← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بغيض بن رَيْث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان [١٦٢] بن ألياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ثم رفع بعد هذا في النسب حتى انتهى إلى آدم ﵊. ثم ذكر بعد ذلك أن على بن أحمد بن أبى على بن عبد العزيز يقال: إنه ممدوح المتنبى وفيه يقول من جملة قصيدته: شرَقَ الجو بالغبارِ إذا سا … ر علىّ بن أحمد القمقامُ وأما حارثة بن عوف بن أبى حارثة صاحب الحمالة، فهو الذى حمل الدماء بين عبس وذبيان، وشاركه في الحمالة خارجه ابن سنان أخو هَرم بن سنان (١). وكان قدمهُ إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل (٢) صاحب دمشق، وسمعه عليه هو وولده الملك الناصر صالح الدين أبو المفاخر داود بن الملك المعظم (٣)، وكتب لهما بسماعهما عليه في آخر رجب سنة تسع عشرة وستمائة. ورأيت (٤) في تاريخ حلب الذى جمعه القاضى كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد المعروف بابن العديم الحلبى، بعد أن ذكر الاختلاف في نسبهم، فقال: وقد كان المعز إسماعيل بن سيف الإسلام بن أيوب ملك اليمن أدعى نسباً في بنى أمية وادعى الخلافة. وقال ابن خلكان: وسمعت شيخنا القاضى بهاء الدين بن شداد يحكى عن السلطان صلاح الدين أنه أنكر ذلك، وقال: ليس هذا أصلى (٥). وذكر ابن القادسى، وقال: كان شاذى مملوك بهروز الخادم. وقال السبط في المرآة (٦): وهذه من هنات ابن القادسى ما كان شاذى مملوكاً قط، ولا جرى على أحد من بنى أيوب رق، وإنما شاذى خدم بهروز الخادم في قلعة تكريت استنابه فيها، وكان صلاح الدين يوسف المذكور يقال له: السلطان الأعظم أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية والفراتية واليمنية.

стр. 562

الثاني: في بيان ميلاده وبلده وأصله. ولد صلاح الدين بقلعة تكريت لما كان أبوه وعمه بها في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، واتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من دُوين (١) بضم الدال المهملة وكسر الواو وسكون الياء آخر الحروف وفي آخرها نون. وهي بلدة في آخر أعمال أذربيجان من جهة أران وبلاد الكرج. وإنهم أكراد رَوَادّية بفتح الراء والواو وبعد الألف دال مهملة ثم ياء آخر الحروف مشددة وبعدها هاء. والروادية بطن من الهدبانية بفتح الهاء والدال المهملة والباء الموحدة وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء آخر الحروف مشددة وبعدها هاء، وهي قبيلة من الأكراد. وقال ابن خلكان (٢): قال لي رجل فقيه عارف بما يقول وهو من أهل دوين، إن على باب دوين قرية يقال لها أَجْدَ أتقَان (٣) بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون مفتوحة وقاف مفتوحة وبعد الألف الثانية نون أخرى، وجميع أهلها أكراد روادية، ومولد أيوب والد صلاح الدين بها، وشاذى أخذ ولديه أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب وخرج بهما إلى بغداد، ومن هناك نزلوا تكريت ومات شاذي بها، وعلى قبره قبّة داخل البلد. وكان شيركوه وأيوب - لما كانا في بغداد - خدما مجاهد الدين بهروز شحنة [١٦٣] العراق، ورأى مجاهد الدين في نجم الدين أيوب عقلاً ورأيا حسناً وحُسن سيرة، فجعله دردار تكريت إذ هي له. ودزدار بضم الدال المهملة وسكون الزاي المعجمة وفتح الدال المهملة وبعد الألف راء، وهو لفظ أعجمي، ومعناه حافظ القلعة، وهو الوالي، ودُز بالعجمى القلعة، ودار الحافظ. فسار إليها ومعه أخوه أسد الدين. ثم إن أسد الدين قتل إنساناً بتكريت لكلام جرى بينهما، فأرسل مجاهد الدين إليهما، فأخرجهما من تكريت، ثم إنهما قصدا عماد الدين زنكي وكان إذ ذاك صاحب الموصل، فأحسن عماد الدين إليهما وأقطعهما إقطاعاً حسنًا وصارا من جملة جنده، ولما فتح عماد الدين زنكي بعلبك جعل نجم الدين دزد رها وقد ذكرنا ذلك كله مفصلاً (٤)،

стр. 563

ويقال: إن الأخوين خرجا من تكريت في الليلة التي ولد فيها صلاح الدين فتشاءموا به وتطيروا منه، فقال بعضهم: لعل فيه الخيرة وما تعلمون. فكان كما قال ويقال ما خرجا من تكريت إلا - بعد ولادة صلاح الدين مدة يسيرة، أما في بقية السنة التي ولد فيها صلاح الدين أو في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة والله أعلم. الثالث في بيان منشأه: ولم يزل صلاح الدين في كنف أبيه حتى ترعرع، ولما ملك نور الدين محمود الشهيد بن عماد الدين زنكي دمشق في التاريخ الذي ذكرناه، لازم نجم الدين أيوب خدمته، وكذلك ولده صلاح الدين يوسف، وكانت مخايل السعادة عليه لائحة، والنجابة تقدمه من حالة إلى حالة، ونور الدين الشهيد يرى له ويؤثره، ومنه تعلم صلاح الدين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمر الجهاد، حتى تجهز مع عمه شيركوه إلى الديار المصرية كما ذكرناه مفصلاً، ثم لم يزل يتقلب به الحال إلى أن صار سلطانًا، وخطب باسمه في الديار المصرية والشامية والفراتية وأرض اليمن ومكة والمدينة، ولم يزل مرابطاً مجاهداً في سبيل الله حتى أتاه اليقين (١). الرابع في سيرته: قال العماد (٢) وغيره: قد كان السلطان صلاح الدين متشرعاً في ملبسه ومأكله ومشربه ومركبه، فلا يلبس إلا الكتان والقطن والصوف، ولا يعرف أنه تخطى مكروهاً بعد أن أنعم الله عليه بالملك، بل كان همه الأكبر ومقصوده الأعظم نصر الإسلام وكسر الأعداء اللئام، ويعمل فكره في ذلك وآراءه وحده ومع من يثق برأيه ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً، هذا مع ما لديه من الفضائل والفواضل والفوائد الفرائد في اللغة والأدب وأيام الناس حتى قيل: إنه كان يحفظ الحماسة بتمامها وكان مواظباً على الصلوات [الخمس] (٣) في أوقاتها في جماعة، ويقال: إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل حتى في مرض موته، كان يدخل الإمام فيصلي به، ويتجشم القيام مع ضعفه، وكان يفهم ما يقال بين يديه من البحث والمناظرة، ويشارك في ذلك مشاركة

стр. 564

قريبة حسنة وإن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها (١). وقال العماد: ورأى يوماً دواتي محلاة بالفضة، فأنكر على وقال: هذا حرام. فقلتُ له على سبيل [١٦٤] المداعبة: وليس تحل حُلية السلاح واستصحابه في الكفاح، ودواتي هذه أشجع ومدادها أنقع ويراع براعتي القصير أطول، وسنان قناتي أحد وأقتل. فقال: ليس هذا دليل صالح. قلت: ما جمعت هذه العساكر الإسلامية إلا بقلمي، ولا تفرقت جموع الكفر إلا بكلامي. فقال: والله إن هذا ما يعجبني. فلم أعد أكتب بتلك الدواة بين يديه. وكان طاهر المجلس لا يذكر أحدا في مجلسه إلا بالخير، وكان طاهر اللسان لا يذكر أحداً بسوء ولا يشتم أحداً قط، وكان مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة العظيمة كثير التواضع واللطف، قريباً من الناس رحيم القلب كثير الاحتمال والمداراة، وكان يحب العلماء وأهل الخير ويقربهم ويحسن إليهم، وكانت مجالسه منزهة عن الهزء والهراء، ومحافله حافلة بأهل العلم والفضل، وما سمع منه كلمة فُحش قط، وكان يلين للمؤمنين ويغلظ على الكافرين، ومن جالسه لا يعلم أنه جالس سلطاناً بل يعتقد أنه أخ من الإخوان، وكان شديد الحياء خاشع الطرف، رقيق القلب سريع الدمعة شديد الرغبة في سماع الحديث، وإذا بلغه عن شيخ رواية عالية - وكان ممن يحضر عند الناس - استحضره وسمع عليه وأسمع أولاده ومماليكه، وأمرهم بالقعود عن سماع الحديث إجلالاً له، وإن لم يكن ممن يحضر عند الناس ولا يطرق أبواب الملوك سعى إليه وسمع منه وروي عنه وتردد إليه، ولم يكن في عمره كَتَبَ بيده ما فيه أذى مسلم، وما حضر بين يديه يتيم إلا وترحم على مخلفه وجبر قلبه وأعطاه ما يكفيه، فإن كان له كافل وإلا كفله، وإنه مات ولم تجب عليه زكاة (٢). الخامس في حسن عقيدته: كان متوكلاً على الله في كل أمره، ولا يلتفت إلى قول منجم، وكان حسن العقيدة كثير الذكر لله تعالى، وكان قد قرأ عقيدة القطب النيسابوري وعلمها أولاده الصغار؛ لترسخ في أذهانهم من الصغر، وكان يأخذها عليهم.

стр. 565

وقال ابن كثير: وكان القطب النيسابوري جمع هذه العقيدة الأهله، وكان يَحْفَظُهَا ويُحَفِّظُهَا مَنْ عَقِلَ مِنْ أولاده، وكان يحب سماع القرآن العظيم ويواظب على سماع الحديث، حتى أنه سمع في بعض المصافات جزءاً، وهو بين الصفين، ويتبحبح بذلك ويقول: هذا موقف لم يسمع فيه أحد حديثًا، وكان ذلك بإشارة العماد [الكاتب] (١). وكان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، كثير التعظيم لشعائر الدين، وكان قد لجأ إلى ولده الظاهر - وهو بحلب - شاب يقال له الشهاب، يعرف الكيمياء وشيئًا من الشعبذة والأبواب النيرنجيات، فافتتن به ولده وقربه وأحبه وخالف فيه حملة الشرع، وبلغ ذلك أباه السلطان، فكتب إليه أن أقتله لا محالة، فصلبه ولدُه عن أمر والده كما ذكرناه (٢) في سنة [ست] (٣) وثمانين وخمسمائة، ومن شدة محبته لسماع الحديث مضى إلى الإسكندرية، وسمع الحديث الكثير من الحافظ [١٦٥] السلَفِي ومن ابن عوف الموطأ، وكان مبغضاً لكتب الفلاسفة وأرباب المنطق ومن يُعَانِد الشريعة، وقال ابن كثير: وكان ﵀ قرأ مختصراً في الفقه تصنيف سُليم الرازي. السادس في حلمه وأخلاقه الحسنة: وكان حليماً كثير العفو والتجاوز عن أصحاب الذنوب، حسن الخلق صبوراً على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه، وكان يوماً جالساً فرمي بعض المماليك بعضاً بسَرْموزة، فأخطأته، ووصلت إلى السلطان ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى ليتغافل عنها. وقال القاضي بهاء الدين (٤): نفرت (٥) بغلتي يوماً من الجمال وأنا راكب في خدمته، فزحمت وركهـ حتى أقلقته من الوجع وهو يبتسم، وبُدلت في خزانته كيسان من الذهب المصرى بكيسين من الفلوس (٦). [فما عمل] (٧) للمباشرين شيئاً سوى صرفهم (٨).

стр. 566

وقال القاضي بهاء الدين: كنت يوماً عند مجلس الحُكم بالقدس الشريف، إذ دخل رجل حَسن الهيئة ومعه مكتوب حكمي وقال لي: يا أيها القاضي خصمي السلطان، وهذا بساط الشرع، فقال له القاضي: بأي سبب؟ قال: إن سُنقر الخلاطي مملوكي ولم يزل على ملكي إلى أن مات، وكان في يده أموال عظيمة، كلها لي، فاستولى عليها السلطان، وأخرج المكتوب فتصفحتُه، فوجدته يتضمن جلية سنقر الخلاطي، وأنه اشتراه من فلان التاجر في الوقت الفلاني ولم يزل في ملكه إلى أن نّد (١) عنه في سنة كذا، قلت له: فما أخرك إلى هذا الوقت؟ فقال: الحقوق لا تبطل بالتأخير. قال القاضي: فأعلمت السلطان، فأحضره واستوى معه في المجلس حتى ساواه، وادعي الرجل وأظهر كتابه، فقال السلطان ﵀: إن لي من يشهد أن هذا سنقر في هذا التاريخ كان ملكي بمصر، وإني اشتريته مع ثمانية أنفس، ولم يزل في ملكي حتى أعتقته، ثم أحضر السلطان جماعة من أعيان الأمراء فشهدوا بذلك، فأنكر الرجل، فقلت للسلطان: يا مولانا ما فعل هذا إلا يطلب صدقة السلطان، فما يحسن أن يرجع خائب الأمل. فقال: هذا باب آخر، وأمر له [بخلعة (٢)] ونفقة جيدة (٣) وبغلة (٤). قال: وكان الحجاب يزدحمون على طراحته، فجاء سنقر الخلاطي ومعه قصص، فقدم له قصة، وكان السلطان قد مد يده اليمنى على الأرض ليستريح، فلاسها سنقر الخلاطي ولم يعلم وقال له: علِّم عليها، فلم يجبه، فكرر عليه القول، فقال له: يا طواشي أعلم بيدي أو برجلي، فنظر سنقر فرأى يد السلطان تحت رجله فخجل، وتعجب الحاضرون من هذا الحلم، ثم قال السلطان: هات القصة فعلَّم عليها. ومازال السلطان على هذه الأخلاق حتى توفاه الله إلى مقر رحمته ورضوانه (٥). وقدم إليه يوماً مملوك له قصة فقال: أنا الساعة ضجر، فأخرها ساعةً، فلم يؤخرها وقدمها إلى وجهه، فلما قرأ اسم صاحبها قال: أي والله رجل مستحق. قال: فوقع له. قال: ماثم دواة. ثم نظر فإذا الدواة [١٦٦] بعيدة عنه، فامتد على يده اليسرى حتى أخذ

стр. 567

الدواة ووقع له (١). قال القاضي: ولقد واجهة الجناح على يافا بالكلام القبيح، فما قال له كلمة واستدعاه، فأيقن بالهلاك. وارتقب الناس أن يضرب رقبته، فأطعمه فاكهة جاءته من دمشق، وسقاه ماء وثلجاً (٢). السابع في شجاعته: وكان ﵀ من أشجع الناس وأقواهم بدناً وقلباً مع ما كان يعتري جسمه من الأمراض والأسقام ولاسيما وهو مرابط مصابر مثاغر عند عكا، فإنهم كانوا كلما كثرت جموعهم وتراكمت أمدادهم لا يزيده ذلك إلا قوة وشهامة، وقد بلغت جموعهم خمسمائة ألف مقاتل ويقال ستمائة ألف مقاتل، وكان جملة من قتل منهم مائة ألف مقاتل، وكان يوم المصّاف يَدور على الأطلاب ويقول: وهل أنا إلا واحد منكم. وكان في الشتاء يعطى العساكر دستوراً وهو نازل على مرج عكا، ويقيم طول الشتاء في نفر يسير. وفي المرآة (٣): وكان شجاعاً شهماً جواداً مجاهداً في سبيل الله، وأقام على عكا مجاهداً مرابطاً قريباً من أربع سنين. الثامن في كرمه وجُوده: وفي المرآة (٤): وكان يجود بالمال قبل الوصول إليه ويحيل به، ومتى عرف وصول حمل وقع عليه بأضعافه، وما خيب أحداً بالرد، وإن لم يكن عنده شيئ لطف به كأنه غريم يستمهله، وكان مغرمًا بالإنفاق في سبيل الله، ووهب مدة مقامه على عكا مرابطاً للفرنج من رجب سنة خمس وثمانين وخمسمائة إلى يوم انفصاله عنها في شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، مدة ثلاث سنين وكسر، فكان اثني عشر ألف رأس من الخيل العراب والأكاديش (٥) الجياد للحاضرين معه في الجهاد والقادمين عليه من البلاد، غير ما أطلقه من الأموال في أثمان الخيل المُصابة في القتال (٦).

стр. 568

وقال العماد: ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب، ولا جاءه قود إلا وهو مطلوب، ولا رد سائلا ولا أخجل ماثلاً ولا خيب آملا. قال: شكى إليه أيوب بن كنان (١) ديناً مبلغه اثنا عشر ألف دينار فقضاه عنه. قال: وكتب إليه سيف (٢) الدوله بن منقذ نائبه بمصر إن بعض الضُّمان انكسر عليه مال كثير وربما وصل إلى الباب وعجل، فلما كان بعد أيام وصل ذلك الرجل إلى الباب وتمحل، وبلغ السلطان فأرسل إليه يقول: احذر احذر أن تقع في عين ابن مُنقذ (٣). قال: وفتح آمد ووهبها لابن قرا أرسلان، واجتمع عنده وفود بالقدس، ولم يكن عنده مال فباع ضيعة من بيت المال وفرق ثمنها فيهم. وإنه ﵀ لم يخلف في خزانته إلا سبعة وأربعين [درهماً ناصرية] (٤) وديناراً واحداً صورياً، ولم يخلف عقاراً ولا بستاناً ولا قرية ولا شيئاً من الأملاك (٥)، وحوسب صاحب ديوانه فخرج عليه تسعون ألف دينار بإقراره، فما طلبها ولا أراه أنه عرفها، ولم يرض له بعد هذا بالعُطلة فولاه ديوان جيشه، وكان إذا فتح بلداً أو أخذ إقليماً وهبه لبعض أقاربه أو أمرائه أو أتباعه. التاسع في معروفه: قال ابن خلكان: ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية لم يكن بها شيء من المدارس، فإن الدولة المصرية كان [١٦٧] مذهبها مذهب الإمامية (٦)، فلم يكونوا يقولون بهذه الأشياء، فعمر بالقرافة الصغرى المدرسة (٧) المجاورة لضريح الإمام الشافعي ﵀، وبنى مدرسته بالقاهرة في جوار المشهد المنسوب إلى الحسين ﵁

стр. 569

وجعل عليه وقفاً كثيراً طائلاً، وجعل دار عباس (١) - المذكور في ترجمة الظافر العبيدي (٢)، والعادل ابن السلار (٣) - مدرسة للحنفية وعليها وقف جيد أيضًا، والمدرسة التي بمصر المعروفة بين التجار جعلها وقفاً على الشافعية ووقفها جيد أيضًا، وبنى بالقاهرة داخل القصر مارستاناً (٤) وله وقف جيد، وله بالقدس مدرسة أيضًا ووقفها كثير وخانقاه بها أيضًا، وله بمصر مدرسة للمالكية (٥). ولقد أفكرت في نفسي في أمور هذا الرجل، وقلت: إنه سعيد في الدنيا والآخرة، فإنه فعل في الدنيا هذه الأفعال المشهورة من الفتوحات الكثيرة وغيرها، ورتب هذه الأوقاف العظيمة وليس فيها شيء منسوب إليه في الظاهر، فإن المدرسة التي في القرافة ما يسميها الناس إلا للشافعي ﵀، والمجاورة للمشهد لا يقولون إلا للمشهد، والخانقاه التي بالقاهرة لا يقولون إلا خانقاه سعيد السعداء، والمدرسة التي للحنفية لا يقولون إلا مدرسة السيوفية، والتي بمصر لا يقولون إلا مدرسة زين التجار، والتي بمصر أيضًا مدرسة المالكية، وهذه صدقة السر على الحقيقة والعجب أن له بدمشق في جوار المارستان النوري مدرسة يقال لها الصلاحية (٦)، فهي منسوبة إليه وليس لها وقف، وله بها مدرسة أيضًا للمالكية ولا تعرف به، وهذه النعم من ألطاف الله تعالى (٧).

стр. 570

العاشر في فتوحاته وهي على أنواع: الأول في البلاد الإسلامية وهي: الديار المصرية والحجاز ومكة والمدينة من زبيد إلى حضرموت، متصلاً بالهند ودمشق وبعلبك وحمص وحماة وحلب وأعمال هذه البلاد (١). الثاني في البلاد الإسلامية الفراتية وهي: حران والرها والرقة ورأس عين وسنجار ونصيبين وجملين وسروج وديار بكروميا فارقين وآمد وحصونها وشهرزور والبوازيج (٢)، وخطب له على المنابر من باب همذان إلى الفرات ومن الفرات إلى حضرموت ومن الغرب إلى إفريقية. وفي المرآة (٣): أول ما فتح الديار المصرية. الثالث في البلاد التي أخذها من الإفرنج وغيرهم، وهي: طبرية وعكا، أما طبرية فهى على نهر الأردن، فتحها بالسيف، وأما عكا فهي مدينة على البحر المالح، فتحها بالصلح. والزيب (٤) ومعليا (٥) وإسكندرونة (٦) بين صور وعكا وقلعة أبي الحسن بأرض صيدا وحصن يحمور (٧) بالأمان، وتبنين بجبل عاملة بالتسليم، وهونين (٨) غربي بانياس بالأمان، والناصرة التي ينسب إليها النصارى والطور قبلي صفورية بالتسليم، وصفورية غربي طبرية بالسيف، والفُولة قبلي الناصرة بالتسليم، وچينين قبلي عقربلا بالتسليم، وزرعين ودبورية (٩) متاخمة صفورية بالسيف، وعقربلا قبلي الطور بالتسليم، وبيسان بالغور، وسبسطية من عمل نابلس بالتسليم، [١٦٨] ونابلس مدينة مشهورة، واللَجّون (١٠)، وريحا (١١)، وسنجل (١٢) والبيرة بأرض القدس، ويافا بالسيف، وأرسوف بالأمان، وقيسارية

стр. 571

بالسيف، وحيفا وصرفند (١) بأرض بيروت، وصيدا على البحر، وقلعة أبي الحسن بأرض صيدا في جبل جليل، وبيروت على البحر، وجبيل ومجدل يافا بأرض الرملة، ومجدل حباب (٢) والداروم وغزة وعسقلان بالأمان، وتل الصافية والبرج الأحمر بساحل الرملة بالسيف، وحصن النطرون غربي القدس بالأمان، وبيت جبريل بأرض الخليل بالتسليم، وجبل خليل بالأمان، وبيت اللحم - مولد المسيح ﵇ واللد بأرض الرملة بالسيف، والرملة بالسيف، وقلعة السلع والوعيرة وقلعة الجمع وقلعة الطفيلة وقلعة الهرمز جميع ذلك في وادي موسى ﵇، وقلعة الكرك بعد حصار سنة ونصف، وقلعة الشوبك بالأمان، وقلعة صفد بعد حصار مدة، وحصن بازور غربي الرملة بالتسليم، وقلعة هونين غربي بانياس بالأمان، وحصن كوكب قبلي طبرية بالتسليم، وحصن عَفري شمالي القدس بالأمان، وحصن العازرية شرقي القدس بالتسليم، وحصن قرية أيَا بأرض عسقلان بالأمان، قلعة الجيب الفوقاني بالأمان، وحصن الجيب التحتاني شمالي القدس بالأمان. حصن قلنسوة شمالي لد بغير قتال، وحصن القانون بغير قتال، وحصن القيمون شرقي حيفا بالسيف، وحصن يُبني قريب الرملة بالأمان، وحصن يازور غربي الرملة بالتسليم، وقلعة الفُولة قبلي الناصرية بالتسليم، وشقيف أرنون بالأمان، وحصن بلدة وحصن بلنياس - بين جبلة والمرقب - وحصن صهيون وربضة بالسيف، وقلعة بلاطنس من عمل صهيون وحصن الجُماهرية شمالي صهيون وقلعة فيدُو غربي جبل البرزين وقلعة بكاس وقلعة الشعر من أنطاكية وبك إسرائيل وقلعة السودانية وقلعة البرزين ودرسباك وبغراس (٣) وحصن الدامور (٤) وأنطرسوس وجبلة واللاذقية بالسيف، وقلعة برزية (٥) والبيت المقدس وغير ذلك من القرى والمعاقل التي لم تذكر (٦).

стр. 572

وفي المرآة: ويقال: إنه فتح ستين حصناً وزاد على نور الدين مصر والحجاز والمغرب واليمن والقدس والساحل وبلاد الفرنج وديار بكر، ولو عاش لفتح الدنيا شرقا وغرباً وبعداً وقرباً، وإن كان مبدأ فتوحاته (١) بمصر بهمة نور الدين وأمواله وعساكره ورجاله وبينهما مقاربة في السيرة والعدل والأيام واجتناب الآثام، وكلاهما لم يبلغ ستين سنة والله أعلم (٢). الحادي عشر في مرضه: استهلت هذه السنة وهو في غاية الصحة والسلامة، وخرج هو وأخوه الملك العادل أبو بكر إلى الصيد في شرقي دمشق، وقد اتفق الحال بينه وبين أخيه أنه بعد ما يفرغ من أمر الفرنج هذه المرة [١٦٩] يسير هو إلى بلاد الروم ويبعث أخاه العادل إلى خلاط، فإذا فرغا من شأنهما سارا جميعاً إلى بلاد أذربيجان وبلاد العجم، ولما قدم الحجيج من الحجاز الشريف يوم الاثنين حادي عشر صفر خرج لتلقيهم وقدم معهم ولد أخيه سيف الإسلام صاحب اليمن، فأكرمه واحترمه وعاد إلى القلعة فدخلها من باب الجديد، فكان ذلك آخر ما ركب في هذه الدنيا، وذلك أنه اعتراه حمى صفراوية ليلة السبت السادس عشر من صفر، فلما أصبح دخل عليه القاضي الفاضل وابن شداد وابنه الأفضل فأخذ يشكو إليهم قلقه البارحة وأطال الحديث وطال مجلسهم عنده، ثم تزايد به المرض واستمر، وقصده الأطباء في اليوم الرابع، فاعتراه يبس وحصل له عرق شديد بحيث نفذ إلى الأرض، فقوى اليبس أيضًا، فأحضر الأمراء والأكابر والرؤساء فبويع لولده الأفضل نور الدين على نائباً على ملك دمشق، وكان الذين يدخلون عليه في هذه الحال القاضي الفاضل وابن شداد وقاضي البلد ابن الزكي، وتفاقم به الحال ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر، واستدعى الشيخ أبو جعفر إمام الكلاسه (٣) ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقنه الشهادة إذا جدَّ به الأمر، فذكر أنه كان يقرأ عنده وهو في الغمرات فقرأ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (٤) فقال: هو كذلك صحيح فلما أُذِن للصبح جاء

стр. 573

القاضي الفاضل فدخل عليه وهو بآخر رمق، فلما قرأ القارئ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ " (١) تبسم وتهلل وجهه وتوفي إلى رحمة الله تعالى (٢). وقال العماد (٣): جلس السلطان ليلة السبت السادس عشر من صفر في مجلس عادته ومحلي سعادته، ونحن عنده في أتم اغتباط وأتم نشاط حتى مضى من الليل ثلثه وهو يحدثنا ونحن نحدثه ثم صلي به وبنا إمامه، وحان قيامه وانفصلنا بإحسانه مغتبطين وبامتنانه مرتبطين، وأصبحنا يوم السبت وجلسنا في الإيوان ننتظر خروجه لوضع الخوان، فخرج بعض الخدام وأمر الملك الأفضل أن يجلس موضعه على الطعام، فجاء وتربع في دسته وجلس بسِمته وسمَتْه، وتطيرنا بتلك الحال [وتفلنا (٤)] بذلك الفال، ودخلنا إليه ليلة الأحد للعيادة ومرضه في الزيادة، وتوفي إلى رحمة الله تعالى (٥). وقال النويري (٦): خرج السلطان إلى شرقي دمشق متصيداً، فغاب خمسة عشر يوماً وصحبته أخوه الملك العادل، ثم عاد إلى دمشق وودعه أخوه العادل وداعاً لالقاء بعده، ومضى إلى الكرك وأقام السلطان بدمشق، ثم ركب يوم الجمعة خامس عشر صفر ولقي الحجاج وبكى كيف فاته الحج معهم، ثم عاد إلى القلعة فلحقه تلك الليلة كسل عظيم وغشيته حمى وأخذ المرض في التزايد، ثم حدثت به رعشة وغاب ذهنه واشتد الإرجاف بموته، وحزن أهل دمشق حزناً عظيماً لذلك. وقال القاضي بهاء الدين (٧): لما كان يوم الأربعاء ثالث عشر صفر طلبني فحضرت عنده، فسألني عمن في الإيوان، فقلت: الملك الأفضل جالس في الخدمة والأمراء والناس في خدمته، فاعتذر إليهم على لسان جمال الدولة إقبال. ولما كانت بكرة يوم الخميس استحضرني فحضرت عنده، [١٧٠] وهو في صفة البستان وعنده أولاده الصغار، وقال لي: أكلت شيئًا اليوم؟ وكانت عادته المباسطة، ثم قال: أحضروا لنا ما تيسر.

стр. 574

فأحضروا رزاً بلبن وما يشبه ذلك، فأكل، وكنت أظن أن ما عنده شهوة؛ لأن بدنه كان ممتلئاً، فلما فرغنا قال: ما الذي عندك من خبر الحاج، فقلت: قد اجتمعت بجماعة منهم في الطريق ولولا كثرة الوحل تدخلوا اليوم ولكنهم في غد يدخلون. فقال: نخرج إن شاء الله إلى لقائهم. فقمت من عنده ولم أجد عنده من النشاط ما أعرفه منه، ثم بكر يوم الجمعة فركب للقاء الحاج وكان فيهم [سابق الدين، وقرالا الياروقي] (١)، وكان كثير الاحترام للمشايخ، ثم لحقه ولده الملك الأفضل، ثم رد إلى القلعة وكان آخر ركوبه ﵀. ولما كانت ليلة السبت وجد كسلاً عظيماً، فما نصّف الليل حتى غشيته حمى صفراوية، وأصبح في يوم السبت السادس عشر من صفر وعليه أثر الحمى ولم يظهر ذلك للناس، فدخلت أنا والقاضي الفاضل وولده الأفضل عنده وطال الحديث بيننا وأخذ يشكو من قلقه بالليل، وطاب له الحديث إلى قريب الظهر ثم انصرفنا والقلوب عنده. ومدَّ الطعام في الإيوان وجلس الأفضل في موضعه، وبكى في ذلك اليوم جماعة لما رأوا موضعه خالياً وولده فيه، ثم أخذه مرضه يتزايد ونحن نلازم التردد في طرفي النهار، وأدخل أنا والقاضي الفاضل في النهار مراراً وكان طبيبه الذي ألف مزاجه به غائباً، وحضرت الأطباء فقصدوه فاشتد مرضه وقلت رطوبات بدنه، ولم يزل المرض يتزايد فاشتد في السادس والسابع والثامن، ولما كان التاسع حدثت به رعشة وامتنع من تناول المشروب واشتد الرجيف في البلد وخاف الناس ونقلوا الأقمشة من الأسواق وغشى الناس من الكآبة والحزن ما لا يوصف، ولما كان العاشر من مرضه حقن دفعتين وتناول من ماء الشعير مقدارا صالحاً، وفرح الناس فرحاً شديداً وأقمنا على العادة نتردد، ثم أصبحنا في الحادي عشر من مرضه وهو يوم الثلاثاء السادس والعشرين من صفر حضرنا الباب وسألنا عن حاله، فأخبر جمال الدولة إقبال أنه عرق حتى نفذ عرقه إلى الفرش ثم إلى الحصر ثم إلى الأرض، وإن اليبس قد تزايد عظيماً وضعفت قوته، ولما رأى ولده الأفضل ما حل به وتحقق اليأس منه شرع في تحليف الناس، فجلس في دار رضوان (٢) المعروفة بسكنه، واستحضر القضاة فعملوا نسخة يمين مختصرة تتضمن الحلف

стр. 575

للسلطان مدة حياته، ثم للأفضل بعد وفاته، فأول من استحضر للحلف سعد الدين مسعود الشحنة أخو بدر الدين مودود، ثم ناصر الدين صاحب صهيون، فحلف وزاد أن الحصن الذي في يده له، ثم سابق الدين [١٧١] [عثمان بن الداية] (١) صاحب شيزر فحلف ولم يذكر الطلاق واعتذر بأنه قط ما حلف به، ثم خُشْتَرِين الهكاري (٢)، ثم نوشروان الزرزاري، واشترط أن يكون له خبز يُرضيه، ثم حلف علكان ومنكلان، ثم مد الخوان فأكلوا. ولما كان العصر أعيد مجلس التحليف، فأُحضر ميمون القصري وشمس الدين سنقر الكبير، وقالا: نحن نحلف بشرط أن لا نسل سيفاً في وجه أحد من أخوتك، وحضر سامة وقال: ليس لي خبز فعلى أي شيء أحلف؟! فروجع فحلف بشرط أن يُعطى خبزاً يُرضيه، وحضر سنقر المشطوب، والبكي الفارس، وأيبك الأفطس ولم يحلف بالطلاق، وحضر أخو [الأميرً] (٣) سياروخ وحلف واشترط رضاه، وحضر حسام الدين بشارة وحلف وكان مقدماً على هؤلاء، ولم يحضر أحد من الأمراء المصريين (٤). ونسخة اليمين: "إنني من وقتي هذا قد أصفيت نيتي وأخلصت طويتي للملك الناصر مدة حياته، وإني لا أزال بازلاً جهدي في الذب عن دولته بنفسي ومالي وسيفي ورجالي، ممتثلاً أمره وأقف عند مراضيه، ثم من بعده لولده الملك الأفضل على، ووالله إنني في طاعته، وأذب عن دولته وبلاده بنفسي ومالي وسيفى ورجالى، وأمتثل أمره ونهيه وباطني وظاهري في ذلك سواء، والله على ما أقول وكيل". ثم لما كانت ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر وهي ليلة الثاني عشر من مرضه اشتد مرضه وحال بيننا وبينه النساء، واستحضرت أنا والقاضي الفاضل وابن الزكي في تلك الليلة، وعرض علينا الملك الأفضل أن نبيت عنده، فلم ير الفاضل ذلك وقال: المصلحة نزولنا واستحضار الشيخ أبي جعفر إمام الكلاسة، فإنه رجل صالح يبيت بالقلعة حتى إذا استحضر السلطان بالليل يحضر عنده، ونحول بينه وبين النساء ويذكره بالشهادة، ففعلوا ذلك، وكان ذهن السلطان غائباً من ليلة التاسع لا يكاد يفيق إلا في

стр. 576

الأحيان، وبات في تلك الليلة على الانتقال، والشيخ أبو جعفر عنده يقرأ القرآن ويذكره بالله إلى أن توفي ﵀ (١). الثاني عشر في تاريخ وفاته: قال القاضي بهاء الدين: كانت وفاته بعد صلاة الصبح في يوم الأربعاء السابع والعشرين من صفر من سنة تسع وثمانين وخمسمائة (٢). وفي تاريخ بيبرس وقيل: توفي في الخامس والعشرين من صفر. وفي المرآة: وكانت وفاته يوم الأربعاء بعد صلاة الفجر السابع والعشرين من صفر (٣). وفي تاريخ ابن العميد: وكانت وفاته بكرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من صفر. وكلام الكل قريب بعضه من بعض. وفي المرآه: وغسله الخطيب الدولعي (٤)، وصلى عليه القاضي محيي الدين بن الزكي، وبعث له القاضي الفاضل الأكفان والحنوط من أجل الجهات، ودفن بدار البستان موضع جلوسه في قلعة دمشق (٥). وقال ابن خلكان (٦): كان يوم موته يوماً لم يصب الإسلام والمسلمين مثله منذ فقد الخلفاء الراشدون، وغسله الدولعي وهو ضياء الدين [١٧٢] أبو القاسم عبد الملك بن زيد بن ياسين بن زيد بن قائد بن جميل التعلبي الأرقمي الدولعي الشافعي خطيب جامع دمشق، توفي في ثاني عشر ربيع الأول من سنة ثماني وتسعين وخمسمائة، ودفن بمقابر الشهداء بباب الصغير. قال: ثم أخرج تابوت السلطان بعد صلاة الظهر مسجى بثوب [فوط (٧)]، فارتفعت الأصوات عند مشاهدته، وعظم الضجيج وأخذ الناس في البكاء والعويل وصلوا عليه أرسالا، ثم أعيد إلى الدار التي في البستان وهي التي كان متمرضاً بها، ودفن في الصُفه الغربية منها، وكان نزوله في حضرته قريبة من صلاة العصر.

стр. 577

ثم انقضت تلك السنون وأهلها … فكأنها وكأنهم أحلام (١). ثم إنه بقي مدفوناً بقلعة دمشق إلى أن بنيت له قبة في شمالي الكلاسة، التي هي شمالي جامع دمشق، ولها بابان أحدهما إلى الكلاسة والأخرى من زقاق غير نافذ، وهو مجاور (٢) المدرسة العزيزية. وقال ابن خلكان ﵀: ولقد دخلت إلى هذه القبة من الباب الذي في الكلاسة، وقرأت عنده وترحمت عليه، وأحضر لي قيم القبة ومتولي أمرها بقجة فيها ملبوس بدنه، وكان في جملته، قباء أصفر قصير، ورأس كُميه بأسود فتبركت به (٣). وقال ابن القادسي: ودفن معه سيفه. وقال القاضي الفاضل: هذا يتوكأ عليه في الجنة. وقال السبط في المرآة: هذا وهم من ابن القادسي لأن سيفه بعث به ولده الأفضل إلى بغداد (٤). الثالث عشر: في مدة سلطنته ومدة عمره: وكان عمره قريباً من سبع وخمسين سنة، وقد ذكرنا أن مولده كان في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. وفي تاريخ ابن العميد: وكان عمره ستاً وخمسين سنة وشهوراً وكانت مدة مملكته للديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة، وللشام قريبة من تسع عشرة سنة. قال ابن كثير (٥): وفي تاريخ ابن العميد وكانت مملكته اثنتين وعشرين سنة وسبعة وأربعين يوماً، أولها يوم الاثنين وآخرها يوم الأربعاء لتتمة خمسمائة وثمان وثمانين سنة وسبعة وخمسين يوماً للهجرة، ولتمام ستة آلاف سنة وستمائة سنة وأربع وثمانين سنة وستة أشهر وسبعة أيام للعالم شمسية. الرابع عشر: فيما جرى يوم وفاته: قال ابن كثير: وجلس الملك الأفضل للعزاء في القلعة، وأرسل الكتب بوفاة والده إلى أخيه الملك العزيز عثمان بمصر، وإلى الملك الظاهر غازي بحلب، وإلى عمه الملك العادل بالكرك، وقد ذكرنا أنه كان سافر إلى الكرك قبل موت أخيه السلطان لينظر في

стр. 578

أمرها (١). وقال المؤيد في تاريخه: ولما نقل الأفضل والده السلطان من القلعة حين بني له تربة مشي بين يدي تابوته، وأخرج من باب القلعة على دار الحديث إلى باب البريد وأدخل الجامع، ووضع قدام النسر وصلي عليه القاضي محيي الدين ابن القاضي زكي الدين، ثم دفن. وجلس أبنه للعزاء ثلاثة أيام في الجامع، وأنفقت ست الشام بنت أيوب (٢) في هذه النوبة أموالا عظيمة (٣). في المرآة (٤): وكتب الفاضل إلى الظاهر وهو بحلب كتاب التعزية يقول فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٥) الآية، أحسن الله عزاه في مصابه وجعل الخلف فيه لمماليك المرحوم وأصحابه، كتبت والدموع [١٧٣] قد حضرت النواظر والقلوب قد بلغت الحناجر، وإني ودعت أباك مخدومي وداعاً لا نلتقى بعده، وأسلمته إلى الله طالباً فضله ورفده، ولم تدفع عنه جنوده المجندة القضاء، ولا ردت عنه الأسلحة والخزائن البلاء، فالعين تدمع والقلب يخشع ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا يوسف المحزونون". وفي آخر الكتاب "فإن اتفقتم ما عدمتم إلا شخصه الكريم، وإن اختلفتم فالمصائب المستقبله هولها عظيم". وقال السبط في المرآة: وقد فات الفاضل شيئان أحدهما عند قوله: ودعته وداعاً لا نلتقي بعده، وكان الأولى أن يقول: إلا في جنات النعيم. والثاني عند قوله: هولها عظيم، كان ينبغي أن يقول: ذلك تقدير العزيز العليم. وفي المرآة: وكان أخوه العادل - لما توفي السلطان - بالكرك فقدم دمشق معزياً للأفضل، فأقام أيامًا ثم رحل إلى الجزيرة إلى البلاد التي أعطاها إياه السلطان، وهي حران والرها وسميساط والرقة وقلعة جعبر وميافارقين وديار بكر، وكان له بالشام الكرك والشوبك، وبعث الأفضل القاضي ضياء الدين الشهرزوري رسولاً إلى الخليفة ومعه زردية السلطان وسيفه وحصانه وكذا غنده ودبوسه وتحفاً كثيرة، وعاب الناس عليه حيث بعث بعدة السلطان إلى بغداد، وكتب كتاباً فمنه:

стр. 579

"أصدر خدمته هذه وصدره معمور بالولاء، وقلبه مغمور بالصفاء. وذكر كلاماً طويلاً. وأما العادل فإن المشارقة ثاروا عليه واستشاروا عز الدين صاحب الموصل، وأستشار هو أصحابه، فأشار عليه المجد ابن الأثير بالخروج، وأشار عليه مجاهد الدين قايماز بالمقام لتظهر حقائق الأمور، وتراسل جيرانه ابن زين الدين صاحب إربل، وسنجر شاه صاحب الجزيرة، وعماد الدين صاحب سنجار، وخرج عز الدين من الموصل واجتمعا على حران، فاستنجد العادل بأولاد أخيه، فجاءته عساكر الشام ومصر، ومرض عز الدين على نصيبين بالإسهال وترك العساكر مع أخيه عماد الدين، ورجع إلى الموصل جريدة فمات بها على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. ثم إن الملك العزيز قدم إلى الشام وقدمت معه العساكر على الأفضل، وبعث إليه العادل: ارحل إلى مرج صفر، فرحل وهو مريض، وكان قصد العادل أن يبعده عن البلد ليصل العساكر، فوصل الظاهر من حلب والمنصور من حماة وشيركوه من حمص والأمجد من بعلبك في نجدة، فقال العادل: إنه يرجع إلى مصر ويقع الاتفاق وتعود الأمور إلى ما كانت عليه. واشتد مرض العزيز ولولا مرضه لما صالح. فأرسل العزيز كبراء دولته فخر الدين سركس وغيره فحلف الملوك، وطلب مصاهرة العادل فزوجه ابنته خاتون، ورجع كل واحد إلى بلده وذلك في شعبان (١)، وتمام هذا يأتي في السنة الآتية إن شاء الله تعالى. وقال العماد الكاتب: ولما انفصلت العساكر عن دمشق شرع الأفضل في اللهو واللعب، واحتجب عن الرعية وانقطع إلى لذاته، وفوض الأمر إلى وزيره الجزري (٢) وحاجبه الجمال محاسن بن العجمي، [١٧٤] فأفسدا عليه الأحوال، وكانا سبباً لزوال دولته واستبدلا بكبراء الأمراء والأجناد أراذل الناس ففسدت أمور العباد (٣). الخامس عشر: في من خلفه من الأولاد: قال العماد الكاتب (٤): خلف السلطان سبعة عشر ولداً ذكراً وابنة صغيرة. الأول: الملك الأفضل نور الدين على، وهو أكبرهم، ولد بمصر سنة خمس وستين وخمسمائة

стр. 580

ليلة عيد الفطر. الثاني: الملك العزيز عماد الدين عثمان أبو الفتح، ولد بمصر أيضًا في جمادى الأولى سنة سبع وستين. الثالث: الملك الظافر أبو العباس مظفر الدين خضر، ولد بمصر في شعبان سنة ثمان وستين وهو شقيق الأفضل (١). وقال ابن خلكان: وكنيته أبو الدوام وأبو العباس الخضر، ويقال له المشمر لأن أباه لما قسم البلاد بين أولاده الكبار قال: وأنا مشمر. فغلب عليه هذا اللقب، وكان مولده في القاهرة في خامس شعبان سنة ثمان وستين وخمسمائة، وتوفي في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وستمائة بحران عند ابن عمه الملك الأشرف ابن الملك العادل (٢). الرابع: الملك الظاهر أبو منصور غياث الدين غازي، ولد بمصر في نصف رمضان سنة ثمان وستين. الخامس: الملك المعز فتح الدين أبو يعقوب إسحق (٣)، ولد بدمشق (٤) في ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة. السادس: الملك المؤيد نجم الدين أبو الفتح مسعود، ولد بدمشق سنة إحدى وسبعين وهو شقيق العزيز (٥). السابع: الملك الأعز شرف الدين أبو يوسف يعقوب، ولد بمصر سنة ثنتين وسبعين وهو شقيق العزيز أيضًا. الثامن: الملك الزاهر مجير الدين أبو سليمان داود، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين وهو شقيق الظاهر التاسع: الملك المفضل قطب الدين موسى ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين، وهو شقيق الأفضل. العاشر: الملك الأشرف أبو عبد الله عز الدين محمد (٦) ولد بالشام سنة خمس وسبعين. الحادي عشر: الملك المحسن ظهير الدين أبو العباس أحمد، ولد بمصر في ربيع الأول سنة سبع وسبعين وهو شقيق الأشرف المذكور. الثاني عشر: الملك المعظم فخر الدين أبو منصور توران شاه، ولد بمصر في ربيع الأول سنة

стр. 581

سبع وسبعين، وتأخرت وفاته إلى سنة ثمان وخمسين وستمائه، وهي السنة التي أخرب العدو - من التتار - مدينة حلب وغيرها. الثالث عشر: الملك الجواد ركن الدين أبو سعيد أيوب، ولد في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وهو شقيق المعز. الرابع عشر: الملك الغالب نصر الدين أبو الفتح ملكشاه، ولد في رجب سنة ثمان وسبعين، وهو شقيق المعظم. الخامس عشر: الملك المنصور أبو بكر أخو المعظم الأبويه، ولد بحران بعد وفاة السلطان. السادس عشر: عماد الدين شادي، لأم ولد. السابع عشر: نصرة الدين مروان، لأم ولد أيضًا. وأما البنت فهي مؤنسة خاتون، تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب (١) وللسلطان غير هؤلاء الأولاد ممن درج في حيوته، كالملك المنصور حسن والأمير أحمد وهو الذي رثاه العرقلة بقوله: [١٧٥] أيُّ هلال كُسفا … رأى غصن قصفا كان سراجاً قد طغى … على الورى ثم انطفى لم يركب الخيلّ ولم … يُقلّدوه مرهفا قل للنحاة ويحكم … أحمد لم قد صُرفا صبراً صلاح الدين … يارب السماح والوفا السادس عشر: فيما استقر عليه الحال بعد وفاة السلطان: لما توفي السلطان ﵀ استقر في الملك بدمشق وبلادها المنسوبة إليها ولده الملك (٢) الأفضل نور الدين على، وبالديار المصرية الملك العزيز عثمان، وبحلب وبلادها الملك الظاهر غازي، وبالكرك والشوبك والبلاد الشرقية الفراتية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب أخو السلطان، وبحماه وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر، وببعلبك الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، وبحمص والرحبة وتدمر شيركوه بن محمد بن شيركوه بن شاذي، وبيد الملك خضر بن السلطان صلاح

стр. 582

الدين بصرى، وهو في خدمة أخيه الملك الأفضل، وبيد جماعة من أمراء الدولة بلادٌ وحصون، منهم: سابق الدين عثمان بن الداية بيده شيزر وأبو قبيس، وناصر الدين من كورس بن خمارتكين بيده صهيون وحصن برزية، وبدر الدين دلدورم بن بهاء الدين ياروق بيده تل باشر، وعز الدين أسامه بيده كوكب وعجلون، وعز الدين إبراهيم بن شمس الدين المقدم بيده بعرين وكفر طاب وأفامية، والملك الأفضل هو الأكبر من أولاد السلطان والمعهود إليه بالسلطنة، واستوزر الملك الأفضل ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير مصنف المثل السائر، وهو أخو عز الدين بن الأثير مؤلف التاريخ المسمى بالكامل، فحسن للملك الأفضل طرد أمراء أبيه ففارقوه إلى أخويه العزيز والظاهر، ولما اجتمعت الأمراء بمصر حسنوا للملك العزيز الانفراد بالسلطنة، ووقعوا في أخيه الأفضل فمال إلى ذلك وحصلت الوحشة بين الأخوين الأفضل والعزيز، وكان اليمن بمعاقله ومخاليفه جميعها في قبضة السلطان ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخي السلطان صلاح الدين، ثم بعد ذلك شرعت الأمور تضطرب وتختلف وتفاقمت الأحوال حتى آل الأمر إلى ما إليه آل، واستقرت الممالك واجتمعت المحافل على أخي السلطان صلاح الدين وهو الملك العادل، وصارت الممالك في أولاده الأماجد الأفاضل كما سنوضحه إن شاء الله تعالى (١). السابع عشر: في مراثي السلطان صلاح الدين وقد عمل فيه الشعراء المراثي الكثيرة من أحسنها ما عمل فيه العماد الكاتب في آخر الكتاب البرق الشامي، وهي مائتان وثلاثون بيتاً وقد سردها الشيخ شهاب الدين في الروضتين فمنها قوله في أولها: [١٧٦] شملُ الهدى والمُلْكِ عمَّ شتاتُه … والدهُر ساء وأقلعَت حسناته أين الذي كانت له طاعاتنا (٢) … مبذولة، ولربه طاعاته بالله أين الناصرُ الملكُ الذي … لله خالصةً صفت نياتُه

стр. 583

أين الذي مازال سلطاناً لنا … يرجي نداه وتُتَقَى سَطواتُه أغلال أعناق العذا (١) أسيافه … أطواق أجياد الورى منَّاتهُ لم يُجد تدبير الطبيب وكم وكم … أخذت (٢) لطب الدهر تدبيراته من في الجهاد صفاحه ما أغمدت … بالنصر حتى أغمدت صفحاته من في صدور الكفر صدر قناته … حتى توارت بالصفيح (٣) قناته منصورة غدواته محمودة … روحاته ميمونه صحواته لا تحسبوه مات شخصاً واحدا … فممات كل العالمين مماته ملك عن الإسلام كان محامياً … أبداً لماذا (٤) أسلمته حُماته قد أظلمت مذ غاب عنَّا (٥) دُورُه … لما خلت من بدره داراته دُفن السماح فليس تُنْشَرُ (٦) بعدما … أودى إلى يوم النشور رفاته ما كنت أعلم أن طوداً شامخا … يهوى ولا تهوى بنا مهواته ما كنت أعلم أن بحراً طامياً فينا … يُطم وتنتهي زخراته الدين بعد أبي المظفر يوسف … أقوت قراه وأقفرت ساحاته من لليتامى والأرامل راحم … متعطف مفضوضه صدقاته لو كان في عصر النبي لأنزلت … من ذكره في ذكره آياته بكت الصواهل والصوارم إذ خلت … من سلها وركوبها عزماته (٧) يا وحشة الإسلام حين (٨) تمكنت … من كل قلب مؤمن روعاته ما كان أسرع عصره لما انقضى … فكأنما سنواته ساعاته يا راعيًا للدين حين تمكنت … منه الذئاب وأسلمته رعاته

стр. 584

ما كان ضرك لو أقمت مراعيا … ديناً تولى مذ رحلت ولاته فارقت ملكا غير باق متعبا … ووصلت ملكاً باقياً راحاته فعلى صلاح الدين يوسف دايما … رضوان رب العرش بل صلواته [١٧٧] (١) ورثاه الأمير مجد الملك جعفر بن شمس (٢) الخلافة بمرثية. أولها قوله: هو الدهر فاعلم ما على الدهر من عَتْب … يشوب الرضى بالسخط والسلم بالحرب يغص ولم يُشبع بأطيب مطعم ويشرق … قبل الرِيّ بالبارد العذب وإن هو أعطى أو كسي متكلف … فلابد من أخذ ولا بد من سلب فلا تأمنن الموت شيخاً ويافعاً … فللموت مَنْ رَبَّي وللموت مَنْ رُبّيِ بكيت من الأيام لو نفع البكاء … وعاتبتُ دهري لو غدا مجدياً عتبى فيأمرني بالصبر والصبرُ معوذ … إليك فما سمعي إلى ولا قلبي ألست تري كيف انبرى الخطب ثائراً … ومد يداً منه إلى دافع الخطب إلى الناصر الملك الذي ملئت به … قلوب البرايا من رجاء ومن رعب كريم أتاه الموت ضيفاً فلم يكن … لينزله إلا على السهل والرحب ولو خاب منه قبل ذلك سائل … لخاب وليس البخل من شيم السُحب قضى فما انقضى المعروف وانقرض الندى … وحُطت رحال الوفد في الشرق والغرب فلم يخل قلب من هموم ومن أسي … ولم يخل طرف من سهاد ومن سكب أفاض على الدنيا سجال نواله … ففاضت (٣) عليه أعين العجم والعرب ولو أنه يُبكَى على قدر حقه … لسالت (٤) دموع المزن من أعين الشهب وأصبح للبيت المقدس منقذاً … بأصلب عزم من مقارنة الصلب وإن هو أوصى للعزيز بملكه … فمن ماجد نَدبٌ إلى ما جد ندبِ

стр. 585

وقال ابن الساعاتي (١) يرثيه ويمدح العزيز عماد الدين عثمان ولده منها هو قوله: لإن كان ليل الحرب عرى غياهبهُ … فقد بان عن بدر السماء كواكبهُ وإن كان ليث الغاب خلَّى عينه … وغاب فهذا شبله وكتايبهُ وإن فارق الغِمدُ المحلَّى حسامه … فهذا حسام لا تقل مضاربه وإن أقفر الفسطاط منه … فإنه منازله مأهولة وملاعبه أقام عماد الدين رفع بنائه … فما ظل مسعاه ولا ذلَّ جانبه [١٧٨] يرد العيون الشرس عنه كليلة … من الحق نور ليس يعدوه لازبه كأن شعاع الشمس يلقاك دونه … ولم نر ملكاً حاجب الشمس حاجبه ومن كان في المسعى أبوه دليله … تدانت له أسبابه وسباسبه هو البحر حدث عنه غير مكذِّبٍ … فما تنقضي آياته وعجائبه الثامن عشر: في مدائحه وقد مدحه جماعة من الشعراء منهم ابن قُلاطس (٢) وابن الذروي (٣) وابن المنجم (٤) وابن سنا الملك (٥) وابن الساعاتي والبحراني الإربلي (٦) وابن دهن الحصى الموصلي (٧)

стр. 586

ومحمد بن إسماعيل بن حمدان [الحَيْزاني] (١) وغيرهم، ومدحه العماد الكاتب في غالب أحواله من غزواته وفتوحاته وغير ذلك. ومدحه في فتح القدس بقصيدة هائلة ذكرناها في موضعه، ومدحه القاضي رشيد الدين بن النابلسي بقصيدة أنشده إياها بمرج عكا أولها: حدق الغانيات في القلب أنكى … من شِغار الظُبَى وأَعظمُ فتكا ومنها: ويك يا قلب إن هفا بك وجد … فهو أمضى حكماً وأعظم مملكاً أو تبدلتَ بالوصال حدوداً … طالما أضحك الزمان وأبكى وعسى في لقائك الملك الناصر … رَوْحُ يُفَرّج الهَمَّ عَنْكا أشرف العالمين حَضَراً وبدواً … وأبر الأنام عُجْماً وتُرْكاً خَيرُ مَن طبَّقَ البَريّة مُلْكاً … واستَرَق الأحرارَ بالجود ملكاً ناصر الحق فهو ينقض ما … تبرم أيدي عِدَاه شَزْراً وحَبْكا ذو السطا ترعب الأسود … تحامت والنَدا يُخجل العِهاد أرَكا من صلاح الأنام والدين والدنيا … بقاه فطال عُمراً ومُلْكا أيها الناصر الذي خذل الشرك … فما يستفيقُ بؤساً وخنكا والذي مده الإله بقدس … نهكت قوة الضلالة نهكا ما تراه العَضُب (٢) المهند حداً … أنت أمضي شبا وأسرع بتكا ما عساه الطود الأشم ثباتاً … أنت أسمى هضباً وأمتن سمكا قد قتلت الزمان يا مَلْكَ خبرا … وعركت الأيام بالرأي عركا وأنارت لك السُعودُ فلو رُمْت … اعتلاقا بنجمها لم يفتكا ليس ينفك عن رضى الله إن زحزح … ملك عنه العرى وانفكا [١٧٩] طاب فيك الثناء والناس لاشك … دماء من بينها كنت مِسْكا يا مميت الأمحال (٣) يا محيي الآ … مال يا أطهر ابن أنثى وأزكا

стр. 587

ما لجيش الضلال في بحر هُلكْ … لا يحيلون للنجا منه فُلْكا صاح فيهم داعي البوار … فللأعين أقذى وللمسامع سَكّا (١) فتراهم من التضاؤل كالوهم … وكانوا تلْع (٢) المناكب تُمكا (٣) بعيون بيض يرون بها الأيام … مسودة اللون حلكا بهم يا همام قد ضاقت الأرض … فأوسعهم بوارا وهلكا أيقنوا بالبلاء منك وقد … كان يقين الأوغاد من قبل سكا وعدتهم بل أوعدتهم نفوس … كان ميعادها غرورا وأفكا ولبيض الهند الرقاق وسمر الخط … أتت رؤسهم دون عكا فقتيل معفر ليس يودي … وأسير مكبل لن يُفكا أنجاة وقد طرحت عليهم … كلكلاً يهدم الجبال وبركا وتوخيتهم ببيض ظباة كلها … يهتك الصرائر هتكا ظللتهم سماء جيشك تظليلاً … فدكت عليهم الأرض دكاً وقال أيضًا يمدحه ويهنيه بما أوتي من الفتوح: هذا الذي كانت الآمال تنتظر … فَلْيْوفِ للهِ أَقْوام بما نَذرُوا هذا الفتوح الذي جاء الزمان به … إليك من هفوات الدهر يعتذر تَجِلّ عَلياه عن مدح يحيط به … وصَفاً وإن نظم المداح أو نثروا يا نعمة كبرت عند الأنام له قدرا … ففي كل شكر عندها صغر لا تروين لفتوح بعدها قصصا … وإن تعاظم منه الخُبْرُ والخَبَرُ ومنها: يوضح الدهر عن يوم أَغرَّبه … تزهى وتفتخر الآصال والبكر يوم تعالى مجلاً واستنار سنا … فدون مرتبته الأنجم الزُهُر

стр. 588

يوم به التأم الكفار في عدد … جم ولكن لكسر ليس ينجبر [١٨٠] فالروع متصل والصبر منفصل … والنفع مرتفع والنصر منحدر جاؤا كما أقبل الطود الأشم له … من حيث ما سرت فيه مسلك وعر وجئتهم مثل ما انقضّ القضاء فلا … والله لم يغنهم بأس ولا وزر بنَفَس حانٍ على الإسلام … محتمل الآلام لم يثنه خوف ولا خور حسنى إلى الخلق أهداها مَليكهم … نُعمى من الله مرحوماً بها البشر وعصبة من بني أيوب كاشفة … الكروب ساعة وجه النصر مستتر مدوا كما مُدّ فيضُ البحر مُلتطم … الأمواج حتى إذا قابلتهم جزروا لقد فتحت عصاماً من ثغورهم … لولاك ما هُد من أركانها حجر تركت أرضهم من طول ما عمرت … منهم بلاقع لا أنثى ولا ذكر نقضت ما أبرموا أبرمت ما نقضوا … عمرت ما هدموا هدمت ما عمروا الآن قرت جنوب في مضاجعها … ونام من لم يزل حلفاً له السهر الآن طابت إلى البيت المقدس كـ … ـالبيت المحرم إحرام ومعتمر يا بهجة القدس أن أضحى به علم … الإيمان من بَعد طي وهو منتشر يا نور مسجده الأقصى وقد رفعت … بعد الصليب به الآيات والسور يا مالك الأرض مهدها فما أحد … سواك من قائم للهدْى ينتظر أضحى بنو الأصفر الأنكاس موعظة … فيها لأعدائك الآيات والنذر صاروا حديثاً وكانوا قبل حادثة … على الورى يتقيها البدو والحضر هذا الهمامُ صلاح الدين أشرف من … به الممالك والأملاك تفتخر دانت ودامت لك الدنيا فما أحد … في الأرض إلا إلى نعماك مفتقر يا خاطباً جنة الفردوس ممهرها … إجرا الجياد (١) لنعم الصِهْرُ والمَهَرُ ومدحه العلم الشاتاني واسمه الحسن بقصيدته الرائية التي أولها: أرى النصر مقروناً برايتك الصفرا … فسر واملك الدنيا فأنت بها أحرى

стр. 589

قال ابن خلكان: العلم الشاتاني (١) أبو علي الحسن بن سعيد (٢) بن عبد الله بن بندار بن إبراهيم الشاتاني، الملقب علم الدين، كان فقيهاً غلب عليه الشعر وأجاد فيه واشتهر به، ومولده في سنة عشر وخمسمائة، وتوفي في شعبان سنة تسع وتسعين وخمسمائة بالموصل. ونسبته إلى شاتان بالشين المعجمة وبعد الألف تاء مثناه من فوق وبعدها ألف ثم نون [١٨١]، وهي بلد بنواحي ديار بكر. ومدحه المهذب أبو حفص عمر بن محمد بن على بن أبي نصر المعروف بابن الشحنة الموصلي، الشاعر المشهور بقصيدته التي أولها: سلام مشوق قد براه الشوق … على جسيرة الحى الذين تفرقوا وعدد أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتاً وفيها البيتان السائران وإني امرئ أحببتكم لمكارم … سمعت بها والأذن كالعين تعشق وقد أخذه من قول بشار بن برد وهو: يا قوم أذْني لبعض الحىِّ عاشِقةٌ … والأذنُ تعشقُ قبلَ العينِ أحيانا والبيت التالى من قصيدة ابن الشحنة وهو قوله: وقالت لي الآمال إن كُنت لاحقا … بأبناء أيوبَ فأنت الموَفِّقُ التاسع عشر: في قضاته ووزرائه وكُتابه: أما قضاته: كمال الدين بن الشهرزوري (٣)، وشرف الدين بن أبي عصرون (٤)، وولده أبو حامد، ومحيي الدين بن زين الدين (٥)، وهؤلاء كانوا في الشام وحلب. وأما قضاته في مصر فكان القاضي جلال الدين أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن كامل بن عبد الكريم الصُوري،

стр. 590

وكان تولي في ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة، ثم صرف في السادس عشر من جمادى الأولى سنة ست وستين وخمسمائة، وتولى القاضي صدر الدين عبد الملك ابن عيسى بن درباس بن مبشر بن عبدوس الهمذاني الماراني الكُردي الموصلي (١)، وكان قدم من الشرق فولاه السلطان صلاح الدين وكان عنده بمكانة، وصُرف بعد وفاة صلاح الدين، وولي مكانه القاضي زين الدين علي بن يوسف الدمشقي يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة وأما وزيره فكان صفي الدين بن القائد، وأما كاتبه فكان القاضي الفاضل، والعماد الكاتب، وكان الفاضل حاكماً على الجميع وهو المشار إليه بالسيف والقلم، لا يصدر السلطان إلا عن رأيه ولا يمضي في الأمور إلا بمراجعته (٢). وقال ابن خلكان: كان القاضي الفاضل تعلق بالخدم في ثغر الإسكندرية وأقام به مدة (٣)، ثم آل أمره إلى أن وزرَ للسلطان صلاح الدين وترقي منزلته عنده على ما نذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى. العشرون: في ذكر من كان في البلاد من ولاة الأمور في سنة وفاته كان في دمشق الملك الأفضل، وكان في حلب الملك الظاهر، وكان في مصر الملك العزيز، كل هؤلاء أولاد السلطان صلاح الدين، ﵀ (٤). وكان في القدس عز الدين جُرديك النوري، ولما بلغ العزيز وفاة والده صلاح الدين أرسل عشرة آلاف دينار إلى القدس الشريف لينفق في العسكر المقيم به، فخطب له عز الدين جرديك بالقدس، وخشي من نقض الهدنة بينه وبين الإفرنج، فأرسل إلى القدس عسكراً احترازاً من الإفرنج (٥). وكان في الروم ركن الدين سليمان بن عز الدين قليج أرسلان السلجوقي، وكان في الموصل عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر، وكان في أخلاط وماوالاها بكتمر، وكان في مرو وغيرها سلطان شاه. وكان في همذان وغيرها السلطان طغرل شاه

стр. 591

السلجوقي، وكان في غزنة [١٨٢] وما والاها شهاب الدين الغورى، وكان في بلاد سمرقند وغيرها خوارزم شاه، وكان في اليمن سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، وكان في مكة الأمير داود، وكان في بلاد الغرب يعقوب بن عبد المؤمن، ﵏. وهذا آخر ما انتهينا من ترجمة السلطان صلاح الدين، ﵀. ذكر وفاة الأتابك عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود ابن عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل توفي في السابع والعشرين من شعبان من هذه السنة، وكانت مدة ما بين وفاته ووفاة السلطان صلاح الدين نصف سنة، وكانت مدة ملك عز الدين مسعود الموصلي ثلاث عشرة سنة وستة أشهر. وكان دينا خيرا كثير الإحسان، وكان أسمر مليح الوجه خفيف العارضين يشبه جده عماد الدين زنكي. وقال ابن كثير (١): وكان عز الدين مسعود يُشَبَّهُ في السيرة بالملك العادل نور الدين محمود عمه، ودفن بتربته عند مدرسته التي أنشأها بالموصل، واستقر في الملك بعده ولده أرسلان شاه، وكان القائم بأمره مجاهد الدين قايماز. وفي تاريخ بيبرس: ولما بلغه موت السلطان صلاح الدين استشار أرباب دولته فأشاروا عليه بالخروج إلى جهة الشام؛ ليأخذ البلاد إن أطاعه إخوته (٢)، فلما وصل إلى تل موزن (٣) مرض بالإسهال، فأقام أيام فضعف عن الحركة، فخاف الهلاك وترك العساكر مع أخيه عماد الدين صاحب سنجار، ورجع إلى الموصل جريدة، فمات بها في رجب من هذه السنة. وفي المرآة: (٤) وكان قد خرج من الموصل في جمادي؛ لقتال الملك العادل سيف الدين بن أيوب، وكان على حران بعد موت صلاح الدين ثم عاد في السابع والعشرين من

стр. 592

شعبان مريضًا، فمات ودفن بمدرسته التي أنشأها بالموصل مقابل دار السلطنة، وأوصى بالملك لولده الأكبر نور الدين أرسلان شاه، وكان أخوه شرف الدين مودود يروم السلطنة فصرفها عنه أخوه عز الدين إلى ولده نور الدين أرسلان شاه، وقام بالأمور مجاهد الدين قايماز أحسن قيام. وكان عز الدين عادلًا منصفًا محسنًا عاقلًا جوادًا، صبر على حصار صلاح الدين الموصل ثلاث مرات، وحفظ البلاد وفرق الأموال وداري حتي سلم له الملك، وكان قد بنى في داره مسجدًا يخرج إليه في الليل ويصلى فيه أورادًا كانت له، ويلبس فرجية أهداها له الشيخ عمر الصوفي فيصلي فيها (١). ذكر وفاة سيف الدين بكتمر صاحب أخلاط قتل في أول جمادى الأولى من هذه السنة، وكان بين قتله وبين وفاة السلطان صلاح الدين يوسف شهران، ولما بلغ بكتمر موت صلاح الدين أسرف في إظهار الشماتة بموت السلطان، وضرب البشائر ببلاده، وفرح فرحًا عظيمًا، وعمل تختًا فجلس عليه ولقب نفسه السلطان المعظم صلاح الدين، وكان اسمه بكتمر فسمى نفسه عبد العزيز، فلم يمهل الله تعالى عليه، وكان بكتمر هذا من مماليك ظهير الدين شاهرمن وكان له خشداش (٢) اسمه هزار ديناري، وكان قد قوي وتزوج بابنة بكتمر، فطمع في الملك فوضع على بكتمر من قتله، ولما قتل ملك بعده هزار ديناري أخلاط وأعمالها. واسم هزار ديناري المذكور آقسنقر، ولقبه بدر الدين، جلبه تاجر جرجاني -يسمي علي- إلى أخلاط فاشتراه (٣) منه شاهرمن وأعجب به، فجعله ساقيًا له ولقبه هزار ديناري، وبقي على ذلك برهة من الزمان، فلما تولى بكتمر على مملكة أخلاط بقي هزار ديناري من أكبر الأمراء وتزوج بابنة بكتمر عينا خاتون، ولما قتل بكتمر خلف ولدًا فأخذ هزار

стр. 593

ديناري ولد بكتمر وأمه فاعتقلهما بقلعة أزراش بموش (١)، وكان عمر ولد بكتمر إذ ذاك نحو سبع سنين، واستمر بدر الدين أقسنقر هزار ديناري في مملكة أخلاط حتى توفي في سنة أربع وتسعين وخمسمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى (٢). وفي تاريخ بيبرس: ولما بلغ الملك العادل موت بكتمر أرسل إلى الملك الأفضل يطلب نجدة، فأرسل إليه الأفضل أخاه الملك المظفر خضرًا والأمير شهاب الدين أحمد بن المشطوب، فلما ساروا إليه إلى الفرات وعولوا على العبور طلبوا منه نفقة، فأرسل إليهم شيئا، فاستغلوه ورجعوا عنه إلى دمشق بغير دستور، وبقي الظافر في فئة قليلة على جانب الفرات، فتركه العادل وسار ومعه عسكر حلب وتوجه نحو سروج وتسلمها من نواب عماد الدين زنكي، وانتقل إلى الرقة وحاصرها، ولما تسلمها أعطاها للملك الظافر ابن صلاح الدين، ثم نزل على نصيبين وأخذها، فراسله عماد الدين زنكي وبذل له مالًا وصالحه، فدفع له نصيبين والخابور ووعده أنه إذا ملك خلاط يعيد إليه الرقة وسروج، ووصل زين الدين صاحب إربل إلى العادل وسار صحبته إلى خلاط، فلما وصلها وجد عسكرها وأهلها قد اتفقوا مع صاحبهم هزار ديناري صهر بكتمر النوري المتوفي، وهو الذي دس على بكتمر من قتله، فاجتمعوا وقاتلوا الملك العادل وصدوه عنها ولم ينل منها غرضًا، فعاد إلى الرها وأعطى العساكر دستورًا، فتوجه كل منهم إلى مكانه. وفي المرآة: توفي بكتمر بن عبد الله مملوك شاه أرمن بن سكمان صاحب أخلاط، ولما مات شاه أرمن لم يخلف ولدًا فاتفق خواصه على بكتمر، فضبط الأمور وأحسن إلى الرعية وعدل فيهم وصاحب العلماء والصوفية، وكان حسن السيرة متصدقًا دينًا صالحًا وكان لا يمتنع من صوفي، فتقدم إليه واحد فمنعه الجاندارية (٣)، فقال دعوه، فتقدم وبيده قصة، فأخذها منه، فضربه بسكين، فشق جوفه، فمات من ساعته، فأخذوه [وقرروه] (٤)، فقال: نحن من الإسماعيلية وكانوا قد شفعوا إليه في أمر لا يليق، فلم يقبل شفاعتهم فعملوا هذا، فأحرقوه وذلك في جمادى الأولي (٥).

стр. 594

ذكر وفاة سلطان شاه بن ألب أرسلان صاحب خراسان مات في هذه السنة وكان قد ملك مرو وخراسان، ولما مات انفرد أخوه [تَكِش] (١) بالمملكة. وقال المؤيد في تاريخه (٢): وفي سنة تسع وثمانين وخمسمائة توفي سلطان شاه بن ألب أرسلان بن أطسز بن محمد بن أنوش تكين، وتولى بعده أخوه (٣) تكش والله أعلم (٤). ذكر وفاة قيطرمش بن عبد الله المستنجدي شحنة بغداد من أيام المستضيء إلى هذه السنة مات في هذه السنة، وكان شجاعًا مهيبًا وله هيبة عظيمة على المفسدين، وله معهم حكايات، وكانت بغداد في أيامه مثل المهد من الجانبين (٥). وقيطرمش بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفتح الطاء المهملة وسكون الراء وكسر الميم وفي آخره شين معجمة، وهو اسم تركي. ذكر وفاة الأمير داود بن عيسي بن محمد ابن أبي هاشم أمير مكة مات في هذه السنة، وما زالت إمارة مكة له تارة ولأخيه مكثر تارة أخرى حتى مات (٦). ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها أن الخليفة الناصر لدين الله جدد خزانة كتب للمدرسة النظامية ببغداد، ونقل إليها ألوفًا من الكتب الثمينة الحسنة (٧). وفي المرآة: نقل إليها الخليفة عشر آلاف مجلدة فيها الخطوط المنسوبة.

стр. 595

ومنها أنه تم بناء دار الحريم الظاهري (١) والرباط، ونقل إليها الخطوط المنسوبة، ورتب في الرباط عشرة من الصوفية الأخيار أرباب المجاهدات، ورتب فيها طعامًا كل يوم خارجًا عن راتب الصوفية، وكان الخليفة يتردد كل يوم إلى الرباط المذكور، فيومًا لا يحضر يحمل راتبه إلى الصوفية، وولي الرباط بهاء الدين أحمد الميهني شيخ رباط الأخلاطية. ومنها أنه فتحت المدرسة التي إلى جانب تربة والدة الخليفة عند معروف الكرخي، وحضر أرباب الدولة وعمل سماط عظيم، وسلمت إلى الشيخ أبي على النوقاني ﵀ فدرس بها (٢). ومنها أن في ليلة عيد النحر ظهرت ببغداد نجمة عظيمة من جانب الشرق فأضاء منها الأفق وبهر ضوؤها وأقامت طول الليل، وظهر عمود من السماء إلى الأرض عرضه مقدار ثلاثة (٣) رماح. ومنها أن امرأة بحلب ولدت أربعة أولاد في بطن واحد (٤). ومنها أن خوارزم شاه تكش خرج لقصد بلاد طغرل السلجوقي، وأخذ في الاستيلاء عليها أولًا فأول، وأرسل أينانج خان إلى الرى وما والاها، فملكها واستقر بها. ومنها أن شهاب الدين الغورى شتى في بَرْشاوور، وجهز مملوكه أيبك في عساكر كثيرة إلى بلاد الهند، ففتح وغَنَم وعاد منصورًا مؤيدا (٥). ومنها أن الخليفة الناصر لدين الله بعث إلى ابن الجوزي يسأل منه أن يزيد على أبيات عديَّ بن زيد المشهورة ما يناسبها من الأشعار ولو بلغ ذلك عشر مجلدات وهي هذه: أيها الشامت المغتر بالدهـ … ـــر [أأنت] (٦) المبرأ الموفور؟

стр. 596

أم لديك العهد الوثيق من الـ … أيام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلدت أم دا … م عليه من أن يضام خفير أين كسرى الملوك أبو … ساسان أم أين قبله سابور وبنو الأصفر الكرام ملوك الر … وم لم يبق منهم مذكور وأخو الخضر اذ بني وادى … دجلة تجبى إليه والخابور شاده مرمرًا وجلله كلسا … فللطير في داره وكور لم تهبه أيدي المنون فزا … إلى الملك عنه فبابه مهجور وتذكر رب الخورنق إذا … أشرف يوما وللهدي تبكير سره حاله وكثرة ما … يملك والبحر معرضًا والسدير فارعوى قلبه ومال وما … غبطه حي إلى الممات يصير ثم بعد الفلاح والملك والأمـ … ــــر وارتهم هناك قبور ثم أضحوا كأنهم ورق جف … فالوت به الصبا والدبور غير أن الأيام [تختص بالمرء … وفيها لعمري العظات والتفكير] (١) وفيها حج بالناس من العراق قطب الدين سنجر الخليفتي ووقف ومكس الحاج، ومن الشام حصن الدولة إبراهيم بن السلار. ذكر من توفي فيها من الأعيان جعفر (٢) بن محمد بن قطرا، أبو الحسن، أحد الكتاب بالعراق، وكان ينسب إلى التشيع، جاءه رجل ذات يوم فقال له: رأيت البارحة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وهو يقول: إذهب إلى ابن قطرا فقل له يعطيك عشرة دنانير. فقال له ابن قطرا متى رأيته؟ قال: أول الليل. قال: فأنا رأيته في آخره وقال لي: إذا جاءك رجل من صفته كذا وكذا فطلب منك شيئًا فلا تعطيه. فأدبر الرجل موليًا فاستدعاه ووهبه شيئًا. ومن شعره فيما أورده ابن الساعي:

стр. 597

ولما سبرت الناس أطلب منهم … أخا ثقة عند اعتراض الشدائد وفكرت في يومي سروري وشدتي … وناديت في الأحياء هل من مساعد؟ فلم أر فيما ساءني غير شامت … ولم أر فيما سرني غير حاسد (١) ذكر ابن كثير وفاته في هذه السنة يحيى بن سعيد بن فارس أبو العباس البصري النصراني (٢)، صاحب المقامات، كان شاعرًا أديبًا فاضلًا له اليد الطولى في اللغة والنظم، توفي في هذه السنة. جرادة الواعظ، واسمه المنصور بن المبارك بن الفضل أبو المظفر الواسطي، قدم بغداد واستوطنها وكان يعظ في المساجد وعظًا مطبوعًا، وكان كيسًا ظريفًا وله واقعات عجيبة، جلس يومًا بمسجد باب أبرز وذكر حديث النبي ﷺ "من قتل حية كان له قيراطان من الأجر، ومن قتل عقربًا كان له قيراط". فقام واحد وقال: يا سيدنا ومن قتل جرادة. قال: يصلب على باب المسجد (٣). وسأله رجل يومًا في المجلس فقال: أين يقف جبريل من العرش؟ وأين يقف ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل؟ فكاسر (٤) ساعة، ووقع في المحلة خباط فقال لبعض الناس: قم واخرج واكشف لنا ما هذا. فخرج الرجل وعاد فقال: إنسان قد ضرب زوجته فقوى الصراخ. فقال لآخر: قم أنت واكشف الخبر. فقام وخرج وعاد فقال: رجل قد مات والورثة يتضاربون على التركة. فقال: "يا فعلة يا صنعة، بينكم وبين باب المسجد خطوات وما فيكم من يخبر بما فيه على الحقيقة، من أين أعلم أنا أين يقف جبريل وأين يقف ميكائيل والملائكة" فضحك الناس. وله فصول ومواعظ وكان يزعم أنه قرأ المقامات على الحريري، وقد سمع أبا الوقت (٥) وطبقته، وكان صدوقًا. السيدة زبيدة بنت الإمام المقتفي (٦) بأمر الله، أخت المستنجد وعمه المستضيء، كانت قد عمرت دهرًا طويلًا، ولها صدقات كثيرة، وقد تزوجها في وقت السلطان مسعود

стр. 598

على صداق مائة ألف دينار، فتوفي قبل أن يدخل بها وقد كانت كارهة [لذلك] (١) فحصل مقصودها، ماتت في هذه السنة. الشيخة فاطمة خاتون (٢) بنت محمد بن الحسن العميد، كانت صالحة عابدة زاهدة، عمرت مائة سنة وست سنين، وكان قد تزوجها في وقت أمير الجيوش قطر وهي بكر، فبقيت عنده إلى أن توفي ولم تتزوج بعده بل اشتغلت بذكر الله والعبادة إلى أن توفيت في هذه السنة.

стр. 599

بسم الله الرحمن الرحيم توطئة لم أكن أنوي القيام بكتابة توطئة لهذا الجزء الذي بين أيدينا وهو الجزء الثالث من هذا السفر الضخم (عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان) للمؤرخ الكبير "بدر الدين محمود العيني"، وذلك لأنني سبق أن قدمت للكتاب عمومًا في افتتاحية الجزء الأول. ولكن حدثت أمور تتصل بهذا الجزء تطلبت مني أن أسطر هذه التوطئة، وذلك لعدة أسباب: من هذه الأسباب ما يرجع إلى المخطوطات المعتمدة في هذا التحقيق، إذ فوجئت بسقوط سنتين من الكتاب هما سنة "٦٠٠ هـ وسنة ٦٠١ هـ". وقد أشرت إلى ذلك في الحاشية المختصة بسنة ٦٠٢ هـ. ومن هذه الأسباب كذلك ما حفل به هذا الجزء من أحداث تاريخية بعد وفاة السلطان "الناصر صلاح الدين"، الذي تقاسم أولاده الملك من بعده، وكان للعادل أخيه نصيب في ذلك، حيث تولى ولاية الكرك والشوبك، غير أن العادل أخذ يؤلب أبناء صلاح الدين على بعضهم البعض حتي صفا له الجو فانفرد بالسلطة كلها، ولم يكتف بذلك بل نقل ولاية العهد من أبناء أخيه إلى أبنائه هو، مما كان له الأثر البعيد على مصير دولة بني أيوب كلها. لذلك كان لابد لي من الإشارة إلى ذلك. والسبب الأخير لهذه التوطئة هو أنني يجب أن أُذَكِّر القارئ الكريم أن العيني لم يقسم كتابه إلى أجزاء، وإنما تناوله من حيث العصور الإسلامية المتعاقبة. وبالنسبة للعصر الأيوبي فقد أخذت على عاتقي تقسيمه إلى أجزاء، وحاولت أن أوجد توازنًا بينها من حيث الحجم، إلا أنني وجدت نفسي مضطرًا إلى أن يكون هذا الجزء أكبر حجمًا من

стр. 600

سابقيه، نظرًا لأننا أردنا أن نجمع الأحداث التاريخية كاملة في عصر السلطان العادل الأيوبي حتى وفاته في سنة ٦١٥ هـ. ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدم بالشكر للزميلات الباحثات الفضليات بلجنة التاريخ بمركز تحقيق التراث اللاتي شاركن معي في إنجاز هذا الجزء بكل تفان وإخلاص وهن: د. لبيبة إبراهيم مصطفى محمد … الأستاذة / نفيسة محمد محمد صميدة الأستاذة / نعمات عباس محمد، التي شاءت ظروفها ألا تكمل معنا هذا العمل. السيدة/ إيزيس سامح زكي والله من وراء القصد، وبه التوفيق والسداد. المحقق دكتور/ محمود رزق محمود الهرم - الأريزونا
следующие страницы →