جداول وحدائقِ سرقَتْ غصون البان لينَ شمائلي … فقطعتها والقطعُ حدُّ السارقِ وله دوبيت: كم يذهب هذا العمرُ في الحسرات … ما أغفلني فيه وما أنساني ضيّعتُ زماني كلَّهُ في لعبٍ … يا عمرُ هل (٤) بعدكَ عمرُ ثاني (٥) وقد رآه بعضهم في المنام، فقال [له] (٦): ما فعل الله بك؟ فقال: كُنت من ذنبي (٧) على وجلٍ … زالَ عَنِّي ذلك الوجلُ أَمِنَتْ نفسي بوائِقها … عشتُ لما متَّ يا رجل (٨) ذكر استيلاء الملك المظفر شهاب الدين (٩) غازي على مدينة أرزن (١٠) من ديار بكر (١١) وأخذها من صاحبها حسام الدين، والسبب في ذلك أن المذكور كان مصاحبًا للملك الأشرف ومناصحًا له في جميع حروبه، وينفق أمواله في طاعته، وكان في خلاط

стр. 1200

لما حضرها جلال الدين خوارزم شاه، ولقي من الشدّة والخوف ما لقى، ولما فتحت أَسَرَهُ جلال الدين فيمن أَسَر، وأراد أخذ مدينة أرزن منه، فقيل له: إنه من بيت قديم عريقٍ في الملك [١١٦] وإن أرزن صارت له من أسلافه مع غيرها من البلاد، فخرج الجميع من يده ولم يبق له غيرها، فتعطف عليه ورق له وأبقى عليه مدينته، وأخذ عليه العهود والمواثيق أنه لا يقاتله، فعاد إلى بلده وأقام بها. فلما جاء الملك الأشرف وعلاء الدين [صاحب الروم] (١) لمحاربة جلال الدين لم يحضر معهم الحرب وفاءً لجلال الدين، فلما انهزم جلال الدين جاء (٢) إليه الملك المظفر غازي بن العادل صاحب ميافارقين، فحصره بها ثم ملكها صلحًا، وعوضه عنها بمدينة حاني من ديار بكر، وهو من بيت قديم، يقال لهم: بيت طغان أرسلان، ويقال لهم: بيت الأحدب، وكان لهم مع أرزن بدليس (٣) وغيرها، ولم تزل بأيديهم من أيام السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي (٤)، وأخذ بكتمر (٥) صاحب خلاط مملوك شَاهَرْ مَنْ بدليس من عم حسام الدين هذا؛ لأنه كان موافقا للناصر (٦) الكبير (٧). ذكر قصد الفرنج حماة وفي شهر رمضان قصد الفرنج من حصن (٨) الأكراد وغيرها حماة في جَمْع كثير من الخيالة والرجَّالة، فخرج إليهم السلطان الملك المظفر تقي الدين محمود بن الملك

стр. 1201

المنصور في عسكر حماة ووصل الفرنج إلى أفنون (١) وهي ما بين حماة وبعرين، فقاتلهم وحمل عليهم فلم يثبتوا له، وولوا منهزمين وقتل من فرسانهم ورجالتهم جماعة، وأسر جماعة، ودخل حماة منصورًا، فمدحه الشعراء بقصائد منها (٢): أَبشر بما شئتَ من نصرٍ وتأييد … فعنك يُروي حديث البأس والجود وأنت ليثُ وغي تدمي مخالبه … في نحر كل طويل الباع صنديد وأنت غيثُ ندي تجرى عوائده … بجوده مثل جرى الماء في العود فَرّقْت بين المعالي والثراء كما … جمعت في العدل بين السد (٣) والسيد يَذُم بعض الوري بعضًا وقولهم … ما في البرية محمودٌ كمحمودِ مَلك إذا أغرق الأملاكُ في قنص … فصَيدهُ غُلْبُ آل الأصغر الصيدِ وإن سبتهم ذوات الحسن مال به … قَطْع الطُلى عن وصال الخرّد الغيد [١١٧] ومنها: لو نال مَلْك على مقدار همته … لنلت مُلْك سليمان بن داود ومنها: أما الفرنج فقد أخمدتَ نارهمُ … ولم تزل ذات إضرام وتوقيد من بعد ما حاد أملاك الطوائف عن … حفظِ البلاد وألقوا بالمقاليد ومنها: فما جنحت إلى سِلمٍ على غُبن … ولا قنعت بإرهاب وتهديد أقبلتهم رحب صدر ليس يحرجِه … ضيق المجال وقلبا غير مرءود (٤) ورُعْتهَم بخميس فَلّ جمعهمُ … بحرّ ضرب وطعن كالأخاديد فغودِروا بين مجروحٍ ومختبل … يبكي على هالك منهم ومصفود

стр. 1202

إن خُبرِّوا عنك بالبأس المنيع فقد … قام العيان بتصديق الأسانيد صاروا قطائع إذ راموا القطائع للـ … بيض القواطع في حُجب الوغى السودِ فلا تدع غزوهم في عقر دارهم … صغْوا إلى الزود من لوم وتفنيد واسلم، لك الملك مقصورٌ عليك ولا … زال الورى تحت ظل منك ممدود (١) ذكر بقية الحوادث منها أنه ظهر أمير من أمراء التركمان يقال له: شمس الدين سونج من قبيلة يقال لها: قيشالوا (٢)، فقوى أمره وقطع الطريق، وكثر جمعه، وكان قطعة الطريق ما بين إربل وهمذان، ثم إنه تعدى إلى قلعة حصينة (٣) للملك المعظم مظفر الدين كوكبوري (٤) بن زين الدين على كوجك (٥) صاحب إربل، وقتل عندها أميرًا كبيرًا من أمراء مظفر الدين، يقال له: عز الدين الحميدي واستولى على القلعة، فجمع مظفر الدين جموعا وأراد استعادتها منه، فلم يمكنه ذلك لحصانتها وكثرة جموع هذا التركماني الذي استولى عليها، فتركها مظفر الدين له، وأرسل إليه أهل قلعة روندز، وهي من قلاع أذربيجان الحصينة، ليسلموها إليه، فسار إليها وتسلمها وملكها، وأزال عنها أصحاب جلال الدين مع مهابته، ولما ملكها سونج المذكور طمع في غيرها، لاسيما وقد اتفق ضعف جلال الدين بما (٦) أصابه من الهزيمة، فنزل سونج إلى مراغة وحصرها، فأتاه منها سهم غَرْب (٧) فقتله، فلما قُتِل مَلَكَ القلعة بعده أخوه، ثم أنه نزل من القلعة وقصد أعمال

стр. 1203

تبريز، ونهبها، وعاد إلى القلعة بالنهب ليجعله مَدْخورا فيها، فصادفه [١١٨] طائفة من التتار فقتلوه وأخذوا ما معه، فملكت القلعة أخت (١) له، وكل هذا أمر يسير (٢). ومنها أنه وصل جهان بهلوان من الهند إلى العراق ومعه سبع مائة فارس، وذلك أن السلطان جلال الدين رتبه مقدما على عسكره بالهند، فأحسن السياسة، فقصده عسكر أيلتمش (٣) قطرده عنها، وتخلف جماعة منهم: الحسن قزلق الملقب بوفا ملك، فلما وصل جهان بهلوان رسم له جلال الدين بعشرين ألف دينار تحمل إليه من مال العراق، وأن يُشَتي بالعراق ليعود إلى الخدمة، وصادف وصوله من الهند عود السلطان على الوجه الذي تقدم ذكره، وكان يريد المثول بين يديه، فجاءت الأخبار بورود التتار، فحالت بينهما (٤). ومنها أنه ولد للملك العزيز (٥) بن الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب حلب ثلاثة أولاد ذكور، أحدهم: وهو أول أولاده سماه غازي (٦) ولقبه الظاهر، والثاني: سماه العادل (٧)، والثالث: سماء صلاح الدين (٨) يوسف ولقبه بالناصر (٩).

стр. 1204

ومنها أن شيركوه (١) صاحب حمص شرع في عمارة قلعة شُمَيْس (٢)، وكان لما سلم إليه الملك الكامل سلميه قد استأذنه في عمارة تل شميمس، فأذن له بذلك، ولما أراد شيركوه عمارته أراد الملك المظفر صاحب حماة منعه من ذلك، فلم يمكنه ذلك لكونه بأمر الملك الكامل (٣). ومنها أن الفرنج أخذوا جزيرة مَيْورْقَةُ (٤) وقتلوا بها خلقًا وأسروا آخرين، فقدمُوا بهم إلى الساحل، فاستفكهم المسلمون، وقدموا إلى دمشق، وأخبروا بما جرى عليهم (٥). وفيها ...... (٦) وفيها لم يحج أحد من الشام ولا في السنة التي قبلها، ولا فيما قبل قبلها، فهذه ثلاث سنين لم يحج أحد من الشام (٧). ذكر من توفي فيها من الأعيان الشيخ الصالح أبو (٨) البركات الحسن بن محمد بن الحسين بن هبة الله بن عبد الله بن الحسن الشافعي، المعروف بزين الأمناء، ابن عساكر، وكانت له روايات كثيرة الكتب الحديث وغيرها من عَمَّيْه الحافظ أبي القاسم على، والصائن أبي الحسين هبة الله ابني الحسن، وكان قد أقعد في آخر عمره، وكان يُحْمل في محفة [١١٩] إلى الجامع وإلى دار الحديث [النورية] (٩)، مات ليلة الجمعة، السادس عشر من صفر من هذه

стр. 1205

السنة، ودفن عند قبر أخيه الفقيه أبي منصور عبد الرحمن بن محمد، المعروف بالفخر ابن عساكر، بالشرف القبلي بظاهر دمشق، وعُمِّرَ، وتَفّرَّد بالرواية، وجاوز الثمانين بثلاث سنين ﵀. الشيخ بيرم (١) المارديني، كان صالحا منقطعًا محبًا للعزلة عن الناس، وكان مقيما بالزاوية الغربية من الجامع، وهي التي يقال لها الغزالية (٢) وكانت تعرف (٣) بزاوية الدولعي، وقبله بزاوية القطب النيسابوري، وقبله بزاوية الشيخ أبي نصر المقدسي. ابن الجاموس (٤) عز الدين كان الأمير شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين استخدمه على ديوانه في هذه السنة، وأعطاه الكوسات (٥) والأعلام، وقدمه على جماعة، ودُعي بالصاحب الأمير عز الدين، ومكنه غازي من البلاد والعباد، فبدا منه من الكبر والجبروت، والظلم والعدوان، بحيث كان الجُلَنْدى [الذي يأخذ كل سفينة غصبا] (٦) عنده كسرى أنو شروان، وكان غازي قد اقترض من البدر بن المسخف الشاعر لما توجه إلى مكة عشرة آلاف درهم، وكتب له بها توقيعًا على أنَضِّ الجهات، فمطله ابن الجاموس، وأحاله على جهات منكسرة، ولقى منه أمورًا عسرة، فهجاه بأبيات، وكتب بها إلى غازي، فمنها:

стр. 1206

أبوه الذي أفتى قديما بسبكم … جهارا وهذا الابن من ذلك الصلب فأبْعِدُه وُقِيتَ الردى عن دياركم … وقابِلْه بالإعراض والفتك والصَّلْبِ فقد قيل بيتًا سائرًا في مثاله … وسار مسير الشمس في الشرقْ والغرب ومن ربط الكلب العقور بِبَابه … فعقر جميع الناس من رابط الكلب (١) مات ابن الجاموس في هذه السنة بميافارقين، فاستولي غازى على تركته ودوابه وغلمانه، ولعنه غازي، وقال: لقد ظلم الرعية ووسخ أعراضنا، فدعوا علينا بسببه، وجماعة من دمشق طلبوا تركته، فسبهم غازي، وقال: بأي شيء جاءني ما جاء إلا بِجُبة (٢) وبرطوس (٣) وأعطى عمه ألف درهم [١٢٠].

стр. 1207

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله (١)، والسلطان الملك الكامل صاحب مصر بالديار المصرية، وأخوه الملك الأشرف بدمشق، وقد تخلى عن البلاد الشرقية، فإن حران وما معها صارت لأخيه الملك الكامل، وأما أخلاط وبلادها التي كانت للأشرف فقد صارت خرابًا يبابًا، بإفساد جلال الدين خوارزم شاه على ما ذكرناه، ولم يكن للأشرف ولد ذكر، فقنع بدمشق، واشتغل باللهو والملاذ، ثم في هذه السنة قد سار الأشرف إلى أخيه الكامل فأقام عنده بالديار المصرية متنزها (٢). وصاحب حلب الملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الظاهر غازي بن السلطان صلاح يوسف بن أيوب، اشتغل في هذه السنة بالممالك الحلبية ودبَّرها، وتصرف في أحوالها، وبلغ من العمر ثماني عشرة سنة، وسلم إليه أتابكه (٣) شهاب (٤) الدين طغريل الخزائن، وخرج العزيز من القلعة ودار القلاع والحصون التي له، ونزل الأتابك شهاب الدين من القلعة، وكان له بها نحو خمس عشرة سنة ملازمًا من حين مات السلطان الملك الظاهر غازي (٥).

стр. 1208

ذكر قصد التتار بلاد الإسلام وفي هذه السنة وصلت مقدمة التتار إلى تخوم أذربيجان، ورحل جلال الدين من تبريز إلى موقان (١)، وكان قد جرد جماعة بهلوانية (٢) ليكشفوا خبر التتار في العراق، فلما وصلوا إلى مرج [شروان] (٣) بين زنجان وأبهر (٤) صادم يزك (٥) التتار، وكان مقدمهم قد تقدم في أربعة عشر نفسًا، فلم ينج غيره، فعاد مقدم البهلوانية بهذا الخبر بعد عود جلال الدين من الروم مهزوما، قبل رمّ الشعث من جيشه، فرحل من تبريز إلى موقان، إذ كانت عساكره بها متفرقة، وكان قد استشعر زوال الملك من يده، فكان إذا خلا تنحدر الدموع على خديه لذلك، ولما سار إلى موقان عاجله التتار، وكتب إلى نائبه شرف الملك بأردويل (٦) [١٢١] وإلى تكين باش بقلعة فيروز (٧) أباذ بأنَّا قد وجَّهنا الأمير يُغان سنقر شحنة (٨) خراسان، والأمير أرسمان بهلوان شحنة مازندران، يزكا يكشفان لنا أخبار التتار، وقد أمرناهما أن يُرتبا خيلًا بأردويل، وخيلا بفيروز أباد، ويَقُوما بها ويزيحا عِلَلَها، وانفصل المذكوران إلى حيث وجَّههما، وكبس التتار السلطان على غرَّة منه، واتكالٍ على يزكه، وذلك أنه لما انفصل البهلوانية في جميع العساكر اشتغل بالصيد، وهو إذ ذاك في قُلٍّ من العسكر نحو ألف فارس من خواصه، فنزل بقرب شِيركبُوت، وهي قلعة بنيت على تل بموقان يحيط بها خندق بعيد الغور، متسع العرض، ينبع الماء منه فيفيض فيسقى البلد، لا يُعبر إليها إلا بجسر يُرفع عند الاستغناء عنه، وكانت قد خربت في مبدأ خروج التتار، فعمَّرها شرف الملك، وكان السلطان قد سيرَّ دكجك نوين

стр. 1209

السلحدار (١) من خلاط عند حصارها إلى خوارزم يكشف له أخبار التتار، فكبس المذكور طائفة منهم ببعض تُخومها، فقتل أكثرهم، وأحضر البعض معه إلى خلاط، وكان فيمن حضر شخص تترى أبقى السلطان جلال الدين عليه وحده فلم يقتله، فلما نزل جلال الدين حذاء قلعة شيركبوت أمر بالقبض عليه احترازًا من أن يقفز إليهم في ذلك الوقت فَيُعْلمُهِم بحاله وتفرق عسكره، فقُيد وسُلِّم إلى والي قلعة خوارزم، وكبس التتار جلال الدين ليلًا فلم يُصبح له أثر، وكانت الخيام مضروبةً، والحال على حاله ليس فيه أحد من الناس، وسار التتار إلى كنجة، وعذبوا أهلها وقتلوا منهم جماعةً، فظهر لهم السلطان فهربوا منه، وأوهمهم أنه قطع النهر صوب كنجة، وعطف إلى أذربيجان، فأكرمه عز الدين صاحب قلعة شاهق (٢)، ولما انقضى الشتاء أخبره بأن التتار قاصدون العود إليه، وأشار عليه بالعود إلى أرَّان، وفَرَّق السلطان حُرَمَه في قلاع حسام الدين قليج أرسلان، وجعل بعضهم في قلعة مُسك (٣) سَوارح (٤). وفيها سير جلال الدين خوارزم شاه مجير الدين يعقوب [١٢٢] بن الملك العادل إلى أخيه الملك الأشرف مظفر الدين موسى، وكان قد استصحبه (٥) معه من خلاط ليؤانِسه، وكان صحبته لما توجه من تبريز إلى موقان، فلما اتفقت كبسة التتار أشار عليه أصحابه بأن يرسل إلى الملك الأشرف موسى ويُعرفه بأمر التتار، وأنهم لا يردُّهم إلا اجتماع الكلمة، واتفاق الأمة، ولما جرى على السلطان ما ذكرناه من كبسة التتار كاتب شرف الملك الوزير الأمراء والملوك، ووعدهم أن يخطب لهم بتلك البلاد، وكتب في حق السلطان بأنه الظالم المخذول، وثار عوام تبريز وقتلوا من بها من الخوارزمية، وسلموها للتتار كغيرها من البلاد، ولما سمع شرف الملك بقرب السلطان حضر ومعه

стр. 1210

كفنُ، وأظهر الندم على ما فعل، فأخذه السلطان وحبسه في قلعة جاربرد (١) وقتله بعد شهرٍ، وأما أهل كنجة فإنهم قتلوا من بها من الخوارزمية وظاهروا بالفساد، وملك زمامهم شخص يعرف يَبَيْدار (٢) مقدمهم، وأطاعه الأوباش، فبسط يده في المصادرات، وسير جلال الدين إليهم يدعوهم إلى الطاعة، ويحذرهم عواقب المخالفة، فلم يسمعوا ولم يُطِيعوا، وترددت الرسل في بذل الأمان والوعد والإحسان، فلم يقبلوا وخرجوا إلى خيمة السلطان فرموها بالنشاب، فأمر السلطان من معه أن يرموهم، فرموا منهم خلقًا كثيرًا، ودخل معهم المدينة، وطلب مثيرى هذه الفتنة، فعينوا منهم ثلاثين نفسًا، وأقام السلطان بكنجة سبعة عشر يومًا، واتفق الأمراء معه على استنجاده بالأشرف، وبلغ ذلك الأشرف فكان ذلك باعثا له على مسيره إلى مصر كما ذكرناه، ثم كتب إلى جلال الدين بأنَّا واصلون إلى خدمة السلطان، وأقامت رسل جلال الدين بدمشق في انتظار ما وعد به الأشرف من إنجاده، منتظرين ما يعتمده من تجهيز جيوشه وأجناده، فلما طال عليهم الأمد أرسل مختص الدين أكبر رسله الموجهين إلى الأشرف يقطع رجاه من إنجاده ويؤيسه من رجوعه عن مصر إلا بعد انفصال أمر السلطان مع التتار، وقال: فلينظر السلطان في شغله غير منتظر جواب رسله، فعند ذلك جهز [١٢٣] جلال الدين رسولًا إلى المظفر شهاب الدين غازي بن الملك العادل يستحضره بنفسه وعسكره، ومن حوله من الملوك، مثل صاحبي آمد وماردين، على أنهم إذا حضروا أغنوا عن حضور الأشرف، وقال للرسول: قل للملك الأشرف هلم إليَّ مساعدًا، وفي حادثة التتار معاضدا، فإنني متى نصرني الله جل ذكره عليهم ملَّكتك بلاد خلاط ونواحيها. وإنما قال ذلك لأجل حضور الأمراء والخانات المشيرين عليه بالإرسال إليه، ولما خلا المجلس منهم، قال: نحن مانشك في أن هؤلاء لا ينجدوننا ولا يختارون ظهورنا ولا ينفع شكوانا إليهم، غير أن هؤلاء الترك من الأمراء يُطَمّعون أنفسهم بما لا يكون. ثم عزم على المسير إلى أصفهان (٣).

стр. 1211

وكان قد جرد ستة آلاف فارس قبل انفصال الرسول عن خدمته، فأغاروا على بلد خرت برت وأرزنجان وملطية، فاستاقوا أغنامًا كثيرة، لما كان ينقم على علاء الدين كيقباد صاحب الروم من تحريشه إياه بكتبه ورسائله المتتابعة بخلاط، ثم ميله إلى الأشرف، فلما اتفق من الغارة على بلاد كيقباد ما اتفق، ووصل رسول جلال الدين إلى الملك المظفر، قال: إن اليمين التي حلفت بها للسلطان حلفت بمثلها لعلاء الدين كيقباد، وقد بلغني ما ساقوا من غارات بلاده إلى المخيم السلطاني، فما الذي يؤمننا من مثله، واليمينان واحدة وعلى الحالات كلها، فما أنا مستقل برايي بل معدود في جملة نواب إخوتي، فكيف يمكنني إنجاد السلطان إلا بأمرهم؟ وأما صاحب آمد وماردين فلم يسمعا مني، ولم يمتثلا أمري، وليس بخفى أنهما كانا يكاتبان للسلطان، فَيُخْبَر السلطان عقائدهما في الاستحضار، ويسير ضمائرهما في الانجاد على التتار ليعلم أن زعمهما ليس له مصداق، والأشرف مهتم بخدمة السلطان، ولم يقصد مصر إلا لاستصحاب عساكرها إلى خدمته. ووقعت البطائق من خلاط وبركري (١) مُخْبرةً بأن التتار قد عبروا عليهما كاشفين أخبار السلطان جلال الدين، سالكين آثاره، فجرَّد أُترخان وهو من خُوّلته في أربعة آلاف فارس يزكا، وأمره أنه إذا رأى التتار ينهزم بين أيديهم لينجروا إلى [١٢٤] [مرابض] (٢) آجالهم، فرجع وأخبر بأن التتار قد رجعوا من حدود منازكرد. أخبارًا لاحقيقة له، فعزم جلال الدين على المسير إلى أصفهان؛ لأنهم طالما وردوها محسورين مكسورين، فراشت الحسير، وجبرت الكسير (٣).

стр. 1212

ذكر هزيمة جلال الدين ومقتله لما عزم على المسير إلى أصفهان ورد إليه ثاني يومه ذلك علم الدين سنجر المعروف بقصب السكر رسولا من جهة الملك المسعود (١) صاحب آمد برسالة تشتمل على عرض الخدمة والطاعة، وزين له قصد الروم والاستيلاء عليها، وقال: إنها عرضة للسلطان مهما قصدها ملكها من غير منازع، وأنه إذا استظهر يملك الروم واستند إلى قفجاق (٢) على موالاتهم له، ورغبتهم إليه، هابه التتار وحصل الاستظهار، وذكر في جملة الرسالة أن السلطان إذا عزم على ذلك يخرج بنفسه وأربعة آلاف فارس إليه، ولا يفارق الخدمة إلا بعد انفصال تلك المملكة، وانضوائها إلى سائر الممالك السلطانية، وقد كان صاحب الروم أوغر صدر الملك المسعود تلك السنة بعدة قلاع ملكها عليه، فمال السلطان إلى كلامه، وعدل عما كان نواه في المسير إلى أصفهان، وعطف صوب بلد آمد، ونزل بجسر بقربها، وجاء إليه شخص تركماني وقال: إني رأيت في منزلك (٣) التي كنت بها أمس نازلا عسكرا زيهم غير زي عسكرك، فكذبه، وقال: هذا ممن لا يختار توسطنا هذه البلاد. فلما قرب طلوع كتيبة التتار تفرق الذين كانوا معه في الأقطار (٤). وأحاطت أطلاب (٥) العدو بخركاة جلال الدين وهو نائم، وقيل: إنه كان سكرانا، وإذا بأوترخان (٦) قد وصل في أعلامه وأطلابه، وأصحابه، فحمل على التتار، وكشفهم

стр. 1213

عن الخركاة، ودخل بعض الخواص على السلطان جلال الدين، فأخذ بيده وأخرجه وعليه طاقية بيضاء، وركب فرسه، وساق، فعلم أن التتار تتبعه، فأمر أترخان أن يفارقه بمن معه ليتبع التتار سواده (١)، وتخلص هو بنفسه ومفرده ففعل، وكان ذلك خطأ، فإن أترخان لما فارقه انضوى إليه من شداد العسكر خلق، ووصل إلى إربل ومعه [١٢٥] أربعة آلاف فارس، وساق إلى أصبهان، وملكها زمانا إلى أن قصدها التتار، وسار السلطان إلى باشورة (٢) آمد، والطلب وراءه، وكانت آمد قد تشوشت، وظن أهلها أن الخوارزمية أرادوا الغدر بهم، فضربوا السلطان جلال الدين، ورموه بالحجارة، فلما أيس منهم ومن الدخول إلى آمد تياسر عنها، وانضوى إليه زهاء مائة نفس، ثم رمته الجفلة بهم إلى حدود جزيرة بها دربندات منيعة، فكانوا يمانعونه في العبور، وطمعت الناس، وقتل بعضهم شحنة همذان، فأشار عليه أترخان بالعود، وقال: إن أسلم الطريق اليوم طريق سلكه التتار، فرجع برأيه ليكون هلاكه من جميع الوجوه بتدبيره، ووصل إلى قرية من قرى ميافارقين، فنزل وسيب الخيل ترعى، وفارقه أترخان جبنا، ووثوقا بما كان بينه وبين الملك المظفر شهاب الدين غازي من المودة والعهود، وأقام جلال الدين بالبيدر (٣)، فستره الليل حتى إذا كان الفجر طلع عليه التتار، فركب لوقته، وعوجل أكثر جماعته، فقتلوا وأسروا بعضهم، وركب السلطان، فقال بعض الأسرى للتتار: إنه جلال الدين فجدوا في طلبه، وساق وراءه خمسة عشر فارسا منهم، ولحقه فارسان فقتلهما، وأيس الباقون من الظفر به، فرجعوا، ثم صعد الجبل، وكان الأكراد يحفظون الطرق لسحت يجمعونه، فأخذوا جلال الدين وسلبوه كعادتهم، فحين هموا يقتله قال لكبيرهم: إنني أنا السلطان فلا تعجل في أمري، ولك الخيار في إحضاري عند الملك المظفر شهاب الدين غازي فيغنيك، أو إيصالي إلى بلدي فتصير ملكا، فرغب الرجل في إيصاله إلى بلاده، ومشي

стр. 1214

به إلى عشيرته، وحلته، فتركه عنده زوجته ومضى إلى خيله، ليحضر منها ما يركبانه، فبينا [الرجل] (١) غائب أقبل رجل كردي من السفلة، وبيده حربة فقال للمرأة: ما هذا الخوارزمي؟ وهلا تقتلونه؟ فقالت: لا سبيل إلى ذلك، وقد آمنة زوجي، وعرف أنه السلطان. فقال: كيف تصدقونه أنه السلطان؟ وقتل لي بخلاط أخ خير منه، فضربه بالحربة فمات، ولما كان بعد مدة أرسل المظفر إلى ذلك الجبل، وجمع سلب السلطان جلال [١٢٦] الدين، والسرج والسيف المشهور والعودة التي كان يشدها في وسط شعره، فلم حم القضاء ضاق به الفضاء، وكان هلاك ذلك الأسد الغالب على أيدي الثعالب (٢). ذكر ترجمة جلال الدين والكلام فيه على أنواع (الأول): في نسبه: هو السلطان جلال الدين منكبرتي بن السلطان علاء الدين خوارزم شاه محمد بن علاء الدين تكش بن أرسلان بن أطسز بن محمد بن نوشتكين (٣)، وهم من سلالة طاهر بن الحسين، وتكش جده هو الذي أزال دولة السلجوقية. وقد ذكرنا ترجمة والده السلطان علاء الدين خوارزم شاه، كيف توفي؟ وكيف انكسر من جنكيزخان؟ وأنه خلف أربعة أولاد، منهم: السلطان جلال الدين هذا، وأنه ملك البلاد بعد والده، وجاءه الأمر المحتوم، والقضاء المبروم، وقتل في هذه السنة كما ذكرنا (٤). وفي المرآة (٥): واختلفوا في اسم جلال الدين، فقيل: تكش اسم جده، قال السبط: سمعت الملك المعظم ﵀ يقول: ليس هو من بني سلجوق، وإنما هو من نسل طاهر بن الحسين، وجده تكش هو الذي أزال الدولة (٦) السلجوقية، وملك محمد أبو جلال الدين البلاد، وكان ابنه جلال الدين هذا قد هرب إلى الهند، وعاد منها، ونزل على همذان، وقصد بغداد، وجرى له وعليه ما ذكرناه مفصلا (٧). وقال أبو الفتح

стр. 1215

المنشئ: واسم جلال الدين منكبرتي، قلت: هو الأصح لأنه كان كاتبا بين يديه سنين وهو أدرى باسم مخدومه (١). (الثاني) في صفته: قال أبو الفتح: كان أسمر قصيرا تركيا، حسن (٢) الشارة والعبارة وكان يتكلم بالفارسية. (الثالث) في سيرته: قال أبو الفتح المنشيء: كان أسدًا ضرغامًا، وأشجع الفرسان إقدامًا، وكان حليما لا غضوبا ولاشَتَّاما، وكان وقورا لا يضحك إلا تبسما، ولا يكثر كلاما، وكان يختار العدل غير أنه صادف أيام الفتنة فغلب، ويحب الترفيه على الرعية لولا أنه ملك في زمان الفترة (٣). وفي تاريخ ابن كثير (٤): وكان جلال الدين في آخر عمره قد قبحت سيرته، وفسد عقله، وعادي ملولك جميع الأطراف. وفي المرآة (٥): [١٢٧] وكم فتك وأسر من المسلمين وسبي وكان كثير الفساد، وأهلك عسكره العباد والبلاد، ثم قال السبط: وحكى لي خالي أبو محمد يوسف محيي الدين قال: بعثني الخليفة إليه في رسالة وهو على خلاط، فدخلت عليه وبين يديه المصحف، وهو يقرأ فيه ويبكي، فقلت له: تقرأ في المصحف وتبكي وأنت تفعل بالمسلمين ما تفعل! وقد قتلت في دقوقا عشرين ألف مسلم، وسبيت نساءهم، وفعلت ما فعلت! فقال: هذا عسكر عظيم مسيرة خمسة أيام مالى عليهم طاقة ولا حكم، ولا يلتفتون إلى. ومع هذا فإنه كان سدا بين المسلمين والكفار، وسندا لأهل الإسلام من الفجار، وكان يدفع التتار عن المسلمين، ويصدهم، فلما هلك انفتح السد، ولقد حكى لي الأمير عماد الدين بن موسك قال: لما كُسِر الخوارزمي دخل عثمان العزيز، وغازي وجماعة الأعيان، فهنؤا الأشرف بالكسرة، فقال: تهنوني بهذا سوف ترون غِبَّ هذا، والله لتكونن هذه الكسرة سببا لدخول التتار إلى بلاد المسلمين، ما كان الخوارزمي الأمثل السد الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج. فكان كما قال، وكان الخوارزمي إذا لقي التتار اقتتلوا عشرة أيام بلياليها، ثم يترجلوا عن خيولهم، ويتلاقوا بالسيوف، وأحدهم يأكل ويبول وهو يقاتل.

стр. 1216

وفي تاريخ (١) ابن كثير: وكان له مملوك يحبه محبة شديدة، فمات ذلك المملوك، فجرى عليه من الحزن ما لم يعهد بمثله، وأمر أهل تبريز بالخروج والنوح واللطم عليه، ثم أنه لم يدفنه، وبقي يستصحبه معه حيث سار وهو يلطم ويبكي، وكان إذا قدم إليه الطعام يرسله إلى المملوك الميت، ولا يجسر أحد أن يقول له أنه ميت، فكانوا يحملون الطعام ويقولون: إنه يقبل الأرض. ويقولون: إنه الآن أصلح مما كان عليه. فأنف أمراؤه من ذلك، وخرج بعضهم عن طاعته، وكان هذا المملوك سببا لتشتت حاله، وزوال ملكهـ. وقال ابن كثير: وكان المملوك خِصيا، يقال له قلج، وكان حين بعث الطعام وهو ميت، قال له بعضهم: أيها الملك إنه قد مات. فأمر بقتله، فقتل، فكانوا بعد ذلك يقولون: إنه يقبل الأرض، ويقول: إنه أصلح مما كان عليه. يعني أنه مريض وليس بميت. فلما جاءت التتار اشتغل بهم، وأمر بدفن قلج، وهرب من بين أيديهم [١٢٨] وامتلأ قلبه خوفا منهم، فجرى عليه ما ذكرناه، وتفرق عنه جيشه فصاروا شذر مذر. (الرابع) في وفاته: قد ذكرنا كيفية قتله عن قريب. وفي المرآة (٢): أخذ جلال الدين خلاط، وفعل فيها مافعل، وآخر أمره جاء التتار خلفه، وانهزم إلى بلاد ميافارقين، وتاه في الجبال، فوقع به فلاح من قرية يقال لها عين دار (٣)، فرآه راكب على سرج مرصع باليواقيت، وعلى لجام فرسه الجواهر، وسلاحه كله مجوهر، فقال: من أنت؟ فقال: خوارزم شاه. يعني جلال الدين، وكان شخص من عسكر جلال الدين قد قتل أخ هذا الفلاح، وكان ذلك سببا لقتله إياه. وقيل: إنه شره إلى ما كان معه، فأنزله وأطعمه، ونام آمنا، فضربه بفأس فقتله، وأخذ ما كان معه، وبلغ شهاب الدين غازي، فأرسل إلى الفلاح، فأنكر فقرره، فأقر، وأحضر الفرس والسلاح، وقال: دفنته إلى جانب القرية. وكان طرخان خال جلال الدين قد وصل إلى شهاب الدين، فأنزله في قصره، وأمر بحمل جلال الدين ليلا من القرية، وقال لخاله: أبصر هل هو هذا. فلما رآه بكي، وقال: نعم فدفنوه ليلا وأخفوا قبره مخافة أن ينبش.

стр. 1217

وقال السبط (١): وبلغني وجه آخر، أنه لما كبسه التتار خرج من الخيمة ليلا ومعه جماعة من أصحابه، وقصد ميافارقين، وكانت معه جواهر نفيسه، فبات بقرية عند أرمني، فقال: أنا خوارزم شاه. وأعطاهم جواهر، وقال: احملوني إلى شهاب الدين غازي. فحملوه إلى سفينة، وكان تحته فرس سرجه ولجامه ذهب بجوهر، وأنزلوه في السفينة وبها رجل كردي كان خوارزم شاه قد قتل أهله، فضربه في صدره بحربة، فأخرجها من ظهره، فقتلوا الكردي، وأخذوا ما كان على جلال الدين، وفرسه وحياصته، وكان فيها جوهر عظيم، وألقوه في بئر، وبلغ شهاب الدين غازي، فأرسل إليهم فأخذهم وأخذ ما أخذوه، وسألهم عن جلال الدين، فأخرجوه من البئر، فقتلهم شهاب الدين، وغسله وكفنه، ودفنه خارج ميافارقين، فعفى شهاب الدين موضع قبره. وقيل: قتل في سنة تسع وعشرين وستمائة. وفي تاريخ بيبرس: وكانت [١٢٩] وفاته في النصف من شوال من سنة ثمان (٢) وعشرين وستمائة، ومدة مملكته منذ وفاة والده اثنتي عشرة سنة (٣). قال بيبرس ﵀: والغالب على ظنى أن الطائفة التي كانت تصادمه وتلازمه من التتار التي جاست وراءه خلال الديار، وآل ما آل له معها إلى البوار هي الطائفة التي كانت مع باطوخان بن جنكيزخان؛ لأنه استقر بهذه البلاد، وصارت بعده لمن كان له من الأولاد. ذكر ما فعل التتار في بلاد الإسلام وفي هذه السنة نهب التتار سواد آمد وأرزن وميافارقين، وقصدوا أسعرد (٤)، فقاتلهم أهلها، فبدل لهم التتار الأمان، فاطمأن أهل البلد إلى أمانهم، واستسلموا، فلما تمكن التتار منهم بذلوا فيهم السيف، وقتلوهم حتى كادوا يأتون عليهم، وحُرِّز القتلى فكانوا يزيدون على خمسة عشر ألفا، وساروا منها إلى طنزة (٥)، ففعلوا فيها كذلك، ثم ساروا

стр. 1218

إلى ماردين فنهبوا ما وجدوا في بلدها، واحتمى صاحب ماردين ومن معه من أهل دنيسر (١) بقلعتها، ثم وصلوا إلى نصيبين، فأقاموا عليها بعض نهار، ونهبوا سوادها، وسلبوا وقتلوا وغاروا، وغلقت أبوابها، فعادوا عنها، ومضوا إلى سنجار، ووصلوا إلى الجبال فنهبوها، ودخلوا الخابور (٢)، ووصلوا إلى عرابان (٣)، ومضت طائفة إلى طريق الموصل، ومضت طائفة إلى نصيبين الروم على الفرات، فنهبوا وقتلوا، وقصدوا بدليس (٤) وأحرقوها، وساروا إلى أعمال أخلاط، فحاصروا بلدا منه يقال له باكري فملكوه، وحصروا أرجيش، وهي مدينة عظيمة من بلاد خلاط، ففعلوا فيها كذلك، وألقى الله الرعب في قلوب المسلمين منهم [حتى] (٥) كان الرجل منهم يدخل القرية وفيها جمع كثير فلا يزال يقتلهم واحدا واحدا حتى يأتي عليهم، ولا يجسر أحد منهم يمد يده إليه، ولقد ذكر أن واحدا تتريا أخذ رجلا وليس مع التتري سلاح، فقال للرجل: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح. فوضع رأسه على الأرض، ومضى التتري فأحضر سيفا فقتله به، وبالجملة فإن الله ألقى الرعب في القلوب لإمضاء ما قدره في طي الغيوب، ولما اتفقت وفاة جلال الدين، ورأى أهل أذربيجان استيلاء التتار كاتبوهم بالطاعة، وبذلوا لهم ما طلبوا منهم من الأموال والثياب، [١٣٠] وكذلك فعل أهل تبريز وطلبوا من مقدمهم الأمان فآمنهم، وتوجه إليه أعيانهم، وطلب منهم أن يحضروا إليه صناع الثياب ليستعمل للقان (٦) الذي هو ملكهم ما يحتاج إليه، وطلب منهم أن يعملوا له خركاه عظيمة فعملوا له خركاه لم يعمل مثلها، غشاؤها من الأطلس الجيد والزركش (٧)، وبطنوا داخلها

стр. 1219

بالسمور (١) والقندس، وقرروا عليهم كل سنة شيئا من المال والثياب، وأما الخوارزمية فتفرقوا في الأغوار، والأنجاد (٢)، وتشتتوا في البلاد، وسنذكر متجدداتهم معهم في أوقاتها (٣). ذكر حركة الإفرنج وفي هذه السنة كانت للفرنج حركة، فخرج عسكر حلب مع الأمير بدر الدين (٤) الوالي وأغاروا على ناحية المرقب (٥)، ونهبوا حصن بانياس وخربوه، وسيروا الأسارى إلى حلب، ثم وقعت وقعة أخرى بينهم قتل فيها من الفريقين خلق كثير، واستظهر فيها الفرنج على المسلمين، فجهزت العساكر من حلب إليهم، ثم أستقرت الهدنة بين عسكر حلب والداوية (٦) والاستبار (٧) (٨).

стр. 1220

ذكر بقية الحوادث منها أنه كان غلاء شديد بديار مصر، وبلاد الشام، وحلب، والجزيرة، بسبب قلة المياه السماوية والأرضية (١). وفي تاريخ بيبرس: واحتبس الغيث في هذه السنة احتباسا كثيرا جدًا، وارتفعت الأسعار، فخرج الناس إلى جبل بانقوسا (٢)، واستسقوا، فجاء مطر يسير بعد ذلك، وانحلت (٣) الأسعار قليلا (٤). ومنها أن الملك الكامل ابتدأ (٥) بحفر البحر الذي من دار الوكالة بمصر إلى صناعة التمر الفاضلية، وعمل بنفسه فيه، واستعمل فيه (٦) الملوك والأمراء والأجناد وغيرهم، وكان هذا البحر في أوان نقصه يصير طريقا إلى الجزيرة (٧) والمقياس (٨)، فبَعُد البحر عن مصر، وخشي السلطان بعده وارتدامه بالرمال، فحفر فيه إلى أن صار الماء محتاطا بالمقياس، وصار الناس بعد ذلك يخوضون فيه من قبلى المقياس في وقت الاحتراق، وأما من صناعة الإنشاء إلى بحر المقس (٩) فكان ينكشف عند نقص النيل، ويبقى الناس يعدون الجزيرة (١٠) من قبالة ربع العادل، ثم إنه كان عند ابتداء مد النيل يسير الماء منحدرا في أنابيب إلى أن يلتقي ببحر بولاق، فيكون يوم لقائه عند أهل مصر يوم سرور

стр. 1221

وفرح ولهو وانفساح، ولم يزل الأمر كذلك إلى أن ملك [١٣١] الملك الصالح نجم الدين أيوب الديار المصرية، وشرع في بناء قلعة الجزيرة، فحفر بعض هذا البحر، واستحضر المهندسين وسألهم كيف العمل في جريان الماء بحيث لا ينقطع صيفا ولا شتاء؟ واتفق الرأي على أن تغرق مراكب في بر الجزيرة قبالة باب القنطرة الذي بمصر مما يلي السور الذي بناه صلاح الدين، وقبلى الجزيرة، فغرقت المراكب، وعمل البحر من ذلك اليوم قليلا قليلا، ويتكاشف أولا فأول (١)، وقطع كثيرا من بر مصر من دار الملك إلى قريب المقس، ورمي قطعة من السور الذي بناه الكامل، وكمله ابنه العادل، وقطع المنشية الفاضلية (٢). ومنها أنه تكامل بناء المدرسة (٣) التي بسوق العجم في بغداد، المنسوبة إلى إقبال الشرابي (٤)، وحضر الدرس بها، وكان يوما مشهودا اجتمع فيها جميع المدرسين والمفتيين ببغداد، وعمل بصحنها قباب الحلواء، فحمل منها إلى جميع المدارس والرُبَط، وخلع على المدرسين والمعيدين والفقهاء يومئذ، وكان وقتا حسنا (٥). وفي جمادى الأولى ذكر تقي الدين (٦) بن الصلاح الدرس في المدرسة (٧) التي

стр. 1222

وقفتها بنت حسام (١) الدين لاجين بن ست الشام (٢) على الشافعية بدمشق، المجاورة لمارستان (٣) نور الدين الشهيد (٤) ﵀. وفي رجب ذكر الناصح (٥) بن الحنبلي الدرس في المدرسة (٦) التي أنشأتها ربيعة (٧) خاتون بنت أيوب بقاسيون (٨). ومنها أن تاريخ ابن الأثير الذي سماه الكامل انتهى في هذه السنة (٩). ومنها أن الأشرف أبا العباس أحمد بن القاضي الفاضل سار في الرسلية عن السلطان الملك الكامل صاحب مصر إلى الخليفة المستنصر بالله ببغداد، فأكرم وأعيد معظما (١٠).

стр. 1223

ومنها أن الملك السعيد المظفر كوكبوري (١) بن زين الدين صاحب إربل دخل بغداد ولم يكن دخلها قط، فتلقاه الموكب وشافهه الخليفة بالسلام مرتين في وقتين، وكان ذلك شرفا له غبطه به سائر الملوك في الآفاق، وساءلوا أن يهاجروا ليحصل لهم مثل ذلك، فلم يُمَكَّنوا لحفظ الثغور، ورجع إلى مملكته معظما مكرما (٢). وفيها ....... (٣) وفيها حج بالناس من دمشق شبل الدولة كافور العادلي (٤)، وكان فيمن حج الشيخ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح، ولم يحج أحد من العراق لانتشار الفساد من التتار (٥). ذكر من توفي فيها من الأعيان ابن معطى (٦) النحوي يحيي بن معطي بن [عبد] (٧) النور الزواوي، صاحب الألفية وغيرها [١٣٢] من المصنفات النحوية المفيدة ويلقب بزين الدين، أخذ عن الكندي وغيره في الشام، ثم سافر إلى مصر، وكانت وفاته بالقاهرة في مستهل ذي الحجة من هذه السنة، وشهد جنازته الشيخ شهاب (٨) الدين أبو شامة، وكان قد رحل إلى مصر في هذه السنة. وحكى أن الملك الكامل شهد جنازته، وأنه دفن قريبا من قبر المزني بالقرافة في طريق الشافعي عن يسرة المار.

стр. 1224

وقال ابن خلكان (١): وكان الملك الكامل أرغبه في الانتقال إلى مصر، فسافر إليها وتصدر بالجامع العتيق بمصر لإقراء الأدب، ولم يزل إلى أن توفي في سلخ ذي القعدة من هذه السنة، ودفن من الغد على شفير الخندق بقرب تربة الإمام الشافعي، وقبره هناك ظاهر، ومولده سنة أربع وستين وخمسمائة. والزواري: بفتح الزاي نسبة إلى زواوة، وهي قبيلة كبيرة بظاهر بجاية، من أعمال إفريقية، ذات بطون وأفخاذ. قلت: كان يحيى بن معطى المذكور من سادات الأئمة الحنفية ذكره صاحب الطبقات فيهم. وكذا قال ابن خلكان: يحيى بن معطى النحوى الحنفي ﵀. الدخوار (٢) الطبيب، واقف الدخوارية بدمشق، مهذب الدين عبد الرحيم بن على بن حامد، المعروف بالدخوار، شيخ الأطباء بدمشق، وقد وقف داره بدرب العميد بالقرب من الصاغة العتيقة على الأطباء بدمشق مدرسة لهم، وكانت وفاته في صفر من هذه السنة، ودفن بسفح جبل قاسيون، وعلى قبره قبة على أعمدة في وسط الجبل شرقي الركنية (٣)، وقد ابتلي بستة أمراض متعاكسة منها ريح اللقوة، وكان مولده سنة خمس وستين وخمسمائة، وعمره ثلاث وستون سنة. وقال القوصى: أنشدني الحكيم (٤) الفاضل في الإسرائيلى صاحب المعتبر: لنا صديق يهودي [من حماقته] (٥) … إذا تكلم تبدو آفته (٦) من فيه يتيه والكلب خير منه منزلة … كأنه بعد لم يخرج من التيه (٧)

стр. 1225

ابن العديم (١) الشيخ الصالح القاضي أبو غانم، كان من المجتهدين في العبادة والرياضة، والعاملين بعلمهم. وقال ابن (٢) الأثير: إنه من شيوخنا، سمعنا عليه الحديث، وانتفعنا برؤيته وكلامه، مات في هذه السنة. أبو اسحق (٣) إبراهيم بن عبد [١٣٣] الكريم بن أبي السعادات بن كريم الموصلي، أحد الفقهاء الحنفية، شرح قطعة كبيرة من القدوري، وكتب الإنشاء لصاحبها بدر الدين لؤلؤ، ثم استقال من ذلك، وكان فاضلا شاعرا. فمن شعره قوله: دعوه كما شاء الغرامُ يكونُ … فلستُ وإن خان العهود أخونٌ ولينوا له في قولكم ما استطعتم … عسى قلبه القاسي علىَّ يلينُ وبثوا صباباتي إليه وكرروا … حديثي عليه فالحديثُ شجون وسلوا على العشاق يوم تحملوا … سيوفا لها وطفُ (٤) الجفونِ جفونُ (٥) المجد (٦) البهنسي، وزير الملك الأشرف، من بيت الفضل والعلم، كان أبوه فاضلا، كتب شرح الحماسة بخطه في ست مجلدات للتبريزي، ووقفه في الخانقاه (٧) الشُمَيْساطيَّة، ليس في الشام نسخة أصح منها، وكان المجد فاضلا، وُزِّرَ للأشرف مدة، ولم يقطع رزق أحد، وكان حسن المحضر عاقلا، ولم يكن فيه ما يعاب به إلا استهتاره، والله يعفو عنه، وكان الأشرف قد عزله عن الوزارة واستأصله، وأخذ جميع ماله، وتوفي بدمشق، ودفن بتربته التي أنشأها بقاسيون، ووقف عليها وقفا، وأوصى بكتبه تكون فيها.

стр. 1226

جمال (١) الدولة خليل بن زويزان، رئيس قصر حجاج، كان كيسا ذا مروءه، له صدقات كثيرة، وله زيارة في مقابر الصوفية من ناحية القبلة، مات في هذه السنة ودفن بتربته عند مسجد فلوس (٢).