← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والستين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستنجد بالله، ولكنه مات في هذه السنة. والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته (١): هو أمير المؤمنين، المستنجد بالله، أبو المظفر يوسف بن -أمير المؤمنين- المقتفي لأمر الله، أبي عبد الله محمد بن -أمير المؤمنين- المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن -أمير المؤمنين- المقتدي بأمر الله، عبد الله بن -الأمير- ذخيرة الدين ولي العهد، أبي العباس أحمد، القادر بأمر الله بن إسحاق بن المقتدر بالله ابن المعتضد بالله بن -الأمير- أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور أبي جعفر. وأمه أم ولد، يقال لها طاوس (٢)، وكانت رومية، توفيت في السنة الماضية كما ذكرنا. وكان مولده في ربيع الأول سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وبويع له بالخلافة [في] (٣) صبيحة يوم الأحد، ثاني ربيع الأول، من سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة، وكان ولي عهد أبيه من مدة متطاولة. الثاني في صفته: كان أسمر، طويل اللحية، تام القامة. الثالث في سيرته: كان من خيار الخلفاء، وأعدلهم، وأرفقهم بالرعايا، وضع عنهم المكوس والضرائب، ولم يترك بالعراق مكسًا، وكان أمارًا بالمعروف، نهاءً عن المنكر. وقد رأى رسول الله ﷺ في المنام غير مرة؛ وكانت آخرهن قبل أن يلي بأربعة أيام وهو يقول له: قل: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، دعاء القنوت بتمامه.

стр. 37

وفي تاريخ بيبرس: وكان حسن السيرة، عادلًا في الرعية، رفيقًا بهم، شديدًا على أهل العبث والفساد والسعاية بالناس، جاهدًا في دفع المضار عنهم، وكفِّ أكُفِّ العدوان الممتدة إليهم، وكان فاضلًا، محبًا للعلم، أديبًا. وله شعر، منه قوله في الشمعة: وَصَفْرَاءُ مِثْلِي في الْقِياسِ وَدَمْعُهَا … سجامٌ علَى الخَدِّيِن مِثل دُمُوعي تَذُوبُ كما في الْحُب ذُبْتُ صَبَابَةً … وتَحْوِي حَشَاهَا ما حَوته ضُلُوعي وفي تاريخ ابن العميد: كان منكرًا للظلم مؤثرًا للعدل، كثير الصدقات مهيبًا مخوفًا، ذا سطوة وعزيمة وبأس شديد. وله شعر جيد. وفي المرآة: (١) كان شجاعًا مهيبًا عادلًا، أزال المظالم والمكوس، ذكيًا فطنًا فصيحًا، له واقعات عجيبة. شكى إليه رجل من القاضي فوقَّع (٢) على الرقعة إلى القاضي: "تجنب الآثام، وانصف الأنام، وخف سطوات حاكم الحكام". وقبض على إنسان يسعى بالناس، فشفع فيه بعض أصحاب الخليفة، وبذل عشرة آلاف دينار، فقال له الخليفة: أنا أعطيك عشرة آلاف دينار، وأحضر لي إنسانًا مثله يؤذي الناس بالسعايات؛ لأحبسه وأكف شره عن الناس. ومن شعره: عَيَّرتْنِي بالشّيبِ وَهْوَ وَقَارُ … لَيْتَها عيَّرتْ بِمَا هُوَ عَارُ إِنْ تَكُنْ شَابَتْ الذَّوَائِبُ مِنِّى … فَاللَّيالِي [تُزِيْنُها] (٣) الأقْمارُ الرابع في وفاته: قال ابن كثير (٤): وكان المستنجد قد مرض في أول هذه السنة، ثم عوفي فيما يبدو للناس، وعمل ضيافة عظيمة بسبب ذلك، وفرح الناس بذلك. ثم أدخله الحكيم إلى

стр. 38

الحمام وعنده ضعف شديد، فمات في الحمام يوم السبت بعد الظهر ثامن (١) ربيع الآخر، ويقال إن ذلك بإشارة بعض أهل الدولة على الطبيب؛ استعجالًا لموته. وفي عيون المعارف (٢): أن الأمير يَزْدَن (٣) دخل الحمام وداس على بطنه فمات. وفي المرآة (٤): وكان مرض، فلما اشتد مرضه اتفق بعض الأمراء الأكابر وأستاداره (٥) مع طبيبه أنه يصف له صفة يكون فيها حتفه، فوصف له دخول الحمام، فدخل، وأغلق عليه بابها، فمات، وأظهروا وفاته للناس. وفي المرآة (٦) مرض في ربيع الآخر أيامًا، فاحمر الأفق، وما زالت الحمرة على الحيطان، وشعاعها متصل بالسماء حتى مات. وكان قد فوض أمور العساكر إلى قطب الدين قيماز مملوكه، فأظهر الاستبداد بالأمر، وبلغه أن قيماز يجتمع بالأمير أبي محمد الحسن بن المستنجد، المستضيء، وأن بينهما مراسلات، فتغير على قيماز. ومرض المستنجد، وكان وزيره ابن البلدي (٧) قد اطلع على الحال، فأخبر المستنجد، فأمره بالقبض عليهما، وخاف قيماز وكان له طبيب يقال له ابن صفية، فخلا به قيماز، فقال: خلصنا منه وإلا قتلتك. فقال: به حمى محرقة، وليس عليه أضر من الحمام، فدخل عليه قيماز وهو في فراشه، فقال: قد وصف لك ابن صفية

стр. 39

الحمام، فقال: لا حاجة لي فيه، وقيماز يقول: لابد لك منه، فحمله كرهًا وهو يقول: بلى ينفعك، فأدخله الحمام وأغلق عليه الباب، وقطع عنه الماء البارد، فمات يوم السبت ثامن ربيع الآخر ودفن بالدار. وفي تاريخ المؤيد (١): ولما مرض واشتد مرضه، كان قد خاف منه أستاداره عضد [الدين] (٢) أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء، وقطب الدين قيماز المقتفوي، وهو حينئذ أكبر أمراء بغداد، فاتفقا مع الطبيب على أن يصف له ما يهلكه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع منه لضعفه فأدخلوه، وغلقوا عليه الباب، فمات. الخامس في أشياء تتعلق به: ولما مات المستنجد كان عمره ثمانيًا وأربعين سنة، وكانت مدة خلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا. قاله في تاريخ ابن كثير (٣). وفي تاريخ بيبرس: وكان عمره ستًا وخمسين سنة، وخلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا وسبعة أيام. وفي المرآة (٤): وقد بلغ من العمر [ثمانيًا] (٥) وأربعين سنة، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وشهرًا، وعمل العزاء ثمانية أيام. وقال ابن الجوزي (٦): وتكلمت فيه وخلع على. وقال: وحضرت الصلاة عليه يوم الأحد قبل الظهر في التاج (٧)، ودفن في الدار، أعني دار الخلافة، ثم نقل إلى الترب بالرصافة.

стр. 40

وفي تاريخ ابن العميد (١): مدة خلافته إحدى عشرة سنة وسبعة وعشرون يومًا، أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الخميس، لتتمة خمسمائة وخمس وستين سنة وثمانية وثمانين يومًا للهجرة، ولتمام ستة آلاف سنة وستمائة و [اثنتين] (٢) وستين سنة، ومائة وأربعة أيام للعالم شمسية. ذكر خلافة المستضيء بأمر الله (٣) هو أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد بن المقتفي، وهو الثالث والثلاثون من خلفاء بني العباس، بويع له بالخلافة يوم مات أبوه، وجلس بكرة الأحد تاسع ربيع الآخر، وبايعه الناس. ولم يل الخلافة أحد اسمه الحسن بعد الحسن بن على بن أبي طالب ﵃ غير هذا، ووافقه في الكنية أيضًا، وخلع على الناس يومئذ أكثر من ألف خلعة. وكان يومًا مشهودًا. ولما بويع أظهر العدل والإحسان، وأمر بإطلاق المسجونين، وكانوا نحوًا من سبعمائة، أكثرهم بغير جرم، فأطلقوا. وسار سيرة حسنة، ورد المظالم، وفرق مالًا جزيلًا على الشرفاء والفقهاء والقراء وذوي الأقدار، وأمر بإسقاط الضرائب والمكوس التي كانت أحدثت، وإسقاط الخراج المجدد على الناس، وأمر بإعادة أملاك مغصوبة على (٤) أربابها، وعاد إلى البلاد كثير ممن كان نأى عنها وبَعُدَ منها. ويوم مبايعته قتل الوزير شرف الدين أبو جعفر أحمد بن البلدي، أعان على قتله أبو الفرج أستاذ الدار، وقتل الوزير يحيى بن محمد بن هبيرة (٥)، ووزر أبو الفرج أستاذ الدار للمستضيء من يومه ذلك.

стр. 41

وقال ابن التعاويذي (١)، يمدح المستضيء، ويهنئه بما أتاه الله وأباحه له، قصيدة مطلعها: لك النَّهْى بَعْد الله في الخَلْق والأَمْرُ … وفي يَدِكَ المَبْسوطَة النَّفَعُ والضَّرُ وطَاعتُك الإيمَان بالله والهُدَى … وعِصْيانُكَ الإلحادُ بالله والْكُفْرُ وَلَوْلاكَ ما صَحَّتْ عَقِيدةُ مؤمنٍ … تقىٍّ ولم يُقْبَلْ دُعَاءٌ ولا نذْرُ مُر الدَّهْر يفْعَلْ ما تَشَاءُ فإنَّهُ … بأَمْرِكَ يِجْري في تَقَلُّبِهِ الدَّهْرُ إِمَامُ هُدًى عمَّتْ سياسَةُ عَدْلِهِ … فَأوَّلُ مَقَتُولٍ بإحْسَانِهِ الْفَقْرُ يُقَصِّر بَاعُ المدْحِ دُونَ صِفَاتِهِ … وَيَصْغُرُ أن يُهْدِى الَّثَّنَاء لَهُ الشِّعْرُ وَكَيْفَ يُقَاسُ الْبَحْرُ جُودًا بِكَفِّه … وَمْنْ بَعْضِ ما تَحْويه قَبْضَتُه الْبَحْرُ وَهَلْ لِضِيَاءِ البدْرِ إشْرَاقُ وَجْهِهِ … وَأَنِّي ومن أنْوارِهِ خُلِقَ الْبَدْرُ ومَنْ يُسْتَهَل الْقَطْرُ مِن بَرَكَاتِهِ … عَلَى النَّاسِ ظُلْمٌ أنْ يُقَاسَ بِهِ القَطْرُ وَكيْف يُهنَّى بالزَّمَانِ وإنَّمَا … تُهَنَّي به الأيَّامُ وَالعامُ والعَصْرُ وَلَوْلا الإِمَامُ الْمُستَضِيُء وَرَأيُهُ … تَداعَتْ قوَى الإسْلامِ وَانْثَغَرَ الثَّغْرُ بِهِ أيَّدَ اللهُ الْخِلافَةَ بَعْدَمَا … تَفَاقَمَ دَاءُ الْبَغْي وَاْسْتَفْحَلَ الشَّرُّ فَمَنْ مُبْلغٌ تَحْتَ التُّرابِ ابْنَ هَانِئٍ … وَقْبْرَ المُعِزِّ إِنْ أَصَاخَ لَهُ الْقَبْرُ بَأنَّ الحُقُوقَ اسْتُرجِعَتْ فِي زَمَانِه … على رغْمِ مَنْ نَاوَاهُ وافْتُتِحَتْ مِصْرُ وَأنَّ اللَّيَالِي الدُّهمَ بالجَوْرِ أَشْرَقَتْ … عَلَى إثْرِهَا بالعَدْلِ أَيَّامُهُ الغُرُّ شَكَرْنَاهُ مَا أولاه لا (٢) إنّ وسْعنا … بنا بالغٌ ما يَقْتَضِيه لَهُ الشُّكْرُ وَلَكنَّنا نُثْنِي عَلِيْهِ تَعَبُّدًا … وَإِنْ كَانَ عَنَّا ذا غنِّى فَبِنَا فَقْرُ فما نبْتَغِي فِي لَيْلنَا وَنهَارِنَا … من الله إلاَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ العُمْرُ

стр. 42

وله فيه من قصيدة: الْمُسْتَضِيءُ الْمُسْتَضَاءُ بِهَدْيِهِ … السَّاجِدُ المُتَبتِّل سُسْتَ الأنَامَ بِسِيرةٍ ما سَارَها … في النَّاسِ إلاَّ جَدُّك الُمُتَوكِّلُ ومدحه الحيص بيص (١) بقوله: أقُولُ وَقَدْ تَوَلَّى الأمْرَ حَبْرٌ … وَلِيُّ لَمْ يَزَلْ بَرًا تَقِيَّا وَقَدْ كُشِفَ الظَّلامُ بمُسْتَضِيءٍ … غَدَا بالْخَلقِ كُلِّهِمُ حَفِيَّا وَفَاضَ الْجُودُ وَالْمَعُروفُ حَتَّى … حَسِبْناهُ عُبَابًا أَوْ أَتيَّا بَلغْنَا فوْقَ مَا كُنَّا نُرَجِّي … هَنِيئًا يَا بَنِي الدُّنْيَا هَنَيَّا سَأَلْنَا اللهَ يَرْزُقَنا إِمَامًا … نُسَرُّ بِهِ فَأَعْطَانَا نَبِيَّا ومدحه العماد (٢) الكاتب الأصفهاني ﵀ بقوله: قَدْ أَضَاءَ الزَّمَانُ بالْمُسْتَضِيءِ … وَارثُ البُرْدِ وَابْنُ عَمِّ النَّبِئ جَاءَ بالْحَقِّ والشَّريعةِ والْـ … عَدْل فَيَا مَرْحَبًا بِهَذا الْمَجِئ فَهَنِيئًا لأهْلِ بَغْدَادَ فَازُوا … بَعْدَ بُؤْسٍ بكُلِّ عَيْشٍ هَنِيء وله أيضًا من قصيدة أخرى: لَهْفِى عَلَى زَمَنِ الشَّبَابِ فَإنَّنِي … بِسِوَى التَّأَسُّفِ عَنْهُ لَمْ أتَعَوَّضِ نُقِضَتْ عُهُودُ الغَانَياتِ وَإِنَّها … لَوْلا انْقِضَاءُ شَبِيبَتي لَمْ تُنْقَضِ يَا حُسْنَ أَيَّامِ الصِّبَا وَكَأَنَّها … أَيِّامُ مَوْلانَا الإِمَامِ الْمُسْتَضِىِ ذُو الْبَهْجَةِ الزَّهْرَاءِ يُشْرِق نُورُهَا … وَالطَّلْعَةِ الغَرَّاءِ وَالْوَجْهِ الوضِي قَسَمَ السَّعادَةَ والشَّقَاوَةَ رَبُّنَا … في الْخَلْقِ بَيْنَ مُحِبِّهِ وَالْمُبْغِضِ

стр. 43

فَضَلَ الخَلائِفَ والْخَلائِقَ بالتُّقَى … وَالفَضْلِ [وَالإحْسَانِ] (١) والخُلُقِ الرضي فَانْعَمْ أَمِيرَ المُؤْمِنِيِن بِدَوْلَةٍ … مَا تَنْتَهِي وَسَعَادَةٍ مَا تَنْقضِي ثم إن الخليفة ولَّى قضاء قضاة بغداد لروح بن الحديثي يوم الجمعة الحادي والعشرين من ربيع الآخر، وخلع على الوزير خلعة عظيمة، وهو عضد الدين الأستادار، وضربت (٢) على بابه ثلاث نوب (٣) في ثلاثة أوقات: الفجر، والمغرب، والعشاء. وأمَّر سبعة عشر من المماليك، وأذن للوعاظ فتكلموا، بعدما كانوا قد منعوا مدة طويلة، ثم كثر احتجابه (٤) بعد هذا. ذكر ماجريات نور الدين محمود وهي أنه سار إلى الرقة فأخذها، وكذلك نصيبين والخابور وسنجار، وسلمها إلى زوج ابنته، ابن أخيه عماد الدين زنكي (٥) بن مودود بن زنكي، ثم سار إلى الموصل، فأقام بها أربعة وعشرين يومًا، وأقرها لابن أخيه سيف الدين غازي (٦) بن مودود مع الجزيرة، وزوجه ابنته الأخرى، وأمر بعمارة جامعها (٧) وتوسعته، ووقف على تأسيسه بنفسه، وجعل له خطيبًا ودرسًا للفقه، وولي التدريس للفقيه أبي بكر البرقاني (٨)، تلميذ محمد بن يحيى، تلميذ الغزالي، وكتب له منشورًا بذلك، ووقف على الجامع قرية من

стр. 44

قرى الموصل، وذلك كله بإشارة الشيخ الصالح العابد عمر (١) المُلا، وكانت له زاوية يقصد فيها، وله في كل سنة دعوة في شهر المولد، يحضر عنده الملوك والأمراء والعلماء، ويحتفل بذلك. وقد كان الملك نور الدين صاحبه، ويستشيره في أموره وما يعتمده من المهمات، وهو الذي أشار عليه في مدة مقامه بالموصل بجميع ما فعله من الخيرات، وأسقط عنهم المكوسات والضرائب، وأخرج من بين أهلها الظالم الغاشم فخر الدين عبد المسيح، وسماه عبد الله، وأخذه معه إلى دمشق، فأقطعه إقطاعًا حسنًا. وكان عبد المسيح هذا نصرانيًا، فأظهر الإسلام، وكان يقال: إن له كنيسة في جوف داره، وكان سيئ السيرة في حق العلماء وخاصة المسلمين، وكان نور الدين لم يدخل الموصل حتى قوى الشتاء، فأقام بها كما ذكرنا أربعة وعشرين يومًا، فلما كان آخر ليلة أقام بها، رأى رسول الله ﷺ في المنام، وهو يقول له: "طابت لك بلدك، وتركت الجهاد وقتال أعداء الله"، فنهض من فوره إلى السفر، وما أصبح إلا وهو سائر إلى الشام. واستقضى الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون (٢)، وكان على سنجار، ونصيبين، والخابور، فاستناب فيها ابن أبي عصرون نوابًا من أصحابه. وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة اتصل بنور الدين بن زنكي أن [سيف الدين (٣)] غازي، ابن أخيه صاحب الموصل، قد فوض أموره إلى فخر الدين عبد المسيح، وأنه استولي وقام بالأمر وتحكم، فأنف لذلك وكرهه وعظم عليه؛ لأنه كان يبغض فخر الدين المذكور، لما بلغه من خشونة سياسته. وقال: أنا أولي بتدبير أولاد أخي. وسار عند انقضاء الغزاة جريدة في قلة من العسكر، وعبر الفرات عند قلعة جعبر، وملك نصيبين، فأتاه بها نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود -صاحب حصن كيفا (٤) - وكثر جمعه، وكان قد ترك عساكره بالشام؛ لحفظ ثغوره. فلما اجتمعت العساكر، سار إلى سنجار فحصرها، ونصب عليها المناجيق، وملكها، وسلمها إلى عماد الدين ابن أخيه قطب

стр. 45

الدين، وكان قد جاءته كتب الأمراء الذين بالموصل سرًا، يبذلون له الطاعة، ويحثونه على الوصول إليهم. فسار إلى الموصل، فأتي مدينة بلد (١)، وعبر الدجلة، وسار فنزل شرق الموصل على حصن نينوي (٢)، ويوم نزوله سقط من سور الموصل بدنة كبيرة. وكان سيف الدين غازي بن أخيه قد أرسل عز الدين (٣) مسعود بن قطب الدين أخيه إلى أتابك شمس الدين (٤) ألدكز، صاحب همذان (٥) وأذربيجان (٦)، وبلد الجبل (٧)، وأصفهان، والرّي (٨)، وتلك الأعمال، يستنجده على عمه نور الدين. فأرسل أيلدكز رسولًا إلى نور الدين؛ ينهاه عن التعرض للموصل، ويقول له: إن هذه البلاد للسلطان، فلا تقصدها، فلم يلتفت إليه، وقال للرسول: قل لصاحبك أنا أصلح لأولاد أخي منك، فلِمَ تُدخل نفسك بيننا؟ وعند الفراغ من إصلاح بلادهم يكون الحديث معك على باب همدان، فإنك قد ملكت هذه المملكة العظيمة، وأهملت الثغور حتى غلب الكُرج (٩) عليها، وقد بليت أنا بالفرنج، وهم أشجع العالم، ولي مثل ربع بلادك، فأخذت معظم بلادهم، وأسرت ملوكهم، ولا يحل لى السكوت عنك؛ فإنه يجب علينا حفظ ما أهملت، وإزالة الظلم عن المسلمين.

стр. 46

فأقام نور الدين على الموصل، وعزم من بها من الأمراء على مجاهرة عبد المسيح بالعصيان، وتسليم البلد لنور الدين، فعلم ذلك، فأرسل إلى نور الدين في تسليم البلد إليه، على أن يقره بيد سيف الدين غازي، ويطلب لنفسه الأمان، فأجابه إلى ذلك، وشرط أن يأخذ فخر الدين معه إلى الشام، ويعطيه عنده إقطاعًا يرضيه. فسلم البلد في جمادى الأولى من هذه السنة، ودخل القلعة من باب السر، ثم وهب الموصل لسيف الدين غازي ابن أخيه، وأمر بعمارة جامعها، ورتب فيها خصيًا له، يقال له كمشتكين (١)، وأمره بأن لا ينفرد بن سيف الدين غازي بقليل من الأمور ولا بكثير، وكان مقامه بالموصل أربعة وعشرين يومًا، وعاد إلى الشام. وفي تاريخ الدولتين (٢): وجعل نور الدين سعد الدين كمشتكين دُزْ دارًا (٣) في قلعة الموصل (٤)، ثم قسم جميع ما خلفه أخوه قطب الدين بين أولاده بمقتضى الفريضة. ولما كان يحاصر الموصل، جاءته خلعة من الخليفة، فلبسها، فلما دخلها، خلعها على سيف الدين. وقال العماد: استدعاني نور الدين ونحن بظاهر الرقة، وقال: أنست بك، وأمنت إليك، وأنا غير مختار [للفرقة] (٥). وأمره أن يروح في الرسلية إلى الخليفة، فمضى وسار على البرية بخفير من بني خفاجة (٦)، فوصل إلى الخليفة، وقضى حاجته، ثم رجع إلى نور الدين وهو يحاصر سنجار، فأخذها وسلمها إلى ختنه (٧)، ابن أخيه عماد

стр. 47

الدين زنكي بن مودود بن زنكي. قال (١): وحضر مجاهد الدين قيماز (٢) صاحب إربل إلى خدمة نور الدين بالموصل. ذكر ماجريات صلاح الدين يوسف بن أيوب منها أن صلاح الدين عزل قضاة مصر؛ لأنهم كانوا شيعة، وولي قضاء القضاة بها لصدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني الشافعي، واستناب في سائر الأعمال شافعية. وفي تاريخ قضاة مصر: ولى القضاء صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس بن مبشر بن عبدوس الهمداني الماراني الكردي الموصلي، وكان قاضى [الغربية] (٣)، قدم من المشرق إلى مصر، فولاه صلاح الدين ﵀ وكان عنده بمكانة. وفي تاريخ (٤) الدولتين: ولي صدر الدين عبد الملك المذكور القضاء والحكم بمصر والقاهرة وأعمالهما، في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة. ومنها أن صلاح الدين خرج إلى الغزاة، وأغار على الرملة (٥) وعسقلان (٦)، وهجم ربض غزة، ثم رجع إلى القاهرة. وفي تاريخ بيبرس (٧): وفي هذه السنة تجهز صلاح الدين للمسير إلى الساحل غازيًا، فمضى وأغار على عسقلان والرملة، فأتاه ملك الفرنج (٨) فقاتله، وهزمه، ونجا بنفسه، ثم رجع إلى القاهرة.

стр. 48

ومنها أنه لما عاد من هذه الغزوة وصله الخبر بخروج قافلة من دمشق، فيها أهله، فأشفق عليها، وأحب أن يجتمع بها شمله، فخرج في النصف من ربيع الأول. وكانت بأيلة (١) قلعة في البحر، قد حصنها أهل الكفر، فعمر لها مراكب، وحملها إلى ساحلها على الجمال، وركبها الصناع هناك، وشحنها بالرجال، وفتح القلعة في العشر الأول من ربيع الآخر، واستحلها، واستباح بالأسر والقتل أهلها، وملأها بالعَددِ والعُدَد، وحصنها بأهل الجلاد والجلد، واجتمع بأهله عليها، وسار بهم على سمت القاهرة، ودخلوا في السادس والعشرين من جمادى الأولى. ومنها أنه سار إلى الإسكندرية في الثالث والعشرين من شعبان ليشاهدها، ويرتب قواعدها، وهي أول دفعة سار إليها في أيام سلطانه، وعم أهلها بإحسانه، وأمر بعمارة أسوارها وأبراجها وأبدانها. ومنها أنه كان بمصر سجن تعرف بدار المعونة (٢)، فهدها صلاح الدين، وبناها مدرسة للشافعية، وبنى بها أيضا مدرسة للمالكية، وكانت دار العدل، وكان ذلك في النصف من محرم هذه السنة. واشترى ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب دارًا، كانت تعرف بمنازل العز (٣)، فجعلها مدرسة للشافعية، وأوقف عليها الروضة (٤)، وحمام الذهب (٥)، وغيرهما، وكان ذلك في النصف من شعبان. وفي النصف من جمادى الآخرة أغار شمس الدولة (٦) -أخو السلطان- على العربان بالصعيد، ثم دخل القاهرة في عاشر شهر رمضان.

стр. 49

ومنها أن صلاح الدين شرع في هذه السنة في عمارة سور القاهرة (١)؛ لأنه كان قد تهدم أكثره، وصار طريقًا لا يَرُدَّ داخلًا ولا خارجًا، وولي أمره لقراقوش (٢) الخادم، وقبض على القصور، وسلمها إليه. وأمر بتغيير شعار الإسماعيلية، وقطع من الآذان "حي علي خير العمل"، وشرع في تمهيد أسباب الخطبة لبني العباس. كذا ذكره ابن أبي طي (٣). ومنها أن شمس الدولة طلب من أخيه السلطان رَبْع الكامل (٤) بالقاهرة، وزاد على إقطاعه بوش (٥)، وأعمال الجيزة، وسمنود (٦)، وغيرها. ومن جملة الحوادث في هذه السنة: أن في نصف رمضان هبت ريح شديدة عظيمة، ورعدت السماء بقعقعة لم يسمع بمثلها، فخر الناس على وجوههم. وفيها (٧): ..................... ذكر من توفي فيها من الأعيان أبو طاهر البرقي الواعظ؛ تعلم الوعظ من أبي الحسن الزَّاغوني -شيخ ابن الجوزي- وسمع الحديث، وكان يعظ، توفي في محرم هذه السنة، ودفن بمقبرة أحمد ﵀.

стр. 50

النفيس بن صَعْوَة (١)؛ قرأ القرآن، وناظر، ووعظ، ومات في شبابه يوم الثلاثاء التاسع من شوال منها. ودفن عند أحمد ﵀. أبو نصر بن المستظهر (٢)؛ عم المستنجد، مات في هذه السنة، وكان يذكر عنه الخير، وحمل إلى التُرَبِ، ودفن بها، ولم يبق من أولاد المستظهر غيره، وكان المستنجد تزوج بابنته. طاهر بن محمد بن طاهر أبو زرعة؛ المقدسي (٣) الأصل، الرازي المولد، الهمداني الدار، ولد سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وأسمعه والده الحافظ محمد بن طاهر الكثير، ومما كان يَرويه مسند الشافعي، وتوفي بهمدان، يوم الأربعاء سابع ربيع الآخر، وقد قارب التسعين. أبو الحجاج يوسف بن محمد، المعروف بابن الخلال (٤)؛ الملقب الموفق، صاحب ديوان الإنشاء بمصر، في دولة الحافظ أبي الميمون عبد المجيد (٥) العُبيدي، ومَنْ بعده. وقال العماد في الخريدة (٦): هو ناظر [ديوان] (٧) مصر، وإنسان ناظره، وجامع مفاخره، وكان إليه الإنشاء، وله قوة على الترسل، يكتب كما يشاء، عاش كثيرًا، وعُطِّل في آخر عمره، وأضرّ، ولزم بيته إلى أن تعوض منه القبر، وتوفي بعد مُلك (٨) الملك الناصر صلاح الدين يوسف مصر بثلاث أو أربع سنين.

стр. 51

وقال ابن خلكان: إن القاضي الفاضل (١) كان يرعي له حق الصحبة والتعلم، وكان يُجرى عليه ما يحتاج إليه إلى أن مات في الثالث والعشرين من جمادى الآخرة من سنة ست وستين وخمسمائة. ومن شعره: يَا أَخَا الغِرَّةِ حَسْبُ الدَّهرِ مِنْ … عِظَةِ المَغْرُور مَا أَصْبَحَ يُبْدِي تُوْثِرُ الدُّنْيَا فَهَلْ نلْتَ بِهَا … لَحْظَةً تَخْلُصُ مِنْ هَمٍّ وَكَدِّ!! (٢) وذكر ضياء الدين أبو الفتح نصر الله بن محمد، المعروف بابن الأثير الجزري (٣) في أول كتابه المسمى بـ"الوَشْي المرقوم في حل المنظوم" (٤) قال: حدثني عبد الرحيم بن على البيساني (٥) بمدينة دمشق، في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، قال: كان فن (٦) الكتابة بمصر "في زمن بني عبيد" (٧) غضًا طريا، ولا يخلو ديوان المكاتبات من رأس يرأس مكانًا وبيانا، ويقيم [لسلطانه بقلمه] (٨) سلطانا. وكان من العادة أن كلا من أرباب الدواوين إذا نشأ له ولد، وحصَّل شيئًا من علم الأدب، أحضره إلى ديوان المكاتبات؛ ليتعلم فن الكتابة، ويتدرب، ويري، ويسمع. قال: فأرسلني والدى -وكان إذ ذاك قاضيًا بثغر عسقلان- إلى الديار المصرية في أيام الحافظ -وهو أحد خلفائها- وأمرني بالمصير إلى ديوان المكاتبات، وكان الذي يرأس به في تلك الأيام رجلٌ يقال له: ابن الخلال. فلما حضرت الديوان، ومثلت بين يديه، وعرفته من أنا، وما طلبي، رَحّبَ بي وسهَّل،

стр. 52

ثم قال: ما أعددت لفن الكتابة من الآلات؟ فقلت: ليس عندي شيء "سوى" (١) إنني أحفظ القرآن العزيز وكتاب "الحماسة" (٢)، فقال: في هذا بلاغ، ثم أمرني بملازمته. فلما ترددت إليه، وتدربت بين يديه، أمرني بعد ذلك أن أحُل شعر الحماسة، فحللته من أوله إلى آخره، ثم أمرني أن أحُله مرة ثانية فحللته.

стр. 53

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السابعة والستين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة هو المستضيء (١) بأمر الله، والخليفة في (٢) مصر العاضد، والوزير بها الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ولكنه في الحقيقة سلطانها، وليس لأحد معه كلام، لا من أمرائها، ولا من أعيانها، والعاضد تحت حكمه وقهره، ومع هذا قطعت الخطبة باسمه، وخطب باسم المستضيء الخليفة. وعقيب ذلك مات العاضد، والكلام فيه مفصل على أنواع: الأول: في قطع خطبته: قُطعت خطبته من ديار مصر في محرم هذه السنة، وسبب ذلك أن صلاح الدين لما ثبت ملكه في البلاد، وأمن السودان والأجناد، وضعف أمر العاضد، وصار قراقوش (٣) حاكما في قصره، كتب نور الدين إلى صلاح الدين؛ يأمره بالقبض على العاضد وأقاربه، وقطع خطبته، وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله، وكان المستضيء قد راسله في ذلك. ولما وصل رسول الخليفة إلى نور الدين بذلك، سير نور الدين كتاب الخليفة، وكتابه إلى صلاح الدين؛ يأمره بالقبض على العاضد وأهله، والخطبة للإمام المستضيء. فجمع صلاح الدين الأمراء، وشاورهم في ذلك، فمنهم من خوفه، ومنهم من هون عليه، فحضر الفقيه أبو يحيى بن اليسع الجامع يوم الجمعة سابع المحرم، وصعد المنبر قبل طلوع الخطيب، ودعا للإمام المستضيء، فلم ينكر أحد عليه. فلما كانت الجمعة الثانية، أمر صلاح الدين جميع الخطباء أن يخطبوا للمستضيء.

стр. 54

وفي تاريخ الدولتين (١): استفتح صلاح الدين سنة سبع وستين وخمسمائة بإقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس، وفي الجمعة الثانية خطب لهم بالقاهرة، وانقطع ذكر خلفاء مصر (٢) منها. وقال فيه أيضا (٣): إن صلاح الدين لما تمكن في الديار المصرية، وضعف أمر العاضد، كتب إليه نور الدين؛ يأمره بقطع الخطبة العاضدية، وإقامة الخطبة العباسية. فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر، وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك؛ لميلهم إلى العلويين. فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزامًا لا فسحة فيه. واتفق أن العاضد مرض، واستشار صلاح الدين الأمراء، فاختلفوا فيه كما ذكرنا، وكان قد دخل في مصر إنسان أعجمي، يعرف بالأمير العالم. قال ابن الأثير (٤): وقد رأيناه بالموصل كثيرًا، فلما رأى ما هم فيه من الإحجام، قال: أنا أبتدئ بها، فلما كان أول جمعة من المحرم، صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بأمر الله، فلم ينكر أحد عليه ذلك. فلما كانت الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد، وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله، ففعلوا ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر الديار المصرية. وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك، وقالوا: إن سَلِمَ فهو يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن نغَّصَ عليه هذه الأيام التي قد بقيت من أجله، فتوفي يوم عاشوراء، ولم يعلم بذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى. ولما انتهى الخبر إلى نور الدين بالشام، أرسل إلى الخليفة ببغداد يعلمه بذلك مع شهاب الدين أبي المعالي بن أبي عصرون، فزينت بغداد، وغلقت الأسواق، وعملت القباب، وفرح المسلمون فرحًا شديدًا.

стр. 55

وكانت الخطبة لبني العباس قد قُطعت من ديار مصر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في خلافة المطيع (١) العباسي، حين تغلب الفاطميون عليها أيام المعز (٢) الفاطمي، باني القاهرة، إلى هذا الأوان، وذلك مائتا سنة وثماني سنين. وقال ابن الجوزي (٣): ووصل يوم السبت ثاني عشرين المحرم ابن أبي عصرون، رسولًا يبشر بأن الخليفة خطب له بمصر، وضُربت السَّكَّةُ باسمه، وخُلع على الرسول، وانكمدت الروافض (٤). وقد صنفتُ في هذا كتابا سميته "النصر، على مصر" (٥)، وعرضته على الإمام المستضيء بأمر الله، أمير المؤمنين. وقال العماد (٦): شيع نور الدين شهاب الدين أبا المعالي المطهر، ابن الشيخ شرف الدين بن أبي عصرون بهذه البشارة، وأمرني بإنشاء بشارة عليه، تقرأ في سائر بلاد الإسلام، وبشارة خاصة للديوان العزيز بحضرة الإمام في مدينة السلام (٧). قال (٨): ونظمت قصيدة مشتملة على الخطبة بمصر أولها: قَدْ خَطَبْنَا لِلْمسْتَضِىِ بِمِصْرٍ … نَائِبُ الْمُصْطَفَى إِمَامُ الْعَصْرِ وَخَذَلْنَا لِنَصْرِه (٩) العَضُدَ العا … ضِدَ والقَاصِرَ الَّذِي بِالْقَصْرِ وأراد بالعضد وزير بغداد، عضد الدين بن رئيس الرؤساء.

стр. 56

وقال العماد في الخريدة: قصدت بالعضد والعاضد المجانسة، ونصرة وزير الخليفة كنصرته. ثم قال: وَأَشَعْنَا بِهَا شِعَار بَنِي الْعَبْـ … ـبَاس فاسْتبشرت وُجُوه النَّصْرِ وَتَرَكْنَا [الدَّعِيَّ] (١) يَدْعُو ثُبُورًا … وَهُوَ بالذُّلِّ تّحْتَ حَجْرٍ وحَصْرِ وتباهت منابر الدين بالخط … ـبة [للهاشمي] (٢) في أرض مصر ولدينا تضَاعفَتْ نِعَمُ اللـ … ـه، وجَلَّت عَنْ كُلِّ عَدِّ وَحَصْرِ وهي قصيدة طويلة (٣): قال العماد (٤): ووصل من دار الخلافة في جواب هذه البشارة عماد الدين صندل، وهو من أكابر الخدم المقتفوي (٥)، ومعه التشريف لنور الدين، والكتاب من الخليفة. وناول نور الدين الكتاب للعماد؛ ليقرأه، فتناوله منه الموفق بن القيسراني (٦)، وكان عنده في مقام الوزير، فقرأه. وذكر في "عِبرة أولي الأبصار" أن الخليفة سّيَّر إلى نور الدين الخلع ومعها سيفان؛ إشارة إلى تقليد مصر والشام، وسير معها طوقًا زنته ألف دينار، وبعث أيضًا إلى صلاح الدين تشريفًا أقل من تشريف نور الدين، فلبس صلاح الدين ذلك التشريف، فركب به في الديار المصرية، وهي أول أهبة عباسية دخلت الديار المصرية بعد استيلاء بني عُبيد عليها. وأما نور الدين؛ فكذلك لما لبس التشريف خرج إلى ظاهر دمشق حتى انتهى إلى الميدان الأخضر، ثم عاد.

стр. 57

الثاني في كتاب صلاح الدين إلى الخليفة المستضيء بخط القاضي الفاضل؛ يهنئه بفتح مصر: أوله (١): ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٢) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم، وصلواته التي تنزل بها الروح الأمين، وتشبعها الملائكة بالتأمين، على مولى الأمة ومولى النعمة، ووالي الأمر المصون بقاؤه في عقبه، وولي الله الذي لا خوف عليه، ولا خوف به الخليفة على الخليقة (٣)، والإمام الذي يحمي من دون الله الحقيقة على الحقيقة، ووارث السقايتين زمزم والكوثر، والولايتين السرير والمنبر، والدعاءين اليوم وفي المحشر، والشرفين المشعر والمعشر، والطرفين المشهد الأول والمشهد الأكبر، والمقامين مقام إبراهيم ومقام محمد ﷺ أبدًا سرمدًا، والشعارين الأبيض في القلب والأسود في اليد، والخالدين في دار السلام ودار السلامة، والموطنين مقام الإمامة ودار المقامة، والشفاعتين سالفًا في أهل العمام وآنفًا في أهل النار، والسلامين سلام لكم من ألسنة الأبرار ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٤)، على الخليفة ابن الخلائف على رغم من رضى أن يكون مع الخوالف، وابن الأئمة المشهورين في المناظر والمواقف، مولينا ومولانا الإمام المستضيء بالله -أمير المؤمنين- صلوات الله على تلك الأنوار القدسية، يتضوع عن نسيم الأنفاس الفردوسية. والحمد لله الذي وفى الدين دينه المسئول، وأغمد عن أهله سيف الفتنة المسلول، فأورث أمير المؤمنين حقًا كان به ممطولًا، وأطال يده إلى استيفاء طائلة كان دم الحق بها مطلولًا (٥)، وكتاب المملوك صادر إلى المقر الشريف الأشرف الأصيل، ومن شرفُهُ لشرف الرسول رسيل، والاسم الشريف المستضيء به قد صدحت منابره وعروشه، وطرزت المدائن والملابس والدنانير والدراهم رقومه (٦) ورقوشه (٧)، وجهزت إلى بلاد الكفار في

стр. 58

العام مرة أو مرتين بعوث نصره وجيوشه، والزمن قد وقرته السكينة لا الوجوم، والكواكب قد همت بأن تتساقط إيثار الطرب لا إيثار الرجوم، ونشأة الدعوة المنيعة قد أشبهت ولاية النبوة الشريفة، وقد طالع وزير أمير المؤمنين بتفصيل ما أجمله، وتحصيل ما منعته الجلالة أن يستوفيه ويستكمله، راجيا أن يناله من الملاحظات النبوية ما يجعل له سلطانًا، ويمكن له في قلوب الأعداء والأولياء مكانًا؛ حتى يحفظ على الخلافة من لا يعنيه إلا إياها، وينفذ على الثقلين في الخافقين أوامرها وقضاياها، ويستضيف لها نصرًا إلى نصرٍ، ويستنجز لها ما كتب في الزبور من بعد الذكر، نَوَّه الله باسم أمير المؤمنين في الملأ الأعلى، وطبق بدعوته المعمورة حتى لا يستثنى مكان بإلا، وقلص به عن الأمة ضلالة، ومد عليه ظلًا إن شاء الله تعالى. الثالث: في أمر (١) نور الدين بالقبض على العاضد: قد ذكرنا أن نور الدين كتب إلى صلاح الدين، يأمره بالقبض على العاضد وأقاربه وقطع خطبته، وعزم صلاح الدين على ذلك، واستفتى الفقهاء، فأفتوه بجواز ذلك، لما كان عليه العاضد وأشياعه من انحلال العقيدة، وفساد الاعتقاد، وكثرة الوقوع في الصحابة ﵃، والاستهتار بذلك. وكان أكثرهم مبالغة في الفتيا الشيخ نجم الدين الخبوشاني (٢)، فإنه عدد مساويء هؤلاء القوم، وسلب عنهم الإيمان، وأطال الكلام في ذلك. وكان العاضد رأي -في آخر دولته- في منامه وهو بمدينة مصر وقد خرجت إليه عقرب من مسجد هو معروف بها، فلدغته، فلما استيقظ ارتاع لذلك، فقصَّ على بعض المعبّرين المنام، فقال له: ينالك مكروه من شخص هو مقيم في هذا المسجد، فأمر والي مصر أن يكشف عمن هو مقيم في المسجد الفلاني، وأنه إذا رأى به أحدًا يحضره عنده. فمضى الوالي إلى المسجد، فرأى فيه رجلا صوفيًا فأخذه ودخل به على العاضد،

стр. 59

فلما رآه سأله: من أين هو؟ ومتى قدم البلاد؟ وفي أي شيء قدم؟ وهو يجاوبه عن كل سؤال، فلما ظهر له [منه] (١) ضعف الحال والصدق والعجز عن إيصال المكروه إليه، أعطاه شيئًا وقال له: يا شيخ ادْعُ لنا، وأطلق سبيله، وعاد إلى مسجده. فلما استفتى صلاح الدين في أمر العاضد والقبض عليه، وأفتاه الفقهاء، كان هذا الصوفي هو المبالغ في فتواه، وهو الشيخ نجم الدين كما ذكرنا، فصحَّت بذلك رؤيا العاضد (٢). الرابع في وفاة العاضد: قال بيبرس: جلس الخليفة في قصرة بعد الإرجاف بقطع خطبته، فظهر عليه ضعف القوى، وتخاذل الأعضاء، وأثر الحمى. ولما اشتد مرضه، تخاذل عنه حتى طبيبه الذي يعوده، وانقطع عن عيادته (٣). وما أحسن قول الشاعر: جَرَّبْتُ فِي شِدَّتِى أَنْ لَا صَدِيق لِمَنْ … أضْحَى كعصْفٍ عليه الدهرُ قد عصفا خُلْقُ الصَّدِيقِ لِخُلْقِ الدَّهْر مُتَّبعٌ … فإن صفا (٤) لك صَافَى أو جفاك جَفَا ثم توفي يوم عاشوراء من هذه السنة، فلم يكن بين قطع خطبته ووفاته إلا أيام يسيرة. وقال القاضي الفاضل: كان (٥) بين وضع اسمه من على أعواد المنابر ووضع جثته على أعواد النعش ثلاثة أيام. فأقام له صلاح الدين الجنازة، وواصل العزاء به شهرًا كاملًا. وفي المرآة (٦): واختلفوا في سبب وفاته على أقوال؛ أحدها: أنه تفكر في أموره فرآها في إدبار، فأصابه ذرب (٧) عظيم، فمات منه.

стр. 60

والثاني: أنه لما خطب لبني العباس بلغه، فاغتم، فمات. وقيل: إن أهله أخفوا عنه ذلك على ما ذكرناه. والثالث: أنه لما أيقن بزوال دولته، كان في يده خاتم له فص مسموم، فمصه فمات. وجلس صلاح الدين في عزائه، ومشي بين يدي جنازته، وتولى غسله وتكفينه ودفنه عند أهله. وقال ابن الأثير (١): ولما اشتد مرض العاضد أرسل يستدعى صلاح الدين، فظن أن ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه، فندم على تخلفه عنه. وكان صلاح الدين يقول: لو علمت أنه يموت من هذا المرض ما قطعت خطبته إلى أن يموت. وقال ابن خلكان (٢) قيل: إنه حصل له غيظ من شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخو صلاح الدين، فسمّ نفسه فمات، والله أعلم. قال العماد (٣): ولما وصل الخبر بموت العاضد، في ليلة عاشوراء سنة سبع وستين وخمسمائة، بعد الخطبة بمصر للمستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، عملتُ هذه الأبيات. فذكر قصيدة منها: تُوُفِّىَ العَاضِدُ الدَّعِيُّ، فَمَا … يَفْتَحُ ذُو بِدْعَةٍ بِمِصْرَ فَمَا وَعَصْرُ فِرْعَوْنِها انْقَضَى، وَغَدا … يُوسُفُها فِي الأُمُورِ مُحْتكِمَا وَانْطَفَأَتْ جَمْرَةُ الْغُوَاةِ، وَقَدْ … بَاحَ مِنَ الشِّرْكِ كُلَّ مَا اضْطَرَمَا وصَارَ شَمْلُ الصَّلاحِ مُلْتَئِمًا … بِهَا، وَعَقْدُ السَّدَادِ مُنْتَظِمَا لَمَّا غَدَا مُعْلِنًا شِعَارَ بَنِي الْـ … ـعَبّاسِ حَقًا، وَالْبَاطِلَ اكْتَتَمَا وَبَاتَ دَاعِىَ التَّوحِيدِ مُنْتَصِرًا … وَمِنْ دُعَاةِ الإِشْرَاكِ مُنْتَقِمَا وَظَلَّ أَهْلُ الضَّلال في ظُلَلٍ … دَاجِيَةٍ مِنْ غَيَابَةٍ وَعَمَى (٤)

стр. 61

الخامس في سيرته: كان شيعيًا خبيثًا، لو أمكنه قَتَلَ كل من قدر عليه من أهل السنة، وكان كريمًا جوادًا ممدحًا. وقال ابن خلكان: كان العاضد شديد التشيع، متغاليًا (١) في سب الصحابة ﵃، وإذا رأى سُنِّيًا استحل دمه، وسار وزيره (٢) الصالح بن رزيك في أيامه سيرة مذمومة فإنه احتكر الغلات فارتفع سعرها، وقتل أمراء الدولة خشية منهم، وأضعف أحوال الدولة المصرية فقتل مقاتلتها، وأفني ذوي الآراء والحزم منها. وفي تاريخ ابن العميد: وكان مذهبهم مذهب أهل التناسخ (٣)، واعتقاد الجزء الإلهي في أشياخهم. وقد ذكرنا أن الحاكم (٤) قال لداعيه: كم في جريدتك؟ قال: ستة عشر ألفا، يعتقدون أنك إله. وقال فيه بعض الشعراء: مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءتْ الأقْدَارُ … فَاحْكُمْ فَأنْتَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ وهذا كفر محض، وليس مثله إلا قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (٥)، وقال بعض شعرائهم بذكر ظهور مهديهم فيما يزعمون برقادة (٦) من عمل القيروان: حَلَّ بِرُقَّادَةَ الْمَسِيحِ … "و" (٧) حَلَّ بِهَا آَدَمٌ وَنُوحُ حَلَّ بِهَا اللَّهُ في عُلَاهُ … وَمَا سِوَى اللهِ فَهْوَ رِيحُ

стр. 62

وهذا أعظم من اعتقاد النصارى في المسيح؛ لأنهم يزعمون أن فيض الإله حل على المسيح، وهؤلاء يعتقدون حلول الباريء تعالى في جسد آدم ونوح وسائر الأنبياء وجميع خلفائهم وأئمتهم، نعوذ بالله من ذلك، وتعالى الله عن ذلك. السادس في ترجمته: هو أبو محمد عبد الله، الملقب العاضد بن يوسف، ابن الحافظ لدين الله أبي الميمون، عبد المجيد بن أبي القاسم محمد -ولم يل الخلافة (١) - ابن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي. آخر ملوك مصر من العبيديين. والعاضد في اللغة القاطع (٢)، ومنه الحديث: "لا يعضد شجرها" (٣). وبه قطعت دولتهم وعُضِدَت. ولى المملكة بعد عمه الفائز، وكان أبوه يوسف أحد الأخوين اللذين قتلهما عباس (٤) بعد الظافر. واستقر الأمر للعاضد اسمًا، وللصالح طلائع بن رزيك جسمًا، وكان مولده في سنة ست وأربعين وخمسمائة، فعاش إحدى وعشرين سنة. وفي المرآة (٥): توفي يوم عاشوراء وعمره ثلاث وعشرون سنة، وكانت أيامه إحدى (٦) عشرة سنة وشهورًا، وكان العاضد مولده سنة أربع وأربعين وخمسمائة (٧). وبويع له في

стр. 63

رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة (١). ولم يل أبوه الخلافة، وأمه أم ولد، يقال لها ست المُنى. وكانت الخطبة لبني العباس قد قطعت من ديار مصر من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، في خلافة المطيع العباسي، حين تغلب الفاطميون عليها أيام المعز الفاطمي -باني القاهرة-[و] (٢) إلى هذا الأوان، وذلك مائتا سنة وثماني سنين. وقال النويري (٣) في تاريخه: وجميع من خطب [له من الفاطميين] (٤) بالخلافة أربعة عشر خليفة، بمصر أحد عشر خليفة، وبالمغرب ثلاثة -عدد خلفاء بني أمية (٥) - وهم: المهدي، والقائم والمنصور، والمعز، والعزيز، والحاكم، والظاهر، والمستنصر، والمستعلي، والآمر، والحافظ، والظافر، والفائز، والعاضد (٦). وجميع مدة خلافتهم من حين ظهر المهدي بسجلماسة (٧) في ذي الحجة من سنة ست وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد في هذه السنة -أعني سنة سبع وستين (٨) وخمسمائة- مائتان واثنان وسبعون سنة. وقال ابن كثير (٩): كان أول من ملك منهم المهدي، وكان من أهل سلمية (١٠) حداد اسمه سعيد، وكان يهوديًا، فدخل بلاد المغرب، وتسمى بعبيد الله، وادعى أنه شريف علوي فاطمي، وقال: إنه المهدي. وقد ذكر هذا غير واحد من سادات العلماء الكبراء؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والشيخ أبي حامد الإسفراييني، كما ذكرنا ذلك مفصلًا. والمقصود أن هذا الكذاب راج له ما افتراه في تلك البلاد، ووازره جهلة من العباد،

стр. 64

وصارت له دولة وصولة وجولة، فتمكن إلى أن بنى مدينة سماها المهدية (١)، نسبة إليه. وصار ملكًا مطاعًا أظهر الرفض وانطوى على الكفر المحض، ثم كان من بعده أولاده (٢) كما ذكرنا. وقد كانوا من أنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العباد، وكثر بأرض الشام النصيرية (٣) والدرزية (٤) والحشيشية (٥). وتغلب الإفرنج على سواحل الشام بكماله، حتى أخذوا القدس الشريف، ونابلس، والغور، وبلاد غزة، وعسقلان، والكرك، والشوبك، وطبرية، وبانياس، وصُور، وعثليث (٦)، وصيدا، وبيروت، وعكا، وصفد، وطرابلس، وأنطاكية، وجميع ما والى ذلك إلى بلاد إياس وسيس. واستحوذوا على بلاد آمد والرها [ورأس العين] (٧) وبلاد شتى، وقتلوا خلقًا لا يعلمهم إلا الله، وسبوا من الذراري المسلمين من النساء والولدان ما لا يحد ولا يوصف (٨). وفي أيام العاضد وصل (٩) أسطول الفرنج إلى الإسكندرية، وكان معهم من الخيل ألف وخمسمائة فرس، وفي الأسطول ثلاثون ألف مقاتل في مائتي شين، ومعهم آلات الحرب والحصار، ومعهم أربعون مركبًا أخرى تحمل الأزواد، وفيها من الرجال والغلمان تتمة خمسين ألف رجل، وكشفوا المسلمين عن البر، وطلعوا فضربوا خيامهم، وكانت

стр. 65

ثلاثمائة خيمة، وحاصروا الإسكندرية أيامًا. ففتح المسلمون أبواب المدينة بالليل، وكبسوا الفرنج على غفلة، فأفنوهم قتلًا وأسرًا (١)، وغنموا جميع ما أحضروه، وغنموا بعض المراكب، وأقلعوا بعض المراكب الباقية. وحين زالت أيام الفاطميين أعاد الله هذه البلاد إلى أهلها من السادة المسلمين. وقد قال حسان (٢) الشاعر المدعو عرقلة: أَصْبَحَ الْمُلْكُ بَعْدَ آَلِ عَلِىٍّ … مُشْرِقًا بِالْمُلُوكِ مِنْ آلِ شَاذِي وَغَدا الشَّرْقُ يَحْسُدُ الْغَرْبَ لِلْقَوْ … م وَمِصْرُ تَزْهُو عَلَى بَغْدَاذِ مَا حَوَوْها (٣) إِلَّا بِعَزْمٍ وَحَزْمٍ (٤) … وَصَلِيلِ الفُؤادِ مِنْ فُولَاذِ (٥) [لا] (٦) كَفِرْعَوْنَ وَالْعَزِيزِ وَمَنْ كَا … نَ بِهَا كَالْخَصَيبِ (٧) وَالأُسْتَاذِ وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٨): يعني بالأستاذ كافور الإخشيدي. وقوله: آل علىٍّ يعنى الفاطميين على زعمهم؛ لأنهم ما كانوا فاطميين، وإنما كانوا أدعياء. وقال أبو شامة (٩): وقد أفردت كتابًا سميَته "كشف ما كان عليه بنو عُبيد من الكفر والكذب والكيد" (١٠). وكذا صنف العلماء في الرد عليهم كتبًا كثيرة. ومن أَجَلِّ ما وضع في ذلك (١١): كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني الذي سماه كتاب "كشف الأسرار وهتك الأستار".

стр. 66

وما أحسن ما قال بعض الشعراء في بني أيوب، يمدحهم على ما فعلوه بديار مصر: أَلَسْتُمْ مُزِيلِى دَوْلَةَ الكُفْرِ مِنْ بَنِي … عُبَيد بِمِصْرَ إِنَّ هَذَا هُوَ الْفَضْلُ زَنَادِقَةٌ شِيعِيَّةٌ بَاطِنِيَّةٌ … مَجُوسٌ مَعًا فِي الصَّالِحين لَهُمْ أَصْلُ يُسِرُّون كُفْرًا، يُظْهِرُون تَشَيُّعا … لِيَسْتَتِروا شَيْئًا وَعَمَّهُم الْجَهْلُ السابع في قصيدة يرثيهم بها عمارة اليمني وهي هذه: رَمَيْتَ يَا دَهْرُ كَفَّ الْمَجْدِ بِالشَّلَل … وَجِيدَهُ بَعْدَ "حُسْنِ الحَلْي بِالْعَطَلِ" (١) سَعَيْتَ فِي مَنْهَجِ الرَّأَيِ العَثُورِ فَإِنْ … قَدَرْتَ مِنْ عَثَرات "الدَّهرِ فَاسْتَقِل" (٢) جَدَعْتَ مارِنَك الأقْنى، [فَأَنْفُكَ] (٣) لا … ينْفَكُّ مَا بَيْن نَقْصِ (٤) الشَّين والخَجَلِ هَدَمْتَ قَاعِدَةَ الْمَعْرُوفِ عَنْ عَجَلٍ … سُقِيتَ مُهْلًا، أَمَا تَمْشِي عَلَى مَهَلِ لَهْفِي وَلَهْف بَنِي الآمَالِ قَاطِبَةً … عَلَى فَجِيعَتِنَا (٥) فِي أَكْرَمِ الدُّوَلِ قَدِمْتُ مِصْرَ فَأَوْلَتْنِي خَلَائِفُهَا … مِنَ الْمَكَارِمِ مَا أَرْبَى عَلَى الأمَلِ قَوْمٌ عَرَفْتُ بِهِمْ كَسْبَ الألُوفِ، وَمِنْ … كَمَالِهَا أَنَّها جَاءَتْ وَلَمْ أَسَلِ وَكُنْتُ مِنْ وُزَرَاءِ الدِّسْتِ حَيْثُ سَمَا … رَأْسُ الْحِصَانِ بِهَادِيه عَلَى الكَفْلِ وَنِلْتُ مِنْ عُظَمَاءِ الْجَيْشِ تَكْرِمَةً … وَخُلَّةً حُرِسَتْ مِنْ عَارِضِ الْخَلَلِ يَا عَاذِلِي فِي هَوَى أَبْنَاءِ فَاطِمَةٍ … لَكَ الْمَلَامَةُ إِنْ قَصَّرْتَ فِي عَذلِي بِاللَّهِ زُرْ سَاحَة الْقَصْرَيْن، وَابْكِ مَعِى … عَلَيْهِمَا، لا علَى صِفَّين والْجَمَلِ وَقُلْ لأَهْلِهِمَا (٦): وَاللّهِ مَا الْتَحَمَتْ … فِيكُمْ جُرُوحِي، وَلَا قَرْحِي بِمُنْدَمِلِ (٧)

стр. 67

مَاذَا تُرىَ كَانَت الإِفْرِنْجُ فَاعِلَةً … فِي نَسْلِ آَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِي هَلْ كَانَ فِي الأَمْرِ شَيءٌ غَيْرُ قِسْمَةِ مَا … مُلِّكْتُمُ (١) بَيْنَ حُكْمِ السَّبْيِ والنَّفَل وَقَدْ حَصَلْتُم عَلَيْهَا وَاسْمُ جَدّكم … مُحَمَّدٍ، [وأبوكم] (٢)، خَيرُ مُنْتَعِلِ (٣) مررتُ بالقصرِ والأركانُ خاليةٌ … من "الأنيسِ" (٤) وكانتْ قِبلَةَ القِبَل فمِلتُ عنها بوجْهِي (٥) خوفَ مُنْتَقِدٍ … مِنَ الأَعادِي ووجْهُ الودِّ لم يَمِلِ أسْبَلتُ مِن أسَفٍ (٦) دمْعي غداةَ خلتْ … رحابُكم وغَدَتْ مَهْجورةَ السُّبُلِ أبكي على [مأثراتٍ] (٧) مِن مَكارِمِكُم … حَالَ الزمانُ عليها وهي لم تَحُلِ دَارُ الضيافة كانت أُنْسَ وافِدِكم … واليومَ أَوْحَشُ من رسْمٍ ومنْ طَللِ وفطرةُ الصَّومِ إنْ أصْغَتْ (٨) مَكَارمُكم … [تَشكُو] (٩) من الدهرِ حَيفًا غيرَ مُحْتَملِ وكُسْوةُ النّاسِ في الفصْلين قد دَرَسَت … ورث فيها جديدٌ عندكم (١٠) وَبَلى وموسِمٌ كان في كَسْرِ الخليج (١١) لكُم … يأتي تَجَمُّلكم فيه على الجُمَلِ وأولُ العامِ و [العِيدان] (١٢) [كان] (١٣) لكم … فيهن من وَبْلِ جُودٍ ليس بالْوَشَلِ والأرضُ تهتزُّ في "عيد الغدير" (١٤) كما (١٥) … يَهْتَزُّ ما بَيْن قصْرَيْكم من الأَسَلِ والخيلُ تُعْرضُ "في" وشْيٍ وفي (١٦) شِية … مثلُ العرائِس في حَلْى وفي حُلَلِ

стр. 68

وما (١) حَمَلْتُم (٢) قِرى الأضْيافِ مِن سِعَة الْـ … أطْباقِ إلَّا علَى الأعناقِ (٣) والعَجَلِ وما خَصَصْتم ببِرٍّ أهلَ مِلّتِكُم … حتى عَمَمْتُم به الأقْصى مِن المِلَلِ كانت رَوَاتِبُكُم لِلذمتينِ (٤) وللضَّـ … ـيفِ المقِيم وللطَّارِي من الرُّسُلِ وللجوامعِ (٥) مِنْ أحَباسِكُم نِعَمٌ … لمنْ تَصَدَّرَ في عِلْمٍ وفي عَمَلِ ورُبَّما عادَت الدُّنْيا لِمَعْقِلِها (٦) … مِنكُم، وأضحَتْ بكُم محلُولة الْعُقَلِ (٧) والله لا فازَ يومَ الحشْر ظالِمُكُم (٨) … ولا [نَجا] (٩) من عذابِ النارِ غيرُ وَليِ ولا (١٠) رَأى جَنّةَ "الخُلدِ" التي "وُعِدَتْ" … مَنْ خَانَ عهدَ الإمَامِ العَاضِد بن علي ولا سُقِي الماءُ مِن "حَرٍّ" (١١) ومنْ ظمإٍ … مِن كفِّ خير البَرايا خَاتَمِ الرُّسُلِ أئمتي وهُدَاتي والذخيرةُ لي … إذا ارْتَهنْتُ بمَا قَدّمْتُ مِن [عَمَلِ] (١٢) "بِاللهِ" (١٣) لم أُوفِهِمْ في المدْحِ حَقَّهُمُ … لأنَّ فَضْلَهُمُ كالوابِلِ الهَطِلِ وإنْ (١٤) تَضَاعَفَت الأقْوالُ واسْتَبَقَتْ … ما كنتُ فيهِم بحمدِ الله بالْخَجِلِ بابُ النجاةِ فَهُمْ دُنيا وآخرةً … وحُبُّهم فهو أصلُ الدِّين والعَملِ

стр. 69

نُورُ الهُدَى ومَصَابيحُ الدُّجَي ومَحَـ … ـلُّ الغَيْثِ إن وَنَت الأنواءُ في المحَلِ أئمةٌ خُلِقُوا نورًا فنورهم … مِنْ نور خَالصِ نُورِ اللَّهِ لَمْ يَفلِ (١) واللهِ لا زُلْتُ عن حُبِّي لهُم أبدًا … ما أخَّرَ اللهُ لي في مُدةِ الأَجَلِ (٢) الثامن فيما جرى بعد موته. قال ابن كثير (٣) ﵀: لما مات العاضد استحوذ الملك الناصر صلاح الدين يوسف على القصر بما فيه، وأخرج منه أهل العاضد إلى دار أفردها لهم، وأجرى عليهم الأرزاق والنفقات الهنيئة؛ عوضًا عما فاتهم من الخلافة (٤). واستعرض حواصل القصرين، فوجد فيهما من الحواصل والأمتعة والآلات والثياب والملابس شيئًا كثيرًا باهرًا، وأمرًا هائلًا، فمن ذلك: سبعمائة يتيمة من الجوهر، وقضيب زمرد (٥) طوله أكثر من شبر وسُمْكُهُ نحو الإبهام، وحبل من ياقوت، وَوُجِدَ فيه إبريق عظيم من الحجر المانع، وطبل للقولنج (٦). فاتفق أن بعض أمراء الأكراد أخذه في يده، ولم يدر ما شأنه، فلما ضرب عليه حبق (٧) فألقاه من يده فكسره فبطل أمره، وأما القضيب الزمرد فإن السلطان كسره ثلاث فلق، فقسَّمه بين نسائه، وقسَّم بين الأمراء شيئًا كثيرًا من قطع البلخش (٨) والياقوت والذهب والأثاث وغير ذلك. واستمر البيع فيما كان هنالك من الأثاث والأمتعة نحوًا من عشر سنين، وأرسل إلى الخليفة ببغداد هدايا

стр. 70

عظيمة سنية، وكذلك إلى الملك العادل نور الدين، أرسل إليه جانبًا كبيرًا صالحا، وكان مما أرسله لنور الدين ثلاث قطع بلخش، زنة الواحدة أحد وثلاثون مثقالًا، والأخرى ثمانية عشر مثقالًا، والثالثة "دونهما" (١)، مع لآلئ كثيرة، وستين (٢) ألف دينار، وعطر لم يسمع بمثله (٣)، ووجد في القصر أيضا خزانة كتب ليس في دار الإسلام مثلها، تشتمل على نحو ألفي ألف مجلد (٤). ومن عجائب ذلك أنه كان بها ألف ومائتان وعشرون نسخة من تاريخ الطبري. وقال العماد الكاتب (٥): كانت الكتب قريبًا من مائة وعشرين ألف مجلد، وقد تسلمها القاضي الفاضل، وأخذ منها شيئًا كثيرًا مما اختاره وانتخبه (٦). قال (٧): وقَسَّم القصر الشمالي بين الأمراء، فسكنوه، وأسكن أباه نجم الدين في قصر عظيم على الخليج، الذي يقال له اللؤلؤة (٨)، الذي فيه بستان الكافورى، وسكن أكثر الأمراء في دور من كان ينتمي إلى الفاطميين، ولا يلقى أحد من الأتراك أحدًا من أولئك الذين كانوا بها أكابر إلا شلحوه ثيابه، ونهبوا داره حتى تمزق كثيرًا منهم في البلاد، وتفرقوا شذر مذر، وصاروا أيادي سبأ. وقال ابن أبي طىّ: ولم يوجد في القصر من المال كثير؛ لأن [شاور] (٩) قد ضيعه في إعطائه الفرنج في المرات العديدة، ووجد فيه ذخائر جليلة من ملابس وفرش وخيول وخيام وكتب وجوهر، ووجد فيه إبريق عظيم من الحجر المانع، فأنفذه السلطان إلى

стр. 71

بغداد. وجعل السلطان أهل العاضد في موضع خارج القصر، وجعل أمرهم إلى قراقوش الخادم، وفرق بين النساء والرجال؛ ليكون ذلك أسرع إلى انقراضهم، واستعرض مَنْ بالقصر مِنَ الجواري والعبيد، والعدة والعديد، والطريف والتليد، فأطلق من كان منهم حرًا، وأعتق من رأى إعتاقه، ووهب من أراد هبته، وفرق على الأمراء والأصحاب من نفائس القصر وذخائره شيئًا كثيرًا، وحصل هو على اليتيمات وقطع البلخش والياقوت وقضيب الزمرد، وأطلق البيع بعد ذلك في كل جديد وعتيق، فأقام البيع في القصر مدة عشر سنين. قال (١): ومن جملة ما باعوا خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا. ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة في القصر. ويقال إنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة. وانقضت تلك الدولة برمتها، وذهبت تلك الأيام بجملتها بعد أن كانوا قد احتووا على البلاد، واستخدموا العباد مائتين وثمانين سنة وكسورًا. [قال] (٢): وحكى أن الشريف الجليس (٣) وهو رجل كان قريبًا من العاضد، يجلس معه ويحدثه، عمل دعوة لشمس الدولة بن أيوب، أخى السلطان، بعد القبض على القصور (٤) وأخذ ما فيها، وانقراض دولتهم. وغرم هذا الشريف على هذه الدعوة مالًا كثيرًا، وأحضرها أيضا جماعة من أكابر الأمراء، فلما جلسوا على الطعام، قال شمس الدولة لهذا الشريف: حدثني بأعجب ما شاهدته من أمر القوم. قال نعم؛ "طلبنى العاضد يوما وجماعة من الندماء، فلما دخلنا

стр. 72

عليه وجدنا عنده مملوكين من الترك، عليهما أقبية (١) مثل أقبيتكم، وقلانس (٢) مثل قلانسكم، وفي أوساطهم مناطق (٣) كمناطقكم. فقلنا له: يا أمير المؤمنين ما هذا الزي الذي ما رأيناه قط؟ قال: هذه هيئة الذين يملكون ديارنا، ويأخذون أموالنا وذخائرنا. وفي تاريخ الدولتين (٤): أخبرني أبو الفتوح [بن العاضد] (٥) أن السلطان جعل أهل العاضد في دار برجوان (٦)، في الحارة المنسوبة إليه بالقاهرة، وهي دار كبيرة واسعة، كان عيشهم فيها طيبًا، ثم نقلوا بعد الدولة الصلاحية منها، وأبعدوا عنها. التاسع: في ذكر كتاب (٧) كتبه القاضي الفاضل عن صلاح الدين، إلى وزير بغداد، على يد الخطيب شمس الدين [بن] (٨) أبي المضاء. "كتب الخادم هذه الخدمة من مستقره ودين الولاء مشروع، وعلم الجهاد مرفوع، وسؤدد السواد متبوع، وحكم السداد بين الأمة (٩) موضوع، وسبب الفساد مقطوع ممنوع. وقد توالت الفتوح غربا ويمنا وشامًا، وصارت البلاد بل الدنيا، والشهر بل الدهر، حرمًا حرامًا، وأضحى الدين واحدًا بعد ما كان أديانا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها [إلا] (١٠) صُمًّا وعُميانا؛ والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة؛ ذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسمَّوا أعداء الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعا، وكذَّبوا بالنار فعجلت لهم نار الحتوف، ونثرت أقلام الظبا حروف رءوسهم نثر الأقلام للحروف، ومزقوا كل ممزق، وأخذوا منهم كل مخنق، وقطع دابرهم، ووعظ آيبهم غابرهم، ورغمت

стр. 73

أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدًا وقتلا، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ (١) رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، وليس السيف عمن سواهم من كفار الفرنج بصائم، ولا الليل عن سير إليهم بنائم. ولا خفاء عن المجلس الصاحبىّ. أن من شد عقد خلافة وحلّ عقد خلاف، وقام بدولة وقعد بأخرى قد عجز عنها الأخلاف والأسلاف، فإنه مفتقر إلى أن يُشكر ما نصح، ويقلَّد ما فتح، ويبلَّغ ما اقترح، ويقدّم حقه ولا يطرح، ويقرب مكانه وإن نزح، وتأتيه التشريفات الشريفة، وتتواصل إليه أمداد التقويات الجليلة اللطيفة، وتلبي دعوته بما أقام من دعوة، وتوصل عروته بما وصل من غزوة، وترفع دونه الحجب المعترضه، وترسل إليه السحب المروضة. فكل ذلك تعود عوائده، وتبدو فوائده، بالدولة التي كشف وجهه لنصرها، وجرد سيفه لرفع منارها، والقيام بأمرها. وقد أتى البيوت من أبوابها، وطلب النّجعة (٢) من سحابها، ووعد آماله الواثقة بجواب كتابها، وأنهض لإيصال ملطفاته وتنجيز تشريفاته خطيب الخطباء بمصر، وهو الذي اختاره لصعود درجة المنبر، وقام بالأمر قيام من بَرَّ، واستفتح بلباس السواد الأعظم، الذي جمع الله عليه السَّواد الأعظم، أملًا (٣) أنه يعود إليه بما يطوى الرجاء فضل عقبه، ويخلد الشرف في عقبه". العاشر: فيما ذكر جماعة من أكابر العلماء في حق الفاطميين المذكورين: قالوا (٤): إنهم لم يكونوا لذلك أهلًا، ولا نسبهم صحيحًا، بل المعروف أنهم بنو عبيد. وكان والد عبيد هذا من نسل القدَّاح الملحد المجوسي. وقِيل كان والد عبيد هذا يهوديا من أهل سَلَمْيه من بلاد الشام، وكان حدادًا، وعبيد هذا كان اسمه سعيدًا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله، وزعم أنه علوي فاطمي، وادعي نسبًا ليس بصحيح، لم يذكره أحد من مصنفى الأنساب العلوية، بل ذكر جماعة من العلماء بالنسب خلافه.

стр. 74

وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى (١). وقد صنف الشريف الهاشمي (٢) كتابًا كبيرًا، كان في أيام الملقب بالعزيز -ثاني خلفاء مصر- فبين فيه أصولهم أتم بيان، وأوضح كيفية ظهورهم وغلبتهم على البلاد، وتتبع ذكر فضائحهم، وما كان يصدر منهم من أنواع الزندقة والفسق والمخرقة، وما فعله هؤلاء من الانتساب إلى على ﵁، والتستر بالتشيع قد فعله القرامطة (٣)، وصاحب الزنج (٤) الخارج بالبصرة، وغيرهم من المفسدين في الأرض، على ما عَرَف مِنْ سيرهم مَنْ وقَف على أخبار الناس. وكلهم كَذَبَةٌ في ذلك، وإنما غرضهم التقرب إلى العوام والجهال. وذكر القاضي عبد الجبار (٥) أن الملقب بالمهدي -عليه ما يستحق- كان يتخذ الجهال ويسلطهم على أهل الفضل؛ وكان يرسل إلى الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى ملك الروم، وسلطهم على المسلمين، وأكثر من الجود واستصفاء الأموال، وقتل الرجال. وكان له دعاة يضلون الناس على قدر طبقاتهم، فيقولون لبعضهم: "هو المهدي ابن رسول الله ﷺ ، وحجة الله على خلقه". ويقولون لآخرين: "هو رسول الله وحجة الله على خلقه". ويقولون لطائفة أخرى: "هو الله الخالق الرازق". ولما هلك قام ابنه المسمى بالقائم (٦) مقامه، وزاد شره على شر أبيه أضعافًا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق المهدية وغيرها: "العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى". وبعث إلى أبي طاهر القرمطي (٧)، المقيم بالبحرين، وحثه على قتل المسلمين، وإحراق المساجد والمصاحف.

стр. 75

وقام بعده ابنه المنصور (١)، فقتل أبا يزيد مخلد (٢)، الذي خرج على أبيه؛ ينكر عليه قبيح فعله، وسلخه وصلبه، واشتغل بأهل الجبال يقتلهم ويشردهم؛ خوفًا من أن يثور عليه ثائر مثل أبي يزيد. وقام بعده ابنه المعز (٣)، فبث دعاته، فكانوا يقولون: "هو المهدي الذي يملك [الأرض] (٤)، وهو الشمس التي تطلع من مغربها". وكان يسره ما ينزل بالمسلمين من المصائب، من أخذ الروم بلادهم. واحتجب عن الناس أيامًا، ثم ظهر، وأوهم أن الله رفعه إليه، وأنه كان غائبًا في السماء، وأخبر الناس بأشياء صدرت منهم، كان ينقلها إليه جواسيس له، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه. وهو أول الخلفاء منهم بمصر، وهو الذي تنسب إليه القاهرة، واستدعي بفقيه الشام أبي بكر محمد بن أحمد بن سهل الرملي، ويعرف بابن النابلسي، فحمل إليه في قفص خشب، فأمر بسلخه، فسلخ حيًا، وحشى جلده تبنًا، وصلب ﵀. قال أبو ذر الهروي (٥): سمعت أبا الحسن الدارقطني (٦) يذكره ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يُسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (٧). وقال صاحب تاريخ الدولتين (٨): وفي أيام الحاكم أمر بكتْب سب الصحابة ﵃ على حيطان الجوامع، والقياسر، والشوارع والطرقات. وكتب السجلات إلى سائر الأعمال بالسب، ثم [أمر] (٩) بقلع ذلك، وأنا رأيته مقلوعًا في بعض أبواب دمشق،
следующие страницы →