← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بغداد. وجعل السلطان أهل العاضد في موضع خارج القصر، وجعل أمرهم إلى قراقوش الخادم، وفرق بين النساء والرجال؛ ليكون ذلك أسرع إلى انقراضهم، واستعرض مَنْ بالقصر مِنَ الجواري والعبيد، والعدة والعديد، والطريف والتليد، فأطلق من كان منهم حرًا، وأعتق من رأى إعتاقه، ووهب من أراد هبته، وفرق على الأمراء والأصحاب من نفائس القصر وذخائره شيئًا كثيرًا، وحصل هو على اليتيمات وقطع البلخش والياقوت وقضيب الزمرد، وأطلق البيع بعد ذلك في كل جديد وعتيق، فأقام البيع في القصر مدة عشر سنين. قال (١): ومن جملة ما باعوا خزانة الكتب، وكانت من عجائب الدنيا. ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من الدار التي بالقاهرة في القصر. ويقال إنها كانت تحتوي على ألفي ألف وستمائة ألف كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة. وانقضت تلك الدولة برمتها، وذهبت تلك الأيام بجملتها بعد أن كانوا قد احتووا على البلاد، واستخدموا العباد مائتين وثمانين سنة وكسورًا. [قال] (٢): وحكى أن الشريف الجليس (٣) وهو رجل كان قريبًا من العاضد، يجلس معه ويحدثه، عمل دعوة لشمس الدولة بن أيوب، أخى السلطان، بعد القبض على القصور (٤) وأخذ ما فيها، وانقراض دولتهم. وغرم هذا الشريف على هذه الدعوة مالًا كثيرًا، وأحضرها أيضا جماعة من أكابر الأمراء، فلما جلسوا على الطعام، قال شمس الدولة لهذا الشريف: حدثني بأعجب ما شاهدته من أمر القوم. قال نعم؛ "طلبنى العاضد يوما وجماعة من الندماء، فلما دخلنا

стр. 72

عليه وجدنا عنده مملوكين من الترك، عليهما أقبية (١) مثل أقبيتكم، وقلانس (٢) مثل قلانسكم، وفي أوساطهم مناطق (٣) كمناطقكم. فقلنا له: يا أمير المؤمنين ما هذا الزي الذي ما رأيناه قط؟ قال: هذه هيئة الذين يملكون ديارنا، ويأخذون أموالنا وذخائرنا. وفي تاريخ الدولتين (٤): أخبرني أبو الفتوح [بن العاضد] (٥) أن السلطان جعل أهل العاضد في دار برجوان (٦)، في الحارة المنسوبة إليه بالقاهرة، وهي دار كبيرة واسعة، كان عيشهم فيها طيبًا، ثم نقلوا بعد الدولة الصلاحية منها، وأبعدوا عنها. التاسع: في ذكر كتاب (٧) كتبه القاضي الفاضل عن صلاح الدين، إلى وزير بغداد، على يد الخطيب شمس الدين [بن] (٨) أبي المضاء. "كتب الخادم هذه الخدمة من مستقره ودين الولاء مشروع، وعلم الجهاد مرفوع، وسؤدد السواد متبوع، وحكم السداد بين الأمة (٩) موضوع، وسبب الفساد مقطوع ممنوع. وقد توالت الفتوح غربا ويمنا وشامًا، وصارت البلاد بل الدنيا، والشهر بل الدهر، حرمًا حرامًا، وأضحى الدين واحدًا بعد ما كان أديانا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها [إلا] (١٠) صُمًّا وعُميانا؛ والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة؛ ذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسمَّوا أعداء الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان مجتمعا، وكذَّبوا بالنار فعجلت لهم نار الحتوف، ونثرت أقلام الظبا حروف رءوسهم نثر الأقلام للحروف، ومزقوا كل ممزق، وأخذوا منهم كل مخنق، وقطع دابرهم، ووعظ آيبهم غابرهم، ورغمت

стр. 73

أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدًا وقتلا، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ (١) رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، وليس السيف عمن سواهم من كفار الفرنج بصائم، ولا الليل عن سير إليهم بنائم. ولا خفاء عن المجلس الصاحبىّ. أن من شد عقد خلافة وحلّ عقد خلاف، وقام بدولة وقعد بأخرى قد عجز عنها الأخلاف والأسلاف، فإنه مفتقر إلى أن يُشكر ما نصح، ويقلَّد ما فتح، ويبلَّغ ما اقترح، ويقدّم حقه ولا يطرح، ويقرب مكانه وإن نزح، وتأتيه التشريفات الشريفة، وتتواصل إليه أمداد التقويات الجليلة اللطيفة، وتلبي دعوته بما أقام من دعوة، وتوصل عروته بما وصل من غزوة، وترفع دونه الحجب المعترضه، وترسل إليه السحب المروضة. فكل ذلك تعود عوائده، وتبدو فوائده، بالدولة التي كشف وجهه لنصرها، وجرد سيفه لرفع منارها، والقيام بأمرها. وقد أتى البيوت من أبوابها، وطلب النّجعة (٢) من سحابها، ووعد آماله الواثقة بجواب كتابها، وأنهض لإيصال ملطفاته وتنجيز تشريفاته خطيب الخطباء بمصر، وهو الذي اختاره لصعود درجة المنبر، وقام بالأمر قيام من بَرَّ، واستفتح بلباس السواد الأعظم، الذي جمع الله عليه السَّواد الأعظم، أملًا (٣) أنه يعود إليه بما يطوى الرجاء فضل عقبه، ويخلد الشرف في عقبه". العاشر: فيما ذكر جماعة من أكابر العلماء في حق الفاطميين المذكورين: قالوا (٤): إنهم لم يكونوا لذلك أهلًا، ولا نسبهم صحيحًا، بل المعروف أنهم بنو عبيد. وكان والد عبيد هذا من نسل القدَّاح الملحد المجوسي. وقِيل كان والد عبيد هذا يهوديا من أهل سَلَمْيه من بلاد الشام، وكان حدادًا، وعبيد هذا كان اسمه سعيدًا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله، وزعم أنه علوي فاطمي، وادعي نسبًا ليس بصحيح، لم يذكره أحد من مصنفى الأنساب العلوية، بل ذكر جماعة من العلماء بالنسب خلافه.

стр. 74

وقد استقصينا الكلام فيه فيما مضى (١). وقد صنف الشريف الهاشمي (٢) كتابًا كبيرًا، كان في أيام الملقب بالعزيز -ثاني خلفاء مصر- فبين فيه أصولهم أتم بيان، وأوضح كيفية ظهورهم وغلبتهم على البلاد، وتتبع ذكر فضائحهم، وما كان يصدر منهم من أنواع الزندقة والفسق والمخرقة، وما فعله هؤلاء من الانتساب إلى على ﵁، والتستر بالتشيع قد فعله القرامطة (٣)، وصاحب الزنج (٤) الخارج بالبصرة، وغيرهم من المفسدين في الأرض، على ما عَرَف مِنْ سيرهم مَنْ وقَف على أخبار الناس. وكلهم كَذَبَةٌ في ذلك، وإنما غرضهم التقرب إلى العوام والجهال. وذكر القاضي عبد الجبار (٥) أن الملقب بالمهدي -عليه ما يستحق- كان يتخذ الجهال ويسلطهم على أهل الفضل؛ وكان يرسل إلى الفقهاء والعلماء فيذبحون في فرشهم. وأرسل إلى ملك الروم، وسلطهم على المسلمين، وأكثر من الجود واستصفاء الأموال، وقتل الرجال. وكان له دعاة يضلون الناس على قدر طبقاتهم، فيقولون لبعضهم: "هو المهدي ابن رسول الله ﷺ ، وحجة الله على خلقه". ويقولون لآخرين: "هو رسول الله وحجة الله على خلقه". ويقولون لطائفة أخرى: "هو الله الخالق الرازق". ولما هلك قام ابنه المسمى بالقائم (٦) مقامه، وزاد شره على شر أبيه أضعافًا مضاعفة، وجاهر بشتم الأنبياء، فكان ينادي في أسواق المهدية وغيرها: "العنوا عائشة وبعلها، العنوا الغار ومن حوى". وبعث إلى أبي طاهر القرمطي (٧)، المقيم بالبحرين، وحثه على قتل المسلمين، وإحراق المساجد والمصاحف.

стр. 75

وقام بعده ابنه المنصور (١)، فقتل أبا يزيد مخلد (٢)، الذي خرج على أبيه؛ ينكر عليه قبيح فعله، وسلخه وصلبه، واشتغل بأهل الجبال يقتلهم ويشردهم؛ خوفًا من أن يثور عليه ثائر مثل أبي يزيد. وقام بعده ابنه المعز (٣)، فبث دعاته، فكانوا يقولون: "هو المهدي الذي يملك [الأرض] (٤)، وهو الشمس التي تطلع من مغربها". وكان يسره ما ينزل بالمسلمين من المصائب، من أخذ الروم بلادهم. واحتجب عن الناس أيامًا، ثم ظهر، وأوهم أن الله رفعه إليه، وأنه كان غائبًا في السماء، وأخبر الناس بأشياء صدرت منهم، كان ينقلها إليه جواسيس له، فامتلأت قلوب العامة والجهال منه. وهو أول الخلفاء منهم بمصر، وهو الذي تنسب إليه القاهرة، واستدعي بفقيه الشام أبي بكر محمد بن أحمد بن سهل الرملي، ويعرف بابن النابلسي، فحمل إليه في قفص خشب، فأمر بسلخه، فسلخ حيًا، وحشى جلده تبنًا، وصلب ﵀. قال أبو ذر الهروي (٥): سمعت أبا الحسن الدارقطني (٦) يذكره ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يُسلخ: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ (٧). وقال صاحب تاريخ الدولتين (٨): وفي أيام الحاكم أمر بكتْب سب الصحابة ﵃ على حيطان الجوامع، والقياسر، والشوارع والطرقات. وكتب السجلات إلى سائر الأعمال بالسب، ثم [أمر] (٩) بقلع ذلك، وأنا رأيته مقلوعًا في بعض أبواب دمشق،

стр. 76

في الأسكفة (١) العليا منقورًا في الحجر. ودلني أول الكلام وآخره على ذلك، ثم جُدد ذلك الباب، وأزيل ذلك الحجر. وفي أيامه طَوَّفَ بدمشق رجل مغربي، ونودي عليه: "هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر". ثم ضربت عنقه. وجرى في أيامهم مثل هذه الأشياء؛ مثل قطع لسان أبي القاسم الواسطى -أحد الصالحين- وكان أذَّن في بيت المقدس وقال في أذانه: "حي على الفلاح"، فأُخذ، وقطع لسانه، وما كانت ولاية هؤلاء الملاعين إلا محنة من الله تعالى، ولهذا طالت مدتهم، مع قلة عِدتهم، فعدتهم عدة خلفاء بني أمية أربعة عشر، وأولئك بقوا نيفا وتسعين سنة، وهؤلاء بقوا مائتي سنة [وثمانيا] (٢) وستين سنة. وحكى ابن المارستاني (٣) في سيرة ابن هبيرة الوزير قال: إنه من عجيب ما جرى في أمر المصريين؛ أنه رأى إنسانٌ (٤) من أهل بغداد في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، كأنَّ قمرين أحدهما أنور من الآخر، والأنور منهما مسامت للقبلة، وله لحية سوداء فيها طول، ويهُبُّ أدنى نسيم فيحركها، وأثر حركتها وظلها في الأرض، وكان الرجل يتعجب من ذلك، وكأنه سمع أصوات جماعة يقرؤون بألحان وأصوات لم يسمع قط مثلها، وكأنه سأل بعض من حضر فقال: ما هذا؟ فقالوا: قد استبدل الناس بإمامهم. قال: وكأن (٥) الرجل استقبل القبلة، وهو يدعو الله أن يجعله إمامًا برًا تقيًا. واستيقظ الرجل. وبَلَّغَ هذا المنام ابن هبيرة -الوزير إذ ذاك ببغداد- فعبَّر المنام بأن الإمام الذي بمصر يُستبدل به، وتكون الدعوة لبني العباس لمكان اللحية السوداء. وقوى هذا عنده، حتى كاتب نور الدين

стр. 77

[حين] (١) دخل أسد الدين إلى مصر في أول مرة، بأنه يظفر بمصر، وتكون الدعوة لبني العباس بها على يده. وقيلت في ذلك الزمان أشعار في هذا منها: قصيدة شمس المعالي أبي الفضائل الحسين بن محمد بن بركات، وكان حاجب ابن هبيرة، قالها حين سمع تأويله المنام (٢): لتَهْنَك يا مَولَى الأنَامِ بِشَارةً … بها سَيفُ دين الله بالحقِّ مُرهَفُ ضَربْتَ بها هَامَ الأعادِي بهِمَّةٍ … تَقَاصَر عنْها السّمْهريُّ المثَقَّفُ بَعثْتَ إلى شَرقِ البلاد وغَرْبها … بُعوثًا من الآراءِ تُحْيى وتُتْلِفُ فقامتْ مقامَ السّيفِ والسَّيْفُ قَاطِرٌ … ونابتْ مَنَابَ الرمْحِ والرمحُ يَرْعُفُ وقُدْت لها جيشًا مِن الروْع هائلًا … إلى كل قلبٍ من عِداتِك يَرجُفُ (٣) ملكتَ به أقصى المغَاربِ عُنْوةً … وكادتْ بمنْ فيها المشَارقُ تَزْحَفُ (٤) ليهْنَك يا مولاى [فتحا] (٥) تتابعتْ … إليك به حُوصُ الركائِب تُوجَفُ أخذْتَ به مصرا وقَد حَال دونَها … من الشركِ [ناسٌ] (٦) في لُهى الحقِّ تُقْذفُ وقد دَنّسَتْ مِنها المنابرَ عُصْبَةٌ … يعافُ التُّقىَ والدّينُ منهم ويأنَفُ فَطَهَّرهَا مِن كُلّ شِركٍ وبدعةٍ … أغرٌّ غَرِيرٌ بالمكارِمِ يُشْغَفُ فعَادتْ بِحمْد اللهِ بِاسْمِ إمَامِنا … تَتِيهُ على كلِّ البلادِ وتَشْرُفُ ولا غَرْوَ أنْ دَانت ليُوسفَ مِصْرُه … وكانت إلى علْيائهِ تَتَشَوّفُ تملّكَها من قَبضَةِ الكُفْرِ يُوسُف … وخَلَّصَها مِن عُصْبَة الرفضِ يُوسفُ

стр. 78

قال يحيى بن أبي طى: يريد بيوسف الأول يوسف الصديق النبي ﵇، وبيوسف الثاني المستنجد بالله الخليفة يومئذ، وقاله على سبيل الفأل؛ ألا تراه قال بعد هذا البيت: فَشَابَهْتَه خَلْقًا وخُلُقًا وعِفَةً … وَكُلٌ عن الرحمنِ فِي الأرضِ يَخْلُفُ (١) ذكر بقية الحوادث منها أن في السابع والعشرين من شوال وقع حريق عظيم في بغداد، واحترقت دكاكين كثيرة. ومنها أن في ذي الحجة وصلت رسل ملك البحرين وكبش (٢) بهدايا، فيها ألواح صندل وأبنوس وطيب وأنياب فيل. ومنها ما قاله ابن الجوزي (٣): وفي يوم الأربعاء غرة رمضان تكلمت في مجلسي بالحلبة، فتاب على يدى نحو من مائتي رجل، وقطعت شعور مائة وعشرين منهم. ومنها أن الخطا (٤) عبروا على جيحون يريدون خوارزم شاه، وهو أرسلان بن أتسز، فجمع عساكره، وسار لقتالهم وصدهم عن بلاده، فمرض، فأرسل العسكر مع أحد أمرائه فلقيهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزم الخوارزميون وأسر مقدمهم، ورجع الخطا إلى ما وراء النهر، وعاد خوارزم شاه إلى خوارزم مريضا (٥). ومنها أن الخليفة المستضيء عزل وزيره عضد الدين بن رئيس الرؤساء كرهًا؛ لأن قطب الدين قيماز ألزمه بعزله، فلم يمكنه مخالفته (٦) والله أعلم.

стр. 79

ذكر ماجريات نور الدين منها أن نور الدين استدعى ابن أخيه صاحب الموصل (١)، فوصل بالعساكر إلى خدمته، وكانت غزوة عرقا (٢)، فأخذها نور الدين ومعه ابن أخيه، وذلك في المحرم من هذه السنة. وقال ابن أبي طي: جمع نور الدين عساكره، وخرج إلى عرقا، ونازلها وقاتلها أياما حتى فتحها، واحتوى على ما فيها كلها، وغنم الناس غنيمة عظيمة. وقال ابن الأثير (٣): خرجت مراكب من مصر إلى الشام، فأخذ الإفرنج من اللاذقية مركبين منها، مملوءين من الأمتعة والتجار، وغدروا بالمسلمين، وكان نور الدين قد هادنهم، فنكثوا. فلما سمع نور الدين الخبر استعظمه، وراسل الفرنج في ذلك (٤)، وأمرهم بإعادة ما أخذوه، فغالطوه، واحتجوا بأمور لا طائل تحتها. فجمع العساكر من الشام والموصل والجزيرة، وبث السرايا في بلادهم؛ بعضهم نحو أنطاكية، وبعضهم نحو طرابلس، وحصر هو حصن عرقا، وأخرب (٥) ربضه، وأرسل طائفة من العسكر إلى حصني صافيتا (٦) وعريمة (٧)، فأخذهما عنوة، وكذلك غيرهما، ونهب وأخرب (٨)، وغنم المسلمون الكثير، وعادوا إليه وهو بعرقة، فسار في العساكر جميعها إلى قريب طرابلس، يخرب ويحرق وينهب. وأما الذين ساروا إلى أنطاكية، فإنهم فعلوا في ولايتها مثلما فعل

стр. 80

[نور الدين] من النهب والتحريق والتخريب بولاية طرابلس، فراسله الفرنج، وبذلوا إعادة ما أخذوه من المركبين، وتجدد (١) معهم الهدنة، فأجابهم [إلى ذلك] (٢)، وكانوا في ذلك كما يقال: "اليهودي لا يعطى الجزية حتى يُلطم" (٣). ومنها أن نور الدين أمر في هذه السنة باتخاذ الحمام الهوادي (٤)، وهي المناسيب التي تطير من البلاد البعيدة إلى أوكارها، فاتخذت في سائر بلاده. وكان سبب ذلك أنه اتسعت مملكته، وبعدت بلاده، فكانت من حد النوبة إلى باب همذان (٥)، لا يتخللها سوى بلاد الفرنج. فكان (٦) الفرنج (لعنهم الله) ربما نازلوا بعض الثغور، فإلى أن يصله الخبر ويسير إليهم، [يكونون] (٧) قد بلغوا بعض الغرض، فحينئذ أمر بذلك، وكتب به إلى سائر بلاده (٨)، وأجرى الجرايات لها، ولمرتبها، فوجد بها راحة كبيرة. [و] (٩) كانت الأخبار تأتيه لوقتها؛ لأنه كان له في كل ثغر رجال مرتبون، ومعهم من حمام المدينة التي تجاورهم، فإذا رأوا أو سمعوا أمرًا كتبوه لوقته، وعلقوه على الطائر، وسرحوه إلى المدينة التي هو فيها في ساعته، فتنقل الرقعة منه إلى طائر آخر، من البلد الذى (١٠) يجاورهم، في الجهة التي فيها نور الدين، وهكذا إلى أن تصل الأخبار إليه، فانحفظت الثغور بذلك. ومنها أن نور الدين أشار إلى صلاح الدين بإسقاط المكوس والضرائب عن أهل مصر والقاهرة، وقرئ المنشور بذلك على رؤوس الأشهاد، يوم الجمعة بعد الصلاة، ثالث صفر من هذه السنة، والذي اشتملت "عليه" (١١) المسامحة في السنة؛ من العين مائة

стр. 81

ألف دينار. وفي تاريخ الدولتين (١): قرئت نسخة سجل بإسقاط المكوس بمصر على المنبر بالقاهرة، في التاريخ المذكور عن السلطان الملك الناصر في أيام نور الدين، فهو كان الآمر، وذاك المباشر. ذكر وقوع النفرة بين نور الدين وصلاح الدين وذلك أن نور الدين غزا في هذه السنة بلاد الإفرنج (٢) في السواحل، فأحل بهم بأسًا شديدًا، ثم عزم على محاصرة الكرك، وكتب إلى صلاح الدين؛ أن يلاقيه بالعساكر المنصورة إلى بلاد الكرك؛ ليجتمعا هناك على المصالح، فيما يعود نفعه على المسلمين (٣). فتوهم من ذلك صلاح الدين، وخاف أن يكون لهذا الأمر غائلة، يزول بها ما حصل له من التمكين، ولكنه ركب في جيشه من الديار المصرية؛ ليقصد امتثال المرسوم، فسار أيامًا، ثم كر راجعًا معتلا بقلة الظهر، والخوف على اختلال الديار المصرية إذا بعد منها واشتغل عنها، وأرسل يعتذر بذلك إلى السلطان نور الدين، فوقع في نفسه منه، واشتد غضبه عليه، وعزم على الدخول إلى الديار المصرية، وانتزاعها من يد صلاح الدين، وتوليته غيره فيها. ولما بلغ هذا الخبر إلى صلاح الدين ضاق بذلك ذرعه، وذكره بحضرة الأمراء والكبراء، فبادر ابن أخيه تقي الدين عمر (٤) فقال: والله لو قصدنا نور الدين لنقاتلنه، فشتمه الأمير نجم الدين أيوب (٥) والد صلاح الدين يوسف وأسكته. ثم قال لابنه: اسمع ما أقول لك: والله ما هاهنا أحد أشفق عليك مني ومن خالك هذا، يعني شهاب الدين الحارمي، ولو رأينا الملك نور الدين لبادرنا إليه، ولقبلنا الأرض بين يديه، ولو كتب إلى أن أبعثك إليه مع نجاب لفعلت، ثم أمر من هنالك بالانصراف والذهاب.

стр. 82

فلما خلا بابنه قال "له" (١): أما لك عقل تذكر مثل هذا بحضرة هؤلاء، ويقول ابن عمك مثل هذا الكلام وتقره عليه، فلا يبقى عند نور الدين وجه أهم عنده من قصدك وقتالك، ولكن ابعث إليه وترفق له وتواضع له، وقل له أي حاجة إلى مجيء مولانا، ابعث إلىَّ بنجاب أجيء معه (٢) إلى بين يديك، فإنك إذا فعلت هذا تمادي الوقت بما تحصل به الكفاية من الله تعالى. ففعل صلاح الدين ذلك، وكان كما قال نجم الدين أيوب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٣). وقال العماد: وكان صلاح الدين واعده نور الدين أن [يجتمعا] (٤) على الكرك والشوبك يتشاوران فيما يعود بالصلاح المشترك، فخرج من القاهرة في الثاني والعشرين من المحرم، فلقي في تلك السفرة شدة، وعدم خيلا وظهرًا وعُدّة، وعاد إلى القاهرة في النصف من ربيع الأول. وفي تاريخ بيبرس: تجهز صلاح الدين من مصر إلى الكرك، وكان قد قرر مع نور الدين أن يخرج من دمشق، ويجتمعا على غزو الإفرنج، فسبق صلاح الدين، وخرج نور الدين من دمشق، فأوجس صلاح الدين خيفة منه أن يعزله عن مصر ويوليها غيره، فرجع عائدًا وقد بقى بينه وبين الكرك مسافة قريبة، وأرسل إلى نور الدين رسولًا، وأصحبه هدايا كثيرة وتحفًا جليلة، وكتب إليه؛ يعتذر بأن والده ضعيف. وكان الرسول إليه الفقيه عيسى الهكاري، فلاطف نور الدين، وخاطبه بالحسنى حتى قال نور الدين: حفظ مصر عندنا أهم من غيرها، وفطن لما قصده برجعته، وعز ذلك عليه في باطنه. وقال ابن الأثير (٥): لما نصح نجم الدين ولده صلاح الدين، وأشار عليه بأن يرسل رسولًا إلى نور الدين ويستعطفه، فأرسل إليه بذلك، عدل نور الدين عن قصده، وكان من جملة ما قال نجم الدين لولده صلاح الدين: الأيام تندرج، والله كل وقت في شأن. وكان الأمر كما قال؛ توفي نور الدين. ولم يقصد صلاح الدين، ولا أزاله، وكان هذا الرأى من نجم الدين من أحسن الآراء وأجودها.

стр. 83

وفيها (١) .... وفيها حج بالناس (٢) .... ذكر من توفي فيها من الأعيان عبد الله بن أحمد بن أحمد بن أحمد بن أبو محمد [بن] (٣) الخشاب (٤)؛ قرأ القرآن وسمع الحديث الكثير، وقرأ النحو واللغة، وانتهى علمهما إليه، وشرح الجُمَل للإمام عبد القاهر ﵀، وفاق أهل عصره. وكان مُغْرَى بشراء الكتب، وكان يؤدب أولاد الخليفة، وكان يكتب (٥) خطًا حسنًا. وله مصنفات في النحو واللغة والعروض والحساب وغيره، وكانت وفاته في رمضان يوم الجمعة الثالث منه، ودفن قريبًا من بشر الحافي ﵀. وكان يقول الشعر، ومن شعره في الشمعة: صفراءُ لا مِنْ سَقَمٍ مَسَّها … كَيفَ وكانَتْ أُمُّها الشَّافِية عُرْيانَةٌ باطِنُها مُكْتَسٍ … فَاعْجَبْ لَها كَاسِيَةً عَارِيَة (٦) محمد بن محمد بن محمد بن أبو المظفر البرَوي (٧)؛ تفقه على محمد بن يحيى، وناظر ووعظ، وقدم بغداد فجلس للوعظ في أول ولاية المستضيء، وأظهر مذهب الأشعرية، وتعصب على الحنابلة وبالغ، فأخذه قيام الدم في رمضان هذه السنة، وتوفي ودفن في تربة أبي إسحق الشيرازي (رحمهما الله) (٨).

стр. 84

وفي المرآة (١): وبالغ في ذم الحنابلة، وقال: لو كان إلى أمر لوضعت على الحنابلة الجزية، وكان شابًا حسنًا، جميل الصورة، مليح العبارة، فصيحًا، فيقال: إن الحنابلة دسوا عليه من سمه؛ جاءته امرأة في الليل، ومعها صحن حلواء، فطرقت بابه، فقال: من؟ قالت: أنا امرأة آكل من مغزلي، وقد غزلت قطنًا وبعته، واشتريت من ثمنه هذه الحلواء، واشتهيت أن الشيخ يأكل منها، فإنه حلال، فتناوله منها، ومضت. فجلس يأكل هو وزوجته وولده الصغير، فأصبحوا موتي جميعًا في رمضان، ودفن بباب أبرز ﵀ ولا رحم تلك المرأة. أبو الفتوح نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي بن قلاقس، اللخمي الأزهرى الإسكندري، الملقب القاضي الأعز (٢)، الشاعر المشهور؛ كان شاعرًا مجيدًا وفاضلًا نبيلًا، ولم يكن له لحية، بل كان سناطًا، وقيل فيه أشعار بسبب ذلك. صحب الشيخ الحافظ أبا طاهر أحمد بن محمد السِّلفي، وانتفع بصحبته، وله فيه غرر المدائح، وقد تضمنها ديوان. وكان كثير الحركات والأسفار، وفي آخر وقته دخل اليمن فحصَّل شيئًا كثيرًا من صاحب بلاد اليمن، فركب البحر، فانكسر المركب به، وغرق جميع ما كان معه، بجزيرة الناموس بالقرب من دَهْلَك (٣)، وذلك يوم الجمعة خامس ذي القعدة سنة [ثلاث] (٤) وستين وخمسمائة، فعاد إليه وهو عريان، فلما دخل عليه أنشده قصيدته التي أولها: صَدَرْنا وقد نَادَى السَّماحُ بِنَا رِدُوا … فَعُدْنَا إلى مَغْناكَ والعَوْدُ أحْمَدُ وهي من القصائد المختارة، ولو لم يكن فيها سوى هذا البيت لكفاه. ومحاسنه نادرة، وكانت ولادته بإسكندرية يوم الأربعاء رابع شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في ثالث شوال من هذه السنة بعيذاب. وله في جارية سوداء، وهو معنى غريب:

стр. 85

رُبَّ سَوْداءَ وهي بيضاءُ مَعْنى … نافَسَ المسكَ عندها الكافُورُ مثل حَبِّ العُيونِ يَحْسَبُه النا … سُ سَوادًا، وإنما هُو نُورُ وقَلاقِس: جمع قُلقاس "بضم القاف" (١)، وهو معروف. وعَيْذاب: بليدة على شاطئ بحر جدة، تعدى منها المراكب المصرية المتوجهة إلى الحجاز، على طريق في ليلة واحدة في غالب الأوقات، فتصل إلى جُدَّة، ومنها إلى مكة مسافة يوم [واحد] (٢). وجُدّةُ قبر أم البشر حواء ﵍، على ما يقال، وقبرها ظاهر هناك يزار، كذا قال ابن خلكان ﵀. عبد الله بن أحمد بن الحسين بن إسحق أبو محمد الحميري (٣)؛ ويعرف بابن [النقار (٤)] الكاتب، ولد بطرابلس سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ونشأ بها، وقرأ الأدب. ولما استولى الفرنج عليها انتقل إلى دمشق، وكان شاعرًا فاضلًا، وله شعر رقيق، ومعنى دقيق، ومنه هذه الأبيات: اللهُ يعلمُ أنّني ما خِلْتُه … يَصْبُو إلى الهِجرانِ [حين (٥)] وصَلْتُه مَنْ مُنْصِفي مِن ظَالمٍ مُتَعَنِّتٍ (٦) … يزدَادُ ظُلما كُلَّما حَكّمْتُه مَلَّكتُهُ رُوحي ليحفَظَ مُلْكَه … فأضَاعَني وأضاعَ ما مَلّكْتُه لا ذَنبَ لي إلا هَواهُ لأنّه … لما دَعاني للسّقَامِ أَجَبْتُه أَحْبابَنا أنفقْتُ عُمْرِى عِندكُمْ … فمتَى أعَوِّضُ بعضَ ما أنفَقْتُه وبمَنْ أعوذُ إلى سِواكُمْ قَاصِدًا … والقلبُ في عَرصَاتِكُم خَلَّفْتُه

стр. 86

ولِمَن ألُومُ على الهَوَى وأنا الذي … قُدتُ الفؤادَ إلى الغرام وسُقْتُه قد كنتُ أعْذِلُ (١) كلَّ صَبٍّ في الهَوَى … وألومُه في العِشْقِ حتى ذُقْتُه مالي سوى قَلْبي وفيكَ أَذَبْتُه … مالى سِوَى دَمْعِي وفِيكَ سَكَبْتُه أبكي إذا جَنّ الظلامُ تَشَوقًا … من طُولِ لَيْلٍ في هواكَ سَهِرْتُه وأنُوحُ إن نَاحَ الحمامُ ضُحًى علَى … إلْفٍ فقدتُ الصبرَ حينَ فَقَدتُه ما كنتُ أعرفُ مَا الغَرامُ ولَا الأَسَى … والشوقُ والتبريحُ حتى ذُقْتُه (٢) عَرقَلَةُ الشَّاعِرُ (٣)؛ واسمه حَسَّان بن نمير البدوي؛ الشاعر الحلبيّ، من حاضرة دمشق، وكان شيخًا خليعا أعور، مطبوعا كَيسا لطيفا ظريفا منادما. وله في صلاح الدين قصائد كثيرة، وتوفي في هذه السنة، وقيل إن وفاته تأخرت، حتى أخذ صلاح الدين دمشق، وله ديوان مشهور، ومن شعره: عِنْدِي إليكم مِنَ الأَشْواقِ والبُرَحَا … ما صيَّر الجسْمَ من بعْد الضنا شَبَحَا أحبَابَنا لا تَظُنُّوني سَلَوْتُكُمُ … الحالُ بالحالِ والتَّبْرِيحُ ما بَرِحَا لو كان يَسْبَحُ صَبٌّ في مَدَامِعِهِ … لكُنتُ أوَّلَ (٤) مَن في دَمْعِه سَبَحَا أو كُنتُ أعْلَمُ أنّ البيْنَ يَقْتُلُني … ما حُلْتُ عنْكُم ولكنْ فَاتَ "ما" (٥) ذَبحَا وقال: كَتمَ الهَوى فوشَتْ عليه دُمُوعُه … من حَرِّ جَمْرٍ تَحْتَويه ضُلُوعُهُ صَبٌّ تشاغَلَ بالحبيبِ وزَهْرِه … [زمنًا] (٦) وفي وجْه الحبِيبِ رَبيعُه يا لَائِمِي فِيمَن تَمَنَّعَ وصْلُه … عن بُغيتي أحْلَى الهَوى مَمْنُوعُه

стр. 87

كيف التخلُّصُ إنْ تَجَنَّى أو [جَنَى] (١) … والحسْنُ شيءٌ ما يُردُّ شَفِيعُه شمسٌ ولكنْ في فؤادِي حَرُّها … بدرٌ ولكِنْ في القلوبِ طُلُوعُه قال العواذِلُ ما الذي استَحْسنتُه … منه وما [يسبيك] (٢) قلتُ جميعُه ابن مَرْدَنِيش؛ (٣) هو الأمير أبو عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن سعد، المعروف بابن مردنيش، صاحب شرق الأندلس، مُرْسِيَّةُ (٤) وما يضاف إليها. توفي في هذه السنة، وسبب موته أن أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، صاحب المغرب، دخل إلى جزيرة الأندلس؛ لكشف مصالح دولته، وتفقد أحوالها، وذلك في سنة ست وستين وخمسمائة، وفي صحبته مائة ألف فارس من العرب والموحدين، فنزل بإشبيلية (٥)، فخافه الأمير أبو عبد الله المذكور، وحمل على قلبه، فمرض مرضًا شديدًا، ومات في التاسع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وخمسمائة بإشبيلية. وقيل أن أمُّهُ سَمَّتْهُ، لأنه كان قد أساء العشرة مع أهله [وأصحابه] (٦) وخواصه وكبراء دولته، فنصحته وأغلظت عليه في القول، وتهدَّدَها. فخافت بطشته، فعملت عليه وقتلته بالسُّم. "ومولده" (٧) في سنة ثماني عشرة وخمسمائة، في قلعة من أعمال طرطوشة (٨)، يقال لها بُنُشْكُلَة، وهي من الحصون المنيعة. ولما مات محمد بن سعد جاء أولاده، وقيل إخوته، إلى الأمير يوسف بن عبد المؤمن، وهو بإشبيلية، فسلّموا إليه جميع بلاد شرق (٩) الأندلس التي كانت لأبيهم، وقيل لأخيهم، فأحسن إليهم الأمير يوسف وتزوج أختهم، وأصبحوا عنده في أعز مكان.

стр. 88

ومَرْدَنِيْش (١): بفتح الميم وسكون الراء وفتح الدال المهملة وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة، وهو بلغة الإفرنج (٢) اسم العَذِرَة. وبُنُشْكُلَة: بضم الباء الموحدة والنون وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وفتح اللام وفي آخره هاء. ناصر الجوني (٣)؛ كان متصوفًا، وكان يمشي في طلب الحديث حافيا، وتوفي ببغداد في هذه السنة ﵀.

стр. 89

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة والستين بعد الخمسمائة * استهلت هذه السنة والخليفة المستضيء بأمر الله العباسي، وإليه الأمر والنهي. وصاحب مصر السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. وسُلطان الشام وحلب وغيرهما الملك العادل نور الدين محمود بن عماد الدين زنكى. وسلطان الروم عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان السلجوقي. وسلطان المغرب يوسف بن عبد المؤمن. وسلطان خوارزم أرسلان شاه، ولكنه مات في هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله. وسلطان همدان وغيرها أتابك شمس الدين أيلدكز، ولكنه مات في هذه السنة على ما نذكره. وصاحب اليمن عبد النبى. وصاحب الموصل وغيرها سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود بن أخي نور الدين. وصاحب تبريز فلك الدين بن آقسنقر الأحمديلى. وصاحب نيسابور المؤيد أيابا (١). وصاحب خوزستان شملة التركمانى. وصاحب خلاط شاه أَرْمن. وصاحب غزنة شهاب الدين الغُورى. ذكر مَاجريات نور الدين منها أن نور الدين برز إلى الإفرنج، وكانوا قد اجتمعوا بالشام؛ لقصد مدينة زُرع (٢)، فوصلوا إلى [سَمكين] (٣)، فهربوا من نور الدين إلى الغَور (٤)، ثم إلى السَّواد (٥)، ثم إلى [الشلالة] (٦)، فبعث نور الدين سرية إلى طبرية (٧)، فعاثوا هنالك، وسبوا وقتلوا وغنموا وعادوا. ورجعت الفرنج خائبين (٨).

стр. 90

ومنها أن نور الدين فتح في هذه السنة مرعش في ذي القعدة، وأخذ بَهَسْنَى في ذى الحجة منها. ومنها أن كلب الروم (١) اللعين خرج في جنوده الشياطين، فقصد الغارة على ناحية زُرَّا من حوران، ونزلوا بقرية تعرف [بسمكين] (٢). فركب نور الدين وهو نازل بالكسوة (٣) إليهم، فلما عرفوا وصوله، رحلوا إلى الفوار ثم إلى السواد، ثم نزلوا بالشلالة (٤)، ونزل نور الدين عشترا (٥)، فأنفذ سرية إلى أعمال طبرية، واغتنموا خُلُوّها، فلما عادت لحقها الفرنج عند المخاضة، فوقف الشجعان حتي عبرت السرية، ورحل نور الدين من عشترا فنزل بظاهر زُرَّا. قال العماد: وكنت راكبًا في لقائهم مع الملك العادل وهو يقول لي: كيف تصف ما جرى، فمدحته بقصيدة (٦) منها: عُقِدَتْ بنَصركَ رَايةُ الإيمانِ … وبَدَت لعَصرِكَ آيةُ الإحسَانِ يا غالب الغُلب المُلوكِ وصَائدَ الصِّـ … ـــيدِ اللُّيُوثِ وفارسَ الفُرسَانِ يا سَالِبَ التّيجان من أربَابِها … حُزتَ الفَخَارَ علَى ذَوِى التّيجانِ محمودٌ المحمودُ ما بينَ الوَرَى … في كلٍّ إقليمٍ بكلِّ لسانِ يا واحدًا في الفضلٍ غير مُشَارَكٍ … أقسَمتُ مالَك في البَسيطَةِ (٧) ثان ومنها: وجَلَوت نُورَ الدّينِ ظُلمَةَ ظُلمِهم (٨) … لما أَتَيتَ بوَاضِح البُرهَانِ وهَزَمتَهُم بالرأي قبل لِقائِهم … والرأىُ قبلَ شَجاعَةِ الشُّجعَانِ أصبحتَ للإسلامِ رُكنا ثابتًا … والكُفرُ منك مضَعضَعُ الأركَانِ

стр. 91

وهي قصيدة طويلة، مدح فيها أمراءه الحاضرين الجهاد معه (١) ومدحه. ومنها أن نور الدين سار قاصدًا جانب الشمال، فسار إلى بعلبك، ومنها إلى حمص، ثم حلب، وفعل في كلٍّ منها من المصالح ما وجب، وقصد بلاد قليج أرسلان ملك الروم، وكان العماد معه، ووصل إلى مرعش، وكان الزمان في أطيب فصوله، وهو زمن المشمش. وكتب العماد إلى صديق له بدمشق: كتَابي فَديتُكَ، من مَرعَش … وخوفُ نوَائِبها مُرعِشِى وما مَرَّ في طُرقها مُبصرٌ (٢) … صحيحُ النواظر إلَّا عشي (٣) وما حَلّ في أرضِها آمنٌ … من الضُّرِّ والضِّيَّم إلَّا خَشِى تُرَنِّحُنى نشوات الغرام … كأنِّي (٤) من كأسه مُنتَشى أُسرُّ وأُعلِنُ برحَ الجَوَى … فَقَلبي يُسرُّ ودمعي يَشِى بذلتُ لكُم مُهجَتي رِشوةُ … فَحَاكِمُ حُبِّكُم مُرتَشي وَكَيفَ يَلَذُّ الكَرَى مُغرمٌ … بِنَارِ الغَرامِ حَشَاهُ حُشِى بمَرعش أبغى (٥) وبَلُّوطِها … مضاهاة جِلَّقَ والمِشمِشِ قال العماد في الخريدة: فسارت هذه القطعة، ونُمي حديثها إلى نور الدين، فاستنشدنيها، فأنشدتها إياه، ونحن سائرون في وادٍ كثير الأشجار، مع بيتين بدهت بهما (٦) في الحال، [وهما] (٧): وبالمَلِكِ العادلِ استأنستُ … نجاحًا مُنَي كُلِّ مستَوحِشِ وما فِي الأنَامِ كريمٌ سِوَاه … فإن كُنتَ تنكِر ذا [فتِّشِ] (٨)

стр. 92

قال ابن الأثير (١): وفي سنة ثمان وستين سار نور الدين نحو ولاية الملك عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان السلجوقي، وهي ملطية (٢)، وسيواس (٣)، وقونية (٤)، وأقصرا (٥)، عازما على حربه، وأخذ بلاده منه. وكان سبب ذلك أن ذا النون (٦) بن دانشمند صاحب ملطية وسيواس وغيرهما من تلك البلاد، قصده قليج أرسلان، وأخذ بلاده، وأخرجه عنها طريدا فريدا، فسار إلى نور الدين مستجيرًا به، وملتجئا إلى ظله، فأكرم نزله، وأحسن إليه، وحمل له ما يليق أن يحمل للملوك (٧)، ووعده النصرة والسعى في رد ملكه إليه (٨). وأرسل [ذو النون] (٩) إلى قليج أرسلان، وشفع إليه في إعادة ما غلبه عليه من بلاده، فلم يجبه إلى ذلك، فسار نور الدين نحوه، فابتدأ بكيسون، وبهسنى، ومرعش، ومرزبان، فملكها وما بينها من الحصون (١٠)، وسير طائفة من عسكره إلى سيواس فملكوها. وكان قليج أرسلان لما بلغه قصد نور الدين بلاده قد سار من "أطرافها" (١١) التي تلي الشام إلى وسطها؛ خوفا وجزعًا، وراسل نور الدين يستعطفه ويسأله الصلح والصفح عنه، فأجابه إلى الصلح (١٢)، وكان في جملة رسالة نور الدين إليه: إنني أريد منك أمورا وقواعد، ومهما تركت منها فلا أترك ثلاثة أشياء:

стр. 93

أحدها: أن تجدد إسلامك على يد رسولى؛ حتى يحل لى إقرارك على بلاد الإسلام، فإنى (١) لا أعتقدك مؤمنا، وكان قليج أرسلان يتهم باعتقاد مذاهب (٢) الفلاسفة. والثانى: إذا طلبت عسكرك إلى الغزاة (٣) تسيره، فإنك قد ملكت طرفا كبيرا من بلاد الإسلام، وتركت الروم وجهادهم، وهادنتهم، فإما أن تكون (٤) تنجدني بعسكرك؛ لأقاتل بهم الفرنج، وإما أن تجاهد من يجاورك من الروم، وتبذل الوسع والجهد في جهادهم. والثالث: أن تزوج ابنتك لسيف الدين غازي ابن (٥) أخي، وذكر أمورًا غيرها. فلما سمع قليج أرسلان الرسالة قال: ما قصد نور الدين إلا الشناعة على بالزندقة (٦)، وقد أجبته إلى ما طلب، أن أجدد إسلامي على يد رسوله. واستقر الصلح، وعاد نور الدين، وترك عسكره في سيواس مع فخر الدين عبد المسيح في خدمة ذي النون، فبقى العسكر بها إلى أن مات نور الدين، فرحل العسكر عنها، وعاد قليج أرسلان وملكها (٧). ومنها أن مليح بن لاون (٨) مقدم بلاد الأرمن التجأ إلى نور الدين، وتقوي به على الروم والأرمن. وكانت الدروب أذنة (٩) والمصيصة (١٠)، وكان كلب الروم يحمي سيواس ويضبطها بجنده، حتى استولى عليها مليح بن لاون، فكسرهم وقتل وأسر، وساق لنور الدين من مقدمي الروم ثلاثين أسيرًا، فأرسل نور الدين القاضي كمال الدين بن الشهرزوري (١١) بالأسرى والهدايا إلى الخليفة المستضيء بأمر الله، ومعه كتاب يشرح هذه الكسرة وما فتح من البلاد.

стр. 94

ومنها أنه وصل شهاب الدين بن أبي عصرون (١) بغداد، ومعه توقيع لنور الدين بدرب هارون (٢)، وصُريفين (٣)، وخمسين دينارا من دنانير النثار، التي نثرت يوم دخل الشهاب إلى بغداد بالبشارة بالخطبة في مصر، وزن كل دينار عشرة دنانير. قال العماد (٤): وكانت ناحيتا درب هرون وصريفين من أعمال العراق لزنكي -والد نور الدين- قديما من إنعام أمير المؤمنين، فسأل نور الدين إحياء ذلك الرسم في حقه، فأنعم بهما الخليفة عليه، ووجه بهما. وكان مراده ﵀ أن يستوهب ببغداد على شاطئ دجلة أرضا، يبنى عليها مدرسة للشافعية، ويقف عليها الناحيتين، فعاقه أمر القدر عن قدرته على الأمر. ومنها أن نور الدين أرسل إلى صلاح الدين الموفق خالد بن القيسراني؛ ليقيم له حساب الديار المصرية؛ وذلك لأنه استقل الهدية التي أرسل بها إليه من خزائن العاضد، ومقصوده أن يقرر له على الديار المصرية خراج، يحمل إليه كل سنة. ذكر ماجريات صلاح الدين منها أن صلاح الدين بعث إلى نور الدين هدية، فيها (٥) فيل وحمار عتابي (٦)، فبعث بها نور الدين إلى بغداد، وخرج الناس للقائها، وعجبوا من خلقة الحمار. وقال العماد: خرج صلاح الدين في النصف من شوال، ومعه الفيل والحمارة العتابية، والذخائر النفيسة التي كان انتخبها من خزائن القصر. قال: ووصل ذلك إلينا

стр. 95

ونحن بحلب بالميدان الأخضر، وأهدى نور الدين الفيل إلى ابن أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل، مع شيء من تحف الثياب والعود والعنبر، ثم سَيِّره سيف (١) الدين هدية إلى بغداد للخليفة مع ما سيره معه من التحف اللطيفة، وسير نور الدين الحمارة إلى بغداد مع هدايا وتحف سنايا. ومنها أن صلاح الدين نزل في هذه السنة على الكرك والشوبك وغيرهما من الحصون، فبرح بها، وفرق عنها عُربها، وخرب عمارتها، وبعث سراياه على أعمالها (٢)، وأرسل كتابا بذلك إلى نور الدين. وقال ابن الأثير وابن شداد: هذه أول غزوة غزاها صلاح الدين من الديار المصرية، وإنما بدأ ببلاد الكرك والشوبك (٣)؛ لأنها كانت أقرب إليه، وكانت في الطريق تمنع من يقصد الديار المصرية، فخرج صلاح الدين في أثناء السنة، فحاصرها، وجرى بينه وبين الفرنج وقعات (٤)، وعاد عنها، فلم يظفر منها بشيء في تلك الدفعة، وحصل ثواب القصد. وفي المرآة (٥): وفي هذه السنة سار نور الدين إلى الموصل، وصلى في الجامع الذي بناه وسط البلد، وتصدق بمال عظيم. ولما علم صلاح الدين أن نور الدين قد توجه إلى الموصل، خرج بعساكره [ومضى إلى الشام] (٦)، فحصر الكرك والشوبك، ونهب أعمالها، وكانت جماعة من العرب نازلين بأرض الكرك؛ ينقلون الأخبار إلى الإفرنج، وإذا غاروا على البلاد دلوهم على المسلمين، فنهبهم صلاح الدين، وقتل البعض، وأجلى من بقي منهم عن أرض الكرك، وكتب كتابا إلى نور الدين؛ يخبره بما جرى من العربان، وأنه لم (٧) يبق منهم أحد، فإنهم كانوا

стр. 96

آفة على المسلمين، ودليلا للكفار على الإسلام. ثم عاد صلاح الدين إلى مصر، وعاد نور الدين من الموصل، وقطع الفرات، وقصد بلاد الروم، وقد ذكرناه (١). ومنها أن في جمادى الأولى غزا توران شاه شمس الدولة بن أيوب -أخو صلاح الدين- بلاد النوبة، بأمر صلاح الدين، وفتح حصنا لهم يقال له إبريم (٢)، وهي بلاد عديمة الجدوى، كثيرة البلوي، ثم جمع السبي، وعاد به إلى أسوان، وفرق على أصحابه من الغنائم السودان. وقال ابن أبي طى الحلبى (٣): وفي هذه السنة اجتمع السودان والعبيد من بلاد النوبة، وخرجوا في أمم عظيمة؛ قاصدين ملك بلاد مصر، وساروا إلى أعمال الصعيد، وصمموا على قصد أسوان، وحصارها، ونهب قراها. وكان بها الأمير كنز الدولة (٤)، فأنفذ يعلم الملك الناصر صلاح الدين، وطلب منه نجدة، فأنفذ قطعة من جيشه مع الشجاع البعلبكي، فلما وصل إلى أسوان، وجد العبيد قد عادوا عنها بعد أن أخربوا أرضها، فأتبعهم الشجاع وكنز الدولة، فجرت حرب عظيمة؛ قتل فيها من الفريقين عالم عظيم، ورجع الشجاع إلى القاهرة، وأخبر بفعال العبيد، وتمكنهم من بلاد الصعيد، فأنفذ صلاح الدين أخاه شمس الدولة في عسكر كثيف، فوجدهم قد دخلوا بلاد النوبة، فسار قاصدًا بلادهم، وشحن مراكب كثيرة في البحر بالرجال والميرة، وأمرها بلحاقه إلى بلاد النوبة (٥)، وسار إليها، ونزل على قلعة إبريم، وافتتحها بعد ثلاثة أيام، وغنم جميع ما فيها من المال والكراع (٦) والميرة، وخلص جماعة من الأسرى، وأسر من وجده فيها،

стр. 97

وهرب صاحبها (١)، وكتب إلى صلاح الدين بذلك، ثم رجع شمس الدولة إلى أسوان ثم إلى قوص (٢). وكان في صحبته أمير يقال له إبراهيم الكردي، فطلب من شمس الدولة قلعة إبريم، فأقطعه إياها، وأنفذ معه جماعة من الأكراد البطالين (٣)، فلما حصلوا فيها، تفرقوا فرقا، وكانوا يشنون الغارة على بلاد النوبة حتى برَّحوا بهم، واكتسبوا أموالا عظيمة، وكثرت مواشيهم، واتفق أنهم عدوا إلى جزيرة من بلاد النوبة، تعرف بجزيرة دندان، فغرق أميرهم إبراهيم وجماعة من أصحابه، ورجع من بقي منهم إلى قلعة إبريم، وأخذوا جميع ما كان فيها، وأخلوها بعد مقامهم بها سنتين، فعاد النوبة إليها وملكوها. وأنفذ ملك النوبة رسولا إلى شمس الدولة، وهو مقيم بقوص، ومعه كتاب فيه طلب الصلح، ومع الرسول هدية عبد وجارية، فكتب له (٤) جواب كتابه، وأعطاه زوجي نشاب (٥)، وقال مالك عندي جواب إلا هذا، وجهز معه رسولا يعرف بمسعود الحلبي، وأوصاه أن يكشف له خبر البلاد ليدخلها، فسار الحلبي مع الرسول حتى وصل دنقلة، وهي مدينة الملك. قال مسعود: فوجدت بلادًا ضيقة، ليس لهم زرع إلا الذرة، وعندهم نخل صغار، منه إدامهم، ووصف ملكهم بأوصاف منها أن قال: خرج علينا يومًا وهو عريان، قد ركب فرسًا عريًا، وقد التف في ثوب أطلس، وهو أقرع ليس على رأسه شعر. قال: فأتيت فسلمت عليه، فضحك، وأمر بي أن تكوي يدى، فكوى عليها هيئة صليب، وأمر لى بقدر خمسين رطلا من الدقيق، فصرفني (٦).

стр. 98

ومنها أن صلاح الدين ﵀ بعث سرية صحبة قراقوش (١) -مملوك تقى الدين عمر بن شاهنشاه (٢) - إلى بلاد إفريقية فملكوا طائفة كبيرة منها، فمن ذلك مدينة طرابلس المغرب وعدة مدن معها. وفي تاريخ الدولتين (٣): كان مع قراقوش طائفة من الترك، وجماعة من العرب، فاستولوا على طرابلس، وكثير من بلاد إفريقية ما خلا المهدية (٤)، وسفاقس (٥)، وقفصة (٦) وتونس. ذكر الأمور المزعجة منها أن في صفر زاد الإرجاف ببغداد بمجيء العسكر من باب همدان، فغلت الأسعار، وأخذ الخليفة في التجنيد، وعمارة السور، وجمع الغلات، وعرض العسكر (٧). ومنها أنه وقع حريق ببغداد، وتغير ماء دجلة باصفرار، وثخن الماء، فبقى على هذا مدة (٨). ومنها أنه في شعبان مرت ريح سوداء أظلمت منها الدنيا.

стр. 99

ومنها أنه خرج ترجم الإيوانى (١) في جمع من التركمان في حياة أيلدكز، وتطرق إلى أعمال همدان، ونهب الدينور (٢)، وسمع أيلدكز الخبر وهو بنقجوان (٣)، وتبعه بمن خف من عسكره، فهرب ترجم إلى أن قارب بغداد، وهو يتبعه، وظن الخليفة أنه حيلة ليصل إلى بغداد فجأة، فشرع الخليفة في جمع العساكر وتحصين السور، وأرسل إلى أيلدكز خلعًا فأرسل إليه يعتذر، ويذكر أنه لم يقصد إلا كف هؤلاء، ولم يتعد قنطرة خانقين (٤)، وعاد راجعا (٥). ذكر بقية الحوادث منها أن في أيام إرجاف أهل بغداد عمل الخليفة مهما عظيمًا؛ لختان أولاده السادة، وفرق خلعًا كثيرة، وعمل من الطعام ما لا يحد، فذكر أنه ذبح ثلاث آلاف دجاجة وألف رأس من الغنم، وعملت إحدى وعشرون ألف خشكنانكة (٦) من ستين كارة من سميد (٧). وفي المرآة (٨): ذبح من الغنم ألف رأس، وخمسمائة بقرة، وخمس آلاف دجاجة، وألف صحن حلواء، وعشرين ألف قطعة خشكنانكة (٦)، وخلع على جميع أرباب الدولة، والقضاة، والعدول، والعلماء، والفقهاء، والصوفية، وغيرهم.

стр. 100

ومنها أنه وصل الإمام الكبير الفقيه قطب الدين النيسابوري (١)، وهو فقيه عصره ونسيج وحده، فسر به نور الدين، وأنزله بحلب بمدرسته بباب العراق، ثم أرسله إلى دمشق، فدرس بزاوية الجامع الغربية، المعروفة بالشيخ نصر المقدسى، ونزل بمدرسة الجاروق (٢)، وشرع نور الدين في إنشاء مدرسة كبيرة للشافعية، فأدركه الأجل قبل ذلك (٣). قال أبو شامة (٤): هي العادلية (٥) الكبيرة التي عمرها بعده الملك العادل أبو بكر ابن أيوب أخو صلاح الدين. ومنها أن أبا يعقوب يوسف بن عبد المؤمن (٦) سير عساكره، وسار من إشبيلية إلى الغزو، فقصد بلاد الإفرنج، ونزل على مدينة رُندَة -وهي بالقرب من طليطلة شرقا منها- وحصرها، فاجتمعت الفرنج على ابن ألفونش -ملك طليطلة- في جمع كثير، فلم يقدموا على لقاء المسلمين، واتفق أن الغلاء اشتد على المسلمين، وعدمت الأقوات عندهم، وهم في جمع كثير، فاضطروا إلى مفارقة بلاد الإفرنج، فعادوا إلى أشبيلية، وأقام أبو يعقوب بها إلى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وهو في ذلك يجهز العساكر، ويسيرها إلى بلاد الإفرنج في كل وقت. وكان فيها عدة وقائع وغزوات، وظهر فيها من العرب من الشجاعة ما لا يوصف، حتى صار الفارس منهم يبرز بين الصفين، ويطلب مبارزة الفارس المشهور من الفرنج، فلا يبرز إليه أحد (٧).

стр. 101

ومنها أن شملة التركمانى (١) نهب نهاوند (٢)، وكان في أيام أيلدكز لا يزال يطلب نهاوند منه؛ لكونها مجاورة لبلاده، ويبذل له فيها الأموال، وهو لا يجيبه إلى ذلك، فلما مات أيلدكز، وملك بعده ولده محمد البهلوان (٣)، سار إلى أذربيجان (٤) لإصلاحها، فنَفَّذَ شملة ابن أخيه ابن سُنكاه؛ لأخذ نهاوند، وبلغ أهل البلد الخبر، فتحصنوا، وحصرهم، فقاتلهم وقاتلوه، فلما علم أنه لا طاقة له بهم، رجع إلى تُسْتر (٥) -وهي قريبة منها- وأرسل أهل نهاوند إلى البهلوان؛ يطلبون منه نجدة، فتأخرت عنهم، ولما اطمأنوا، خرج ابن سنكاه من تستر في خمسمائة فارس، وسار يومًا وليلة، فقطع أربعين فرسخًا، حتى وصل إلى نهاوند، وضرب البوق، وأظهر أنه من أصحاب البهلوان؛ لأنه جاءهم من ناحيته، ففتح أهل البلد الأبواب، فدخلها، وقبض على القاضي والرؤساء فصلبهم ونهب البلد، وقصد نحو ما سبذان (٦) ونحو العراق. وفيها (٧) … وفيها حج بالناس (٨) … ذكر من توفي فيها من الأعيان أحمد بن سالم بن أحمد أبو العباس الشحمي (٩)؛ قرأ القرآن، وأقرأ، وصنف كتابا في المتشابه كبيرا، وسمع من المروقي وغيره، وتوفي في المحرم من هذه السنة،

стр. 102

ودفن في مقبرة الفيل (١) من باب الأزج (٢). أبو المعالي الكتبى (٣)؛ كان فاضلا، يقول الشعر المليح، والنثر الجيد، وله رسائل ومدائح، وكان من الذكاء على غاية، وكان دلال الكتب "ببغداد" (٤)، وتوفي في صفر، ودفن بباب حرب (٥). وفي المرآة: أبو المعالي الكتبى الخطيري، والخطيرة بالطاء القائمة: قرية بدُخْل (٦). واسمه سعد بن علي بن [القسم] (٧) بن علي، صحب أبا القاسم علي بن أفلح الشاعر (٨) مدة، واشتغل بالأدب حتى فرغ منه، وقال الشعر، وتفقه على مذهب أبي حنيفة (﵁) وغلبت عليه الفكرة، فأحب الخلوة، فخرج على التجريد سائحا، ورأى عجائب، وجال (٩) في أقطار الشام وغيره، وحج، وعاد إلى بغداد، وصنف الكتب: [لمح الملح في الأدب نظمًا ونثرًا] (١٠)، و [زينة الدهر في عصرة أهل العصر] (١١)، وغير ذلك (١٢). وذكره العماد في الخريدة، وسجع له، وقال: أنشدني أبياتا في وصف العذار أرق من الاعتذار، وذكر مقطعات من شعره، وكلامًا فاحشًا يدل على أنه كان خليعًا (١٣).

стр. 103

أبو الفتح بن الربى (١)؛ كان متفقها على مذهب الإمام أبي حنيفة (﵁) وكان عاملا على ديوان المقاطعات، فتوفي في غرة ذي الحجة منها، ودفن بباب أبرز (٢). وقال ابن الجوزي (٣): وكانت له امرأة يهودية، وابن أخ مسلم، فكتب جميع ما له لليهودية، وترك ابن أخيه المسلم، فاجتلب من الناس ذمًا كثيرًا. أرسلان شاه صاحب خوارزم (٤)؛ مات في هذه السنة، وملك بعده ولده سلطان شاه، وكان قد عاد من قتال الخطا مريضا، فاتفقت وفاته. [ومَلَكَ بعده] (٥) سلطان شاه محمود، وكان صغيرا، ودبرت والدته المملكة والعساكر، وكان ولده الكبير علاء الدين تكش -ابن أرسلان شاه- مقيمًا في الجند، قد أقطعه أبوه إياها، فلما بلغه موت أبيه وتولية أخيه الصغير، أنف من ذلك، وقصد ملك الخطا، واستمده على أخيه، وأطمعه في الأموال وذخائر والده، فسير معه جيشًا كثيفًا مقدمهم قوما، فساروا حتى قاربوا خوارزم، فلما قربوا منها، خرج سلطان شاه وأمه ولحقا بالمؤيدة (٦) صاحب نيسابور، ومَلَكَ تكش خوارزم بغير قتال. ولما وصل سلطان شاه إلى المؤيد، أهدى إليه هدية جليلة، ووعده أموال خوارزم، فاغتر بقوله، وجمع جيوشه، وساروا إلى خوارزم، وكان تكش قد أعد عسكره بالقرب منها، فلما تراءى الجمعان، انهزم عسكر المؤيد، وأخذ أسيرا، وجيء به إلى خوارزم شاه تكش، وهرب سلطان شاه، وأُخذت أمه، فقتلها تكش، وعاد إلى خوارزم. ولما عاد المنهزمون إلى نيسابور، ملّكوا ابنه طوغان شاه أبا بكر بن المؤيد، فلما أخبر به سلطان شاه، سار إلى غياث الدين ملك الغورية، فأكرمه، وأحسن نزله. وأما علاء الدين تكش فإنه لما ثبت قدمه بخوارزم، اتصلت به رسل الخطا بالاقتراحات والتحكم كعادتهم، فأخذته حمية الملك والدين، وقتل أحد أقارب الملك. وكان ورد

стр. 104

إليه ومعه جماعة أرسله ملكهم في مطالبته، وأمر أعيان خوارزم فقتل كل واحد منهم رجلا من الخطا الذين صحبته، فلم يسلم منهم أحد، ونبذوا إلى ملك الخطا عهده. وبلغ ذلك سلطان شاه، فسار إلى ملك الخطا، واغتنم الفرصة بهذه الحال، فاستنجده على أخيه تكش. وقال له: إن أهل خوارزم يريدونه، ويختارون ملكه عليهم، ولو رأوه لسلموها إليه، فسير معه جيشًا كبيرًا من الخطا مع قوما، انضموا إليه، فوصلوا إلى خوارزم فحصروها، فأمر علاء الدين تكش بإجراء ماء جيحون عليهم، فكادوا يغرقون، فرحلوا، ولم يبلغوا منها غرضًا، وندموا على ما فعلوا، ولاموا سلطان شاه، وعنفوه، فقال لمقدمهم المسمى قوما: لو أرسلت معي جيشًا إلى مرو لاستخلصتها من يد دينار الغزي؛ فإنه استولى عليها منذ كانت فتنة الغزُ إلى الآن (١) فسير معه جيشًا، فنزل على سرخس (٢)، على غرة من أهلها، وهجم على الغز، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وألقي دينار الغزي -ملكها- نفسه في خندق القلعة، فأُخرج منه، ودخل القلعة، وتحصن بها. وسار سلطان شاه إلى مرو فملكها، وعاد الخطا إلى ما وراء النهر، وجعل سلطان شاه دأبه قتال الغز، والغزو (٣) فيهم، وانتهابهم. فلما عجز دينار عن مقاومته أرسل إلى نيسابور إلى طغان شاه بن المؤيد، يقول له أن يرسل إليه من يسلم له قلعة سرخس، فأرسل إليه جيشا مع أمير اسمه قراقوش، فسلم إليه دينار القلعة، ولحق بطغان شاه، فجمع جيوشه، وقصد سرخس، فلما التقى هو وسلطان شاه فرَّ طغان شاه إلى نيسابور، فأخلي قراقوش قلعة سرخس، ولحق بصاحبه، وملك سلطان شاه قلعة سرخس، ثم أخذ طوس (٤) [والزَام] (٥)، وضيق الأمر على طغان شاه بعلو همته واجتهاده وقلة قراره. وكان طغان شاه يحب الدعة ومعاقرة الخمر، فلم تزل الحال كذلك إلى أن مات طغان شاه سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة (٦).

стр. 105

أتابك شمس الدين أيلدكز (١) صاحب همذان وغيرها، مات في هذا السنة بهمذان، وملك بعده ابنه محمد بن البهلوان، ولم يختلف عليه أحد. وكان أيلدكز هذا مملوكًا للكمال وزير السلطان محمود، ولما مات الكمال صار أيلدكز إلى السلطان محمود، واستمر بأصفهان، ولم يحضر إلى السلطان مسعود (٢) عندما ملك ولا إلى غيره، ثم ملك أذربيجان وهمذان وغيرهما. وتزوج امرأة السلطان طغرل (٣). وكان عسكره خمسين ألف فارس سوى الأتباع، واتسع ملكه، وامتد من باب تفليس (٤) إلى مكران (٥). وكان أيلدكز عاقلا، حسن السيرة، يجلس بنفسه للرعية، ويسمع شكاويهم، وينصف بعضهم من بعض (٦). وفي تاريخ المؤيد (٧): وكان أيلدكز يخطب في بلاده بالسلطنة للسلطان أرسلان بن طغرل، ولم يكن لأرسلان معه حكم. يزْدن التركي (٨)؛ كان من أكابر أمراء بغداد، المتحكمين في الدولة، ولكنه كان رافضيًا خبيثًا متعصبًا للروافض، وكانوا في خفارته وجاهه حتى أراح الله المسلمين منه في هذه السنة، فإنه مات في ذي الحجة من هذه السنة، ودفن بداره، ثم نقل إلى مقابر قريش. وحين مات فرح أهل السنة بموته، وغضبت الشيعة من ذلك، فقام بسبب ذلك فتنة.

стр. 106

وذكر ابن الساعى (١) في تاريخه أنه كان في صباه شابًا حسنًا مليحًا. قال: ولشيخنا أبي اليمن الكندى فيه وقد رمدت عينه: بِكِلَّ صَبَاحٍ لِى وَكُلِّ عَشِيَّةٍ … وُقُوفٌ عَلَى أَبْوَابِكُم وَسَلَامُ وَقَدْ قِيلَ لِي يَشْكوُ سِقَامًا بَعَيْنِهِ … فَهَا نَحْنُ مِنْهَا نَشْتَكِي وَنُضَامُ الأمير نجم الدين أيوب؛ (٢) والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته: هو أبو الشكر أيوب بن شاذي، والد الملوك بني أيوب الكردي الزرْزَارِي، وهم خيار الأكراد (٣) من بلاد دُوَيْن بشمال بلاد أذربيجان مما يلي الكرج. ومنهم من يقول "أيوب بن شاذي بن مروان" (٤)، ومنهم من يقول أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب، وأغرب بعضهم، فزعم أنهم من سلالة مروان بن محمد الجعدي، آخر خلفاء بني أمية. وهذا ليس بصحيح، والذي عليه الجمهور أنه لا يعرف بعد شاذي أحد من نسبهم، والذي نسب إلى بني أمية ادعاء هو الملك أبو الفداء إسماعيل بن طغتكين بن أيوب بن شاذي، ويعرف بابن سيف الإسلام، وقد ملك اليمن بعد أبيه، فتعاظم في نفسه، وادعى الخلافة، وتلقب بالإمام الهادي بنور الله، المعز لدين الله، أمير المؤمنين، وزعم أنه أموى، ومدحه الشعراء، وأطروه، ولهجوا بذلك، وقال هو في ذلك أيضًا: وَإنِّي [أَنَا] (٥) الهَادِي الخَلِيفَة وَالَّذِي … أَدُوسُ رِقَاب الغُلْبِ الضُّمَّرِ الجُرْدِ وَلابُدَّ مِنْ بَغْدَاد أَطْوِي رُبُوعَهَا … وَأَنْشُرها نَشْرَ السّمَاسِرَةٍ البُرْدِ

стр. 107

وأَنْصُبُ أَعْلَامِي عَلَى شُرفاتِها … وَأُحْيِي بِهَا مَا كَانَ أَسَّسَهُ جَدِّي وَيُخْطَبُ لِي فِيهَا عَلَى كُل مِنْبَرٍ … وَأُظْهِرُ دِينَ الله فِي الغَوْرِ والنَّجْدِ (١) وهذا الادعاء ليس بصحيح، ولا له أصل يعتمد عليه، ولا مستند يستند إليه. قال ابن أبي طى الحلبي: لا يعرف في نسب نجم الدين أكثر من والده شاذي. وحدثني أبي قال: كان تقي الدين عمر يُزيد فيقول: شاذي بن مروان، وسمعت أنا من يقول: شاذي بن مروان بن يعقوب (٢). قال: وأجمع الجماعة من آل أيوب أن دعوي ابن سيف الإسلام أنهم من بني مروان بن محمد الجعدي -آخر خلفاء بني أمية- كذب، وأن جميع آل أيوب لا يعرفون جدَّا فوق شاذي (٣). قال: وكذلك أخبرني السلطان الملك [الناصر] (٤) قال: وصحة دليل ذلك أني وقفت على كتاب وقف رباط النجمي بدمشق (٥)، ولم يزد فيه على نجم الدين أبي سعيد أيوب ابن شاذى العادلي (٦). والمقصود أن الأمير نجم الدين والأمير أسد الدين شيركوه كانا أخوين، وكان نجم الدين أسن من أسد الدين، وُلدا بأرض الموصل (٧). وقال ابن أبي طى "الحلبي" (٨) في تاريخه الكبير: كان مولد نجم الدين أيوب ببلد شَبَخْتان، وقيل: إنه ولد بجبل جور (٩)، وربي في الموصل، ومولد أبيه شاذي في بلد دوين. الثاني: في بيان ابتداء أمره، وانتسابه واتصاله بالدولة: وهو أن أباه شاذي كان من أعيان أهل دوين، وكان له صاحب يقال له جمال الدولة مجاهد الدين

стр. 108

بَهْرُوز (١)، وكان من أظرف الناس، وألطفهم، وكان بينه وبين شاذي أخوة أكيدة، فجرت لبهروز قضية في دوين، فخرج منها حياءً. وذلك أنه أتهم بزوجة بعض الأمراء بدوين، فأخذه صاحبها فخصاه. فلما جرى له ذلك، لم يقدر على الإقامة، فخرج وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية، وهو السلطان مسعود بن غياث الدين محمد بن ملكشاه (٢)، واتصل باللالا (٣) الذي لأولاده، فوجده لطيفًا كافيًا في جميع الأمور، فتقدم عنده وفوض إليه أموره، وجعله يركب مع أولاد السلطان مسعود إذا كان له شغل. فرآه السلطان يومًا مع أولاده فأنكر علي اللالا، فقال: إنه خادم، وأثنى عليه وشكر دينه ومعرفته، ثم صار يسيره إلى السلطان في الأشغال، فخف على قلبه، فلعب معه الشطرنج والنرد (٤)، فحظي عنده، واتفق موت اللالا فجعله السلطان مكانه، وسلم إليه أولاده، وأرصده لمهماته، وسار ذكره في تلك النواحي. فسير إلى شاذي يستدعيه من بلده؛ ليشاهد ما صار إليه من النعمة والدولة، وليقاسمه ما خوله الله تعالى، وليعلم أنه ما نسيه. فلما وصل إليه بالغ في إكرامة والإنعام عليه، واتفق أن السلطان رأى أن يسير المجاهد المذكور إلى بغداد واليًا ونائبًا عنه بها، وكذا كانت عادة الملوك السلجوقية في بغداد، يُسيرون إليها النواب، فاستصحب معه شاذي، فسار هو وأولاده صحبته، وأعطى السلطان لبهروز قلعة تكريت (٥)، فلم يجد من يثق إليه في أمرها سوى شاذي، فأرسله إليها، فمضى وأقام بها مدة، وتوفي بها، فولي مكانه نجم الدين أيوب، فنهض في أمرها، وشكره بهروز وأحسن إليه. وكان أكبر سنًا من أخيه أسد الدين شيركوه. ثم أن شيركوه رأى يومًا امرأه تبكي

стр. 109

فقال (١) لها: ما يبكيك؟ فقالت: أنا داخلة من باب القلعة، فتعرض إلىَّ الاسفهسلار (٢)، فقام شيركوه، وتناول حربة الاسفهسلار، وضربه بها فقتله، فمسكه أخوه نجم الدين واعتقله. وعرف بهروز بذلك، فوصل جوابه: "لأبيكما علىَّ حقٌ، وبيني وبينه مودة متأكدة، ما يمكنني أن أكافئكما بسيئة، ولكني أشتهي أن تتركا خدمتي، وتخرجا من بلدي، وتطلبا رزقكما". فلما وقفا عليه، خرجا. ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي، والد نور الدين محمود بن زنكي، وأقطعهما إقطاعًا حسنًا. ثم لما ملك الأتابك قلعة بعلبك كما ذكرناه، استخلف بها نجم الدين أيوب، ثم بعد مدة انتقل إلى دمشق، وأقام في خدمة نور الدين محمود بن زنكي، ثم لم يزل معه في السراء والضراء والحضر والسفر حتى صار أكبر الأمراء عنده، فصار لا يقطع أمرًا دونه، ثم أن نور الدين أرسل أخاه شيركوه إلى الديار المصرية ثلاث مرات كما ذكرناه. وكان معه في كل مرة ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، ثم لما جري ما جرى من أمور المصريين، وغلب عليهم صلاح الدين يوسف، وصار أمر الديار المصرية إليه كما ذكرناه مفصلًا، طلب من نور الدين أن يرسل إليه أباه نجم الدين، فأرسله إليه مع أهله وحاشيته كما ذكرنا. وقال العماد الكاتب (٣): لما دخل فصل النيروز (٤)، استأذن الأمير نجم الدين أيوب نور الدين في قصده ولده صلاح الدين، والخروج من دمشق إلى مصر بأهله وجماعته. وخيم بظاهر البلد، ثم سار، فوصل إلى مصر في السابع والعشرين من رجب من سنة خمس وستين وخمسمائة، وركب العاضد خليفة مصر لاستقباله. ووصف ذلك عمارة اليمني في قصيدة مدح بها السلطان صلاح الدين منها قوله:

стр. 110

صَحَّتْ بِهِ مِصْرُ وَكَانَتْ قَبْلَهُ … تَشْكُو سِقَامًا لَمْ تُعَنْ (١) بِطَبِيبِ عَجَبًا لمُعْجزَة أَتَتْ في عَصْره … وَالدَّهْرُ وَلَّادٌ لِكُلِّ عَجِيبِ رَدَّ الإله بِهِ قَضِيَّةَ يُوسُف … نَسْقًا عَلَى ضَرْبٍ منَ التَّقْرِيبِ جاءَتْهُ إخْوَتهُ وَوَالِدُهُ إلَى … مِصْر عَلَى التَّدْرِيجِ وَالتَّرْتيبِ فَاسْعَدْ بأَكْرَمِ قَادِم وبدولة … قَدْ سَاعَدَتْكَ رِيَاحُهَا بِهُبُوبِ وفي تاريخ الدولتين (٢): وكان بهروز المذكور يُنَفَّذ أمره في جميع العراق إلى البصرة، إلى الموصل، إلى أصفهان. وكانت خيله خمسة آلاف فارس، فأقر نجم الدين في ولاية تكريت، وأضاف إليه النظر في جميع الولاية المتاخمة له، وقرر أمره عند السلطان مسعود (٣). ثم إن عماد الدين زنكي والد نور الدين محمود طمع في أخذ بغداد، ووصل الخبر إلى قراجا الساقي (٤)، وهو أتابك [ابن] (٥) السلطان محمود، فجرد ألف فارس للقاء زنكي، فانهزم زنكي، وقتل جماعة من أصحابه، ونهب جميع ما كان معه في عسكره، وجاء إلى تكريت وبه عدة جراحات. وعلم مكانه الأمير نجم الدين وأخوه شيركوه، فأحسنا إليه وداويا جراحاته، وخدماه أحسن خدمة، فأقام عندهما بتكريت خمسة عشر يومًا، ثم سار إلى "الموصل وأعوزه" (٦) الظهر، فأعطياه "جميع ما كان عندهما من الظهر" (٧) حتى أنهما أعطياه جملة من البقر، حمل [عليها] (٨) ما سلم معه من أمتعته، فكان زنكي بري لنجم الدين أيوب هذه اليد، ويواصله بالهدايا والألطاف مدة مقامه في
следующие страницы →