← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وكان الملك المظفر شجاعًا شديد البأس، ركنًا عظيمًا من أركان البيت الأيوبي، وكان عنده فضل وأدب، وله شعر حسن. ثم أرسل الملك المنصور إلى السلطان صلاح الدين واشترط عليه شروطًا نسبهُ السلطانُ فيها إلى العصيان، وكان أمره مضطربًا (١) بالكلية، فراسل الملك المنصور عمّه الملك العادل في استعطاف خاطر السلطان، فما برح العادل بأخيه السلطان يراجعه ويشفع في الملك المنصور حتى أجابه السلطان، وقرر للملك المنصور حماة وسلميّة والمعرة ومنبج وقلعة نجم. وارتجع السلطان البلاد الشرقية وما معها وأقطعها أخاه الملك العادل، بعد أن شرط السلطان أن الملك العادل ينزل عما الله من الإقطاع بالشام، خلا الكرك والشوبك والصلت والبلقاء إلى القدس، شرفه الله. ولما استقر ذلك سار الملك العادل إلى البلاد الشرقية لتقرير أمورها فقررها، وعاد إلى خدمة السلطان في آخر جمادى الآخرة من السنة القابلة. ولما قدم العادل على السلطان صلاح الدين كان الملك المنصور صاحب حماة صحبته، فلما رأى السلطان الملك المنصور بن تقي الدين عمر نهض واعتنقه وبكي، وأكرمه وأنزله في مقدمة. عسكره. وقال بيبرس في تاريخه: توفى الملك المظفر تقي الدين المذكور بأرض أخلاط في حصار ملازكرد، ودفن بميافارقين ثم نقل إلى حماة، ﵀.

стр. 527

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثامنة والثمانين بعد الخمسمائة استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله العباسي، وصاحب مصر والشام وغيرها من البلاد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وهو مقيم في القدس الشريف في دار الأقِسَّاء بجوار قمامة، وقد قسم السور بين أولاده وأجناده وهو يعمل فيه بنفسه، ويحمل الحجر بينه وبين قربوس (١) سرجه، والناس يقتدون به، والعلماء والفقراء يعملون بأنفسهم. والإفرنج لعنهم الله حول البلد من ناحية عسقلان، حول القدس وما والاها، لا يتجاسرون أن يتقدموا من اليزك والحرس الذين للسلطان حول القدس، إلا أنهم على نية محاصرة القدس مصممون، ولكيد الإسلام مجمعون، وهم والحرس تارة يَغلبون وتارة يُغلبون، وتارة يَنهبون وتارة يُنهبون (٢). ذكر رحيل الفرنج إلى عسقلان قال العماد الكاتب ﵀: رحل الإفرنج يوم الثلاثاء ثالث المحرم من الرملة إلى عسقلان، ونزلوا يوم الأربعاء بظاهرها وتشاوروا في إعادة عمائرها. وكان سيف الدين يازكوج (٣) وعلم الدين قيصر والأسدية [١٤٠] نازلين في بعض أعمالها، مجدين في نقل غلالها. وركب ملك الإنكار عصر يوم الخميس ومعه حزبه من جند إبليس، فشاهد دخانًا على البعد، فساق متوجهًا إلى تلك الجهة، وتبعه عسكره. فما شعر أصحابنا إلا بالكبسة بغتة، وذلك وقت المغرب وهم مجتمعون على الإفطار، وكانوا نازلين في موضعين، فلم ير العدو إلا أحد القسمين فقصده بحزبه، فعرف القسم الآخر هجوم العدو، فركبوا إلى العدو فدفعوه حتى ركب رفقاؤهم المقصودين، واجتمعوا وردوا العدو، ثم تكاثر الفرنج عليهم فاندفعوا من بين أيديهم وساقوا أثقالهم قدامهم، وما فقد من المسلمين إلا أربعة أنفس ونجا الباقون. وكانت نوبة عظيمة رفع الله خطرها (٤).

стр. 528

ذكر السرايا الثلاث بتاريخ يوم الثلاثاء عاشر المحرم، ركب السلطان صلاح الدين من القدس على عادته في نقل الحجارة والجد في العمارة، ومعه أولاده الملوك والأمراء والقضاة والعلماء والصوفية والزهاد والأولياء، ولما دخل وقت الظهر نزل في خيمة ضربها ولده الملك الظاهر بالصحراء، وأحضر فيها السماط، ورعي ناسًا من الأمراء فحضروا وأكلوا، وصلي السلطان الظهر هناك وركب عائدًا إلى داره، وأمر بتجهيز السرايا. فتجرد عز الدين جرديك في سرية فأغار بهم يوم الأربعاء الحادي عشر من المحرم على يُبني (١)، وفيها الإفرنج بنية السكني، فغنموا اثني عشر أسيرًا وخيلًا ودوابًا كثيرة. وفي يوم الثلاثاء ثاني صفر، أغارت السرية، وفيها عز الدين جرديك وعسكر القدس وجماعة من المماليك، على ظاهر عسقلان، وغنموا ثلاثين أسيرًا وخيولًا وبغالًا. وفي ليلة الأحد رابع عشر صفر، باتت سرية فيها فارس الدين ميمون (٢) القصري بتل الجَزَر (٣)، وساروا حتى أصبحوا على يُبني، وكمنوا وصبروا إلى أن استرسل الإفرنج إلى الطريق وأمنت، ثم ظهرت السرية على قافلة الإفرنج فكبسوها وأخذوها بأسرها مع رجالها وأحمالها وبغالها وأثقالها. ثم أغاروا على يافا، فقتلوا وهتكوا وغنموا وعادوا بالغنيمة والسبايا، وعجزت جماعة من المشي فضربوا أعناقهم صبرا (٤). ذكر خروج على بن أحمد المعروف بالمشطوب من الأسر وفي ربيع الآخر وصل الأمير سيف الدين على المذكور إلى السلطان بالقدس الشريف وقد خلص من الأسر، وكان أسيرة حين كان نائبا على عكا، فافتدى نفسه منهم بخمسين ألف دينار، فأعطاه شيئًا كثيرة منها، ثم استنابه على نابلس فتوفي بها في شوال منها (٥).

стр. 529

وقال العماد الكاتب: قرر سيف الدين على المذكور قطيعة خمسين ألف دينار، فأدى منها ثلاثين، وأعطى رهائن على عشرين، ووصل إلى القدس واجتمع بالسلطان يوم الخميس مستهل شهر ربيع الآخر، فقام إليه واعتنقه وأقطعه نابلس وأعمالها، ثم عيَّن السلطان ثلث نابلس لمصالح للبيت المقدس وتشييد سوره (١). ذكر عصيان الملك المنصور ابن الملك المظفر تقي الدين وما جرى له وعليه في ذلك وفي النوادر: ويوم وصول المشطوب، كتب السلطان إلى ولده الملك الأفضل بأن يسير إلى الفرات ويتسلم البلاد من الملك المنصور ابن الملك المظفر تقي الدين، وكان قد أظهر العصيان بسبب الخوف على نفسه من السلطان [١٤١] وأظهر ذلك، وكتب إلى الملك الظاهر بحلب - وكان قد سافر إليها - أنه إن أحتاج أخوك إلى معونة أعنه. وجهز السلطان صلاح الدين ولده الأفضل بحملة كبيرة، وسار باحترام عظيم حتى وصل إلى حلب، وأكرمه أخوه الملك الظاهر إكرامًا عظيمًا، وعمل له ضيافة تامة، وقدم بين يديه تقدمة سنية (٢). وأما الملك المنصور فإنه لما بلغه موجدة (٣) السلطان عليه، أرسل إلى الملك العادل رسولًا يستشفع به ليطيب قلب السلطان، ويعطيه إما حران والرها وشميساط، وإما حماة ومنبج وسلمية والمعرة، فراجع الملك العادل السلطان مرارًا بسببه فلم يفعل ذلك ثم كثرت الشفاعة إليه من جميع الأمراء، وهزت له شجرة الكرم، فرجع إلى خُلقه الحسن وحلف له على حران والرها وشميساط، على أنه إذا عبر الفرات أعطى المواضع المذكورة ويتخلى عن البلاد التي في يده، ودخل في هذا الضمان الملك العادل، ثم التمس العادل خط السلطان فأبى، وألح عليه، فمزق نسخة اليمين في التاسع والعشرين من ربيع الآخر، وانفصل الحال وانقطع الحديث.

стр. 530

وقال قاضي القضاة بهاء الدين: كنت المتردد بينهما في ذلك، وأخذ من السلطان الغيظ، كيف يُخاطب بمثل ذلك من جانب بعض أولاد أولاده (١)؟ قال القاضي: ثم أرسلني السلطان إلى العادل والأمراء بأن يتشاوروا في أمر الملك المنصور، فاجتمعوا في خدمة العادل، فانتدب الأمير حسام الدين أبو الهجاء وقال: نحن عبيد السلطان ومماليكهـ وذاك صبي، وربما حمله خوفه حتى انضاف إلى جانب آخر، ونحن ما نقدر على الجمع بين قتال المسلمين والكفار، فإن أراد السلطان قتال المسلمين يصالح الكفار ونسير نحن إلى ذلك الجانب ونقاتل بين يديه، وإن أراد ملازمة الغزاة صالح المسلمين ويسامحهم. فاتفق الجميع على هذا الكلام. فعند ذلك دق قلب السلطان، وجُددت نسخة يمين لابن تقي الدين وحلف له بها، وأعطى خطه بما استقر من الأمر. ثم أن العادل طلب من سلطان البلاد التي كانت بيد ابن تقي الدين، وتكررت مراجعات العادل في ذلك. قال القاضي: وكنت الرسول بينهما، وكان آخر ما استقر أنه يتسلم تلك البلاد وينزل عن كل ما هو شامي الفرات، ماعدا الكرك والشوبك والصلت (٢) والبلقاء، وخاصّته بمصر، وذلك بعد أن قرر على نفسه في كل سنة ستة آلاف غرارة غلة، تحمل للسلطان من الصلت والبلقاء إلى القدس، وأخذ خط السلطان بذلك. ثم سار بنفسه ليصلح ابن تقي الدين ويطيب قلبه، وكان مسيره في الثامن من جمادى الأولى من هذه السنة (٣). ثم أن السلطان سير إلى الملك الأفضل يأمره بالعود من قصد تلك البلاد، وكان قد وصل إلى حلب - كما ذكرناه - فعاد مع انكسار في قلبه وتشوش في باطنه، فوصل إلى دمشق معتبًا ولم يحضر إلى خدمة السلطان، فلما اشتد خبر الإفرنج سير إليه وطلبه، فما وسعة التأخر، فسار مع من وصل من العساكر الشرقية إلى دمشق، وكان وصوله يوم الخميس التاسع عشر من جمادى الآخر، فلقيه السلطان قريب العازرية (٤) وترجل له جبرًا لقلبه [١٤٢] وتعظيمًا لأمره، وساروا في خدمته، وكان فيهم أخواه الملك الظافر وقطب الدين في ظاهر القدس من جهة العدو (٥).

стр. 531

وأما الملك المنصور، فإنه قد تسلم البلاد التي عينها له السلطان، ووصل إلى خدمة الملك العادل يوم السبت الحادي عشر من شعبان، فنزل عنده، ثم ركب العادل إلى السلطان يخبره بوصوله، وسأله في احترامه وإكرامه وطلاقه الوجه له. ثم أن المنصور لما قرب من السلطان استأذن ولده الظاهر في لقائه فأذن له في ذلك، فلقاه في بيت نوبة (١)، فنزل عنده وفرح بلقائه، وأقام عنده إلى العصر وذلك في يوم الأحد، ثم أخذه وسار به جريدة حتى أتي خيمة السلطان، فدخل عليه واحترمه واعتنقه وضمه إلى صدره، ثم غشيه البكاء فبكى بكاء كثيرًا حتى بكى الناس لبكائه، ثم باسطه وسأله عن الطريق، ثم قام وبات في خيمة ولده الملك الظاهر إلى صبيحة يوم الاثنين، ثم ركب وعاد إلى عسكره، ونشروا الأعلام والبيارق (٢). وكان معه عسكر جميل، فقرت عين السلطان بذلك، وكان ذلك في صبيحة يوم الاثنين الثالث عشر من شعبان، ونزل في مقدمة العسكر مما يلي الرملة (٣). وكان قدوم الملك الظاهر إلى خدمة والده السلطان يوم السبت الخامس من رجب في هذه السنة، ونزل في دار الإستبار وفرح السلطان به. ذكر هلاك مركيس - لعنه الله - صاحب صور وفي ثالث عشر ربيع الآخر يوم الثلاثاء، قتل مركيس لعنه الله؛ أرسل إليه ملك الإنكتار اثنين من [الفداوية] (٤) فأظهرا [التنصر] (٥) ولزما الكنيسة حتى ظفرا بالمركيس فقتلاه. (٦) وقال العماد الكاتب: فمسكهما الفرنج فوجدوهما من الفداوية (٧) الإسماعيلية مرتدين، فسألوهما: "من وضعكما على هذا التدبير؟ فقالا ملك الإنكتار، وذكرا أنهما تنصرا منذ ستة أشهر، وكان خدم أحدهما ابن بارزان، والآخر صاحب صيدا، لقربهما من المركيس، فبهذا الطريق وصلا إلى المركيس فقتلاه، ثم قتلهما الإفرنج أشد قتلة.

стр. 532

ثم لما قتل المركيس وذهبت روحه إلى الهاوية، استناب ملك الإنكتار على صور ابن أخته الكندهرى، وهو ابن أخت ملك الإفرنسيس لأبيه فهما خالاه، ولما سار إلى صور ابتنى بزوجة المركيس - بعد موته بليلة واحدة - وهى حبلى أيضاً، وذلك لشدة العداوة التى كانت بين ملك الإنكتار وبينه (١). وفى النوادر: وكان المركيس تغدى يوم الثلاثاء المذكور عند الأسقف ثم خرج، فقفز عليه اثنان من أصحابه بالسكاكين، وكان خفيفا من الرجال، فما زالا يضربان حتى عجل الله بروحه إلى النار، وقام بالأمر اثنان فحفظا القلعة إلى أن اتصل الخبر بالملوك واعتمدوا الأمر وتدبير المكان (٢). وفى تاريخ ابن كثير (٣): وكان ملك الإنكتار يراسل السلطان صلاح الدين في المصالحة [١٤٣] والمسالمة، كلما كان يرى أن المركيس يراسله ويهادنه، ثم لما هلك المركيس - لعنه الله - طاب قلب ملك الإنكتار وذهب خوفه وقوى عزمه، [وأرسل] (٤) إلى السلطان في طلب المناصفة على البلاد، سوى القدس فإنه يكون للمسلمين سوى القمامة، فلم يجب السلطان إلى ذلك. ذكر استيلاء الفرنج على قلعة داروم وفى تاسع جمادى الأولى استولى الإفرنج لعنهم الله على قلعة الداروم فخربوها، وقتلوا خلقاً كثيرًا من أهلها، وأسروا طائفة من الداوية بها. وقال العماد: وكانت قلعة داروم ضرراً عظيما لما كانت مع الفرنج، فلما فتحها المسلمون تركوها وأملوها بالذخائر والرجال، وخربوا عسقلان وغزة دون داروم، وتسلمها علم الدين قيصر (٥) على أن يحفظها، فلما شرع الإفرنج في إعادة عمارة عسقلان تردّدوا إليها مرارا وأشرفوا عليها،

стр. 533

وأنفق السلطان على جماعة وقواها بهم. ثم نزل الفرنج عليها بقضهم وقضيضهم، واشتد زحفهم عليها عشية السبت تاسع جمادى الأولى، بعد أن أخذوا فيها نقبا، فطلب أهلها الأمان فلم يجابوا، وطلبوا من قيصر وجماعته النجدة فلم ينجدوا. ولما عرف الوالى أنهم مأخوذون، محمد إلى الخيل والجمال والدواب فعرقبها، وإلى الذخائر فأحرقها. وفتحوها بالسيف وأسروا منها عدة يسيرة، ثم لم يلبثوا بها ولم يرغبوا فيها. ورحلوا عنها ونزلوا على ماء يقال له الحسىُ، وهو قريب من جبل الخليل ﵇، وذلك في يوم الخميس رابع عشر الشهر المذكور. ثم تركوا خيامهم وساروا وقصدهم قلعة هناك يقال لها مجدل حباب، فخرجت عليهم أسد اليزكية المكمنة من الغاب فقاتلوهم قتالاً شديدًا، وقتل منهم من جملة من قتل كندٌ كبير، وعادوا مغلولين مخذولين مهزومين، ثم رحل الإفرنج من الحسى يوم الأحد سابع عشر الشهر المذكور، وتفرقوا فرقتين بعضهم عادت إلى عسقلان، وبعضهم جاؤا إلى بيت جبرين (١). ذكر قصد الإفرنج بيت المقدس شرفه الله وفى يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر المذكور، نزلت الإفرنج بجموعهم الوافرة بتل الصافية، ونزلوا يوم الثلاثاء السادس والعشرين بالنطرون (٢)، فأرجفت الألسن بأنهم على قصد بيت المقدس، ثم ضربوا خيامهم يوم الأربعاء على بيت نوبة. وأمر السلطان صلاح الدين ﵀ بنقل الأزواد، وفرق الأبراج على الأمراء والأجناد. وكان قد سار من عرب الإسلام جماعة للغارة على يافا، فوصلوا عائدين من غير علم بحركة العدو، فنزلوا في بعض الطريق يقتسمون، فوقعت عليهم عسكر للعدو وأخذوهم، وهرب منهم ستة نفر فوصلوا إلى السلطان وأخبروه الخبر، ووصلت الجواسيس وأصحاب الأخبار من جانب العدو، أنهم مقيمون بالنطرون لنقل [١٤٤] الأزواد والآلات التى تدعو الحاجة إليها في الحرب، فإذا حصل عندهم ما يحتاجون إليه قصدوا القدس (٣). وكان السلطان ﵀ قد سير إلى العساكر من سائر الأطراف أن سابقوا إلى الحضور، وكان أول من قدم بدر الدين دلدروم مع خلق كثير من التركمان، ولقيه السلطان وأكرمه. ثم وصل بعده

стр. 534

عز الدين بن المقدم بعسكر حسن وأطلاب جيدة، ثم أمر السلطان بخروج العسكر إلى العدو (١)، فخرجوا إلى خيامهم يتخطفوهم وجرت واقعة بعد وقعة وكبسوهم كبسة بعد كبسة. وكان الأمير دلدروم صاحب تل باشر في اليزك ليلة الجمعة التاسع والعشرين، فبعث من أصحابه إلى طريقهم من يافا، فجازت بهم فرسان من الفرنج، فخرجوا عليهم وقتلوا وأسروا. وفى يوم السبت سلخ الشهر نزلت الناس إليهم وقاتلوهم في خيامهم، وركب العدو وساقوا إلى قلونية، وهى ضيعة من ضياع القدس على فرسخين، ثم عادوا بائدى الشأن بادين الشين، وعساكر الموحدين قد ركبوا أكتافهم وغنموا ورجعوا سالمين (٢). وفى النوادر: وكان طريق يافا سابلة لمن ينقل الميرة إلى العدو، فأمر السلطان مَنْ في اليزك أن يعملوا معهم ما يمكنهم، وكان في اليزك بدر الدين دلدروم، فكَمَّن حول الطريق كمينا فيه جماعة جيدة، فمر بهم جمع من خيالة العدو [يحمون] (٣) قافلة تحمل ميرة، فحمل عليهم وجرى قتال عظيم، فقتلوا منهم ثلاثين نفرا، وأسروا جماعة. ووصل الأسرى يوم السبت تاسع عشرى جمادى الأولى إلى القدس، وكان يوم دخولهم يومًا مشهودا. وفى يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة خرجت الأتراك على جماعة منهم، فأخذوا منهم وقتلوا، وجرحت من الأتراك جماعة (٤). ذكر كبسة الإفرنج على عسكر مصر الواصلين كان السلطان صلاح الدين ﵀ يستحث عسكر مصر بكتبه ورسله، يدعوهم نجدة لأهل القدس على أهل الكفر، فضرب العسكر خيامهم على بلبيس (٥) مدة حتى اجتمع الرفاق، وانضم إليهم التجار، وللفرنج جواسيس يجسون الأخبار ويُعَرِّفون ملكهم بذلك. وجاء الخبر من اليزكية إلى السلطان ليلة الاثنين التاسع من جمادى الآخرة، أن العدو ملك الإنكتار ركب في سبعمائة فارس مردفين بألف راجل، وسار عصر

стр. 535

يوم الأحد، ولا يدرى أي جانب قصدوا. فجرد السلطان أميرًا ومعه عدة من العادلية، وأمرهم بأن يأخذوا في طريق البرية، فعبروا على ماء الحسُى قبل وصول العدو إليه. وكان مقدم العسكر المصرى فلك الدين [سليمان] (١) أخو العادل لأمه، ولم يسأل عن المنازل والمراحل، وقصد أقرب الطرق، وترك الأحمال على طريق أخرى سائرة، وجاء ونزل على ماء تعرف بالخُوَيلفة (٢)، ونادى تلك الليلة: أنا جزنا مكان المحافة فلا رحيل إلى الصباح. [١٤٥] فاغتر الناس بذلك وناموا مغفلين، فصبَّحهم العدو عند انشقاق الصبح بالصدمة الشاقة، وبغتوهم بغتة، فركب كل منهم إلى وجهة، ومنهم من ركب فرسه عريانا، فتفرقوا في البرية وعاد معظمهم إلى مصر، ومنهم من عاج (٣) إلى طريق الكرك. فأخذ الكفار جمالا لاتعد، وأحمالا لا تحد (٤). وقال ابن كثير: فكبسوهم ليلا وقتلوا منهم خلقا كثيرًا، وأسروا منهم خمسمائة أسير، وغنموا شيئاً كثيرًا من الأموال والجمال والبغال والخيل، فكانت جملة الجمال ثلاثة آلاف بعير، والتجار الذين معهم نهبت كلهم، فتقوى الفرنج بذلك شيئاً كثيرًا (٥). وفى النوادر: وكان السلطان قد أوصى عسكر مصر بالاحتراز عند مقاربة العدو، وكانت معهم قوافل كثيرة، واتصل خبرهم إلى العدو من العرب المفسودين، وركب اللعين ملك الإنكتار في ألف راكب مردفين بألف راجل، وسار حتى أتى تل الصافية فبات وعلَّق (٦) على خيله فيه، ثم سار حتى أتى ماء يقال له الحسىُ، وكان السلطان قد أرسل جماعة وصلوا إلى الماء المذكور قبل العدو، ولكن لم يقيموا عليها، وساروا حتى اتصلوا بالعسكر المصرى والقوافل، ثم قصدوا قُرب الطريق؛ فساروا إلى أن وصلوا إلى ماء يقال له الخويلفة، وتفرق الناس لأجل الماء، فأخبرت العربُ العدو بذلك وهم نازلون برأس الحسى، فقاموا من وقتهم وسَرَوْا حتى أتوهم قبيل الصبح فكبسوا عليهم، وكان

стр. 536

الشجاع القوى الذى ركب فرسه ونجى بنفسه. وانقسم القفل ثلاثة أقسام؛ قسم قصدوا الكرك مع جماعة من العرب وعسكر الملك العادل، وقسم أوغلوا في البرية مع جماعة من العرب، وقسم استولى عليهم العدو فساقوهم بجمالهم وأحمالها وجميع ما معهم. وكان في العسكر المصرى جماعة من المذكورين كحسين الجراحى، وفلك الدين، وبنى الجاولى، وآخرين. وقتل من العدو زهاء مائة فارس، وقيل لم يقتل سوى عشرة أنفس، ولم يقتل من المسلمين المعروفين سوى الحاجب يوسف، وابن الجاولى الصغير. وتفرق الناس في البرية ورموا أموالهم. وجمع العدو ما أمكنهم (١) جمعه من الخيل والبغال والجمال والأقمشة وسائر أنواع الأموال. وكلف ملك الإنكتار الجمالين بخدمة الجمال، والخربندية (٢) بخدمة البغال، والساسة بخدمة الخيل، وسار في جحفل من غنيمته، فطلب عسكره فنزل على الخويلفة وسقى منها دوابه، ثم سار حتى أتى الحسىُ، فكانت هذه الوقعة (٣) صبيحة يوم الثلاثاء الحادى عشر من جمادى الآخرة من هذه السنة (٤). قال القاضى بهاء الدين: ووصل الخبر إلى السلطان في عشية ذلك اليوم بعد عشاء الآخرة، وكنت جالسا في خدمته، فما مر بالسلطان خبر أنكى منه في قلبه [١٤٦]، ولا أكثر تشويشًا منه لباطنه، وأخذتُ في تسكينه وتسليته وهو لايقبل ذلك ولكن يقول: الأمر لله، ويكرر ذلك. قال: وكان وصول العدو إلى مخيمهم في سادس عشر جمادى الآخرة، وكان يومًا عظيمًا عندهم، أظهروا فيه السرور والفرح ما لا يمكن وصفه، وأعادوا خيامهم إلى الموطاة (٥) على بيت نوبة، وصح عزمهم على القدس، وقويت نفوسهم بما حصل لهم من الغنائم والأشياء الواصلة من مصر، ورتبوا جماعة على لُدّ (٦)، يحفظون الطريق على من ينقل الميرة، وأنفذوا الكندهرى إلى صور وطرابلس وعكا يستحضر من فيها من المقاتلة ليصعدوا إلى القدس.

стр. 537

وفى (١) المرآة: وكانوا قد قصدوا أن يسيروا إلى مصر ثم [عدلوا] (٢) عن ذلك، وقووا عزمهم على القدس، واستدعوا الفارس والراجل، فاجتمع عندهم خلق عظيم، فساروا من الرملة إلى بيت نُوبة. ذكر تصميم الفرنج على محاصرة القدس ولما جرى ما ذكرنا، شاور السلطان الأمراء في القدس وقال لهم: أنتم جند الإسلام ومنعته، ودماء المسلمين وأموالهم وأهاليهم متعلقة بكم، فإن جبنتم طووا البلاد طيًا وكنتم المطالبين بذاك. فقالوا: نحن مماليكك وما تطير رؤوسنا إلا بين يديك. وافترقوا على هذا (٣). ثم تهيأ السلطان لذلك وأكمل السور وعمق الخنادق ونصب الآلات والمجانيق، وأمر بتغوير ما حول القدس من المياه، ثم أحضر الأمراء ليلة الجمعة التاسع عشر من جمادى الآخرة وفيهم أبو الهيجاء السمين، والمشطوب، والأسدية بكمالهم، فاستشارهم السلطان فيما قد دهم من الأمر الفظيع، فأفاضوا في الكلام (٤) وأشار كل برأى. وأشار العماد الكاتب بأن يتحالفوا على الموت عند الصخرة، كما كانت الصحابة ﵃ يفعلون، فأجابوا إلى ذلك كلهم. هذا كله والسلطان ساكت واجم مفكر، فسكت القوم حتى كأن على رؤوسهم الطير، ثم قال: الحمد لله والصلاة على رسول الله، اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم، وليس لهذا العدو من يلقاه غيركم، فإن طويتم أعِنَّتكم - والعياذ بالله - طووا البلاد كطى السجل للكتاب. وقال: ذلك في ذمتكم، وأكلتم مال بيت مال المسلمين، فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم. فانتدب لجوابه سيف الدين المشطوب وقال: يا مولانا نحن مماليكك وعبيدك وأنت الذى أنعمت علينا وأعطيتنا وأغنيتنا، وليس لنا إلا رقابنا وهى بين يديك، والله ما يرجع أحد منا عن نصرتك إلى أن تموت بين يديك. فقال بقية

стр. 538

القوم مثل ما قال. ففرح السلطان وطاب قلبه ومد لهم سماطا حافلاً، وانصرفوا من بين يديه على ذلك. ثم بلغه بعد ذلك عن بعض الأمراء أنه قال: إنا نخاف أن يجرى علينا في هذه البلدة كما جرى في عكا، ثم يأخذون بلاد الإسلام بلدا بلدا، والمصلحة أن نلقاهم بظاهر البلد، فإن هزمناهم أخذنا بقية بلادهم، [١٤٧] وأن تكن الأخرى سَلَّمَ الله العسكر، ومضى القدس، وقد انحفظت بلاد الإسلام بدون القدس مدة طويلة. وكان مما بعثوا إلى السلطان يقولون: أن كُنت تريدنا نقيم بالقدس تحت حصر الإفرنج فكُن أنت معنا، أو بعض أهلك، حتى يكون الجيش تحت أَمْرِه، فإن الأكراد لا يطيعون الترك، والترك لا يطيعون الأكراد. فلما بلغه ذلك شق عليه مشقة عظيمة، وبات ليلة ذلك أجمع مهموماً كئيبا، مفكراً فيما قالوا، ثم انجلى الأمر، واتفق الحال على أن يكون الملك الأمجد صاحب بعلبك مقيما عندهم نائبا عنه بالقدس الشريف، وكان ذلك نهار الجمعة، فلما حضرت صلاة الجمعة وأذَّن المؤذنون قام فصلى ركعتين بعد الأذانين، وسجد وابتهل إلى الله تعالى ابتهالاً عظيما، وتضرع لديه وتمسكن، وسأله فيما بينه وبينه في كشف هذه الضائقة العظيمة (١). وفى المرآة: وبعد افتراق الأمراء من عند السلطان بعد المشاورة، اختلفت الأمراء في الليل، فقال بعضهم: ما نقيم حتى يكون السلطان معنا، نخاف أن يجرى علينا ما جرى على أهل عكا. وبلغ السلطان ذلك، فبعث إليهم يقول: هذا مجد الدين بن فرخشاه ابن أخي يكون عندكم، وأكون أنا من برًا أَذُبُّ عنكم، فقالوا: ما هذا برأى، وإنما نخرج ونصدقهم الحملة، فإن قهرناهم وإلا سلم العسكر ونمضى إلى دمشق. فعز عليه ذلك خوفا على القدس ومن فيه من المسلمين، وبات ليلة الجمعة ساهرا باكيا متضرعا، وبعث بالصدقات إلى الفقراء. وطلع الفجر، فجلس إلى الضحى يدعو، ومضى إلى المسجد الأقصى فدخل المقصورة وسجد وبكى وتضرع إلى الله تعالى. وكان جرديك في اليزك فجاءت منه رقعة يقول: قد ركبوا بأسرهم.

стр. 539

وبات السلطان ليلة السبت قلقا ما عرف المنام، فلما طلع الصباح جاء جرديك مسرعا فيقال للسلطان: نهنيك، رحلوا نحو الرملة، فسجد السلطان، وانكشفت أخبارهم. وسبب رحيلهم أن السلطان كان قد أمر بِطَمِّ الصهاريج والآبار التى كانت حول القدس، فقال لهم ملك الإنكتار: من أين نشرب؟ قالوا: من العيون التى حول القدس، قالوا: يتخطفوننا (١). وقال صاحب النوادر: فقالوا: نشرب من ماء (٢) نقوع بينه وبين القدس مقدار فرسخ. فقال الملك: كيف نذهب إلى السقى؟ فقالوا: ننقسم قسمين؛ قسم يركب إلى السقى مع الدواب، وقسم يبقى على البلد في المنزلة، ويكون الشرب في اليوم مرة. فقال الملك: إذًا يأخذ العسكر البرانى الذى يذهب مع الدواب، ويخرج عسكر البلد على الباقين، ويذهب دين النصرانية، فانفصل الحال على أنهم حكَّموا ثلاثمائة من أعيانهم، وحكَّموا الثلاثمائة اثنى عشر منهم [١٤٨]، وحَكَّم الاثنى عشر ثلاثة منهم على عادتهم في النوازل، فباتوا يتشاورون، فترجح عندهم الرحيل، وقالوا: السلطان حاضر ومعه العساكر فارحلوا، فرحلوا (٣). وفى تاريخ ابن كثير: ولما كان يوم السبت الحادى والعشرين من جمادى الآخرة، جاءت الكتب من الحرس حول البلد، بأن الإفرنج اختلفوا فيما بينهم في محاصرة القدس. فقال ملك الإفرنسيس: إنما جئنا من البلاد البعيدة وأنفقنا الأموال العديدة في تخليص بيت المقدس، وقد بقى بيننا وبينه مرحلة. وقال ملك الإنكتار: أن هذا البلد يشق علينا حصاره؛ لأن المياه قد عدمت، ومتى بعثنا من يأتينا بالماء تعطل أمر الحصار. ثم اتفق الحال بينهم على أن حكَّموا إلى آخر ما ذكرناه، فرحلوا صوب الرملة (٤). قال في النوادر: وأصبحوا في بكرة الحادى والعشرين من جمادى الآخرة راحلين إلى نحو الرملة، وعلى أعقابهم ناكصين، ووقف عسكرهم شاكِّين في السلاح إلى أن لم يبق في المنزلة إلا الآثار، ثم نزلوا بالرملة. وتواتر الخبر بذلك، وركب السلطان والناس، وكان يوم سرور وفرح (٥).

стр. 540

ذكر بروز السلطان بجيشه إلى خارج البلد وبرز السلطان بجيشه إلى خارج القدس، وسار نحوهم خوفا من أن يسيروا إلى الديار المصرية لكثرة ما معهم من الظهر والأموال، وكان ملك الإنكتار - لعنه الله - يلهج بذلك كثيرًا، فخذلهم الله عن ذلك. وترددت الرسل من ملك الإنكتار إلى السلطان في طلب الصلح، ووضع الحرب بينهم ثلاث سنين وستة أشهر، على أن يعيد إليهم السلطان عسقلان، ويهب له أكبر كنيسة ببيت المقدس وهى القمامة، وأن يمكن الزوار من النصارى والحجاج إليها بلاشئ. فامتنع السلطان من إعادة عسقلان، وأطلق لهم قمامة، ولكن فرض على الزوار مالاً يُؤخذ من كل منهم. فامتنع ملك الإنكتار إلا أن يعاد إليهم عسقلان ويعمر سورها كما كان. وصمم السلطان على عدم الإجابة (١). وقال صحاب النوادر: ولما فرغ بال السلطان برحيل العدو، حضر رسول الكندهرى فقال: إن ملك الإنكتار قد أعطانى البلاد الساحلية، وهى الآن لي قاعدة على بلادى حتى أصالحك، وأكون أحد أولادك. فغضب السلطان لذلك غضبا شديدا، بحيث أنه أراد أن يبطش بالرسول، فأقيم من بين يديه. ولما كان يوم الثالث والعشرين من جمادى الآخرة استحضر الرسول، وكان جوابه بأن يكون الحديث بيننا في صور وعكا، على ما كان مع المركيس (٢). ذكر فتح السلطان مدينة يافا ثم ركب السلطان في جيشه العرمرم حتى وافى يافا، فحاصرها حصارا شديدا فافتتحها، وغنم جيشه منها شيئاً كثيرًا، وامتنعت القلعة، فبالغ في أمرها حتى هانت ولانت ودانت، وكادوا أن يبعثوا إليه بأقاليدها، ويأخذون الأمان لكبيرها ووليدها، إذ أشرفت عليهم مراكب الإنكتار على وجه البحر، فقويت رؤوسهم واستصعبت نفوسهم، وهجم اللعين ملك الإنكتار فاستعاد البلد إليه، وقتل من تأخر بها من المسلمين [١٤٩]

стр. 541

صبرا بين يديه. وتقهقر السلطان من منزلة الحصار إلى ما ورائها، خوفا على الجيش من معرّة الفرنج. فجعل ملك الإنكتار يتعجب من شدة سطوة السلطان! كيف فتح مثل هذا البلد العظيم في يومين، وغيره لا يمكنه فتحه في عامين. ثم ألح في طلب الصلح، على أن تكون عسقلان داخلة في الصلح، فامتنع السلطان في ذلك أشد الامتناع (١). وفى المرآة: أقام السلطان بالقدس حتى تيقن وصولهم إلى عكا، وخرج فنزل على يافا وحاصرها، وتعلق النقابون في الأسوار، وملك المدينة وأشرفوا على أخذ القلعة، فصاح أهلها الأمان، ونهب المسلحون البلد. فوقف مماليك السلطان على الأبواب، كل من خرج ومعه شيء أخذوه، وعز ذلك على الأمراء والأكراد وسلموا القلعة، وبعث السلطان إليها جماعة من أصحابه، وبقى فيها من الفرنج أربعون رجلاً. وبينما هم كذلك إذ لاحت مراكب كثيرة فتوقفوا، وقويت نفوس الإفرنج الذين في القلعة، وعلموا أنها مراكب الإنكتار، فرمى واحد نفسه في الماء وسبح إليهم، وقال: تقدموا فارسوا إلى الميناء - وكانت خمسة وثلاثين مركبًا - فهرب المسلمون من البلد. وتأخر السلطان إلى يازُور (٢)، وجاء ملك الإنكتار فنزل في منزلة السلطان، ولم يكن معه سوى عشرين فارسًا، وثلاثمائة راجل، وعشرين خيمة، والسلطان في ألوف. فبعث إلى السلطان يقول: أنت سلطان عظيم، ومعك هذا الجيش الكثير، ومعظم عساكر المسلمين، فكيف رحلت عن منزلتك عند وصولى وليس معى (٣) واحد؟ فغضب السلطان وبات على غضب، فلما أصبح ركب وركبت العساكر، وملك الإنكتار ما زال على حاله لم يصل إليه من الإفرنج أحد، فحمل إليه المسلمون وهو في عشرين فارسا وثلاثمائة راجل، فلم يتحرك. فعظم على السلطان وصاح بالأطلاب: ويحكم، وكم معه وأنتم عشرة آلاف وزيادة. فلم يجبه أحد، وقال له الجُناح (٤): قل لعلوقك الذين ضربوا الناس بالأمس وأخذوا كسبهم. ويقال إن ملك الإنكتار أخذ رُمحه وحمل من طرف

стр. 542

الميمنة إلى طرف الميسرة، فلم يُعْرِض أحد. وساق السلطان من غَبنة إلى النطرون، ونزل في خيمة صغيرة وحده وانفرد، فلم يتجاسر أحد أن يكلمه. وجاءت رسل الملك في طلب الصلح. وفى تاريخ ابن كثير: لما كان ملك الإنكتار نازلاً في منزلة السلطان - على ما ذكرنا - كبس في بعض الليالى ملك الإنكتار وهو في سبعة عشر فارساً وقليل من الرجالة، فأوكب السلطان بجيشه حوله، وحصره حصراً لم يبق له منه نجاة لو صمم معه الجيش، ولكن هم نكلوا عن الحملة، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وجعل السلطان يحرضهم غاية التحريض، فكلهم يمتنع كما يمتنع المريض من شرب الدواء. هذا وملك الإنكتار - لعنه الله - قد ركب في أصحابه وأخذ عدة قتاله وحرابه، واستعرض الميمنة من أولها إلى آخر الميسرة. فلا يتقدم إليه منهم أحد من الفرسان، ولا يهش في وجهه بطل من الشجعان، فعند ذلك كرّ السلطان راجعًا. ثم حصل لملك الإنكتار [١٥٠] بعد ذلك مرض شديد، وبعث إلى السلطان يطلب منه فاكهة وثلجًا، فأمَدَّه السلطان بذلك فتوة وكرمًا، ثم عوفى - لعنه الله - وتكررت رُسله إلى السلطان لأجل الصلح، وذلك لكثرة شوقه إلى بلاده، وعن قريب نذكر المراسلات واستقرار الصلح إن شاء الله تعالى (١). وذكر في النوادر في فتح يافا ملخصه: أن السلطان ﵀ بلغه في عاشر من رجب أن الإفرنج قد رحلوا طالبين نحو بيروت، فبرز من القدس إلى منزلة يقال لها الجيْب، وكان ولده الملك الظاهر غازى - صاحب حلب - قد قدم إليه يوم السبت الخامس من رجب، ثم رحل السلطان من الجيب إلى بيت نوبة، ثم رحل يوم الأحد ثالث عشر رجب إلى الرملة، فنزل بها ضحوة النهار على تلال بين الرملة ولد، وأقام بها بقية يوم الأحد. ولما كانت صبيحة يوم الاثنين الرابع عشر من رجب، ركب جريدة حتى أتى يازُور وبيت دجُن وأشرف على يافا، ثم عاد إلى منزلته وأقام بها بقية يومه. ولما كان صباح يوم الثلاثاء خامس عشره رحل إلى نحو يافا فخيم عليها، ورتب العسكر ميمنة وميسرة وقلبا، وكان صاحب الميمنة ولده الملك الظاهر، وصاحب الميسرة أخوه الملك العادل، والعساكر فيما بينهما. وزحفوا يوم السادس عشر، وأخذ

стр. 543

النقابون النقب من شمالى الباب الشرقى في الزاوية طول البدنة، وكان المسلمون قد هدوا ذلك المكان في الحصار الأول وبناه الإفرنج، ودخل النقابون فيه. وكان الملك في عكا قد توجه إلى نحو بيروت، وهذا الذى حمل السلطان على نزوله على يافا، وأقام السلطان تلك الليلة هناك إلى أن مضى من الليل مقدار ثلثه، وعاد إلى المنزلة .. ولما أصبح السلطان عزم على القتال، فقاتلوا، وجرح من المسلمين جماعة بالنشاب والزنبورك من البلد، فيهم الحاجب أبو بكر، وختلخ والي بعلبك وأصيب بعينه، وطغرل التاجى، وسراسنقر في وجهه، وهما من خواص المماليك، وأياز جركس في يده، وهو من كبارهم. ولما رأى العدو المخذول ما حل بهم، أرسلوا رسولين نصرانيا وفرنجيا يطلبان الصلح، فطلب السلطان منهم قاعدة القدس وقطيعته، فأجابوا إلى ذلك، ولكن اشترطوا أن ينظروا إلى يوم السبت التاسع عشر من رجب، فإن جاءتهم نجدة وإلا تمت القاعدة على ما استقر، فأبى السلطان الانتظار، وصمم على القتال والمضايقة. ولم يزالوا يقاتلون في ذلك اليوم إلى أن فصل الليل بينهم، ولم يقدر السلطان على البلد في ذلك اليوم، بعد خرق النقوب من البدنة، وضاق صدره وندم على عدم إصابته للصلح. ولما كان يوم الجمعة الثامن عشر من رجب، زحف السلطان وزحف ولده الظاهر زحفا شديدا، وزحف العادل من المسيرة، فإنه كان مريضا، وارتفعت الأصوات وضربت الكوسات، [وخفقت البوقات] (١)، ورمت المنجنيقات، ووقعت تلك البدنة وانفتح الطريق. ولما رأى العدو ذلك أرسلوا رسولين إلى السلطان يطلبان الأمان، فقال السلطان قولا لهم: ينحازون إلى القلعة ويتركون البلد. فدخل الناس البلد [١٥١]، ونهبوا منه أقمشة عظيمة، وغلالا كثيرة، وأثاثا وبقايا قماش من نهبهم من القافلة المصرية. ولما كان عصر يوم الجمعة جاء إلى السلطان كتاب من قايماز النجمى، وكان في طريق (٢) الغور لحمايته من العدو الذى في عكا، يخبر فيه: أن ملك الإنكتار لما سمع خبر [يافا] (٣) أعرض عن قصد بيروت وعاد إلى قصد يافا. ولما كان سحر تلك الليلة،

стр. 544

سمع المسلمون بوق الفرنج وقد نعق، عَلِمُوا بوصول النجدة، وكانوا نيفًا وخمسين مركباً؛ منها خمسة عشر شينى، فوهب رجل من أهل القلعة نفسه للمسيح وقفز من القلعة إلى الميناء، وكان رملاً فلم يصبه شيء، واشتد عدوًا حتى أتى البحر، فجاء له شينى فأخذه إلى شينى الملك فأخبره بالخبر. ولما تيقن الملك أن القلعة ما أُخِذَتْ، اندفع يطلب الساحل، وكان أول شينى ألقى من فيه إلى البر شينى الملك، وكان أحمر، وقبته حمراء، وبيرقة أحمر، وكان رنكه (١)، ثم نزل كل من في الشوانى إلى الميناء. قال القاضى بهاء الدين: هذا كله وأنا شاهد ذلك، وكان تحتى فرس، فَسُقْتُ حتى أتيت إلى السلطان وبين يديه الرسولان، وقد أخذ القلم حتى يكتب لهما الأمان، فعرَّفته في أذنه ما جرى، فامتنع من الكتابة وشغلهم بالحديث، فما كان إلا ساعة حتى فر المسلمون نحو السلطان، فصاح في الناس فركبوا، وقبض على الرسل، وأمر بتأخر الثقل والإسواق إلى يازور، وبقى السلطان جريدة في الليل، وبات في ليلته هناك. وخرج ملك الإنكتار إلى موضع السلطان الذى كان فيه لمضايقة البلد، ثم طلب الحاجب أبا بكر العادلى، وأيبك العزيزى، وسنقر المشطوب، وبدر الدين دلدروم وغيرهم، وكان قد صادقهم فقال لهم: إن هذا السلطان عظيم، وما في الأرض من الإسلام أكبر منه ولا أعظم، كيف رحل عن مكانه بمجرد وصولى، والله ما لبست لأمة (٢) حربى، وليس في رجلى إلا [زربول] (٣) البحر. ثم قال لأبي بكر: "بالله عليك سلم على السلطان وقل له يجيب إلى صلحى، فهذا أمر لابد له في الأخير، وقد هلكت بلادى وراء البحر. وما دوام هذا مصلحة لا لنا ولا لكم". وجاء أبو بكر وعرَّف السلطان بذلك، وكان ذلك في آخر يوم السبت التاسع عشر من رجب. فلما سمع السلطان أحضر أرباب المشورة، وانفصل الحال على كون الجواب: "إنك كنت طلبت الصلح أولا على قاعدة، وكان الحديث في يافا

стр. 545

وعسقلان، والآن فقد خربت عسقلان، وهذه يافا، يكون لك من قيسارية إلى صور". فمضى إليه وعرَّفه ما قال. فردَّه إليه ومعه رسول فرنجى وقال: "يقول الملك: إن قاعدة الفرنج أنه إذا أعطى وأحد الواحد بلدًا صار تابعا له وغلامه، وأنا أطلب منك [هذين] (١) البلدين: يافا وعسقلان، وتكون عساكرهما في خدمتك دائما، وإذا احتجت إلىَّ وصلتُ إليك في أسرع وقت، وخدمتك كما تعلم خدمتى". وكان جواب السلطان ﵀: "حيث دخلت هذا المدخل فأنا أجيبك إلى أن نجعل البلدين قسمين؛ أحدهما لك [١٥٢] وهو يافا وما وراءها، والثانى لي وهو عسقلان وما وراءها". ثم سار الرسولان. ورحل السلطان وكان بيازور، ورتب اليزك بها، وأمر بخرابها وخراب بيت دجن. وسار حتى أتى الرملة فخيم بها يوم الأحد العشرين من رجب، ووصل إليه الرسول مع الحاجب أبى بكر، فأمر بإكرامه. وكانت الرسالة الشكر من الملك على إعطائه يافا، وتجديد السؤال في عسقلان، ويقول له: "إن وقع الصلح في هذه الأيام الستة سار إلى بلاده، وإلا احتاج أن يشتى هاهنا". فأجاب السلطان: "أما النزول عن عسقلان فلا سبيل إليه، وأما تشتِيتُه فلا بد منها؛ لأنه قد استولى على هذه البلاد، ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة، وإذا سهل عليه إن يشتى هاهنا، وهو بعيد عن أهله ووطنه مسيرة شهرين، وهو شاب في عنفوان شبابه ووقت اقتناص لذاته، ما يسهل علىَّ أن أُشَتى وأُصَيف وأنا في وسط بلادى، وعندى أهلى وأولادى، ويحضر إلى ما أُريده، ومَنْ أريده، وأنا رجل شيخ قد كرهت لذات الدنيا وشبعت منها ونفضتها عنى، والعسكر الذى عندى في الشتاء يكون غير العسكر الذى يكون في الصيف، ومع هذا أنا أعتقد أني في أعظم العبادات، ولا أزال كذلك حتى يعطى الله النصر لمن يشاء". فلما سمع الرسول ذلك، طلب أن يجتمع بالملك العادل، فأذن له في ذلك، فسار إلى خيمته، وكان قد تأخر بسبب مرض اعتراه على موضع يقال له مارضوان (٢). ثم بلغ السلطان أن عسكر العدو قد رحل من عكا قاصدًا يافا للإنجاد، فجمع أرباب الرأى للمشورة، فوقع الاتفاق على قصدهم جريدة، ويرحل الثقل إلى الجبل، فأمر الثقل بالرحيل في عشية يوم الاثنين الحادى والعشرين من رجب، وسار هو ﵀

стр. 546

جريدة في صبيحة يوم الثلاثاء، حتى نزل على العوجاء (١)، ووصل إليه من أخبره أن عسكر العدو قد وصل قيسارية ودخل إليها، وأن الملك قد نزل خارج يافا بنفر يسير وخيم قليلة، فوقع له أن يكبس عليه، وسار من أول الليل، والأدلة من العرب تتقدمه إلى أن أتى وقت الصباح إلى خيام العدو فوجدها يسيرة، مقدار عشر خيم (٢)، فداخله الطمع وحمل عليهم، فلم يتحركوا من أماكنهم، ودار السلطان على الأطلاب بنفسه يحثهم، فلم يجب إليه أحد سوى ولده الملك الظاهر، فإنه تأهب للحملة، فمنعه. فلما رأى السلطان ذلك، رأى أن وقوفه وحده خسارة، فأعرض عن القتال، وسار حتى أتى يازور وهو مغضب، فنزل بها، وذلك يوم الأربعاء الثالث والعشرين من رجب. ثم أصبح يوم الخميس سار إلى النطرون فنزل به، فأرسل إلى العسكر فحضروا عنده يوم الخميس الرابع والعشرين من رجب، فبات به. ثم أصبح يوم الجمعة وسار إلى الملك العادل يفتقده، ودخل القدس وصلى، ونظر إلى العمائر ورتبها، ثم عاد من يومه إلى الثقل، وبات فيه على النطرون. وقدمت [١٥٣] إليه العساكر، فأول من وصل علاء الدين ابن أتابك صاحب الموصل، فلقاه السلطان ضحوة نهار السبت السادس والعشرين من رجب، فأكرمه وأنزله عنده في الخيمة، وقدَّم له تقدمة جليلة، ثم سار إلى خيمته، وأقام السلطان بالنطرون. ولما كان يوم الخميس التاسع من شعبان، قدم عسكر مصر، فخرج السلطان إلى لقائهم، وكان فيهم مجد الدين هلدرى، وسيف الدين يازكج وجماعة من الأسدية، وكان في خدمة ولده الملك المؤيد مسعود، وكان يومًا مشهودا، ثم أنزلهم عنده ومد الخوان (٣)، ثم ساروا إلى منازلهم. ثم قدم الملك المنصور بن تقى الدين في صبيحة يوم الاثنين ثالث عشر شعبان، ونزل في مقدمة العسكر. ولما رأى السلطان أن العساكر قد تجمعت، جمع أرباب الرأى وقال: "إن ملك الإنكتار مرض مرضا شديدًا والإفرنسيسية قد رجعوا إلى بلادهم، ونفقاتهم قد قلت". وأصبح يوم الخميس راحلاً إلى جهة (٤) الرملة.

стр. 547

ذكر كتاب الصلح لما رضى ملك الإنكتار بما رسم به السلطان صلاح الدين، كُتب كتاب الصلح في الثامن عشر من شعبان، وأُكدت العهود والمواثيق من كل ملك من ملوكهم وأسقف وجاثليق (١)، وحلف الأمراء من المسلمين وكتبوا خطوطهم، واكتفى من السلطان بالقول المجرد، كما جرت به عادة السلاطين، وفرح كل من الفريقين فرحاً عظيما. وفى تاريخ النويرى: واستقر أمر الهدنة يوم السبت الثامن عشر من شعبان، وتحالفوا على ذلك يوم الأربعاء [الحادى والعشرين] (٢) من شعبان. ولم يحلف ملك الإنكتار، بل أخذوا يده وعاهدوه، واعتذروا بأن الملوك لا يحلفون، وقنع السلطان بذلك، وحلف الكندهرى ابن أخته. وخليفته على الساحل، وكذلك حلف غيره من عظماء الإفرنج. ووصل ابن الهنفرى وباليان إلى خدمة السلطان، ومعهما جماعة من المقدمين، وأخذوا يد السلطان على الصلح، واستحلفوا الملك العادل، والملكين الأفضل والظاهر ابنى السلطان صلاح الدين، والملك الأمجد بهرام شاه بن فرخشاه صاحب بعلبك، والأمير بدر الدين دلدُروم الياروقى صاحب تل باشر، والأمير سابق الدين عثمان صاحب شيزر، والأمير سيف الدين على بن أحمد المشطوب، وغيرهم من المقدمين الكبار. وعقدت هدنة عامة في البر والبحر، وجعلت مدتها ثلاث سنين وثلاثة أشهر، أولها أيلول الموافق الحادى عشرى شعبان. وكانت الهدنة على أن يستقر بيد الإفرنج يافا وعملها، وقيسارية الشام وعملها، وأرسوف وعملها، وحيفا وعملها، وعكا وعملها، وأن تكون عسقلان خرابًا، واشترط السلطان دخول بلاد الإسماعيلية في عقد هدنته، واشترط الإفرنج دخول بلاد أنطاكية وطرابلس في عقد هدنتهم، وأن تكون لدُّ والرملة مناصفة بينهم وبين المسلمين، واستقرت القاعدة على ذلك. وأرسل السلطان مائة نَقَّاب صحبة أمير لتخريب سور عسقلان، وإخراج من بها من الإفرنج والألمان (٣).

стр. 548

ذكر توجه السلطان إلى القدس ثم لما تم هذا الأمر، رحل السلطان إلى القدس في اليوم الرابع من شهر رمضان، وأمر بتشييد أسواره، وزاد في وقف المدرسة التى عملها بالقدس، وهذه المدرسة كانت قبل الإسلام تعرف بصند حنة (١)، يذكرون أن فيها قبر حنة أم مريم ﵍، ثم صارت في الإسلام دار علم، قبل أن يملك الإفرنج القدس، ثم لما ملك الإفرنج القدس سنة اثنتين وتسعين وأربع مائة أعادوها كنيسة كما كانت قبل الإسلام، فلما فتح السلطان القدس أعادها مدرسة، فَوَّضَ تدريسها إلى القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀. وأمر بأن يجعل الكنيسة المجاورة لدار الإستبار بقرب قمامة مارستانًا للمرضى، ووقف عليها مواضع، وسير أدوية وعقاقير عزيزة. فَوَّض القضاء والنظر في هذه الوقوف (٢) إلى القاضى بهاء الدين يوسف بن رافع بن تميم المذكور. ثم عزم السلطان ﵀ على أن يحج عامه هذا من القدس، فكتب إلى الحجاز واليمن والديار المصرية والشامية ليعلموا ذلك ويتأهبون له. وكان أخوه سيف الإسلام في اليمن، وكتب إليه أيضاً بذلك، ثم فنّد الأمراء. وكتب إليه القاضى الفاضل ينهاه عن ذلك، خوفا على البلاد من استيلاء الإفرنج عليها، ومن كثرة المظالم بها والفساد، وذكر أن النظر في أحوال المسلمين وإصلاح أمرهم، ومصابرة عدوهم، أفضل مما نوى، والعدو المخذول مخيم بعد في الشام. فسمع السلطان منه وشكره على نصحه، وعزم على ترك الحج عامه ذلك، وكتب إلى سائر الممالك. واستمر السلطان مقيما بالقدس جميع شهر رمضان، وكلما وفد أحد من رؤساء النصارى للزيارة أولاه غاية الإكرام والإحسان، تأليفًا لقلوبهم، وتأكيدًا لما حلفوه من الأيمان، ورغبة أن يدخل في قلوبهم شيء من الإيمان، ولم يبق أحد من ملوكهم إلا جاء لزيارة قمامة متنكرا، ويحضر سماط السلطان فيمن يحضر من جمهورهم، بحيث لا يُرى، والسلطان يعلم ذلك جملةً لا تفصيلاً، ولهذا يعاملهم بالإكرام والإحسان (٣).

стр. 549

ذكر خروج السلطان من القدس على عزم دمشق ثم أن السلطان ﵀ فَوَّضَ ولاية القدس الشريف إلى عز الدين جرديك، ووصاه بتهذيب الأمور والأخذ بالحزم في كل شيء، وكان فيه كفاية وشهامة وديانة، وكان الوالى قبله حسام الدين سياروخ، وكان فيه دين ولين. وولى علم الدين قيصر أعمال الخليل وعسقلان وغزة والداروم وما والاها، وأمر بنقل الغلات من البلقاء لتقوية الفلاحين، كذلك أمر بنقل الغلات من مصر إلى أعمال عسقلان، ليعيد إليها الزراعة والعمران. وكان السلطان قد أعطى دستورًا للعسكر حين تم أمر الصلح، فكان أول من سار عسكر إربل، فإنهم ساروا في مستهل شهر رمضان، ثم سار بعده في ثانِيْهِ عسكر الموصل وسنجار والحصن. وفى يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان، [١٥٥] صلى الملك العادل الجمعة، ثم انصرف عائدا إلى الكرك لينظر في أحواله، ثم يعود إلى البلاد الشرقية ليدبَّرها، فإنه كان أخذها من السلطان، وودع السلطان، فلما وصل إلى العازرية (١) ونزل بها، أتى إليه من أخبره أن رسولاً من بغداد واصل إليه، فأنفذ إلى السلطان وعرَّفه، وذكر أنه يجتمع به. ثم جاء إليه يوم السبت الرابع والعشرين منه، وذكر أن الرسول وصل إليه من جانب ابن النافذ بعد أن ولى نيابة وزارة بغداد. ومضمون كتابه؛ أنه يستعطف قلب السلطان إلى الخدمة الشريفة، والإنكار عليه في تأخر رسله عن العتبة الشريفة، وأنه يُسيّر القاضى الفاضل إلى الديوان في تقرير قواعد بينه وبين السلطان، ووعد للعادل شيء كثير إذا قرر ذلك. ولما سمع السلطان ذلك، كره إنفاذ رسول يسمع كلام الديوان. ووقع كلام كثير بين السلطان والعادل، ثم قوى عزم السلطان على إنفاذ الضياء الشهرزورى. وعاد العادل إلى مخيمه بالعازرية، وعَرَّفَ الرسول بما وقع عند السلطان، ومن إجابته إلى إنفاذ الرسول. ثم سار العادل يوم الاثنين طالبا جهة الكرك، وسار الضياء متوجها إلى بغداد يوم الثلاثاء سادس عشرى رمضان.

стр. 550

وفى يوم الأربعاء السابع والعشرين منه، توجه الملك الظاهر ابن السلطان إلى جهة حلب، بعد أن أوصى له السلطان بالتقوى فإنه رأس كل خير، وبالبعد عن سفك الدماء ومظالم الناس. وفى الليلة الخامسة من شوال من هذه السنة، سار الملك الأفضل ابن السلطان متوجها إلى دمشق، ثم أن السلطان - رحمة الله عليه - لم يزل ينظر في أحوال الناس، ويعطى إقطاعات لأناس، ودستورًا لآخرين، ولم يزل كذلك حتى صح عنده إقلاع مركب ملك الإنكتار متوجها إلى بلاده مستهل شوال، فعند ذلك حرر عزمه على أن يدخل الساحل جريدة، ويتفقد القلاع البحرية إلى بانياس، ثم يدخل دمشق ويقيم بها أياما قلائل، ثم يعود إلى القدس ويزوره، ثم يسير إلى الديار المصرية ليتفقد أحوالها، ويقرر قواعدها، وينظر في مصالحها. (١) قال القاضى بهاء الدين: وأمرنى بالمقام بالقدس لعمارة مارستان أنشأه فيه، وإدارة المدرسة التى أنشأها إلى حين عوده، ثم خرج السلطان من القدس ضحوة نهار الخميس، السادس من شوال من هذه السنة (٢). قال القاضى: وودعته إلى البيرة، وهى قرية بين القدس ونابلس، ونزل بها وأكل فيها الطعام، ثم رحل منها وبات على بركة الداوية، ثم نزل على نابلس ضحوة نهار الجمعة السابع من شوال، وكثرت الاستغاثات على سيف الدين على المشطوب صاحبها، وأنه زاد في رسومها ونوابها، فأقام بها السلطان إلى ظهر يوم السبت الثامن من شوال حتى كشف مظالمها، وأسقط رسومها الجائرة، ثم رحل بعد الظهر ونزل بسفسطية (٣) وتفقد أحوالها (٤). قال ابن كثير: [١٥٦] وبات ليلة الأحد عند عقبة ظهر حمار (٥)، بموضع يعرف بالفريديسة، وأصبح راحلاً، ونزل ضحوة نهار الأحد على جينين، وهناك ودعه المشطوب وداع الأبد، فإنه توفى بعد أيام. ثم رحل يوم الاثنين وجاء ضحوة إلى بيسان، وصعد إلى

стр. 551

قلعتها المهجورة الخالية فقال: الصواب بناء هذه وتخريب قلعة كوكب، ولم يزل حتى بَيَّن كيفية بنائها. ثم رحل الظهر وبات على قلعة كوكب، ورحل عنها ضحوة الثلاثاء ونزل بطبرية وقت العشاء، وهناك جاء إليه بهاء الدين قراقوش وقد خرج من الأسر، وكان قد أسر فيمن أسر بعكا، وكان انفكاكه من الأسر يوم الثلاثاء الحادى عشر من شوال، ففرح السلطان به فرحاً شديدًا؛ لأنه كانت له حقوق كثيرة على السلطان وعلى الإسلام (١). وأقام السلطان بطبرية يوم الأربعاء، ورحل بكرة الخميس ونزل بقرب صفد تحت الجبل، وصعد السلطان إليها وأمر بتسديد (٢) ما فيها من الخلل. ثم سار يوم الجمعة على طريق جبل عاملة (٣)، ونزل ضحوة بضيعة يقال لها الجش (٤) وهى عامرة، وسار منها وخيم على مرج تَبْنين، ووصى الوالى بعمارة قلعتها. ثم رحل بكرة السبت وجاء على قلعة هونين، ونزل من الجبل وبات على عين الذهب. ورحل يوم الأحد وخيم بمرج عيون، ورحل عصر يوم الاثنين وعبر من على صيدا يُسْرة، وعمل وادى تيم يمنة (٥) على الضياع والقرى، وعرس على مرج تلفياثًا (٦) مقابل مرج القنعبة، ثم أصبح يوم الثلاثاء على الرحيل إلى البقاع من تلفياثا، فخيم على جسر كامد (٧)، ثم غدا يوم الأربعاء وخيم بناحية قب إلياس، ثم دخل يوم الخميس إلى بيروت، ونزلت الأثقال على مرج قلميطية بالبقاع، وأقام خمسة أيام على الاستراحة (٨). ولما وصل السلطان إلى بيروت تلقاه واليها عز الدين أسامه، بكل ما توفرت به الكرامة، وأحضر للسلطان ولكل من كان معه من أنواع التحف وأقسام الطرف. ولما أراد السلطان أن يرحل عن بيروت - وذلك في يوم السبت الحادى والعشرين من شوال - قيل

стр. 552

له إن الإبرنس الأنطاكى قد وصل إلى الخدمة، مستمسكًا بحبل العصمة، داخلا في حكم الذمة، فثنى السلطان عنانه ونزل وأقام، وأذن للإبرنس في الدخول عليه، فدخل عليه وقربه منه ورفع مجلسه، وكان معه من مقدمى فرسانه أربعة عشر بارونيا، ووهب السلطان كلاً منهم تشريفا سريا، وكتب له من مناصفات أنطاكية بمبلغ عشرين ألف دينار، ثم ودعه يوم الأحد وفارقه (١). وفى النوادر: وأنعم عليه بالعمق (٢) وأزرغان ومزارع تفل [خمسة] (٣) عشرة آلاف دينار (٤). ثم خرج السلطان يوم الأحد وبات بالمخيم على البقاع، ورحل يوم الاثنين وعبر عين الجسر، وبات على مرج يبوس (٥)، ووصل هناك من أعيان دمشق من تلقاه بأنواع التحف من الفواكه وغيرها. ورحل يوم الثلاثاء [١٥٧] وبات بالعرادة (٦)، وأصبح يوم الأربعاء السادس والعشرين من شوال، ودخل دمشق، وخرج كل مَنْ بالمدينة، وحشر الناس ضحى، وكان يومًا مشهودا. وكانت غيبة السلطان عن دمشق أربع سنين (٧) وهو في الجهاد. وكان في دمشق أولاده الملك الأفضل، والملك الظاهر، والملك الظافر، وأولاده الصغار، وكان يحبُّ البلد ويؤثر الإقامة فيه على سائر البلاد، وجلس الناس بكرة يوم الخميس السابع والعشرين منه، وحضر الناس عنده وتملوا برؤيته وطلعته المباركة، وأنشده الشعراء، وعمَّ ذلك المجلس الخاص والعام، وأقام ينشر جناح عدله، ويهطل سحاب أنعامه وفضله، ويكشف مظالم الرعايا. وفى يوم الاثنين مستهل ذى القعدة، أعد الملك الأفضل دعوة للملك الظاهر، وأظهر فيها من بديع التجمل وغريبه ما يليق بهمته، وكأنه أراد بذلك مجازاته عما كان خدمه به حين وصوله إلى حلب، وسأل السلطان الحضور في دعوته فحضر، وكان يومًا مشهودا.

стр. 553

وفى يوم الأربعاء السابع والعشرين (١) من ذى القعدة، قدم الملك العادل من الكرك، وخرج السلطان إلى لقائه، وقام يتصيد حول غباغب (٢) إلى الكُسوة (٣) حتى لقيه، وسارا جميعًا يتصيدان. وكان دخولهما إلى دمشق آخر نهار الأحد مستهل ذى الحجة من هذه السنة، وأقام السلطان بدمشق يتصيد هو وأخوه وأولاده، ويتفرجون (٤) في أراضى دمشق، وما كان ذلك إلا للوداع (٥) لأولاده وهو لا يشعر. ثم أذن السلطان لولده الملك الظاهر السفره إلى حلب محل ولايته، فودعه وداعا لا لقاء بعده (٦)، وسار إلى حلب، وبقى عند السلطان ولده الملك الأفضل وأخوه وبقية أهله، وخرجت السنة والأمر على هذا. ذكر بقية الحوادث منها أنه كانت غزوة عظيمة بين صاحب غزنة (٧) شهاب الدين الغورى السَبُكتكينى، وبين الهند الذين كانوا كسروه في سنة ثلاث وثمانين (٨)، فأظفره الله بهم في هذه السنة وكسرهم، وقتل خلقا منهم وأسر آخرين. ومن جملة المأسورين ملكهم الأعظم، وأخذ ثمانية (٩) عشر فيلا من جملتها [الفيل] (١٠) الذى كان جرحه (١١)، فأحضر الملك بين يديه فأهانه ولم يكرمه، واستحوذ على حصنه أجمير بما كان فيه من جليل وحقير، ثم قتله بعد ذلك. واقتلع بلادًا كثيرة وأموالاً لا تحصى، وأقطع البلاد التى صارت إليه لمملوكه قطب الدين أيبك، وعاد إلى غزنة مؤيدًا منصورًا.

стр. 554

ومنها أن السلطان طغريل بن أرسلان بن طغريل خرج من الحبس بعد قتل قزل أرسلان بن ألدكز، وكان قزل أرسلان قد اعتقله - كما ذكرنا - في سنة سبع وثمانين وخمسمائة. ومنها: أنه اتهم أمير الحجيج ببغداد وهو طاشتكين، وقد كان باشر إمرة الحجيج من مدة عشرين سنة في غاية حسن السيرة، بأنه يكاتب السلطان صلاح الدين بن أيوب بالقدوم إلى العراق ليأخذها، فإنه ليس يمنعه أحد، وقد كان مكذوبا عليه [١٥٨] في ذلك، ومع هذا حُبس وأُهين وصودر. وفى المرآة: اعتقله الخليفة تحت التاج وأخفى خبره، بحيث أقام سنين لم يطلع له على خبر (١). ومنها أن ابن الجوزى في ربيع الأول منها، ولى مدرسة الشيخ (٢) عبد القادر، فذكر الدرس بها. وقال ابن القادسى: وفى جمادى الأولى جلس الشيخ أبو الفرج بن الجوزى عند تربة أم الخليفة المجاورة لمعروف الكرخى، فتاب مائة وثلاثون شخصًا، ومات في المجلس ثلاثة مِنْ وَجْدِهِم (٣). ومنها أنه وصل كتاب إلى السلطان من اليمن، أن ثلاثة أنهار بالحبشة تغيرت، كانت عذبة فصار الواحد أجاجا، والآخر لبنا، والثالث دمًا (٤). ومنها أنه هربت جماعة من العرب ودخلوا مع الفرنج، ثم أرسلوا يطلبون الأمان من السلطان، على أن يسوقوا ما قدروا عليه من خيل الفرنج، فساقوا خمسمائة فرس. ومنها: أن ملك الإنكتار جهز من عُدد المسلمين وأسلحتهم - التى نهبوها - شيئاً كثيرًا في مركب وسفرها في البحر، فأرسل الله تعالى عليها ريحا عاصفًا، فغرق المركب بما فيه ومَنْ فيه.

стр. 555

وفيها (١) ............................................ وفيها: حج بالناس من بغداد فلك الدين إيليا، ومن الشام درباس الكردى (٢). ذكر من توفى فيها من الأعيان الصّابُونى، أحمد بن محمود بن أبى بكر، أبو محمد الصابونى، الملقب نور الدين، أحد أعيان الأئمة الحنفية، صاحب "البداية في أصول الدين". توفى وقت صلاة المغرب، ليلة الثلاثاء السادس عشر من صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، ودفن بمقبرة القضاة السبعة، تفقه على شمس الأئمة الكردى. أبو المرهف الشاعر، نصر بن منصور النميرى، سمع الحديث واشتغل بالأدب، وكان قد أصابه جدرى وهو ابن أربع عشرة سنة، فنقص بصره جدًا، فكان لا يبصر الأشياء البعيدة ويرى القريبة منه (٣)، ولكنه لا يحتاج إلى قائد، فارتحل إلى العراق لمداواة عينيه، فآيسه الأطباء من ذلك، فاشتغل بحفظ القرآن ومصاحبة الصالحين والزهاد فأفلح، وله ديوان شعر كبير حسن، وقد سئل مرة عن مذهبه واعتقاد، فأنشأ يقول: أُحِبُّ عليا والبَتُول وولدها … ولا أجحد الشيخين فضل التقدم وأبرأ ممن نال عثمان بالأذى … كما أتبرأ من ولاء ابن ملجم ويعجبنى أهل الحديث لصدقهم … فلست إلى أقوام سواهم أنتمى (٤) توفى في ربيع الآخر منها ببغداد، ودفن بمقابر الشهداء بباب حرب ببغداد. وفى المرآة: منسوب إلى نمير (٥) بن عامر بن صعصعة من هوزان، ولد ببرقة الشام، وأمه بنت سالم بن مالك صاحب رحبة الشام، ورُبّى بالشام، وعاشر الأدباء، وقال الشعر

стр. 556

وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وتفقه على مذهب أحمد، وقرأ اللغة على [١٥٩] ابن الجواليقى. وكان طاهر اللسان نزهًا عفيفا دينا، وكان من أعيان شعراء الوزير يحيى بن هبيرة، وله فيه المدائح الكثيرة. وفى المقتفى، وصلاح الدين وغيرهما. سمع قاضى المارستان، وابن الحصين وغيرهما (١). ابن الفراش، القاضى شمس الدين محمد بن محمد بن موسى، المعروف بابن الفراش (٢). كان قاضى العساكر بدمشق، ويرسله السلطان في الرسالات إلى ملوك الآفاق، وتوفى بملطية عائدا من عند بنى قليج أرسلان. وقال العماد الكاتب: أرسله السلطان إلى قليج أرسلان وأولاده ليصلح بينهم، فتردد بينهم سنةً وعاد، ووصل إلى ملطية وتوفى بها في شهر ربيع الآخر من هذه السنة. الأمير سيف الدين على بن أحمد المشطوب، كان من أصحاب أسد الدين شيركوه، حضر معه في الوقعات الثلاث بديار مصر، ثم صار من أكابر أمراء السلطان صلاح الدين، وهو الذى كان على نيابة عكا حين أخذها الإفرنج، فافتدى منهم بخمسين ألف دينار وتخلّص، إلى أن خلص إلى السلطان وهو بالقدس الشريف، كما ذكرناه، فولاه نيابة نابلس. وكانت وفاته يوم الأحد (٣) الثالث والعشرين من شوال بالقدس الشريف، ودفن في داره. وقال العماد: وكانت وفاته يوم الخميس السادس والعشرين من شوال (٤). قال المؤيد (٥): وكانت نابلس إقطاعه، وتوفى فيها، فوقف السلطان ثلث نابلس على مصالح القدس، وأقطع الباقى للأمير عماد الدين أحمد بن سيف الدين على وأميرين معه. وفى المرآة (٦): سيف الدين المشطوب ملك الهكاريّة، واسمه على بن أحمد الهكارى، كان شجاعا صابرًا في الحرب، مطاعا في قبيلته، دخل مع أسد الدين شيركوه إلى مصر في المرات الثلاث، وشهد فتح مصر، ولزم خدمة السلطان. واتفق أن السلطان

стр. 557

اجتاز بنابلس في عوده إلى دمشق، فاجتمع أهلها وشكوا إلى السلطان واستغاثوا، فقال: ما لهؤلاء؟ قالوا: يتظلمون من المشطوب، وهو راكب بين يديه، فقال: يا عَلِىّ لو كان هؤلاء يدعون لك هيهات حتى يسمع الله، فكيف وهم يدعون عليك؟. واختلفوا في وفاته؛ فقال العماد: مات المشطوب في نابلس في آخر شوال. وقال القاضى ابن شداد: مات بالقدس وصلى عليه في المسجد الأقصى ودفن بداره. راشد الدين سنان بن سليمان بن محمد، وكنيته أبو الحسن، صاحب دعوة الإسماعيلية بقلاع الشام، وأصله من البصرة، توفى في هذه السنة. قال بيبرس عن ما يملكه: كان عالما فاضلاً أدب، وكانت له معرفة وسياسة، وحذق في إقامة الدعوة، واستجلاب للقلوب، ولم يقم أحد بعده مقامه. وفى المرآة: وكان في حصن ألموت (١)، فرأى منه صاحب الأمر في تلك البلاد نجابة وشهامة ويقظة، فسيَّره إلى حصون الشام، وكان مجيئه إلى الشام في أيام نور الدين محمود، فأقام واليا ثلاثين سنة، وجرت له مع السلطان قصص، وبعث إليه جماعة فوثبوا عليه، وكان في عزم السلطان قصده، ولم يعطه طاعة قط. ولما صالح السلطان الإفرنج وعزم على قصده توفى، ويحكى عنه العجائب والغرائب (٢). السلطان عز الدين قليج أرسلان بن مسعود بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش بن أرسلان بيغو بن سلجوق، صاحب بلاد الروم [١٦٠]، توفى يوم السبت منتصف شعبان من هذه السنة. وكان ملكه في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكان ذا سياسة حسنة، وهيبة عظيمة، وعدل وافر، وغزوات كثيرة. وكان له عشر بنين، قد وَلَّى كل واحد منهم قطرًا من بلاد الروم، وأكبرهم قطب الدين ملكشاه بن قليج أرسلان المذكور، وكان أبوه قد أعطاه سيواس، فسولت له نفسه القبض على أبيه وإخوته والانفراد بالسلطنة، وساعده على ذلك صاحب أرزنكان (٣).

стр. 558

فسار قطب الدين ملكشاه وهجم على والده قليج أرسلان بمدينة قونية وقبض عليه، وقال لوالده وهو في قبضته: أنا بين يديك أنفذ أمرك، ثم أنه أشهد على والده بأنه قد جعله ولى عهده. ثم مضى ملكشاه المذكور إلى حرب أخيه نور الدين سلطان شاه صاحب قيسارية، ووالده في القبضة معه، وهو يُظهر أنما يفعله بأمر والده. فخرج عسكر قيسارية لحربه، فوجد أبوه عز الدين قليج أرسلان - عند اشتغال العسكر بالقتال - فرصة، فهرب إلى ولده سلطان شاه صاحب قيسارية، فأكرمه وعظمة كما يجب عليه، فرجع قطب الدين ملكشاه إلى قونية وخطب لنفسه بالسلطنة، وبقى أبوه قليج أرسلان يتردّد في بلاده بين أولاده، كلما ضجر منه واحد منهم انتقل إلى الآخر، حتى حصل عند ولده غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان صاحب بُرغلو، فقوىّ أباه قليج أرسلان وأعطاه وجمع معه وحشد، وسار معه إلى قونية وملكها، وأخذها من ابنه ملكشاه. ثم سار إلى آقْصرا (١)، فاتفق أن عز الدين قليج أرسلان مرض ومات في التاريخ المذكور، وأخذه ولده كيخسرو وعاد به إلى قونية فدفنه بها. واتفق موت ملكشاه بعد أبيه قليج أرسلان بقليل، فاستقر كيخسرو في ملك قونية، وأثبت أنه ولىّ عهد أبيه قليج أرسلان. ثم أن ركن الدين سليمان، أخا غياث الدين كيخسرو، قوى على أخيه كيخسرو وأخذ منه قونية، فهرب كيخسرو إلى الشام مستجيرًا بالملك الظاهر صاحب حلب. ثم مات ركن الدين سليمان سنة ستمائة، وملك بعده ولده قليج أرسلان بن سليمان، فرجع غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان إلى بلاد الروم، وأزال ملك قليج أرسلان بن سليمان، وملك بلاد الروم جميعًا، واستقرت له السلطنة ببلاد الروم وبقى كذلك إلى أن قتل. وملك بعده أبنه عز الدين كيكاوس بن كيخسرو، ثم توفى كيكاوس وملك بعده أخوه السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو. ثم توفى علاء الدين كيقباذ سنة أربع وثلاثين وستمائة، وملك بعده ولده غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو، وكسره التتار سنة إحدى وأربعين وستمائة. وتضعضع حينئذ ملك السلاطين السلجوقية ببلاد الروم، ثم مات غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ ابن كيخسرو بن قليج أرسلان بن سليمان بن قطلومش [١٦١] بن أرسلان بن سلجوق.

стр. 559

وانقضى بموت كيخسرو المذكور سلاطين بلاد الروم في الحقيقة؛ لأن من صار بعده لم يكن له من السلطنة غير مجرد الاسم. وخلف كيخسرو المذكور صبيين هما: ركن الدين، وعز الدين، فملكا معًا مديدة، ثم انفرد ركن الدين بالسلطنة، وهرب أخوه عز الدين إلى قسطنطينية. وتغلب على ركن الدين المذكور معين الدين البرواناه، والبلاد في الحقيقة للتتر، ثم إن البرواناه قَتَلَ ركن الدين، وأقام ابنا (١) لركن الدين يخطب له بالسلطنة والحكم للبرواناه، وهو نائب التتر كما سنذكره إن شاء الله تعالى (٢). وفى تاريخ بيبرس: والذى كان قليج أرسلان فرقه لأولاده من بلاده: ركن الدين سليمان توقات (٣) وأعمالها. غياث الدين كيخسرو قونية وأعمالها. محيى الدين أنكورة (٤) وأعمالها. معز الدين قيصر شاه ملطية وأعمالها. مغيث الدين [أبلستين] (٥) وأعمالها. نور الدين محمود قيسارية وأعمالها. قطب الدين سيواس وأعمالها، وآقصرا وأعمالها. فلما مات اختلفت الأخوة وتحاربوا، واتفقت وفاة ولده قطب الدين على أثره، فقوى ركن الدين سليمان على إخوته، وملك هذه الممالك جميعها منهم (٦).

стр. 560

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة التاسعة والثمانين بعد الخمسمائة استهلّت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله ويقال لها سنة الملوك؛ لأنه مات فيها ملوك كثيرة، وأعظمهم وأجلهم السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، والأتابك عز الدين مسعود صاحب الموصل، وسيف الدين بكتمر صاحب خلاط، وسلطان شاه بن ألب أرسلان صاحب خراسان، وقيطرمش [بن عبد الله] (١) المستَنجدى شحنة (٢) بغداد، والأمير داود صاحب مكة (٣)، ونذكر تراجمهم واحداً بعد واحد بعون الله. ونذكر أولاً ترجمة السلطان صلاح الدين قدس الله روحه (٤). ذكر وفاة السلطان صلاح الدين والكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته: هو يوسف بن أيوب بن شاذى بن مروان. وقال ابن خلكان: ولقد تتبعت [نسبتهم] (٥) كثيراً، فلم أجد أحداً ذكر بعد شاذى أبا آخر، حتى أنى وقفت على كتب كثيرة بأوقاف وأملاك باسم شيركوه وأيوب فلم أر فيها سوى شيركوه وأيوب بن شاذى لا غير، ويقال: شاذى بن مروان. قال: ورأيت مُدرَجا رتبة الحسن بن [غريب] (٦) بن عمران الحرشى، يتضمن أن: أيوب بن شاذى بن مروان بن أبى على بن [عنترة] (٧) بن الحسن بن على بن أحمد بن أبى على بن عبد العزيز بن هدبة بن الحُصَين بن الحارث بن سنان بن عمرو بن مرة بن عوف بن أسامة بن بيهس بن الحارث صاحب الحمالة ابن عوف بن أبى حارثة بن مرة بن نُشُبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن

стр. 561

بغيض بن رَيْث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان [١٦٢] بن ألياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ثم رفع بعد هذا في النسب حتى انتهى إلى آدم ﵊. ثم ذكر بعد ذلك أن على بن أحمد بن أبى على بن عبد العزيز يقال: إنه ممدوح المتنبى وفيه يقول من جملة قصيدته: شرَقَ الجو بالغبارِ إذا سا … ر علىّ بن أحمد القمقامُ وأما حارثة بن عوف بن أبى حارثة صاحب الحمالة، فهو الذى حمل الدماء بين عبس وذبيان، وشاركه في الحمالة خارجه ابن سنان أخو هَرم بن سنان (١). وكان قدمهُ إلى الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل (٢) صاحب دمشق، وسمعه عليه هو وولده الملك الناصر صالح الدين أبو المفاخر داود بن الملك المعظم (٣)، وكتب لهما بسماعهما عليه في آخر رجب سنة تسع عشرة وستمائة. ورأيت (٤) في تاريخ حلب الذى جمعه القاضى كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد المعروف بابن العديم الحلبى، بعد أن ذكر الاختلاف في نسبهم، فقال: وقد كان المعز إسماعيل بن سيف الإسلام بن أيوب ملك اليمن أدعى نسباً في بنى أمية وادعى الخلافة. وقال ابن خلكان: وسمعت شيخنا القاضى بهاء الدين بن شداد يحكى عن السلطان صلاح الدين أنه أنكر ذلك، وقال: ليس هذا أصلى (٥). وذكر ابن القادسى، وقال: كان شاذى مملوك بهروز الخادم. وقال السبط في المرآة (٦): وهذه من هنات ابن القادسى ما كان شاذى مملوكاً قط، ولا جرى على أحد من بنى أيوب رق، وإنما شاذى خدم بهروز الخادم في قلعة تكريت استنابه فيها، وكان صلاح الدين يوسف المذكور يقال له: السلطان الأعظم أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية والفراتية واليمنية.

стр. 562

الثاني: في بيان ميلاده وبلده وأصله. ولد صلاح الدين بقلعة تكريت لما كان أبوه وعمه بها في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، واتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من دُوين (١) بضم الدال المهملة وكسر الواو وسكون الياء آخر الحروف وفي آخرها نون. وهي بلدة في آخر أعمال أذربيجان من جهة أران وبلاد الكرج. وإنهم أكراد رَوَادّية بفتح الراء والواو وبعد الألف دال مهملة ثم ياء آخر الحروف مشددة وبعدها هاء. والروادية بطن من الهدبانية بفتح الهاء والدال المهملة والباء الموحدة وبعد الألف نون مكسورة ثم ياء آخر الحروف مشددة وبعدها هاء، وهي قبيلة من الأكراد. وقال ابن خلكان (٢): قال لي رجل فقيه عارف بما يقول وهو من أهل دوين، إن على باب دوين قرية يقال لها أَجْدَ أتقَان (٣) بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون مفتوحة وقاف مفتوحة وبعد الألف الثانية نون أخرى، وجميع أهلها أكراد روادية، ومولد أيوب والد صلاح الدين بها، وشاذى أخذ ولديه أسد الدين شيركوه ونجم الدين أيوب وخرج بهما إلى بغداد، ومن هناك نزلوا تكريت ومات شاذي بها، وعلى قبره قبّة داخل البلد. وكان شيركوه وأيوب - لما كانا في بغداد - خدما مجاهد الدين بهروز شحنة [١٦٣] العراق، ورأى مجاهد الدين في نجم الدين أيوب عقلاً ورأيا حسناً وحُسن سيرة، فجعله دردار تكريت إذ هي له. ودزدار بضم الدال المهملة وسكون الزاي المعجمة وفتح الدال المهملة وبعد الألف راء، وهو لفظ أعجمي، ومعناه حافظ القلعة، وهو الوالي، ودُز بالعجمى القلعة، ودار الحافظ. فسار إليها ومعه أخوه أسد الدين. ثم إن أسد الدين قتل إنساناً بتكريت لكلام جرى بينهما، فأرسل مجاهد الدين إليهما، فأخرجهما من تكريت، ثم إنهما قصدا عماد الدين زنكي وكان إذ ذاك صاحب الموصل، فأحسن عماد الدين إليهما وأقطعهما إقطاعاً حسنًا وصارا من جملة جنده، ولما فتح عماد الدين زنكي بعلبك جعل نجم الدين دزد رها وقد ذكرنا ذلك كله مفصلاً (٤)،

стр. 563

ويقال: إن الأخوين خرجا من تكريت في الليلة التي ولد فيها صلاح الدين فتشاءموا به وتطيروا منه، فقال بعضهم: لعل فيه الخيرة وما تعلمون. فكان كما قال ويقال ما خرجا من تكريت إلا - بعد ولادة صلاح الدين مدة يسيرة، أما في بقية السنة التي ولد فيها صلاح الدين أو في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة والله أعلم. الثالث في بيان منشأه: ولم يزل صلاح الدين في كنف أبيه حتى ترعرع، ولما ملك نور الدين محمود الشهيد بن عماد الدين زنكي دمشق في التاريخ الذي ذكرناه، لازم نجم الدين أيوب خدمته، وكذلك ولده صلاح الدين يوسف، وكانت مخايل السعادة عليه لائحة، والنجابة تقدمه من حالة إلى حالة، ونور الدين الشهيد يرى له ويؤثره، ومنه تعلم صلاح الدين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمر الجهاد، حتى تجهز مع عمه شيركوه إلى الديار المصرية كما ذكرناه مفصلاً، ثم لم يزل يتقلب به الحال إلى أن صار سلطانًا، وخطب باسمه في الديار المصرية والشامية والفراتية وأرض اليمن ومكة والمدينة، ولم يزل مرابطاً مجاهداً في سبيل الله حتى أتاه اليقين (١). الرابع في سيرته: قال العماد (٢) وغيره: قد كان السلطان صلاح الدين متشرعاً في ملبسه ومأكله ومشربه ومركبه، فلا يلبس إلا الكتان والقطن والصوف، ولا يعرف أنه تخطى مكروهاً بعد أن أنعم الله عليه بالملك، بل كان همه الأكبر ومقصوده الأعظم نصر الإسلام وكسر الأعداء اللئام، ويعمل فكره في ذلك وآراءه وحده ومع من يثق برأيه ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً، هذا مع ما لديه من الفضائل والفواضل والفوائد الفرائد في اللغة والأدب وأيام الناس حتى قيل: إنه كان يحفظ الحماسة بتمامها وكان مواظباً على الصلوات [الخمس] (٣) في أوقاتها في جماعة، ويقال: إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل حتى في مرض موته، كان يدخل الإمام فيصلي به، ويتجشم القيام مع ضعفه، وكان يفهم ما يقال بين يديه من البحث والمناظرة، ويشارك في ذلك مشاركة

стр. 564

قريبة حسنة وإن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها (١). وقال العماد: ورأى يوماً دواتي محلاة بالفضة، فأنكر على وقال: هذا حرام. فقلتُ له على سبيل [١٦٤] المداعبة: وليس تحل حُلية السلاح واستصحابه في الكفاح، ودواتي هذه أشجع ومدادها أنقع ويراع براعتي القصير أطول، وسنان قناتي أحد وأقتل. فقال: ليس هذا دليل صالح. قلت: ما جمعت هذه العساكر الإسلامية إلا بقلمي، ولا تفرقت جموع الكفر إلا بكلامي. فقال: والله إن هذا ما يعجبني. فلم أعد أكتب بتلك الدواة بين يديه. وكان طاهر المجلس لا يذكر أحدا في مجلسه إلا بالخير، وكان طاهر اللسان لا يذكر أحداً بسوء ولا يشتم أحداً قط، وكان مع هذه المملكة المتسعة والسلطنة العظيمة كثير التواضع واللطف، قريباً من الناس رحيم القلب كثير الاحتمال والمداراة، وكان يحب العلماء وأهل الخير ويقربهم ويحسن إليهم، وكانت مجالسه منزهة عن الهزء والهراء، ومحافله حافلة بأهل العلم والفضل، وما سمع منه كلمة فُحش قط، وكان يلين للمؤمنين ويغلظ على الكافرين، ومن جالسه لا يعلم أنه جالس سلطاناً بل يعتقد أنه أخ من الإخوان، وكان شديد الحياء خاشع الطرف، رقيق القلب سريع الدمعة شديد الرغبة في سماع الحديث، وإذا بلغه عن شيخ رواية عالية - وكان ممن يحضر عند الناس - استحضره وسمع عليه وأسمع أولاده ومماليكه، وأمرهم بالقعود عن سماع الحديث إجلالاً له، وإن لم يكن ممن يحضر عند الناس ولا يطرق أبواب الملوك سعى إليه وسمع منه وروي عنه وتردد إليه، ولم يكن في عمره كَتَبَ بيده ما فيه أذى مسلم، وما حضر بين يديه يتيم إلا وترحم على مخلفه وجبر قلبه وأعطاه ما يكفيه، فإن كان له كافل وإلا كفله، وإنه مات ولم تجب عليه زكاة (٢). الخامس في حسن عقيدته: كان متوكلاً على الله في كل أمره، ولا يلتفت إلى قول منجم، وكان حسن العقيدة كثير الذكر لله تعالى، وكان قد قرأ عقيدة القطب النيسابوري وعلمها أولاده الصغار؛ لترسخ في أذهانهم من الصغر، وكان يأخذها عليهم.

стр. 565

وقال ابن كثير: وكان القطب النيسابوري جمع هذه العقيدة الأهله، وكان يَحْفَظُهَا ويُحَفِّظُهَا مَنْ عَقِلَ مِنْ أولاده، وكان يحب سماع القرآن العظيم ويواظب على سماع الحديث، حتى أنه سمع في بعض المصافات جزءاً، وهو بين الصفين، ويتبحبح بذلك ويقول: هذا موقف لم يسمع فيه أحد حديثًا، وكان ذلك بإشارة العماد [الكاتب] (١). وكان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، كثير التعظيم لشعائر الدين، وكان قد لجأ إلى ولده الظاهر - وهو بحلب - شاب يقال له الشهاب، يعرف الكيمياء وشيئًا من الشعبذة والأبواب النيرنجيات، فافتتن به ولده وقربه وأحبه وخالف فيه حملة الشرع، وبلغ ذلك أباه السلطان، فكتب إليه أن أقتله لا محالة، فصلبه ولدُه عن أمر والده كما ذكرناه (٢) في سنة [ست] (٣) وثمانين وخمسمائة، ومن شدة محبته لسماع الحديث مضى إلى الإسكندرية، وسمع الحديث الكثير من الحافظ [١٦٥] السلَفِي ومن ابن عوف الموطأ، وكان مبغضاً لكتب الفلاسفة وأرباب المنطق ومن يُعَانِد الشريعة، وقال ابن كثير: وكان ﵀ قرأ مختصراً في الفقه تصنيف سُليم الرازي. السادس في حلمه وأخلاقه الحسنة: وكان حليماً كثير العفو والتجاوز عن أصحاب الذنوب، حسن الخلق صبوراً على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه، وكان يوماً جالساً فرمي بعض المماليك بعضاً بسَرْموزة، فأخطأته، ووصلت إلى السلطان ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى ليتغافل عنها. وقال القاضي بهاء الدين (٤): نفرت (٥) بغلتي يوماً من الجمال وأنا راكب في خدمته، فزحمت وركهـ حتى أقلقته من الوجع وهو يبتسم، وبُدلت في خزانته كيسان من الذهب المصرى بكيسين من الفلوس (٦). [فما عمل] (٧) للمباشرين شيئاً سوى صرفهم (٨).
следующие страницы →