← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 38104

الميزان في أحكام تجويد القرآن

فريال زكريا العبد

Полный текст (243 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدّمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هديه إلى يوم الدين. وبعد .. فقد كان فضلا من الله ومنّة، أن هدانى إلى القيام بمهمة إعداد بحث يجمع أحكام التجويد برواية حفص عن عاصم بن أبي النجود من طريق الشاطبية، يكون مرجعا للدارسين والدارسات بحلقات تحفيظ القرآن. وقد استعظمت المهمة بادئ الأمر، وتهيبت خوض التجربة، وترددت لحظات تنازعني خلالها أمران: أمّا أولهما فشوق إلى الاشتغال بعلم من علوم القرآن وطمع فى نوال شرف تلك المنزلة، وأمّا الآخر فتحرّج واحتراز منى أن أكتب فى ميدان غير ميدان تخصصي وإن كانت تربط بين الميدانين وشائج قربى وثيقة، فتخصصي ميدانه الدراسات اللغوية واللغة العربية والبحث المنشود ميدانه المباحث القرآنية. غير أن ترددي لم يدم طويلا بفضل الله تعالي إذ ألهمني أن أتمسك بتلك العطية التي رزقني إياها، وألا أفرط فيها، فتعاظم أمرها في ناظريّ حتى بات إنجازها أسمى طموحاتي، وأوسع دوائر أحلامي. فاستعنت بالله العزيز، وشحذت الهمّة، واستنفرت الإرادة، وعزمت أن أخوض التجربة، وعاهدت نفسي أن أتفرغ لتلك المهمة الشريفة، قاصرة جل وقتي وجهدي عليها حتى أفرغ منها. إلى أن أتم الله نعمته على، ووفقني وأعاننى على إنجاز هذا الجهد المتواضع. فله الحمد في الأولى والآخرة على ما أنعم وأولى، فبفضله ومشيئته انهالت على كثير من المراجع من أهل العلم والفضل، وكأنما كانت تسعى إلىّ- بفضل الله تعالى- قبل أن أسعى إليها، وبعون الله وتيسيره تفتحت أمامي كنوز المعارف

стр. 2

الكامنة فى بطون تلك المراجع، فجعلت أرتشف منها وأتزود. وكنت قد انتويت في بداية الأمر أن أقدم بحثا موجزا، يطوف بالأبواب الرئيسة في أحكام التجويد باختصار، دون أن أتعرض للتفاصيل الدقيقة لتلك الأحكام، ولكنى وجدتني في خضم تلك المراجع أسبح فى بحار من المعرفة لم يكن لى سابق علم بها، وأطّلع على كنوز من أسرارها كانت خفية عنى، فلما تكشفت لناظريّ بهرتني، وراعني فيضها، وغزارتها، فو الله لقد استحييت أن أستأثر بكل ذلك الفيض وحدي دون أن يقاسمني فيه سائر الإخوة والأخوات الدارسين والدارسات، فجعلت أغوص في أعماق تلك المراجع، أستخرج الدرّ الكامن في بطونها لأخلص به إليهم على صحاف المعرفة. وأخيرا، وبعد أن أتممت أبواب بحثي بحمده تعالى وتمام نعمته، لا يسعني إلا أن أسجد شاكرة لله فضله الذي أسبغه علىّ، راجية أن يتقبله مني، داعية لكل الأئمة والعلماء والأساتذة الأجلاء أصحاب الكتب والمراجع النفيسة التي استعنت بها، واعتمدت عليها في جمع مادة هذا الكتاب؛ فمن معينهم نهلت، ومن قطوفهم جنيت، ومن فيض علمهم تعلمت. فبحق الله إن فضلهم علىّ لعظيم، وإن خيرهم علىّ لعميم؛ فهم الذين غرسوا، ورووا، وتعاهدوا بذور علم التجويد، حتى نضجت ثمارها، فانتخبت وانتقيت من قطوفها اليانعة تلك الباقة التي نثرتها على صفحات كتابي، والتي توسمت فيها أن تكون جامعة في غير إفراط، ملتزمة في غير تفريط. فإلى كل هؤلاء العلماء الأجلاء، وإلى كل الأساتذة الأفاضل الذين تفضلوا مشكورين بمراجعة أبواب هذا الكتاب، ولم يضنوا علىّ بملاحظاتهم، وتوجيهاتهم القيمة أقرّ بالفضل، وأدين بالشكر، فلولا جهد هؤلاء ما كان تحصيلي، ولولا غرسهم ما جنيت ثمرا، ولولا توفيق ربي ما بدأت ولا أكملت عملا. فجزى الله خيرا كل من ساهم فى إنجاز ذلك العمل المتواضع، ومعذرة منى لكل من وجد

стр. 3

بالكتاب نقصا، أو خطأ قصرت همتي عن إدراكه، أو تداركه قبل مثول الكتاب للطبع، فما تمّ الكمال لكتاب سوى كتاب الله ، أما من وجد فيه نفعا فأسأله خير الدعاء، وله مثل ما دعا به، والله ولى التوفيق. فريال زكريا العبد الموجهة فى مادة اللغة العربية بالتعليم الثانوى بإدارتى وسط وغرب الإسكندرية (سابقا felabd @maktoob.com (

стр. 4

شكر وتقدير لما كان من شيم الوفاء حفظ الجميل لكل من له يد علينا، والإقرار بفضله كل وقت وكل حين، فقد وجدت فى مناسبة صدور هذا الكتاب فرصة مواتية لتسجيل كلمة شكر وامتنان وعرفان للأستاذ الدكتور: محمود عبد الحميد الهيتى الأستاذ بكلية الزراعة جامعة طنطا وأستاذى بحلقات تحفيظ القرآن. وإنه لمن دواعى الوفاء أن أقرّ بأن له الفضل فى تعليمى مبادئ وقواعد وأصول علم التجويد، وعلى يديه حفظت ما يقرب من نصف القرآن الكريم. وقد استطاع بفضل أستاذيته، وسعة صدره، أن يربط الدارسين والدارسات بحلقاته، وأن يدفعهم إلى الانتظام فى الدراسة والصبر والمثابرة، والمنافسة الشريفة فى التحصيل والحفظ. فجزاه الله عنا خير الجزاء وبارك له فى ماله وأهله وولده بإذنه تعالى ومشيئته، إنه سميع مجيب. ولا يفوتنى أيضا أن أتوجه بجزيل الشكر والتقدير إلى الأساتذة الأفاضل الذين قاموا بمراجعة كتابى هذا، دون أن يعرفوا صاحب هذا الكتاب أو هويته، وإنما بذلوا جهدهم مسارعين فى الخيرات، طائعين مختارين، محتسبين أجرهم عند الله تعالى، وكان لتعليقهم على أدائى المتواضع، وتقريظهم ذلك الكتاب، فضل كبير فى إثلاج صدرى، واطمئنان نفسى بعد طول معاناة وقلق ومكابدة. فلهم جميعا كل العرفان والامتنان، وأخص بالذكر منهم: ١ - الأستاذ الدكتور: حافظ أيوب: الأستاذ بجامعة الأزهر، كلية أصول الدين (سابقا)، والمستشار الدينى بوزارة الدفاع بدولة الإمارات العربية المتحدة (سابقا).

стр. 5

٢ - الأستاذ الفاضل: محمود داود: المشرف على علم القراءات بمعهد قراءات دمنهور. كما أسأل الله تعالى أن يجازى خيرا كل من عاون فى إخراج هذا المؤلف إلى حيز الوجود، وكل من قدم لى تيسيرا فى شتى مراحل الإعداد والإخراج والطبع. فريال العبد

стр. 6

قراءة القرآن قال تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ٤] أى اقرأه بطمأنينة غير متعجل فى تدبر معانيه وأعط كل حرف حقه ومستحقه. وعند ما سئلت أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ إذا هي تنعتها بالقراءة المفسرة حرفا، حرفا (١) أى يفسر الحروف فلا تختلط على السامع. وسئل أنس بن مالك ﵁ عن كيفية قراءة النبى ﷺ فقال: «كانت قراءته مدا. ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم». وقد تلقى صحابة رسول الله ﷺ قراءتهم من الرسول مباشرة عن طريق المشافهة ثم تلقى التابعون عن الصحابة رضوان الله عليهم ثم تابعوا التابعين وهكذا تمضى سلسلة المشافهة من جيل إلى جيل ومن مقرئ إلى قارئ مع تحرى القارئ أن يتلقى من الماهرين المجودين المتقنين وكان السلف يشترطون فى ذلك اتصال السند إلى النبى ﷺ لأن هذا العلم سنة متبعة يأخذها اللاحق عن السابق وكان ﷺ يعرض القرآن على جبريل فى كل عام مرة فى رمضان، وفى السنة التى توفى فيها عرضه مرتين. وقد تسابق صحابة رسول الله ﷺ ينهلون من نبع القرآن علما وعملا وحفظا وترتيلا. وتميز منهم نفر ممن اتقنوا فن التلاوة حتى صاروا أعلاما فيها فاحتضنهم رسول الله ﷺ ووالاهم بالعناية والرعاية ولمعت من بينهم أسماء بعينها وتعاهدهم يسمعهم قراءته ويطلب منهم أحيانا أن يسمع منهم وأغلبنا يعلم أنه صلوات الله عليه وآله وسلامه طلب من عبد الله بن مسعود- كما جاء فى الحديث الصحيح- أن يقرأ عليه فقرأ حتى بلغ قوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ٤١ [النساء: ٤١] قال حسبك، فالتفت فإذا به ﷺ تذرف عيناه. (متفق عليه). كما ثبت أن النبى ﷺ سمع

стр. 7

عبد الله بن مسعود يقرأ فى صلاته فقال: «من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم معبد» (١). وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبى بن كعب «إن الله أمرنى أن أقرأ عليك» قال: ءآلله سماني لك؟ قال: «الله سماك لي»، قال أنس: فجعل أبي يبكي» (٢). فكان أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود من تلك الكوكبة من الصحابة ومن طلائع القراء الذين تعهدهم رسول الله. قال ﷺ : «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب» ومن هذه الكوكبة أيضا: زيد بن ثابت، وعلي بن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل. نستنتج من حرص رسول الله- ﷺ علي تلقي القرآن من أناس بعينهم أن لهم تميزا في طريقة قراءتهم عن غيرهم. كما نستنتج أن لقراءة القرآن هيئة وصفة يستحب اتباعها كما يكره مخالفتها أو الانحراف عنها. «وصفة القراءة هذه التي اصطلحوا علي تسميتها بعد ذلك «بالتجويد» تحتوي علي لهجات العرب الفصحي، وطريقتهم في النطق. وهذا من مقتضي كون القرآن عربيا فهو عربي في لفظه ومعناه، وأسلوبه، وتركيبه، ولهجته، وطريقة النطق به، ولذلك تجد كثيرا من مباحث التجويد والقراءة في علم «اللغة و «النحو»، فهي مباحث مشتركة بين الطرفين» (٣). قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة: ١٢١] يقول الإمام الغزالي «وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل الائتمار. فاللسان «يرتل»، والعقل «يترجم»، والقلب «يتعظ» (٤).

стр. 8

فضل تلاوة القرآن لا شك أنه ما من مسلم قد أتيح له أن يستوعب ما جاء بالكتاب والسنة بشأن فضل القرآن الكريم وفضل تلاوته والانشغال به والعمل بما جاء فيه، وما وعد الله به أهل القرآن من الدرجات العلى فى جنات النعيم، إلا وتاقت نفسه إلى دراسته، وإجادة تلاوته، ومحاولة حفظه وتعاهده بالاسترجاع حتى لا يتفلت من صدره ولا يتسع المقام هنا لسرد الكثير مما جاء بالكتاب والسنة في هذا الشأن ولكننا نكتفي من كل بستان بزهرة أو بضع زهرات: فمما ورد بالكتاب في هذا الشأن: ١ - قال تعالي: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) [فاطر: ٢٩، ٣٠] ٢ - قال تعالي: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٨٢) [الإسراء: ٨٢] ٣ - وقال تعالي: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩] ٤ - لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) [الحشر: ٢١] ٥ - اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) [الزمر: ٢٣] ومما جاء فى أحاديث رسول الله: ١ - روى أبو داود والترمذي بإسناد هما عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما

стр. 9

قال: قال رسول الله- ﷺ : «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها» (١). ٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله أهلين من الناس» قالوا: من هم يا رسول الله ... ؟ قال: «أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» (٢). ٣ - وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار» (متفق عليه) ٤ - عن ابن عباس رضى الله عنهما قال رسول الله ﷺ : «أحب الأعمال إلي الله تعالي الحالّ المرتحل: قالوا: ومن الحالّ المرتحل يا رسول الله؟ قال: «صاحب القرآن يقرأ من أوله لآخره كلما حلّ ارتحل» (٣). ٥ - عن بن معاذ بن أنس أن النبي ﷺ قال: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجا يوم القيامة ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا. فما ظنكم بالذي عمل بهذا». والحديث لم يحدد مكانة من عمل بهذا وإنما اكتفي بتحديد منزلة والديه في صورة تشتهيها كل نفس أما صاحب هذا العمل فقد ترك لخيال السامعين أن يحلق كما يشاء فلا حدود لعطاء الله لمن طلب رضاه وسار علي نهج القرآن الكريم. ٦ - روى مسلم بسنده من حديث عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين». ٧ - روى مسلم بسنده عن أبى إمامة الباهلى قال: «اقرءوا القرآن فإنه يأتى يوم القيامة شفيعا لأصحابه». ٨ - قال ﷺ : «إن هذه القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد» قيل فما جلاؤها يا رسول الله؟ قال: «ذكر الموت وتلاوة القرآن: ألم تسمعوا قوله تعالى: وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ (٤).

стр. 10

٩ - روى مسلم بسنده عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». (١) ١٠ - وروى الشيخان بسنديهما عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذى يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران». ١١ - وعن أبى سعيد الخدرىّ: قال رسول الله ﷺ : «أعطوا أعينكم حظها من العبادة قالوا يا رسول الله وما حظها من العبادة؟. قال النظر فى المصحف والتفكر فيه والاعتبار بعجائبه». ١٢ - وعن عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ : «أفضل عبادة أمتى تلاوة القرآن». وأخيرا نختتم هذه الباقة العطرة من أحاديث سيد المرسلين بما رواه عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (أخرجه البخارى) وها هو حديث رسول الله ﷺ قد أوضح معالم الطريق لمن أراد أن يكون خير الناس فبين أن عليه أن يتعلم القرآن أولا تلاوة ودراسة وفهما مع العمل بما فيه من أحكام، والالتزام بما فيه من أوامر ونواه، فهذا هو نصف الطريق، فإذا أتم الله نعمته وفضله عليه ومكنه من القيام بتعليم القرآن لغيره فقد أكمل المسيرة وهنيئا له إذا أخلص نيته لله وحده غير ناظر لصيت أو سمعة أو شهرة. آداب تلاوة القرآن ١ - إخلاص النية لله وحده. ٢ - أن يكون القارئ طاهرا نظيف الثوب والبدن.

стр. 11

٣ - أن يستقبل القبلة إن لم يكن هناك ما يعوقه عن ذلك. ٤ - الإعداد النفسى والذهنى والتهيئة لاستحضار عظمة الله وجلاله وعظمة الكلام الذى سيتلوه. ٥ - حبذا لو استاك أو نظف فمه لأنه سوف ينطق بكلام الله وسوف يجرى الكلام فيه ليخرج من مخارج حروفه، فالأولى أن يكون الفم ذا رائحة زكية إن أمكن ذلك. ٦ - وإذا كان حظ اللسان من التلاوة تصحيح الحروف بالتلاوة، وحظ العقل تفسير المعانى، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر، فينبنى على ذلك أنه إذا جلس المؤمن للتلاوة حاضرا بعقله، وقلبه، ولسانه فقد صدق مع نفسه، ومع الله، ومع كلام الله. وإذا كان أمر المؤمن كذلك، فلا بد أن عقله سوف يتدبر ما يتلوه من آيات الله، فإذا تدبر العقل، استشعر المؤمن من خلال الآيات فتحا من الله وقبولا، فلا يكتفي بما يبدو من ظاهر الكلام، وإنما يستشعر قلبه معاني خفية، هي نفحات من عند الرحمن لعبده الذي أقبل عليه وقد ألقي خلف ظهره كل أمور دنياه، وخلص لمولاه وحده. ومع هذا الحضور بالنفس، والعقل، والقلب سوف يشعر بقرب الله تعالي منه، ويحس أنه في حضرته، فإذا تلا أمرا من أوامره، أو نهيا من نواهيه خضعت نفسه منصاعة، وقالت سمعا وطاعة. وإذا تلا من كلام الله آية وعيد وجل قلبه وظن أنه هالك لا محالة فيتوب، وإذا كانت آية وعد استبشر خيرا واطمأن قلبه، فإذا مر بذكر النار تعوذ منها ومن عذابها، واذا جاء ذكر الجنة انشرح صدره واشتاقت نفسه إليها وألح في طلبها. ٧ - أن ينتقي لنفسه مكانا بمعزل عن كل ما يلهيه ويصرفه عن الاندماج في معاني الآيات (كالمذياع والتلفاز والأماكن التي تعج بالضوضاء وأهل اللغو والفراغ). ٨ - أن يزين قراءته ويحسن صوته بها وإن لم يكن حسن الصوت حسّنه ما استطاع. فالقراءة السليمة المجودة المتقنة إذا زانها صوت حسن ندىّ كانت فضلا من الله ومنة على من قرأ ومن سمع، وصرف الله إليها الجن والملائكة يستمعون

стр. 12

لها، وصغت لها أسماع المؤمنين وقلوبهم، وما من دليل على ذلك أبلغ من تأثر الرسول الكريم نفسه بالأصوات الحسنة وتأثيرها على نفسه ويقينه بمدى تأثيرها على النفوس لذا نراه حين أقر صيغة الأذان لأول مرة فى الإسلام لم يكلف من حدثه بها أن يؤذن بل قال له: «اذهب إلى بلال فعلمه إياها فإنه أندى منك صوتا ... ». وقال أيضا: «زينوا القرآن بأصواتكم». ومن قوله أيضا: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن» ولقد سمع عبد الله بن مسعود يقرأ فى صلاته فقال: «من سره أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم معبد» فقد كان عبد الله ابن مسعود مشهورا بحسن الصوت وجودة الترتيل ودقة الأداء حتى أن الرسول نفسه طلب منه أن يقرأ عليه القرآن عند ما أحب أن يسمعه من غيره. ولا ننسى أن نذكر قول رسول الله ﷺ وهو يعبر بأسلوب فى منتهى البلاغة عن مدى إعجابه بصوت أبى موسى الأشعرى عند ما قابله فقال له: «لو رأيتنى وأنا أسمع قراءتك البارحة!! لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود». فقال أبو موسى: لو علمت أنك تسمع قراءتى لحبرتها لك تحبيرا» أى لجودتها وحسنتها وزينتها لك تزيينا. على أنه ينبغى للقارئ أن يضع نصب عينيه حدا فارقا جليا بين ما هو تزيين وتحسين للصوت قصد به أن يكون جواز مرور يفتح آذان السامعين ويسمح للمعانى القرآنية أن تتجاوز عتبات أسماعهم لتنفذ إلى أعماق قلوبهم ومداركهم وعقولهم، وبين ما هو ترنم وتنغيم لأجل التطريب. لقول رسول الله ﷺ : «اقرءوا القرآن بملحون العرب وألسنتها، وإياكم ولحون أهل العشق، ولحون أهل الكتابين، وسيجيء بعدى قوم يرجعون القرآن ترجيع أهل الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» (١). ٩ - التوقف عن القراءة عند التثاؤب ثم الاستئناف بعده. ١٠ - أن ينهى قراءته بتصديق ربه (أي قوله: صدق الله العظيم) وأن يشهد

стр. 13

لرسوله بإبلاغ الرسالة فيقول: (وصدق رسوله الكريم بلغ الرسالة ونحن على ذلك من الشاهدين). الأحرف السبعة روي ابن عباس- رضى الله عنها- عن النبي ﷺ قال: «أقرأني جبريل علي حرف، فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (١). فكانت استزادة الرسول ﷺ طلبا للتوسعة على أمة المسلمين وتخفيفا عنها، ورحمة بها. وروي البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت هشاما يقرأ سورة (الفرقان) في حياة النبي فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ علي حروف لم يقرئنيها رسول الله- ﷺ فكدت أساوره (٢) في الصلاة، فتصبرت حتى سلم فلببته (٣) بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ فقال أقرأنيها رسول الله- ﷺ فقلت كذبت فإن رسول الله قد أقرأنيها علي غير ما قرأت .. فانطلقت به أقوده إلي رسول الله- ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان علي حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله ﷺ : «أرسله .. اقرأ يا هشام» فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله- ﷺ : «كذلك أنزلت» ثم قال: «اقرأ يا عمر» فقرأت القراءة التي أقرأني فقال رسول الله ﷺ : «كذلك أنزلت». إن هذا القرآن أنزل علي سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه) وقد اختلف في المراد بالأحرف السبعة اختلافا بينا فرجح بعضهم أن تكون الأحرف السبعة لغات القبائل وقيل إن المراد بها معاني الأحكام القرآنية كالمحكم والمتشابه والحلال والحرام، والإنشاء والخبر والأمثال. وهناك أقوال أخري مختلفة تناولها ابن الجزري بالتفنيد والمراجعة ثم رفضها محتجا بأن صحابة رسول الله ﷺ لما ترافعوا إليه كان ترافعهم واختلافهم فيما يختص بحروف القرآن، ولم يختلفوا في تفسيره، ولا أحكامه ولا معانيه. لذا

стр. 14

يميل المحققون من العلماء إلي ترجيح مذهب الإمام أبي الفضل الرازي حيث يرى أن المراد بالأحرف السبعة: الأوجه التي يقع بها «التغاير والاختلاف» وهي لا تخرج عن سبعة». أوجه التغاير والاختلاف السبعة: ١ - اختلاف الأسماء: في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث. فالاختلاف في الافراد والجمع في نحو قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [البقرة: ١٨٤]. قرئ بالإفراد (مسكين) وقرئ (مساكين) بالجمع. والاختلاف في التثنية والجمع نحو قوله تعالي: فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات: ١٠]، قرئ بالتثنية وقرئ (إخوتكم) بالجمع. والاختلاف في التذكير والتأنيث نحو قوله تعالى: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ قرئ بياء التذكير، وقرئ (تقبل) بتاء التأنيث [البقرة: ٤٨]. ٢ - اختلاف تصريف الأفعال: من ماض ومضارع وأمر نحو قوله تعالى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً [البقرة: ١٨٤] قرئ الفعل هكذا (تطوع) علي أنه فعل ماض وقرئ (يطّوّع) علي أنه فعل مضارع مجزوم. ونحو قوله تعالي: قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأنبياء: ٤] قرئ (قال) على أنه فعل ماض، وقرئ (قل) على أنه فعل أمر. ٣ - اختلاف وجوه الإعراب: نحو قوله تعالى: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [البقرة: ١١٩]، قرئ بضم التاء ورفع اللام على أن (لا) نافية وقرئ بفتح التاء وجزم اللام هكذا (تسأل) على أن (لا) ناهية. ٤ - الاختلاف بالنقص أو الزيادة: نحو قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: ١٣٣] بإثبات الواو قبل السين وقرئ (سارعوا) بحذف الواو. ٥ - الاختلاف بالتقديم والتأخير: نحو قوله تعالى: وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا [آل عمران: ١٩٥] قرئ هكذا بتقديم (وقتلوا) وتأخير (وقاتلوا).

стр. 15

٦ - الاختلاف بالإبدال أى جعل حرف مكان حرف آخر كقوله تعالى: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [يونس: ٣٠] قرئ هكذا بتاء مفتوحة فباء ساكنة وقرئ بتاءين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة (تتلوا). ٧ - الاختلاف فى الهجاء كالفتح والإمالة والإظهار، والإدغام والتسهيل، والتحقيق، والتفخيم، والترقيق، وهكذا يدخل فى هذا النوع الكلمات التى اختلفت فيها لغة القبائل نحو (خطوات) تقرأ بتحريك الطاء بالضم، وتقرأ بتسكينها، ونحو (بيوت) تقرأ بضم الباء وتقرأ بكسرها (١). حكمة إنزال القرآن على سبعة أحرف: ١ - اختلاف ألسنة العرب ولهجاتهم بحيث لو كلفهم الله تعالى لهجة واحدة لشق عليهم ذلك ونلاحظ مثل ذلك فى عصرنا هذا إذ تختلف لهجات الشعب الواحد بين أهالى شمال البلاد وأهالى الجنوب وبين أهالى السواحل وأهالى وسط البلاد. فمن رحمة الله تعالى أنه يسر على هذه الأمة حفظ كتابه وتلاوته فأذن لنبيه أن يقرئ أمته القرآن على سبعة أحرف، فكان النبى يقرئ كل قبيلة بما يوافق لغتها. ٢ - ويرى البعض أنه فى إنزال القرآن الكريم على سبعة أحرف دليل على صدق رسالة النبى ﷺ حيث ينطق القرآن بهذه الأحرف السبعة وتلك اللهجات المتعددة وهو النبى الأمى الذى لا يعرف سوى لهجة قريش. جمع القرآن لا شك أن البعض منا قد سأل نفسه ذات يوم وهو يتناول بين يديه كتاب الله العزيز (المصحف الشريف) بغلافه الفاخر وطباعته الرائعة: «ترى كيف كانت هيئة هذا الكتاب على عهد الرسول ﷺ ؟ هل كان كتابا يشبه ما نراه فى أيدينا

стр. 16

اليوم؟ وكيف حفظه الله، وحوفظ عليه حتى وصل إلى أيدينا فى عهدنا هذا؟ وإذا كان هذا التساؤل قد طاف بخواطر الكثيرين منا ممن لم تتح لهم الفرصة لمعرفة تاريخ تدوين ما يسمى «بالمصحف العثمانى» فها نحن نحاول أن نجيب عن ذلك التساؤل فى غير إسهاب: حينما بعث الرسول ﷺ بمكة ودخل فى الإسلام بعض ممن عرفوا الكتابة من الصحابة، كان رسول الله ﷺ ، يدعوهم لكتابة ما نزل من القرآن أولا بأول، وكان كل واحد منهم يحتفظ بما كتبه في مكان يأمن فيه على ما كتب من الضياع. ولما لم تكن الكتابة على الورق أمرا ميسورا لكل من أراد الكتابة كما هو الحال اليوم، لذا فقد لجأ العرب في ذلك الوقت إلى الكتابة على (العسيب) وهو جريدة النخل العريضة. وكتبوا على (الرقعة) وهى القطعة من الجلد أو الورق وكتبوا على اللوح وهو الصفحة العريضة من الخشب. وكتبوا على أضلاع الحيوانات (كالإبل والنوق). وأذن الله لرسوله بالهجرة إلى المدينة فزاد اهتمامه بكتابة الوحى، وعمل على محو أمية الكثير من المسلمين، وجعل فدية الأسير لفك رقبته أن يعلم عشرة من المسلمين فزاد عدد كتاب الوحى فلم يتم نزول القرآن حتى كانوا أكثر من أربعين كاتبا من بينهم عدد غير قليل من حفظة القرآن فلما تولى أبو بكر الخلافة وأرسل الجيوش لمحاربة المرتدين استشهد عدد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وفى حرب «مسيلمة» استشهد عدد آخر أكبر، وكان من بينهم نحو سبعين من حفظة القرآن. فأشار عمر على أبى بكر أن يجمع القرآن حتى لا يتعرض نص من نصوصه للضياع باستشهاد القراء منهم وأصحاب النبى. وتردد أبو بكر فى قبول ذلك الرأي لأنه كان يتحرج من أن يفعل شيئا لم يفعله الرسول وهو جمع القرآن. ولكن عمر ما زال به حتى أقنعه فدعا أبو بكر «زيد بن ثابت» ﵀، وكان شابا قويا صبورا عاقلا من كتّاب الوحي وقد شهد العرضة الأخيرة للقرآن في حياة النبي ﷺ فكلفه أن يتتبع القرآن فيجمعه.

стр. 17

وتردد زيد كما تردد أبو بكر، لأن النبي لم يفعل ذلك، ولكن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما أقنعاه بما في ذلك من خير للإسلام والمسلمين، وجعل يتتبع القرآن يجمعه من صدور الرجال، وبالرغم من حفظه للقرآن لم يكن يقبل من رجل نصّا من نصوصه إلا إذا وجده عند رجل آخر من أصحاب النبى وقيل لم يقبل شيئا من أحد إلا أن يأتى معه بشهيدين، مستبعدا كل ما ليس بقرآن من أحاديث قدسية أو تفسير أو تأويل وما نسخت تلاوته من القرآن. ومستبعدا من القرآن رواية الآحاد. فلما أتم جمعه من ألواح الحجارة والجلود وأكتاف الإبل وعسب النخل، وكان ذلك فى عهد أبى بكر أو فى أيام عمر- على اختلاف فى ذلك- «اكتمل بذلك أول مصحف» كتب فيه القرآن الكريم «كاملا» «مرتب السور والآيات» بما يتفق والعرضة الأخيرة وظل أول المصاحف هذا عند أبى بكر (إن كان قد اكتمل جمعه فى عهده). ثم صار بعد ذلك إلى عمر، أو ظل عند عمر (إن كان قد اكتمل جمعه فى عهده) حتى استشهد عمر فكانت نهاية المطاف عند «حفصة أم المؤمنين رضى الله عنها». الفرق بين: «جمع القرآن» و «نسخ المصاحف» لما تولى عثمان الخلافة وخشى اختلاف الناس بالأمصار فى قراءة القرآن عزم على «نسخ المصاحف»، وإرسالها إلى المدن الكبرى، فطلب هذا المصحف من حفصة ليعتمد عليه القائمون بالنسخ، وكان زيد بن ثابت من الذين شاركوا فى ذلك أيضا. ومن الناس من يظن أن جمع القرآن أيام أبى بكر أريد به منع اختلاف الناس فى القراءة، وهذا خطأ، فالمصحف الذى جمع لم يكن مرجعا معروضا لعامة المسلمين، وإنما أريد به حفظ نصوص القرآن من أن تذهب بموت الذين يحفظونه فى صدورهم، أو يحتفظون بها مكتوبة عندهم فأما المصحف الذى أريد به منع اختلاف الناس فى القراءة فهو الذى أرسله عثمان إلى الأمصار والذى سمى (بالمصحف الإمام) أي الذي يقتدي به عامة المسلمين.

стр. 18

فقد أشار حذيفة بن اليمان على عثمان رضى الله عنهما أن يدرك هذه الأمة قبل أن تختلف على كتابها كما اختلفت اليهود والنصارى نتيجة لكثرة الاختلاف فى وجوه القراءة. واستشار عثمان أعلام الصحابة وذوى الرأى، فأجمعوا على أن يأمر بنسخ عدد من المصاحف يرسل واحدا منها إلى كل مصر من الأمصار ليكون مرجعهم عند الاختلاف، وحرق ما عداها من المصاحف. عندئذ أرسل عثمان ﵁ إلى أم المؤمنين حفصة يطلب منها ما كانت تحتفظ به من الصحف التى سبق أن كتبها زيد بن ثابت فكلف عثمان «زيد بن ثابت» و «عبد الله بن الزبير» و «سعيد بن العاصى»، و «عبد الرحمن بن الحارث بن هشام» بنسخ هذه الصحف عدة نسخ أرسل إلى كل مصر من الأمصار نسخة وأمر بحرق ما عداها. منشأ القراءات: أراد عثمان ﵁ أن يوحد المسلمين على مصحف واحد يرسم بطريقة تتلاءم مع الحروف السبعة التى نزل بها القرآن، وما لا يحتمله الرسم كتبه فى نسخة بقراءة، وفى الأخرى بقراءة أخرى، ولم يكرره فى النسخة الواحدة لدفع توهم التكرار، فإن لكل منهما وجها من غير تكرار ولم يكتب أحدهما فى الأصل، والثانى فى الحاشية لأن فى ذلك ترجيحا بلا مرجح، ولدفع توهم أن تكون الكلمة فى الأصل غير صحيحة والتى فى الحاشية هى تصحيح لها. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المصاحف العثمانية بمجموعها متضمنة برسمها ما ثبت من القراءات المتواترة فى العرضة الأخيرة محتملة للأحرف السبعة وأرسل مع كل نسخة إماما عدلا ضابطا. فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمصحف المدنى، وأرسل عبد الله بن السائب مع المصحف المكى، والمغيرة بن أبى شهاب المخزومى مع الشامى، وأبا عبد الرحمن السلمى مع المصحف الكوفى، وعامر بن عبد القيس مع المصحف البصرى.

стр. 19

وقد أرسل عثمان ﵁ جماعة من قراء الصحابة يعلمون الناس القراءة بالتلقين وقد تغايرت قراءاتهم بتغاير رواياتهم. كما أن المصاحف العثمانية لم تكن ملزمة بقراءة معينة دون الأخرى لخلوها من النقط والتشكيل، بحيث تحتمل عند التلقين الوجوه المروية. وقد تمسك أهل كل مصر من الأمصار بما تلقوه سماعا من الصحابى الذى أقرأهم، وتركوا ما عداه، وكان هذا منشأ القراءات وظهور الخلاف. وبعد فترة من الزمن مضى جيل الصحابيين، وقام مقامهم جيل التابعين، ثم تفرغ جماعة «للقراءة والإقراء» حتى صاروا أئمة يقتدى بهم وتعتمد رواياتهم فنسبت القراءة إليهم» (١). فلما كان القرن الرابع اشتهر الحافظ أبو بكر البغدادى وهو أول من أفرد القراءات السبعة فى كتاب واختار فيه أشهر سبعة من أئمة القراءة فى عصره. القراءات المتواترة وهي عبارة عن اختلاف الكيفيات في تلاوة اللفظ القرآني المنزل علي سيدنا محمد ﷺ ، ونسبتها إلي قائليها المتصل سندهم برسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم، ولزيادة الإيضاح يجب معرفة المصطلحات الآتية (٢): ١ - القراءة: ويريدون بها الاختيار المنسوب لإمام من الأئمة العشرة بكيفية القراءة للفظ القرآني علي ما تلقاه مشافهة متصلا سنده برسول الله ﷺ ، فيقولون مثلا: قراءة عاصم، قراءة نافع ... وهكذا. ٢ - الرواية: ويريدون بها ما نسب لمن روي عن إمام من الأئمة العشرة من كيفية قراءته للفظ القرآني، وبيان ذلك أن لكل من أئمة القراءة راويين، اختار كل منهما رواية عن ذلك الإمام في إطار قراءاته، قد عرف بها ذلك الراوي

стр. 20

ونسبت إليه فيقال مثلا: رواية حفص عن عاصم، ورواية ورش عن نافع ..... وهكذا. ٣ - الطريق: وهو ما نسب للناقل عن الراوي وإن سفل كما يقولون هذه رواية ورش من طريق الأزرق أركان القراءة الصحيحة لما كان القرآن العظيم إنما يتلقى بالمشافهة فيرويه جيل من أعيان القراء الضابطين عن شيوخهم ويتسلسل السند إلي النبي ﷺ كان أول شرط من شروط صحة القراءة تواتر سندها إلي الرسول ﷺ . ولكي لا يقع القارئ فيما اتفق الصحابة على إطراحه وتركه من الأحرف السبعة ويخرج على إجماعهم فإنهم اشترطوا أيضا موافقة القراءة لخط المصاحف العثمانية ورسمها ولو تقديرا ... فإذا لم يحتملها الرسم اعتبرت القراءة شاذة وإن صح سندها، فلا يقرأ بها القرآن. وبعضهم يزيد شرطا ثالثا هو أن توافق القراءة وجها من العربية. فإذا تأملت هذه الشروط، فاعلم أن كل قراءة تعرض عليها فإن توفرت فيها فهي صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ ، وهي مما تضمنه مصحف عثمان وأجمع عليه الصحابة، فيقرأ بها القرآن بلا خلاف، ولا يجوز إنكارها أوردها. ومن هذا يتبين لك أنه لا تحديد في الأصل لعدد القراءات أو أعيان القراء الذين يقرأ بروايتهم، ولذلك كان كثير من علماء أعيان السلف يقرأ بقراءات تثبت عندهم من غير طريق هؤلاء السبعة المشهورين فابن جرير الطبري ﵀ روى في كتابه واحدا وعشرين قراءة وكذلك فعل أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه (القراءات) واسماعيل بن اسحاق القاضي- صاحب قالون- وغيرهم. يقول مكي بن أبي طالب القيسي في كتابه (الإنابة): «وقد ذكر الناس من

стр. 21

الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة، وأجل قدرا من هؤلاء السبعة» (١). أما القراء السبعة فكان أول من اختارهم واقتصر عليهم في كتابه أبو بكر بن مجاهد في القرن الرابع الهجري ولذلك يوصف بأنه (مسبع السبعة) بقصد التيسير على الأمة وهم: ١ - نافع ويكني (أبا رويم) توفي بالمدينة وروي عنه قالون وورش. ٢ - (عبد الله بن كثير) الداري (إمام أهل مكة) وروي عنه قنبل والبزي. ٣ - (أبو عمرو بن العلاء) ابن عمار التميمي البصري وروي عنه (الدوري) و (السوسي). ٤ - (عبد الله بن عامر) إمام أهل الشام وروي عنه (هشام) و (ابن ذكوان). ٥ - (عاصم بن أبي النجود) تأتي ترجمته مستقلة. ٦ - (حمزة بن حبيب الزيات) وأشهر رواته (خلف) و (خلاد). ٧ - (الكسائي) أمام الكوفة بعد حمزة. (أشهر رواته) أبو الحرث الليث. وزاد بن الجزري في (نشره) و (درته) ثلاثة قراء هم: (أبو جعفر) و (يعقوب) و (خلف). ترجمة الإمام عاصم اسمه: عاصم بن أبي النجود الأسدي، ويقال (ابن بهدلة) مكانته: شيخ الإقراء بالكوفة، وأحد القراء السبعة وكان من التابعين الأجلاء. إسناده: إسناد عاصم في القراءة ليس بينه وبين رسول الله ﷺ سوي رجلين.

стр. 22

فقد قرأ القرآن علي أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁، وقرأ علي زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود ﵁، وكان يتردد عليهما، فيأخذ من هذا قراءة ابن مسعود، ومن ذاك قراءة علي، وهكذا استوثق في القراءة، وجمع فيها بين أقوي المصادر. قال عنه أبو إسحاق السبيعي: ما رأيت أحدا أقرأ للقرآن من عاصم وروي عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه قال: سألت أبي أي القراءة أحب إليك؟ فقال: قراءة أهل المدينة، فإن لم يكن فقراءة عاصم. وقد أثني عليه الأئمة وقدموه في القراءة وجعلوا قراءته في مقدمة القراءات المتواترة، وتلقوا روايته بالقبول. وكان رحمة الله إلي جانب علمه بالقراءة عالما بالسنة، لغويا، نحويا، فقهيا، وكان رجلا صالحا خيرا ثقة. روي عنه القراءة كثيرون عد منهم الذهبي: حفص بن سليمان، وأبا بكر شعبة بن عباس، والمفضل بن محمد الضّبّي، والأعمش، ونعيم بن ميسرة ... وهؤلاء قرءوا عليه القرآن. وفاته: قيل توفي ﵀ سنة سبع وعشرين ومائة هجرية (وفي قول آخر مائة وعشرين من الهجرة) جزاه الله عن الأمة خير الجزاء. ترجمة الإمام حفص هو حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الغاضري (قبيلة من بني أسد) البزاز الكوفي المعروف بحفيص وكنيته «أبو عمر»، ولد سنة ٩٠ هـ وتوفي سنة ١٨٠ هـ. كان ربيب عاصم (ابن زوجته)، وكان أعلم أصحابه بقراءته أخذ القراءة عنه تلقينا. ثناء العلماء عليه: أما في القراءة فيعدونه مقدما على أبي بكر بن عباس (شعبة) وهو الراوي الآخر عن عاصم. فهو أكثر حفظا وإتقانا، ولذلك اشتهرت روايته وتلقاها الأئمة بالقبول.

стр. 23

يقول الحافظ الذهبي: وكان الأولون يعدونه في الحفظ فوق أبي بكر بن عباس ويصفونه بضبط الحروف التي قرأ بها علي عاصم. وقال يحيي بن معين: الرواية الصحيحة التي رويت عن عاصم رواية «حفص بن سليمان» وليس بغريب علي حفص فقد قرأ علي عاصم مرارا. وقد كان ﵀ متخصصا بالقراءة متقنا لها، ولم يكن شأنه كذلك في الحديث ... قال الذهبي في ميزان الاعتدال: كان ثبتا في القراءة، واهيا في الحديث، لأنه كان يتقن القرآن ويجوده، ولا يتقن الحديث، وإلا فهو في نفسه صادق. وشهد له الشاطبي بقوله: ................ «وحفص وبالإتقان كان مفضلا» نزل ﵀ ببغداد فأقرأ بها، وجاور في مكة فأقرأ بها، وكما سبق أن بينا، فقد قرأ القرآن علي إمامه عاصم (زوج أمه)، وقرأ عاصم بالرواية التي أقرأها لحفص على أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁، عن رسول الله ﷺ كما قرأ عاصم بالرواية التي أقرأها لشعبة علي زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود ﵁. وروى عن حفص رواة كثيرون منهم: حسين بن محمد المروزي، وحمزة بن قاسم الأحوال، وسليمان بن داود الزهراني ... وكثيرون غيرهم. غفر الله لهم جميعا.

стр. 24

علم التجويد تعريفه: التجويد لغة: التحسين، يقال جودت الشيء أي حسنته. واصطلاحا: إعطاء كل حرف، ومستحقه. وحق الحرف: صفاته الذاتية اللازمة له والتى يتميز بها عن غيره وذلك نحو: الجهر، والاستعلاء، والإطباق، والإصمات، وغير ذلك من الصفات القائمة بذات الحرف والملازمة له ولا تفارقه. ومستحق الحرف: صفاته العارضة التي تلازمه حينا وتفارقه حينا آخر كالإظهار، والإدغام، والإقلاب، والإخفاء والترقيق والتفخيم في «اللام والراء». وحقيقة الأمر أن للحرف حالتين: ١ - حالة كونه منفردا. ٢ - وحالة مجاورته لما قبله أو ما بعده من الحروف. ففي حالة كونه منفردا يلزم تحديد مخرجه وتحقيق الصفات اللازمة له والتي لا تقوم ذات الحرف إلا بها. وفي حالة مجاورته لغيره من الحروف تنشأ أحكام الإظهار والإدغام والمدود والترقيق والتفخيم إلي غير ذلك. طريقة الأخذ به: «المشافهة والتلقي من العالمين به والمتخصصين فيه». موضوعه: القرآن الكريم «وقيل الكلمات القرآنية والحديث». غايته: صون اللسان عن الخطأ في كتاب الله تعالى. فضله: من أجلّ وأعظم العلوم منزلة لتعلقه بكلام الله . واضعه:* قيل: هو من عند الله لأنه صفة لكلامه الذي نزل به جبريل علي الرسول ﷺ .

стр. 25

* وقيل: رسول الله ﷺ لأنه تلقاه مجودا وتلقته الصحابة منه ﷺ وتلقاه جيل بعد جيل إلى أن وصلنا. * أما أول من أرسى لهذا العلم قواعده: فقد تضاربت الأقوال حوله فقيل هو: أبو الأسود الدؤليّ، وقيل: الخليل بن أحمد الفراهيدي، وقيل: أبو القاسم عبيد بن سلام. حكمه: تعلمه «فرض كفاية» (أي إذا تعلمه البعض سقط عن الباقين) ولكن العمل به (أي تطبيق أحكامه لمن يقرأ القرآن) «فرض عين» بمعني أنه إذا قام المسلم بتجويد القرآن مشافهة بالتلقي فأداه سليما دون أن يعرف أحكام التجويد ذاتها فلا بأس عليه في ذلك. استمداده: من القرآن، ومن السنة، ومن الإجماع. ١ - فمن القرآن: قوله تعالي: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ٤] وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: ٢٩، ٣٠]، وقوله تعالى: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: ٢٨]. وفي ذلك يقول الإمام ابن الجزري: والأخذ بالتجويد حتم لازم ... من لم يجود القرآن آثم لأنه به الإله أنزلا ... وهكذا منه إلينا وصلا وهو إعطاء الحروف حقها ... من صفة لها ومستحقها مكملا من غير ما تكلف ... باللطف في النطق بلا تعسف ٢ - ومن السنة: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل» وقال المصطفى ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وقد سبق أن سقنا العديد من الأحاديث النبوية الواردة بهذا الشأن التي تحث

стр. 26

علي تعلم القرآن وإجادة قراءته وتلاوته حق تلاوة. ومن السنة أيضا ما جاء عن ابن مسعود (أنه كان يقرئ رجلا فقرأ الرجل: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ... مرسلة (دون أن يمد الفقراء) فقال ابن مسعود ما هكذا أقرأنيها النبي ﷺ فقال: وكيف أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ فقال (للفقراء ... ) ومدها. فقد أنكر ابن مسعود على الرجل أنه قرأ (للفقراء) من غير مد رغم المد وترك المد (أى القصر) لن يؤثر علي دلالة الكلمة إلا أن إنكار ابن مسعود عدم المدّ دلّ علي أن القراءة بغير قراءة النبي ﷺ أمر مستنكر غير مرخص به. ٣ - الإجماع: يقول الشيخ محمد مكي نصر: أما إجماع الأمة فقد اجتمعت الأمة المعصومة من الخطأ على «وجوب التجويد» من زمن النبي ﷺ إلي زماننا، ولم يختلف في ذلك أحد منهم. وللتجويد جانبان: جانب «نظري» يشمل تلك القواعد التي دونت في الكتب كأنواع المدود وأزمنتها وحروف كل من الإظهار والإقلاب والإخفاء وغير ذلك من الأحكام والمعلومات التي يمكن أن ندونها أو نأخذها من بطون الكتب. والجانب الآخر وهو الجانب «العملى» أو «التطبيقى» الذي لا يمكن أن يتقنه المتلقي ويضبطه إلا بالمشافهة والتلقي من شيخ متقن مشهود له. ومما نضرب به المثل للجانب العملى أو التطبيقى: الروم، والإشمام، والتسهيل، والإخفاء الشفوي، والغنة. ولذا قيل: من يأخذ العلم عن شيخ مشافهة ... يكن عن الزّيغ والتّصحيف في حرم ومن يكن آخذا للعلم من صحف ... فعلمه عند أهل العلم كالعدم اللحن تعريفه: لغة: الانحراف والميل. وهو نوعان: ١ - لحن جلي. ٢ - لحن خفي.

стр. 27

(١) اللحن الجلي: لغة: الخطأ الظاهر الواضح واصطلاحا: هو خطأ يطرأ علي اللفظ فيخل بعرف القراءة ومبني الكلمة سواء ترتب علي ذلك إخلال بالمعني أو لم يترتب. تسميته: سمى جليا لاشتراك كل من القراء وأهل اللغة في معرفته. مكانه: يكون في: الحروف، والكلمات، والحركات، والسكنات أمثلته: أولا: في الحروف ويكون ذلك كما يلي: ١ - بإبدال حرف بحرف آخر كإبدال السين بالزاي في كلمة مسجد (مزجد) ٢ - ويكون بزيادة حرف أو إنقاصه، كزيادة واو في بداية الآية في غير موضعها أو انقاصها من موضعها مثل إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ بدلا من (وإنك ... ) أو حذف حرف من مبني الكلمة كحذف الألف من (لا) في قوله تعالي لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ فتصبح (لأقسم .... ) أو زيادة ألف في نحو عَمَّ يَتَساءَلُونَ فتصبح (عما يتساءلون). ثانيا: يكون بالكلمات: ١ - بإبدال كلمة مكان كلمة نحو وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* فتصبح (والله عزيز حكيم). ٢ - زيادة كلمة علي الآية نحو وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ [آل عمران: ١٦٧] فتصبح (والله أعلم بما كانوا يكتمون). ٣ - إنقاص كلمة نحو إنقاص كلمة (مؤمنة) من قوله تعالى: أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أو نحو لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ* بدلا من وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ*.

стр. 28

٤ - تقديم ما يستحق التأخير أو العكس وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ* بدلا من وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ثالثا: ويكون بالحركات والسكنات ١ - إبدال الضمة بالكسرة من كلمة (رسوله) في قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ إذ يترتب علي إبدال ضم اللام بكسرها معني بشعا لا يليق. ٢ - إبدال الفتحة من أَنْعَمْتَ* من سورة الفاتحة بالضمة أو الكسرة. ويقاس علي ذلك كل خطأ يخل بالإعراب وبالتالي يخل بالمعنى. فهذا ومثله يعد من اللحن الجلي فإن كان في الفاتحة فهو يبطل الصلاة بلا خلاف. فإن لم يخلّ فلا يبطل ولكن صاحبه يأثم أما في غير الفاتحة فلا يأثم صاحبه إلا إذا كان متعمدا فيحرم بالإجماع. (٢) اللحن الخفي ومعناه لغة: الخطأ المستتر غير الظاهر. ومعناه اصطلاحا: الخطأ المتعلق بعرف القراءة (أي أحكام التجويد ولا يدركه إلا علماء التجويد دون عامة الناس). تسميته: سمي خفيا لاختصاص علماء القراءة بمعرفته دون غيرهم. وهو في خفائه ينقسم إلي نوعين: ١) نوع يدركه (عامة القراء) ولا يدركه عامة الناس. كترك حكم من أحكام التلاوة كالإدغام والإخفاء والإظهار والمد والغنة وخلافه. ٢) نوع لا يدركه إلا المهرة المتقنون الضابطون المجودون الذين أخذوا من أفواه الأئمة نحو تكرير الراءات، وتغليظ اللامات والتهاون في ضبط المدود إلى غير ذلك مما سيأتي ذكره في مواضعه بإذن الله تعالى. وهذا النوع من اللحن الخفي وإن كان غير مخل بالمعنى ولا مقصر باللفظ إلا أنه- كما يقول ابن الجزري (١):

стр. 29

خلل يدخل على اللفظ فيؤدي إلى فساد رونقه ويذهب بحسنه وطلاوته من حيث يجري في اللسان مجرى «الرتّة» أي (العجمة) أو اللّثغة. يقول ابن الجزري في النشر: (ولا شك أن هذه الأمة كما هم متعبدون بتفهم معاني القرآن، وإقامة حدوده، متعبدون بتصحيح ألفاظه، وإقامة حروفه على الصيغة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتها ولا العدول عنها إلى غيرها). وقد بين في كتابه (التمهيد) ما يستفاد من تهذيب الألفاظ وتقويم اللسان بالبعد عن اللحن فقال: «اعلم أن المستفاد بذلك حصول التدبر لمعاني كتاب الله، والتفكر في غوامضه، والتبحر في مقاصده، وتحقيق مراده .... وذلك أن الألفاظ إذا أجليت على الأسماع في أحسن معارضها وأجلى جهات النطق بها، حسبما حث عليه رسول الله ﷺ بقوله: «زينوا القرآن بأصواتكم» كان تلقي القلوب، وإقبال النفوس عليها بمقتضى زيادتها في الحلاوة، والحسن على ما لم يبلغ ذلك المبلغ منها» (١). حكمه: النوع الأول: وهو ترك شيء من أساسيات قواعد التجويد كالإظهار والإدغام وغيرهما حكمه التحريم على الأرجح لأنه قد انتفت معه صحة القراءة. النوع الثاني: ويختص بكمال إتقان النطق لا بتصحيحه، وضبط مقادير المدود ووزنها بأدق الموازين، ومراعاة المعاني الخفية في الوقوف، مما لا يدركه إلا أهل الفن الحذاق المهرة فهو أخف حكما ويعتبر في عرف المجودين مخلا بالإتقان وحكمه الكراهة إلا إذا تعمده القارئ. وقد صنف العلماء الناس الذين يقرءون كتاب الله ثلاثة أصناف: الأول: قارئ محسن مأجور: وهو الذي أتقن فنّ التجويد بغير لحن جلي ولا خفي فهذا هو الماهر بالقرآن الذي وعده رسول الله ﷺ بأنه مع السفرة الكرام البررة.

стр. 30

الثاني: قارئ مسيء آثم: وهو القادر على دراسة علم التجويد والإلمام بقواعده وتطبيق تلك القواعد عمليا في قراءته. وقد يملك كل ما يعينه على ذلك من سلامة جهاز النطق وخلوه من العيوب والعاهات الخلقية ولكنه رغم ذلك متهاون متواكل متكاسل يتّكل على ما ألف من حفظه مستعينا بنفسه مستبدا برأيه مستكبرا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه. الثالث: قارئ مسيء معذور: ومنه مثلا من كان في مكان لا يوجد به عالم بالتجويد ولا معلم كالمغترب النائي ببلد يندر فيها أن يجد من يعلمه (وإن كانت الدول الأجنبية تعج الآن بالعديد من المراكز الإسلامية ودور التحفيظ لشتى طوائف المسلمين) أو أن يكون القارئ بلسانه عوج أو عيب خلقي يحول بينه وبين النطق السليم وإخراج الحروف من مخارجها الصحيحة. فهذا قارئ معذور غير آثم لأنه رغم ذلك العيب يدرس ويجاهد لتصويب قراءته فهو في ذلك ليس معذورا فحسب بل هو أيضا مأجور ضعف أجر القارئ المعافى في نطقه ومخارج حروفه. لقول رسول الله ﷺ «والذي يقرأ القرآن وهو يتعتع فيه، وهو عليه شاق له أجران». مراتب التلاوة للقراءة ثلاث مراتب هي: ١) التحقيق ٢) الحدر ٣) التدوير ١) التحقيق: وهو المبالغة المحمودة في الإتيان بالشيء على وجهه الصحيح من غير زيادة ولا نقصان والمراد به القراءة باطمئنان وتؤدة مع إعطاء الحروف حقها ومستحقها مع تدبر المعاني (باختصار هو البطء والترسل في التلاوة مع مراعاة أحكام التجويد من غير إفراط) (١). ٢) الحدر: هو الإسراع في القراءة مع مراعاة الأحكام والحذر من الخطأ أو الإخلال بنطق الحروف.

стр. 31

٣) التدوير: هو مرتبة وسطى بين التحقيق والحدر، وهذا هو المختار عند أهل الأداء. وهذه المراتب كلها جائزة، وأشار إليها صاحب كتاب (لآلئ البيان) بقوله: ٤. حدر وتدوير وترتيل ترى ... جميعها مراتبا لمن قرا وقد لاحظت اختلافا في تصنيف بعض الكتب لمراتب القراءة فقد صنفت بعضها (الترتيل) على أنه مرتبة من مراتب القراءة. وبعضها أشار إلى مرتبة التحقيق كمرتبة رابعة تصلح للتعليم وبعضها أغفلها اكتفاء بالترتيل في مرتبة الأداء البطيء والظاهر أن ما أثبتناه من تقسيم المراتب إلى (تحقيق وحدر وتدوير) هو الأقرب للصواب وقد أعجبني من أقوال من دللوا على صحة ذلك قول الشيخ محمد بن شحادة الغول حين قال (١): «والترتيل يعمّها كلها (أي يعم المراتب الثلاث) إذ لو كان الترتيل مرتبة مستقلة لكان التدوير والحدر ليسا ترتيلا، عند ذلك لا يكونان مما أمرنا الله به في قوله وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا وعليه تكون القراءة بهما غير جائزة أما وأن المراتب الثلاثة نقلت عن الرسول ﷺ فإنه ولا بدّ أن يشملها الترتيل فتكون كلها ترتيلا».

стр. 32

أحكام الاستعاذة والبسملة أولا: الاستعاذة قال تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) [النحل: ٩٨] حكم ذكرها قبل القراءة: ذهب جمهور من العلماء وأهل العلم إلى أن الأمر بالاستعاذة في الآية الكريمة على سبيل الندب، وذهب بعضهم إلى أنه على سبيل الوجوب (١) واحتجوا بأن الأصل في الأمر الوجوب ما لم توجد قرينة فى الآية. وأيا ما كان الأمر واجبا أو مندوبا فلا شك أن الإتيان بها قبل القراءة لا بدّ وأنه عائد بالخير والبركة على قائلها فعند ما تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فهناك مستعاذ به وهو الله ﵎، ومستعاذ منه وهو الشيطان .. والشيطان من خلق الله وأنت من خلق الله، فمن الممكن أن ينفرد خلق الله بخلق الله ويسود القوى بقوته أما إذا التحم أحدهما بخالقه فالثانى لا يقدر عليه، بالإضافة إلى أن الحق ﵎ يريدك حين تقرأ القرآن أن تصفى جهاز استقبالك تصفية تضمن حسن استقبالك للقرآن .. بأن تبعد عنك نزغ الشيطان .. حينئذ تستقبل القرآن بصفاء .. وتأخذ منه كل عطاء. فإذا استعذت بالله من الشيطان الرجيم تكون فى جانب الله فلا يأتيك الشيطان أبدا (٢). صيغتها: المختار والمشهور عند جميع القراء: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وهى أكثر الصيغ التزاما بما يكاد يطابق

стр. 33

الأمر الوارد بالآية ويتفق مع الكلمات. غير أن هناك العديد من الصيغ التي فيها زيادة أو نقص عن تلك الصيغة المشهورة نحو: ١ - أعوذ بالله من الشيطان. ٢ - أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (وفى رواية زيادة «من همزه ونفثه ونفخه»). ٣ - أعوذ بالله العظيم السميع العليم من الشيطان الرجيم. معنى الاستعاذة: أعتصم بالله وألجأ إليه وأحتمى به من الشيطان الرجيم. محل الاستعاذة: قبل القراءة لقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) أى إذا أردت قراءة القرآن. وهو من أساليب العرب تقول: إذا ذهبت إلى فلان فاحمل معك كذا، أى «إذا أردت الذهاب ... ». ولا خلاف بين العلماء فى أن الاستعاذة ليست من القرآن الكريم، كما أنه لا خلاف أيضا بينهم على أنها مطلوبة ممن أراد القراءة، ولكنهم اختلفوا فيما إذا كانت مطلوبة على سبيل الاستحباب والندب فلا يأثم تاركها، أم على سبيل الوجوب فيأثم تاركها. مواضع الجهر بالاستعاذة: لا خلاف بين أهل الأداء (ومنهم حفص) فى الجهر بها فى موضعين هما: ١ - عند افتتاح القراءة جهرا بحضور من يسمع. ٢ - إذا كانت القراءة بالدور وكان القارئ هو المبتدئ بالقراءة. ويعلل أبو شامة ﵀ سبب الجهر بالتعوذ فيقول: ولأن الجهر به هو إظهار لشعار القراءة كالجهر بالتلبية، وتكبيرات العيد، ومن فوائده (أى من فوائد الجهر بالتعوذ) أن السامع له (أى للتعوذ) ينصت للقراءة من أولها لا يفوته منها شىء. وهذا المعنى هو الفارق بين القراءة خارج الصلاة وفى

стр. 34

الصلاة، فإن المختار فى الصلاة الإخفاء لأن المأموم منصت من أول تكبيرة الإحرام. (١) ويفهم من هذا أن المختار هو الإسرار بالتعوذ فى الصلاة. قال النووى: «وكان ابن عمر- ﵁ يسرّ، وهو الأصح عند جمهور أصحابنا وهو المختار» (٢). مواضع الإسرار بالاستعاذة فى غير الصلاة: يقول ابن الجزرى فى النشر: ومن المواضع التى يستحب فيها الإخفاء: ١) إذا قرأ القارئ سرا. ٢) إذا قرأ خاليا سواء قرأ جهرا أو سرا. ٣) إذا اقرأ فى الدور ولم يكن فى قراءته مبتدئا يسرّ بالتعوذ لتتصل القراءة ولا يتخللها أجنبى (٣)، فإن المعنى الذى من أجله استحبّ الجهر وهو الإنصات فقد فى هذه المواضع (٤). ما يجب على القارئ إذا قطع قراءته وعاد إليها: إذا عرض للقارئ أمر طارئ أو ضرورىّ كالعطاس، أو السعال، أو التثاؤب أو كلام له صلة بالقراءة لا يعيد الاستعاذة. وإن كان أجنبيا كأكل، أو شرب، أو رد سلام أو ما شابه ذلك فعليه أن يعيد الاستعاذة وكذلك يعيدها لو قطع القراءة بنية الانتهاء منها ثم عاد إليها ولو بعد قليل من الوقت. حكم الاستعاذة حال اقترانها بالقراءة إذا اقترنت الاستعاذة بأول السورة فينبغى على القارئ حينئذ أن يأتى بعد الاستعاذة بالبسملة ثم يبتدئ بأول السورة، ويجوز له فى تلك الحالة (مع كل

стр. 35

السور باستثناء سورة براءة) أن يتصرف فى كيفية الإتيان بهذه الثلاثة على أربعة أوجه: الوجه الأول: قطع الجميع: أى الوقوف على الاستعاذة ثم البسملة ثم الابتداء بأول السورة نحو: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) قطع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* قطع عَمَّ يَتَساءَلُونَ الوجه الثانى: قطع الأول عن الثانى، ووصل الثانى بالثالث: نحو (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) قطع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ الوجه الثالث: وصل الأول بالثانى وقطع الثالث: نحو (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرّحمن الرّحيم) قطع عَمَّ يَتَساءَلُونَ الوجه الرابع: وصل الجميع: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرّحمن الرّحيم عمّ يتساءلون ... ) ويبين الجدول التالى رسما توضيحيا لهذه الأحكام:

стр. 36

أوجه اقتران الاستعاذة والبسملة بأول السورة هناك أربعة أوجه: ١) قطع الجميع: [تصوير] ٢) قطع الأول ووصل الثانى بالثالث: [تصوير] ٣) وصل الأول بالثانى وقطع الثالث: [تصوير] ٤) وصل الجميع: [تصوير] حكم الابتداء بأول سورة براءة إذا كان القارئ مبتدئا قراءته بأول سورة براءة (التوبة) فيحرم أن يأتى بالبسملة، وحينئذ عليه أن يأتى بالاستعاذة وأول السورة وله فى ذلك وجهان فقط: ١) وصل الاستعاذة بأول السورة: [تصوير] ٢) قطع الاستعاذة عن أول السورة:

стр. 37

[تصوير] حكم الابتداء من خلال سورة براءة - إذا كان القارئ يقرأ من سورة براءة مبتدئا بغير أولها فقد اختلف العلماء فى حكمهم على كيفية الابتداء وانقسموا إلى فريقين: الفريق الأول يرى: منع الإتيان بالبسملة أثناء السورة كما منعت في أولها ويكون للقارئ حينئذ وجهان فقط: ١ - الوقف على الاستعاذة. ٢ - وصل الاستعاذة بالآية التي يبتدئ بها. الفريق الثانى يرى: جواز الإتيان بالبسملة بعد الاستعاذة، ويكون للقارئ حينئذ الوجوه الأربعة التى سبق ذكرها فى حكم الاستعاذة والبسملة فى أوائل السور. اقتران الاستعاذة بغير أوائل السور: إذا ابتدأ القارئ بغير أول السورة (عدا سورة براءة) فله أن يأتى بالبسملة بعد الاستعاذة وله أن يتركها. فإن أتى بالبسملة فله فى ذلك الوجوه الأربعة التى سبق ذكرها (فى حكم الاستعاذة والبسملة فى أوائل السور)، وإن لم يأت القارئ بالبسملة فله حينئذ وجهان فقط: (١) قطع الاستعاذة عن الآية المبتدأ بها من غير أول السورة. [تصوير] ٢) وصل الاستعاذة بالآية المبتدأ بها من غير أول السورة: [تصوير]

стр. 38

ووجه القطع أولى إذا كان أول الآية المقروءة بعد الاستعاذة لفظ الجلالة نحو اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ* أو ما فى معناه نحو إِلهِ النَّاسِ أو مَلِكِ النَّاسِ ونحو قالَ يا مُوسى ..... * فالقائل هو الله . أو نحو وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ .. أو الرَّحْمنِ ... *، فينتج عن الوصل معنى غاية فى السوء يوهم أن ما جاء بعد (الشيطان الرجيم) صفة للشيطان وأن الضمير فى مثل قالَ ... * يعود إليه. لذا كان القطع أولى ويستحب حينئذ الإتيان بالبسملة أو الامتناع عن البدء بمثل تلك الآيات. ويمتنع الوصل أيضا إذا كان المقروء بعد الاستعاذة اسم رسول الله ﷺ كما في قوله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ... الآية.

стр. 39

ثانيا: البسملة هى ذكر اسم الله تعالى عند بدء القراءة. صيغتها: ليس لها سوى صيغة واحدة هي: (بسم الله الرحمن الرحيم). والبسملة اختصار لقولنا (بسم الله الرحمن الرحيم) كما نقول (حمدل) إذا قال قائل الْحَمْدُ لِلَّهِ*، وحوقل إذا قال (لا حول ولا قوة إلا بالله). معناها: أبتدئ ببركة اسم الله الرحمن الرحيم، وفى ذلك استبراء مما كان يفعله المشركون من ابتدائهم أفعالهم باسم اللات والعزى وغيرهما من آلهتهم وأصنامهم. قال رسول الله ﷺ : «كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع» (١). «ومعنى أقطع أى مقطوع الذنب أو الذيل .. أى عمل ناقص فيه شىء ضائع .. لأنك حين لا تبدأ العمل ببسم الله قد يصادفك الغرور والطغيان بأنك أنت الذى سخرت ما فى الكون ليخدمك .. وحين لا تبدأ العمل ببسم الله .. فليس لك عليه جزاء فى الآخرة فتكون قد أخذت عطاءه فى الدنيا وبترت أو قطعت عطاءه فى الآخرة .. فإن كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة فأقبل على كل عمل بسم الله .. » (٢). حكمها: أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله تعالى: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم). ثم اختلفوا بعد ذلك

стр. 40

فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة، ومن كل سورة ... إلخ. ويرى البعض «ومنهم ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن خبير والشافعى وأحمد فى أحد قوليه» أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة لأن السلف أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا «آمين»، فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة. ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور وقالوا إنها آية فذة (١) من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها. ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة، أو من الفاتحة فقط (٢). (إضافة): وقد انبنى على ذلك خلاف بين العلماء أيضا في وجوب قراءتها في الصلاة وفي وجوب الجهر أو الإسرار بها. وتحقيق القول في ذلك مرجعه إلي كتب الفقه، وإلى كتب التفاسير التي عنيت بتفسير آيات الأحكام. لماذا لم تذكر البسملة عند بدء سورة براءة (التوبة) ؟ ذكر القرطبى فى تفسيره أقوالا خمسة فى سبب سقوط البسملة من أول سورة التوبة، وبعد أن فند تلك الأقوال الخمسة داحضا ما جاء بها من حجج أعلن عن رأيه الذى يراه هو فقال: «والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل- ﵇ ما نزل بها فى هذه السورة (٣).
следующие страницы →