← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله وأصحاب البلاد على حالهم، ونقل الأفضل صاحب دمشق أباه السلطان صلاح الدين من قلعة دمشق إلى التربة بالمدينة (١) وذلك في شهر صفر منها، وكانت مدة لبثه في القلعة ثلاث سنين، ولزم الأفضل الزهد والقناعة وأموره مُفوّضه إلى وزيره ضياء الدين بن الأثير الجزري، وقد اختلفت الأحوال به وكثر شاكوه وقل شاكروه. (٢) ذكر انتزاع (٣) دمشق من الملك الأفضل قال المؤيد (٤) في تاريخه: ولما بلغ الملك العادل -في مصر- والملك العزيز اضطراب الأمور على الملك الأفضل اتفق العادل مع العزيز على أن يأخذا دمشق وأن يسلمها العزيز إلى العادل لتكون الخطبة والسكة في سائر البلاد للعزيز كما كانت لأبيه السلطان صلاح الدين، فخرجا وسارا من مصر فأرسل الأفضل إليهما فلك الدين وهو أحد أمرائه وهو أخو العادل لأمه، واجتمع فلك الدين بالعادل فأكرمه وأظهر الإجابة إلى ما طلبه، ولم يزل العادل والعزيز سائرين حتى نزلا على دمشق وقد حصنها الأفضل، فكاتب بعض الأمراء من داخل البلد الملك العادل بأنهم معه وأنهم يسلمون البلد إليه، فزحف العادل والعزيز ضحى يوم الأربعاء السادس والعشرين من رجب من هذه السنة، فدخل العزيز من باب الفرج (٥) والعادل من باب توما (٦)، فأجاب الأفضل إلى تسليم القلعة وانتقل منها بأهله وأصحابه، وأخرج وزيره ضياء الدين الجزري مختفيًا في صندوق خوفًا عليه من القتل، وكان الملك الظافر خضر ابن السلطان صلاح الدين صاحب بصري

стр. 632

مع أخيه الأفضل ومعاضدًا له، فأخذت منه بصري ولحق هو بأخيه الظاهر صاحب حلب، فأقام عنده، وأعطى الأفضل صرخد فسار إليها بأهله واستوطنها، ودخل العزيز إلى دمشق يوم الأربعاء رابع شعبان منها، ثم سلم دمشق إلى عمه العادل، ثم رحل العزيز من دمشق عشية يوم الاثنين التاسع من شعبان، فكانت مدة الأفضل في دمشق ثلاث سنين وشهرًا، وأبقى العادل السكة والخطبة بدمشق للعزيز (١). وقال ابن كثير في تاريخه: وفي رجب من هذه السنة أقبل العزيز من مصر صحبة عمه العادل في العساكر، فدخلا دمشق قهرًا وأخرجا منها الأفضل ووزيره الذي أسماء تدبيره، وصلى العزيز الجمعة عند تربة والده صلاح الدين وخطب له بدمشق، ودخل في هذا اليوم القلعة وجلس في دار العدل للحكم والفصل، كل هذا وأخوه الأفضل حاضر عنده في الخدمة، وأمر القاضي محيي الدين بن الزكي بتأسيس المدرسة العزيزية إلى جانب تربة أبيه، وكان دارًا للأمير عز الدين أسامة ثم استناب على دمشق عمه العادل وانشمر إلى الديار المصرية يوم الاثنين تاسع شعبان (٢)، والسكة والخطبة له، وصولح الأفضل عن دمشق على مدينة صرخد، وهرب وزيره الجزري إلى جزيرته وأتلف ملكهـ ونفسه بجزيرته، وانتقل الأفضل إلى صرخد بأهله وأولاده وأخيه قطب الدين. (٣) وقال صاحب المرآة: لما ازداد من ابن الأثير الجزري وزير الأفضل الأفعال القبيحة وأذاه لأكابر الدولة من أهل الشام والأفضل يسمع منه ولا يخالفه، كتب قيماز النجمي وأعيان الدولة إلى العادل في مصر يشكونه، فأرسل العادل إلى الأفضل يقول: ارفع يد هذا الأحمق السيء التدبير القليل التوفيق فلم يلتفت إليه، فاتفق العادل مع العزيز على النزول إلى الشام، فسار إلى الشام فاستشار الأفضل أصحابه وكل أشار عليه أن يلتقى عمه وأخاه ولا يخالفهما إلا الجزري فإنه أشار عليه بالعصيان، فاستعد للحصار، وحلّف الأمراء والمقدمين وفرقهم في الأبراج وعلى الأسوار فراسلوا العزيز والعادل وأصلحوا أمرهم في الباطن، واتفق العادل مع عز الدين بن الحمص على فتح الباب الشرقي -وكان

стр. 633

مسلمًا إليه فلما كان يوم الأربعاء السادس والعشرين من رجب ركب العادل والعزيز وجاءا إلى الباب الشرقي، ففتحه ابن الحمص فدخلا البلد من غير قتال، فنزل العزيز دار عمته ست الشام ونزل العادل دار العقيقى (١) ونزل الأفضل إليهما وهما في دار العقيقي، فدخل عليهما وبكى بكاء شديدًا، فأمره العزيز بالانتقال إلى صرخد، فأخرج وزيره الجزري في الليل في جملة الصناديق خوفًا عليه من القتل، فأخذ أموالًا عظيمة وهرب إلى بلاده، وكان العزيز قد قرر مع العادل أن يكون نائبه بمصر، ويقيم العزيز بدمشق، ثم ندم فأرسل إلى الأفضل وسأله فيها صلاح حاله فأذاعها، ووصلت إلى العادل فغضب العزيز ورسم عليه بالخروج، فخرج إلى مسجد خاتون بأهله وعياله، وسلم العزيز بصري إلى العادل وكان بها الظافر، وأقام العزيز بدمشق أربعة أيام وصلى الجمعة عند مكان قبر والده بالكلاسة، وأمر ببناء القبة والمدرسة إلى جانبها، وأمر محيي الدين بن زكي الدين بعمارة المدرسة العزيزية، وكان الأفضل قد شرع في بناء تربة عند مشهد القدم (٢) بوصية من السلطان، فإنه قال: تكون تربتى على الجادة ليمر بها الصادر والوارد فيترحمون على. فارتفع منها فأمه، ولما جاء العزيز إلى دمشق أخربها، وكان العزيز إذا جلس في مجالس لهوه جلس العادل على بابه كأنه برددار (٣)، ولما كان آخر ليلة من مقامه بدمشق وكانت ليلة الاثنين تاسع شعبان قال العادل لولده الملك المعظم: ادخل. فقبّل يده واطلب منه دمشق، وكان المعظم قد راهق الحلم فدخل فقبل يده وطلب دمشق فدفعها إليه وأعطاه سنجقه (٤)، وقيل: بل استناب العادل فيها وأعطاها للمعظم عيسي بن العادل (٥) في سنة أربع وتسعين وخمسمائة ثم رحل العزيز إلى مصر في تاسع شعبان ومضى الأفضل إلى

стр. 634

صرخد، ونفى العادل ابن الحمصي الذي فتح له الباب الشرقي، وكان قد أعطاه عشرة آلاف دينار فاستردها منه واجتاز العزيز في طريقه إلى مصر بالقدس، فعزل أبا الهيجاء السمين عنه، وولاه سنقر الكبير (١) ومضى أبو الهيجاء إلى بغداد على ما سنذكره (٢) إن شاء الله. وقال بيبرس في تاريخه: وفي سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة تحدّد للعادل سوء رأى في الأفضل واغتاظ منه لأمور بلغته عنه، فاتفق مع العزيز على أخذ دمشق منه وأخذ حلب من الظاهر فخرجا، ولما وصلا إلى غزة أرسل الأفضل كتابًا؛ يستعطف العادل، فسيرا إليه أنه لابد من اجتماع الكلمة وخدمة العزيز والعزم على قصد دمشق، وقد كان الظاهر (٣) قد أرسل إلى أخيه الأفضل يقول له: أخرج عمنا من بيننا ونحن ندخل تحت كلّ ما تريد، فأنا أعرف منك به، وأقرب إليه، فإنه عمي كما هو عمك، وأنا زوج ابنته، ولو علمتُ أن لنا في دخوله بيننا خير لكنت أولي به منك، وقال له الأفضل: أنت سيء الظن في كل أحد أتي مصلحة لعمنا في أذيتنا، ونحن إذا اجتمعت كلمتنا سيّرنا معه العساكر من عندنا فملك من البلاد أكثر من بلادنا ونربح حسن الذكر. ثم ذكر بيبرس نحوًا مما ذكرنا إلى أن قال: إنهم استمالوا أميرًا من أمراء الأفضل يسمى العزيز أبو غالب بن الحمصي وكان الأفضل يعتمد عليه ويكثر الإحسان إليه، ففتح له الباب الشرقي في السابع والعشرين من رجب وأدخل العادل منه ومعه جماعة من أصحابه، وركب العزيز ووقف بالميدان الأخضر غربي البلد، ولم يشعر الأفضل إلا وعمه معه في البلد وقد ملكت عليه (٤) فركب لوقته وتوجه إلى أخيه العزيز، واجتمع معه ودخل البلد ومضيا إلى عمهما العادل، وكان قد نزل في دار أسد الدين شيركوه، فاتفق العادل والعزيز على أن يبقيا على الأفضل البلد خوفًا أن تجمع عليهما العساكر، وعاد الأفضل إلى مكانه وبات العادل بدار شيركوه وخرج العزيز إلى خيمته ثم خرج العادل من الغد إلى جوسقه (٥)، وبقى الأفضل يتردد إليهما كل يوم ثم استقر الحال على أن يخرج الأفضل من دمشق ويأخذ صرخد فيسلم العزيز قلعة دمشق، وسار الأفضل إلى صرخد،

стр. 635

ثم خرج العزيز من دمشق عائدًا إلى مصر، وجدد بينه وبين العادل إيمانًا، ونزل عن خبزه بمصر فكان دخوله مصر رابع شهر رمضان من هذه السنة (١). وفي تاريخ النويري (٢): ولما استقر الأفضل بصرخد كتب إلى الخليفة الناصر لدين الله يشكو من عمه أبي بكر وأخيه العزيز عثمان بقوله في أول الكتاب: مولاي إن أبا بكر وصاحبه … عثمان قد غصبًا بالسيف حق على فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي … من الأواخر مالاقي من الأول وهو الذي كان قد ولاه والده … عليهما واستقام الأمر حين ولي فخالفاه وحلا عقد بيعته … والأمر بينهما والنص فيه جلى فكتب الخليفة الناصر إليه جواب كتابه وفي أوله: وافي كتابك يا ابن يوسف معلنا … بالود يخبر أن أصلك طاهر غصبوا عليا حقه إذ لم يكن … بعد النبي له بيثرب ناصر فابشر فإن غدا عليه حسابهم … واصبر فناصرك الإمام الناصر (٣) ذكر غزوة صاحب غزنة وفي هذه السنة سار شهاب الدين أحمد الغوري (٤) صاحب غزنة إلى بلاد الهند، ففتح قلعة عظيمة تسمي بهنكر بالأمان ثم سار إلى قلعة كواكير وبينهما خمسة أيام، فصالحه أهلها على مال حملوه إليه، ثم سار إلى بلاد الهند فغنم وأسر شيئًا كثيرًا ثم عاد إلى غزنة، مؤيدًا منصورًا. (٥) وقال بيبرس: لما سار شهاب الدين بن سام الغوري إلى بلاد الهند فتح قلعة بهنكر بالأمان ثم سار إلى قلعة كواكير وهي قلعة منيعة على جبل لا يصل

стр. 636

إليها نشاب ولا منجنيق، فأقام عليها شهر صفر فلم يبلغ منها غرضة، فراسله من بها في الصلح على مال يحملونه فأجابهم ورحل عنها. فأغار (١) ونهب وسبي وغنم شيئًا عظيمًا ثم عاد إلى غزنة سالمًا. ذكر وقعة أخرى بين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وبين ألفنش ملك الإفرنج وكان ألفنش قد جند وجمع جمعًا أكثر من الأول، والتقوا فهزمه يعقوب وساق خلفه إلى طليطلة، وضربها بالمجانيق وضيق عليها ولم يبق إلا فتحها، فخرجت إليه والدة ألفنش وبناته ونساؤه وأهله وبكين بين يديه وسألنه إبقاء البلد عليهن، فَرَقَّ لهن ومنَّ عليهن به، ووهب لهن المال والجواهر، وردهن مكرمات بعد القدرة. (٢) ولو فتح طليطلة لفتح إلى مدينة النحاس (٣) وعاد إلى قرطبة فأقام شهرًا يقسم الغنائم، وجاءته رسل ألفنش تسأله الصلح فصالحه مدة وأمن أهل الأندلس. (٤) وفي تاريخ بيبرس: فصالحهم مدة خمس سنين ثم عاد إلى مراكش (٥)، وقيل: إن هذه الوقعة كانت في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. ذكر مُلك عسكر الخليفة أصفهان وفي هذه السنة ملك عسكر الخليفة أصفهان، وسبب ذلك كان بأصفهان ولد خوارزم شاه، وكان أهلها يكرهونه، فكاتبوا الخليفة الناصر سيبذلون له تسليم البلد إلى من يصل من الديوان من العساكر، فجهز الخليفة جيشًا صحبة سيف الدين طغرل مقطع بلد اللحف (٦) من العراق، فساروا إليها ونزلوا بظاهرها، ففارقها عسكر خوارزم شاه ودخلها عسكر الخليفة وخطب له فيها (٧)

стр. 637

وفيها عاد خوارزمشاه إلى خراسان فاتفق الأمراء البهلوانية والمماليك وقدّموا عليهم شخصًا من أعيانهم يسمي كوكجا، واستولوا على الرى وما جاورها من البلاد، وسار إلى أصفهان لإخراج الخوارزمية منها، فلما قاربها بلغه أن عسكر الخليفة عندها فأرسل إلى سيف الدين طغرل مقدم عسكر الخليفة يعرض نفسه على خدمة الديوان، ويكون له من الإقطاع الري وسارة وزنجان وقاشان (١) وما ينضم إليها من حدود مزدقان (٢) ويكون للديوان أصفهان وهمذان وقزوين فأجيب إلى ذلك وكتب له منشورًا وأرسلت له الخلع، فعظم شأنه وقوى أمره. (٣) ذكر بقية الحوادث منها أنه هبت ريح شديدة مظلمة مدلهمة بأرض العراق ومعها رمل أحمر حتى احتاج الناس إلى إشعال الأضواء بالنهار (٤)، ووقع من الركن اليماني قطعة وتحرك البيت الحرام مرارًا، وهذا شيء لم يعهده (٥) منذ بناه ابن الزبير وأعاده الحجاج وإلي هلم جرا. ومنها أنه ظهر ببوصير (٦) -قرية بصعيد مصر وهي التي قتل فيها مروان الجعدي آخر خلفاء بني أمية- بيت هرمس الحكيم وفيه أمثلة كباش وضفادع وقوارير كلها نحاس وفيه أموات لم تبل ثيابهم (٧). ومنها أنه ولي قوام الدين أبو طالب يحيى بن سعيد بن -زبادة (٨) كتابة الإنشاء ببغداد، وكان فاضلًا بليغًا ولكن لا كالفاضل.

стр. 638

ومنها أن مجير الدين (١) أبا القاسم محمود بن المبارك البغدادي، درس بالمدرسة النظامية، وكان فاضلًا بارعًا مناظرًا. (٢) وفيها ..................... (٣) وفيها حج بالناس من العراق ألب قرا مملوك طاشتكين، وكان الخليفة قد أفرج عن طاشتكين من الحبس في هذه السنة، وحج من مصر (٤) الشريف إسماعيل بن ثعلب الجعفري أيضًا. (٥) ذكر من توفي فيها من الأعيان صدر الدين محمود بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي رئيس الشافعية (٦) بأصفهان، قتله فلك الدين سنقر الطويل شحنه أصفهان (٧) وكان ذلك سنة زوال ملك أصفهان عن الديوان العزيز. فخر الدين محمود بن علي النَّوقاني (٨) الشافعي، توفي في هذه السنة عائدًا من الحج. أبو الغنائم محمد بن علي بن فارس الشاعر الهرثي، والهرث (٩) قرية تحت واسط في نهر جعفر بينها وبين واسط عشرة فراسخ. كان رقيق الشعر مليح المعاني، أكثر في الغزل ووصف المحبة والشوق والصبابة فمالت القلوب إليه، ومولده سنة إحدى

стр. 639

وخمسمائة، ومدح الأمراء والرؤساء والأعيان، وكانت وفاته في رجب منها بالهرث، وديوانه مشهور وفضله مذكور، ومن شعره قصيدة أولها: (١) أجيراننا إن الدموع التي جرت … رخاصًا على أيدي النَوى لغَوالِ صحبناكم والعمر غض وحُبّنا جديدٌ … وميدان الصبّابة خال فقد رق جلباب الشباب وما الصبا … بباق ولا برد الغرام ببال وحبكم حب يقوم بنفسه … ترفع عن شِبْه له ومثال حماه حفاظي أن يلم بخاطري … وأخفاه صوني أن يدور ببال يقر بعيني أن أرى من دياركم … مع الفجر ومض البارق المتعالي أداوي على بعد المزار بذكركم … عقائيل داءٍ في الفؤاد عُضَال إبراهيم بن أحمد بن محمد أبو (٢) طاهر العكبرى، ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، وسمع الحديث، ورأى في منامه في هذه السنة كأنه يقرأ "سورة يس" وهي اثنان وثمانون آية، ويقال: إن من قرأها يعيش بعدد آياتها سنين، فمات في صفر وله اثنان وثمانون سنة، وكذا يقال: إن من قرأ سورة من أول ما نزل القرآن طال عمُره، ومن آخر ما نزل قصر عمر، سمع القاسم (٣) بن حصين، وقاضى المارستان، وابن السمرقندي وغيرهم. (٤) عبد الخالق بن عبد الوهاب بن محمد: ويعرف بابن الصابوني، من أولاد المشايخ، سمع الحديث ورواه، وتوفي في شوال ودفن عند معروف الكرخي، وقد أناف على الثمانين سنة، سمع أبا القاسم بن الحصين وطبقته. (٥) الفقيه أبو الحسن علي بن سعيد بن الحسن البغدادي المعروف بابن العريف، ويلقب بالبيع الفاسد، كان حنبليًا ثم اشتغل شافعيًا على أبي القاسم بن فضلان، وهو

стр. 640

الذي لقبه بذلك لكثرة تكراره على هذه المسألة -الخلافية- (١) بين الشافعية والحنفية، ويقال: إنه صار بعد هذا كله إلى مذهب الإمامية والله أعلم، مات في هذه السنة. (٢) الشيخ أبو شجاع محمد بن على بن شعيب بن الدهان الفوضى الحاسب المؤرخ البغدادي (٣)، وقدم دمشق وأمتدح الشيخ أبا اليمن الكندي زيد بن الحسن، فقال: يا زيد زادك ربي من مواهبه … نعمًا يقصر عن إدراكها الأمل لا بدل الله حالًا قد حباك بها … ما دار بين النحاة الحال والبدل النحو أنت أحق العالمين به … أليس بأسمك فيه يضرب المثل (٤) محمد بن أحمد أبو منصور ويعرف بابن باقه. كوفي ولد بالكوفة سنة ثلاثين وخمسمائة، واشتغل بالأدب، وكان أبوه فاضلًا أيضًا، ومات محمد ببغداد ونقل إلى الكوفة ﵀. (٥) الوزير ابن القصابه: واسمه محمد بن علي بن محمد أبو الفضل، ولقبه مؤيد الدين، وأصله من شيراز (٦)، قدم بغداد في سنة أربع وثمانين وخمسمائة وأول خدمته أنه استخدم في ديوان الإنشاء ثم ترقى إلى الوزارة، وقرأ الأدب على أبي السعادات بن الشجرى (٧) وغيره، وكان داهية رديء الاعتقاد وهو الذي أعان ابن الشيخ عبد القادر على تمكنه من ابن الجوزي كما ذكرنا إلا أنه كان له خبرة بأمور الحرب وفتح البلاد، وكان الخليفة [الناصر] (٨) يثنى عليه، ويقول: لو قبلوا من رأيه ما جرى ما جرى. ولقد أتعب

стр. 641

الوزراء بعده (١). وقال ابن كثير: وكان أبوه يبيع اللحم ببعض أسواق بغداد، فتقدم [ابنه] (٢) وساد أهل زمانه، وكانت وفاته بهمذان، وقد أعاد رساتيق كثيرة من بلاد العراق وخراسان وخوزستان إلى ديوان الخليفة، وكان ناهضًا وله صرامة وشهامة وشعر (٣) جيد. الوزير عبيد الله بن المظفر بن هبة الله ابن رئيس الرؤساء: ويلقب بالأثير، وجده وهو الوزير الذي قتله الباطنية وهو خارج إلى الحج في أيام المستضئ. وكان عبيد الله فاضلًا عاقلًا، ومن شعره: إن حاول الدهر إخفائي فإن له … في حسبي، الآن سرًا سوف يبديه أعدّني للعُلى ذخرًا ومن ذخرت … يداه في الدهر شيئًا فهو يُخفيه زعيم الدين بن الناقد: واسمه نصر بن علي بن محمد أبو طالب، ولي حجبة الباب ثم ولي حاجب ديوان الإنشاء، ثم إلى المخزن، وهو الملقب بقنبر، لقب به لأنه صاد ولده قنبرًا وخبأه إلى جانب مسنده فخرج القنبر فصاح قنبر قنبر، فلقب به، وكان إذا بلغه أن أحدًا لقبه قنبر يسعى في هلاكه. وقيل: إنه كان يتشيع، وكانت عمامته طويلة، ولقبه أهل باب الأزج قنبر، وهو ذكر العصافير، توفي في هذه السنة. سابق الدين عثمان صاحب شيراز، مات في هذه السنة بشيزر، وعمل عزاؤه بالكلاسة بدمشق، وهو أحد أولاد الداية الأربعة، وأمهم داية نور الدين محمود بن زنكي ﵀.

стр. 642

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وصاحب مصر هو الملك العزيز ابن السلطان صلاح الدين، واستولى على دمشق أيضًا كما ذكرنا، وسير الملك الأفضل أخاه الذي كان صاحب دمشق إلى صرخد، وصاحب حلب هو الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين ﵀. ذكر غزوات الملك العادل وفي هذه السنة انقضت مدة الهدنة التي كان عقدها الملك الناصر صلاح الدين للإفرنج، فأقبلوا بقضهم وقضيضهم فالتقاهم الملك العادل بمرج عكا، فكسرهم وغنمهم وفتح يافا عنوة، وقد كانوا كتبوا إلى ملك الألمان يستنهضونه لفتح بيت المقدس فقدر الله هلاكهـ سريعًا، وكفى الله المؤمنين شره وشر أهل الكفر. وفي تاريخ بيبرس: وفي هذه السنة خرج العادل إلى خربة اللصوص (١) لحرب الفرنج، وجاءه الأفضل من صرخد، وقدم أسد الدين شيركوه من حمص، ووصل عز الدين بن المقدم ونزلوا على عين جالوت وأخذ العادل يافا منهم بالسيف، وقتل جماعة كثيرة وبيع الأسير بثمن بخس، وكان السبب في ذلك ما جرى منهم في الغدر فراسل الإفرنج ملك الألمان، وكان قد ملك صقلية وعرّفوه أن المسلمين اشتغلوا بحرب بعضهم بعضا فأقبل في مراكبه إلى عكا، واتفق هلاك الكندهري ساقطا من شباك له، فتملك الألماني مكانه وسارا إلى بيروت فملكها من المسلمين، وكان بها عز الدين أسامة. (٢) قال بيبرس: وفيها ملك العادل بيروت من الفرنج، وذلك أنها كانت بيد المسلمين وكان بها أمير يعرف بأسامة، وكان بطلًا شجاعًا يجهز المراكب في كل وقت على الإفرنج، فشكوا ذلك إلى الملك العادل بدمشق وإلى العزيز بمصر، فلم يزيلوا شكايتهم، فصار يقطع عليهم الطريق ويأخذ أموالهم، فشكوا ذلك إلى ملوك الفرنج الذين داخل البحر وقالوا لهم: إن لم تنجدونا أخذ المسلمون البلاد فأمدهم الفرنج بالعساكر الكثيرة وكان

стр. 643

أكثرهم من جهة ملك الألمان وكان المقدم عليهم قسًا يعرف بالحصكير (١)، فلما سمع العادل أرسل إلى العزيز بمصر يطلب [العساكر، وأرسل إلى ديار الجزيرة والموصل يطلب العساكر] (٢) أيضا، فجاءه الأمراء، واجتمعوا على عين جالوت، فأقاموا شهر رمضان وبعض شوال، ودخلوا إلى يافا وملكوا المدينة، وامتنع من بها بالقلعة التي لها، فخرب المسلمون القلعة وملكوها عنوة بالسيف، وأُخذ كل ما بها (٣) غنيمة وأسرًا وسبيًا، ووصل الفرنج من عكا إلى قيسارية ليمنعوا المسلمين عن يافا فوصلهم الخبر بأن المسلمين ملكوها ثم سار المسلمون إلى عين جالوت، فوصل الخبر أن الإفرنج على قصد بيروت، فرحل العادل والعسكر في ذي القعدة إلى مرج العيون وعزم على تخريب بيروت، فسير إليها جمعًا من العسكر وهدموا سور المدينة وشرعوا في تخريب دورها وتخريب القلعة، فمنعهم أسامة من ذلك وتكفل بحفظها، ورحل الفرنج من عكا إلى صيدا، وعاد عسكر المسلمين عن بيروت فلقوا الفرنج بنواحي صيدا، وتقابلوا فقتل منهم جماعة وحجز بينهم الليل، فوصلوا إلى بيروت فلما قاربوها هرب منها أسامة ومن معه من المسلمين فملكوها عفوًا صفوًا بغير حرب ولا قتال، فكانت غنيمة باردة، فأرسل العادل إلى صيدا من خرب ما كان بقي منها، فإن صلاح الدين كان قد خرب أكثرها وسافرت العساكر الإسلامية إلى صور فقطعوا أشجارها وخربوا مالها من قرى وأبراج، فلما سمع الفرنج بذلك رحلوا عن بيروت إلى صور وأقاموا عليها ونزل المسلمون عند قلعة هونين، وأذن العادل للعساكر الشرقية في العود إلى بلادهم ظنًا منه أن الإفرنج يقيمون ببلادهم، وأراد أن يعطى العساكر المصرية دستورًا فأتاه الخبر أن الإفرنج يريدون يحصرون حصن تبنين، فسير إليه عسكرًا يحمونه ويمنعون عنه، ورحل الفرنج من صور ونازلوا تبنين (٤)، ولما أخذت الفرنج بيروت من يد صاحبها عز الدين سأمه من غير قتال ولا نزال، قال بعض الشعراء في الأمير سامه: سلم الحصن ما عليك ملامة … ما يلام الذي يروم السلامة إن أخذ الحصون (٥) من غير حرب … سنة سنها بيروت سامة

стр. 644

وقال أبو شامة: ومن عجيب ما بلغني أنه لما كان الملك العادل فتح يافا بالسيف كان في قلعتها من الخيالة أربعون فارسًا من الفرنج العرب البحرية، فلما تحققوا نقب القلعة وأخذها دخلوا إلى كنيستها وأغلقوا عليهم بابها، وتجالدوا بسيوفهم بعضهم لبعض إلى أن هلكوا جميعًا وكسر المسلمون الباب وهم يرون أن الفرنج ممتنعون فوجدوهم قتلى عن آخرهم، فعجبوا من حالهم. (١) ذكر تسَحُّب أبي الهيجاء إلى بغداد وفي هذه السنة تسحب أبو الهيجاء السمين إلى بغداد، وكان من أمراء مصر المشهورين، وكان من جملة إقطاعه القدس وغيره مما يجاوره، فلما ملك العزيز والعادل أخذا القدس منه كما ذكرنا، فتوجه إلى بغداد فأكرم الخليفة الناصر مثواه فأمره بالمسير إلى همدان مقدمًا على الجيوش البغدادية، فلما وصلها حضر إليه أزبك بن البهلوان صاحبها وأمير علم [وابنه] (٢) وابن سطمش وغيرهم، وكانوا قد كاتبوا الخليفة بالطاعة، فلما اجتمعوا بأبي الهيجاء ووثقوا إليه ولم يحذروه قبض على أزبك بن البهلوان وابن سطمش وابن قرا بموافقة أمير علم، فلما وصل الخبر بذلك إلى بغداد أنكرت هذه الحال على أبي الهيجاء وأمر بالإفراج عن الجماعة، وسيرت لهم الخلع من بغداد تطييبًا لقلوبهم، فلم يسكنوا لهذه الحادثة ولا أمنوا بعدها، ففارقوا أبا الهيجاء فخاف الديوان فلم يرجع إليه ولم يمكنه المقام فعاد يريد إربل فمات قبل أن يصل إليها (٣). وفي المرأة (٤): وفي هذه السنة قدم حسام الدين أبو الهيجاء السمين بغداد وخرج الموكب للقائه في زي عظيم، ورتب الأطلاب على ترتيب الشام وكان في خدمته عدة من الأمراء، وكان معه ولدا أخيه عز الدين كر والغرز (٥)، وأول ما تقدم طلب كر ثم الغرز ثم أمير أمير، وجاء هو بعد الكل في العُدد الكامل والسلاح التام، وخرج جميع من ببغداد للقائه، وكان رأسه صغيرًا وبطنه كبيرًا جدًا بحيث كان على رقبة البغلة وكان قد رآه عند الحربية رجل كواز فعمل في ساعة كوزًا من طين وسبقه فعلقه في السوق، فلما اجتاز به ضحك وعمل أهل

стр. 645

بغداد بعده كيزانًا وسموها أبا الهيجاء السمين على صورته، وأنزله الخليفة بدار العميد غربي بغداد بعد أن عبر إلى الجانب الشرقي، وقبل عتبة باب النوبي وقام له الخليفة وأكرمه بالضيافات، ثم أمره أن يجرد جماعة من أصحابه مع عسكر الخليفة إلى همذان، فجرد جماعة فلما بعدوا من بغداد نهبوا خزانة الخليفة وقتلوا جماعة من عسكره ومضوا إلى الموصل والجزيرة، وعاد عسكر الخليفة إلى بغداد وقد خرجوا، فنقله الخليفة إلى الجانب الشرقي إلى دار عند النظامية كانت لسلطان دمشق مجير الدين أبق، ووكل به ثم خلع عليه بعد ذلك الجبة والفرجية (١) والعمامة السوداء والقباء الأسود وبين يديه الخيل بمراكب الذهب. قال السبط: وقد شاهدته وأنا صغير في هذه السنة وأعطاه الأموال والرجال، وسار إلى همذان (٢) فلم يتم له أمر واختلف الأمراء عليه وتفرق عنه أصحابه، فخاف من الخوارزمي واستحي أن يعود إلى بغداد فسار يطلب الشام على دقوقا، فلما وصل إليها مرض وأقام بها أيامًا فتوفي. قال السبط: وبلغني أنه كان نازلًا على تل فقال ادفنوني فيه، فحفروا له قبرًا على رأس التل (٣) فظهرت بلاطة عليها اسم أبيه فدفنوه عليه. وذكر السبط وفاته في سنة أربع وتسعين، وذكر غيره أنه توفي في هذه السنة أعني سنة ثلاث وتسعين (٤) والله أعلم. وكان كرديًا من أكابر أمراء الناصر صلاح الدين يوسف، وهو الذي كان نائبًا على عكا وهي محاصرة، ثم خرج منها ودخلها سيف الدين علي بن أحمد المشطوب، ثم استنابه صلاح الدين علي بيت المقدس، ثم لما أخذها العزيز عزل عنها ثم ذهب إلى بغداد كما ذكرنا. ذكر بقية الحوادث منها أن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أظلمت الدنيا بسحاب متكاثف وظهرت رعود وبروق كثيرة شديدة وهبت رياح عاصفة بحيث ارتجت لها الحيطان والجدران، وثار بين السماء والأرض عجاج، وخاف الناس الرجال والنساء فاعتصموا

стр. 646

بالمساجد الجامعة بحيث أيسوا من الحياة وترقبوا الهلاك، وما حسبوا ذلك إلا قيام الساعة، وكان ذلك أمرًا عظيمًا. وفي عقيب ذلك وردت الأخبار بأن مراكب كثيرة غرقت في البحر، وانفلقت أشجار كثيرة في البراري، وهلك ناس كثير في الأسفار (١)، وكتب بذلك القاضي الفاضل إلى القاضي محيي الدين بن الزكي وأخبره بذلك في كتابه بعبارات فائقة وإشارات (٢) رائقة. ومنها أنه خرجت المراكب الحربية من مصر للغارة فوجدوا بطسًا للفرنج فملكوها وأصابوا فيها أموالًا (٣) وغير ذلك. وكان فيها سبعون فارس فبذل أحدهم في فدائه ثمانين ألف دينار. (٤) ومنها أن الأمير فخر الدين إياز جهاركس الناصري بني القيسارية (٥) المعروفة به بالقاهرة (٦). ومنها أنه وقعت الزلزلة بمصر. وفيها ................................................ (٧) وفيها حج بالناس من بغداد شمس الدين أصبية، ومن الشام سيف الدين محمد بن نميرك، وحج من الشام أيضًا عز الدين سامه، وله آثار بالمدينة النبوية من القناة وعمارة القبة على قبر أمير المؤمنين عثمان ﵁. (٨)

стр. 647

ذكر من توفي فيها من الأعيان قاضي القضاة ببغداد أبو طالب على بن على بن هبة الله بن محمد البخاري (١) سمع الحديث على أبي الوقت وغيره، وتفقه على أبي القاسم بن الفضلان، وتولي نيابة الحكم ببغداد ثم استقل بالمنصب وأضيف إليه في وقت نيابة الوزارة، ثم عزل عن القضاء ثم أعيد، ومات في هذه السنة وهو حاكم، وكان فاضلًا بارعًا من بيت الفقه والعدالة، وله شعر حسن، فمنه قوله: تنح عن القبيح ولا تردهُ … ومن أوليته حسنًا فزده كفى بك من عدوك كل كيد … إذا كاد العدو ولم (٢) تكده (٣) نقيب الطالبين ببغداد أبو محمد الحسن بن علي بن حمزة بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب العلوى الحسيني المعروف بابن الأقساسي الكوفي مولدًا ومنشًا، مات في هذه السنة وكان شاعرًا فطينًا [٢١٤] امتدح الخلفاء والوزراء، وهو من بيت مشهور بالأدب والرئاسة والمروءة، وقدم بغداد فامتدح المقتدى وابنه المستنجد وابنه المستضيء وابنه الناصر، وهو الذي ولاء نقابة الطالبين، وكان شيخًا مهيبًا جاوز الثمانين، وقد أورد له ابن الساعاتي (٤) قصائد كثيرة فمنه قوله: اصبر على كيد الزما … ن فما يدوم على طريقهْ سبق القضاء فكن به … راضٍ ولا تطلب حقيقهْ كم قد تقلب مرة … وأراك من سعةٍ وضيقهْ ما زال في أولاه … والأخرى على هذيِ الخليقهْ (٥)

стр. 648

الغزنوي (١) الحنفي أحمد بن محمد بن محمود بن سعيد الغزنوي معبد درس الإمام الكاشاني صاحب "البديع"، تفقه على أحمد بن يوسف الحسيني العلوى، وانتفع به جماعة من الفقهاء وتفقهوا به، وصنف في الفقه والأصول كتبًا حسنة مفيدة منها: كتاب "روضة اختلاف العلماء"، ومقدمته المختصرة المشهورة في الفقه، وكتاب في أصول الفقه، وكتاب في أصول الدين ووسمه "بروضة المتكلمين"، واختصره ووسمه "بالمنتقى من روضة المتكلمين". توفي بحلب بعد سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ودفن بمقابر الفقهاء الحنفية قبل مقام إبراهيم الخليل ﵊. صاحب الهداية الإمام برهان (٢) الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، شيخ الإسلام العلامة المحقق محيي مذهب أبي حنيفة ﵁، أقر له أهل عصره بالفضل والتقدم كالإمام فخر الدين قاضي خان والإمام زين الدين العتابي، تفقه على جماعة منهم: الإمام نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد بن أحمد النسفي (٣) وفاق شيوخه وأقرانه وأذعنوا له كلهم ولاسيما بعد تصنيفه كتاب الهداية (٤) وكفاية المنتهي (٥)، ونشر المذهب وتفقه عليه الجم الغفير، وممن انتفع به كثيرًا وتخرج به، وروى الهداية للناس عنه شمس الأئمة محمد بن عبد الستار الكردري، مات في هذه السنة. والفرغاني نسبة إلى فرغانة بفتح الفاء مدينة وراء الشاش وراء سيحون. وفرغانة أيضًا قرية من قرى فارس وإلى الأولى ينسب صاحب الهداية، والمرغيناني نسبة إلى مرغينان بفتح الميم وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون وبعدها ألف ساكنة بعدها نون، وهي مدينة من بلاد فرغانة والله أعلم. الإمام قاضي خان: أحد السادات الحنفية، اسمه الحسن بن منصور بن أبي القاسم، محمود بن عبد العزيز الأوزجندي الفرغاني، الملقب بقاضي خان، الإمام

стр. 649

العلامة فخر الدين، تفقه على الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي نصر الصفاري الأنصاري، والإمام ظهير الدين أبي الحسن علي بن عبدالعزيز المرغيناني، ونظام الدين أبي إسحق إبراهيم بن على المرغيناني، مات في هذه السنة، والأصح ما ذكره صاحب طبقات الحنفية أنه توفي ليلة الاثنين الخامس عشر من رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ودفن عند القضاة السبعة. ابن الباقلاني (١) المقري: اسمه عبد الله بن منصور بن عمران أبو بكر، ولد سنة خمسمائة، وقرأ بواسط على أبي العز محمد بن الحسين بن بندار القلانسي وغيره، وانفرد بالرواية في القراءات العشر عن القلانسي، وقدم بغداد فقرأ على أبي محمد عبد الله بن علي سبط أبي منصور الخياط وغيره، وكان قدومه إلى بغداد سنة ست وسبعين وخمسمائة، وتوفي بواسط سلخ ربيع الآخر في هذه السنة، ودفن عند أبيه بمقبرة المصلى، وكان يومًا مشهودًا، ورآه بعض الأعيان في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: صلي على سبعون ألف من الأبدال. عبد الوهاب (٢) بن الشيخ عبد القادر الجيلى: مات في هذه السنة في شوال ودفن بالحلة، وكان مولده في سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وتفقه ووعظ وكان ذكيًا، وولاه الخليفة المظالم وتربة الخلاطية، وكانت مجالس وعظه تمضي في الهزل والمجون، قيل له يومًا: ما تقول في أهل البيت؟ فقال: قد أعموني، وكان أعمش، والسائل إنما سأل عن فضل بيت رسول الله ﷺ ، فأجاب عن بيت نفسه، وقيل له: بأى شئ يتبين المحق من المبطل؟ فقال: بليمونة أراد من يخضب يزول خضابه بليمونة. يحيى (٣) بن أسعد بن يحيى بن بُوش، أبو القاسم الخباز البغدادي، سمع الكثير، وكان قد افتقر في آخر عمره، فكان يأخذ على التسميع أجره، جلس ليلة الأربعاء ثالث ذي القعدة يأكل خبزة فغص بلقمة فمات فجأة في هذه السنة، سمع

стр. 650

قاضي المارستان، وأبا العز بن كادش، وابن الطيوري، وأبا طالب بن يوسف وهو آخر من روي عن أبي طالب، وكان ثقة. الوزير أبو المظفر عبيد الله بن يونس بن أحمد الحنبلي: ولقبه جلال الدين (١)، كان في بدء أمره أحد العدول ببغداد، ثم خدم في ديوان الأبنية، ولما مات أبوه يونس توكل لأم الخليفة، ثم ولي صاحب ديوان، ثم استوزره الخليفة وبعثه إلى طغريل فكسر وعاد إلى بغداد، فولاه الخليفة الديوان والمخزن، ثم ولاه أستاذ الدار، ثم عزله، وكان قد قرأ القرآن على صدقة بن الحداد وغيره، وتفقه على ابن حكيم النهرواني، وسمع أبا الوقت وغيره، ولما سافر إلى همذان سمع من أبي العلاء الحافظ الهمذاني، وكان فاضلًا في الأصولين والحساب والهندسة، وله تصنيف في الأصول غير أنه شان فضله بمقاصده السيئة ورأيه الفاسد وحقده وحسده ولجاجته، وكسر عسكر الخليفة بمخالفته للأمراء ولجاجته وكونه استعجل على لقاء طغريل، وأخرب بيت الشيخ عبد القادر وشتت أولاده، ويقال: إنه بعث في الليل من نبش الشيخ عبد القادر ورمي عظامه في اللجة، وقال: هذا وقف ما يحل أن يدفن فيه أحد، ولما اعتقله الخليفة كُتِبَتْ فتوى بأنه كان سبب هزيمة عسكر الخليفة وذكروا أشياء أخر، فأفتوا بإباحة دمه، فسلم إلى أحمد بن الوزير بن القصاب، فبقي في داره، فلما مات ابن القصاب اعتقل في التاج وأخرج في سابع عشر صفر ميتًا ودفن بالسرداب. وأما صدقه بن الحداد الذي قرأ عليه ابن يونس القرآن فهو صدقة بن الحسين بن الحسن أبو الفتح الناسخ الحنبلي يعرف بابن الحداد، حفظ القرآن وتفقه وأفتي وناظر لكنه قرأ الشفاء لابن سينا، وكتب الفلاسفة فتغير اعتقاده، وكان يبدر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته، وتارة يسقف (٢) من جنس ابن الراوندي، وتارة يشير إلى عدم بعث الأجساد، وتارة يعترض على القضاء والقدر، وله أشعار تتضمن شيئًا من ذلك، فمات في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.

стр. 651

صَنْدَل بن عبد الله الخادم (١) المقتفوي، ويلقب عماد الدين، كان أكبر الخدم وأعقلهم، أرسله الخليفة الناصر إلى السلطان صلاح الدين مرارًا، وكان كثير الصدقات والخير، ولي ناظرًا بواسط، ومدحه ابن المعلم الشاعر بقصائد. مات في هذه السنة، ودفن بالتربة التي أنشأها عند الجامع غربي بغداد. ابن الغريق الشاعر: هو أحمد بن عيسى الهاشمي من ولد الواثق بالله ويعرف بابن الغريق من أهل الحريم الظاهري، وكان شاعرًا ناظمًا من شعره ما اعتذر به عن الاكتحال يوم عاشوراء: لم أكتحل في صباح يوم أريق فيه دم الحسين إلا لحزني وذاك أني سودت حتي بياض عيني وكانت وفاته في ذي القعدة عن ثمانين سنة، ودفن بباب حرب. سيف (٢) الإسلام طغتكين بن نجم الدين أيوب: أخو السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ويلقب بظهير الدين، ملك، اليمن، توفي في شوال من هذه السنة بمدينة زبيد. وكان قد جمع أموالًا جزيلة جدًا، وكان يسبك الذهب مثل الطواحين. ويدخره كذلك. فقام في الملك بعده ولده إسماعيل، ويلقب بالملك المعز، وكان إذ ذاك بالسيرين (٣) فبعث إليه جمال الدولة كافور جماعة من الجند فعرفوه بوفاة أبيه، ومضوا به إلى ممالك أبيه، فسلموها إليه. وفي تاريخ بيبرس: وفي (٤) سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة توفى الملك العزيز سيف الإسلام طغتكين باليمن بالمنصورة التي أنشأها وكان قد طرد ولده المعز شمس الملوك إسماعيل إلى الحجاز لأمر نقمه عليه، فلما سمع بوفاة والده عاد إلى اليمن وملك بعده. (٥)

стр. 652

وكان شمس الملوك المذكور قد عزم على قصد الديار المصرية وادعى الخلافة وتلقب بالهادي، فكتب إليه عمه يوبخه ويقبح عليه فعله ويأمره بالرجوع إلى نسبه، وكان قد أساء السيرة مع أمرائه وجنده فوثبوا عليه وقتلوه (١). وقال ابن كثير: وكان إسماعيل هذا أهوج قليل التدبير، فحمله جهله على أنه ادعى أنه قرشي أموى وتلقب بالهادي، فكتب إليه عمه [العادل] (٢) ينهاه عن ذلك فلم يقبل منه بل تمادى في ذلك وأساء إلى الأمراء والرعية، فقتل وولي بعده مملوك من مماليك أبيه (٣). وكان سيف الإسلام طغتكين شجاعا شهمًا شديد السيرة مضيقا على رعيته، يشترى أموال التجار لنفسه ويبيعها كيف شاء، فجمع من الأموال ما لا يحصى، وكانت مدة ملكه اليمن ست عشرة سنة. ملكشاه ابن تكش: مات في هذه السنة بنيسابور، وكان أبوه خوارزم شاه تكش قد جعل له الحكم على ملك البلاد وجعله ولي عهده، وخلف ملكشاه ولدًا اسمه هندوخان، فلما مات ملكشاه جعل خوارزم شاه تكش فيها عوضه ولده الآخر قطب الدين محمد، وهو الذي ملك بعد أبيه وغير لقبه من قطب الدين إلى علاء الدين وكان بين الأخوين ملكشاه ومحمد عداوة (٤) مستحكمة. الست عذراء بنت شاهنشاه بن أيوب: توفيت في هذه السنة ودفنت في مدرستها التي داخل باب النصر (٥). وقال أبو شامة (٦): وفي عاشر المحرم توفيت الست عذراء بنت شاهنشاه أخت عز الدين فرخشاه، وهي التي نسبت إليها المدرسة العذراوية بدمشق بحضرة باب النصر. وفيها دفنت الست خاتون والدة الملك العادل، توفيت في هذه السنة ودفنت بدارها بدمشق المجاورة لدار أسد الدين شيركوه، وقال أبو شامة: كانت وفاتها في سادس عشر ذي الحجة في هذه السنة، رحمها الله. (٧)

стр. 653

كندهرى ملك الإفرنج -لعنه الله- هلك في هذه السنة فسقط من شاهق فراح روحه إلى الهاوية، وبقيت الإفرنج كالغنم بلا راع حتى ملكوا عليهم صاحب قبرس وزوجوه بالملكة امرأة كندهري، وجرت خطوب كثيرة بينهم وبين الملك العادل أبي بكر ابن أيوب ففي كلها يستظهر عليهم ويكسرهم ويقتل خلقًا من المقاتله ولم يزالوا معه كذلك حتى طلبوا منه الصلح والمهادنة فعاقدهم على ذلك في السنة الآتية على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (١). ملك الألمان -لعنه الله- هلك في هذه السنة وانقطع رجاء الإفرنج في بلاد المسلمين بموته.

стр. 654

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الرابعة والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله، وصاحب مصر والشام الملك العزيز بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، ونائبه بدمشق الملك العادل عمه، وصاحب حلب أخوه الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، وهم مشغولون بالجهاد مع الإفرنج فإنه وصل جمع عظيم منهم إلى الساحل واستولوا على قلعة بيروت، فسار الملك العادل ونزل بتل العجول (١) وأتته النجدة في مصر، ووصل إليه سنقر الكبير صاحب القدس وميمون القصري صاحب نابلس، ثم سار الملك العادل إلى يافا وهجمها بالسيف وملكها وقتل الرجال المقاتله بها، وكان هذا الفتح ثالث فتح لها، ونازلت الإفرنج تبنين فأرسل الملك العادل إلى الملك العزيز صاحب مصر، فسار الملك العزيز بنفسه بمن بقي عنده من عساكر مصر واجتمع بعمه الملك العادل على تبنين، فرحل الإفرنج على أعقابهم إلى صور خائبين، ثم عاد الملك العزيز إلى مصر وترك غالب العسكر مع عمه العادل وجعل إليه أمر الحرب والصلح، ومات في هذه المدة سنقر الكبير فجعل الملك العزيز أمر القدس إلى صارم الدين قطلق مملوك عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، ولما عاد الملك العزيز إلى مصر في هذه المدة مدحه القاضي ابن سناء الملك بقصيدة منها: أغثت تبنين وخلصتها … فريسة من ماضغي ضيغم قدمت [بالنصر (٢)] وبالمغنم … [كذا (٣)] قدوم الملك [الأكرم (٤)] قميصك الموروث عن يوسف … ما جاء إلا صادقًا في الدم شنشنة (٥) تعرف من يوسف … في الحرب (٦) لا تعرف من أخذم (٧) مقدمه صار جمادي به … كمثل ذي الحجة ذا موسم (٨)

стр. 655

ثم طاول الملك العادل الإفرنج فطلبوا الهدنة واستقرت بينهم ثلاث سنين، ورجع الملك العادل إلى دمشق ثم سار من دمشق إلى ماردين وحصرها، وصاحبها يومئذ يولق بن أرسلان بن إيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق (١)، وليس ليولق بن أرسلان من الحكم شيء وإنما الحكم إلى مملوك والده البقش (٢). وقال ابن كثير (٣): ولما توجه الملك العادل إلى ماردين استناب ولده الملك المعظم عيسى بن العادل على دمشق، ولما وصل إلى ماردين حاصرها في شهر رمضان واستولى على ربضها ومعاملتها وأعجزته قلعتها فصيف عليها وشتى وما شك أحد أنه سيملكها حتى هنته الشعراء بذلك ولكن لم يكن ذلك مكتوبًا ولا مقدرًا، وفي تاريخ بيبرس: وفي سنة أربع وتسعين وخمسائة أحاط الإفرنج بتبنين وحاصروه من جميع جهاته، فلما علم العادل بذلك أرسل عز الدين أسامة إلى العزيز يعلمه بالحال ويستدعي حضوره بنفسه ويعرفه أنه إن لم يسر إلى البلاد بنفسه ما يمكن حفظها، فسار مجدًا فيمن بقي عنده من العساكر بمصر. وأما أهل تبنين فلما اشتد عليهم الأمر ورأوا النقوب قد أخذت ونفذت ولم يبق إلا أن يملكها الإفرنج بالسيف، نزل بعضهم إلى الإفرنج يطلبون الأمان لأنفسهم، فقال لهم بعض الإفرنج الذين من ساحل الشام: إن أنتم سلّمتُم الحصن لهذا القسيس استأسركم وقتلكم، فاحفظوا نفوسكم، وكان ذلك القسيس من أصحاب ملك الألمان يسمى الخنصلير فعاد المسلمون كأنهم يراجعون من في القلعة ليسلموا، فلما صعدوا عليها أصروا على الامتناع وقاتلوا قتال من يحمي نفسه فحموها، فلما وصل العزيز إلى عسقلان وسمع الإفرنج بوصوله وأجتماع المسلمين ولم يكن لهم ملك يجمعهم وأمرهم إلى امرأة هي الملكة فاتفقوا وأرسلوا إلى هنفري ملك قبرس فأحضروه، وهو أخو الملك الذي أسر بحطين، فزوجوه بزوجة الكندهري وكان رجلا عاقلا، فلما ملكهم لم يعد إلى الزحف على الحصن ولا القتال، وأتفق وصول العزيز فرحل هو والعساكر إلى جبل الخليل ﵇ وهو جبل عامله فأقاموا أياما والأمطار (٤) متداركة، ثم سار العزيز إلى الإفرنج ورتب

стр. 656

العساكر للزحف على الإفرنج، فرحلوا إلى صور ومنها توجهوا إلى عكا، فعاد العزيز إلى مصر قبل انفصال الحال، وسبب رحيله أن جماعة من الأمراء عزموا على قتله وهم: ميمون القصري، وأسامة، وسرا سنقر، والجحاف، وابن المشطوب، وترددت الرسل إلى عكا بين الإفرنج والعادل إلى أن تقرر الصلح، ورحل العادل إلى دمشق ثم سار منها إلى قلعة وكتب إلى العزيز يخبره بذلك وبوصول ولده الكامل من حران، مخبرًا بأن صاحب الموصل قد حلف للعزيز على الطاعة والموالاة وأنه يخطب له ببلاده ويضرب السكة باسه وينجده بعسكره كما كان مع أبيه، وذلك بتوسط الظاهر صاحب حلب، وكان الواصل في هذه الرسالة صدر الدين شيخ الشيوخ. وفي المرآة: وفي هذه السنة نزلت الفرنج في المحرم على تبنين، فأرسل العادل محيي الدين بن زكي الدين إلى العزيز إلى مصر يستنجده، فخرج بجيوشه إلى الشام فوصل ثالث ربيع الأول، وكانوا قد ضايقوا الحصن ونقبوه من كل جانب، وأشرف على الأخذ وهدّه بالمجانيق ونقبوه سربًا سربًا، وكانوا يستظلون من المطر وجعلوا النقوب بيوتًا يسكنوها، وكان الإفرنج يحدقون (١) المسلمين من النقوب ويحدثونهم (٢) وكان العادل نازلًا عند هونين ومعه شيركوه صاحب حمص، والأمجد صاحب بعلبك، وعز الدين بن المقدم ودلدروم صاحب تل باشر، وجاءهم العزيز فساروا جميعًا إلى هونين، فلو تأخر يومًا لأخذت تبنين وقتل من فيها، وأرسل الله في تلك الليلة مطرًا عظيمًا وريحًا شديدة وأوقع في قلوب الإفرنج الرعب، وقيل: جاءكم سلطان مصر والعساكر، فتركوا المناجيق والدبابات والآلات بحالها والخيام وما فيها وهربوا في الليل إلى صور، ثم بعثوا يطلبون الصلح فصالحهم العزيز على قاعدة صلح صلاح الدين، وخلع العزيز على المعظم عيسى ابن العادل وأعطاه سنجقًا ومنشورًا بدمشق وعاد إلى مصر، ومضى العادل إلى ماردين فحصرها في رمضان وملك الربض ولم يبق سوى القلعة. (٣)

стр. 657

قال بيبرس في تاريخه: وفيها أخبر العزيز بأن ميمونًا القصري والي نابلس أخرج مالًا واستخدم رجالًا لقصد بلاد اليمن، واستقصد سنقر الحلبي ليسير معه وأعطاه عشرين ألف درهم، واستقصد ألطنبغا الجوكندار وأسامه وعمر بن جكو وذلك لما قتل شمس الملوك بن طغتكين باليمن، فانزعج العزيز لذلك وخاف وسير إلى ميمون عز الدين أيبك فطيس أمير جاندار (١) ليثنيه عن طريقه ويصرفه عن قصده ويبذل له ما يريده، ثم بلغه قوة أمره ووصله الخبر بأنه أنفق من ماله لمن تابعه على قصده سبعين ألف دينار، فلاطفه وأرسل إليه فخر الدين أياز جهركس وأسد الدين سرا سنقر والمخلص قايماز، وزاده مائة فارس على عدته، وأقطعه غزة وغيرها، وأقطع عز الدين أسامة الناصر. وفيها وصل فارس الدين ميمون القصري إلى العزيز، فأمر الأمراء والأعيان بتلقيه وأكرم مثواه ومنزله وزاده في إقطاعه ووجهه إلى نابلس وبيسان والطبرية والحصون التي استقرت بيده ويد عز الدين أسامة واستقر لميمون أربعمائة ألف دينار والأسامة ثلثمائة ألف دينار. ذكر استيلاء صاحب الموصل على نصيبين وفي جمادى الآخرة سار نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي صاحب الموصل إلى نصيبين واستولى عليها وأخذها من ابن عمه قطب الدين محمد بن زنكي فأرسل قطب الدين محمد واستنجد بالملك العادل، فسار الملك العادل إلى البلاد الجزرية ففارق نور الدين أرسلان شاه نصيبين وعاد إلى الموصل، فعاد قطب الدين محمد بن زنكي وتسلم نصيبين. (٢) وقال بيبرس: وسبب ذلك أن عمه عماد الدين كانت له نصيبين، فتطاول نوابه بها واستولوا على عدة قرى من أعمال بين النهرين من ولاية الموصل المجاورة لنصيبين، فبلغ الخبر مجاهد الدين قايماز القائم بتدبير مملكة نور الدين بالموصل كلها، فأرسل إلى عماد الدين وقبح عليه الفعل الذي فعله نوابه بغير أمره، فأجاب بأن هذه القرى من أعمال نصيبين فترددت الرسل بينهم فلم يرجع عن رأيه، فعند ذلك أعلم مجاهد الدين نور الدين بذلك ولم يكن أعلمه بذلك قبل هذا، فأرسل نور الدين إليه فلم يلتفت إليه وحذره الرسول من عاقبة هذا، فأغلظ عليه عماد

стр. 658

الدين القول وعرض بذم نور الدين وعزم على المسير إلى نصيبين وأخذها من عمه، فاتفق أن عمه مات وملك بعده ابنه، فقوى طمعه فمنعه مجاهد الدين فلم يمتنع فسار إليها، ولما سع قطب الدين صاحبها سار إليها من سنجار بعسكره ونزل عليها ليمنع نور الدين منها، فوصل نور الدين وتقدم إلى البلد، وكان بينهما نهر فجازه بعض أمرائه وقاتل من بإزائه فلم يثبتوا له، فعبر جميع العسكر النوري وتمت الهزيمة على قطب الدين، وصعد هو ونائبه برنقش إلى قلعة نصيبين، وأدركهم الليل فخرجوا منها هاربين إلى حران وراسلوا الملك العادل أبا بكر بن أيوب وهو بدمشق، وبذلوا له الأموال الكثيرة لينجدهم ويعيد نصيبين إليهم، وأقام نور الدين بنصيبين مالكًا لها فتضعضع عسكره بكثرة المرض ومات كثير منهم وعاد إلى الموصل (١)، فلما فارق نصيبين تسلمها قطب الدين ووصل العادل إلى الديار الجزرية وقصد قلعة ماردين فحصرها وضيق على أهلها وأقطع أعمالها. ذكر تملك ملك الغورية مدينة بلخ (٢) وعبور الخطأ (٣) نهر جيحون وفي هذه السنة ملك [ملك] (٤) الغورية مدينة بلخ من الخطأ، وكان يملكها تركيًا اسمه أزبه، فسار إليها بهاء الدين سام بن محمد بن مسعود وهو ابن أخت غياث الدين فملكها وتمكن منها، وقطع الحمل إلى الخطأ وخُطب لغياث الدين وصارت من جملة بلاد الإسلام. وفيها عبر الخطأ نهر جيحون إلى ناحية خراسان فأفسدوا في البلاد، فلقيهم عسكر غياث الدين [الغوري] (٥) وقاتلوهم فانهزم الخطأ وسبب ذلك أن خوارزم شاه تكش كان قد سار إلى همذان وأصفهان والرى وغيرها، واستولى على تلك البلاد وتعرض إلى عساكر الخليفة وأظهر طلب السلطنة والخطبة له ببغداد، فأرسل الإمام الناصر إلى غياث الدين ملك الغور وغزنة بقصد بلاد خوارزم شاه ليمنعه من قصد العراق، وكان خوارزم شاه قد

стр. 659

عاد إلى بلاده فراسله غياث الدين يقبح فعله ويتهدده بقصد بلاده وأخذها، فأرسل خوارزم شاه إلى الخطاب يشكو إليهم من غياث الدين ويطلب منهم أن يدركوه بإرسال العساكر لإنجاده لئلا يأخذ غياث الدين البلاد كما أخذ مدينة بلخ، ثم يتطاول إلى قصد بلادهم ويتعذر عليهم منعه ويعجزون عن رده عما وراء النهر، فجهز ملك الخطا جيشًا كثيفًا وجعل على مقدمتهم شخصًا معروفًا بطاينكو وهو كالوزير، فساروا وعبروا جيحون وكان ذلك في الشتاء، وكان شهاب الدين الغورى أخو غياث الدين ببلاد الهند وغياث الدين مريض بالنقرس بما يمنعه من الحركة وإنما يحملونه في محفه، والذي يقود الجيش ويباشر العساكر والحروب أخوه شهاب الدين، فلما وصل الخطا إلى جيحون، سار خوارزم شاه تكش إلى طوس (١) عازمًا على قصد هراة ومحاصرتها، وعبر الخطا النهر ووصلوا إلى بلاد الغور مثل كرزبان (٢) وغيرها، وقتلوا وأسروا وسبوا شيئًا كثيرًا، فاستغاث الناس بغياث الدين فلم يكن عنده من العساكر ما يلقاهم بها، فراسل الخطا بهاء الدين سام وأمروه بالإفراج عن بلخ أو أنه يحمل ما كان من قبله يحمله من المال، وعظمت المصيبة على المسلمين بما فعله الخطا فانتدب الأمير محمد الغورى وهو مقطع الطالقان من قبل غياث الدين وكان شجاعًا، وجمع معه جمعًا وبيت الخطا ليلًا وكبسهم، ومن عادتهم أنهم لا يخرجون من خيامهم في الليل، فأتاهم هؤلاء الغورية وهم غافلون فقاتلوهم وأكثروا القتل فيهم، وانهزم من سلم منهم، وأين ينهزمون، والعسكر الغورى خلفهم. وجيحون بين أيديهم؟ وظنوا أن غياث الدين قد قصدهم في عساكره فلما أصبحوا وعرفوا من قاتلهم وعلموا أن غياث الدين بمكانه قويت قلوبهم وثبتوا عامة نهارهم، فقتل من الفريقين خلق عظيم ولحقت المتطوعة بالغوريين وأتاهم مدد من غياث الدين وهم في الحرب، فثبتوا وعظمت نكايتهم في الكفار (٣) وألحقوهم بجيحون، فمن صبر منهم قتل ومن ألقى بنفسه في الماء غرق، ووصل الخبر إلى ملك الخطأ فعظم عليه وأرسل إلى خوارزم شاه يقول له: أنت قتلت رجالي وأريد عن كل قتيل عشرة آلاف دينار، وكانت القتلى اثني عشر ألف قتيل وأنفذ إليه من يردّه إلى خوارزم شاه ويلزمه بالحضور

стр. 660

عنده، فأرسل حينئذ خوارزم شاه إلى غياث الدين يعرفه حاله مع الخطا ويشكو إليه ويستعطفه غير مرة، فأعاد الجواب يأمره بطاعة الخليفة وإعادة ما أخذه الخطا من بلاد الإسلام فلم ينفصل بينهما حال. وفي تاريخ ابن كثير (١): وفي هذه السنة سار خوارزم شاه تكش إلى بخاري وهي للخطا وحاصرها وملكها، وكان تكش أعور، فأخذ أهل بخاري في مدة الحصار كلبًا أعور وألبسوه قباء وقالوا للخوارزمية: هذا سلطانكم. ورموه بالمجنيق إليهم، فلما ملك خوارزمشاه تكش بخاري أحسن إلى أهلها وفرق فيهم أموالا عظيمة (٢) ولم يود أخذهم بما فعلوه في حقه جزاه الله خيرًا (٣). ومن الحوادث أنه وصل رسول المايرقى المستولى على القيروان يريد الحج وأهدى إلى العزيز خيلا ووجهه مكرمًا. وفيها عاد الأسطول المصري من العُزْيزُ (٤) بعد أن اجتاز ببلاد ابن لاون ووصل معه إلى مصر من السبي أربعمائة وخمسون أسيرًا. وفيها .................................... (٥) وفيها حج بالناس من العراق إيليا، ومن الشام زين الدين قراجا مملوك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب. ذكر من توفي فيها من الأعيان العوام (٦) بن زيادة كاتب الإنشاء ببغداد بباب الخلافة وهو أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن على بن زيادة قوام الدين، انتهت إليه رئاسة التوسل والإنشاء والبلاغة والفصاحة في زمانه بالعراق، وله علوم كثيرة غير ذلك من الفقه على مذهب

стр. 661

الشافعي أخذه عن فضلات، وله معرفة جيدة بالأصلين والحساب واللغة وله شعر جيد، وقد ولى عدة مناصبه وكان مشكورًا في جميعها، ومن مستجاد شعره: لا تحقرن (١) عدوا تزدريه فكم … قد أتعس الدهر جد الجد باللعب فهذه الشمس يعروها (٢) الكسوف لها … على جلالتها بالرأس والذنب باضطراب (٣) وبه: الزمان يرفع الأنذال … فيه حتى يعم البلاءُ وكذا الماء راكدُ (٤) فإذا حُرك … ثارتْ من قعره الأقذاءُ توفي في ذي الحجة من هذه السنة وله ثنتان وسبعون سنة وحضر جنازته خلق كثير ودفن عند موسى بن جعفر. القاضي أبو الحسن علي بن جابر بن زهير (٥) بن على البطايحي، قدم بغداد فتفقه بها وسع الحديث وأقام برحبة مالك بن طوق مدة يشتغل على أبي عبد الله بن البقية (٦) القرضى، ثم ولى قضاء العراق مدة، وكان فقيها أديبا، وقد سمع من شيخه أبي عبد الله بن البقية ينشد لنفسه معارضا للحريري في بَيْتَيه اللذين زعم أنهما لا يعززان بثالث لهما وهما قوله: سِمْ سِمةً تحمد أثارُها … واشكر لمن أعطى ولو سمسمة والمنكر مهما اسطعت لا تأته … لتقتنى السّؤدد والمكرمة فقال ابن البقية: ما الأمة الوكفاء بين الورى … أخسَّ من حُر أتى ملامة (٧) فمه إذا استجديت عن قول لا … فالحر لا يملأ منها فمه

стр. 662

الشيخ حسن بن مسلم بن أبي الحسن، أبو على الزاهد الحنبلي الفارسي، من قرية نهر عيسى يقال لها الفارسية (١)، كان من الأبدال (٢) لازمًا لطريق السلف، أقام أربعين سنة لم يُكلم أحدا من الناس، وكان صائم الدهر، قائم الليل، يقرأ كل يوم وليلة ختمة. وذكره الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في "صفوة الصفوة" وقال: كان زاهد زمانه. وكانت السباع تأوي إلى زاويته وكان الخليفة وأرباب الدولة يمشون إلى زيارته. وتوفي يوم عاشوراء، ودفن في رباطه بالقادسية. قال السبط: (٣) وحكى لي جماعة من مشايخ القرية؛ أن السباع كانت تنام طول الليل حول زاويته، وإذا خرج أحد طول الليل من القرية إلى نهر عيسى لم تتعرض له، وأن فقيرًا نام في الزاوية في ليلة باردة فاحتلم فنزل إلى النهر ليغتسل فجاء السبع فنام على جبته، فكاد الفقير يهلك من البرد والخوف، فخرج الشيخ حسن وجاء إلى السبع وضربه بكمه وقال: يا مبارك ما قلنا لك أن لا تتعرض لضيفنا، فقام السبع يهرول. ذكره في المرآة. أبو الحسن علي بن جابر بن زهير قاضي البطائح، ولد سنة تسع وخمسين وخمسائة، وقدم بغداد فسمع بها الحديث من أبي الوقت وابن ناصر وابن الجواليقي وغيرهم، وخرج إلى رحبة مالك بن طوق فقرأ الفقه والأدب على أبي عبد الله بن البقيه وعاد إلى البطايح فولى القضاء بالعراق ثم عاد إلى بغداد فأقام بها، ثم انحدر إلى البطايح فتوفي بطريق واسط، وكان ثقة صالحًا، وقال أنشدني الحريري صاحب المقامات لنفسه: لا تخطون إلى خط ولا خطأ … من بعد ما الشيب في فؤديك قد وخطا فأي عذر لمن شابت ذوائبه … إذا سعى في ميادين الصبي وخطا أبو المجد علي بن علي بن ناصر السيد العلوي مدرس الحنفية ببغداد، ولد سنة خمس عشرة وخمسائة، وتفقه وأفتي وناظر، وكان المستنجد الخليفة قد حبسه وطالبه بمال، فرأى النبي ﷺ في المنام وقال له: يا يوسف استوص بولدى خيرًا فهو

стр. 663

وديعتي عندك، فانتبه الخليفة مرعوبًا وأحضره وخاطبه وقال: اجعلني في حل فقد شفع فيك من لا يمكنني رده فأحسن إليه، وكانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن عند مشهد عبيد الله شرقي بغداد، وكان صالحا شريفا على الحنفية، سمع ابن الحصين، وقاضى المارستان وابن السرقندي وآخرين. يحيى بن سعيد (١) بن هبة الله بن زيادة، أبو طالب الواسطى (٢)، ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسائة، وقدم بغداد واشتغل بالأدب فبرع في الإنشاء والكتابة، وانتهت إليه الرئاسة فيهما، مع تخصصه بفنون العلم كالفقه، وعلم الكلام، والأصول، والحساب، والشعر، جالس أبا منصور بن الجواليقي (٣)، وقرأ عليه وسمع أبا القاسم الصباغ وغيره، وولي للخليفة عدة وظائف، خدم حُجبة الباب، ثم أستاذ الدار، ثم كتابة الإنشاء في آخر أمره، وكانت وفاته في ذي الحجة ودفن في مقابر قريش ومن شعره: قد سلوت الدهر (٤) ولم يسلها … من علقت في أماله والأراجي "وإذا" (٥) ما صرفت وجهي عنها … "قذفتني" (٦) في بحرها العجاج يستضيئون بي وأهلك وحدي … فكأني ذبالة في سراج الأمير عز الدين جرديك: كان من أكابر الأمراء في زمن نور الدين محمود وكان ممن شارك في قتل شاور، وحظي عند الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وقد استنابه على القدس حين افتتحها، وكان يستند به للمهمات الكبار فيسدها بنهضته وشجاعته، ولما ولى الأفضل عزله عن بيت المقدس، فترك بلاد الشام ثم انتقل إلى بلد الموصل فمات بها في هذه السنة، وكان شجاعا جوادًا، وفي حلب مدرسة للحنفية (٧) تنسب إليه.

стр. 664

السلطان عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب سنجار والخابور والرقة، توفي في المحروم من هذه السنة وكان حسن السيرة متواضعًا محبًا لأهل العلم إلا أنه كان شديد البخل. وقال ابن كثير: وكان محبًا للعلماء شديد المحبة ولاسيما للحنفية من بينهم، وقد ابتنى لهم مدرسة بسنجار وشرط لهم طعامًا يطبخ لكل واحد منهم في كل يوم (١)، ولما توفي ملك بعده ولده قطب الدين محمد بن زنكي (٢) وتولي تدبير دولته مجاهد الدين برتقش مملوك والده، وكان دينا عادلا كثير البر والإحسان إلى الرعية كافة والفقراء خاصة. (٣) وفي المرأة: وهو ابن أخي نور الدين محمود، وهو الذي قايض حلب بسنجار لم يزل مع صلاح الدين في غزواته مجاهدا، وكان ميمون النقيبة (٤) وكان السلطان يحترمه مثل ما كان يحترم نور الدين ويعطيه الأموال والهدايا والتحف الكثيرة، ولما احتضر أوصى إلى أكبر أولاده وهو قطب الدين محمد ويلقب بالملك المنصور (٥). الملك بدر الدين آقسنقر هزار ديناري صاحب خلاط: مات في هذه السنة، وقد تقدم ذكر ملكهـ الأخلاط في سنة تسع وثمانين وخمسائة، ولما توفي استولى على أخلاط بعده خشداشه قطلغ، وكان مملوكًا أرمنيًا فملك أخلاط نحو سبعة أيام ثم اجتمع عليه الناس وأنزلوه من القلعة ثم وثبوا عليه فقتلوه، فلما قتل قتلغ اتفق كبراء الدولة وأحضروا محمد بن بكتمر من القلعة التي كان معتقلا فيها واسمها أرجاس فأقاموه في المملكة ولقبوه بالملك المنصور، وقام بتدبير أمره شجاع الدين قتلغ الدوادار. وكان دوادار شاهر من بن سقمان بن إبراهيم وكان قبحاقي الجنس، واستمر محمد بن بكتمر كذلك إلى سنة اثنتين وستمائة فقبض على أتابكهـ قتلغ المذكور وحبسه ثم قتله، فخرج عليه مملوك لشاهر من يقال له عز الدين بلبان، واتفق العسكر مع بلبان هذا وقبضوا على محمد المذكور وحبسوه ثم خنقوه ورموه من سور القلعة إلى أسفل وقالوا قد وقع واستمر

стр. 665

بلبان المذكور في مملكة أخلاط دون سنة، وقتله بعض أصحاب طغريل بن قليج أرسلان صاحب، أرزن (١) الروم وقصد طغيل المذكور أن يتسلم أخلاط فلم يُجبهُ أهله إلى ذلك وعصوا عليه، فعاد إلى أرزن الروم، ثم وصل الملك الأوحد أيوب ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب وتسلم أخلاط وملكها قريب ثماني سنين والله أعلم (٢).

стр. 666

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة والتسعين بعد الخمسائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله وأمراء البلاد على حالهم، غير أنه مات في هذه السنة الملك العزيز صاحب مصر والشام، والسلطان الكبير صاحب بلاد المغرب (١)، والأمير الكبير مجاهد الدين قيماز على ما نبين الجميع إن شاء الله تعالى. ذكر وفاة السلطان الملك العزيز الكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته: هو عماد الدين عثمان ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب الملقب بالملك العزيز، قد ذكرنا أنه ولد في سنة سبع وستين وخمسائة، وكانت ولادته في القاهرة، وكان نائبا عن أبيه في الديار المصرية لما كان أبوه بالشام، وتوفي أبوه بدمشق فاستقل بمملكتها باتفاق من الأمراء، وكانت مملكته خمس سنين وأشهرًا. (٢) وفي تاريخ ابن العميد: وكانت مدة مملكته أربع سنين وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يومًا (٣). الثاني في سيرته: قال ابن خلكان: كان ملكًا مباركًا كثير الخير واسع الكرم محسنًا إلى الناس معتقدًا في أرباب الخير والصلاح، وسع بالإسكندرية الحديث من الحافظ السِّلفي والفقيه أبي طاهر بن عوف الزهري، وسع بمصر من العلامة أبي محمد بن بري النحوي وغيرهم (٤). وفي تاريخ المؤيد: وكان في غاية الساحة والكرم والعدل والرفق بالرعية والإحسان إليهم، ففجعت الرعية بموته فجعة عظيمة (٥).

стр. 667

وفي تاريخ ابن العميد: كان ملكًا عادلًا كريمًا رحيمًا حسن الأخلاق طيب الأعراق شجاعًا حسن العقيدة جميل الطوية شديد الخوف من الله تعالى، سريع الانقياد إلى الخير كثير البذل مفرطًا في السخاء (١). وفي المرآة: وكان لطيفة كثير الخير رفيقًا بالرعية حليمًا. حكى لي المبارز سنقر الحلبي قال (٢): نفد ما بيده بمصر فلم يبق في الخزانة درهم ولا دينار، فجاء رجل من أهل الصعيد إلى سيف الدين أُزكش (٣)، فقال: عندي للسلطان عشرة آلاف دينار ولك ألف دينار، وتوليني قضاء الصعيد، فدخل أزكش على العزيز فأخبره فقال: والله لا بعت دماء المسلمين وأموالهم يملك الأرض، وكتب ورقة لأزكش بألف دينار وقال: اخرج فاطرد هذا المُدْبر ولولاك لأدبته. قال: وقد ذكرنا أنه وهب دمشق للملك المعظم، وكان يطلق عشرة آلاف دينار وعشرين ألف دينار (٤). الثالث في وفاته: قال ابن خلكان: وكان قد توجّه إلى الفيوم فطرد فرسه وراء صيد فتقنطر به فأصابته الحمى من ذلك، وحمل إلى القاهرة فتوفي بها في الساعة السابعة من ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسائة، ودفن بالقرافة الصغرى في قبة الإمام الشافعي ﵀، وقبره معروف هناك. (٥) وفي تاريخ بيبرس: وفي سنة أربع وتسعين وخمسائة ابتدأ بالعزيز بن الناصر المرض، وفي سنة خمس وتسعين أخذ مرضه في التزايد وكان قد توجه إلى الفيوم وركب من ذات الصفا عائدًا إلى مصر، فسقطت شهوته فلم يأكل شيئًا، ووصل الجيزة وقد تزّيدت به الحمى، فتحامل وركب إلى داره، واشتد به الكرب فتوفي ليلة الأحد العشرين من المحرم، ونقل من دار الوزارة، ودفن بالقرافة بجوار قبر الشافعي ﵀ (٦). وفي تاريخ المؤيد: وكان قد طلع إلى الصيد، فركض خلف ذئب فتقنطر وحُمّ في سابع المحرم، وكان في جهة الفيوم فعاد إلى الأهرام وقد اشتدت به حمّاه، ثم توجه إلى

стр. 668

القاهرة فدخلها يوم عاشوراء، وحدث به يرقان وقرحة في المعا، واحتبس طبعه، فمات في منتصف ليلة السابع والعشرين من المحرم (١). وفي المرآة: وكان سبب وفاته أنه خرج إلى الفيوم متصيدًا فلاح له ظبي فركض خلفه فكبى به الفرس فدخل قربوس السرج في فؤاده فحمل إلى القاهرة فمات في العشرين من المحرم، ودفن عند الشافعي (٢). وقال ابن القادسي: كان قد ركب وتبع غزالة فوقع فاندقت عنقه وبقى أربعة أيام ومات. قال السبط: وهذه من هنات ابن القادسي فإن الملك العزيز ما اندقت عنقه وإنما دخل قربوس السرج في فؤاده وأقام بالقاهرة أسبوعين ومات (٣). الرابع فيمن خلّف من الأولاد: قال بيبرس: وخلف من الأولاد محمدًا وهو القائم بعهده وعليا وعمر وإبراهيم وعيسى ومحمودًا وفرخشاه ويوسف ويونس وآخران صغيران وثلاث إناث (٤). الخامس في مراثيه: ورثاه جماعة من الشعراء منهم الشهاب بن الساعاتي (٥) فقال: خلا الدست من ذاك الجناب الممّنع … فسلم على الدنيا سلام مودع مضى بعدما عمت سراياه والندى … وسار مسير الشمس في كل موضع فُجعنا بأندي من بنان سحابة … وأجرأ من ليث العرين وأشجع هو الخطب لا المرء الفصيح بمدرة … لديه ولا الحبر الخطيب بمصقع ثوى الجود والملك العزيز بحفرة … ومالهما من فرقه وتجمع فمن ذا يرد الخطب تدمي شبانه … برأي جميع أو بقلب مشيع ورثاه آخر بقصيدة منها قوله: بعد فقد الملك العزيز عماد … الدين عثمان لن تراني سال كان جيد الزمان حالي فأضحى … ولآلئه لونها كالليال

стр. 669

ذكر سلطنة الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك العزيز عماد الدين عثمان ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بمصر لما توفي العزيز في التاريخ المذكور أقام فخر الدين جهاركس -وكان هو الغالب على دولة العزيز- ولد العزيز محمد وكان صغيرًا مقام والده في السلطنة، وقال بيبرس: وركب بشعار السلطنة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسائة، ولقب أولًا بالناصر فكره مواطأة اسم الخليفة فغيره بالمنصور، وشق القاهرة راكبًا في دسته، وكتب كتابًا إلى عمه يعزيه ويخبره بانتصاب الولد منصب أبيه وأنه ومَنْ عنده من جماعته مستمرون على طاعته (١). وفي المرآة: كان الملك العزيز نص على ولده ناصر الدين محمد وكان أكبر أولاده (٢)، وكان عمره عشر سنين، وقيل: تسع سنين وأشهرًا، وكان مقدم الصلاحية فخر الدين جهركس وأسد الدين سرا سنقر وزين الدين قراجا فاتفقوا على ناصر الدين محمد وحلّفوا له الأمراء، وكان سيف الدين أزكش مقدم الأسدية غائبًا بأسوان فقدم فصوّب رأيهم وما فعلوه، إلا أنه قال: هو صغير السن لا ينهض بأعباء الملك ولابد من تدبير كبير يحسم الفساد (٣) ويقيم الأمور، والعادل مشغول في الشرق بماردين، وما ثم أقرب من الأفضل فجعله أتابك العساكر فلم يمكن الصلاحية مخالفة الأسدية وقالوا: افعلوا، فكتب أزكش إلى الأفضل يستدعيه وهو بصرخد وكتبت الصلاحية إلى من في دمشق من أصحابهم يقولون: قد اتفقت الأسدية على الأفضل وإن ملك حكموا علينا فامنعوه من المجيء، فركّبوا عسكر دمشق ليمنعوا الأفضل ففاتهم، وكان قد التقى نجابًا من عند جهركس إلى من في دمشق بهذا المعنى ومعه كتب فأخذها منه [وقال ارجع فرجع إلى مصر] (٤)، ولما وصل الأفضل إلى مصر التقاء الأسدية ورأى جهركس النجاب فقال: ما أسرع ما عدت.

стр. 670

فأخبره الخبر فساق هو وقراجا إلى القدس فتحصنا به، ثم أشارت الأسدية على الأفضل بقصد دمشق وأن العادل مشغول بماردين فيكتب إلى الظاهر صاحب حلب، فأجابه وقال: أقدم حتى أساعدك (١). وقال ابن كثير (٢): لما أقام فخر الدين جهركس الملك المنصور محمدًا موضع أبيه العزيز اتفقت الأمراء على إحضار أحد من بني أيوب ليقوم بالملك، واستشاروا القاضي الفاضل فأشار بالملك الأفضل وهو حينئذ بصرخد، فأرسلوا إليه فسار محثًا ووصل إلى مصر على أنه أتابك الملك المنصور ابن الملك العزيز، وكان عمر المنصور يومئذ تسع سنين وشهورًا، وكان مسير الأفضل من صرخد لليلتين بقيتا من صفر في تسعة عشر نفرًا متنكرًا خوفًا من أصحاب عمه الملك العادل، فإن غالب تلك البلاد كانت له، ووصل إلى بلبيس خامس ربيع الأول ثم سار إلى القاهرة فخرج الملك المنصور ابن العزيز للقائه، وترجل له عمه الأفضل ودخل بين يديه إلى دار الوزارة وهي كانت مقر السلطنة، ولما وصل الأفضل إلى بلبيس والتقاه العسكر تنكر منه فخر الدين جهركس وفارقه وتبعه عدة من العسكر وساروا إلى الشام، فكاتبوا الملك العادل وهو محاصر ماردين (٣). ذكر توجه العادل من ماردين والأفضل من مصر وحصار دمشق لما أشارت الأسدية على الأفضل بقصد دمشق نهض وسار بالعساكر إلى الشام واستناب بمصر سيف الدين أزكش، ووصل إلى دمشق في شعبان فأحدق بدمشق، وبلغ العادل وهو على ماردين كما ذكرناه؛ وكان أقام عليها عشرة أشهر فلم يبق إلا تسليمها، وصعدت أعلامه إلى القلعة، وسمعوا بوفاة العزيز فتوقفوا فرحل عنها، وترك ولده الكامل محمدًا عليها، وجاء العادل ومعه دلدروم الياروقي وابن المقدم وجماعة من الأمراء، وكان الأفضل نازلًا في الميدان الأخضر، فأشار عليه جماعة من الأمراء أن يتأخر إلى مشهد القدم حتى يصل الظاهر، وصاحب حمص، والأمراء، وكان مكيدة منهم، فتأخر
следующие страницы →