← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38103

موسوعة علوم القرآن

عبد القادر محمد منصور

Полный текст (270 стр.). Показаны 246–270 · переход к 251.

стр. 246

النوع الأول الظاهر الصريح وأمثلة هذا كثيرة، نثبت منها ما يفي بالغرض المنشود، وعليه يمكن أن يقيس القارئ المشابه لها، بها، أو يجريها على قاعدتها. المثال الأول: المنافقون ويكون هذا المثال في تضاعيف قوله تعالى مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ففي هذه الآيات، نرى القرآن الكريم- كعادته- يتغلغل إلى الأعماق فيكشف نوازع المنافقين، ونبضاتهم، ويميط اللثام عن أدقّ حالاتهم، وأحوالهم. والمثل هنا يعطينا صورة صنفين من المنافقين، فيهم بقية من رجاء، ورمق من حياة، أصاخوا- بحواسّهم ومشاعرهم- إلى صوت الإيمان الحق، ثم نكصوا على أعقابهم.

стр. 247

وذلك نتيجة صراع داخلي، فهم يتعبدون الله على حرف، يقتبسون من تعاليم الله ما يروق لهم، ما إن يسيرون خطوات حتى تتهاوى أقدامهم وتتعثر خطاهم، وتبقى الصراعات محتدمة بين رغبات كثيرة. ويتجلّى في المثال السابق بآياته، مثلان لهم: مثل بالنار. ومثل بالمطر. وكل من مثل النار، والمطر، يمثّل صنفا من المنافقين، فهما- إذا صنفان: الأول: هم صنف آتاهم الله الهدى، فعملوا به، وجنوا ثمره، وصلح حالهم عليه، ما داموا مستقيمين، آخذين بمبادئه، لكنّهم انحرفوا عن المسار حين ظنوا أنّهم خصّوا بما أتوا، وامتازوا على غيرهم به. وتجاوزوا الحدّ أكثر، حين زعموا: أنّ فهمهم لا يرتقي إليه إلّا أفراد من رؤساء الدين. مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ. الثاني: وهم صنف بقي فيهم بصيص نور، تلمح له معاني التنزيل، ما بين الفينة والأخرى، حينما تحركه الفطرة أو تدفعه الحوادث. لكنّه باق على التقليد والبدع في ظلمات حوالك، ويخبط في المهالك، يتحيّر في السبيل، ولا يدري أين يذهب؟

стр. 248

وفوق هذه الحيرة، يصمّ أذنيه عن سماع صوت الحق، ونصح الناصحين خوفا أن تقرعه القوارع، أو تقتله الصواعق. تحليل وتعليق ويحلّل المثل حبر الأمة ابن عباس، فيقول- كما أخرج ابن أبي حاتم وغيره-: [هذا مثل ضربه الله للمنافقين، كانوا يعتزّون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون، ويوارثونهم، ويقاسمونهم الفيء، فلمّا ماتوا سلبهم الله العزّ، كما سلب صاحب النار ضوؤه. (وتركهم في ظلمات). يقول: في عذاب. (أو كصيّب) - هو المطر- ضرب مثله في القرآن. (فيه ظلمات). يقول: ابتلاء. (ورعد وبرق): تخويف. (يكاد البرق يخطف أبصارهم). يقول: يكاد محكم القرآن يدلّ على عورات المنافقين. (كلما أضاء لهم مشوا فيه) يقول: كلما أصاب المنافقون في الإسلام عزّا، اطمأنوا. فإن أصاب الإسلام نكبة، قاموا، فأبوا ليرجعوا إلى الكفر].

стр. 249

النوع الثاني: المثل الكامن الذي لا ذكر للمثل فيه ولون ثان من ألوان (المثل) هو الكمون وراء الحروف، لا يدركه إلّا الحاذقون، فهو يتطلب لمعرفته، تدبّرا وتأمّلا، وتقليبا للوجوه، حتى يستخرج من كمونه، واختفائه. هذا. وإن استخراجه من الكمون، قد طالته عقول أسلافنا، وأظهرته على السطح، ليكون تأليفا لقواعد، وتثقيفا لعقول، وتصحيحا لأمراض القلوب. فعلى سبيل المثال: دار حوار بين رجل وبين الحسن بن الفضل، واسمه (مضارب بن إبراهيم). يقول مضارب: سألت الحسن بن الفضل. فقلت: - إنّك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن. فهل تجد في كتاب الله «خير الأمور أوساطها»؟ قال: نعم. في أربعة مواضع: ١ - قوله تعالى لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ.

стр. 250

٢ - وقوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً. ٣ - وقوله تعالى وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ .... ٤ - وقوله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. قلت: فهل تجد في كتاب الله «من جهل شيئا عاداه»؟ قال: نعم. في موضعين: قوله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ. قوله تعالى وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ. قلت: فهل تجد في كتاب الله «احذر شرّ من أحسنت إليه؟». قال: نعم. قوله تعالى وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ. قلت: فهل تجد في كتاب الله «ليس الخبر كالعيان»؟ قال: في قوله تعالى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. قلت: فهل تجد «في الحركات البركات»؟

стр. 251

قال: في قوله تعالى* وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً. قلت: فهل تجد «كما تدين تدان»؟ قال: في قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ. قلت: فهل تجد قولهم «حين تقلي تدري»؟. قال: عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا. قلت: فهل تجد فيه «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين؟». قال: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ؟. قلت: فهل تجد فيه «من أعان ظالما سلّط عليه»؟. قال: كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ. قلت: فهل تجد فيه قولهم «لا تلد الحيّة إلّا حييّة»؟. قال: قال الله تعالى وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً. قلت: فهل تجد فيه «للحيطان آذان»؟. قال: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ.

стр. 252

قلت: فهل تجد فيه «الجاهل مرزوق، والعالم محروم»؟. قال: مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا. قلت: فهل تجد فيه «الحلال لا يأتيك إلا قوتا، والحرام لا يأتيك إلا جزافا»؟. قال: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ.

стр. 253

النوع الثالث الجاري مجرى المثل وهذا النوع البديعيّ، المسمّى ب (إرسال المثل)، وكأنّ الآية منه ترسل رسائل عفويّة، تجيب فيها على سؤال، وتنعت بها حادثا، أو واقعا محدّدا، أو تؤنّب وتزجر. ويمكننا أن نختار آيات من آي الذكر الحكيم، وفي كلّ آية إرسالية لأمر من الأمور، لا يعقلها إلّا العالمون، إلّا المتفكّرون. ١ - لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ. ٢ - الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ. ٣ - قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ. ٤ - ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ. ٥ - ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ. ٦ - هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ. ٧ - أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ؟. ٨ - تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى.

стр. 254

٩ - لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ. ١٠ - لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ. ١١ - وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ. هذا. وإنّ القرآن المجيد ليزخر بمثل هذا النوع، وهو أعلاها تفكيرا وأدقّها تعبيرا، وألذعها تنقيرا. ولا يلحظ هذا إلّا من أوتي ذكاء، ومنح تدبّرا، وادّكارا. وصدق الله العظيم: ... لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ....

стр. 255

علم فواتح السور القرآنية ولم تفتتح سور القرآن بنمط واحد، وإنّما جاءت افتتاحيات سوره على ألوان شتّى من أساليب العربية والبيان، وكلّ لون قد حوى من محسنات بلاغية تعبيرية بديعة ما يدهش الذوّاقة من أهل البيان .. وذلك لأنّ من أساليب البلاغة حسن الابتداء، وهو أوّل ما يقرع السمع، فإن كان محرّرا، لافتا، أقبل السامع على الكلام ووعاه، وأخذ به حتى النهاية. وإلّا أعرض عنه، وأهمله. لذا. كان التأنق في أوّل الكلام، ساحرا أخّاذا، سارقا الأسماع، آخذا بمجامع الألباب، فهو المفتاح الماضي إلى كيان قارئيه وسامعيه. هذا. وإن القرآن الكريم قد أبدع في تحرير البداية لسوره المحكمة المعجزة، حتى لا يجد القارئ أو السامع سبيلا للغيبة عنه، أو الصدود، إلّا من جحد، وعاند ورام الاستكبار والتعالي.

стр. 256

فن الابتداء في الكلام والابتداء بالكلام فن من الفنون العبقرية، المعبّرة عن أدب المتكلّم، ومدى ثقافته، وحسن ذوقه، ومنها يتعرّف على شخصيّته. والبدء ينتظم نوعين، كلّ منهما يتميز عن الآخر، بيد أنّ التمايز خفيّ يضطر كاشفه أن يتمتع بشفافية بلاغية، قلّ مثيلها. فالنوع الأول: «حسن الابتداء» وعنه قال أهل البيان: [من (١) البلاغة حسن الابتداء. وهو أن يتأنق في أول الكلام، لأنه أول ما يقرع السمع، فإن كان محرّرا، أقبل السامع على الكلام، ووعاه. وإلّا أعرض عنه، ولو كان الباقي في نهاية الحسن. فينبغي أن يؤتى فيه بأعذب لفظ، وأجز له، وأرقه، وأسلسه، وأحسنه نظما، وسبكا، وأصحه معنى، وأوضحه وأخلاه من التعقيد، والتقديم، والتأخير، الملبس، أو الذي لا يناسب].

стр. 257

أنواع الافتتاح وتنوعت افتتاحيات السور، وقد حملت إلينا بتنوّعها أسرارا، وخصائص لا يمكن أن تطالها قدرة البشر، وإن حاولت البشريّة- يوما- فلسوف تخلّف فيمن عبر. وعلى النوع الأوّل: فإنّ سور القرآن الكريم قد جاءت فواتحها على أحسن الوجوه، وأبلغها، وأكملها. والناظر فيها ليجد صحة ذلك، فقد أحصيت فواتحه جميعها، وهي (مائة وأربع عشرة) سورة فبلغت أنواعها عند أهل هذا الفن عشرة أنواع: الأول: الثناء على الله تعالى. الثاني: حروف التهجّي. الثالث: النداء بأنواعه. الرابع: الجمل الخبرية. الخامس: القسم بأنواعه. السادس: الشرط. (إذا). السابع: الأمر بأنواعه. الثامن: الاستفهام بأنواعه. التاسع: الدعاء. العاشر: التعليل.

стр. 258

النوع الثاني: «براعة الاستهلال» وهذا النوع أخص من الأول، وهو: [أن يشتمل أول الكلام على ما يناسب الحال المتكلم فيه، ويشير إلى ما سيق الكلام لأجله]. والعلم الأسنى في هذا الفنّ سورة فاتحة الكتاب، التي هي مطلع القرآن، وجديرة أن تسمّى ب (عنوان القرآن). لأن عنوان الكتاب يجمع مقاصده، بعبارة وجيزة في أوّله. وسورة الفاتحة قد اشتملت على جميع مقاصده، وعلومه، إذ أنّ القرآن قد حوى علوم الأديان جميعا، وأحصاها الأئمة، فبلغت لديهم أربعة: علم الأصول، علم العبادات، علم السلوك، علم القصص. ولهذه الأربعة إرشادات قد حوتها فاتحة الكتاب. فعلم الأصول: وهو ما يدور حول معرفة الله تعالى وصفاته. فقد أشير إليه ب رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. ومعرفة النبوات: ب صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. ومعرفة المعاد: ب مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. وعلم العبادات أشير إليه: ب إِيَّاكَ نَعْبُدُ. وعلم السلوك أشير إليه: ب وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ.

стр. 259

وعلم القصص: وهو الاطلاع على أخبار الأمم السالفة، والقرون الماضية، ليتعرف المطلع على سعادة من أطاع، وشقاوة من عصى. وأشير إليه ب صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. وبهذا تكون الفاتحة قد أشارت إلى جميع مقاصد القرآن الكريم، وهو الغاية، في براعة الاستهلال، فضلا عما اشتملت عليه من الألفاظ الحسنة، والمقاطع المستحسنة، وأنواع البلاغة. [نقتصر هنا على نوعين اثنين من أنواع حسن الابتداء] ولسوف نقتصر هنا على نوعين اثنين من أنواع حسن الابتداء العشرة فقط، نظرا لضيق المساحة، ووفاء بالقصد. النوع الأول: افتتاح بالثناء وأولى الأنواع: الافتتاح بالثناء على الله سبحانه، وهو قسمان: الأوّل: إثبات لصفات المدح: وهي في خمس سور . فسور الحمد: ١ - الكهف: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ ....

стр. 260

٢ - فاطر الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .... ٣ - الفاتحة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ .... ٤ - الأنعام الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ .... ٥ - سبأ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ .... وتبارك: وإثبات التنزيه له من صفات النقص. وذلك في سورتين اثنتين: ١ - الملك: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ .... ٢ - الفرقان: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ .... الثاني: التسبيح وذلك في سبع سور، وتدعى ب: (المسبحات). وهذا النوع الثاني من الثناء. والتسبيح كلمة استأثر الله بها نفسه. فبدأ بالمصدر في سورة (الإسراء) لأنه الأصل. ١ - الإسراء. سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ .... ثم بالماضي، لأنه أسبق الزمانين، وذلك في سورتين: ١ - الحديد. سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.

стр. 261

٢ - الحشر. سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. ثم بالمضارع، لأنه التالي، من الأنواع ترتيبا من حيث العربية. وذلك في سورتين: ١ - الجمعة. يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. ٢ - التغابن. يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ثم بالأمر، ليستوعب الكلمة من جميع جهاتها، فما من أسلوب إلّا وافتتح به سورة، ليبقى العبد دائم الحمد لربه، يحمده بشتى أنواع الحمد. وذلك في سورة واحدة. هي الأعلى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ....

стр. 262

النوع الثاني: حروف التهجي وهذا النوع لمن المعجزات، وقد تفرّد به القرن الكريم، ولم يسمع عبر التاريخ أنّ أحدا حاكاه، أو قدر على ذلك، وقد ألّفت فيها كتابا سميته: (الحروف النورانية في فواتح السور القرآنية) (١). أبنت فيه ما تحمله من أسرار وحكم، وكيف تربّعت على حروف التهجي بتفرداتها، وجمالها اللفظي، والاستهلالي، فلا شبيه ولا نظير، فهي العلم الأكبر، المدلّ على مصداقية القرآن الكريم. فما من شكل من أشكالها، إلّا ويعبّر عن مضامين سورتها، وتمدّها بخيوط النور الإلهي، لتبقى مشعّة على الدوام، يستضيء بها المبصر، ولا يعرفها الأعمى. وهي- بلا شك- قد استهلت بأشكالها سورها، وليس من الإمكان تبديل الأماكن في رسمها، بل إن بدّلت، سيفقدها بلاغتها وجمالها، وإشارات إعجازها. ثمّ إنّ افتتاح السور بها، لم يسبق له نظير في الفصحى، فجاءت فألجمت، وأفحمت، ثمّ لمعت في سماء البلاغة، وخلّفت وراءها ما أبدعه الإنسان، وما سيبدعه، حتى تقوم الساعة، فعجز البشر عن

стр. 263

محاكاتها، أو نظم ما يشبه أسلوبها، وحجزت ما بينهم، وبين أن ينطقوا بما هو على غرارها، فكانت معجزة. [١ - ] ماهية حروف التهجّي ولتفرّد حروف التهجي في افتتاحية بعض سور القرآن، فإنها تفرض نفسها على ساحة البلاغة، أن يسبر الباحثون أغوار أسرارها، وما ترشح به من تحدّيات، وما تفيض به من أنوار. وقديما شغل بها الباحثون، فسطّروا ما اكتشفوه، قدر طاقتهم من عظمة، وتميّز، لم يعرف له نظير. فماذا جاء فيها ؟ . ولن نقدر أن نستوعبها بكل تفرّداتها، نظرا لضيق المساحة لأننا نهجنا سبيل الإيجاز، غير أننا نأخذ طرفا من كل ميدان، ليطلع القارئ على أهم أركانها، وإن أراد المزيد، فليعد إلى كتابنا، ففيه ما يشملها دراسة وبحثا. فما هي هذه الحروف ؟ .

стр. 264

يمكننا أن نحدّ ماهيتها بقولنا: «إنّها حروف هجائية، عربية، مقطّعة تقطيعا منمّطا بأنماط مختلفة، جيء بها في استهلالية بعض سورة القرآن تحديا، وإعجازا». ٢ - ما أعدادها ؟ وأعداد هذه الحروف بلا تكرار، (أربعة عشر)، في (تسع وعشرين) سورة من القرآن الكريم، كما أن عدد أشكالها (أربعة عشر) شكلا. وجمعت في جملة: (صله سحيرا من قطعك). ٣ - كم شكلا لها ؟ وكما تقدم- فإن أشكالها أربعة عشر، نوردها دون تكرار: ١ - الم. ٢ - المص. ٣ - ألر. ٤ - المر. ٥ - كهيعص. ٦ - طه. ٧ - طسم. ٨ - طس. ٩ - يس. ١٠ - ص. ١١ - حم. ١٢ - حم. عسق. ١٣ - ق. ١٤ - ن. والنطق بهذه الأشكال ليس على نمط واحد، وإنّما جاءت على أنماط ثلاثة:

стр. 265

٤ - أنماط النطق بها وللنطق بها أنماط ثلاثة، كل نمط يخضع لقاعدة، لا يجوز للقارئ أن يحيد عنها، وإلّا سيقع تحت المساءلة الشرعية، في مضمار العبادة. وهذا التباين في تلاوتها لآية إعجاز قرآني، يلحظه الثاقفون، وينام عنه السادرون. فما هي تلك الأنماط؟. النمط الأوّل كيفية هذا النمط : «أن ننطق بذات الحرف (صوته) مع مدّ آخره بحركتين». وحروفه خمسة، مجموعة في (حيّ طهر). والنطق بها هكذا: (حا. طا. ها. يا. را). النمط الثاني وكيفية النمط الثاني : «أن ننطق باسم الحرف من غير مدّ لآخره، لخلوّه من حرف مدّيّ»

стр. 266

وحروفه: هو حرف واحد (الألف). فننطق الألف من (الم) ب (ألف) من غير مدّ. النمط الثالث وكيفية هذا النمط : «أن ننطق باسم الحرف، مع مدّ آخره مدّا بالطول، ومقداره ست حركات». وحروفه ثمانية. مجموعة ب (نقص عسلكم). وننطق هذه الحروف على الشكل التالي: (لام. نون. سين. ميم. صاد. قاف. كاف. عين). ٥ - إعجازها وما دامت الحروف هذه من القرآن، فالإعجاز يسري في تضاعيفها، ويعلو في أنظار الثاقفين، والباحثين، فما أوجه الإعجاز فيها؟!!

стр. 267

الوجه الأول: تقسيمها في النطق إلى حروف مبنى، وحروف معنى نزولها بطريق محكم الترتيب، مختلف الأشكال نطقا وكتابة، فهي رسمت بشكل واحد، وفرض نطقها بأشكال مختلفة، موزعة على نوعين من الحروف: ١ - حروف مبنى. ٢ - حروف معنى. والنطق بهذا التقسيم لن يعرفه إلّا من كان متعلّما مثقفا. أما الأميّ الجاهل فلا يعرف هذا، ولا يدرك التمايز بينهما. والعرب أمة أمية، لا تفرّق بين المبنى والمعنى، إلّا الدارسون منهم. فكيف لأميّ أن يأتي بحروف، ويفرض نطقها بشكلين، وهو كما غيره من الأميّين لا يميزون بين مبنى ومعنى؟ إذا. لا بدّ أن صاحب القرآن هو غيره، ولم يعرف أحد أنه يلقّنه إلّا الله سبحانه، فبدت آثار المعجزة.

стр. 268

الوجه الثاني: احتواؤها على نصف المعجم بمعادلة هندسية ثمّ إن هذه الحروف قد استوعبت نصف حروف المعجم، ليس اعتباطا، وإنما بطريقة هندسية بديعة التصميم، إذا عرفناها فإننا نضطر إلى التسليم بإعجازها، وأنّها ليست من قول بشر. وإليك- لوحة الترتيب الهندسي وفق التسلسل المعجمي، ووزعت على ثلاثة أقسام، كل قسم لوحة بذاتها. فاللوحة الأولى: قد حوت الحروف التسعة الأولى، وهي: (أ. ب. ت. ث. ج. ح. خ. د. ذ). واللوحة الثانية: قد حوت الحروف العشرة بعدها. وهي: (ر. ز. س. ش. ص. ض. ط. ظ. ع. غ). واللوحة الثالثة: قد حوت الحروف التسعة الأخيرة. وهي: (ف. ق. ك. ل. م. ن. هـ. و. ي). وبهذا التقسيم وفق الترتيب المعجمي، ظهرت معادلة هندسية بديعة،

стр. 269

لم يحط بها علما العرب ساعة التنزيل، لأنّ الحروف لم تكن معجمة كما اليوم، وإنّما كانت مجرّدة عنه، فما هذه المعادلة الهندسية التي اكتشفت بعد عصر الإعجام؟ هي كالآتي: - لقد أخذت الحروف في اللوحة الأولى اثنين. من تسعة وهما (أ. ح) وتركت سبعة، وهي الباقية. ثم أخذت في اللوحة الثالثة سبعة من تسعة. وهي (ق. ك. ل. م. ن. هـ. ي). وتركت اثنين وهما (و. ف). ثم في اللوحة الثانية، وهي الفاصلة بين الأولى، والثالثة، قد أخذت غير المنقوط، وتركت المنقوط، في وقت لم يكن ثمّة حرف منقوط وحرف غير منقوط. فكيف تمّ هذا؟ أمن طريق الصدفة وقع؟ أم تقدير من العزيز العليم؟ لقد خبّئت هذه المعادلة، لتكون معجزة مادية في المستقبل، وليس القريب، بل بعد أمد بعيد.

стр. 270

الوجه الثالث: استيعابها لأشكال الحروف القديمة لقد استوعبت منذ نزولها حروف المعجم العربية، ولم تظهر لدى الرعيل الأول، لأنها كانت مجرّدة من النقط والإعجام، فلم تكتشف إلّا بعد أمد ليس بالقريب، لتقول: أنا المعجزة. فكيف استوعبت الحروف- إذا؟. لقد استوعبتها بما يلي: الصاد: تستوعب (ص- ض) الراء: تستوعب (ر- ز). الدال: تستوعب (د- ذ) العين: تستوعب (ع- غ). الطاء: تستوعب (ط- ظ) السين: تستوعب (س- ش). الحاء: تستوعب (ح- ج- خ) القاف: تستوعب (ق- ف). النون، والياء: بكونهما ذات سنّ (ب. ت. ث. ي. ن). و (أ. ل. م. ك. هـ). قد استوعبت ذاتها. وبهذه التغطية، تكون هذه الحروف قد استوعبت حروف اللغة العربية. ثم إنّ عدد أشكالها أربعة عشر حرفا، وهو نصف الحروف الأبجدية، وافتتحت بها تسع وعشرون سورة، وهذا العدد يماثل عدد الحروف الهجائية. والله أعلم