← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ذكر مجئ الكامل على دمشق وأخذه من الناصر داود لما تسلم الأنبرور القدس وكان في ربيع الآخر من هذه السنة، كان الملك الناصر محصورا في دمشق، وعمه الملك الأشرف يحاصره بأمر الملك الكامل، ولما جرى الاتفاق بين الملكين الكامل والأشرف على نزع دمشق من الناصر، كان الناصر حينئذ بنابلس، فلما بلغه الخبر رحل إلى دمشق، وكان عمه الأشرف لحقه بالغور (١)، وعرفه ما أمر به عمه الكامل، وأنه لا يمكنه الخروج عن مرسومه (٢)، فلم يلتفت الناصر إلى ذلك، وسار إلى دمشق، وسار الأشرف في أثره، وحصره بدمشق، ثم أن الكامل لما عقد الهدنة مع الأنبرور، وخلا سره من جهة الفرنج، سار إلى دمشق، ووصل إليها في جمادى الأولى من هذه السنة، واشتد الحصار على أهل دمشق، ووصل إلى الكامل رسول الملك العزيز صاحب حلب، وخطب بنت الكامل، فزوجه بنته فاطمة خاتون، التي هي من الست السوداء أم ولده أبي بكر العادل بن الكامل، ثم استولى الملك الكامل على دمشق، وعوض الناصر عنها الكرك (٣) والبلقاء (٤) والصلت (٥) والأغوار والشوبك (٦)، وأخذ الكامل لنفسه البلاد الشرقية، التي كانت قد عينت للناصر، وهي حران والرها وغيرهما، التي كانت بيد الملك الأشرف، ثم نزل الناصر عن الشوبك،

стр. 1157

وسأل عمه الكامل في قبولها، فقبلها، وتسلم الأشرف دمشق، وتسلم الكامل من الأشرف البلاد الشرقية المذكورة، ولما سلم الكامل دمشق إلى أخيه الأشرف، وسار من دمشق ونزل بمجمع المروج (١) ثم نزل سلمية وقصده أخذ حماة على ما تذكره (٢). وفي تاريخ بيبرس: ولما حاصر الأشرف دمشق، أرسل إلى أخيه الكامل يستعجله على القدوم إلى دمشق، فرحل من تل العجول ووصل إلى ظاهر دمشق في جمادي الأولى من هذه السنة، واتفق هو والأشرف على محاصرة البلد ومضايقته، وقطعوا الماء عنه، وشرب الناس من الآبار، وكان الدمشقيون يخرجون إلى العسكر المصري ويقاتلون محبة في صاحبهم، وطالت مدة الحصار إلى آخر رجب من هذه السنة، فعظم ذلك على أهل دمشق، واشتد الأمر وغلا السعر، وفارق من العسكر الدمشقي أرغش المعظمي وهو من أمراء الملك الناصر، وجماعة، ونفدت النفقات من عند الناصر، فإنه أنفق في هذه المدة جميع ما في الخزائن، وشرع في ضرب ما عنده من الأواني الفضية والذهبية دراهم ودنانير، وأتي على أكثر ما عنده من الذخائر (٣). وفيها وصل إلى الكامل وهو على دمشق رسول الملك العزيز (٤) غياث الدين محمد ابن الملك الظاهر غازي في خطبة ابنته للملك العزيز، وكان الرسول القاضي بهاء (٥) الدين بن شداد، وحمل المهر وعقد العقد بحضور الملك الأشرف ووليه من جهة الكامل

стр. 1158

الأمير عماد (١) الدين بن الشيخ على فاطمة (٢) خاتون -وهي شقيقة العادل أبي بكر بن الكامل- على صداق مبلغه خمسون ألف دينار، وقبل النكاح عن الملك العزيز القاضي بهاء الدين المذكور (٣). ولما طالت مدة الحصار، ونفد ما في يد الملك الناصر من الأموال والذخائر، علم أنه لا قبل له بعمه الكامل، فخرج ليلا من قلعة دمشق في العشر الآخر من رجب، وقصد جهة الدهليز (٤) في نفر يسير من أصحابه، وبلغ عمه مجيؤه فخرج إليه وتلقاه وأكرمه إكراما كثيرا، وطيب قلبه، وعاتبه عتابا كثيرا، ثم أمره بالرجوع إلى قلعة دمشق، ثم أرسل إليه بعد يومين الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ من جهة السلطان، وكان يوم الجمعة، فصلي الجمعة بجامع القلعة، ثم خرج هو والملك الناصر إلى السلطان، ووقع الاتفاق والتحالف، وأقر عز الدين (٥) أيبك المعظمي علي صرخد (٦) والملك الصالح والملك العزيز ابنا الملك العادل، وابن أخيهما المغيث عي ما بأيديهم، وقرر للملك الناصر داود الكرك، والشوبك، وأعمالهما، والصلت، والبلقاء، والأغوار، ونابلس، وأعمال البيت المقدس، وبيت جبريل (٧)، ونزل الناصر عن الشوبك للكامل لتكون خزانة

стр. 1159

له وبقي له مع الشوبك الخليل (١) وطبرية (٢) وغزة وعسقلان والرملة ولُد، وسائر السواحل التي (٣) بأيدي المسلمين، ثم رجع الناصر إلى قلعة دمشق، وفتحت أبواب البلد مستهل شعبان، ودخل العسكر المصري من جميع الأبواب، وامتلأت البلد بهم وحزن الدمشقيون حزنا عظيما، ودخل والى الكامل إلى القلعة وتسلمها (٤). وولي في المدينة عز الدين بن ملكشو، وسلمها إلى أخيه الأشرف، وأخذ منه عوضا عنها البلاد الشرقية، التي كانت عينت أولا للملك الناصر وهي: حران والرقة، والرها، وسروج، ورأس عين، وجُملين، والموزر، وأرسل نوابه إليها فتسلموها من نواب الأشرف، وبقي للأشرف بالبلاد الشرقية نصيبين، وسنجار، والخابور، وبلاد خلاط، وكانت ميافارقين بيد أخيهما المظفر (٥) شهاب الدين غازي، وقلعة جعبر بيد أخيهما الملك الحافظ (٦) أرسلان (٧) شاه، ثم سافر الناصر بأهله وأخوته ومن يتعلق به إلى الكرك، وتسلم البلاد التي عينت له، ثم أمر الكامل العساكر بالتبريز إلى جهة حماة لأخذها من صاحبها الملك الناصر (٨) قليج أرسلان بن المنصور (٩).

стр. 1160

وفي المرآة (١): ولما أقام الأشرف بدمشق دخل عليه ابن عنين الشاعر فلم يرمنه ما كان يعهده من مجالس المعظم، وما كان يجري فيها من الهنات، وقذف المحصنات، فإن ابن عنين كان هجاء، خبيث اللسان، فشرع فيما كان يفعله، فنهاه الأشرف، وقال: ما مجالسي كما عهدت، يكفيني ما أنا فيه، حتى أضيف إليه ثلب المسلمين، فخرج من عنده وعمل فيه: وكُنَّا نُرَجي بعد عيسي (٢) محمدا (٣) … لينقذنا من شدة الضر والبلوى فأوقعنا في تيه موسى (٤) كما ترى … حيارى فلا مَن لديه ولا سلوى وبلغ الأشرف فقال: هذا الملعون، إذا لم يكن عندي من ولا سلوي فعند من؟ وأمر بقطع لسانه، فدخل على جماعة، وحلف أنه ما قال هذا، فقال الأشرف: هذا ما أفلت من لسانه أحد، ولابد من قطعة فهرب إلى بلاد زُرَع (٥) وحوران، وسكت الأشرف عنه (٦). ذكر توجه الكامل إلى حماة ولما فرغ شغل الكامل من جهة دمشق رحل بعساكره، ووصل إلى مجمع المروج، ثم رحل إلى سلمية، قاصدا التوجه إلى الشرق للإشراف على بلاده التي تسلمها من أخيه الأشرف، وتقدم إلى المظفر (٧) تقي الدين محمود بن المنصور بمحاصرة حماة، وبعث معه الملك المجاهد (٨) أسد الدين شيركوه وأخويه العزيز والصالح، ابني العادل

стр. 1161

فنازلوها ونصبوا عليها آلات الحصار، ونزل صاحبها الناصر قليج أرسلان إلى البلد، وارتقى السور وعاين كثرة العساكر المحيطة بالبلد، فأضمر في نفسه العزم على (١) النزول إلى خاله الكامل وهو بسلمية، وبها نواب المظفر، فأرسل قليج أرسلان إلى المجاهد أسد الدين شيركوه يخبره بأنه ينزل إليه، ويمضي معه إلى خدمة الملك الكامل، فركب المجاهد ووقف خارج البلد ينتظره، فنظر إليه في العشر الآخر من شهر رمضان المعظم، ومضى معه إلى المعسكر الكاملي بسلمية، فلما دخل الناصر على الكامل صاح عليه وانتهره، وكان ممتلئا غيظا منه لأشياء كثيرة بلغته عنه، ثم أمر باعتقاله، فاعتقل، ثم بعث إليه يأمره أن يبعث إلى النواب بقلعة حماة علامة يعرفونها، ليسلموا القلعة إلى نواب السلطان الكامل، فأجاب إلى ذلك، وأنفذ العلامة إلى النواب، وأمرهم بتسليم القلعة إلى نواب الكامل، وكان بقلعة حماة بعض أولاد المنصور ومماليكه، والطواشيان بشير و مرشد خادما المنصور، وسير السلطان الأمير مجد (٢) الدين أخا الفقيه (٣) عيسي الهكاري ومثقال (٤) الجمدار ليتسلما القلعة، فامتنع من كان بها من أولاد الملك المنصور ومماليكه وخدامه من تسليمها إلى الملك الكامل، وركبوا الملك المعز بن الملك المنصور شقيق الملك المظفر والناصر، وأمهم جميعا الملكة (٥) خاتون بنت الملك

стр. 1162

العادل، ونادوا في حماة في شعاره (١)، وقالوا: هذا بدل الملك الناصر، والبلد له، وكان صبيا صغيرا، ولم يمكنوا الأمير مجد الدين الهكاري ومثقال الجمدار الكاملي من الصعود إلى القلعة، وأنزلوا إليهما الملك المعز فاجتمع بهما، وقال لهما: هذه القلعة لي ولإخوتي نقوم عليها، وأي واحد منامات كان فينا من يقوم مقامه، وليس بيننا وبين من يقصدنا إلا السيف. ثم رجع إلى القلعة، ورجع مجد الدين ومثقال الجمدار، فصاحت عامة البلد عليهما ورجموهما بالحجارة، فرجعا إلى السلطان وأخبراه بذلك، فحينئذ أرسل الكامل إلى ابن أخته المظفر تقي الدين محمود يأمره أن يتفق مع مماليك أبيه على تسليم القلعة إليه، وكان نازلا بظاهر البلد مع العسكر، محاصرا له، فراسلهم المظفر في ذلك، فأجابوه إلى تسليم القلعة إليه، وأرسلوا إليه من يستحلفه لهم، فخرج إليه جماعة من الأعيان، فاجتمعوا به في الجوسق (٢) الذي (٣) بناه الناصر أخوه على العاصي، واستحلفوه لمن في القلعة، وشرطوا عليه أن لا يدخل البلد إلا بجماعته خاصة، وأن لا يدخله أحد من عسكر الكامل، فأجاب إلى ذلك وواعده الوصول بجماعة إلى باب النصر ليلا ليفتحوه له، فجاءهم في الليلة الثانية إلى باب النصر، ففتحوا له فدخل بجماعته ثم أغلق الباب ومضى إلى دار أبيه المعروفة بدار الأكرم (٤) فنزلها، وأصبح الناس قاصدين بابه مهنئين له بمصير الملك إليه، وكان أهل حماة قد حلفوا له بولاية عهد أبيه المنصور سنة ست عشرة وستمائة، وجرى من تغلب أخيه على الملك ما جري كما ذكرناه، فعاد الحق إلى نصابه واستقر في أربابه، وفرحت الرعية بملكه، وكانوا خائفين من تغلب الكامل على البلد، فأمنوا من ذلك، وكانت مدة (٥) الملك الناصر لحماة وبلادها تسع سنين إلا شهرين، وصعد المظفر القلعة فتسلمها، وأخذ الكامل منه سلمية،

стр. 1163

فسلمها إلى المجاهد أسد الدين حسبما وقع عليه الاتفاق، وبقي في يد المظفر حماة والمعرة وبعرين، وهُنِّى بقصائد. (١) منها ما أنشده الشيخ شرف (٢) الدين عبد العزيز ابن محمد الأنصاري الدمشقي: تناهى إليك المُلْكُ واشتد كاهله … وحل بك الراحى فحطت رواحله ألا هكذا فليمنع المجد مانع … ألا هكذا فليبذل الجود باذله ترحلت عن مصرَ فامحل روضها … ولما حللت الشام رُوض ماحله وعزت حماة في حمى ليت غاية … بصولته تحمي كُليب ووابله وقد طال ما ذلَّت بتدبير أهوج … يخيبُ مُرَجّيه ويحرم سائله وأمضى عليها الشكرُ فرضا لفوزها … بذي كرم فاضت عليها نوافله سبقت إلى ورد العُلي كلَّ سابق … فما نال الأفضل ما أنت نائله وعدَّلْت بالعدل الزمان وردتَه … سنا فاستوت أسحارُه وأصائله إذا فاعِلُ دام ارتفاعا بفعله … ففعلك مرفوعٌ بأنك فاعله وذي أمل أعطيت فوق سؤله … تغاضت أمانيه وفاضت مناهله دعا وسبقت العدل بالسيفه رادعا … له فاهتدى لما أُصِيبت مقائله أَبرَّ تقي الدين مجدا وسؤددا … فتمت عطاياه وتمت فضائله وفاق على الأملاك معني وصورة … فراق مُحيَّاهُ ورقت شمائله هم القوم إن سيمُوا وعودًا بأجل … سَمَاهُم جوادٌ يَسْبقُ الوَعَدَ عاجِلهُ وإن شغلتهم دُميةً أو مدامة … بلهْوٍ فلا هَزْل عن الجد شاغِلُه فما لبني أيوب مُلكٌ ساجِلُ … ولافي بني أيوب ملك يسُاجلهُ

стр. 1164

فكَمْ فُضَّ ضيِقٌ حين زارت هباته … وضاق فضاء حين زادت جَحافله مليكُ لشمل المكرمات مُجمع … فلا جمع إلا وهو بالبذل شامِلُه وبحرُ طويل الباع مُنْسرح الندى … بسيط المعالي وافر الفضل كامله يَذِلُ مُعادِيه ويعتزُّ جارُه … وتُرجي عطاياهُ وتُخشي غوائلُه ويلقي حصينات الدُّرُوع غنيمة … إذا ما التقى أقرانُهُ وعوامِله دعاه إلى حُبِّ المواضي مضاؤه … وهل يصحب الإنسان من لا يشاكله وعمَّ اليتامى والأراملَ برُّه … فكل الوري أيتامُه وأراملهُ وقد كانت الدنيا تحاول كاملا … فقد أدْرَكت في عصره ما تُحاوله بلغتُ بمدحي فيه أبلغ غايةٍ … فَبُلّغت من جدْوَاه ما أنا آمِلُه ومن جُودِه شكري ولم تُئْن روضةً … على المزن بل أثنى على المزن وابله تعدي نداه الجمَّ أقصى مآربي … فأفضلت مما أمطرتني فواضله وقر قرارى في جنات جنانه … وقد قلقلت يابن الحسين قلاقِلهُ وصار قريضي مدح أشرف ضيغمَ … فلم له يبذله في غزالٍ أُغازِلُه (١) وفي تاريخ ابن كثير (٢): ولما فتحوا باب (٣) النصر وقت السحر للملك المظفر دخل منه، ومضى إلى دار الوزير المعروفة بدار الأكرم داخل باب الغار، وهي الآن مدرسة تعرف بالخاتونية، وقفتها مؤنسه (٤) خاتون بنت الملك المظفر المذكور، وأقام المظفر في دار الأكرم يومين، وصعد في اليوم الثالث إلى القلعة، وتسلمها. وجاء عيد الفطر من هذه السنة والملك المظفر مالك لحماة، وعمره يومئذ نحو سبع وعشرين سنة، لأن مولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وكان أخوه الناصر قليج أرسلان أصغر منه بسنة. ولما ملك

стр. 1165

المظفر حماة فوض تدبير أمرها إلى الأمير سيف الدين علي بن أبي على الهذباني، وكان سيف الدين بهذا قد خدم الملك المظفر بعد ابن عمه حسام الدين بن أبي على، الذي كان نائب السلطنة للملك المظفر بسلمية لما سلمت إليه، وهو بمصر عند الكامل، ثم حصل بين المظفر وبين حسام الدين المذكور وحشة، ففارقه حسام الدين واتصل بخدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وحظي عنده، وصار أستاداره، وخدم ابن عمه سيف الدين على المذكور الملك المظفر، وكان يقول له: أشتهي أني أراك صاحب حماة وأكون بعين واحدة. فأصيبت عين سيف الدين على حصار حماة لما نازلها عسكر الكامل، وبقي بفرد عين، فحظي عند المظفر لذلك، ولأجل كفاية سيف الدين المذكور وحسن تدبيره. ذكر رحيل الملك الكامل إلى بلاد الشرق ولما استقر الملك المظفر في حماة رحل الملك الكامل عن سلمية إلى البلاد الشرقية التي أخذها من أخيه الملك الأشرف، عوضا عن دمشق، فنظر في مصالحها، ثم سار الملك المظفر من حماة، ولحق الملك الكامل وهو بالشرق، وعقد له الملك الكامل هناك على ابنته غازية (١) خاتون ابنة الكامل وهي شقيقة الملك المسعود (٢) صاحب بلاد اليمن، وهي والدة الملك المنصور (٣) صاحب حماة، وأخيه الملك الأفضل نور الدين على ابني الملك المظفر محمود، ثم عاد الملك المظفر إلى حماة، وقد قضيت أمانيه بملك حماة، بخاله الملك الكامل، وكان يتمنى ذلك لما كان

стр. 1166

بالديار المصرية، وكان يصحبه بمصر رجل من أهلها يقال له: الزكي القوصى، فأنشده الزكي يوما بمصر، وقد جرى ذكر ملك الملك المظفر حماة وزواجه بنت خاله الملك الكامل: متى أراك كما تهوى وأنت ومن … تهوي كأنكما رُوحان في البدن هناك أنشد والأقدار مصغية … هنيت بالملك والأحباب والوطن فقال الملك المظفر: إن صار ذلك يازكي أعطيتك ألف دينار مصرية. فلما ملك المظفر حماة أعطى الزكي ما وعد به (١). وفي تاريخ بيبرس: ولما سار الملك الكامل إلى جهة الشرق نزل بالرقة، وولي على البلاد، ونظر في مصالحها، وخافه ملوك الشرق، وأطلق ابن أخيه الناصر قليج أرسلان من اعتقاله وأعطاه بعرين، وكتب له توقيعا، ورسم بأن يحمل إليه ما كان في قلعة حماة من المال، وكان نحو أربع مائة ألف درهم، وكتب إلى المظفر بتسليم ذلك إليه، فأمر المظفر النواب ببارين بتسليمها إلى أخيه الناصر، ووصل الناصر ليتسلمها، فبعث إليه أخوه ببعض المال، فأبى أن يقبله إلا الجميع، فأخذ المظفر المال المردود، ولم يبعث له شيئا (٢). وفي تاريخ (٣) ابن العميد: بعث الكامل الأمير فخر (٤) الدين بن الشيخ ليتسلم قلعة حران وقلعة الرها، وبلاد الجزيرة، فمضى إليها، وبعد ذلك لحقه السلطان، فوصل إلى الرقة ليلة عيد الفطر من هذه السنة، فلما عيد على الرقة سار إلى (٥) حران والرها، وكشف

стр. 1167

أحوال البلاد، وطلع إلى القلاع ودبرها، وشرع في استخدام عساكرها، وولي ذلك الأمر للأمير بهاء الدين خليل بن محمد بن ملكشو (١)، وكان مشد (٢) ديوان (٣) الجيوش المنصورة. ذكر عود الكامل إلى جهة الديار المصرية ولما فرغت حاجة الكامل في بلاد الشرق عاد إلى الديار المصرية، وكان قد وردت عليه كتب من أم ولده العادل (٤) تشكو من ابنه الصالح نجم الدين أيوب، وكان قد رتَّبه نائبه بالديار المصرية، وجعله ولي عهده، وذكرت عنه أنه عزم على التوثب على الملك، واشترى جماعة كثيرة من المماليك الترك، وأخذ جملة من أموال التجار وبدَّل جُملةً من بيت المال، وتقول له: "إن لم تدرك البلاد غلب عليها، وأخرجني وولدك العادل منها". فأغضبه ذلك وأحنقه (٥) ورجع إلى الديار المصرية مسرعًا. ولما وصل أظهر التغير على ولده الملك الصالح، وقبض على جماعة من أصحابه واعتقلهم، وطالبهم بالأموال التي فرط فيها، وكان هذا [هو] (٦) السبب في انحرافه عن الصالح إلى العادل، حتى أدى ذلك إلى إبعاده إلى الشرق على ما سنذكره إن شاء الله تعالى، وعهد بالسلطنة بعده إلى ولده العادل، وكان عمره يومئذ إحدى عشرة سنة، وكان الكامل شديد الميل إليه وإلى والدته (٧).

стр. 1168

ذكر بقية الحوادث منها أن الملك الأشرف سير أخاه الصالح عماد (١) الدين اسماعيل صاحب بصري ومعه جماعة من العسكر إلى بعلبك، فنازلوها وضايقوها ونصبوا عليها المجانيق إلى أن خرجت هذه السنة (٢). ومنها أنه نادي الأشرف بدمشق وغيرها أن لا يشتغل الناس بعلم الأوائل، وأن يشتغلوا بعلم التفسير والحديث والفقه، وكان الناس قد اشتغلوا بعلوم الأوائل في أيام الملك الناصر داود، وكان يعاني ذلك، وربما نسبه بعضهم إلى نوع من الانحلال، وكان سيف الدين الآمدي (٣) مدرسا بالعزيزية (٤) فعزله منها، وبقي ملازما منزله حتى مات في سنة إحدى وثلاثين وستمائة (٥) كما سنذكره إن شاء الله تعالي. قال أبو شامة (٦): وفي هذه السنة أهين جماعة من المتجبرين وذلك بعد استقرار الأشرف في دمشق. من ذلك أن هبة الله النصراني الذي كان متولي خزانة (٧) السلطان، علق بيده اليمنى على باب كنيسة (٨) مريم، وفي رجليه لبنة حديد، وطلب

стр. 1169

منه مال عظيم، وهرب أهله، وقد كان هذا الملعون تمكن من المسلمين وآذاهم، ورفع منار النصارى، وتسَلَّطوا بجاهه على المسلمين، وجدد لهم بناء كنيسة مريم، وشيَّد بنيانها، ورفع بابها ثم هدم مازاده، وأعيدت الكنيسة على ما كانت عليه في شعبان بأمر السلطان الكامل، وتولي النصارى هدم ذلك بأنفسهم. ومنها أن شروانشاه أفريدون صاحب شروان (١) حضر إلى جلال الدين خوارزم شاه، وكان قد قرر عليه خمسين ألف دينار يحملها إلى الخزانة الجلالية (٢) في كل سنة، وأحضر معه خمس مائة رأس خيلًا تركية تقدمةً فقبلها منه، وخلع عليه، وكتب له توقيعا بتقرير الممالك التي تحت يده، وإسقاط عشرين ألف دينار من الخراج المقرر عليه (٣). ومنها أن جلال الدين خوارزم شاه سار إلى بلاد الكرج، فإنهم كانوا قد كبسوا بعض الأعمال الجلالية، وأوقعوا بطائفة من العسكر، ثم ورد الخبر بعد ذلك أن الملكة ومقدّم الكرج (٤) قد جمعا، ووافتهم نجد اللُكز (٥) والآلان (٦)، فصاروا في أربعين ألفا، فخرج جلال الدين للوقت مبادرة إلى نحوهم، ولما تلاقي اليزكان (٧) انهزم الكرج وأحضرت منهم جماعة فأمر بضرب رقابهم، وتبع العسكر الجلالي آثار المنهزمين، ولحق بعضهم أثقال إيواني فأخذها غنيمة، وراح السلطان صوب لُوري، فنزل بظاهرها، وراسل مَنْ بها

стр. 1170

من الكرج مُهددا لهم بحصارها، وطالبهم بإطلاق من كان قد أسر من الأتراك فأطلقوهم، وتوجه إلى قلاع بهرام الكرجي وحاصرها، وفرق عساكره في بلاده بنهب وقتل وأخذ الأموال، وزحف على قلعة سكان (١) ففتحها عنوة، وأضرم بها على الكفار نارًا، ثم رحل منها إلى قلعة علياباذ (٢)، فاستباحها، وقتل أهلها، وضايق الكرج فسألوه الموادعة على مال يحملونه ويعجلونه، فتسلم المال ورحل إلى خلاط، عازما على حصارها، وحثَّ الأمراء والخانات على المسير إليها مع الأثقال، وسارهو على طريق نخجوان (٣)، وأغار على ما أصاب من مواشي الكرج، وساقها حتى لقد بيع الثور الجيد بدينار، وتزوج بصاحبة نقجوان، وأقام بها أياما إلى أن قضي أشغال خراسان والعراق ومازندران (٤) (٥). ولما نزل على خلاط نزل على مسيرة يوم منها، فراسله عز الدين أيبك نائب الملك الأشرف بها، ولاطفه، وتَخَضَّع له، وأعلمه بأن الملك الأشرف رسم بالقبض على الحاجب على، وأنه ماقبض عليه إلا لتخطيه إلى بلاد جلال الدين، وإساءته الأدب، وقال: إنه قد ولَّاني خلاط، وأمرني بطاعة السلطان، واتباع مراده، معدودًا في جملة أعوانه، وإنجاده أسوة بسائر أجناده (٦)، وزاد في ملاطفته، فأجاب جلال الدين أنه إن كان يطلب مرضاتي فليسير إلى الحاجب عليا، فلما وصل الرسول بهذا الجواب قتل عز الدين أيبك الحاجب عليّ (٧) بن حماد (٨).

стр. 1171

واستمر الحصار على خلاط، واشتد الغلاء بأهلها، حتى أكلوا الكلاب والسنانير، وكان بها أمير يسمى اسماعيل الإيواني، فراسل جلال الدين يطلب منه إقطاعًا، على أن يُسلم البلد، فأجابه إلى ذلك، وعيَّن له سلماس (١) وعدة قرى بأذربيجان، فأطلع أصحاب جلال الدين على السور بحبال أدلاها لهم، فلما صاروا على السور وملكوا البلد صعد جماعة من الأمراء إلى القلعة، وامتنعوا بها، ووضع العسكر الجلالي السيف في أهل البلد، وكانوا قد قلوا، فإن بعضهم فارق البلد خوفا، وبعضهم خرج من شدة الجوع، وسُبِى أهلها، وبيع أولادهم ونسوانهم، وفعل فيها ما لم يفعل في غيرها من المسلمين (٢). ولما ملكها قبض على عز الدين أيبك الأشرفي وقتله، وقبض على الملك المعز مجير الدين يعقوب (٣) بن الملك العادل، ثم أطلقه فمضى إلى أخيه الأشرف موسي (٤). ثم سار إلى منازكرد (٥)، ووصل إليه ركن الدين جهان شاه بن طغرل (٦) صاحب أرزن الروم، وهو ابن عم علاء الدين كيقباذ ثانيا يُعْلمه أن ملوك الشام والروم اجتمعوا على حربه، والصواب أن يبادرهم قبل أن يجتمعوا، فأمره السلطان أن يتقدم نحو أرزن الروم، ورحل بعده بخمسة أيام على أنهما يسوقان إلى نواحي خرت برت (٧) فيقيمان بها منتظرين حركتي عسكرى الشام والروم، فأيهما يحرك أولا ساقا إليه قبل اتصاله

стр. 1172

بصاحبه، وكتب جلال الدين لأخي ركن الدين توقيعا بناحيتي كنفي (١) وخوزستين، ولما وصل إلى خرْت برت، وأقام في انتظار العساكر، مرض مرضا شديدا، فلما أفاق سار وجرَّد أمامه أوترخان في زهَاء ألفي فارس برسم اليزك، فصادم عسكر أرذنجان (٢) وخرت برت فهزمهم، وتتابعت الهزيمة في الروم، فلما بلغ علاء الدين كيقباذ هذا الخبر المزعج قلق قلقا شديدا، وعزم على العود لحفظ الدربندات (٣) التي وراءه، وآخر الأمر انكسر جلال الدين خوارزم شاه على ما سنبينه في السنة الآتية إن شاء الله تعالى (٤). ومنها أن في شهر صفر ولى الملك الناصر داود محيي الدين (٥) يحيى بن الزكي قضاء القضاة بدمشق، وقرأ عهدته بهاء الدين (٦) بن أبي اليُسر بالكلاسة (٧) (٨). وفيها ............. (٩) وفيها لم يحج أحد من الشام ولا من مصر ولا من العراق، وذلك لفُشُوِّ الفتن والخباط بين الملوك (١٠).

стр. 1173

ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو الفتوح (١) نصر بن على البغدادي الفقيه الشافعي، ويلقب بثعلب، اشتغل في المذهب والخلاف، ومن شعره قوله: جسمي معى غير أن الروح عندكم … فالجسم في غربة والروح في وطني فليعجب الناس مني أن لي بدنا … لاروح فيه ولي روح بلا بدن أبو الفضل (٢) جبريل بن منصور بن هبة الله بن جبريل بن الحسن بن غالب بن يحيي بن موسي بن يحيي بن حسن بن غالب بن الحسن بن عمرو بن الحسن بن النعمان بن المنذر، المعروف بابن زطينا (٣) البغدادي، كاتب الديوان، بها أسلم، وكان نصرانيا فحسن إسلامه. وكان من أفصح الناس وأبلغهم موعظة، وأورد له ابن الساعي شعرا حسنا فمنه قوله: إن سهرت عيناك (٤) في طاعة … فذاك خير لك من نوم أَمْسُكَ قد فات (٥) بعِلاتِه … فاستدرك الفائت في اليوم ومنه قوله: إنَّ رَبًّا هداك بعد ضلال … سبلَ الرشد مستحقُ العبادة فتعبد له تجد منه عتقا … واستدم فيضه بطول الزَّهَادَة العبادي (٦) الشاعر أبو الحسن علي بن سالم بن يزبك (٧) بن محمد بن مقلد، العبادي الشاعر، من الحديثة (٨)، قدم بغداد مرارا، وامتدح المستنصر بالله وغيره، وكان فاضلا شاعرا، يكثر التغزل.

стр. 1174

أبو يوسف (١) بن صابر الحراني، ثم البغدادي المنجنيقي، كان فاضلا في فنه، وشاعرا مطبقا لطيف الشعر، حسن المعاني، قد أورد له ابن الساعي (٢) قطعة جيدة، ومن أحسن ما أورد له من قصيدة فيها تعزية عظيمة لجميع الناس وهي قوله: هل لمن يرتجي البقاء خلود … وسوى الله كل شي يبيد والذي كان من تراب وإن … عاش طويلا إلى التراب يعود فمصير الأنام طرًا إلى ما … صار فيه آباؤهم والجدودُ أين حواء؟ أين آدمُ؟ إذ فا … تهم الخلد والثوي والخلود؟ أين هابيل؟ أين قابيل؟ إذ هـ … ذا لهذا معاندٌ وحسودُ أين نُوح ومن نجَا معه بالفد … ك والعالمون طرًّا فقيدُ أسلمتهُ الأيامُ كالطفل للمو … تِ ولم يغنِ عمرهُ الممدودُ أين عادُ؟ بل أين جَنَّةُ عادٍ … أم ترى أين صالحٌ وثمودُ؟ أين ابراهيمَ الذى شاد بيـ … ت الله فهو المعظَّمُ المقصودُ حسدوا يوسفًا أخاهم فكادو … هُ وماتَ الحاسدُ والمحسودُ وسليمانُ في النبوةِ والملكُ … قضي مثلَ ماقضى داودُ فعدوا بعد ما أطيعُ له الخلـ … قِ وهذا ألين له الحديدُ وابن عمرانَ بعد آياته التسـ … ع وشق الخضمَ فهو صعيدُ والمسيحُ ابن مريم وهو روح الل … هـ كادتْ تقضى عليه اليهودُ وقضى سيد النبيين والها … دي إلى الحق أحمد المحمود وتبنوه (٣) وآله الطاهرو … نَ الزهرُ صلى عليهمُ المعبودُ ونجومُ السماءِ منتشراتٌ … بعد حينٍ وللهواءِ ركودُ

стр. 1175

ولنارِ الدنيا التي توقد الصخـ … رَ خمود للماءِ (١) جمودُ وكذا للثرى غداةُ يوم للـ … ناس فيها تزلزلٌ وهمود هذه الأمهاتُ نارٌ وترب … وهواءٌ رطبٌ وماءٌ برودُ سوفَ يفني كما فَنَيْنا فلا … يبقى من الخلق والدٌ ووليدُ لا الشقىُّ الغوىُّ من نوبِ الأيا … م ينجو ولا السعيدُ الرشيدُ ومتي سلَّت المنايا سيوفًا … فالموالي حصيدها والعبيدُ مات في هذه السنة. محمد (٢) السبتي النجار، كان يعده بعضهم من الأبدال (٣)، قال أبو شامة (٤): هو الذي بنى المسجد غربي دار الزكوة، عن يسار المار في الشارع من ماله، مات في هذه السنة، ودفن في الجبل وكانت جنازته مشهودة. الحاجب حسام (٥) الدين على الموصلي، قتل في هذه السنة، قتله عز الدين أيبك الأشرفي بأخلاط، وقد ذكرناه عن قريب، وكان هذا من أهل الموصل، وخدم الملك الأشرف فجعله نائبه بأخلاط، وأحسن إلى الرعية، وحفظ البلاد، واستولى على عدة من بلاد أذربيجان، مثل: نقجوان وغيرها. وكان كثير الخير والمعروف، بنى الخان الذي بين حران ونصيبين، والخان الذي بين حمص ودمشق وهو الخان المعروف بخان برج العطش. الملك المسعود (٦) يوسف بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب اليمن، الملقب بأطسز، المعروف بين العامة بأقسِسْ، وقد ذكرنا وجه

стр. 1176

تلقيبه بذلك، مات في هذه السنة بمكة، ودفن بالمعلى (١)، وكان قد مرض في اليمن مرضا شديدا وكره الإقامة بها، وعزم على مفارقتها والتوجه إلى الديار المصرية، فسار إلى مكة وهي له كما ذكرنا، واشتد مرضه بها، فتوفي فيها وعمره ست وعشرون سنة، وكانت مدة ملكه اليمن أربع (٢) عشرة سنة. وكان لما سار من اليمن استخلف عليها على بن رسول، وكان أستاداره، فاستقر باليمن نائبا لبني أيوب، واستمر في النيابة إلى أن مات قبل سنة ثلاثين وستمائة (٣)، واستولى على اليمن بعده ولده عمر (٤) بن علي، على ما نذكره إن شاء الله. ولم تزل اليمن إلى الآن في أولاده، ولما وصل الخبر بوفاة الملك المسعود المذكور إلى أبيه الملك الكامل وهو على حصار دمشق جلس للعزاء، وخلف المسعود ولدًا صغيرا اسمه أيضا يوسف (٥)، وبقي يوسف هذا حتى مات في سلطنة عمه الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، وخلف يوسف ولدا صغيرا اسمه موسى (٦)، ولقب بالملك الأشرف، وهو الذي أقامه الترك في مملكة مصر بعد قتل المعظم بن الملك الصالح ابن الملك الكامل كما سنذكره إن شاء الله (٧).

стр. 1177

وقال ابن كثير (١): قد ملك الملك المسعود مكة من سنة تسع عشرة وستمائة، فأحسن بها المعدلة (٢)، ونفى الزيدية (٣) منها، وأمنت الطرقات والحجاج، ولكنه كان مسرفا على نفسه، فيه عسف وظلم أيضا. وفي تاريخ بيبرس: وكان شجاعا مقداما ذا بأس شديد، وهمة عالية، وكان أبوه يخاف منه على بقية أولاده، ولما ملك اليمن سفك دماء كثير من المفسدين، فخافته العرب وغيرهم، وعظمت هيبته، وكان قد قدم إلى أبيه زائرا، فأقام بالقصر بالقاهرة مدة، ثم عاد كما ذكرناه، ولما قدم مصر امتدحه البهاء (٤) زهير (٥) كاتب أخيه الصالح (٦) بقصيدة مطلعها: لكم أينما كنتم مكان وإمكان … ومُلْك له تعنوا الملوك وسلطان ضربتم من العز المنيع سرادقا … فأنتم له بين السماكين سكان ومنها: قدمت قدوم الليث والليث باسل … وجئت مجئ الغيثِ والغيثُ هتان وما برحت مصرُ إليك مشوقة … ومثلك من يشتاق لُقياه صديان (٧) ومنها: فحسبك قد وافاكِ يا مصر يوسف … وحسبك قد وافاك يانيل طوفان (٨)

стр. 1178

وفي المرآة (١): وفي سنة ست وعشرين وستمائة توفي أقسيس الملك المسعود بن الكامل صاحب اليمن، وكان قد بلغه موت الملك المعظم في سنة خمس وعشرين وستمائة، فطمع في الشام فتجهز جهازا لم يسبقه إليه أحد من الملوك، ونادي في بلاد اليمن في التجار من أراد صحبة السلطان إلى الديار المصرية فليتجهز، فجاء التجار من الهند بأموال الدنيا، والأقمشة والجواهر، فلما تكاملت المراكب بزبيد (٢) جمع التجار، وقال: اكتبوا إلى بضائعكم وما معكم، لأحميها من الزكاة والمؤن، فكتبوها له، فصار يكتب لكل تاجر برأس ماله إلى بعض بلاد اليمن، ففعل بالجميع كذا، فاجتمعوا واستغاثوا، وقالوا: نحن قد جئنا من بلدان شتي، وفينا من أهل اسكندرية والقاهرة ومصر والشام والروم، ولنا مدة سنين عن أهلنا، وقد اشتقنا إليهم فخذ أموالنا وأطلقنا نروح إلى أهلنا، فلم يلتفت إليهم وأخذ الجميع. قال السبط (٣): فبلغني أنه كان نقله في خمسمائة مركب، ومعه ألف خادم، ومائة قنطار عنبر وعود ومسك، ومائة ألف ثوب، ومائة صندوق أموال وجواهر، وركب الطريق إلى مكة، ولما وصل بعض الطريق مرض مرضا مزمنا، فما دخل مكة -شرفها الله- إلا وقد فلج (٤) ويبست يداه ورجلاه، ورأى في نفسه العبر، فلما احتضر بعث إلى رجل مغربي بمكة، فقال: والله ما أرضى لنفسي من جميع مامعي كفنا أتكفن به، فتصدق على بكفن. فبعث له نَصْفِيّتَيْن (٥) بغدادي، ومائتي درهم، فكفنوه فيهما، ودفن بالمعلى. قال السبط (٦): وبلغني عن الكامل أنه سر بموته، ولما جاء خزنداره إليه ما سأله كيف مات، بل قال: كم معك من المال والتحف؟ قال: وقد ذكرنا ما فعل الأقسيس وضربه في الحرم بالبندق (٧)، فعوقب سريعا، وضربه القدر ضربا وجيعا.

стр. 1179

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والعشرين بعد الستمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنصر بالله، وصاحب مصر الملك الكامل بن العادل، وصاحب دمشق أخوه الملك الأشرف (١). ذكر وقعة الملك الأشرف مع جلال الدين خوارزم شاه وسببها أن جلال الدين كان قد أخذ مدينة أخلاط وخربها وشرد أهلها. قال السبط (٢): وكان قد أخذ أخلاط بعد أن أكل من في أخلاط الميتات والجيف، وبيعت قطعة من جلد بألف درهم، فلما كان في جمادى الأولى زحف عليها من كل جانب ونصب المجانيق (٣) وطم (٤) الخنادق وكان قد أقام عليها عشرة أشهر، فدخلها بالسيف فنهبها، وهتك نساءها، وأخذ مجير (٥) الدين وتقي (٦) الدين بن العادل، وكانا بها، وأخد الكرجية زوجة الأشرف ودخل بها من ليلته، وكان عز الدين أيبك قد خنق الحاجب عليًا، وكان مع جلال الدين مماليك الحاجب، فقالوا لجلال الدين: هذا قتل أستاذنا. فقال: اقتلوه. فقتلوه. وقد ذكرنا أن عز الدين أيبك كان نائب الملك الأشرف على أخلاط، وكان من مماليك العادل، وبلغ هذا الأمر الملك الأشرف وهو بدمشق،

стр. 1180

والملك الكامل بالرقة، فخرج من دمشق وجاء إلى الرقة، وكتب صاحب الروم السلطان علاء الدين كيقباد إلى الملك الأشرف يقول: هذا يستولي على البلاد، والمصلحة أن تجئ إلى عندى، فعندى المال والرجال. فشاور الكامل، فقال: مصلحة. وقطع الكامل الفرات إلى ناحية مصر في سبعة آلاف مقاتل، وليس له عدو، وسار الأشرف إلى حران في سبع مائة فارس، فأقام بحران، وكتب إلى حلب والموصل والجزيرة، فجاءته العساكر فرحل يريد الروم ومعه من المقدمين أخواه شهاب الدين غازي، والعزيز عثمان، والجواد، وشمس (١) الدين صواب، والأمراء، واجتمع الأشرف بصاحب الروم، وكان اجتماعهما بمدينة سيواس (٢). وفي تاريخ ابن كثير (٣): أرسل صاحب الروم إلى الأشرف يستحثه على القدوم عليه ولو جريدة وحده، فقدم الأشرف في طائفة كثيرة من عسكر دمشق إلى كيقباذ واجتمع به، وانضاف إليهما عسكر بلاد الجزيرة ومن بقي من عسكر أخلاط، فكانوا خمسة آلاف مقاتل، معهم العدة الكاملة والخيول الهائلة. وفي تاريخ بيبرس: وكان ركن الدين جهان شاه صاحب أرزن الروم، وهو ابن عم السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان السلجوقي صاحب بلاد الروم قد انتمى إلى جلال الدين ودخل في طاعته، وحضر معه في حصار أخلاط وفتحها، وكانت بينه وبين ابن عمه علاء الدين كيقباذ عداوة مستحكمة، فخاف علاء الدين أن يقصد جلال الدين بلاده ويأخذها منه، ويملكها لابن عمه ركن الدين، فاستنجد بالملكين الكامل والأشرف، فجمع الملك الأشرف عساكر الشام والجزيرة، وسار بنفسه إلى سيواس واجتمع بالسلطان علاء الدين كيقباذ، وسارا معا إلى جهة خلاط، ولم يكن جلال الدين استولى على شيء من معاقلها، واجتمعت العساكر

стр. 1181

الشامية بعسكر دمشق وعسكر حمص ومقدمه الملك المنصور ابراهيم (١) بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، سيره أبوه مقدما على عسكره، وبعض عسكر حماه، وبعض عسكر حلب، وعسكر الشرق، وعساكر الروم، وكان مقدم عسكر حلب الأمير عز الدين (٢) بن مُجَليّ، وبلغ ذلك جلال الدين خوارزم شاه، فسار إليهم، فوقع في طريقه بسبعة آلاف من الروم، جاؤا نجدة لصاحب الروم، وقد نزلوا في مرج يستريحون فقتلهم (٣). قال السبط (٤): وحكى لى الأمير عماد الدين (٥) بن موسك ﵀ وكان مع العسكر، فقال: لما وصلنا إلى الروم خرج عسكر أرزنجان نجدة لنا، وكانوا في اثني عشر ألفا، فنزلوا في مرج، ورموا سلاحهم وسيبوا دوابهم ترعى، ولم يعلموا بمسير جلال الدين، فمر بهم في طريقهم فقتلهم وأسرهم، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وكان ذلك في الخامس والعشرين من رمضان، نهار الأربعاء، فضعفت قلوب العساكر وخافوا، وأقمنا مكاننا إلى عشية الخميس، فوصل الجاسوس، وأخبر أن العدو يصبحنا يوم الجمعة، فرتبنا الأطلاب (٦)، الحاشية في الأول، ثم بعدهم العرب، وبعدهم الحلبيون، ثم صوابٌ، ثم الجواد، ثم العزيز، ثم شهاب الدين، ثم تبعتهم الأطلاب؛ أطلاب الروم، وصاحب الروم في الطلب الخاص، وكنا في أرض وعرة فخرجنا إلى وطأة، وإذا بطلائع

стр. 1182

جلال الدين خوارزم شاه، فأخذ العرب منهم مائة فارس، وقتلوا مائة فارس، ولم يتقدموا إلينا، ونزلوا ونزلنا وبيننا وبينهم جبل، وإلى جانبه وادي، وخفنا خوفا شديدا، وليس معنا زاد ولا ماء، ولا علف لدوابنا، وقال الأشرف: ما نحشر إلا من تحت حوافر خيولنا. أين المفر؟ فلما كان وقت السحر قبيل طلوع الفجر أمر جلال الدين لمن بقي من عسكر أرزنجان، وكانوا خمسمائة فضرب رقابهم، فلما كان بكرة السبت الثامن والعشرين من رمضان قطعوا إلينا الوادي، ووقف جلال الدين على رأس الجبل وسنجقه في الوادي، ووقع القتال، وأرسل الله تعالى ضبابا فلم ير أحد كفه، ونصرنا الله عليهم، فانكسروا، ووقع معظمهم في الجبال والأودية، وقاتل الروم قتالا شديدا، وكان من وقع من رأس الجبل إلى الوادي أكثر، فأصبحوا بين قتيل وأسير، وغنم الناس أموالهم وخيلهم وسلاحهم، وامتلأت الجبال والأودية بنتنهم، وشبعت الطيور والوحوش من دمائهم ولحومهم. وفي تاريخ بيبرس: لما سمع جلال الدين بعساكر الملك الأشرف مع عساكر الروم أتوا لقتاله، سار مجدا لقتالهم، فوصل إليهم فلقيهم بناحية أرزنجان، واصطفت العساكر للقتال، ولما التقوا ووقع القتال، لم يثبت جلال الدين وولي منهزما، وتفرق عسكره وتمزقوا، وهلك منهم خلق عظيم، قتلا وترديا من رؤوس جبال كانت في طريقهم، واسترجع الملك الأشرف خلاط، وقد صارت خرابا يبابا (١)، وسار جلال الدين نحو أذربيجان (٢). وأسر ألغ خان وأطلس ملك، وعدة من المفاردة، فأمر علاء الدين كيقباذ بضرب رقابهم، وأسر صاحب أرزن الروم بعد أن كانوا قد أحاطوا به، فقاتل أشد قتال وقتل، ولما وصل جلال الدين إلى سكماناباذ وخلف شرف الملك ومن كان معه من العراقيين هناك برسم اليزك، ليكونوا حجابا دونه، وأقام بخوي، وأما وجوه الترك والخانات فلم يعرج واحد منهم على آخر، ولا على السلطان، وكانوا يخففون بكل مرحلة ما أثقلهم إلى أن وصلو (٣) مُوقَان (٤).

стр. 1183

وفي المرآة (١): ولما جرى ما ذكرنا؛ قال الملك الأشرف لكيقباذ: لابد لي من خلاط، فأعطاه ولأصحابه وأخوته وجميع الأعيان من الأموال والخلع والثياب والخيل والتحف ما قيمته ألفا (٢) ألف دينار، ورجع كيقباذ إلى بلاده، وجرد مع الأشرف بعض عسكره، وسار الأشرف فنزل أرزن الروم، وكان صاحبها قد صار مع جلال الدين، فأخذها منه، وبعث به إلى كيقباذ، وسلم أرزن الروم إلى نواب كيقباذ، وسار إلى أخلاط، ولما وصل جلال الدين إلى أخلاط أخذ جميع ما كان له فيها، والكرجية زوجة الأشرف، ومجير الدين، وتقي الدين، ونزل أرجيش (٣)، وجاء الأشرف فنزل أخلاط، وسار خلف جلال الدين، فأبعد عنه، وتراسلا واصطلحا على أن يطلق جلال الدين من عنده من الأساري، فأطلق مجير الدين وتقي الدين، ولم يطلق الكرجية، وعاد الأشرف إلى دمشق مستهل جمادي (٤) الأولى سنة ثمان وعشرين وستمائة. فأقام شهرا، وطلع إلى مصر إلى أخيه الكامل. قال السبط (٥): ومن العجائب أنه كان لى عادة أجلس الثلاثة أشهر بجامع دمشق، فلما كان في يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان، اليوم الذي التقوا فيه مع جلال الدين، وثار الضباب، وكان آخر مجالسي پجامع دمشق، وحضره الصالح (٦) اسماعيل، وكان نائب الأشرف بدمشق، وقال الصالح: وكان في القبة لنجم الدين بن سلام، قل للشيخ يدعو للسلطان بالنصر. فأشار إلى فدعوت، وأمن الجماعة، فثار في الساعة التي دعوت فيها ضباب عظيم، وغشى أهل المجلس ماغشيهم، وغبت أنا أيضا، فلما أفقت قلت: نصر الأشرف اليوم، فتعجب الجماعة، فوصل الخبر بعد عشرة أيام بالواقعة على ما ذكرنا، وأن الضباب الذي كان عندهم كان عندنا، وأنهم نصروا في الساعة التي دعونا فيها (٧).

стр. 1184

وفي تاريخ (١) ابن كثير: لما انهزم جلال الدين، وهلك من عسكره خلق كثير، دقت البشائر في البلاد، فرحا بنصرة الملك الأشرف على الخوارزمية، فإنهم كانوا لا يفتحون بلدا إلا قتلوا من فيه، ونهبوا أموالهم، فكسرهم الله ، وقد كان الأشرف رأى النبي ( ﷺ ) في المنام قبل الوقعة، وهو يقول له: يا موسى أنت منصور عليهم. وفي تاريخ بيبرس: ولما علم الأشرف أن شرف الملك وزير جلال الدين بسكماناباذ فاتحه بالمراسلة والملاطفة، وقال: إن السلطان جلال الدين سلطان الإسلام والمسلمين وسيدهم، والحجاب دونهم ودون التتار، وغير خاف علينا ما تم على الإسلام والمسلمين بموت والده (٢)، ونحن نعلم أن ضعفه ضعف الإسلام، وضرره عائد على كافة الأنام، فهلا ترغبه في جمع الكلمة، فإنه أهدى سبيلا، وأقوم قيلا، ولم لا تدعوه إلى الألفة التي هي أحمد في البدو والعقبي، وأنا ضامن للسلطان من جهة علاء الدين كيقباذ، وأخى الملك الكامل ما يرضيه من الإسعاد، وإصفاء النيات على حالتي القرب والبعاد، والقيام بما يزيل عارض الوحشة، ويمحوا سمة الفرقة، وأمثال ذلك من الملاطفة. فأدى شرف الدين إلى جلال الدين الرسالة، فركن إليها وتم الصلح، وحلف للملك الأشرف، ولم يحلف لعلاء الدين كيقباذ، ولما تواترت الأخبار بورود التتار إلى العراق، حلف لصاحب الروم أيضا بكف الأذى عن بلاده، ولم يحلف عن سرماري (٣) بحكم أنها بقرب بلاد أذربيجان، وكان صاحبها راسل الملك الأشرف يسأله التلطف مع جلال الدين في أمرها، فأرسل الأشرف إليه رسولا في معناها، فأجاب السلطان إلى النزول عنها، على أن يكتب بها توقيعا (٤) للملك الأشرف، وقبل الرسول الأشرفي الأرض بين يدي السلطان، شكرا على ذلك (٥). وقال أبو الفتح المنشئ في كتابه الذي صنعه في سيرة جلال الدين، باسطا هذه القضية بعبارات طويلة، أكثرها لا يحتاج إليه، فنحن سقنا كلامه ملخصا لأجل بعض

стр. 1185

زيادات فيه، لم يذكره أكثر المؤرخين. قال: ولما أراد جلال الدين أن يسير إلى أخلاط، كانت عساكره سبقت إلى تخومها وأقامت على مسيرة يوم منها، إلى أن عاد السلطان من نخجوان، وأتصل بهم، ثم ورد عليه رسول من عز الدين أيبك، وكان نائب الملك الأشرف بأخلاط، وقبض على الحاجب على، وكان الرسول شيخا تركيا عاقلا، وكانت زبدة رسالته إظهار الطاعة، وأن الأشرف ما أمره بالقبض على الحاجب على إلا لإساءته الأدب مع السلطان، وكان جواب جلال الدين: إن أردت مرضاتي فابعث إلى الحاجب عليا، فلما عاد الرسول بهذا الجواب، قتل عليا، فنزل جلال الدين على خلاط، ونصب عليها اثني عشر منجنيقا، وجرت أمور في مدة حصار خلاط (١). منها أن الأصفهيد (٢) نصرة الدين صاحب الجبل (٣) قصد جلال الدين اعتمادًا على أوترخان (٤)، الذي كان قد تزوج بأخت له لأب، وقدم تقادم جليلة، أكثرها الجواهر الثمينة، فانحرف عنه أوترخان، وحمل السلطان على قبضه، فقبض وقيد، وبقي محبوسا إلى أن عاد جلال الدين من الروم منهزما (٥). ومنها أن خان سلطان بنت علاء الدين خوارزم شاه، أخت جلال الدين، كانت أسرت حين أسرت تركان خاتون زوجة علاء الدين، وحملت إلى جنكيزخان، فأخذها دوشي (٦) خان بن جنكيزخان لنفسه، وكانت تبعث إلى جلال الدين أخيها بأخبار التتار سرا، فسيرت أيضا -وجلال الدين محاصر خلاط- خاتما من خواتيم علاء الدين خوارزم شاه، وفيه فص فيروزج منقوش عليها اسم علاء الدين، وذلك علامة من جهتها ومعرفة بحالها، من ذلك أن الخاقان قد أمر بتعليم أولادها القرآن، ومن ذلك أنه بلغه أخبار شوكتك واتساع باعك، فعزم على مصاهرتك، والمهادنة معك، على أن تشاطره

стр. 1186

الملك على نهر جيحون، فيكون لك ما دونه ويكون له ما وراءه، فإن كنت تعلم أنك تقاومه فانهض إليه وقاتله، فتظفر بما أردت، وإلا فاغتنم المسالمة، فتشاغل جلال الدين بالحصار، ولم يعد إليها جوابا (١). ومنها أنه قدم إليه ركن الدين جهان شاه بن طغرل صاحب أرزن الروم، وكان يخطب للملك الأشرف، وكان يعادي ابن عمه السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو صاحب الروم، وكانت له ذنوب عند جلال الدين، منها أنه كان يمنع وصول التجار إلى معسكره، ومنها أنه قتل رسوله السديد عائدا من الروم، وغير ذلك. فلما رأى أنه أشرف على أخذ خلاط ساءل منه الأمان برسول أرسل إليه، وهو شمس الدين الحكيم البغدادي، وكان ذا ظرافة وأدب، فأمر جلال الدين وزيره (٢) شرف الملك بملاقاته مسيرة يوم في أصحاب الديوان، ثم التقاه الخانات يوم وصوله إلى خلاط على مراتبهم، وكان اجتماع الوزير به عند بحيرة (٣) ناووك، وهي بين خلاط ومنازجرد، وجمعهما الشرب تلك الليلة، فقدم للوزير أشياء تنيف على عشرة آلاف دينار، ثم أنه لما قرب وقف له جلال الدين على رأس الميدان تحت الجِتْر (٤)، فلما رأى السلطان نزل، وقبل الأرض، وتخطى عدة خطوات، ثم جاء إليه الحاجب الخاص بدر الدين طوطق بن أينانج خان، وأمره عن السلطان بالركوب، فركب وسار في خدمة السلطان إلى أن نزل السلطان، فعانقه، وقبَّل جهان شاه يده، وأشار إليه السلطان بالوقوف على يمينه تحت الجتر، فوقف، وفي تلك الساعة تساقطت دعائم الجتر، فتطير الناس بذلك، وكان اجتماعهما سبب هلاكهما على ما يجئ بيانه إن شاء الله، ثم خلع جلال الدين عليه وعلى أصحابه مائتي خلعه، وأقام عنده أياما، ثم أذن له أن يعود إلى بلاده، ويسير إليه ما يقدر عليه من آلات الحصار، فسير منجنيقا كبيرا يسمى (٥) قرابُغا (٦).

стр. 1187

ومنها موت ابن جلال الدين قيقمارشاه (١)، وكان عمره ثلاث سنين، وكان من أخت شهاب الدين سليمان شاه ملك الإيوانية (٢)، وكان اتصاله بها أنه لما رجع من بلاد بغداد سنة إحدى وعشرين وستمائة، بعد شن الغارات على نواحيها، وصل إلى قلعة المذكور متجردا، وليس معه حريم، فنزل بظاهرها، وأرسل إليه يطلب منه جارية تصلح للاستفراش، وكانت الرسالة على يد خادم له يسمي سراج الدين محفوظ، فأجاب بأنه ليس عندي مايصلح له إلا كريمتي، وزوجها منه، فأرسلها إليه في تلك الليلة ثم رحل جلال الدين وتركها هناك، ثم جاء إليه بعد مديده خصي وأخبر أنها حملت، فأرسل إليها السلطان، واستحضرها فولدت عنده قيقمارشاه المذكور (٣). ومنها موت دوشي خان بن أخش ملك، وكان أخش ملك ابن خال السلطان، قتل بظاهر أصفهان في الحرب فأخذ جلال الدين ابنه دوشي خان عنده، ورباه، وكان عنده أعز من أولاده، حتى كان بعضهم يظن أنه ابنه، فحزن لموته حزنا شديدا. قال أبو الفتح: ورأيته خرج من خيمته حافيا، ودخل الخيمة التي فيها التابوت (٤). ومنها أنه ورد إليه سعد الدين بن الحاجب رسولا من الديوان العزيز (٥) في عدة ملتمسات، إذا قضيت من كبار أصحاب السلطان، من له خبرة بمراتب أصحاب المناصب ليعاد بالخلع. ومن جملة الملتمسات: إن السلطان لا يحكم على بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، ومظفر الدين كوكبوري صاحب إربل، وشهاب الدين سليمان شاه ملك الإيوانية، وعماد الدين بهلوان بن هزارَسْف ملك الجبال (٦)، بل يعدهم في أولياء الديوان وأتباعه. ومن ذلك أن السلطان لما رجع من جبال همذان ولم يتم له ما قصده من

стр. 1188

أخذ بغداد أسقط عن الخطبة اسم الخليفة بعامة ممالكه، ولما خاطبه سعد الدين (١) بذلك أمر بإعادة الخطبة باسم الخليفة المستنصر (٢) بالله في سائر ممالكهـ. قال أبو الفتح: فأمرني السلطان بكتابة تذكرة إلى المواقف الشريفة مشتملة على عدة فصول، وكان آخر الفصول إحضار الحاجب الخاص ليبدى إليه مافي خاطره. قال أبو الفتح: لما جاء الحاجب الخاص من عند الخليفة حدثني بأن السلطان وصاني بأني إذا حضرت الديوان لا أقبل يد الوزير مؤيد (٣) الدين القُمِّي، ولايوفه حق التعظيم لأمور كان ينقمها عليه. قال: ففعلت ذلك امتثالا لأمره. قال: فلما مضت أيام فإذا بحراقة (٤) وصلت إلى منزلي بحافة دجلة، وإذا سعد الدين بن الحاجب قد دخل، وقال: أستعد لخدمة أمير المؤمنين فركبت الحراقة، وسقنا إلى أن وصلنا إلى باب كبير فدخلت، وتأخر سعد الدين، ولم يتعد، فقلت: هل لا تدخل معي؟ فقال: ومامنا إلا له مقام معلوم، وكان خلف الباب خادم، فأوصلني إلى باب آخر، ودق الباب ففتح، ودخلت، وإذا بخادم شيخ جالس على دكة، وبين يديه مصحف شريف وشمعة، فأجلسني وترحب بي، إلى أن جاء خادم آخر أبيض حسن الصورة، ولاطفنى بالعجمي، ثم أخذ بيدي ووصاني، فقال لي: انظر تحضر بين يدي من هو؟ واستعمل حسن الأدب فقلت: لا تستجهلني، وإن كنت رجلا تركيا. فلما طلعنا الدرجة، وصافح عينى الستر (٥) الأسود قبلت الأرض قبل أن ينبهني عليه، فأثنى عليَّ الخادم، ورأيت الوزير واقفا حذاء ستارة مُرْخاة، فجاء خادم آخر، ورفع الستارة، فمشيت، فإذا أمير المؤمنين جالس على سرير، فكلم الوزير بلغة عربية، فتقدم إلىَّ خطوات، وأشار إلىَّ بالوقوف حيث كان هو أولا، فقبلت الأرض، ثم قال أمير المؤمنين: كيف الجناب العالي الشاهنشاه؟ يعني السلطان.

стр. 1189

وهكذا كان خطابه للسلطان في الكتب. فقبلت الأرض، وأردف ذلك بكلمات تنبيء عن المواعيد الجميلة، من ذلك أنه يريد تقديمه على سائر ملوك زمانه، ثم عَلَّم على كتاب العهد الذي كتب للسلطان، وناولينه الوزير، فوضعته على رأسه، وقبلت الأرض، وخلع علىّ بخلعة سنية، وأُعْطِيتُ عشرة آلاف دينار، وأصحب بالأمير فلك الدين بن سنقر الطويل، وسعد الدين بن الحاجب، ومعها خلعة السلطان، فوصلوا إلى خلاط في الشتاء، والسلطان يحاصرها، وكان يضرب لفلك الدين الدهليز، وتضرب له البوقات (١) عند ركوبه ونزوله، وكان سعد الدين بن الحاجب مع جلالة قدره في الديوان العزيز يحجبه حفظا لإقامة الهيئة، وأما الخلعة فكانت ثنتين: إحداهما (٢) جبة (٣) وعمامة وسيف هندي قد رصع غلافه، والأخرى قباء (٤) وكمة (٥) وفرجية (٦) وسيف محلي بالذهب، وقلادة مرصعة ثمينة، ومعهما فرسان مكملتان العُدَّة، وقد تعلوهما عند تقديمهما للسلطان بتطبيقتين، كل تطبيقة أربع مائة دينار، وترس ذهب مرصع بالجوهر، فيه أحد وأربعون فصا، من ياقوت وبذخشاني في وسطها فيروزج كبير، وثلاثون فرسا من الخيل العربية، مجللة بالأطلس الرومي، مبطنة بجلال الأطلس البغدادي، وكل واحد منها مقود حرير ضرب (٧) عليه ستون دينارا خليفتية (٨)، وعشرون مملوكا بالعُدَد والمراكيب، وعشرة فهود بجلال أطلس، وقلائد ذهب، وعشرة صقور مكللة الكمام، ومائة وخمسون بقجة (٩)، وكل واحدة منها عشرة ثياب، وخمس أكر من العنبر، مضلعة بالذهب، وشجرة عود طولها خمسة أذرع، وأربع (١٠). عشرة خلعة برسم

стр. 1190

الخانات، وحوايص ذهب، والكنابيش (١) التفليسية، فنُجيت الكنابيش من الخيل، إلا من خيول أربعة من الخانات، وهم: داع خان، وألغ خان، وأوترخان، وطغان خان، وثلاث مائة خلعة برسم الأمراء، كل خلعة قبا وكمة، وكانت خلعة الوزير شرف الملك عمامة سوداء وقبا وفرجية وسيف هندي وأكرتين (٢) من العنبر، وخمسين (٣) ثوبا وبغلة، وعشرين (٤) خلعة برسم أصحاب الديوان، كل خلعة منها جبة وعمامة. قال أبو الفتح: وخصصت أنا من بين سائر أرباب الديوان ببغلة شهباء جيدة، وعشرين ثوبا، أكثرها الأطلس الرومي والبغدادي. قال: ولما قرأت النسخة الواردة على السلطان، وكان قد ذكر في الأول الجناب العالي الشاهنشاهي، وبعده الأجل شرف الملك الوزير، ثم ذكرت أنا بعدهما، ولم يذكر أحد من سائر أصحاب (٥) الديوان لا باسمه ولا بلقبه، بل أطلق اللفظ المستوفي، والمشرف، والعارض، والناظر ونحو ذلك، وكان رسولا (٦) دار الخلافة ينتظران السلطان يحضر خيمته التي ضربت له، فيلبس الخلعتين، فلم يفعل ذلك بل ضربت له خيمة بقرب الخزانة، ونقلت الخلع إليها، وركب السلطان مرتين، ولبس الخلعتين في نهار واحد، ولبس الناس بعده، ثم خاطب الرسول السلطان في أمر خلاط وإزالة الحصار، فلم يرد عليه جوابا شافيا (٧). ومنها ورود رسول الملك المسعود صاحب آمد، وكان شخصا تركيا يعرف بعلم الدين قصب السكر، ورسول الملك المنصور صاحب ماردين، وكان خادما أسود، والرسولان رسالتهما عرض الخدمة والطاعة، وأصحب معهما السلطان رسولا من جهته

стр. 1191

يأمرهما بإقامة الخطبة له في بلادهما، وأصحب الرسولين بالفقيه نجم الدين الخوارزمي، فأبطأ (١) عن السلطان ولم يعد إلا بعد عود السلطان من الروم على الوجه الذي لا يروم (٢). ومنها أن خلاط لما عظم بها البلاء، واشتد الغلاء، خرج من أهلها في يوم واحد مقدار عشرين ألف إنسان، وقد تغيرت صورهم من الجوع، حتى أن الأخ لايعرف الأخ، وكان شرف الملك الوزير يطعمهم فيذبح لهم كل يوم عدة أبقار، فما سكنت نفوسهم، حتى مات أكثرهم، وتفرق الباقون أيدي سبأ (٣). ومنها أن السلطان علاء الدين خوارزم شاه والد جلال الدين كان مدفونا بالجزيرة (٤) على ما ذكرنا، فسنح لجلال الدين وهو محاصر لأخلاط أن يبني مدرسة بأصفهان، وينقل تابوت والده من الجزيرة، فسير مقرب الدين مِهْتَر مهتران مقدم الفراشين (٥) إلى أصفهان، وكان هو الذي تولى غسل علاء الدين خوارزم شاه، ليبنى بها مدرسة، فيها قبة للدفن، ويكون فيها بيت الثياب، وبيت الفرش (٦)، وبيت (٧) الطشت، والركاب (٨)، وغير ذلك، وأصحبه ثلاثين ألف دينار، للشروع في عمارتها، وتقدم للوزير بالعراق بإطلاق ما يحتاج إليه تمام العمارة من وجوه الديوان، وأن يستعمل لها آلات الذهب من

стр. 1192

الشمعدانات والطشت والإبريق، وأن يقام بالباب فرس النوبة (١)، فسار المقدم إلى أصفهان، وشرع في العمارة. قال أبو الفتح: ووصلت إليها بعد أربعة أشهر، فوجدتها قد طلع بنيانها قدر قامة، وكاتب السلطان عمته شاه خاتون صاحبة سارية من أعمال مازندران. وكان أبوها تكش (٢) قد زوجها لملك مازندران أردشير (٣) بن الحسن [وتوفي عنها] (٤) بأن تركب بنفسها ومن بمازندران من الملوك والأمراء والصدور، فينقلون التابوت من الجزيرة إلى قلعة أردهن (٥)، وهي أحصن قلاع الأرض، إلى أن تتم عمارة المدرسة بأصفهان، ثم تنقل التابوت إليها. قال أبو الفتح: ولعمري كنت أكتب هذا التوقيع كارها لعلمي بأن جثته ما سلمت من إحراق التتار، ولقد أحرقوا عظام كل سلطان مدفون بأي أرض كان، حتى أحرقوا عظام السلطان (٦) محمود بن سبكتكين، وأخرجوه من قبره بغزنة، فأحرقت عظامه (٧). ومنها أن مجير الدين يعقوب بن الملك [١١١] العادل أبي بكر بن أيوب قرع سور خلاط يوما، والتمس حضور السلطان ليتحدث معه، فيما يعود إلى حصول الغرض،

стр. 1193

فلما حضر قال: إن الضر قد اتضح، وإن الطائفتين قد هلكتا، فهل لك أن تبارزني فيعود الأمر إلى فيصل؟ فقال السلطان: ومتى يكون ذلك؟ قال: بكرة غد. فلبس السلطان لأمة (١) حربه صباح غد، وبلغ ذلك الوزير (٢)، فأسرع إليه، وقال: مجير الدين ليس من أقران السلطان، وليس يليق بالسلطان أن يبارزه، ولو علمنا أن السلطان إذا أهلكهـ حصل مقصوده لرضينا به، فقال السلطان: هو كما ذكرت، ولكن كيف لا أقاتل إذا دُعِي نزال؟ ثم ركب وحده، وساق على الميعاد، ووقف وأعلم بحضوره، فشتموه وأمطرت عليه السهام، ولم يخرج مجير الدين، فرجع السلطان (٣). ومنها ما قاله أبو الفتح: إن السلطان استحضرني ليلة، فوجدت عنده عجوزا ذات هيبة قد خرجت من خلاط برسالة مزورة من الزكي العجمي، وكان من ذوي الحظ عند الملك الأشرف، والسلطان يعبّر عن لسانها بثلاث لغات: الفارسية، والتركية، والأرمنية، ورسالتها أن الزكي العجمي استدعي من السلطان خمسة آلاف دينار يفرقها في الأجناد، فيجلب (٤) أهواءهم بها إلى السلطان، حتى يرضوا بتسليم خلاط، ثم يفتح باب الوادي صباح غد فيدخل السلطان. فلما شاورني في ذلك قلت: إن الزكي من دهاة عصره ومن لا [يخفى] (٥) عليه الخطأ، وهو رجل عاقل لا يدخل في مثل هذه القضية، وأنا أعرفه حين ورد رسولا على السلطان، ومع هذا رأيت السلطان لشدة حرصه على أخذ خلاط، قد عزم على تسليم المطلوب إلى العجوز، فلما كررت عليه الكلام رجع عن ذلك، ولكن حرصه على أخذ خلاط حمله على أن أعطاها ألف دينار، وقال لها: إن بان لي صدفك بعلامة أخرى سلمنا إليك خمسة آلاف دينار، فرجعت ليلا ودخلت خلاط، وما كان للحديث أصل، وشاع الخبر في العسكر، وجاء إلى عز الدين أيبك من أخبره بأن الزكي بكاتب جلال الدين، فقتله من [١١٢] غير ذنب صدر منه، ولما ملك السلطان

стр. 1194

خلاط ظفر بالعجور بعض السرهنكية (١)، فأخرجها من مدبغة ومعها زوجها شيخ هرم، فأحضرت الذهب وقد نقصت منه ثلاث مائة دينار، وقيل: إنها خنقت، وكانت فائدة التزوير هلاكها، وهلاك زكي الدين (٢). ومنها أن عز الدين أيبك كتب كتابا إلى الملك الأشرف بالألغاز، وكذلك كتب مجير الدين إليه، فَمُسِكَا في الطريق. قال أبو الفتح: فناولني إياهما السلطان، وأعانني الله على حلهما، ومضمونهما الشكوى مما هم فيه من الضائقة، وفيهما أن العدو قد سحر السماء فلم يقع لا ثلج ولا غيره بحدود خلاط في هذه السنة، ومسك أيضا كتاب الأشرف إليهما، ومضمونه أن الذي ذكرتم من سحر العدو ليس له أصل، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، غير أن السنوات تختلف أحوالها، فتارة يتقدم الثلج، وتارة يتأخر، وها نحن عن قريب واصلون بالعسكر لكشف الضر وسنطردهم إلى ما وراء جيحون (٣). ومنها وفاة صاحب الديوان (٤) شمس الدين محمد، وكان من كبار الصدور وتولي بعده الجمال على العراقي (٥). ومنها إحضار وزير علاء الدين (٦) صاحب ألموت أسيرا، أسره برهان (٧) الذين سكر، مقطع ساوة (٨)، وسيره إلى خلاط، فحمل إلى قلعة دزمار (٩) وحبس فيها إلى أن هلك (١٠).

стр. 1195

ومنها ورود رسل صاحب الروم علاء الدين كيقباذ (١): وهم شمس الدين ألتون أبه (٢) الجاشنكير (٣) وكمال الدين ليماز (٤) بن إسحاق، وقاضي ارزنجان بهدايا وألطاف فيها ثلاثون بغلا موقرة، أحمالا من الأطلس، والحطابي والقندس (٥) والسمور وغيرها، وثلاثون مملوكا بالخيل والعدة، ومائة فرس، وخمسون بغلة بالجلال، فلما وصلوا إلى أرزنجان تعذر وصولهم إلى السلطان لأن صاحبها ركن الدين جهان شاه بن طغرل كان يعادي صاحب الروم، ويوالي جلال الدين، فما مكنهم من التوجه إلا بعد أن اتفق هو مع جلال الدين ودخل في طاعته، وحضر إلى خدمته، وأحضر الرسل المذكورين معه، ثم أن خلاط أخذت في سنة ست وعشرين [١١٣] وستمائة على ما ذكرنا (٦). وأراد السلطان أن يحمي خلاط من النهب، فغلبوه على رأيه، وحضر الخانات والأمراء وقالوا: إن العسكر قد ضعفت من طول الحصار، وماتت دوابهم، فإن منعتهم عن النهب قعد بهم الضعف عن لقاء العدو، فرضي بذلك، ونهبوا ثلاثة أيام، واستخرجوا دفاينهم وخباياهم بالمعاصير، فمن وقع بيده من الأخلاطية عذبه بأنواع العذاب، فهلك بذلك قوم، والذي يقوله الناس من أن جلال الدين أمر بقتل من بها غير صحيح، فإن قوة هلاكهم كانت بالغلاء، ونزل إليه مجير الدين وتقي الدين ابنا العادل، وعز الدين أيبك متولى أخلاط، فأبقى على الأخوين، وقتل عز الدين بعد أمور كثيرة (٧). ثم إن جلال الدين ندم على إذنه بالنهب والتخريب، فأطلق من الخزانة أربعة آلاف دينار ليجدد ما خربت المجانيق من السور، فعُمِّر في أسرع وقت، وأقطع الكور من
следующие страницы →