فقال: أتشتاق يا محمد إلى بلدك الذي ولدت فيها؟
قال: نعم.
قال: إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد (١) ... ].
٤ - وفي غار حراء كان أوّل ما نزل
وفي غار حراء كان بدء التنزيل، فنزل فيه سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. كما روى الشيخان عن عائشة: [حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ.
قال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ.
فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ.
فقلت: ما أنا بقارئ.
فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثمّ أرسلني. فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ].
стр. 72
هذا ما سنح لنا أن نخطّه بصدد هذا العلم، وآياته كثيرة، تحتاج إلى مجلدات حتى تستوعب، فالقارئ من خلال مطالعاته بهذا الشأن، سيقف على أنواع، وأنواع، ويستخرج مواقف، تحمل معها ذكريات الحدث.
стр. 73
علم الرّسم المصحفي
العرب أمّة أمّية
وممّا لا ريب فيه، ما هو مشهور، أنّ الأمّة العربية كانت أمة أمية، لا تدري ما الكتابة، ولا الخط؟ وثبّت هذا، القرآن الكريم، لحكمة إرسالية تكون معجزة أبدية.
قال الله تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ الجمعة/ ٢/.
وفي المجتمع المكي لم يلف أهله من يخطّ منهم إلّا قليلا، فهؤلاء النفر القليل هم قطب الكتابة يومئذ، على رأسهم (حرب بن أميّة).
وكادت تتفق كلمة المؤرّخين على أنّ قريشا في مكة لم تأخذ الخط إلّا عن طريق حرب بن أمية بن عبد شمس، لكنهم اختلفوا فيمن أخذ عنه حرب، على قولين:
الأول: عبد الله بن جدعان، وهذا قد أخذه من أهل الأنبار. أيضا.
الثاني: بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك، صاحب دومة الجندل.
стр. 74
وبقيت الكتابة بين يدي نفر قليل منهم، حتى ظهر الإسلام، فحارب- إضافة إلى حروبه العسكرية- أميّة العرب، ثمّ عمل على محوها فيما بينهم، ورفع من شأن الكتابة، وأعلى من مقامها.
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ !:
وكان من أوائل، بل من أوّل ما نزل من الوحي على رسول الله ﷺ ما يشيد بالكتابة، وواسطتها القلم.
قال الله تعالى اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (١) ثمّ تلت سورة ذلك سورة (ن) وفيها يقسم الله بالقلم، وما يسطرون، وتجلّى بذلك أروع ألوان التنبيه إلى جلالة الخط، والكتابة، ومزاياهما.
قال الله تعالى ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢).
ولم يقف رسول الله ﷺ من هذه الآيات مكتوف اليد، فعمل على تجسيد ما تهدف إليه من سبيل، ونهض للقضاء على الأمّية من كافّة
стр. 75
الجبهات، ونذكر يوم (بدر) حين أسر (ستّون). مشركا، فكان رسول الله ﷺ يفدي الواحد منهم بتعليم (عشرة) من أصحابه، الكتابة والخطّ.
وبهذا العمل فتح باب الحرية للشعوب، ونشر سبل الثقافة، والعلوم.
رسول الله ﷺ يعنى بكتابة القرآن
وعني رسول الله ﷺ بكتابة القرآن، فجنّد له كتّابا مهرة جهابذة، قد اشتهروا بالعدالة والفطانة، من هؤلاء: الخلفاء الأربعة، ومعاوية، وأبيّ ابن كعب وغيرهم.
فكان كلّما نزل عليه شيء من القرآن، دعا أحد كتبته، فأمره بكتابة ما نزل، ولو كان كلمة، وعلى سبيل المثال:
لما نزل عليه قوله تعالى لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ (١).
قال ابن أم مكتوم وعبد الله بن جحش: يا رسول الله! إنا عميان، فهل لنا رخصة؟.
فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (١).
قال رسول الله ﷺ : ائتوني بالكتف والدّواة.
стр. 76
وأمر زيدا أن يكتبها، فكتبها.
فقال زيد: وكأنّي أنظر إلى موضعها عند صدع الكتف.
رسم المصحف أهو توقيفي أم أنّه اجتهادي ؟
وإذا علمنا أنّ رسول الله ﷺ قد حرص على الكتابة للقرآن، وأوصى كتّابه برسوماته. كما جاء عنه ﷺ أنه قال لمعاوية وهو من كتبة الوحي:
[ألق الدواة، وحرّف القلم، وأنصب الباء، وفرّق السين، ولا تعوّر الميم، وحسّن الله، ومدّ الرحمن، وجوّد الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنّه أذكر لك] أخرجه الديلمي. كنز العمال/ ٢٦٥٦٦/ تحريف القلم:
قطه محرفا. أنصب: أقم.
ثم جاء من بعده أبو بكر ﵁ فكتب به، ثم حذا حذوه (عثمان) ﵁. أثناء خلافته، فاستنسخ ووحّد المصاحف، واستمرّ الاحترام له، أحقابا من الزّمن دونما مساسه بأيّ تغيير.
إذا علمنا ذلك كلّه، فإننا مدعوّون أن نبقي عليه، ونلتزم اتباعه واجتناب تغيير أيّ حرف منه، على غرار قواعد اجتهادية للرسم في الكتابة.
يقينا منّا. أنّ مرور ألف وأربعمائة عام على رسمه دونما أن تطاله يد
стр. 77
التغيير لبعض رسومه، جدير أن نميل إلى قول الجمهور أنّ الرسم توقيفي لا اجتهادي (١)، وأنّه لا تجوز مخالفته لأيّ سبب كان، سيّما وأنّ الثقات من الأئمّة قد شدّدوا على التزامه.
رسم المصحف له دستور
واتّضح من خلال وصايا رسول الله ﷺ للكتبة، وسير أصحابه عليها دونما زيادة أو نقصان، أنّ للرسم دستورا قد وضعه النبي ﷺ وهو لا ينطق على الهوى، إن هو إلّا وحي يوحى.
واشتهر باسم الرسم العثماني، لأنّ عثمان قد شكّل لجنة الكتابة، فنسخ المصحف وفق ما هو مكتوب بين يدي رسول الله ﷺ ولم يشر من بعيد، أو قريب إلى قواعد محدّدة فيه، لأنّ التدوين لأيّ فكرة، لم يكن سائدا يومئذ، فبقيت القواعد في الشّتات الفكري.
وجاء النّاس بعد، فمن لم يكن ذا ثقافة قرآنية، ظنّ أن الرسم قد كان اعتباطيا، ليس له حظّ من الدراسة، لكنّ الثاقف بهذا الشأن، والمتأني في النظر، ليجد أنّ رسم المصحف كان مبنيا على قواعد فنية
стр. 78
في مجال القراءة.
هذا. وإنّ علماء هذا الفن، قد رصدوا الرّسوم التي خالفت القواعد الكتابية، فخلصوا منها إلى قواعد ستّ، عليها بنيت المخالفات الرّسمية.
قواعد في الرسم العثماني
وحصرت القواعد الرّسمية الفنية في مناحي ستة. وهي:
الحذف. الزيادة. الهمز. البدل. الفصل والوصل. وما فيه قراءتان فقرئ على إحداهما.
وهاكم أمثلة على كلّ قاعدة، ليتضح الفارق بين مصطلح الخطوط في عصرنا، وبين ما رسم في المصحف.
١ - مثال قاعدة الحذف:
(الألف، ومواطن حذفها).
- الألف تحذف من (ياء) النداء. نحو (يأيها).
ومن (ها) التنبيه. نحو (هأنتم).
ومن كلمة (نا) إذا وليها ضمير. نحو (أنجينكم).
وتحذف في مواطن أخرى، وهناك حذف للياء، والواو، واللام.
٢ - مثال قاعدة الزيادة
: الألف تزاد بعد (الواو) في آخر كل اسم مجموع، أو حكم المجموع
стр. 79
نحو (ملاقوا ربهم). وفي مواضع أخرى أيضا.
٣ - مثال قاعدة الهمز
: أن الهمزة إذا كانت ساكنة تكتب بحرف حركة ما قبلها.
نحو: (ائذن. اؤتمن. البأساء.
٤ - مثال قاعدة البدل
: أنّ الألف تكتب (واوا) للتفخيم. نحو (الصلاة) و (الزكاة) فقد كتبتا ب (الصلاة) و (الزكوة).
٥ - مثال قاعدة الفصل والوصل
: وذلك أنّ كلمة (أن) بفتح الهمزة توصل بكلمة (لا) إذا وقعت بعدها. ويستثنى منها عشرة مواضع. منها. (أن لا تقولوا).
٦ - مثال قاعدة ما فيه قراءتان
: وخلاصة هذه القاعدة أنّ الكلمة إذا قرئت على وجهين تكتب برسم أحدهما. كما رسمت كلمة ملك يوم الدّين. بدون ألف، لتشمل القراءتين (مالك- ملك).
стр. 80
مزايا الرّسم العثماني
وما دمنا قد عرفنا أنّ الرّسم جاء موافقا لقواعد الكتابة الوضعية ثم خالفها في كثير من المناحي، والأشكال، فلنا أن نفتّش عن أسرار هذا التخالف، فإن ظهرت كلها أو بعضها، وقفنا وقفة إجلال وإكبار لأولئك الرّعيل الأوّل، على ما رسموه من قواعد تنتظم وظائف جليلة في صالح القرآن الكريم.
ومن ثمّ يتجلّى لنا، وبكل وضوح، عبقرية الاختزال في الرّسم، وكأنّه في عصر التقانة، والحواسيب، إذ بقيت صامدة طيلة ألف وأربعمائة عام دون أن تطالها الأيدي- تعديلا أو تبديلا.
وحسبنا أن نقرّ ونعترف أنّه وحي الإله الحكيم البديع!!.
قد تولى بنفسه حفظه، فهيّأ أسبابه.
стр. 81
المزيّة الأولى الدلالة على القراءات المتنوعة في الكلمة الواحدة قدر الإمكان
ولم تكتب الكلمة بشكلها هكذا إلّا بعد ملاحظة ومتابعة دقيقة إذا كان فيها أكثر من قراءة، فإن وجد فيها أكثر من قراءة بحث عن صورة تخالف الأصل، لكنّها تحتمل القراءة الأخرى، حتى يعلم جواز القراءة بها، وبالحرف الذي هو الأصل، أمّا إذا توحّدت القراءة بها، رسمت بحرف الأصل.
مثال هذه المزيّة
قال الله تعالى إِنْ هذانِ لَساحِرانِ طه/ ٦٣/.
فقد رسمت هكذا في المصحف العثماني، بدون نقط، ولا شكل ولا تشديد، ولا تخفيف في نوني (إن) و (هذان).
ومن غير ألف، ولا ياء بعد (الذال) من (هذان).
لماذا هذا؟.
أما من وظيفة لذاك؟!.
أجل. لقد حوى شكل هذا الرّسم أربعة وجوه من القراءة، كلها جاءت بأسانيد صحيحة.
الأول: (إنّ هذان). وهي قراءة نافع ومن معه.
الثاني: (إن هذانّ). وهي قراءة ابن كثير وحده.
الثالث: (إن هذان). وهي قراءة حفص.
стр. 82
الرابع: (إنّ هذين). وهي قراءة أبي عمرو.
ويتضح لنا أن طريقة الرسم هنا كانت في غاية الدقة والإتقان، فقد اختزل أربعة وجوه من القراءة، عن طريق مخالفة الأصل، وتعرية الجملة من النقط والتشكيل والتشديد!!.
وبهذا الضبط، وبهذه الدراسة، يتجلّى لنا،- وبلا أدنى شك- أنّ سلفنا الصالح كانوا أبعد نظرا، وأهدى سبيلا، ولا يستحقون منا إلا الاحترام والتقدير.
المزيّة الثانية إفادة المعاني المختلفة بطريقة تكاد تكون ظاهرة
، لكنّها تظهر جليا على المتفكر الواعي، وتختفي عن الغافل الساهي.
١ - ومثال على ذلك
قوله تعالى أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا النساء/ ١٠٩/ وأَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ الملك/ ٢٢/.
فقد قطعت (أم) عن (من) في الآية الأولى، ووصلت في الثانية، فكتبت هكذا (أمّن) بإدغام الميم الأولى في الثانية، وكتابتهما (ميما واحدة) مشدّدة.
стр. 83
لماذا هكذا؟ ألهذا وظيفة اعتبارية؟.
أجل. وهي معنوية هنا، بمعنى أنّها أفادت دلالتين منبثقتين من كلمة واحدة.
فقطع (أم) الأولى في الكتابة، للدلالة على أنها (أم) المنقطعة، التي بمعنى (بل).
ووصل (أم) الثانية في الكتابة، للدلالة على أنها ليست كتلك.
هذا مثال في كلمة واحدة، وقد كتبت مرة بشكل، وأخرى بشكل مخالف.
المزيّة الثالثة الدلالة على معنى خفيّ دقيق، لا يثقفه إلّا الفطنون، الباحثون
وأمثلة هذه كثيرة، أقتصر هنا على اثنين منها فقط:
الأول: قوله تعالى وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ الذاريات/ ٤٧/ لقد كتبت الكلمة الأخيرة هكذا (بأييد) بزيادة (ياء) بين الهمزة والياء.
فماذا حملت لنا الزيادة هنا؟ أهي ذات معنى، أم أنّها زيدت اعتباطا؟
стр. 84
كلّا. لقد رشحت الزيادة هذه بملحظ عقيدي، قلّما يفطن إليه القارءون.
والملحظ العقيدي هنا، هو الدلالة على تعظيم قوّة الله، التي بنى بها السماء، وأنها لا تشبهها قوّة في الوجود.
ويمكن أن يستأنس لهذه المزية بقاعدة مشهورة:
(زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى).
قوله تعالى لأاذبحنّه النمل/ ٢١/.
لقد كتبت فذّة في المصحف، وبمخالفة في الزيادة، والزيادة هنا، (ألف) بين الذال، والألف المتصلة باللام.
وكثر الجدل هنا بين المفسرين. فمنهم من التزم السكوت، فتوقف ومنهم أرجعها إلى قلة جودة الخط عند العرب، واعتبرها خطأ ومنهم من أمعن الفكر، فانتهى إلى وظيفة خفية، لكنّها ظهرت له.
وهي: التنبيه على أنّ الذّبح لم يقع، فحملت الزيادة إشارة، ربّما يجد سائلها ذلك أولا؟
إلّا أنّها أثبتت، لتجيب على سؤال- لو وقع.
ويمكننا أن ندرج تحت هذه المزية آيات أخريات قد حذفت منها (الواو) وكان حذفها مخالفا للأصل:
стр. 85
١ - ويدعو الإنسان ٢ - ويمحو الله الباطل ٣ - يوم يدعو الداع ٤ - سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ.
فقد كتبت جميعها في المصحف العثماني بالشكل الآتي:
١ - وَيَدْعُ الْإِنْسانُ [الإسراء: ١١] ٢ - وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ [الشورى: ٢٤] ٣ - يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ [القمر: ٦] ٤ - سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: ١٨].
وتحليل الحذف هنا:
أن السرّ في حذف الواو من (يدع) الأولى:
للدلالة على أنّ هذا الدعاء سهل على الإنسان، يسارع فيه كما يسارع إلى الخير!! بل إثبات الشرّ إليه من جهة ذاته أقرب إليه من الخير.
والسرّ في حذفها من (يمح): الإشارة إلى سرعة ذهاب الباطل واضمحلاله.
والسرّ في حذفها من (يدع) الثانية:
الإشارة إلى سرعة الدعاء، وسرعة إجابة الداعين.
والسرّ في حذفها من (سندع): الإشارة إلى سرعة الفعل، وإجابة الزبانية، وقوّة البطش.
ويمكن أن نخضع استجلاء الأسرار السالفة الأربعة إلى قاعدة الحذف
стр. 86
مقابل السرعة، فهذه الحذوفات تومئ إلى سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل، وشدّة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود.
المزيّة الرابعة وهي مزية لغوية تشي بالدلالة على أصل الحركة
- نظرا لأن المصحف كتب من غير نقط ولا شكل.
مثال هذه المزية:
١ - قوله تعالى: وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى لقد كتبت هكذا.
وإيتاى ذى القربى إذ كتبت (الياء) هنا لتدلّ على الكسر في الحرف.
قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ. لقد كتبت هكذا.
سأوريكم دار الفاسقين إذ كتبت الواو هنا لتدل على الضم في الحرف.
стр. 87
المزيّة الخامسة وهي لغويّة صرفية، تشي بالدلالة على أصل الحرف ،
وأن هناك انقلابا صرفيا في الكلمة.
مثال هذه المزية:
قوله تعالى الصَّلاةَ*. الزَّكاةَ*. فقد كتبتا (الصلاة.
الزكوة). ليفهم من هذا أنّ الألف هنا منقلبة عن (واو).
المزيّة السادسة الإشارة إلى بعض اللغات الفصيحة في العربية ،
لأنّ القرآن عربي ففيه ما يشير إلى سائر اللغات الفصيحة عند العرب.
مثالها:
رسم هاء التأنيث تاء مفتوحة، كما في كلمة (رحمة) فقد كتبت بالتاء المفتوحة في عدد من السور- منها البقرة والأعراف- هكذا رَحْمَتَ*.
وذلك للدلالة على لغة فصيحة، وهي لغة (طيء).
وحذف الياء من قوله تعالى يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ. فقد كتبت (يأتي) بحذف الياء (يأت). وذلك للدلالة على لغة (هذيل).
стр. 88
المزيّة السابعة وهي التوثيق من ألفاظ القرآن ،
وطريقة أدائه وحسن ترتيله، وهذا كله لن يعرف من طريق المصحف، وإنّما بالتلقي والأخذ عن الحافظ الثقة.
ومثال هذا:
حروف أوائل السور، لن تلفظ صحيحة إلّا بالمشافهة ولهذا كتبت بشكل واحد، وتنوّعت تلاوتها (١).
المزيّة الثامنة وهي ذات الصلة بالإسناد ،
ليبقى القرآن مأخوذا بالسند المتصل إلى رسول الله ﷺ ، وبه تميّزت الأمّة المحمدية.
ومن أجل هذه المزيّة جاء الرسم بهذه الهيئة، معقّدة بنظر بادي الرأي.
أمّا الثاقفون النيّرون، فلسوف يندهشون بأصول نهج الرسم العثماني البديع، وبالتالي يجلّون مؤسّسيه، وراسميه.
﵃ جميعا
стр. 89
علم المصاحف
كتابة المصاحف
وكتابة المصاحف كانت بدراسة مقنّنة حكيمة، ولم تكتب بطريقة عفوية، وتاريخها حافل بالتوثيق والتحقيق، وفق أصول محكمة البنيان مما يجعلها علما مستقلا من علوم القرآن الماتعة الشريفة.
فمتى بدأت الكتابة؟ وكيف ؟
. لقد بدأت مع نزول القرآن، في عهد رسول الله ﷺ ، إضافة إلى حفظه في الصدور، وكانت السيادة للحفظ أوّلا، باعتبار أنّ العرب أمّة أمّية، ثم جمع بينه وبين الكتابة، زيادة في الحفظ، والإتقان.
وكان الداعي الأوّل إليها هو رسول الله ﷺ !!.
فلم يفتأ يحثّ أصحابه على تعلّم الكتابة، حتى أضحى لديه كتّاب كثيرون، ومنهم من كان يكتب بأكثر من لغة.
قال عبادة بن الصامت ﵁:
[كان الرجل إذا هاجر، دفعه النبي ﷺ إلى رجل منّا يعلّمه القرآن، وكان
стр. 90
يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجّة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله ﷺ أن يخفضوا أصواتهم، لئلّا يتغالطوا].
فمن الحفظ بدءوا إذا .!!
ثمّ تكاثر الحفّاظ منهم، فبلغوا جمعا غفيرا، وبقي الاعتماد سائدا في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور.
يقول الإمام ابن الجزري:
«ثمّ إنّ الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب، والصدور، لا على خطّ المصاحف، والكتب.
وهذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة.
ففي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أنّ النبيّ ﷺ قال:
-[إنّ ربي قال لي: قم في قريش، فأنذرهم.
فقلت له: أي ربّ!! إذن يثلغوا رأسي، حتى يدعوه خبزة.
فقال: إنّي مبتليك، ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا، لا يغسله الماء، تقرؤه نائما، ويقظان، فابعث جندا أبعث مثلهم.
وقاتل بمن أطاعك من عصاك.
وأنفق ينفق عليك].
فأخبر تعالى أنّ القرآن لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء، بل يقرأ في كلّ حال، كما جاء في صفة أمته (أنا جيلهم صدورهم).
стр. 91
وذلك بخلاف أهل الكتاب، الذين لا يحفظونه إلّا في الكتب، ولا يقرءونه كله إلّا نظرا، لا عن ظهر قلب».
طور الكتابة
[الطور الاول (عهد رسول الله ﷺ ]
لم يقتصر رسول الله ﷺ على الحفظ، ولكن انصرفت همته إلى الكتابة، فندب أصحابه لمحو الأمية، وتعلّم اللغات الأخرى، كي لا تؤخذ الأمّة من كتّابها.
ففي صحيح البخاري: [أنّ رسول الله ﷺ أمر زيد بن ثابت أن يتعلّم كتابة اليهود، ليقرأه عليه إذا كتبوا إليه] (١).
ثم جاء في كتاب المصاحف (٢):
عن زيد بن ثابت قال: قال النبي ﷺ :
[أتحسن السريانية؟ فإنّها تأتيني كتب؟.
قلت: لا.
стр. 92
قال: فتعلّمها.
قال: فتعلّمتها في تسعة عشر يوما].
واتخذ رسول الله ﷺ بعد- كتّابا كثيرين، فكلّما نزل شيء عليه من القرآن أمر بكتابته- زيادة في التوثيق والحفظ- وحتّى تظاهر الكتابة الحفظ، ويعاضد النقش اللفظ.
ولمع على الساحة نجم عدد من الكتّاب، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان وعلي، ومعاوية، وأبان بن سعيد، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت وغيرهم.
وكان رسول الله ﷺ يدلّهم على موضع المكتوب من سورته، فيكتبونه فيما يتوفّر لديهم من عدد تخص الكتابة يومئذ، وكان المتوفّر لديهم العسب (١)، واللّخاف (٢)، والرّقاع (٣)، وقطع الأديم (٤)، وعظام الأكتاف، والأضلاع.
فكتبوا على هذه العدد جميعا، ثمّ كانوا يحفظون ما كتبوه في بيت
стр. 93
رسول الله ﷺ ، وهكذا حتى انقضى العهد النبوي الشريف، والقرآن مكتوب على هذا النمط، دونما جمع في صحف، أو مصاحف.
وكان هذا هو الطور الأول في كتابة القرآن الكريم
فعن ابن عباس أنّه قال:
[كان رسول الله ﷺ إذا نزلت عليه سورة، دعا بعض من يكتب فقال:
- ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا].
وعن زيد بن ثابت قال:
[كنّا عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرّقاع].
ولم تكن الكتابة في هذا الطور وفق ترتيب السّور، وإنّما كان مرتب الآيات- نظرا لأن التنزيل لم يكتمل بعد- ووافت المنية رسول الله ﷺ . ولم تسنح له الفرصة لنسخ القرآن مرتّب السور، فبقي في صدورهم حتى جاء الطور الثاني.
ما الأسباب التي منعت من نسخ القرآن في المصحف ؟
إنّ القرآن، لم تتوفّر له إمكانية النسخ على الصحف، أو المصاحف، لأسباب عدّة، ويمكننا أن نخلص فيها إلى أربعة:
١ - عدم وجدان دواعي كتابته في الصحف
، كما وجد في عهد أبي
стр. 94
بكر، وذلك لأنّ القرّاء كثيرون، والفتنة مأمونة، وكان التعويل يومئذ على (الحفظ) أكثر من (الكتابة)، كما أنّ أدوات الكتابة غير ميسّرة.
٢ - عدم اكتمال التنزيل
، فقد ينزل من الوحي ما ينسخ ما شاء الله من آية أو آيات:
قال الله تعالى:* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها البقرة/ ١٠٦/.
٣ - نزول القرآن منجّما
في مدى (ثنتين وعشرين) سنة، و (أربعة) أشهر، و (أربعة وعشرين) يوما، وهذا التنجيم لا يمكّن من النسخ في الصحف.
٤ - اختلاف ترتيب آياته وسوره عن ترتيب نزوله
، لأنّ نزوله كان وفق الأسباب، أمّا ترتيبه: فكان لاعتبارات أخرى.
الطور الثاني (عهد أبي بكر)
طويت صفحة العهد النبوي بوفاته ﷺ ، ثم آلت القيادة لأبي بكر الصديق خلفا لرسول الله ﷺ ، ومنذ البداية، فقد واجهته أحداث جسام، وأيّام شدائد، ومشاكل صعاب.
وكانت أمّ المشاكل حروب الرّدة، كادت أن تطيح بهيبة الدولة الإسلامية وأخصّ بالذكر (موقعة اليمامة) سنة/ ١٢/ هجرية.
стр. 95
وموقعة اليمامة هذه، دارت رحاها بين المسلمين، وأتباع (مسيلمة) الكذاب، وحمي وطيسها، واشتدّ أوارها، وسقط فيها شهداء كثيرون.
لكنّ المصيبة الأكبر أن استشهد من القرّاء الحفظة سبعون (١) من أجلّهم (سالم) مولى أبي حذيفة فهزّت المصيبة وعزّت، فهزّت المسلمين، وعزّت على سيدنا عمر بن الخطاب، فهرع إلى سيدنا أبي بكر، وأخبره الخبر، ثم اقترح عليه أن يجمع القرآن، خشية الضياع بموت الحفاظ، وقتل القرّاء.
ولم يتقبل سيدنا أبو بكر اقتراح سيّدنا عمر، وتردّد فيه، لكنّه بعد نقاش بينهما لم يدم طويلا، انشرح صدر سيدنا أبي بكر له، وأيقن أنّ لعمله أصلا شرعيا. وهو أمر رسول الله ﷺ بالكتابة، وما عمله الذي سيقدم عليه، إلّا نسخ من مكان إلى مكان، فلم يحدث- إذا- في دين الله شيئا.
أصل القصة
هذا. وإن أصل القصة هذه، قد أخرجه البخاري في صحيحه، أنّ
стр. 96
زيد بن ثابت ﵁ قال:
[أرسل إليّ أبو بكر مقتل (١) أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده.
قال أبو بكر ﵁:
إنّ عمر أتاني فقال:
«إنّ القتل قد استحرّ (٢) يوم اليمامة، بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن!!.
قلت لعمر: كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ ؟.
قال عمر: هذا- والله خير.
فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبّع القرآن، فاجمعه.
فو الله- لو كلّفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن!!.
قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟.
стр. 97
قال: هو- والله- خير.
فلم يزل (أبو بكر) يراجعني، حتّى شرح الله صدري للذي شرح له صدر (أبي بكر وعمر)، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره:
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ التوبة/ ١٢٨ - ١٢٩/.
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند (عمر) حياته، ثمّ عند (حفصة) بنت عمر].
لقد دلّ هذا الحديث على مدى اهتمام الصحابة بل كبارهم بالمحافظة على القرآن، وعلى مبلغ ثقة (أبي بكر) و (عمر) بزيد بن ثابت، ثمّ على جدارة (زيد) بهذه الثقة، وهذا العمل.
منهج أبي بكر في كتابة المصحف
وهبّ خليفة المسلمين أبو بكر لتنفيذ أجلّ عمل، وأنبل فعل، هو نسخ القرآن في المصاحف، بطريقة دقيقة، ومنهج قويم.
وبالتشاور مع وزيره عمر بن الخطاب، وضع منهجا غاية في الوعي والحكمة.
стр. 98
ويمكن أن يتمثل منهجه في الكتابة بمصدرين اثنين:
أحدهما: ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ مع المبالغة فيه: فشرط:
أن لا يقبل شيئا من المكتوب حتى يشهد شاهدان عدلان، أنه كتب بين يدي رسول الله ﷺ .
ثانيهما: ما كان محفوظا في صدور الرجال.
ويدلّ على منهجه هذا. ما أخرجه أبو داود، عن عبد الرحمن بن حاطب قال:
[قدم عمر فقال: من كان تلقّى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن، فليأت به.
وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شهيدان].
ثمّ ما أخرجه أبو داود أيضا. عن هشام بن عروة عن أبيه قال:
[إنّ أبا بكر قال لعمر، ولزيد:
- اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله، فاكتباه].
حديث رجاله ثقات. وإن كان منقطعا.
قال ابن حجر «المراد بالشاهدين: الحفظ والكتابة».
стр. 99
لكنّ السخاوي أفاد أنّ الشاهدين رجلان عدلان، إذ يقول:
«المراد أنّهما يشهدان على أنّ ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ ».
ثم إنّ زيدا لم يعتمد على الحفظ وحده، بدليل أنه لم يجد آخر براءة إلّا مع أبي خزيمة، أي: كتابة. لأنه يحفظها، وكثير من الصحابة يحفظونها.
مزايا صحف أبي بكر
ومازت هذه الصحف الصدّيقيّة، بوجوه عدة:
١ - أنها نسخت القرآن على أدقّ وجوه البحث والتحرّي، وأسلم أصول التثبت العلمي.
٢ - اقتصر فيها على ما لم تنسخ تلاوته، وأبعد المنسوخ عنها.
٣ - ظفرت بإجماع الأمّة، وتواترها.
الطور الثالث: (عهد عثمان بن عفان)
وطويت صفحة الكتابة الصدّيقيّة، ومرّ عهد سيدنا عمر بن الخطاب، حتى جاء عهد سيدنا عثمان بن عفان، وقد اتسعت الفتوحات، واستبحر
стр. 100
العمران، وتفرّق المسلمون في الأمصار، والأقطار.
ونجمت على الساحة ناشئة جديدة، كانت بحاجة إلى دراسة القرآن وذلك لبعد عهدها عن الصدر الأول، وأهله، وكان قد تباعد عن هؤلاء، وفقد التواصل كثيرا من حلقاته.
ثم إنّ القرّاء قد انتشروا هنا وهناك، كلّ يقرئ بما حفظ وتلقّى، من وجوه القراءات، فاختلف الناس، ودبّ التنازع فيما بينهم.
فقد أخرج أبو داود في (المصاحف) من طريق أبي قلابة أنه قال:
[لمّا كانت خلافة (عثمان)، جعل المعلّم يعلّم قراءة الرجل، والمعلّم يعلّم قراءة الرجل، فجعل الغلمان، يلتقون، فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلّمين، حتى كفّر بعضهم بعضا، فبلغ ذلك عثمان. فخطب، فقال: أنتم عندي تختلفون؟!.
فمن نأى عنّي من الأمصار أشدّ اختلافا!!!].
وصدق سيدنا عثمان فيما قال: لقد كانت الأمصار النائية أشدّ اختلافا من القريبة، بل وأكثر نزاعا.
стр. 101
أسباب الاختلاف
وما هذا النزاع، وما هذا الاختلاف إلّا بأسباب اعتبارية واقعة:
١ - جهل أكثر الناس يومئذ بالأحرف السبعة المنزلة في القرآن الكريم .
٢ - انعدام المصاحف
- بل والمصاحف الموحّدة- بين أيدي الناس.
٣ - اختلاف طريق الأداء
، والأوجه بين المتحملين لها، ممّا أدّى بهم أن يحتكموا فيما شجر بينهم فيما يختلفون فيه من أوجه القراءة، ممّا أنذر بخطر جسيم.
وهذه الأسباب كافية في سحق الأمّة، وتشتيت شملها.
فما العمل لإنقاذها؟.
سيدنا عثمان ينقذ الأمة
وانبثاقا من هذه الأسباب، وربما غيرها، نهض سيدنا عثمان بن عفان ﵁، لينقذ الأمة من الفتنة والدّمار، ويحسم مادّة النزاع، ونادى في أجلّاء الصحابة وأعلامهم، واستشارهم في إيجاد الحلّ المناسب الصائب.
وبعد التشاور الحكيم، خلص بالإجماع إلى أمر حكيم، وفعل قويم.
стр. 102
وهذا الأمر: أن يستنسخ مصاحف يرسل بها إلى الأمصار، ثم يحرّق ما عداها، وأن تكون المصاحف العثمانية هي المعتمدة في القراءة فقط.
متى وكيف بدأ ؟
. وبدأ تنفيذ قراره هذا بتاريخ سنة/ ٢٤/ هـ في أواخرها، وعهد في نسخ المصاحف إلى أربعة ثقات حفاظ، مشهور لهم، واعتبروا لجنة معتمدة في الكتابة.
ولجنة الكتابة العثمانية، قد مثّلها أربعة رجال، ثلاثة قرشيّون: عبد الله ابن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
ثمّ زيد بن ثابت هو الرابع.
ثمّ أرسل إلى أمّ المؤمنين (حفصة) بنت عمر، يطلب منها الصحائف الصدّيقيّة التي احتفظت بها، فأرسلتها على الفور لخليفة المسلمين.
وأخذت اللّجنة في نسخها، وفق دستور كتابيّ، رسمه لهم سيدنا عثمان ابن عفان.
فما موادّ هذا الدستور؟.
стр. 103
دستور الكتابة العثمانية
إنّه دستور قد حوى موادّ بقائه، بما امتاز عن سابقه من شمولية وتوحيد، واحتواء، لكافّة القراءات المتواترة التي استقرّت قرآنيتها. وإليك- أخي القارئ- تلك المواد الدستورية في الكتابة العثمانية:
١ - أن لا يكتب في المصحف إلّا ما تحققوا منه أنه قرآن
، وأنه ممّا استقرّ في العرضة الأخيرة على رسول الله ﷺ ، وما أيقنوا صحّته عن النبي ﷺ مما لم يطرأ عليه نسخ قرآني.
٢ - حظر إدخال ما سوى الصحيح والمتواتر
، مما وجد عند أحد من القراء.
مثاله: ترك قراءة (فامضوا إلى ذكر الله) بدل (فاسعوا).
٣ - تعرية الكتابة من النقط والشكل
، لتحتمل الأحرف السبعة.
مثاله: (فتبينوا) من قوله إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا الحجرات/ ٦/ فإن جرّدت من النقط، صلحت أن تقرأ (فتثبتوا) أيضا، وهي قراءة متواترة.
٤ - تخصيص الكتابة بلسان قريش
. وذلك حين وجّه اللجنة بقوله للقرشيين: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنّما نزل بلسانهم».
стр. 104
وعملت اللجنة العثمانية بما أملى عليها خليفة المسلمين، فنسخوا الصحف في المصاحف، ثم ردّ سيدنا عثمان الصحف إلى سيدتنا (حفصة)، وأرسل إلى كلّ أفق مصحفا (١)، ثم حرّق ما سواه من القرآن في كل صحيفة، أو مصحف غير خاضع لدستوره.
مزايا الرسم العثماني
وحفل المصحف العثماني بميزات عدّة، أبرزها: بقاؤه إلى يومنا هذا، دون مساس برسمه، ودونك المزايا الأخرى:
١ - الاقتصار على ما ثبت تواتره، وترك ما سواه من زيادات الآحاد.
٢ - إهمال ما نسخت تلاوته، ولم تستقر في العرضة الأخيرة.
٣ - ترتيب السور والآيات على الوجه المعروف- الآن- بخلاف صحف أبي بكر ﵁، فقد كانت مرتبة الآيات دون السور.
٤ - كتابته بطريقة تجمع وجوه القراءات المختلفة، والأحرف التي نزل بها القرآن.
٥ - تجريده من كل ما ليس قرآنا، كالذي يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة، شرحا لمعنى، أو بيانا لناسخ ومنسوخ، وغير ذلك.
стр. 105
وتجاوب الصحابة مع هذا الدستور، فلم يبقوا مصحفا خاصا، وخضعوا لخليفة المسلمين سيدنا عثمان، عن قناعة وطواعية.
﵃ جميعا
стр. 106
آداب القرآن الكريم
ولقراءة القرآن الكريم آداب، على القارئ والمستمع مراعاتها حتى تكون قراءته أدنى إلى القبول، والخشية من الله سبحانه.
هذا وإنّ العلماء المسلمين قد أولوه عنايتهم، ثم حوّلوه إلى علم مستقلّ، فأفرده بعضهم بالتأليف- كالإمام النووي- في كتابه التبيان، وجعله بعضهم (علما) من علوم القرآن- كالإمام السيوطي- في كتابه (الإتقان) وعدّه برقم (٣٥).
وضروري بحق أيّ مسلم، لا سيّما الناشئة منهم، أن يحيطوا بها علما، ليعرفوا قدر كتابهم، ويتعرّفوا على سبل الخشية من ربهم.
وهاؤهم طاقة من تلك الآداب الرفيعة.
١ - الطهارة
١ - أن يحضّر القارئ نفسه، فيتطهر بالوضوء، لأنّه سيؤدي عبادة، لا أقدس ولا أجلّ منها، لأن رسول الله ﷺ كان يكره أن يذكر الله إلّا على طهر.
стр. 107
ولا بأس أن يقرأ بلا وضوء، لفعله ﷺ له.
أما الجنب والحائض والنفساء. فتحرم عليهم القراءة، ولا بأس بالنظر في المصحف، وإمراره على القلب، خلا القراءة.
٢ - يسن أن يستاك- تعظيما وتطهيرا- لأن الفم طريق القرآن.
فقد روى ابن ماجة عن علي موقوفا، والبزار بسند جيد عنه مرفوعا:
[إنّ أفواهكم طرق القرآن، فطيبوها بالسواك].
لذا. كره أن يقرأه متنجّس الفم.
٣ - يسنّ أن يجلس مستقبلا القبلة، متخشعا بسكينة ووقار، مطرقا رأسه، إجلالا لله ومهابة.
٢ - التعوّذ
١ - وإذا أراد القراءة، تعوّذ (استنانا، أو وجوبا). لقوله سبحانه فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ سورة النحل/ ٩٨/.
وصفته المختارة. (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).
ويستحسن الجهر به، حتّى ينبّه المستمعين أن ينصتوا، فلا يفوتهم شيء من القراءة.
стр. 108
٢ - وليحافظ على البسملة في أول كلّ سورة، عدا براءة، لأنّ أكثر العلماء على أنها آية، فإذا أخلّ بها كان تاركا لبعض الختمة القرآنية- عند الأكثرين.
أما القراءة من وسط السورة أو أثنائها، فقد استحب بعضهم البسملة- كالإمام الشافعي- وأكّدها القرّاء عند قراءة قوله تعالى:
* إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ فصلت/ ٤٧/ و* وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ الأنعام/ ١٤١/.
لما في ذكر ذلك بعد التعوّذ من البشاعة وإيهام رجوع الضمير إلى الشيطان.
٣ - الترتيل
١ - يسنّ الترتيل في القراءة. لقوله تعالى وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا المزمّل/ ٤/.
ولما روى أبو داود وغيره عن أم سلمة: [أنهّا نعتت قراءة النبي ﷺ قراءة مفسّرة حرفا حرفا].
ولما في البخاري عن أنس: [أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال:
(كانت مدّا).
стр. 109
ثم قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* يمدّ (الله) ويمدّ (الرحمن) ويمدّ (الرحيم)].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود: [أنّ رجلا قال له: إني أقرأ المفصّل في ركعة واحدة.
فقال: هذّا كهذّ الشّعر!! إنّ قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه، نفع].
وأخرج الآجري في جملة القرآن عن ابن مسعود قال:
[لا تنثروه نثر الدّقل، ولا تهذّوه هذّ الشعر.
قفوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب، ولا يكون هم أحدكم آخر السورة].
وأخرج من حديث ابن عمر موقوفا:
[يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارق في الدرجات، ورتّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها].
لذا. كره الإفراط في الإسراع، لأنّ الترتيل يساعد على التفكر والتدبر، ولأنه أقرب إلى الإجلال، والتوقير، وأشدّ تأثيرا في القلب.
стр. 110
٤ - التدبّر
يسنّ في القراءة التدبّر والتفهم، لأنه هو المقصد الأسنى، والمطلوب الأهم، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب قال الله تعالى:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ (ص) / ٢٩/ وقال: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟! النساء/ ٨٢/
وكيفية التدبّر هذا
: أن ينهج نهج رسول الله ﷺ في هذا الأدب العظيم، فيشغل قلبه بالتفكّر في معاني ما يلفظ به، ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك كله.
فإن كان مما قصّر عنه فيما مضى، اعتذر واستغفر.
وإذا مرّ بآية رحمة: استبشر وسأل. أو عذاب: أشفق وتعوّذ. أو تنزيه: نزّه وعظّم. أو دعاء: تضرّع وطلب.
هكذا كان نهجه ﷺ .
فقد أخرج مسلم عن حذيفة قال:
[صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقرأها ثم النساء فقرأها،