← История

История · id 380

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [565 - 628 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (1 226 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الخامسة والتسعين بعد الخمسائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة هو الناصر لدين الله وأمراء البلاد على حالهم، غير أنه مات في هذه السنة الملك العزيز صاحب مصر والشام، والسلطان الكبير صاحب بلاد المغرب (١)، والأمير الكبير مجاهد الدين قيماز على ما نبين الجميع إن شاء الله تعالى. ذكر وفاة السلطان الملك العزيز الكلام فيه على أنواع: الأول في ترجمته: هو عماد الدين عثمان ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب الملقب بالملك العزيز، قد ذكرنا أنه ولد في سنة سبع وستين وخمسائة، وكانت ولادته في القاهرة، وكان نائبا عن أبيه في الديار المصرية لما كان أبوه بالشام، وتوفي أبوه بدمشق فاستقل بمملكتها باتفاق من الأمراء، وكانت مملكته خمس سنين وأشهرًا. (٢) وفي تاريخ ابن العميد: وكانت مدة مملكته أربع سنين وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يومًا (٣). الثاني في سيرته: قال ابن خلكان: كان ملكًا مباركًا كثير الخير واسع الكرم محسنًا إلى الناس معتقدًا في أرباب الخير والصلاح، وسع بالإسكندرية الحديث من الحافظ السِّلفي والفقيه أبي طاهر بن عوف الزهري، وسع بمصر من العلامة أبي محمد بن بري النحوي وغيرهم (٤). وفي تاريخ المؤيد: وكان في غاية الساحة والكرم والعدل والرفق بالرعية والإحسان إليهم، ففجعت الرعية بموته فجعة عظيمة (٥).

стр. 667

وفي تاريخ ابن العميد: كان ملكًا عادلًا كريمًا رحيمًا حسن الأخلاق طيب الأعراق شجاعًا حسن العقيدة جميل الطوية شديد الخوف من الله تعالى، سريع الانقياد إلى الخير كثير البذل مفرطًا في السخاء (١). وفي المرآة: وكان لطيفة كثير الخير رفيقًا بالرعية حليمًا. حكى لي المبارز سنقر الحلبي قال (٢): نفد ما بيده بمصر فلم يبق في الخزانة درهم ولا دينار، فجاء رجل من أهل الصعيد إلى سيف الدين أُزكش (٣)، فقال: عندي للسلطان عشرة آلاف دينار ولك ألف دينار، وتوليني قضاء الصعيد، فدخل أزكش على العزيز فأخبره فقال: والله لا بعت دماء المسلمين وأموالهم يملك الأرض، وكتب ورقة لأزكش بألف دينار وقال: اخرج فاطرد هذا المُدْبر ولولاك لأدبته. قال: وقد ذكرنا أنه وهب دمشق للملك المعظم، وكان يطلق عشرة آلاف دينار وعشرين ألف دينار (٤). الثالث في وفاته: قال ابن خلكان: وكان قد توجّه إلى الفيوم فطرد فرسه وراء صيد فتقنطر به فأصابته الحمى من ذلك، وحمل إلى القاهرة فتوفي بها في الساعة السابعة من ليلة الأربعاء الحادي والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسائة، ودفن بالقرافة الصغرى في قبة الإمام الشافعي ﵀، وقبره معروف هناك. (٥) وفي تاريخ بيبرس: وفي سنة أربع وتسعين وخمسائة ابتدأ بالعزيز بن الناصر المرض، وفي سنة خمس وتسعين أخذ مرضه في التزايد وكان قد توجه إلى الفيوم وركب من ذات الصفا عائدًا إلى مصر، فسقطت شهوته فلم يأكل شيئًا، ووصل الجيزة وقد تزّيدت به الحمى، فتحامل وركب إلى داره، واشتد به الكرب فتوفي ليلة الأحد العشرين من المحرم، ونقل من دار الوزارة، ودفن بالقرافة بجوار قبر الشافعي ﵀ (٦). وفي تاريخ المؤيد: وكان قد طلع إلى الصيد، فركض خلف ذئب فتقنطر وحُمّ في سابع المحرم، وكان في جهة الفيوم فعاد إلى الأهرام وقد اشتدت به حمّاه، ثم توجه إلى

стр. 668

القاهرة فدخلها يوم عاشوراء، وحدث به يرقان وقرحة في المعا، واحتبس طبعه، فمات في منتصف ليلة السابع والعشرين من المحرم (١). وفي المرآة: وكان سبب وفاته أنه خرج إلى الفيوم متصيدًا فلاح له ظبي فركض خلفه فكبى به الفرس فدخل قربوس السرج في فؤاده فحمل إلى القاهرة فمات في العشرين من المحرم، ودفن عند الشافعي (٢). وقال ابن القادسي: كان قد ركب وتبع غزالة فوقع فاندقت عنقه وبقى أربعة أيام ومات. قال السبط: وهذه من هنات ابن القادسي فإن الملك العزيز ما اندقت عنقه وإنما دخل قربوس السرج في فؤاده وأقام بالقاهرة أسبوعين ومات (٣). الرابع فيمن خلّف من الأولاد: قال بيبرس: وخلف من الأولاد محمدًا وهو القائم بعهده وعليا وعمر وإبراهيم وعيسى ومحمودًا وفرخشاه ويوسف ويونس وآخران صغيران وثلاث إناث (٤). الخامس في مراثيه: ورثاه جماعة من الشعراء منهم الشهاب بن الساعاتي (٥) فقال: خلا الدست من ذاك الجناب الممّنع … فسلم على الدنيا سلام مودع مضى بعدما عمت سراياه والندى … وسار مسير الشمس في كل موضع فُجعنا بأندي من بنان سحابة … وأجرأ من ليث العرين وأشجع هو الخطب لا المرء الفصيح بمدرة … لديه ولا الحبر الخطيب بمصقع ثوى الجود والملك العزيز بحفرة … ومالهما من فرقه وتجمع فمن ذا يرد الخطب تدمي شبانه … برأي جميع أو بقلب مشيع ورثاه آخر بقصيدة منها قوله: بعد فقد الملك العزيز عماد … الدين عثمان لن تراني سال كان جيد الزمان حالي فأضحى … ولآلئه لونها كالليال

стр. 669

ذكر سلطنة الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك العزيز عماد الدين عثمان ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بمصر لما توفي العزيز في التاريخ المذكور أقام فخر الدين جهاركس -وكان هو الغالب على دولة العزيز- ولد العزيز محمد وكان صغيرًا مقام والده في السلطنة، وقال بيبرس: وركب بشعار السلطنة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من المحرم سنة خمس وتسعين وخمسائة، ولقب أولًا بالناصر فكره مواطأة اسم الخليفة فغيره بالمنصور، وشق القاهرة راكبًا في دسته، وكتب كتابًا إلى عمه يعزيه ويخبره بانتصاب الولد منصب أبيه وأنه ومَنْ عنده من جماعته مستمرون على طاعته (١). وفي المرآة: كان الملك العزيز نص على ولده ناصر الدين محمد وكان أكبر أولاده (٢)، وكان عمره عشر سنين، وقيل: تسع سنين وأشهرًا، وكان مقدم الصلاحية فخر الدين جهركس وأسد الدين سرا سنقر وزين الدين قراجا فاتفقوا على ناصر الدين محمد وحلّفوا له الأمراء، وكان سيف الدين أزكش مقدم الأسدية غائبًا بأسوان فقدم فصوّب رأيهم وما فعلوه، إلا أنه قال: هو صغير السن لا ينهض بأعباء الملك ولابد من تدبير كبير يحسم الفساد (٣) ويقيم الأمور، والعادل مشغول في الشرق بماردين، وما ثم أقرب من الأفضل فجعله أتابك العساكر فلم يمكن الصلاحية مخالفة الأسدية وقالوا: افعلوا، فكتب أزكش إلى الأفضل يستدعيه وهو بصرخد وكتبت الصلاحية إلى من في دمشق من أصحابهم يقولون: قد اتفقت الأسدية على الأفضل وإن ملك حكموا علينا فامنعوه من المجيء، فركّبوا عسكر دمشق ليمنعوا الأفضل ففاتهم، وكان قد التقى نجابًا من عند جهركس إلى من في دمشق بهذا المعنى ومعه كتب فأخذها منه [وقال ارجع فرجع إلى مصر] (٤)، ولما وصل الأفضل إلى مصر التقاء الأسدية ورأى جهركس النجاب فقال: ما أسرع ما عدت.

стр. 670

فأخبره الخبر فساق هو وقراجا إلى القدس فتحصنا به، ثم أشارت الأسدية على الأفضل بقصد دمشق وأن العادل مشغول بماردين فيكتب إلى الظاهر صاحب حلب، فأجابه وقال: أقدم حتى أساعدك (١). وقال ابن كثير (٢): لما أقام فخر الدين جهركس الملك المنصور محمدًا موضع أبيه العزيز اتفقت الأمراء على إحضار أحد من بني أيوب ليقوم بالملك، واستشاروا القاضي الفاضل فأشار بالملك الأفضل وهو حينئذ بصرخد، فأرسلوا إليه فسار محثًا ووصل إلى مصر على أنه أتابك الملك المنصور ابن الملك العزيز، وكان عمر المنصور يومئذ تسع سنين وشهورًا، وكان مسير الأفضل من صرخد لليلتين بقيتا من صفر في تسعة عشر نفرًا متنكرًا خوفًا من أصحاب عمه الملك العادل، فإن غالب تلك البلاد كانت له، ووصل إلى بلبيس خامس ربيع الأول ثم سار إلى القاهرة فخرج الملك المنصور ابن العزيز للقائه، وترجل له عمه الأفضل ودخل بين يديه إلى دار الوزارة وهي كانت مقر السلطنة، ولما وصل الأفضل إلى بلبيس والتقاه العسكر تنكر منه فخر الدين جهركس وفارقه وتبعه عدة من العسكر وساروا إلى الشام، فكاتبوا الملك العادل وهو محاصر ماردين (٣). ذكر توجه العادل من ماردين والأفضل من مصر وحصار دمشق لما أشارت الأسدية على الأفضل بقصد دمشق نهض وسار بالعساكر إلى الشام واستناب بمصر سيف الدين أزكش، ووصل إلى دمشق في شعبان فأحدق بدمشق، وبلغ العادل وهو على ماردين كما ذكرناه؛ وكان أقام عليها عشرة أشهر فلم يبق إلا تسليمها، وصعدت أعلامه إلى القلعة، وسمعوا بوفاة العزيز فتوقفوا فرحل عنها، وترك ولده الكامل محمدًا عليها، وجاء العادل ومعه دلدروم الياروقي وابن المقدم وجماعة من الأمراء، وكان الأفضل نازلًا في الميدان الأخضر، فأشار عليه جماعة من الأمراء أن يتأخر إلى مشهد القدم حتى يصل الظاهر، وصاحب حمص، والأمراء، وكان مكيدة منهم، فتأخر

стр. 671

إلى مشهد القدم، ودخل العادل ومن معه من العسكر إلى دمشق، وجاء الظاهر بعسكر حلب، وجاء عسكر حماه وحمص وبشاره من بانياس، وعسكر الحصون، وسعد الدين مسعود صاحب صفد، وضايقوا البلد وكسروا باب السلامة، وجاء آخرون إلى باب الفراديس، فيقال: إن الناصح بن الحنبلي وأخاه الشهاب وأصحابهما كسروا باب الفراديس. وكان العادل في القلعة قد استأمن إليه جماعة من المصريين مثل ابن كهدان، ومثقال الجمدار الخادم، وبلغ العادل فركب وخرج إليهم، وجاء إليه جيرون (١) والمجد (٢) أخو الفقيه عيسى قائم على فرسه يشرب الفقاع فصاح العادل: "يا مغلة، يا صنعة، إلى ها هنا". فخرجوا، وأغلق باب السلامة، وجاء إلى باب الفراديس فوجدهم قد كسروا الأقفال بالمرزبات، فقال: "من فعل هذا؟ " قالوا: الحنابلة. فسكت ولم يقل شيئًا. قال: السبط: وحكى لي الملك المعظم عيسى ﵀ قال: لما رجعنا من باب الفراديس، ووصلنا إلى باب مدرسة الحنابلة، أُرمي على رأس أبي جب الزيت فأخطاه، ووقع في رقبة الحصان فوقع الحصان ميتًا، فنزل أبي وركب غيره ولم ينطق بكلمة، وجاء جهاركس وقراجا في الليل من جبل سنير فدخلا دمشق. وأما المواصلة فساقوا على الملك الكامل، فرحَّلوه من ماردين، فجاء يقصد دمشق، وجمع التركمان. وأما دمشق فإنه لما اشتد الحصار عليها، وقطعوا أشجارها ومياهها الداخلة إليها، انقطعت عن أهلها الميرة وضجوا، فبعث العادل إلى الظاهر يقول: "أنا أسلم إليك دمشق على أن تكون أنت السلطان، وتكون دمشق لك ولا للأفضل" فطمع الظاهر وأرسل إلى الأفضل يقول: "أنت صاحب مصر فأثرني بدمشق" فقال: "دمشق لي من أبي، وإنما أُخذت مني غصبًا، فلا أعطيها لأحد". فوقع الخلف بينهما، ووقع التقاعد وخرجت السنة على هذا (٣).

стр. 672

وقال أبو الفدا (١): لما سار العادل من ماردين، وسار الأفضل من مصر، سبق [العادل] (٢) الأفضل ودخل دمشق قبل نزول الأفضل بيومين، ونزل الأفضل على دمشق في ثالث عشر شعبان. وزحف من الغد على البلد، وجرى بينهم قتال، وهجم بعض عسكره المدينة حتى وصل إلى باب (٣) البريد، ولم يمدهم العسكر، فتكاثر أصحاب الملك العادل، وأخرجوهم من البلد، ثم تخاذل العسكر، فتأخر الأفضل إلى ذيل عقبة (٤) الكسوة، ثم وصل إلى الأفضل أخوه الملك الظاهر صاحب حلب، فعاد إلى مضايقة دمشق، ودام الحصار عليها، وقلت الأقوات عند العادل وعند أهل البلد. وأشرف الأفضل والظاهر على ملك دمشق، وعزم أهل البلد (٥) على تسليم البلد لولا ما حصل بين الأخوين الأفضل والظاهر من الخلف وخرجت السنة وهم على ذلك. (٦) وفي تاريخ بيبرس: لما ولوا الملك المنصور محمدا عوض أبيه العزيز لم يلبث إلا هنيهة يسيرة حتى تحركت جماعة من الناصرية والأسدية وقالوا: لابد من مدبر يقوم بالأمر، فإن ولد العزيز صغير، والأولاد الناصرية ما فيهم من يدبر نفسه، فضلا عن غيره، ولا بد من العادل. واتصل بالأمراء أن العادل حالف بعض المماليك والحلقة على أن يكون الأمر له، وتحدث يازكج مع الأمراء فيما هموا به من تسليم الأمر إلى العادل، وقال لهم: الأولى أن لا يخرج الأمر عن بيت الملك الناصر، فلم يوافق ذلك رأي كرجي ودرباس. ثم تقرر أن يولى الملك الأفضل بن الناصر أتابكية ابن أخيه العزيز، وينوب عن الأفضل أخوه الظافر مظفر الدين خضر، وكتبوا إلى الأفضل يستدعونه من صرخد، وامتدت أطماع الأمراء والجند، واستمر الظافر في تنفيذ الأشغال وتدبير الأحوال، إلى حين وصل الأفضل إلى بلبيس (٧)، وتلقاه المؤيد أخوه وفخر الدين إياز جهركس، واهتم كل منهما بعمل ضيافة واسعة، وقصد جهركس أن يكون نزوله أولا في خيمته وحضوره

стр. 673

بدًا إلى ضيافته، فنزل في خيمة أخيه المؤيد لأنه أقسم عليه بالطلاق أنه لا يبدأ إلا به، فأبر قسمه ونزل عنده أولًا، وعند جهركس ثانيًا. فغضب جهركس لذلك، واستشعر سوء رأى فيه، فأخذ دستورًا من الأفضل أن يتأخر بالشرقية ليصلح بين مختلفين من العرب. فلما انفصل من الأفضل ركب هو وزين الدين قراجا من فورهما، ودخلا البرية في عدة قليلة. (١) وأما الأفضل فإنه وصل إلى ظاهر القاهرة، فخرج إليه أهلها وتلقوه بالاحتفال، وزينت البلد، ودخل دار الوزارة، ونزل بدار البستان التي كان العزيز عمّرها. (٢) وخرج سراسنقر من باب البرقية (٣) بخيله ورجله لاحقًا برفيقيه جهاركس وقراجا، وشرع الأفضل في الإطلاقات (٤) والحوالات واستكثر منها، وجهز شمس الدولة عبد الرحمن بن منقذ (٥) رسولا إلى عمه العادل ببذل الطاعة وأرسل صحبته جاولي المعظمي وخطب باسم الأفضل، وحذف من الخطبة الترحم على الناصر والعزيز، وامتدحه شعراء النصر (٦) وأدباء المصر، فما مدح به من أشعار الرشيد النابلسى قصيدة مطلعها: رُويدكم إن الهوى مسلك وعر … يُضَلُّ به الهادي ويُستعبد الحرُّ أثير الغواني ليس بعد بمُفتدى … ومقتولها في دينها دمه هَدر وما هي إلا نظرة سفكت دمي … وحاذرتها لو أنه نفع الحَذر وما كان لولا أن يظاهرها الهوى … لغانيه نهي على ولا أمرُ فلله بالفُسطاط أرغدُ عيشة … حظيتُ بها لو عاد يومًا بها العمرُ فيا حبذا مقر وساكنَ أرضِها … وساحتُها فالتحلُ فالنيلُ فالقصرُ

стр. 674

وليلة زارت والنجوم كأنما على … روضة خضراء من زهرها زَهْرُ وعقد الثريا في أنيق نظامه … يطابقه من أنجم النُثرة النَشر وللزهرة الغراء (١) في الغرب رجفة … مخافة أن ينقض مُنفضَّها النسر وجنح الدجى في عنفوان شبابه … فما كذبت عيناي أن طلع الفجر أو الملك نور الدين أشرق قادمًا … صاحبة الإقبال والفتح والنصر طوى من أعالى مصر عشرين رحلة … فكان لموتى الفقر طيها نشر فوافي إليها وهي ترقب قربه … وليس لها عن أن يواصلها صبر وفي طرفها إلا إلى وجهه قذى … وفي سمعها إلا إلى ذكره وقر فشرفها منه أغر متوجٌ … به تَشْرف الأمصارُ جَمعاء لا مِصْرُ وقلدها سيفًا من العز صارمًا … به حق لو تاهت لها التيه والفخر وكانت عروس الدهر تطلب كفؤها … فزف إليها الأمجد الأفضل الغمرُ هو الغيث وافاها على ظمأ بها … فبَشّرها بالغوث من وجهه البشرُ حليم عن الجاني وطورًا معاقِبٌ … وخير فتى من عنده الخير والشر تفرق طعماه لدى السخط والرضي … فذا سائغ حلو وذا سائغ مر يلين ويقسو للغفاة وللعدي … ففي راحتيه النفع للناس والضر بليغ بقول الفصل ناطق فضله … فمعروفه دَرٌ منطقه دُر رحيب الذرى والباع والباس والندى … وأرحب منها فضله الجمُ والصَّدْرُ يجود ولا وعدٌ فأما وعوده … فحاشي وَفيًا من مواقيتها غدر ضلالًا لمن بالبحر قاس يمينه … ومن جوده في كل أنملة بحر إليه بنى الآمال في كل وجهه … فإحسانه المد الذي ماله جذر فتى يهب الجم الغفير وظنه … بأن كثيرًا من مواهبه نَزْرُ هو الغَمُرُ قد أفنى الكنوز مواهبًا … أفي قلبه حقد على المال أو غِمْرُ يمينًا لو أنّ الدهر ملك يمينه … لأصبح موهوبًا وإن عظم الدهر أنجلَى صلاح الدين والملك الذي … زكى (٢) النحل من أولاده وزكا النِجرُ

стр. 675

عدلت فلا جورٌ وصُلت فلا أذى … وقمت فلا زيغ وجدت فلا فقر ففي غضب الشيطان باسُك والندى … وفي طاعة الرحمن سرُّك والجهر لأنتم بني أيوب خير عصابة … لها الحمل بعد الله والمدح (١) والذكر سماء عُلى تَهْدى مصابيح أُفقِها … وتُهدَى (٢) لنا من سُحَبها النَايل الدَثْر وقال يمدحه أيضا بقصيدة منها: الأفضل ابن أبيه أفضل ذو ندى … نسخت وُعود الجود منه نقود ملك إذا وقف الملوك ببابه … لعايَنت مولًى والملوك عبيد غيث إذا سحَّت سحايب جوده … جَزر الحيا ولراحتيه مدود للبشر في قساته نُور إلى … ما يرتجي الراجون منه بريد يقظ تنبَّه للثناء وكسبه … حين الملوك عن الثناء رقود فإذا (٣) اقتنى الملك الكنوز رأيته … خرقا بما ملكت يداه يجود مهلًا عليٌّ علوتَ حتى ما لِذِي … شرف إلى حيثُ ارتقَيت صُعُودُ كم لج جيش للفرنج فخضنته … والدّارعون بحافتيه وُرُودُ فنظمته بالرُمح وهو مبددٌ … ونثَرتَه (٤) بالسيف وهو عُقُودُ صلّت سيوفَك حين صَلّت رُكعا … فيهم فهامُهم إليك سجود أشرَفتَ في الزمن البهيم كما بدا … للصُبح من غسق الظلام عمود فألِيّة بِكَ يا ابن من لسيوفُه … أبدا رقاب المشركين حصيد لو كان حِلمُكَ للجبال موطدا … لم تلف بالزلزال وهي تميد أو كان جودك للسحاب مُظاهرا … ما زالت الأنواءُ وهي تجود أو كان (٥) عزمك للصَّوارم لم تُحِطْ … يوما بهن ولو أحطنَ عمودُ

стр. 676

أو كان باسُك للأسود لما احتمت … من خوف باسُك بالعرين أُسُود فتملَّ منِّي كل بكر طائرُ … المعنى لها أنَّي شذا غريدُ شعر يصوغُ ثناك في أثنائه … عبقًا وخُفَّاق النسيم ركُود يُكسى على مرِّ الزمان طلاوة … وتُمزّق الأيام وهو جديد درِّ تنظّم من عُلاك فريدهُ … فَمِن العجايب أن يقال قصيدُ لا تحسبنَّ لك في الكمال مشاركة … ما عن صِفاتك للكمال مَجيدُ قال بيبرس: وفيها شرع الأفضل في تجريد العساكر إلى القدس الشريف مع الظافر أخيه، واجتمع جهاركس بميمون القصري وأسامة، ثم كتبوا إلى الأفضل كتابًا مضمونُه؛ إنا مجتمعون على طاعة ولد الملك العزيز، وإن استقر الملك العادل كنا في طاعته، وأما أنت فقد غررت بنفسك، فلا تطمع في ملك مصر؛ وأكثروا من هذا الخطاب ومثله. وفيها وصل إلى الأفضل رسول أخيه الظاهر صاحب حلب، ورسل ابن عمه أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه صاحب حمص يحثانه على الخروج إلى دمشق ليغتنم الفرصة بغيبة العادل عنها، فإن العادل قد سار لحصار ماردين، فخرج الأفضل على عزم المسير إلى دمشق وتعوق بظاهر القاهرة وتثبط في مسيرة، ولو بادر وعجل المسير لريما كان قد ملكها لكنه تأخر، ولما وصل نزل عند جسر الخشب على فرسخ ونصف من دمشق، وكان نواب العادل قد أرسلوا إليه يخبرونه قصد الأفضل لهم، ففارق ماردين وخلف ولده الكامل عليها، وحضر جريدة فسبق الأفضل ودخل دمشق قبل وصوله بيومين، وأما الأفضل فإنه تقدم إلى دمشق من الغد وهو رابع عشر شعبان، فاجتمع الأمير مجد الدين أخو الفقيه عيسى الهكاري ببعض الأجناد الذين على أحد الأبواب، واتفقوا معه على أنهم يفتحونه له وهو الباب الذي يسمى باب السلامة (١) ففتحوه، ودخل مجد الدين وبعض من معه إلى المدينة، فلما رآهم العامة والجند استسلموا ونزلوا عن الأسوار (٢).

стр. 677

وبلغ الخبر الملك العادل فكاد يسلم لكنه تماسك، وبلغ عسكر الأفضل باب البريد فلما رأى عسكر العادل قلة عسكر المصريين وثبوا عليهم فأخرجوهم، وكان الأفضل قد نصب خيامه بالميدان الأخضر فأشير عليه بالانتقال إلى ميدان الحصى (١) ففعل، وقويت نفوس الدمشقيين وضعفت نفوس المصريين، وتعصبت الأكراد وصاروا شيئا واحدًا. فتأخر الأفضل قليلا، ثم وصل أسد الدين شيركوه صاحب حمص إلى الأفضل، ووصل بعده الملك الظاهر صاحب حلب، وأرادوا الزحف على دمشق فمنعهم الظاهر مكرًا بأخيه الأفضل وحسدًا له، ولم يشعر أخوه بذلك منه، ولما رأى العادل كثرة العساكر وتتابع الأمداد، عظم عليه ذلك وأرسل إلى المماليك الناصرية الذين بالقدس يستدعيهم إليه، وبلغ الأفضل أنهم ساروا إلى العادل، فسير أسد الدين شيركوه صاحب حمص ومعه جماعة من الأمراء إلى طريقهم ليمنعوهم، فساروا في غير الجادة وعبروا دمشق، فقوى العادل بهم وآيس الأفضل من دمشق، ثم إن العادل سير خلف ابنه الكامل ليحضر إليه، وكان على ماردين فسار على طريق البر ودخل دمشق، وانقضت السنة والحال على مثل ذلك (٢). ذكر وفاة صاحب الغرب والكلام فيه على أنواع: هو السلطان الكبير أبو يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن بن على القيسي الكومي، صاحب بلاد الغرب الملقب بالملك المنصور. ولد ليلة الأربعاء رابع شهر [ربيع] (٣) الأول سنة أربع وخمسين وخمسائة، ولما مات أبوه في سنة ثمانين وخمسائة على ما ذكرناه اجتمع رأي أشياخ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديمه، فبايعوه وعقدوا له الولاية ودعوه أمير المؤمنين كأبيه وجده، ولقبوه المنصور (٤).

стр. 678

الثاني في صفته: كان أسمر (١) صافي السمرة جدًا إلى الطول، جميل الوجه، أفوه، أعين، شديد الكحل، ضخم الأعضاء جهوري الصوت، جزل الأعضاء، من أصدق الناس لهجة وأحسنهم حديثًا وأكثرهم أصابه بالظن، مجربة للأمور، ولي وزارة أبيه فبحث عن الأحوال بحثًا شافيًا وطالع مقاصد العمال والولاة وغيرهم مطالعة حسنة. الثالث في سيرته: لما ولى قام بالأمر أحسن قيام، وهو الذي أظهر أبهة ملكهم ورفع راية الجهاد ونصب ميزان العدل، وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع، ونظر في أمور الدين والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته والأقربين، كما أقامها في سائر الناس أجمعين، فاستقامت الأحوال في أيامه، وعظمت الفتوحات وغزا غزوات كثيرة، وجال في البلاد لأجل الجهاد (٢). وقال أبو شامة صاحب الذيل: كان ملكا جوادًا سمحًا عادلًا، يكرم العلماء متمسكًا بالشرع، يصلي بالناس الصلوات الخمس، فيلبس الصوف، ويقف للمرأة (٣) والضعيف ويأخذ لهم بالحق، حافظا للسانه. وقال ابن خلكان: وكان يشدد في إلزام الرعية بإقامة الصلوات الخمس، وقتل في بعض الأحيان على شراب الخمر، وقتل العمال الذين شكوا الرعايا منهم، وكان محسنًا محبًا للعلماء، مقربًا للأدباء، مصغيًا إلى المدح، مثيبًا عليه، وله أَلَّفَ أبو العباس أحمد ابن عبد السلام الجراوي (٤) كتابه الذي سماه "صفوة الأدب وديوان العرب في مختار الشعر"، وهو مجموع مليح أحسن في اختياره كل إحسان، وإليه تنسب الدنانير اليعقوبية المغربية.

стр. 679

وفي المرآة: وهو الذي كسر ألفنش ملك الإفرنج على الزلاقة. ولم تكن للألفنش مع كثرة جيوشه طاقة، ولم يكن في ولاة المغرب من له سيرة كسيرته، وقد أثنى عليه أرباب السير، وذكره عبد المنعم بن عمر في تاريخه وأثنى عليه وقال: "لما توفي أبوه يوسف قام بالأمر أحسن قيام، فأقر العيون بما قرر من قواعد الإسلام، ونشر كلمة التوحيد، وأذل من أهل الكفر كل جبار عنيد، ورفع غاية الاجتهاد، فتضرع باجتهاده كل ناد، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، ونشر نشره أذكى من العنبر، وضوء كرمه أعلى من ضوء القمر الأنور. وأقام الحدود على العالمين. وخصوصًا على أهله وعشيرته الأقربين، فاستقامت الأمور ببركاته، وظهرت الفتوح العظيمة بعزماته، وانتشرت الخيرات بكراماته". وقال السبط: حكى لي الشيخ الصالح الفاضل أبو العباس بن تامتنب المغربي اللواتي بالديار المصرية بالقرافة في سنة أربعين وستمائة من فضائل الملك المنصور يعقوب بن يوسف المذكور، وكان أبو العباس قد صحبه زمانا وانتفع به واستفاد منه، قال: وكلما أحكيته عنه فهو على المشاهدة والعيان لا عن فلان وفلان. قال في ذلك: إنه قدم بلدة فاس رجل شريف، وكان فاضًا لطيفًا، وكان يعظ بصوت طيب، فجلس بها فمال الناس إليه، وأرادوا أن يبايعوه، وبلغ خبره إلى يعقوب، فكتب إليه كتابا يقول فيه: "قد بلغنا قدومك البلاد ووصول بركتك إلى أهلها، ونحن نسألك أن تقدم علينا لنأخذ حظنا منك، كما أخذ أهل البلاد حظهم. وبعث إليه بعشرة آلاف دينار، فخاف الشريف، واجتمع إليه أهل البلاد، وقالوا: متى وقعت في يده قتلك، فأظهر العصيان، ونحن وأهل الجبال معك. فقال الشريف: معاذ الله أن أكون سببا لإراقة دم مسلم، ولكني أسير إليه، وأستعين بالله عليه. وبلغ يعقوب قوله، فلما قرب من مراكش تخرج يعقوب فاستقبله وأنزله معه في قصره، وحمل إليه المال والتحف، وجلس يسمع كلامه، وكان يجالسه. واتفق عبور يعقوب للقاء ألفنش، ومن عادتهم يوم المصاف أن يصلي الخليفة بالناس الفجر، ويركب معه خمسة آلاف من القراء مُلبسين الدروع، حاملين الأسلحة، فيقرءون سُبْعًا من القرآن، ويدعو الخليفة، لا يدعو غيره، وكان له طبال اسمه حماد -مقدم الطبّالين- وخلفه مائة كوس، وليس في العسكر من له طبل

стр. 680

سوى الخليفة، فإذا فرغ من الدعاء بعد القراءة قال: يا حمّاد، فيقول: لبيك، فيقول: اضرب الطبل، فيدق الكوسات، وتحمل العساكر وهاتان الخصلتان لا يشارك الخليفة فيهما أحد الرعاء، وقوله يا حمّاد اضرب الطبل. فلما كان في هذا اليوم الذي التقى فيه يعقوب بألفنش، صلى الخليفة بالناس، وركب والشريف عن يمينه، ولما فرغ من قراءة السبع، التفت إلى الشريف وقال: يا شريف ادعُ، فقال: الله الله يا أمير المؤمنين، العفو، هذه وظيفة أمير المؤمنين. فقال: لابد. فما أمكنه مخالفته، خوفًا منه، فمد يديه ودعي، وعجب الناسُ، ولما فرغ من الدعاء قال له: يا شريف قل لحمّاد يضرب الطبل. فقال: العفو يا أمير المؤمنين. فقال: لا بد، فقال: يا حماد اضرب الطبل، فضرب، وحملوا. ثم التفت إلى الشريف وقال: يا شريف إن كان خطر ببالك أنك تحكم في البلاد، وأطمعك أهل فاس والجبال في هذا الأمر، أو رأيت منامًا فهو هذا الذي رأيت ما يجعل لك من الخلافة سواه، فنزل وقبل الأرض، وكسر الله ألفنش وأقام الشريف عنده في أرغد عيش إلى أن توفي، وما ظن أحد أنه يسلم منه، فلله دَرّ هذه المكارم لو كان غير يعقوب لحل بالشريف العظائم. ومنها ما حكاه لي أبو العباس أيضًا قال: كان ليعقوب ابن أُخت لم يكن بمراكش أحسن صورة منه، له ثمان عشرة سنة، فقدم مراكش رجل يُرقّصُ الدُبَّ ومعه امرأته، فرآها ابن أخت يعقوب فأعجبته، فأرسل إليها فأخذها، فوقف زوجها ليعقوب فقال: يا أمير المؤمنين إني رجل غريب وقد غصبني ابن أختك وأخذ زوجتي. فقال له: اتبعني. وجاء إلى قصر ابن أخته وقال للرجل قف هاهنا، ثم دخل القصر واستدعى ابن أخته وقال له: لِم أخذت زوجة هذا الرجل؟ فأنكر. فدعي بالرجل وقال له: قد أنكر. وقال: يا أمير المؤمنين لي كليبة قد ربتها المرأة تحضر كل امرأة في القصر وأحضر الكلبة فهي تعرفها من بين ألف امرأة، فإن وقفت عندها وإلا فاقتلني. فقال للرجل: اخرج، ثم قال لابن أخته: لا تبقى امرأة في القصر إلا وتخرج، فأخرج النساء وخرجت المرأة بينهن وقد غير زيها وألبسها الحلى والجواهر والثياب الفاخرة، وأطلق الكلبة فجاءت ووقفت عندها، فاستدعى الرجل وقال: خذ زوجتك بما عليها، ثم التفت إلى ابن أخته وقال: قصرك مملوء بالجواري المستحسنات وأنت تمد عينيك إلى امرأة رجل غريب جاء من بلاد بعيدة فتأخذها غصبًا. ثم قال لغلمانه: اعطوه الرماح. وهذه قِتلة المغاربة، فخرجت أمه حاسرة فبكت بين يديه وقالت: مالي غيره. فقال: لأهذِّبن ملوك الغرب وغيرهم، فقتله.

стр. 681

ومنها ما حكاه لي أبو العباس أيضًا قال: اشتهرت امرأة بالزهد وأنها ما تأكل الخبز، فبعث إليها يعقوب وقال: أقيمي عندي في القصر أياما لأتبارك بك، فأقامت عنده مدة، فدخلت بعض جوارية السقاية يومًا فرأت الزاهدة تأكل الخبز في بيت الماء، فبهتت وجاءت إليه فأخبرته فقال لها: والله لئن سمع هذا غيري منك لأقتلنك، ثم بحث عن ذلك فوجده صحيحًا، فأرسل إلى الزاهدة خمسمائة دينار وثيابًا، وقال لها: قد حصلت لنا البركة بمقامك عندنا، وقد سألني بنو عمى أن تقيم عندهم في قصرهم لتصل إليهم بركتك. فانتقلت إليهم ولم يظهر أمر المرأة. قال: وكان جوادًا سمحًا يهب مائة ألف دينار وخمسين ألفًا، ﵀. قال السبط: ويعقوب هذا هو الذي راسلة السلطان صلاح الدين بشمس الدين بن منقذ يستنجد به في سنة سبع وثمانين وخمسائة. ومدحه ابن منقذ بأبيات من الشعر، فأعطاه لكل بيت ألف دينار (١). قال ابن خلكان: وكان قد أرسل إليه السلطان صلاح الدين يوسف رسولًا من بني منقذ في سنة سبع وثمانين وخمسائة يستنجده على الإفرنج الواصلين من بلاد المغرب إلى الديار المصرية وساحل الشام، ولم يخاطبه بأمير المؤمنين بل خاطبه بأمير المسلمين، فعز ذلك عليه ولم يجبه إلى ما طلب منه، والرسول المذكور هو شمس الدولة أبو الحارث عبد الرحمن بن نجم الدولة أبي عبد الله محمد بن مرشد والله أعلم. (٢) الرابع في سريرته: قال ابن كثير: قد كان دينًا حسن السيرة، صحيح السريرة، وكان مالكي المذهب، ثم صار ظاهريًا خرميًا، ثم مال إلى مذهب الشافعي، واستقضى في بلاده منهم. (٣) وقال ابن خلكان: أمر برفض فروع الفقه وأن العلماء لا يفتون إلا بالكتاب العزيز والسنة النبوية، ولا يقلدون أحدًا من الأئمة المجتهدين المتقدمين بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم القضايا من الكتاب والسنة والإجماع والقياس. (٤)

стр. 682

وقال المؤيد فى تاريخه: وكان يتظاهر بمذهب الظاهرية، وأعرض عن مذهب مالك ﵀. (١) الخامس فى وفاته: قال علماء الأندلس: مرض يعقوب مرضًا أشفى منه على الموت، فأوصى إلى ولده أبى عبد الله محمد (٢)، وأن لا يخفوا موته، وأن يصلى عليه المسلمون ويدفن على قارعة الطريق، ليترحّم عليه من يمر به، وتوفى فى ربيع الأول، فكانت مدة أيامه خمس عشرة سنة، وبايع الناس ولده محمدًا، واستمر على سيرة أبيه، ثم اختلفت الأهواء ودخل النقص على البيت بموت يعقوب (٣). وقال ابن كثير: توفى السلطان أبو محمد يعقوب بن يوسف صاحب بلاد المغرب والأندلس بمدينة سلا (٤). وكان قد ابتنى عندها مدينة (٥) مليحة سماها المهدية: وقال غيره من علماء التاريخ: لما فرغ من غزواته رجع إلى مراكش، ثم اختلفت الروايات فى أمره، فمنهم من يقول: إنه ترك ما كان فيه وتجرد وساح فى الأرض حتى انتهى إلى بلاد الشرق وهو مستخف لا يُعْرف، ومات خاملا. ومنهم من يقول: إنه لما رجع إلى مراكش توفى فى غُرّة سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وقيل: فى شهر ربيع الآخر فى سابع عشره، وقيل: فى غُرّة صفر. وفى تاريخ المؤيد: توفى يعقوب صاحب المغرب والأندلس وعمره ثمان وأربعون سنة، وملك بعده ابنه محمد بن يعقوب وتلقب بالملك الناصر، ومولده فى سنة ست وسبعين وخمسمائة. وعبد المؤمن وبنوه جميعهم كانوا يسمون بأمير المؤمنين. (٦)

стр. 683

وقال ابن خلكان: وكان يعقوب قد عظم ملكه واتسعت دائرة سلطنته، حتى أنه لم يبق بجميع أقطار بلاد المغرب من البحر المحيط إلى برقة إلا من أطاعه ودخل فى ولايته إلى غير ذلك من جزيرة الأندلس (١). ذكر وفاة مجاهد الدين هو الأمير الكبير مجاهد الدين قايماز الزينى نائب الموصل والمستولى على مملكتها فى أيام ابن أستاذه نور الدين أرسلان. وكان عاقلًا ذكيًا فقيهًا حنفيًا، وقيل شافعيًا، يحفظ شيئًا كثيرًا من التواريخ والحكايات، وقد ابتنى عدة جوامع، ومدارس، وربط، وخانات، وله صدقات كثيرة دايرة. وقال ابن الأثير: "وقد كان من محاسن الدنيا". (٢) توفى فى ربيع الأول منها بقلعة الموصل. وقال ابن خلكان: هو أبو منصور قايماز بن عبد الله الزينى، الملقب مجاهد الدين الخادم، كان عتيق زين الدين أبى سعيد على بن بكتكين، والد الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل، وهو من أهل شبختان (٣)، أخذ منها صغيرًا، وكان أبيض اللون، وكانت (٤) مخايل النجابة لائحة عليه، فقدمه معتقه وجعله أتابك أولاده، وفوض إليه أمور إربل فى خامس شهر رمضان سنة تسع وخمسين وخمسمائة، فأحسن السيرة، وعدل فى الرعية، وكان كثير الخير والصلاح، بنى بإربل مدرسة وخانقاه، وأكثر وقفهما. ثم انتقل إلى الموصل فى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وسكن قلعتها، وتولى أمور تدبيرها، وراسل الملوك وراسلوه، وكان يبلغ منهم بكتبه مالا يبلغ سواه. وفوض إليه الأتابك سيف الدين غازى بن مودود -صاحب الموصل- الحكم فى سائر بلاده، لما رأى منه من حسن مقاصده، واعتمد عليه فى جميع أحواله، وكان نائبه وهو السلطان فى الحقيقة، وكان يحمل إليه أكثر أموال إربل، وأثر بالموصل أثارًا جميلة (٥)؛ منها أنه بنى

стр. 684

بظاهرها جامعًا كبيرًا ومدرسة وخانقاه والجميع متجاور، ووقف أملاكًا كثيرة على خبز الصدقات، وأنشأ مكتب للأيتام، وأجرى لهم جميع ما يحتاجون إليه، ومد على شط الموصل جسرًا غير الجسر الأصلى، ووجد الناس به رفقًا كثيرًا، وله شئ كثير من وجوه البر، ومدحه جماعة من الشعراء منهم حيص بيص سبط ابن التعاويذى بقصيدته التى أولها: عليل الشوق فيك متى يَصحُّ … وسكرانٌ بحبك كيف يَصْحو وبين القلب والسلوان حَرْبُ … وبين الجفن والعبرات صلحُ وسيرها إليه من بغداد فأجازه جائزة سنية وسير له معها بغلة، فوصلت إليه وقد هزلت من تعب الطريق، فكتب إليه: مجاهد الدين دمت زخرًا … لكل ذى فاقة وكنزًا بعثت لى بغلة ولكن … قد مسخت فى الطريق عنزًا (١) وكان مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير الجزرى صاحب جامع الأصول كاتبًا بين يديه ومنشئًا عنه إلى الملوك. ولما مات الأتابك سيف الدين وتولى أخوه عز الدين مسعود سعى أهل الفساد إليه فى حقه وكثر ذلك منهم، فقبض عليه سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ثم ظهر له فساد رأيه فى ذلك فأطلقه وأعاده إلى ما كان عليه، واستمر على ذلك إلى أن توفى فى نصف ربيع الأول وقيل فى سادسه. وقال ابن المستوفى فى تاريخ إربل: توفى فى صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة بقلعة الموصل، والله أعلم. (٢) ذكر بقية الحوادث منها أنه شرع فى بناء سور لبغداد من الآجر والكلس، وفرق على الأمراء فكملت عمارته بعد هذه السنة، فأمنت بغداد من الغرق والحصار ولم يكن لها سور قبل ذلك. (٣)

стр. 685

ومنها أن الملك الأفضل بن صلاح الدين يوسف أشهد على نفسه فى هذه السنة بوقف المطرية ومنية (١) الباسك والرباع المسوغة وغيرها على سور القاهرة ومصر والمارستان بالقاهرة. ومنها أنه حضر إلى الأفضل رسل الموصل، وسنجار، والجزيرة، وماردين، ووصل صحبتهم ضياء الدين بن الأثير. ومنها أنه سار خوارزم شاه علاء الدين تكش إلى الرِىّ وغيرها من بلاد الجبل، لأنه بلغه أن نائبه مياجق قد تغيرت نيته وجعل يفر بين يديه وهو فى طلبه، فحصل بقلعة من أعمال مازندران فحصره بها وأخذه فأمر بحبسه. (٢) ومنها أن ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان مَلَكَ مدينة ملطية، وكانت بيد أخيه معز الدين قيصر شاه، ثم سار منها إلى أرزن الروم، فخرج إليه صاحبها على قاعدة أن يقرر الصلح، فقبض عليه وتسلم البلد، وهو من أولاد الملك محمد بن صرطن، وهم ببيت قديم كانوا يملكون هذا البلد، فكان هذا آخرهم. منها أنه حضر التقليد من عند الخليفة الناصر، والمنشور والخلع لخوارزم شاه بما بيده من البلاد، فلبس الخلع، واشتغل بقتال الملاحدة، فافتتح منهم قلاعًا، وقتل عليها صدر الدين محمد بن الوزان رئيس الشافعية. ثم عاد إلى خوارزم، فوثب الملاحدة على وزيره نظام الملك مسعود بن على فقتلوه، فسير ولده قطب الدين الحصار الملاحدة فحاصرهم، فلما بلغه مرض والده تكش صالحهم على مائة ألف دينار وفارقهم. (٣) ومنها أن الخليفة استدعى قاضى الموصل ضياء الدين بن الشهرزورى، فولاه قضاء قضاة بغداد. (٤)

стр. 686

ومنها أنه وقع الرضى عن الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى، شيخ الوعاظ فى زمانه وبعده، وقد كان أخرج من بغداد إلى واسط، فأقام بها خمس سنين، فانتفع به أهلها واستفادوا. ولما عاد إلى بغداد خلع عليه، وأذن له فى الجلوس (١) على عادته عند التربية الشريفة المجاورة لقبر معروف الكرخى، رضى الله عنه، فكثر الجمع جدًّا، وأخذ فى الرياب (٢) يومئذ فيها قال يخاطب الخليفة: لا تُعطش الروض الذى نبته … بصَوب إنعامك قد روضا لا تبر عودًا أنت رَيَّشْتَه … حاشى لبانى المجد أن يَنقضا إن كان لى ذنب "تجرمته" (٣) … فاستأنف العفو "وهب ما مضى" (٤) قد كنت أرجوك لنيل المنى … فاليوم لا أطلب إلا الرضى (٥) وقال السبط: وفى هذه السنة وقف خالى محيى الدين أبو محمد يوسف للخليفة فى رجب ومعه قصته ببستان يقال له دولاب البقل، فذكر فيها ما نال جدى وأهله من الضرر، وكان نجاح الشرابى بين يدى الخليفة، فجاء فأخذ الورقة وقال له الشرابى: تعال إلى باب البدرية ووقعوا له بالإفراج عنه، فقدم جدى ببغداد فى شعبان، وخلع عليه وجلس عند تربة أم الخليفة، وكانت تتعصب له وساعدت فى خلاصه، وأنشد جدى ﵀: إن كان لى ذنب ولم آته … فاستأنف العفو وهَب ما مضى وهذا الشعر للرضى الموسوى وقد ذكرناه فى ترجمته، وأنشد أيضًا: سقينا (٦) بالنوى زمنًا فلما … تلاقينا كأنا ما سقينا (٧) سخطنا (٨) عندما جنت الليالى … فما زالت بِنَا حتى رضينا

стр. 687

سعدنا بالوصال وكم (١) شقينا … بكاسات الصدود وكم ضنينا فمن لم يحى بعد الموت يوما … فإنا بعد مُتنا حيينا ومنها أنه وقعت بدمشق فتنة بسبب الحافظ عبد الغنى المقدسى (٢)، وذلك أنه كان يتكلم فى مقصورة الحنابلة بالجامع الأموى فذكر يومًا شيئًا من العقائد، فاجتمع القاضى محى الدين بن الزكى، وضياء الدين الخَطيب الدولعى بالسلطان الملك المعظم ابن الملك العادل، والأمير صارم الدين بُرغش، فعقد له مجلس فيما يتعلق بمسألة الاستواء (٣) والنزول ومسألة الحرف والصوت، فوافق بنو النجم الحنبلى بقية الفقهاء. واستمر الحافظ عبد الغنى على ما يقوله، واجتمع بقية الفقهاء على خلافه وألزموه بإلزامات شنيعة حتى قال الأمير بُرغش: كل هؤلاء على الضلالة وأنت على الحق. قال: نعم. فغضب الأمير عند ذلك وأمر بنفيه من البلد، فاستنظر ثلاثة أيام فأنظر. وأرسل بُرغش مَن كسر منبر الحافظ وتعطلت صلاة الظهر يومئذ فى محراب الحنابلة، وأخرجت الخزائن والصناديق التى هناك، وجرت خبطة شديدة، وكان عقد المجلس فى يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذى الحجة، فارتحل الحافظ عبد الغنى إلى بعلبك، ثم سار إلى ديار مصر فأواه الطحانون فحنوا عليه وأكرموه. (٤) وقال أبو شامة: كانت فتنة عبد الغنى الحافظ الحنبلى يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذى القعدة (٥). ذكر العز بن تاج الأمناء أنه اجتمع الشافعية والحنفية والمالكية عند المعظم عيسى والصارم بُرغش والى القلعة، وكانا يجلسان بدار العدل للنظر فى المظالم، فكان ما اشتهر من إحضار اعتقاد الحنابلة وموافقة أولاد الفقيه نجم الدين الحنبلى الجماعة، وإصرار عبد الغنى على لزوم ما ظهر من اعتقاده؛ وهو الجهة، والاستواء، والحروف، وإجماع الفقهاء على الفتيا بكفره، وأنه مبتدع لا يجوز أن يُترك بين المسلمين، ولا يحل لولى الأمر أن يمكنه من المقام معهم. ثم ذكر مثل ما ذكرنا.

стр. 688

ومنها أنه كانت فتنة عظيمة فى عسكر غياث الدين ملك الغورية وهو بفيروزكوه (١)، وسببها أن الإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازى المعروف بابن الخطيب، الإمام المشهور، كان قد قدم إلى غياث الدين، فبالغ غياث الدين فى إكرامه واحترامه، وبنى له مدرسة بهراة بالقرب من الجامع، فعظم ذلك على الكرامية (٢)، وهم كثيرون بهراة، ومذهبهم التجسيم والتشبيه. وكانت الغورية كلهم كرامية، فكرهوا الإمام فخر الدين لأنه شافعى، فاتفق أن فقهاء الكرامية، وفقهاء الحنفية، وفقهاء الشافعية، حضروا بفيروزكوه عند غياث الدين للمناظرة، وحضر فخر الدين الرازى، والقاضى عبد المجيد بن عمر المعروف بابن القدوة وهو من الكرامية الهيصمية (٣)، وله عندهم محل كبير لتزهده وعلمه. فتكلم الرازى فاعترض عليه ابن القدوة وطال الكلام، فقام غياث الدين واستطال فخر الدين الرازى على ابن القدوة وشتمه، وبالغ فى أذاه، وابن القدوة لا يزيد على أن يقول: لا يفعل مولانا، لا وأخذك الله. (٤) فغضب على فخر الدين الملك ضياء الدين، وهو ابن عم غياث الدين، وزوج ابنته، وشكى إلى غياث الدين، وذم فخر الدين الرازى، ونسبه إلى الزندقة ومذهب الفلاسفة، فلم يصغ إليه غياث الدين. فلما كان من الغد وعظ الناس ابن عمر القدوة بالجامع، وقال: بعد حمد الله، والصلاة على رسول الله ﷺ ؛ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول، أيها الناس إنا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله ﷺ ، وأما علم أرسطو وكفريات ابن سينا، وفلسفة الفارابى فلا نعلمها، فلأى حال يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله، وسنة نبيه ﵇، وبكى، وبكى الكرامية فاستغاثوا، وثار الناس فى كل جانب، وامتلأ البلد فتنة. فبلغ السلطان غياث الدين، فأرسل جماعة سَكَّنوا الفتنة، ووعدهم إخراج فخر الدين الرازى من عندهم. وتقدم إليه بالعود إلى هراة (٥). وأمر الملك بإخراج فخر الدين الرازى من البلد.

стр. 689

ولم يكن الملك مختارًا لذلك، فعاد إلى هراة. فلهذا أشرب قلب الرازى بغض الكرامية فهو يلهج بهم فى كل أمة فى كل موطن (١)، وكلما هبت الصبا. وقال ابن الأثير (٢): ومنها فارق غياث الدين ملك الغورية مذهب الكراهية وصار شافعى المذهب. ومنها أن فى شهر رمضان قصد الملك المنصور صاحب حماة وبارين، وبها نواب عز الدين إبراهيم بن شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم وحاصرها، وكان عز الدين إبراهيم مع الملك العادل محصورًا معه بدمشق، ونصب الملك المنصور عليها المجانيق، وجرح الملك المنصور فى حالة الزحف، وفتحها فى التاسع والعشرين من ذى القعدة، وأقام ببارين مدة حتى أصلح أمورها. (٣) وفيها .................................................... (٤) وفيها حج بالناس من بغداد مظفر الدين وجه السبع أميرًا على الركب العراقى ذكر من توفى فيها من الأعيان أبو الحسن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن إسماعيل بن على بن سليمان بن يعقوب بن إبراهيم بن إسماعيل بن على بن عبد الله بن العباس الهاشمى، قاضى القضاة ببغداد بعد ابن النجارى. وقد كان من أعيان الشافعية، تفقه على أبى الحسن بن الخل وغيره. وقد كان ولى القضاء والخطابة بمكة شرفها الله تعالى، وأصله منها، ولكن ارتحل إلى بغداد فنال بها ما نال، وآل من أمره بها ما آل، ثم أنه عُزل عن القضاء بسبب محضر رقم خطه عليه، وكان فيما قيل مزورًا والله أعلم، وجلس فى منزله حتى مات فى هذه السنة. (٥)

стр. 690

الشيخ جمال الدين أبو القاسم يحيى بن على بن الفضل بن بركة بن فضلان، شيخ الشافعية ببغداد، تفقه أولا على سعيد بن محمد الرازى (١) مدرس النظامية، ثم ارتحل إلى خراسان فأخذ عن الشيخ محمد بن يحيى الزبيدى تلميذ الغزالى، وعاد إلى بغداد وقد أتقن علم المناظرة والأصلين، فساد أهل بغداد، وانتفع به الطلبة والفقهاء، وبنيت له مدرسة، فَدَرّسَ فيها، وبَعُدَ صيته، وكثرت تلامذته. وكان كثير التلاوة، وإسماع الحديث، وكان حسنًا لطيفًا ظريفًا ومن شعره: وإذا أردت منازل الأشراف … فعليك بالإسعاف والإنصاف وإذا بغى باغٍ عليك فخلِّه … والدهر فهو له مكاف كاف (٢) وكان مولده سنة خمس عشرة وخمسمائة، وكان مقطوع اليد، وقع من الجمل فعملت يده، فخيف عليه فقطعت. وكانت وفاته فى شعبان منها، وحمل الفقهاء جنازته إلى الوردّية. تقى الدين طرخان بن ماضى بن جوشن بن على بن معافى الضرير الشاغورى الشافعى، مات فى ذى الحجة، ومولده بدمشق سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وكان إمامًا للملك العادل نور الدين محمود بن زنكى، ﵀. ابنُ زُهْر (٣) الشاعر، أبو بكر محمد بن مروان بن عبد الملك بن أبى العلاء زهر بن أبى مروان عبد الملك بن أبى بكر بن محمد بن مروان بن زهر الأيادى الأندلسى الأشبيلى، هو من أهل بيت كلهم علماء رؤساء حكماء وزراء، نالوا المراتب العلية، وتقدموا عند الملوك، ونفذت أوامرهم، وكان أبو بكر محمد المذكور فكان من اللغة مكين، وكان يحفظ شعر ذى الرُمَّة وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب، والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب، مع سمو النسب وكثرة الأموال، ذكره

стр. 691

ابن دحية فى كتابه المسمى "المطرب من أشعار أهل المغرب" وقال: صحبته زمانًا طويلًا، واستفدت منه أدبًا جليلًا، وأنشد من شعره، ﵀: وموَسِّدين على الأكُفِّ خدودَهم … قد غَالهم نوم الصباح وغالنى ما زلتُ أسقيهم وأشربُ فضلهُم … حتى سكرتُ ونالهم ما نالنى والخمرُ تعلم كيف (١) تأخذ ثأرها … أني أمَلْتُ إناءها فأمالنى ثم سألت عن مولده فقال: ولدتُ سنة سبع وخمسمائة، وبلغتنى وفاته آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وقال ابن خلكان (٢): وأوصى أنه إذا مات، يُكتبُ على قبره هذه الأبيات، وفيها إشارة إلى طبّه ومعالجته الناس. تأمل بحقك يا واقفًا … ولاحظ مكانًا دُفِعنا إليه تراب الضريح على وجنتى … كأنى لم أمش يومًا عليه أداوى الأنام حذار المنون … وها أنا قد صرتُ [رهنا] (٣) لديه وله وقد شاخ وغلب عليه الشيب: إني نظرتُ إلى المرآة إذ جُليت … فأنكرت مُقلتاى كلَّ ما رَأَتا رأيتُ فيها شيخًا لست أعرفه … وكنت أعهده من قبل ذاك فتى فقلت أين الذى بالأمس كان هنا … متى تَرحل عن هذا المكان متى؟ فاستضحكت ثم قالت وهى معجبة … إن الذى أنكرته مقلتاك أتى كانت سليمى تنادى يا أُخىَّ وقد … صارت سليمى تنادى اليومَ يا أبتا وقال ابن دحية فى جده أبى العلاء زُهُر: إنه كان وزيرًا وفيلسوف عصره. وتوفى فى سنة خمس وعشرين وخمسمائة بمدينة قرطبة. وقال فى حق جد أبيه عبد الملك، إنه

стр. 692

رحل إلى المشرق، وبه تُطبب زماناً طويلاً، وتولى رئاسة الطب ببغداد، ثم بمصر، ثم بالقيروان، ثم استوطن مدينة دانية (١). وطار ذِكره منها إلى أقطار الأندلس والمغرب. وتوفى بدانية. وقال في حق [٢٤١] جد جده محمد بن مروان أنه كان بالرى حافظاً للأدب فقيهاً حاذقاً بالفتوى، مقدماً في الشورى، متقناً في العلوم. وتوفى بطليطلة سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة، وهو ابن ست وثمانين سنة، حَدَّثَ عن جماعة من علماء الأندلس، ووصفوه بالدين والفضل والجود والبذل. وزُهْر بضم الراء وسكون الهاء وبعدها راء. وذكر عماد الكاتب في الخريدة لأبي الطيب بن القزاز في بعض بنى زُهر: قُلْ للوبا أنت وابن زُهر … قد جزتما الحدِّ في النكاية ترفقا بالوَرى قليلا … في واحدٍ منكما كفاية

стр. 693

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة السادسة والتسعين بعد الخمسمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة الناصر لدين الله، والملكان الإخوان الأفضل والظاهر - ابنا السلطان صلاح الدين - محاصران لمدينة دمشق، وفيها عمهما الملك العادل، وقد قطعت عنها الأنهار والميرة، فلا يوجد خبز ولا ماء إلا قليلاً، وقد تطاول الحال، وقد خندقوا من أرض اللوان (١) إلى يلداً (٢) خندقاً لئلا يصل إليهم جيش دمشق، وجاء فصل الشتاء، وكثرت الأمطار والأوحال، ولما دخل شهر صفر قدم الملك الكامل محمد بن الملك العادل (٣) من الشرق على أبيه ومعه خلق من التركمان، وعساكر من بلاد الجزيرة والرُها وحران، فعند ذلك انصرفت العساكر المصرية، وتفرقوا أيادى سَبَا (٤)، فرجع الملك الظاهر إلى حلب، وأسد الدين إلى حمص، والملك الأفضل إلى الديار المصرية، وسَلَمَ الملك العادل من كيد الأعادى، بعد ما كان قد عزم على تسليم البلد (٥) واستسلم، ولكن الله سلم. وفى تاريخ أبى الفدا (٦): ولما كان الإخوان الأفضل والظاهر محاصرين دمشق اتفق وقوع الخلف بينهما، وسببه؛ أنه كان للملك الظاهر مملوك يحبه اسمه أَيْبَك، ففقده ووجد عليه الملك الظاهر وجداً عظيماً، وتوهم أنه دخل دمشق، فأرسل يكشف خبره،

стр. 694

وأطلع الملك العادل - وهو محصور - على القضية، فأرسل إلى الظاهر يقول له: "إن محمود بن الشكرى أفسد مملوكك، وحمله إلى الملك الأفضل أخيك"، فقبض الظاهر على ابن الشكرى، فظهر المملوك عنده، فتغير [الظاهر] (١) على أخيه الأفضل، وترك قتال العادل، وظهر الفشل في العسكر، فتأخر الأفضل والظاهر عن دمشق، وأقاما بمرج الصفر إلى أواخر صفر، ثم سارا إلى رأس الماء (٢) ليقيما به إلى أن ينسلخ الشتاء، ثم انثنى عزمهما وسار الأفضل إلى مصر، والظاهر إلى حلب، على القريتين. (٣) وفى تاريخ بيبرس: وفى هذه السنة كان الحصار مستمراً على دمشق، وغلت الأسعار، وقلت الأقوات، فوقع الحديث في الصلح بين العادل والأفضل، وقوى الشتاء، فعاد الظاهر إلى بلاده، وكره الأسدية عوده، وهطلت الأمطار؛ وصعب المقام، وتفلل بعض العسكر المصرى إلى الديار المصرية بغير دستور، وكان قصد العادل المماطلة والمطاولة إلى أن يضجر العسكر، ويتوسط الشتاء فلا يمكن المقام، ولما عظم الشتاء انتقل الأفضل إلى جسر الخشب وضاق [٢٤٢] على العادل الحال وهو يتجلد، ثم أرسل إلى الأفضل يذكر له وصول ولده الكامل بمن معه من الجنود، وأنه يشفق على المسلمين من استمرار الحصار ووقوع النفار، وأشار عليه بالتأخير منزلة لئلا يَتَّقعَ العسكران، فرحل الأفضل إلى مرج الصَفرُ، ثم عاد هو وأخوه الظاهر ومن معه من العسكر إلى الديار المصرية؛ لصعوبة المقام بالشام، ولما بلغ الرملة وصل إليه رسول عمّه العادل يلتمس الصلح، فأكرمه وأجابه، وأعاده مكرما. ولما تحقق العسكر الدمشقى عود العسكر المصرى إلى مصر، خرج قراجا وسنقر ومَيمون القصرى وأياز جهركس في أتباعهم، فلحقوا غَزّه، منصرف الأفضل عنها، فتوجهوا إلى القدس. (٤)

стр. 695

وفى المرآة: ودخلت هذه السنة والحصار على دمشق، وكان أتابك رسلان شاه صاحب الموصل قد رَحَّل الملك الكامل من ماردين، فقدم دمشق ومعه خلق كثير من التركمان، وعسكر الرُها وحران، فتأخر الأفضل بالعساكر إلى عقبة شحورا (١) سابع عشر صفر، ووصل الكامل تاسع عشر صفر، فنزل بجوسق (٢) أبيه على الشرف، ورحل الأفضل إلى مرج الصفّر، ورحل الظاهر إلى حلب، وأحرقوا ما عجزوا عن حمله، وسار الأفضل إلى مصر، وأحضر العادل ابني الحنبلى الناصح وأخاه شهاب (٣) الدين وغيرهما، وكان الأفضل قد وعد الناصح بقضاء دمشق، وأخاه بالحسبة، فقال لهم العادل: "ما الذى دعاكم إلى كسر باب الفراديس، ومظاهرة أعدائى علىَّ، وسفك دمى؟ فقال له الناصح: "أخطأنا وما ثم إلا عفو السلطان". فقال العادل: فما بدا منى إليكم ما يوجب ذلك، ولولا أن يقال عنى إنى شنقت فقيها ما أبقيت منكم أحداً، ولكن البلد لكم هَبُوه لي". فأخرجهم إلى حلب. وجرت بعد هذا واقعة عجيبة، شفع في الشهاب الحنبلى إلى العادل فردّه، وكان يذكر الدرس في حلقة الحنابلة، ويأخذ مغلِ (٤) الوقف، وكان في الحنابلة رجل مصرى يقال له نصر، يخدم الشيخ العماد، فأقام الشهاب سنين لا يعطيهم شيئاً، فاستغاثوا إلى العادل وهو في دار العدل، وكان الملك الأشرف والمعظم أبنا العادل وبقية أولاده وقوفاً في الخدمة، فقال نصرُ يا سلطان المسلمين (٥)، هذا الرجل للوقف معه مدة طويلة" (٦)، يأكله ولا يوصل إلينا شيئاً، وكان ذلك في حدود سنة عشر وستمائة، فقال العادل: كم له معه؟ سنة. فقال نصر: متى كسر باب الفراديس؟ فقال الملك الأشرف: "ذا تاريخ مشؤوم". فضحك العادل والجماعة.

стр. 696

وأما الأفضل فإنه لما سار إلى مصر أرسل العادل وراءه أبا محمد نجيب الدين (١)، وقال له: "قل للأفضل ترفق فأنا لك مثل الوالد، وعندى كلما تريد، فقال الأفضل: "قل له إن صح ما قلت، فابعد عنك أعدائى الصلاحية، وبلغ "ذلك" (٢) الصلاحية. فقالوا للعادل: "إش قعودنا، قم بنا، وساروا خلف الأفضل. (٣) ذكر مسير العادل وراء الأفضل إلى مصر قال السبط: ساروا وراءه مرحلة، فنزل الأفضل بلبيس، ونزل العادل السائح، فرجع الأفضل وضرب معهم المصاف، فكسروه وتفرق عنه أصحابه. ودخل القاهرة وأغلق أبوابها، وجاء العادل فنزل البركة (٤)، ودخل سيف الدين أزكش بين العادل والأفضل واتفقوا على أن يعطيه [٢٤٣] العادل ميافارقين وجبل جور (٥)، وديار بكر (٦)، ويأخذ منه مصر. ورحل الأفضل من مصر في ربيع الآخر ودخل العادل القاهرة. (٧) وفى تاريخ أبى الفدا (٨): سار العادل في إثر الملك الأفضل إلى مصر، وتفرقت عساكر الأفضل في بلادهم لأجل الربيع، فأدركه عمه العادل، فخرج الأفضل بمن بقى عنده من العسكر وضرب معه مصافاً بالسايح، فانكسر الأفضل وانهزم إلى القاهرة، وحاصر (٩) الملك العادل القاهرة ثمانية أيام، فأجاب الأفضل إلى تسليمها على أن يُعوَّض عنها ميافارقين وحَانى (١٠) وشُمَيساط، فأجابه العادل إلى ذلك، ولم يَف له به.

стр. 697

وكان دخول العادل في القاهرة في الحادى والعشرين من ربيع الآخر، ثم سار الأفضل إلى صرخد. وفى تاريخ بيبرس: ولما سار العادل وراء الأفضل إلى مصر، رتب بدمشق ولده المعظم عيسى وبعض الأمراء، وَجّد نحو مصر، فإن الأمراء الأسدّية والصلاحيّة الناصرية أشاروا عليه بقصدها، وأن يكون ابن العزيز (١) مستمرًا في السلطنة، وهو المدبر له والمشير إلى أن يكبر، فسار ووصل إلى قطيا (٢)، وقد أخذ أمر الأفضل في الضعف والتخاذل، ولم يبق معه من العسكر إلا القليل، وشرع في الاستعانة بالعربان وأصلح قلوبهم، ورتب الحرس على قلعة الجبل، وانزعج الناس لذلك، ورحل العادل من قطيا إلى العباسة (٣) وبها سيف الدين يَازكج (٤)، فوقع المصاف، فانكسر يازكج عليها، وخرج الأفضل إلى بلبيس، وتقاعد الجند عن الخروج معه، فوعد العُربان بالنفقات وأعطاهم الإقطاعات. ولما اتفقت كسرة يازكج عاد الأفضل فدخل القاهرة، وسار العادل إليها فنازلها وأغلقت أبوابها، وترددت الرسل بينه وبين الأفضل في الصلح، فسأله الأفضل دمشق، فلم يجبه، فطلب حرَّان والرُها فلم يعطه، فطلب ميافارقين وما حولها فأجابه، وتحالفا على ذلك، فخرج حينئذ الأفضل إليه، واجتمع به في ظاهر القاهرة، وسارا إلى صرخد يوم السبت ثانى عشر ربيع الآخر منها، ولم يعد بعدها إلى الديار المصرية إلى يوم وفاته، ولما مضى إلى صرخد سير إلى ما فارقين من يتسلمها له، فامتنع صاحبها نجم الدين أيوب بن الملك العادل من تسليمها، ولم يسلم إليه إلا حَانِى وجبل جور، وأرسل الأفضل إلى العادل بسببها فاعتذر، وزعم أن ولده نجم الدين عصاه بامتناعه عن تسليمها.

стр. 698

ذكر دخول العادل إلى الديار المصرية واستقراره سلطانا كان دخوله القاهرة يوم السبت الثامن عشر من ربيع الآخر، وأقام بها، والخطبة باسم الملك المنصور بن الملك العزيز بن السلطان صلاح الدين يوسف. (١) قال بيبرس: واستمر ذلك إلى أن اتفق وصول ولده الكامل إليه، فقطع خطبة المنصور في شهر شوال من هذه السنة، وخطب لنفسه ولولده الكامل بولاية العهد بعده، وزالت دولة صلاح الدين من مصر، واستوزر العادل الصاحب صفى الدين عبد الله بن على بن (٢) شكر، وكان قد حلف له بالقدس أنه إذا ملك مصر يُمكّنه من المصريين ويبسط يده فيهم لأنهم كانوا ينتقصونه. وفى تاريخ ابن كثير: استقر العادل في سلطنة الديار المصرية [٢٤٤] وأعاد القضاء إلى صدر الدين عبد الملك بن درباس الماردانى (٣) الكردى، واستوزر صفى الدين بن شكر لصرامته وشهامته، وسيادته وديانته، ثم كتب إلى ولده الكامل يستدعيه من بلاد الجزيرة ليملكه على الديار المصرية، فقدم عليه وأكرمه وعانقه والتزمه، فخطب الخطباء بعد الخليفة للملك العادل، ثم بعده للملك الكامل، وضربت السكة باسمهما، واستقرت دمشق باسم الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، كما أن مصر استقرت للكامل. (٤) ولما استقرت المملكة للعادل، أرسل إليه الملك المنصور - صاحب حماة - يعتذر إليه مما وقع منه بسبب أخذه بَارين من ابن المقدم (٥)، فقبل العادل عذره، وأمره بردّ بارين إلى ابن المقدم، فاعتذر الملك المنصور عنها بقربها من حماه، ونزل عن منبج وقلعة نجم الدين المقدم عوضاً عن بارين، فرضى ابن المقدم بذلك؛ لأنهما خير من

стр. 699

بارين بكثير، وتسلمهما، وكان له أيضاً أفامية (١)، وكفر طاب (٢) وخمس وعشرون ضيعة من المعرة، وكذلك كاتَبَ الملك الظاهر - صاحب حلب - عمه الملك العادل وصالحه وخطب له بحلب وبلادها، وضرب السكة باسمه، وشرط العادل على الظاهر أن يكون خمسمائة فارس من خيار عسكر حلب في خدمة الملك العادل، كلما خرج إلى البيكار (٣)، والتزم صاحب حلب بذلك. (٤) وفى تاريخ السبط: لما استقر العادل في مصر أحسن إلى أزكش وقدمه وحكمه في البلاد، وردّ القضاء إلى صدر الدين عبد الملك، وشيخ الشيوخ ابن حمويه (٥) التدريس بالشافعى ومشهد الحسين والنظر في خانقاه الصوفية، وجلس أبو زيد صفى الدين في دار السلطنة في حجرة الفاضل ونظر في الدواوين. (٦) قال العماد: أعطى القوس باريها وأجرى الأمور على أحسن مجاريها، وسار الأفضل إلى ميافارقين، واستدعى العادل ولده الكامل إلى مصر، فخرج من دمشق في ثالث شعبان وودعه أخوه عيسى المعظم إلى رأس الماء. قال العماد: وسرت معه إلى مصر وأنشدته هذه الأبيات: دعتك مصر إلى سلطانها فأجبْ … دُعاءها فهو حقّ غير مكذوب قد كان يَهيضُنى (٧) دهرى فأدركنى … محمد بن أبى بكر بن أيوب ووصل الكامل إلى مصر في عاشر رمضان (٨) والتقاه العادل من العباسة وأنزله دار الوزارة، وكان قد زوجه العادل بنت أخيه صلاح الدين فدخل بها، ولم يقطع العادل

стр. 700

الخطبة لولد العزيز، ثم أنه جمع الفقهاء وقال: هل يجوز ولاية الصغير على الكبير؟ فقالوا: الصغير مولىّ عليه. قال: فهل يجوز للكبير أن ينوب عنه؟ قالوا: لا؛ لأن الولاية في الأصل إذا كانت غير صحيحة فكيف تصح النيابة؟! فقطع خطبة [ابن] (١) العزيز وخطب لنفسه ولولده الكامل محمد بن بعده (٢)، وخرجت السنة والأمر على ما ذكرنا. ذكر بقية الحوادث منها أنه كان بديار مصر غلاء شديد، فهلك الغنى والفقير، وغم الجليل والحقير، وهرب الناس منها نحو الشام ولم يصل منهم إلا القليل من الفئام وتخطفتهم الفرنج من الطرقات، وأما بلاد العراق فكان مرخصا رخِيَّا هنيئاً مريئاً. (٣) وفى تاريخ بيبرس: حصل الغلاء [٢٤٥] بالديار المصرية، بسبب نقص النيل، وتشريق البلاد، وعدمت الأقوات وأكلت الناس الميتات، وتبع ذلك الوباء، فمات خلق كثير. (٤) ومنها أنه باض ديك ببغداد، قالهُ ابن الساعى في تاريخه. (٥) ومنها أنه ولد بالقاهرة مولود له جسد واحد، ورأس فيه وجهان، في كل وجه منهما عينان، وأذنان وأنفان وحاجبان. (٦) وولد فيها أيضاً مولود له غُرَّة بيضاء كغرة الفرس، ويداه ورجلاه محجلتان، وإليته ملمعّة، وولد أيضاً مولود أشيب الرأس. (٧) ومنها أنه ظهر عجمى بدمشق، داع ادعى أنه عيسى بن مريم، فأفسد جمعاً من العوام، فقبض عليه صارم الدين بُرغش العادلى، وصلبه بعد استفتاء الفقهاء في أمره، وكان صلبه ظاهر باب الفرج على الصفصاف المجاور لحمام العماد الكاتب، على حافة

стр. 701

بَرَدا (١)، وقد خُرِّب الحمام وما يجاوره من العمران في هذا الزمان، وكان غربى جسر الصّفى، مقابل الطاحونة المستجدة، خارج باب الفرج، بين البابين. ومنها أنه كان قيام العامة على الشيعة، وخروجهم إلى باب الصغير (٢) ونبشهم وثاب المرحّل من قبره وتعليقهم رأسه مع كلبين ميتين وذلك في ثالث عشر ربيع الآخر بعد صلب العجمى بيومين. (٣) وفيها قُصر النيل تقصيراً عظيماً حتى أنه لم يبلغ أربعة عشر ذراعاً. (٤) وفى تاريخ بيبرس: كانت غايته اثنى عشر ذراعاً واحداً وعشرين إصبعاً، وشرقت البلاد وحصل الغلاء (٥) وفيها حج بالناس من العراق سُنقر (٦) المسمى بوجه السبع، ومن الشام أسامة الجبلى. (٧) ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ المسند المعمّر رحلة الوقت أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن صَدَقَةَ بن الخضر بن كُلَيْب، الحرّانى الأصل، البغدادى المولد والدار والوفاة، عن ست وتسعين سنة، سمع الكثير وأسمع، وتفرد بالرواية عن جماعة من المشايخ، وكان من أعيان التجار وذوى الثروة (٨)، وكانت وفاته في ربيع الأول، ودفن بباب حرب، وكان ثقة صحيح السماع، وكان يأخذ على إسماعه جزء ابن عرفة ديناراً، وهو آخر من حدّث عنه. (٩)

стр. 702

الفقيه مجد الدين أبو محمد طاهر بن نصر الله بن جَهْبل (١)، مدرس القدس الشريف، وهو أول من درَّس بالصلاحية، وهو أبو الفقهاء بنى الجهبل، الذين كانوا بالمدرسة الجاروخية (٢)، ثم صاروا إلى العمادية (٣) والدماغية (٤) في هذا الزمان، ثم ماتوا ولم يبق إلا شرحهم. ومولد مجد الدين بحلب في نيف وثلاثين وخمسمائة. قلت: بنو الجهبل هم بهاء الدين نصر الله، وتاج الدين إسماعيل، وقطب الدين. والمدرسة الجاروجية بدمشق مشهورة، وكان مجد الدين فاضلاً في علم الوصايا والفرائض، ﵀. (٥) الشيخ الإمام الفقيه العلامة شهاب الدين أحمد الطوسى، شيخ الشافعية بديار مصر، وشيخ المدرسة المنسوبة إلى تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب التى يقال لها منازل (٦) العز، وهو من أصحاب محمد بن يحيى تلميذ الغزالى، وكان له قدر ومنزلة عند ملوك مصر، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى أن توفى في هذه السنة. (٧) وقال سبط ابن الجوزى (٨): قيل: كان لما قدم بغداد يركب بالسنجق والسيوف المسلله والغاشية (٩) المرفوعة والطوق في عنق البغلة، فمنع من ذلك، فسافر إلى مصر

стр. 703

ووعظ وأظهر مذهب الأشعرى، وثارت [عليه] (١) الحنابلة، وكان يجرى بينه وبين الزين بن نجية (٢) العجائب في السباب والتكفير. قال السبط (٣) [٢٤٦] وبلغنى أنه سئل أيما أفضل دم الحسين أم دم الحلاج؟ فاستعظم ذلك، وقال: كيف يجوز أن يقال هذا؟! قطرة من دم الحسين ﵁ أفضل من مائة ألف دم مثل دم الحلاج. فقال السائل: دم (٤) الحلاج كتب على الأرض الله، ولا كذلك دم الحسين. فقال الطوسى: المبهم يحتاج إلى التزكية. قلت: وهذا جواب في غاية الحسن في مثل هذا الوضع، على أنه لم يصح ما ذكر عن دم الحلاج. وكانت وفاته في الحادى والعشرين من ذى القعدة. (٥) وكان يوماً مشهوداً ركب فيه الملك العادل وكبراء الدولة، وخرج أهل مصر والقاهرة جميعاً مشيّعين جنازته إلى حيث دفن في القرافة. الشيخ ظهير الدين عبد السلام الفارسى شيخ الشافعية (٦) بحلب، أخذ الفقه عن محمد بن يحيى وتلّمذ للفخر الرازى، وقد رحل إلى مصر فعرض عليه أن يدرس بتربة الشافعى فلم يقبل، وصار إلى حلب فأقام بها إلى أن توفى في هذه السنة. (٧) الشيخ العلامة بدر الدين بن عسكر مدرس الحنفية بدمشق. قال أبو شامة: يعرف بابن [العقادة]. (٨) محمد بن عبد المنعم بن أبى الفضائل الصوفى الميهنى، شيخ رباط البسطامى ويلقب بالركن (٩)، كان جواد سمحاً، لم يكن من أبناء جنسه من يضاهيه في الكرم؛

стр. 704

ما طلب منه أحد شيئاً فمنعه حتى كان يخرج وفى رجلة مداس فيرجع حافياً، ويخرج وعليه ثوبان فيرجع عرياناً، وكانت له خلوات ومحاضرات، وسمع الحديث من شهده (١) وغيرها. وتوفى في ذى الحجة ودفن في الشونيزية عند والده أبى الفضائل. البلخى الواعظ، واسمه محمد بن عبد الله، ويلقب بالنظام وبابن الظريف. ولد ببلخ سنة ست وعشرين وخمسمائة، وقدم بغداد فوعظ بها في النظامية وباب بدر وجامع القصر ومدرسة أبى النجيب ودار ابن حديدة الوزير، وكان فصيحاً مليح الصوت، وكان متشيعاً، وأنشد يوما في النظامية: سقاهم الليل كاسات الثُّرى فغدت (٢) … منه سَكَارى كأن الليل خمارُ وصيّر (٣) الشوق أطواقاً عمائمهم … لا يعقلون أقام الحى أم ساروا ونسمة الفجر إن (٤) مرت بهم سحرا … تمايلوا وبدا للسُكر آثار (٥) فلم يبق في المجلس إلا من قام، وصاح وتواجد، وأنشد أيضاً: مددت يدى في الحب نحوك سائلا … وقلت لجفنى أدر دمعك (٦) سائلا تفقهت في علم الصبابة والهوى … فمن شاء فليلق علىَّ المسائلا وحكى أنه نقل إلى الخليفة عنه أنه يعاشر النساء ويرتكب المحرمات، فأرسل إليه الوزير وهو على المنبر فقال: قد رسم أن تخرج من البلد فأنشد: أبابك لا واديك بالجود مُفعم … لدى ولا ناديك بالرفد آهل لئن ضقت عنى والبلاد فسيحةً … وحسبك عاراً أننى عنك راحلُ وإن كنت بالسحر الحرام مُدَلّه … فعندى من السحر الحلال دلائل فواف بغير الأعين النُجل حُسنها .. فأى مكان خيمت فهو بابلُ

стр. 705

وأخرج إلى الجانب الغربى من بغداد فمات، ودفن في مقابر قريش في صفر من هذه السنة، ﵀. (١) عبد اللطيف بن (٢) إسماعيل بن شيخ الشيوخ أبي سعد، وعبد اللطيف أخو أبى القاسم عبد الرحيم شيخ الشيوخ، وكنيته عبد اللطيف أبو الحسن، ولقبه صفى الدين، ولد سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وسمع الحديث، وكان شيخ الرباط الذى بالمشرعة شرقى بغداد، خرج حاجاً من بغداد ثم ركب البحر إلى مصر فتاه بهم المركب أياماً ثم أرسى بالعيذاب، فزار الشافعى ثم زار الخليل [٢٤٧] ﵇ والقدس، وقدم دمشق فتوفى بها في ذى القعدة ودفن بمقابر الصوفية. (٣) كامل بن الفتح أبو تمام الضرير ويلقب بالظهير النحوى، بغدادىّ اشتغل بالأدب والشعر فبرع فيهما ومن شعره: وفى الأوانس من بغداد (٤) آنسة … ولها من القلب ما تهوى وتختار ساومتها نفثة من ريقها بدمى … وليس إلا خفى الطرف سمَسار عند العذول اعتراضات ولائمة … وعند قلبى جوابات وأعذار وكانت وفاته في جمادى الآخر، ودفن بباب حرب. الشيخ أبو جعفر (٥) أحمد بن على بن أبى بكر بن إسماعيل القرطبى، إمام الكلاسّة الزاهد العابد، توفى يوم الإثنين تاسع عشر رمضان، قرأ بالموصل القرآن بالروايات على يحيى بن سَعدون القرطبى (٦).
следующие страницы →