أوجه اقتران الاستعاذة والبسملة بأول السورة
هناك أربعة أوجه: ١) قطع الجميع:
[تصوير]
٢) قطع الأول ووصل الثانى بالثالث:
[تصوير]
٣) وصل الأول بالثانى وقطع الثالث:
[تصوير]
٤) وصل الجميع:
[تصوير]
حكم الابتداء بأول سورة براءة
إذا كان القارئ مبتدئا قراءته بأول سورة براءة (التوبة) فيحرم أن يأتى بالبسملة، وحينئذ عليه أن يأتى بالاستعاذة وأول السورة وله فى ذلك وجهان فقط:
١) وصل الاستعاذة بأول السورة:
[تصوير]
٢) قطع الاستعاذة عن أول السورة:
стр. 37
[تصوير]
حكم الابتداء من خلال سورة براءة
- إذا كان القارئ يقرأ من سورة براءة مبتدئا بغير أولها فقد اختلف العلماء فى حكمهم على كيفية الابتداء وانقسموا إلى فريقين:
الفريق الأول يرى: منع الإتيان بالبسملة أثناء السورة كما منعت في أولها ويكون للقارئ حينئذ وجهان فقط:
١ - الوقف على الاستعاذة.
٢ - وصل الاستعاذة بالآية التي يبتدئ بها.
الفريق الثانى يرى: جواز الإتيان بالبسملة بعد الاستعاذة، ويكون للقارئ حينئذ الوجوه الأربعة التى سبق ذكرها فى حكم الاستعاذة والبسملة فى أوائل السور.
اقتران الاستعاذة بغير أوائل السور:
إذا ابتدأ القارئ بغير أول السورة (عدا سورة براءة) فله أن يأتى بالبسملة بعد الاستعاذة وله أن يتركها. فإن أتى بالبسملة فله فى ذلك الوجوه الأربعة التى سبق ذكرها (فى حكم الاستعاذة والبسملة فى أوائل السور)، وإن لم يأت القارئ بالبسملة فله حينئذ وجهان فقط:
(١) قطع الاستعاذة عن الآية المبتدأ بها من غير أول السورة.
[تصوير]
٢) وصل الاستعاذة بالآية المبتدأ بها من غير أول السورة:
[تصوير]
стр. 38
ووجه القطع أولى إذا كان أول الآية المقروءة بعد الاستعاذة لفظ الجلالة نحو اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ* أو ما فى معناه نحو إِلهِ النَّاسِ أو مَلِكِ النَّاسِ ونحو قالَ يا مُوسى ..... * فالقائل هو الله . أو نحو وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ .. أو الرَّحْمنِ ... *، فينتج عن الوصل معنى غاية فى السوء يوهم أن ما جاء بعد (الشيطان الرجيم) صفة للشيطان وأن الضمير فى مثل قالَ ... * يعود إليه. لذا كان القطع أولى ويستحب حينئذ الإتيان بالبسملة أو الامتناع عن البدء بمثل تلك الآيات.
ويمتنع الوصل أيضا إذا كان المقروء بعد الاستعاذة اسم رسول الله ﷺ كما في قوله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ... الآية.
стр. 39
ثانيا: البسملة
هى ذكر اسم الله تعالى عند بدء القراءة.
صيغتها: ليس لها سوى صيغة واحدة هي: (بسم الله الرحمن الرحيم).
والبسملة اختصار لقولنا (بسم الله الرحمن الرحيم) كما نقول (حمدل) إذا قال قائل الْحَمْدُ لِلَّهِ*، وحوقل إذا قال (لا حول ولا قوة إلا بالله).
معناها: أبتدئ ببركة اسم الله الرحمن الرحيم، وفى ذلك استبراء مما كان يفعله المشركون من ابتدائهم أفعالهم باسم اللات والعزى وغيرهما من آلهتهم وأصنامهم.
قال رسول الله ﷺ : «كل أمر ذى بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع» (١).
«ومعنى أقطع أى مقطوع الذنب أو الذيل .. أى عمل ناقص فيه شىء ضائع .. لأنك حين لا تبدأ العمل ببسم الله قد يصادفك الغرور والطغيان بأنك أنت الذى سخرت ما فى الكون ليخدمك .. وحين لا تبدأ العمل ببسم الله ..
فليس لك عليه جزاء فى الآخرة فتكون قد أخذت عطاءه فى الدنيا وبترت أو قطعت عطاءه فى الآخرة .. فإن كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة فأقبل على كل عمل بسم الله .. » (٢).
حكمها: أجمع العلماء على أن البسملة جزء آية من سورة النمل فى قوله تعالى: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم). ثم اختلفوا بعد ذلك
стр. 40
فى كونها آية مستقلة أنزلت للفصل بين السور مرة واحدة، أو هى آية من سورة الفاتحة، ومن كل سورة ... إلخ.
ويرى البعض «ومنهم ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن خبير والشافعى وأحمد فى أحد قوليه» أن البسملة آية من الفاتحة ومن كل سورة لأن السلف أثبتوها فى المصحف مع الأمر بتجريد القرآن مما ليس منه، ولذا لم يكتبوا «آمين»، فثبت بهذا أن البسملة جزء من الفاتحة ومن كل سورة.
ويرى آخرون أن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور وقالوا إنها آية فذة (١) من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها. ومن حججهم أنها لو كانت آية من الفاتحة ومن كل سورة لما اختلف الناس فى ذلك، ولما اضطربت أقوالهم فى كونها آية من كل سورة، أو من الفاتحة فقط (٢).
(إضافة): وقد انبنى على ذلك خلاف بين العلماء أيضا في وجوب قراءتها في الصلاة وفي وجوب الجهر أو الإسرار بها. وتحقيق القول في ذلك مرجعه إلي كتب الفقه، وإلى كتب التفاسير التي عنيت بتفسير آيات الأحكام.
لماذا لم تذكر البسملة عند بدء سورة براءة (التوبة) ؟
ذكر القرطبى فى تفسيره أقوالا خمسة فى سبب سقوط البسملة من أول سورة التوبة، وبعد أن فند تلك الأقوال الخمسة داحضا ما جاء بها من حجج أعلن عن رأيه الذى يراه هو فقال: «والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل- ﵇ ما نزل بها فى هذه السورة (٣).
стр. 41
وكما سبق أن بينا أنه لا يجوز ولا يصح وصل الاستعاذة بآية تبدأ بلفظ الجلالة أو ما فى معناه أو اسم الرسول ﷺ فإنه لا يصح كذلك وصل البسملة بما بعدها إذا كان وصلها يتوهم منه معنى فاسدا لا يستسيغه المؤمن نحو:
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» * فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ...
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» * الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» * وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» * إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
حكم البسملة مع القراءة
أولا: عند الافتتاح بأول السورة:
إذا أراد القارئ أن يفتتح قراءته بأول سورة من السور (سوى سورة براءة) يستحب له أن يأتى أولا بالاستعاذة، ثم البسملة، ثم يبدأ القراءة، وحينئذ يجوز له أن يأتى بوجه من الوجوه الأربعة التى سبق ذكرها فيما يختص بأحكام الاستعاذة إذا اقترنت بالبسملة، بأول السورة.
ثانيا: عند القراءة من غير أول السورة:
للقارئ أن يأتى بالبسملة بعد الاستعاذة وله إن شاء أن يتركها ويكتفى بالاستعاذة. فإن أتى بالبسملة جازت له الأوجه الأربعة المذكورة عند اقتران الاستعاذة والبسملة بأول السورة وإن تركها جاز له وجهان:
١) الوقوف على الاستعاذة. ٢) وصلها بالآية من السورة.
ثالثا: عند وصل آخر السورة بأول سورة أخرى:
هناك أربعة وجوه: ثلاثة منها جائزة والرابع غير جائز.
стр. 42
الأوجه الجائزة
الوجه الأول: قطع الجميع [تصوير]
الوجه الثانى: قطع آخر السورة، ووصل البسملة بأول السورة الأخرى [تصوير]
الوجه الثالث: وصل الجميع [تصوير]
(الوجه غير الجائز)
هو الوجه الرابع: وهو وصل آخر السورة بالبسملة، وقطع البسملة عن أول السورة الأخرى.
[تصوير]
ويرجع عدم جواز هذا الوجه إلى أن البسملة للابتداء بأول السورة وليست للانتهاء منها، وهذا الوجه الرابع غير جائز لأنه يوهم أنها للانتهاء من آخر السورة.
الوجوه الجائزة عند الانتهاء من «الأنفال» والانتقال إلى «براءة» (١) ١ - الوقوف على نهاية الأنفال مع التنفس ثم الابتداء ببراءة دون بسملة [تصوير]
стр. 43
٢ - الوقوف على نهاية الأنفال بسكتة بدون تنفس مقدارها حركتان والابتداء ببراءة:
[تصوير]
٣ - وصل آخر الأنفال بأول براءة من غير توقف ولا سكوت:
[تصوير]
وهذه الأوجه الثلاثة تجوز فيما لو وصلنا نهاية إحدى السور «السابقة فى ترتيبها فى المصحف على سورة الأنفال» بأول سورة براءة. أما لو وصلنا نهاية سورة براءة بأولها، أو وصلنا نهاية أية سورة (ترتيبها فى المصحف بعد براءة) بأول براءة فليس لنا إلا وجه واحد فقط وهو الوقوف على نهاية السورة والابتداء من أول براءة من غير بسملة، والله أعلم.
стр. 44
مخارج الحروف
لمعرفة مخارج الحروف وصفاتها أهمية قصوى بالنسبة لكل من أراد أن يقرأ القرآن. بل لا أكاد أكون مبالغة إذا قلت أنها تعد من أهم المعارف وأشدها ضرورة لكل متعلم وطالب لعلم التجويد ولكل متحدث أو قارئ للغة العربية. فالحروف هي مفردات الكلمة؛ والكلمات هي مفردات اللغة أو الكلام. وبغير اللغة العربية لا يمكننا قراءة كتاب الله ومطالعته ناهيك عن فهم معانيه دون الاستعانة بمساعدة مترجم أو من يحل محله. ولا تكون قراءتنا صحيحة إلا إذا كانت على الوجه التي قرئ به القرآن بين يدي رسول الله ﷺ ولكي نجاهد من أجل الوصول بأنفسنا إلى تلك الدرجة العالية من صحة التلاوة لا بدّ أن نتوخى تدريب ألسنتنا مرارا وتكرارا على تصحيح ما طرأ على مخارج حروفنا وصفات تلك الحروف من تحريف خلال الأربعة عشر قرنا التي تفصل بين زماننا وزمن رسول الله ﷺ حيث كان القرآن يقرأ غضا نديا من أفواه أسلافنا العرب. ولسنا بسبيل مناقشة الأسباب والعوامل التي أدت بنا إلى تلك التغيرات، ولكني أردت بتلك المقدمة أن ألفت نظر الدارسين لعلم التجويد إلى أن الركن الركين لتحقيق قراءة نموذجية سليمة خالية من العيوب اللفظية يبدأ بالدرجة الأولي بتعلم مفردات الحروف حرفا حرفا حتى نتبين من أين يخرج ذلك الحرف الذي تعودنا أن نخرجه بالفطرة والسليقة من المكان الذي نظن أو نعتقد أنه المخرج الصحيح له، وقد لا يكون كذلك. وقد لا يقتصر الأمر على عدم درايتنا بمكان خروج ذلك الحرف، بل يتعداه إلى عدم درايتنا كذلك بالكيفية التي يجب أن نخرجه بها من مخرجه الحقيقي لكي يصل إلى السامع سليما معافي خاليا من العيوب.
وإذا كانت سلامة النطق ووضوح الكلام ضرورة اجتماعية لكل إنسان ناجح في مجتمعه فهي بالدرجة الأولي واجب ديني على كل مسلم وعلي كل قارئ
стр. 45
للقرآن متّعه الله بجهاز نطق سليم مستكمل الأعضاء ليس به عيب خلقي خارج عن إرادته. فعلي كل مسلم قارئ لكتاب الله تعالي أن يجاهد لتحقيق غاية ما يستطيع من أجل إخراج كل حرف من حروفه من مخرجه السليم الصحيح متلبسا بكل صفاته اللازمة له. فإن لم يكن قادرا على ذلك فأضعف الإيمان أن يحاول من أجل الوصول إلى ذلك بكثرة المحاولات مع الرغبة الصادقة، والتدريب المستمر، والإرادة القوية، ولا بدّ بمشيئة الله تعالى أن ينجح في النهاية في الوصول إلى بغيته أو الاقتراب منها على الأقل وليعلم أنه فى كل تلك المحاولات مأجور مثاب على ذلك. ولكي يصل إلى تحقيق ذلك عليه أن يتعرف أولا على جهاز النطق البشرى [تصوير]
стр. 46
[تصوير] ليرى كيف يعمل لكي تخرج منه تلك الأصوات والحروف التي تتكون منها الكلمات ويتعرف على شكله وأعضاء النطق المختلفة به، وكيفية إنتاج الحرف ومحل إنتاجه. مثله في ذلك مثل من يفكر في إنتاج سلعة فيقوم بتفقد المصنع المنتج لها والتعرف على الآلات الموجودة بداخله، وطريقة صنع المنتج، وكيفية خروجه من الآلة الخاصة إلى حيز الوجود منتجا عالي الجودة، خاليا من العيوب والتشوهات مع التثبت والتيقن من مهارة القائم بالإشراف على الآلة وقدرته على التحكم في جودة الإنتاج. فإذا كانت الآلة المنتجة للسلعة هي محل خروج المنتج فعضو النطق كذلك هو محل خروج الحرف ومهارة العامل في التحكم في الآلة لإخراج منتج جيد كمهارة الإنسان في استخدام عضو النطق لإخراج حرف سليم من مخرجه الصحيح.
وكما أن للمنتج صفاته التي تميزه عن غيره من المنتجات كاللون والطعم
стр. 47
والشكل والملمس إلى غير ذلك فللحروف أيضا صفات بها يتميز كل حرف عن غيره وسنعرض لها بمشيئة الله تعالى بعد ما نفرغ من بيان مخارج الحروف.
ولمعرفة مخارج الحروف وصفاتها ثلاث فوائد هي:
الفائدة الأولى: [ما قاله ابن الجزري]
يقول ابن الجزري: «كل حرف شارك غيره في الصفات فإنه لا يمتاز عنه إلا بالمخرج، وكل حرف شارك غيره في المخرج لا يمتاز عنه إلا بالصفات، ولولا ذلك لاتحدت أصوات الحروف في السمع فكانت كأصوات البهائم لا تدل على معني ولما تميزت ذواتها، وهذا معني قول المازني إذا همست وجهرت، وأطبقت، وفتحت اختلفت أصوات الحروف التي من مخرج واحد.
وقال الرماني وغيره: لولا الإطباق لصارت الطاء دالا لأنهما ليس بينهما فرق إلا الإطباق، ولصارت (الظاء) (ذالا) ولصارت (الصاد) (سينا) (١).
الفائدة الثانية: معرفة الحروف القوية من الضعيفة
فإذا عرفنا قويها من ضعيفها عرفنا من ذلك ما يجوز أن يدغم منها وما لا يجوز إدغامه، إذ أن الحروف التي تتمتع بقوة ومزية عن غيرها لا يجوز إدغامها في غيرها من الحروف الأضعف والأقل مزية لئلا تذهب تلك المزية والقوة، وتفصيل ذلك سوف نعرض له عند الكلام عن صفات الحروف بإذن الله تعالى.
الفائدة الثالثة: [تحسين القدرة على نطق الحروف المتباينة]
تحسين القدرة على نطق الحروف المتباينة المخارج أثناء تجاورها في الكلمات دون أن يفقد الحرف حقه أو مستحقه من الصفات اللازمة.
تعريف الحرف:
الحرف «صوت» يعتمد على مخرج معين.
وتعريف الصوت:
هو اهتزاز طبقات الهواء المجاورة للأذن البشرية اهتزازا تدركه تلك الأذن،
стр. 48
وهو ما يسمى بالمجال السمعي وللأذن البشرية قدرة محدودة على تحمل تلك الذبذبات فإذا زادت قوة تلك الذبذبات عن قدرة تحمل الأذن البشرية تنعدم قدرة الأذن على تمييز تلك الأصوات ولذلك تسمى تلك الاهتزازات حينئذ بالموجات فوق الصوتية.
مسببات الصوت (١):
يحدث الصوت نتيجة، أسباب مختلفة منها:
١ - تصادم جسمين: ومثال ذلك ما تسمعه من صوت عند ما تصفق بكفك، أو تدق مسمارا، أو عند اصطدام سيارتين.
٢ - تباعد جسمين بينهما قوى ترابط كأن تمزق صحيفة من ورق أو قطعة قماش.
٣ - احتكاك سطح خشن بسطح آخر خشن كذلك.
٤ - اهتزاز وتر مشدود كما في الآلات الموسيقية وكما في الوترين الصوتيين للإنسان.
٥ - طرق الشوكة الرنانة بجسم صلب أو طرقه بها.
وإذا كنا نقول إن الحرف صوت يعتمد على مخرج معين فأي من تلك الأسباب التي ذكرناها آنفا هو السبب في صدور صوت الحرف من مخرجه؟. لكي نتوصل إلى الإجابة عن ذلك السؤال بأنفسنا علينا أن نقوم بتجربة مع أحد الحروف وليكن حرف الميم مثلا فندخل عليه همزة محركة وننطق بالحرف ساكنا أو مشددا هكذا (ءم) فسوف نلاحظ أن حرف الميم نتج عن التصادم بين طرفي عضو النطق بذلك الحرف وهما «الشفتان» فإن أردنا أن ننطق بعدها بميم متحركة لنري كيف يخرج الحرف المتحرك فنقول مثلا (أم من) نجد أن الميم المفتوحة خرجت نتيجة التباعد بين طرفي عضو النطق وهما «الشفتان» وكذلك تتباعد الشفتان بانخفاض الفك السفلي عند النطق بميم مكسورة (ميزان) (ميقات) أو بانضمام الشفتين مع ترك فرجة بينهما حال كونها مضمومة (موقنين) ومن تلك التجربة نخرج بحقيقتين هامتين هما:
стр. 49
١ - أن الحرف الساكن يخرج بالتصادم بين طرفي عضو النطق بالحرف عن مخرجه (١).
٢ - أن الحرف المتحرك يخرج بالتباعد بين طرفي عضو النطق بالحرف عند مخرجه.
وعدد (الحروف الأصلية): ثمانية وعشرون حرفا إذا اعتبرنا الألف الممدودة اللينة «فرعا» عن الهمزة، أما إذا اعتبرناها «حرفا» مستقلا فتكون الحروف الأصلية تسعة وعشرين حرفا وعليه بعض المجودين، قال الناظم:
وعدة الحروف للهجاء ... تسع وعشرون بلا امتراء
أولها الهمزة لكن سميت ... بألف مجازا إذا قد صورت
وحقيقة الأمر في ذلك أن الحروف «الهجائية» (أي المنطوقة) تسعة وعشرون حرفا، والحروف الأبجدية، أي (المكتوبة أو المرسومة) ثمانية وعشرون حرفا والحرف
الذي تزيد به الحروف الهجائية عن الأبجدية هو حرف الهمزة ولم يكن لدي العرب حرف تكتبه ليعبر بذاته عن الهمزة فكانت تستعير الواو مثلا للهمزة المضمومة فإذا أرادت أن تكتب (سؤال) كتبته (سوال) وتستعير الياء للهمزة المكسورة فكتب (سيل) حين تقصد (سئل) وتستعير الألف للهمزة المفتوحة (ان) حين تقصد (أن). حتى استحدث الخليل بن أحمد حرفا يدل على الهمزة بذاته وقد وجد أن العين شديدة القرب من مخرج الهمزة فرمز للهمزة برأس العين فقط دون باقي جسمها هكذا (ع) (ء).
وهناك حروف أخرى «فرعية» وضابطها أنها «الحروف التي تخرج من مخرجين، وتتردد بين حرفين» وقد عدها ابن الجزري في (نشره) ثمانية وهي:
١ - (الهمزة المسهلة بين بين): أي التي ينطق بها بين الهمزة والألف، أو بين الهمزة والياء، أو بين الهمزة والواو نحو: (ء أعجميّ).
стр. 50
٢ - (الألف الممالة): أي التي ينطق بها مائلة إلى الياء كما فى: بسم الله مجريها
٣ - (الصاد المشوبة بالزاى): في مثل (أصدق) (الصراط) فإنه يقرأ بها في بعض القراءات مخلوطة بصوت الزاي.
٤ - (الياء المشمة بالواو): في مثل (قيل) (غيض) فإنه ينطق بها مخلوطة بصوت الواو.
٥ - (الألف المفخمة): إذا وقعت مع حرف مفخم فإنها تتبعه مع أن الأصل فيها الترقيق.
٦ - (اللام المفخمة): فإن الأصل في اللام الترقيق، فإذا فخمت قربت من الواو.
٧ - (النون المخفاة): حيث تخلط بالحرف الذي بعدها.
٨ - (الميم المخفاة): مثل النون، وكلاهما إذا أخفيا صارا حرفين ناقصين.
٩ - وكل هذه الحروف الفرعية قرئ بها في رواية حفص إلا (الصاد المشوبة بالزاي) فإنها رواية عن حمزة.
стр. 51
مخارج الحروف
(عددها- أنواعها- حروف كل مخرج)
اختلف العلماء حول عدد المخارج على ثلاثة أقوال: فمنهم من جعل في الجوف مخرجا ومنهم من أسقطه ووزع حروفه على مخارج أخرى. ونكتفي هنا بمذهب ابن الجزري حيث جعل لمخارج الحروف خمسة مواضع عامة يخرج من كل موضع منها أكثر من حرف. ووزع على تلك المواضع سبعة عشر مخرجا للحروف.
كيف نتبين مخرج الحرف ؟
إذا أردت أن تتبين مخرج الحرف فسكنه أو شدده وأدخل عليه همزة هكذا (أك) (أب) فحيثما انقطع الصوت كان مخرجه المحقق.
ولما كانت أصوات الحروف مرتبطة بالهواء الخارج من داخل الصدر صاعدا إلى الفم، فقد رتب العلماء مخارج الحروف باعتبار الصوت فيقدمون في ذكر المخارج الأقرب منها إلى منطقة الصدر ثم الذي يليه وهكذا حتى ينتهي إلى مقدم الفم. وبناء على ذلك فترتيب أعضاء النطق أو المخارج العامة هي كما يلي:
١ - الجوف ٢ - الحلق ٣ - اللسان ٤ - الشفاه ٥ - الخيشوم
المخرج الأول من المخارج العامة:
الجوف: ويقصد به جوف الحلق والفم والفراغ الداخل فيهما، ويخرج منه حروف المد الثلاثة وهي:
١ - الألف الساكنة المفتوح ما قبلها (ولا يكون ما قبلها الا مفتوحا دائما).
٢ - الواو الساكنة المضموم ما قبلها.
٣ - الياء الساكنة المكسور ما قبلها.
стр. 52
وسميت بحروف المد لأنها تخرج بامتداد ولين، من غير كلفة على اللسان لاتساع مخرجها، فإن المخرج إذا اتسع انتشر الصوت فيه، وامتد، وإذا ضاق انضغط فيه الصوت وصلب، ويقال لها أيضا الحروف «الجوفية» و «الهوائية» لأن مبدأ أصواتها من بداية الحلق، ثم ينطلق الصوت منه مارا على كل خلاء الفم، وليس له حيز معين ينتهي عنده كسائر الحروف، لذا فهذه الحروف الثلاثة (حروف المد) أشبه بالصوت منها بالحروف. وهي تقبل المد والزيادة، ولأن (الألف) لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا دائما فهي دائما «هوائية» بخلاف أختيها (الواو والياء) فإنهما قد تفارقهما الحركة المجانسة لهما (حركة الحرف السابق لهما) فقد يكون ما قبلهما من حرف مفتوحا، حينئذ تصيران غير مديتين ويكون لهما مخرجان آخران يختلفان عن مخرجيهما حال المد.
المخرج الثانى من المخارج العامة:
الحلق: وفيه ثلاثة مخارج لستة أحرف هى:
١ - (أقصى الحلق): أي أبعده ناحية الداخل مما يلي الصدر ويخرج منه حرفان هما: (الهمزة) و (الهاء).
٢ - (وسط الحلق): ويخرج منه حرفان هما: (العين) و (الحاء)
٣ - (أدنى الحلق): أي أقربه لناحية الفم ويخرج منه حرفان هما: (الغين) و (الخاء).
وتسمى هذه الحروف الستة بالحروف الحلقية.
المخرج الثالث من المخارج العامة:
اللسان: ويخرج منه ثمانية عشر حرفا من عشرة مخارج. وينقسم اللسان إلى أربعة مناطق هي:
١ - أقصى اللسان ٢ - وسط اللسان
стр. 53
٣ - حافتي اللسان ٤ - طرف اللسان
أولا: أقصى اللسان:
(أي مؤخره بالقرب من الحلق) ويخرج منه حرفان هما:
١ - (القاف) من أقصى اللسان مما يلى الحلق مع ما فوقه من الحنك الأعلى.
٢ - (الكاف) من أقصى اللسان مما يلى الحلق مع ما فوقه من الحنك الأعلى، ولكنها أقرب قليلا إلى مقدم الفم من القاف، وأبعد عن الحلق، ويسمى هذان الحرفان بالحرفين «اللهويين» نسبة إلى اللهاة، لقربهما منها.
ثانيا: وسط اللسان:
وفيه مخرج واحد لثلاثة أحرف هي على التوالي:
١ - الجيم ٢ - الشين ٣ - الياء (غير المدية) (١) وتسمى هذه الحروف بالحروف «الشجرية» نسبة إلى (شجر) اللسان أو «شجر» الحنك الأعلى أي ما اتسع منهما.
ثالثا: إحدى حافتي اللسان:
اليمنى أو اليسرى (أوهما معا) مع ما يحاذيها من الأضراس العليا، ومنه يخرج حرف (الضاد) وخروجها من الجهة اليسرى أسهل وأكثر استعمالا، ومن اليمنى أصعب وأقل استعمالا، ومن الجانبين معا أعز وأعسر وهذا معنى قول الشاطبي ﵀:
وهو (أي حرف الضاد) لديهما ... يعز، وباليمنى يكون مقللا
وكان الرسول ﷺ يخرجها من الجانبين. وقيل عمر ﵁ أيضا.
رابعا: طرف اللسان: أو (ذلقه)
١ - جزء بسيط من حافة اللسان مع طرفه إلى مقدم الفم مع ما يحاذيه من الأسنان العليا (٢) ويخرج منه حرف (اللام) ويمكن خروج اللام من إحدى الحافتين غير أن خروجها من الجهة اليمنى أسهل.
стр. 54
٢ - من طرف اللسان مع ما فوقه من أصول الثنيتين العلييين، والمقصود بالأصول اللثة أو اللحم المحيط بمنابت الأسنان، ومنه يخرج حرف (النون) المتحركة أو المظهرة أما النون المخفاة فينتقل مخرجها قرب مخرج حرف الإخفاء، والنون المدغمة يصبح مخرجها هو نفس مخرج الحرف الذي أدغمت فيه.
٣ - من طرف اللسان مائلا قليلا إلى ظهر اللسان مع ما يحاذيه من الأسنان العليا ويخرج منه حرف (الراء) والحروف الثلاثة (اللام)، و (النون)، و (الراء) تسمى بالحروف الطرفية أو الحروف الذلقية نسبة إلى ذلق اللسان.
٤ - من طرف اللسان مع ما يليه من أصول الثنايا العليا تخرج (الطاء) و (الدال) و (التاء) وتسمى هذه الثلاثة الحروف النطعية نسبة لخروجها من «نطع» الفم (١).
٥ - ومن طرف اللسان وفويق الثنايا السفلى مع إبقاء فرجة قليلة بين طرف اللسان والثنايا عند النطق وهذا مخرج (السين) و (الزاي) و (الصاد) وتسمى هذه الثلاثة الحروف الأسلية نسبة لخروجها من أسلة اللسان أي طرفة ومستدقه.
٦ - ومن طرف اللسان من جهة ظهره وأطراف الثنايا العليا ويخرج منه ثلاثة أحرف هي على الترتيب من أسفل إلى أعلى: (الثاء)، و (الذال)، و (الظاء)، وتسمى هذه الثلاثة الحروف اللثوية نسبة لخروجها من قرب اللثة وليس منها، وتخرج (الثاء) بضغط ظهر اللسان على طرف الثنايا العليا مع خروج طرفه قليلا إلى الخارج. وتخرج (الذال) بضغط ظهر اللسان على وسط الثنايا العليا مع خروج طرفه قليلا إلى الخارج أما (الظاء) فتخرج بضغط ظهر اللسان وهو ملتصق بالحنك الأعلى عند ملتقى الثنايا العليا باللثة مع خروج طرفه قليلا إلى الخارج.
стр. 55
المخرج الرابع من المخارج العامة:
الشفتان: ومنه مخرجان:
١ - بطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا مخرج (الفاء)
٢ - ومن بين الشفتين مع انطباقهما من جهة داخل الفم تخرج (الباء)، ومع انطباقهما من وسطهما تخرج (الميم)، ومع انضمامهما مع ترك فرجة تخرج (الواو) غير المدية.
المخرج الخامس من المخارج العامة:
الخيشوم: ومنه تخرج الغنة: يقول (الفيروزآبادي) في القاموس المحيط: الخيشوم:
هو عظم الأنف الصلب منه، واتفقت المعاجم الحديثة على أن الخيشوم (أقصى الأنف) ويقول مكى بن أبي طالب في الرعاية ص ١٥٩:
«واعلم أن الغنة تخرج من الخيشوم كما تقدم، والخيشوم طرف الأنف المنجذب إلى داخل الفم»
«وتحدث الغنة أو تتم عملية التغنين في الأنفيات (أى: الأصوات ذات الغنة) بسبب ارتخاء اللهاة فيحدث اقتران بين الممر «الحلقي الفمي»، والممر «الأنفي» ينتج عنه أثر سمعي معين هو ما نسميه بالغنة نتيجة إضافة الرنين الذي يتم في المنطقة الحلقية الأنفية إلى الرنين الصادر من تجاويف الممر الصوتي» (١).
ويأتى الحديث عن الغنة باستفاضة عند ما نتحدث عن صفات الحروف بإذن الله تعالى.
стр. 56
وقد جمع ابن الجزرىّ ﵀ مخارج الحروف فى أبياته التالية:
مخارج الحروف سبعة عشر ... على الذى يختاره من اختبر
فألف الجوف وأختاها وهى ... حروف مد للهواء تنتهى
ثمّ لأقصى الحلق همز هاء ... ثمّ لوسطه فعين حاء
أدناه غين خاؤها والقاف ... أقصى اللسان فوق ثم الكاف
أسفل والوسط فجيم الشين يا ... والضاد من حافتيه إذ وليا
الأضراس من أسفل أو يمناها ... واللام أدناها لمنتهاها
والنون من طرفه تحت اجعلوا ... والرا يدانيه لظهر أدخل
والطاء والدال وتامنه ومن ... عليا الثنايا والصفير مستكن
منه ومن فوق الثنايا السفلى ... والظاء والذال وثا للعليا
من طرفيهما ومن بطن الشّفه ... فالفا مع أطراف الثنايا المشرفة
للشفتين الواو باء ميم ... وغنّة مخرجها الخيشوم
стр. 57
[تصوير]
стр. 58
جدول لبيان مخارج الحروف العامة والخاصة [تصوير]
стр. 59
مخارج الحروف [تصوير]
стр. 60
[تصوير]
стр. 61
[تصوير]
стр. 62
[تصوير]
стр. 63
صفات الحروف
الصفات: جمع صفة والصفة لغة: لفظ يدل علي معني في موصوفه: «ذاتي» أو «خارجي».
أو: هي ما قام بالشىء من المعانى «الحسية» أو «المعنوية».
ولتوضيح ذلك نقول إنك إذا أردت أن تتعرف على شخص لم يسبق لك رؤيته من قبل فإنك تطلب من أحد يعرفه أن يصفه لك فيجيبك مثلا: هو طويل أو قصير، بدين أو نحيف، أبيض أو أسود اللون فتلك صفات ذاتية فيه فإن أكمل لك أنه يرتدي كذا وكذا وكان حزينا أو فرحا، غنيا أو فقيرا فتلك صفات غير لازمة للشخص بل هي عارضة له بعروض أسبابها فيمكن أن تلازمه حينا، وتفارقه حينا آخر. والصفات قد تكون حسية (كاللون والشكل) أو معنوية (كالجود والشجاعة والإيمان والعلم والجهل).
وصفة الحرف في اصطلاح المجودين: هي الحال التي يكون عليها عند النطق به وهي إما «ذاتية ملازمة له» (كالجهر والشدة والاستعلاء والاستفال)، وإما أن تكون «صفات عارضة لعروض سببها» (كالتفخيم والترقيق، والخفاء والغنة)، ولمعرفة صفات الحروف فوائد ثلاث سبق الحديث عنها عند التقديم لمخارج الحروف ونلخصها فيما يلي:
١ - تمييز الحروف المشتركة في المخرج: إذ لولا اختلاف الصفات لاشتبهت الطاء بالتاء والظاء بالذال وهكذا ...
٢ - تحسين لفظ الحروف المختلفة في المخرج وذلك عند مجاورة الحروف بعضها البعض سواء في كلمة واحدة أو عند التقاء كلمتين، فنعطي لكل حرف
стр. 64
حقه ومستحقه من الصفات (١).
٣ - معرفة قوي الحروف من ضعيفها لنعلم ما يجوز أن يدغم في غيره، وما لا يجوز من الصفات.
وقد اختلف العلماء في عدد الصفات ولكن قول جمهور القراء وابن الجزري أيضا أنها سبعة عشر صفة (٢) تنقسم إلي قسمين: قسم له ضد وهو خمسة، وضده كذلك خمسة، وندخل صفة ما بين الرخاوة والشدة مع أحدهما، وقسم آخر لا ضد له وهو سبع صفات.
الصفات الأصلية للحروف
[تصوير]
ويقول الشيخ محمد مكي نصر (٣): «فكل حرف يأخذ خمس صفات من المتضادة، وأما غير المتضادة فتارة يأخذ صفة أو صفتين، وتارة لا يأخذ شيئا، فغاية ما يجتمع في الحرف الواحد سبع صفات».
стр. 65
كيف يصدر الصوت من حنجرة الإنسان ؟
لا بد لنا من وقفة قصيرة نتعرف خلالها كيف يصدر الصوت من الإنسان وقتما يشاء. وما مصدره؟ أو بمعني آخر ما الآلة التي يعزف علي أوتارها الإنسان ليخرج منها صوتا نديا أو صوتا حادا أو غليظا.
ويجيب علماء الطب والتشريح بأن داخل حنجرة الإنسان حبلين. هذان الحبلان هما وترا الصوت لديه ويقوم هواء الزفير بتحريكهما والعزف عليهما عند خروجه من الرئتين أثناء عملية الزفير. وقد يسأل سائل: لو أن الأمر كذلك فلماذا إذن لا نسمع صوت الإنسان مع كل هواء زفير يخرج من رئتيه طيلة الليل والنهار حيث لا يتوقف خروج الزفير إلا بتوقف حياة الإنسان؟ وجواب ذلك: هو أن هذين الحبلين الصوتيين يكونان في وضعهما العادي مرتخيين ومنفتحين، أي متباعدين قليلا بدرجة تسمح لهواء الشهيق أو الزفير أن يمر خلالهما بسهولة ويسر بحيث لا يؤثر في الحبلين الصوتيين، ولا يتأثر بهما. فإذا ما أراد الإنسان إخراج صوت من حنجرته فإن الغضاريف المتصلة بالحبلين الصوتيين تقوم بشدهما، فتنغلق الفتحة التي بينهما، وينطبقان كما تنطبق الشفتان ويصبحان مشدودين كأوتار الآلة الموسيقية المشدودة استعدادا للعزف عليها. وعند ما يدفع الإنسان بهواء الزفير ليخرج من رئتيه يمر في طريقه بالحبلين الصوتيين فيهتزان بفعل قوة الهواء المحبوس محدثين صوتا تتناسب قوته مع قوة شد الوترين، ومع قوة إخراج الهواء المحبوس (انظر ص ٧١). ونستطيع أن نضرب مثلا لذلك بما يفعله الأطفال حين يلهون بالبالونات فيقوم أحدهم بنفخ البالونة ثم يمسك بفوهتها ويمطها بأصابعه من اليمين والشمال معا فى آن واحد، فتنطبق حافتا فوهتها الممطوطة كأنهما شفتان منطبقتان (أو وتران صوتيان مشدودان) فإذا ما حاول الهواء المضغوط داخل البالون أن يخرج، واجه معاناة شديدة، واحتكاكا قويا كي يتسرب من بين شفتي الفوهة وهذا الاحتكاك القوي يتسبب في اهتزاز شفتي الفوهة مصدرا الصوت الذي نسمعه حينذاك.
стр. 66
قطاع في الحنجرة يبين فتحة أعلى القصبة الهوائية ويوضح كيفية حدوث الصوت [تصوير]
стр. 67
من هذا العرض أردنا أن نخلص إلى حقيقتين هامتين:
١ - أن النّفس: هو هواء الشهيق أو الزفير الذي يمر بيسر وسهولة بين الوترين الصوتيين حال ارتخائهما وتباعدهما فلا يتعامل معهما وبالتالي لا يتولد عن مروره أي صوت.
٢ - أما الصوت: فهو الزفير الذي يمر بالوترين الصوتيين حال كونهما منطبقين ومشدودين فعند ما يتسرب من بينهما يهتز الوتران لمروره، ومن هذه الاهتزازات يتولد الصوت.
ومن صفات الحروف:
أولا: الصفات التي لها ضد:
١ - الهمس: لغة: هو كل ما خفي من كلام، ومشي، ونحوه.
واصطلاحا: هو خفاء الحرف وضعف صوته بسبب جريان النفس معه عند النطق به لضعف الاعتماد على المخرج.
حروفه: عشرة مجموعة في قولهم: (حثه شخص فسكت) وأخفى هذه الحروف وأضعفها على الإطلاق (الهاء) ولشدة خفائها قوّوها بمدّ الصلة.
وإنما لقبت تلك الحروف بالمهموسة لأن الهمس هو الحس الخفي الضعيف، فلما كانت ضعيفة لقبت بذلك
٢ - الجهر: لغة: هو الإعلان.
واصطلاحا: هو انحباس جريان النفس عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد على المخرج.
وحروفه: تسعة عشر حرفا وهي ما سوى حروف الهمس وإنما لقبت بالجهر لأن الجهر: الصوت الشديد القوي، فلما كانت في خروجها كذلك لقبت به، لأن الصوت يجهر بها.
стр. 68
٣ - الشدة: لغة: القوة.
واصطلاحا: أن يشتد لزوم الحرف لموضعه ويقوي فيه حتى يمنع الصوت أن يجري معه عند اللفظ به، فانحباس جريان الصوت نتيجة غلق المخرج عند الحرف الشديد.
حروفه: ثمانية أحرف يجمعها قولك (أجد قط بكت) والشدة من علامات قوة الحرف فإن كان معها جهر وإطباق واستعلاء فذلك غاية القوة وإنما لقبت بالشدة لاشتداد الحرف في مخرجه حتى لا يخرج معه صوت. ألا ترى أنك تقول في الحرف الشديد (أج) (أط) فلا يجري النفس مع الجيم والطاء ..
٤ - الرخاوة: لغة: اللين.
واصطلاحا: جريان الصوت عند النطق بالحرف لضعف الاعتماد على مخرجه، فهو أضعف من الشديد. ألا ترى أنك تقول (اس) (اش) فيجرى النفس معهما.
وحروفه: هي بقية الحروف المتبقية بعد حروف (الشدة) وحروف (التوسط) وإنما لقبت بالرخوة لأن الرخاوة اللين فإن وجدت إحدى هذه الصفات الضعيفة في حرف كان فيه ضعف، وإذا اجتمعت فيه كان أضعف الحروف نحو (الهاء).
(التوسط) أو (البينية) لغة: الاعتدال واصطلاحا: انحباس بعض الصوت، وجريان بعضه عند النطق بالحرف، لاعتدال مخرجه. أو هي التي لا يجري الصوت معها جريانه مع الرخوة، ولا ينحبس انحباسه مع الشدة، فالصوت يجري معها ضعيفا.
وحروفه: ثمانية مجموعة في قولهم (لن عمر)
٥ - الاستعلاء: لغة: الارتفاع.
واصطلاحا: ارتفاع اللسان عند النطق بالحرف إلى الحنك الأعلى حتى يمتلئ
стр. 69
الفم بصداه، لذا ترتب على الاستعلاء التفخيم .. أي تغليظ النطق بالحرف بواسطة ارتفاع اللسان والمخرج إلى الحنك الأعلى.
حروفه: سبعة مجموعة في عبارة (خص ضغط قظ).
والمعتبر في الاستعلاء هو: «أقصى اللسان» وبذلك تخرج «الجيم والشين والياء» لأنها من استعلاء «وسط اللسان»، وكذلك تخرج «الكاف» لأنها مما بين «وسط اللسان وأقصاه». لذلك لا تعد تلك الحروف من حروف الاستعلاء.
٦ - الاستفال: لغة: الانخفاض.
واصطلاحا: تنحيف الحرف بانخفاض اللسان عند النطق به.
حروفه: ما تبقى من الحروف بعد حروف الاستعلاء. وترتب على الاستفال ترقيق الحرف.
٧ - الإطباق: لغة: التلاصق.
واصطلاحا: التصاق بعض اللسان بالحنك الأعلى وانحصار الصوت بينهما.
حروفه: أربعة حروف فقط هي: (ص، ض، ط، ظ)
قاعدة: «كل إطباق استعلاء» وليس العكس صحيحا، ألا ترى أنك إذا نطقت بالغين والخاء والقاف وقلت (أغ) (أخ) (أق) استعلى اقصى اللسان من غير إطباق وإذا نطقت بالصاد وأخواتها (أص) (أط) استعلى أقصى اللسان وانطبق وانحصر الصوت عند النطق بها بين اللسان والحنك.
٨ - الانفتاح: لغة: الافتراق.
واصطلاحا: هو افتراق اللسان عن الحنك الأعلى عند النطق بالحرف فلا ينحصر الصوت بينهما.
حروفه: جميع حروف اللغة العربية حروف انفتاح ما عدا حروف الإطباق الأربعة.
٩ - الإذلاق: لغة: الفصاحة والخفة.
стр. 70
واصطلاحا: خفة الحرف عند النطق لخروجه من طرف اللسان أو الشفتين بخفة وسهولة.
وحروفه: ستة مجموعة في قولك (فرمن لب).
١٠ - الإصمات: لغة: المنع أو الإسكات.
واصطلاحا: خروج الحرف بكلفة وصعوبة. وقيل أيضا: منع انفراد حروف الإصمات ببناء أصول الكلمات العربية «الرباعية أو الخماسية» لثقلها على اللسان وإلا كانت غير عربية ككلمتي (مسجد) و (أستاذ).
حروفه: باقي حروف الهجاء المتبقية بعد استبعاد حروف الاذلاق الستة. وقد جمع ابن الجزري الصفات العشر السابقة في مقدمة الجزرية قائلا:
صفاتها جهر ورخو مستفل ... منفتح مصمتة، والضد قل
مهموسها (فحثه شخص سكت) ... شديدها لفظ (أجد قط بكت)
وبين رخو والشديد (لن عمر) ... وسبع علو (خص ضغط قظ) حصر
وصاد ضاد طاء ظاء مطبقة ... و (فرّ من لب) الحروف المذلقة
стр. 71
جدول الصفات التي لها ضد وبيان حروفها
[تصوير]
стр. 72
العلاقة بين «صفات الحروف»، «والصوت»، «والنفس»
[تصوير]
(فوائد)
١ - اعلم أن كل إطباق معه استعلاء ولكن ليس كل استعلاء معه إطباق، فالحروف (ط، ظ، ص، ض) مطبقة وهي كذلك مستعلية، والحروف (ق، غ، خ) مستعلية ولكنها ليست من حروف الإطباق.
٢ - وترتيب حروف الاستعلاء من حيث القوة كما يلي:
(الطاء) (الضاد) (الصاد) (الظاء) (القاف) (الغين) (الخاء)
٣ - واعلم أن كل استفال انفتاح ولكن ليس كل انفتاح استفال، فجميع الحروف المستفلة منفتحة لأن أقصى اللسان يكون منخفضا إلى قاع الفم ولكن ليس كل منفتح مستفلا فالقاف، والغين، والخاء منفتحة ولكنها من حروف الاستعلاء وليست مستفلة.
٤ - تفخيم الحروف المستعلية المطبقة (ط، ظ، ص، ض) أقوى من تفخيم المستعلية المنفتحة (ق، غ، خ).
٥ - حروف الهمس (حثه شخص فسكت) كلها رخوة ما عدا الكاف والتاء فقد اجتمع فيها صفتان هما: الشدة والهمس وقد يبدو في اجتماع الصفتين معا
стр. 73
تناقضا إذ الشدة احتباس الصوت ويستلزم احتباس النفس، والهمس جريان النفس ويستلزم جريان الصوت، إلا أن الصفتان لا تلازمان الحرف في آن واحد بل هما متتاليتان وليستا متزامنتين بمعنى أن الصوت ينحبس أولا في بداية النطق بالحرف فتتحقق صفة الشدة، ثم يجري النفس بعد ذلك فتتحقق صفة الهمس.
٦ - كل الحروف المهموسة رخوة ما عدا «الكاف والتاء»، فهما شديدتان وكل الحروف الشديدة مجهورة ما عدا الكاف والتاء، فهما مهموستان.
٧ - أزمنة الحروف الصحيحة المتحركة كلها متساوية فلو قلت (أذن) أو كتب) فكل حرف منها أيا كان حركته يكون مساويا تماما لغيره من الحروف المتحركة، أما الحروف الساكنة فالرخو منها يكون أطول زمنا من الحرف البيني.
والبيني منها يكون أطول زمنا من الحرف الشديد. وحروف المد أطول زمانا من الحروف الرخوة. وقد اجتمعت صفات «الشدة والبينية والرخاوة» في كلمة واحدة هي (يستبشرون) إذ السين حرف رخو، وهو أطولهم زمنا، والباء حرف شديد أقلهم زمنا، والنون حرف بيني فهو أوسطهم زمنا.
ثانيا: الصفات التي لا ضد لها
١ - الصفير:
لغة: كل صوت يشبه صوت الطائر واصطلاحا: هو خروج أحرف الصفير بصوت قوي يشبه صفير الطائر.
حروفه: ثلاثة: (الزاي) و (السين) و (الصاد).
وإنما لقبت بحروف الصفير لأن مجرى الصوت يضيق عند خروجها فينتج عن ذلك صوت يشبه صفير الطائر. وتستطيع أن تدرك صفير تلك الحروف حينما يهمس أحد في أذن الآخر، فيصل إلى سمعك صوت صفير خفيض كلما توالت تلك الأحرف في كلامه بينما لا تسمع صوتا لبقية الحروف، وتسمع مثل ذلك إذا كنت في المسجد والمصلون يقرءون الفاتحة سرا فإن تلك الحروف بالذات
стр. 74
يعلو صفيرها لأن الصفير من علامات القوة في الحرف. و (الصاد) أقواها للإطباق والاستعلاء اللذين فيها، و (الزاي) تليها لجهر فيها، و (السين) أضعفها لهمس فيها.
٢ - القلقلة:
لغة: الاضطراب.
واصطلاحا: اضطراب المخرج عند النطق بالحرف ساكنا حتى يسمع له نبرة قوية.
حروفها: مجموعة في عبارة (قطب جد).
الدافع إلى القلقلة:
أن جميع حروف المقلقلة «مجهورة» و «شديدة» (١)، والجهر: يمنع جريان النفس والشدة تمنع جريان الصوت، وفي اجتماع هذين الأمرين معا في حرف واحد ما يحتاج إلى تكلف، ومعاناة في بيان صوت الحرف، فأتبعوا صوت الحرف بصويت خفيف ليتحقق نطقه، وهذا الصويت الذي أتبعوا الحرف به، والذي لقبوه بالقلقلة خالف القاعدة الأصلية لإخراج الحروف من مخارجها فقد سبق أن بينّا أن الحرف الساكن يخرج بالتصادم بين طرفي عضو النطق هكذا (أب) (أم) (أن) لكن إخراج صوت القلقلة حالة سكون الحرف ينتج عن التباعد بين طرفي عضو النطق دون أن يصاحبه انفتاح للفم أو انضمام للشفتين أو انخفاض للفك السفلي.
وتكون القلقلة في الأحرف الخمسة (قطب جد) في وسط الكلمة نحو (إبراهيم)، (يقطعون) وفى آخرها نحو (كسب)، (لم يلد)، (الحج) وتكون وصلا نحو (لم يلد ولم .. ) ووقفا نحو (برب الفلق)
стр. 75
مراتب القلقلة:
١ - قلقلة كبرى: عند ما يكون حرف القلقلة موقوفا عليه نحو (سريع الحساب)
٢ - قلقلة صغرى: عند ما يكون الحرف في وسط الكلمة نحو (يقطعون) أو وسط الكلام نحو (قد أفلح). وليس الأمر في مراتب القلقلة دائرا بين قلقلة واضحة، وقلقلة خفية، بل الأمر دائر بين قلقلة واضحة، وقلقلة أوضح.
وقد جعل بعض العلماء مراتب القلقلة: ثلاث مراتب (١) هي:
١ - قلقلة أكبر ٢ - قلقلة كبرى ٣ - قلقلة صغرى وذلك بأن جعلوا أشدها قوة: قلقلة الحرف المشدد الموقوف عليه. وللدكتور أيمن رشدي سويد تحفظ على هذا التقسيم- أراه منطقيا- إذ يقول إنه من المعلوم أن الحرف المشدد أوله حرف مدغم، والمدغم لا يقلقل، وثانيه هو الذي يقلقل وهو في ذلك لا يختلف عن المخفف فى قلقلته (٢).
«قال المرعشى في تبصرة المريد»: وتنقسم القلقلة إلى ثلاثة أقسام: أعلى وهو في (الطاء). و (أوسط) وهو في (الجيم)، وأدنى وهو في الثلاث الباقية» (٣). (يعنى بذلك: القاف، والباء، والدال).
ولا تتأتى القلقلة إلا بالجهر البالغ فمن اكتفى بإسماع نفسه، لم يسمع تعريف «الجهر» نفسه. لأن أدنى الجهر إسماع غيره، لا إسماع نفسه. فمن أسمع القلقلة نفسه فقط، لا يقال إنه أتى بالقلقلة، وإنما يقال إنه ترك القلقلة، فهو لحن (٤).
ألوان من اللحن الشائع عند القلقلة:
١ - خلط صوت القلقلة بإحدى الحركات الثلاث وذلك بالاختلاس من