← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38112

النسخ عند الفخر الرازي

محمود محمد الحنطور

Полный текст (129 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

النافون للنسخ وأدلتهم التى اعتمدوا عليها

стр. 37

والرأى الثانى أمام الناسخ والمنسوخ من الآيات القرآنية: يرى بعض العلماء أن ليس فى القرآن ناسخ ولا منسوخ، وأن مثل هذه الآيات السابقة ذات الموضوع الواحد، والأحكام المختلفة أو المتغايرة، إنما جاءت لتعالج ظروفا خاصة، بحيث لو وجدت هذه الظروف فى مجتمع من المجتمعات، لكان لأهله أن يأخذوا الحكم الذى يناسب ظروفهم سواء أكان هذا الحكم هو السابق أم اللاحق، فالمدار على وجود الظروف التى تحتاج إلى تطبيق الحكم، قال د. الجيوشى (١) ويؤيده من المعاصرين د. محمد البهى، وهو رأى له وجاهته، ولكن لم يحدد موقفه هو منه، وهو رأى مردود عليه من الجمهور. وخير مثال على ما سبق من النسخ على رأى الجمهور قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٤٠]، نسخها قوله تعالى فى نفس السورة وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة: ٢٣٤]. فمن العلماء من جعل الثانية ناسخة للأولى، ومنهم من جعلها محكمة، لأنها فى مقام الوصية للزوجة إذا لم تخرج، ولم تتزوج وأما الآية الثانية فهى لبيان العدة، ولا تنافى بينهما، وهذا الناسخ

стр. 38

مقدم فى النظم على المنسوخ (١) على رأى الجمهور. ومن هنا فالنسخ: إبطال الحكم الشرعى المتقدم بحكم شرعى آخر متأخر عنه، مع بقاء الآيتين فى النظم القرآنى حجة للبشر، وإثباتا لقدرة الله تعالى على المحو والإثبات ورفع الدرجات، وتذكيرا بنعمة الله على خلقه فى تيسيره عليهم. قال الرازى فى المحصول:- والأولى أن يقال: «النسخ طريق شرعى يدل على أن مثل الحكم الذى كان ثابتا بطريق شرعى لا يوجد بعد ذلك، مع تراخيه عنه على وجه لولاه كان ثابتا» (٢). وزاد الأرموى فى الحاصل من المحصول:- «والأجود فى تعريف النسخ هو طريق شرعى يبين انتهاء حكم شرعى ثبت بطريق شرعى مع تراخيه عنه» (٣). وهذا ما اتفق عليه الجمهور، ودافع عنه الرازى فى وقوع النسخ ووجوده، ولا مانع منه عقلا ولا شرعا بل هو الصواب وما عداه لا ينظر إليه، وهو مردود على أصحابه بأدلة ثابتة صريحة، ولكن خلاصة الرأى الثانى يمثله أبو مسلم الأصفهانى الذى رفض وجود النسخ فى الشريعة الإسلامية عموما، مستندا إلى قوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢]. ومدعيا أن هذه الآية الكريمة تقرر أن أحكام القرآن لا تبطل أبدا، والنسخ إبطال للحكم، فهو لا يرد على هذه الأحكام لأنه محال أن يقع مثل ذلك فى القرآن الكريم.

стр. 39

وقد تابعه كثيرون- قديما وحديثا- إما رفضا لوجود النسخ أو تأويلا لحدوثه ووقوعه، فصاحب كتاب «الرأى الصواب فى منسوخ الكتاب (١) جعل أبا مسلم فذا فى آرائه، رائدا فى أحكامه، قال جواد موسى محمد عفانة «قال عدد قليل من المتأخرين، وعالم واحد فيما نعلم من السابقين بعدم وجود آيات منسوخة فى القرآن الكريم، إلا أننى أوافقهم فى النتيجة لا فى ادعائهم عدم حصول النسخ فى الشريعة الإسلامية أو الشريعة الواحدة (٢) ثم ذكر من قال بهذا الرأى من السابقين، وهو أبو مسلم الأصفهانى (٣) ومن المتأخرين الإمام محمد عبده، وعبد المتعال الجبرى صاحب كتاب «النسخ فى الشريعة الإسلامية كما أفهمه» (٤) أو لا نسخ فى القرآن، والدكتور أحمد حجازى السقا فى كتابه «لا نسخ فى القرآن» (٥)، ود. محمد البهى كما ذكر د. الجيوشى سابقا، والكلام يحتاج إلى تفصيل للرد عليهم فيما كتبوه أو تعرضوا له من النسخ. ...

стр. 40

الفصل الرابع أدلة الرازى على وقوع النسخ فى القرآن الآراء فى النسخ الأدلة على النسخ

стр. 41

الآراء الواردة فى النسخ عموما، وفى القرآن خصوصا

стр. 42

يعد النسخ من القضايا المهمة فى الشريعة الإسلامية، وذلك لارتباطه بأوامر الدين ونواهيه من ناحية، وارتباطه بعقيدة المسلم من ناحية أخرى، فى أن الله تعالى هو الخالق والمغير والعالم والسميع والبصير، ولا تخفى عليه خافية أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤] فمن خلق هذا الخلق، وجعلهم خلفاء الأرض، وجعل لهم منهجا مستقيما، وكتابا مبينا قويما، فيه أحكام هو أعلم بما يصلح عباده منها، وما لا يصلح، والزمن الذى يصلح فيه هذا الحكم، وما لا يصلح فى زمن آخر، وهو أدرى بما ينفع وما يضر، وهو القادر على أن يبدل الخلق، وهو القادر على أن يعيدهم بعد موتهم، أليس بقادر على تغيير ما ينفعهم وما يضرهم فى حياتهم، هذا منطق الصواب، وصواب النطق أن الله- تعالى- هو أعلم بمن خلق من عباده، وهو أعلم بما يصلح لهم فى الدنيا والآخرة، فإذا غيّر الله شيئا أو بدل أمرا، أليس له الأمر والملك؟ فلم لا نؤمن بذلك، ونريح أنفسنا من العناد ونبعد أفكارنا عن الشقاء الذى وقع فيه الذين تأولوا النصوص الصحيحة الواردة فى القرآن فى النسخ بخاصة، أو ردوها منكرين وجود النسخ، وجعلوه فى غير شريعة الإسلام، مخالفين بذلك جمهور المسلمين سلفا وخلفا فى قبول النسخ دون تعليل أو تغيير، لأنه أمر وارد بصريح النص القرآنى، وصحيح السنة النبوية، وإجماع العقلاء من المسلمين قديما وحديثا، فلا عبرة للمخالفين، ولا دليل عندهم يعلو على ما سبق من أدلة نقلية وعقلية غير ما وقعوا فيه من التأويل والتخصيص، ونفى وقوع النسخ فى الشريعة الإسلامية، وهى آراء

стр. 43

تلزم أصحابها متابعة الجمهور فى أن النسخ جائز عقلا وشرعا ولا منافاة بينهما ولا تعارض، فلا يسع إنسان عاقل مهما كان، أن ينكر أن الشريعة الإسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة، وأن الشرائع (١) السابقة قد وقع فيها النسخ أيضا، والأدلة قد تضافرت على النسخ فى التوراة والإنجيل والقرآن الذى أصبح مهيمنا على الكتب السابقة، فى قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢) [المائدة: ٣] أى جعلته كاملا غير محتاج إلى إكمال لظهوره على الأديان كلها، وغلبته لها، ولكمال أحكامه التى يحتاج إليها المسلمون فى الحلال والحرام والمشتبه، وفى ما تضمنه الكتاب والسنة من ذلك ما يغنى عن الرجوع إلى كتب السابقين أو أحكام شرائعهم فهى منسوخة بنزول القرآن الكريم، وأما قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣) [البقرة: ١٠٦] فالآية صريحة فى ثبوت النسخ فى القرآن الكريم، ووقوعه، ولكنها عبرت عنه بلفظ- الآية- ولم تعبر عنه بلفظ- من القرآن-

стр. 44

لأن القرآن ناسخ مهيمن على كل الكتب، ولن يأتى بعده ناسخ له، وما فيه من ناسخ ومنسوخ فمعلوم وهو قليل. وهذه الآية وحدها دليل قاطع على من يدّعى أن النسخ لا يقع فى الشريعة الإسلامية أو هو بمعنى انتهاء الحكم كما ذهب أبو مسلم الأصفهانى (١) فى القول إنه لم يقع فى القرآن نسخ مؤولا إياه بالتخصيص أو هو نقل القرآن من اللوح المحفوظ، والفرق شاسع، بين ما ذكره الأصفهانى، ورأى الجمهور فى النسخ، قال الرازى (٢) فى المحصول فى المسألة الرابعة «والنسخ عندنا واقع سمعا خلافا لليهود، فإن منهم من أنكره عقلا، ومنهم من جوزه عقلا، لكنه منع منه سمعا، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ». فالرازى دقيق الملاحظة، لطيف العبارة قال المحقق: «وروى بصيغة التضعيف هكذا، تحوط لطيف من الرازى فكأنه لا يرى مخالفا من المسلمين فى النسخ على الحقيقة بما فى ذلك الأصفهانى، وأن الخلاف فى الموضوع لفظى» (٣)، وعلى هذا الرأى يكون أبو مسلم مع القائلين بالنسخ، ولكنه ينفصل فى عدم وقوعه فى الشريعة الإسلامية مع جوازه العقلى ووقوعه السمعى بين الشرائع المختلفة،

стр. 45

وهذا ما وضحه د. شعبان محمد إسماعيل وبينه فى كتابه (١) بقوله: «والصحيح فى النقل عن الأصفهانى أن النسخ واقع بين الشرائع بعضها مع بعض ولكنه غير واقع فى الشريعة الإسلامية أو الشريعة الواحدة، فيكون أبو مسلم بذلك مع الجمهور فى أن النسخ واقع، وإنما قلنا إن النقل الأخير هو الصحيح عنه، لأنه هو الذى يتفق مع ما أجمع عليه المسلمون أن الشريعة الإسلامية ناسخة لجميع الشرائع السابقة عليها، ولا يسع أبو مسلم ولا غيره أن يخالف هذا الإجماع». والنقل عن أبى مسلم فى آرائه مضطرب، وفيه خلاف (٢) بين أقواله، وعلى أن الخلاف بينه وبين الجميع لفظى، فلماذا يسمى النسخ بغير اسمه أو حقيقته، فمرة يؤول وأخرى يخصص، والفرق بين التخصيص والنسخ (٣) واضح لا لبس فيه، فلماذا يعدل عن حقيقة المصطلح إلى تأويلها، والرجوع إلى الحق أحق أن يتبع، فلا يأكل الذئب من الغنم إلا القاصية، فبهذا الرأى لأبى مسلم قد خرق إجماع المسلمين على تعريف النسخ ووجوده ووقوعه، وأصبح صاحب رأى منفصل فى النسخ الذى انقسمت فيه الآراء إلى ثلاثة: ١ - رأى الجمهور وهو إجماع المسلمين والنصارى، قبل ظهور أبى مسلم الأصفهانى على أن النسخ جائز عقلا وواقع سمعا بين

стр. 46

الشرائع المختلفة وفى الشريعة الواحدة، وهو رأى العيسوية من اليهود، والأمثلة تدل على هذا الرأى. ٢ - رأى اليهود الشمعونية، وكذلك نصارى العصر الحاضر جميعا فى أن النسخ ممتنع عقلا وسمعا، لأنه يوجب البداء (١) على الله تعالى وهو محال، واتفق اليهود على أن شريعة محمد ﷺ لا تنسخ شريعتهم. ٣ - رأى أبى مسلم الأصفهانى والعنانية من اليهود فى أن النسخ جائز عقلا، ممتنع سمعا بين الشرائع المختلفة. وقد أحسن (٢) د. شعبان محمد إسماعيل فى الرد علي شبه اليهود ومناقشة حججهم (٣) التى انهارت أمام البحث العلمى الذى ناقشهم به، وذابت فى ثنايا الرد أحقادهم على الإسلام والمسلمين لإنكارهم أن تنسخ الشريعة الإسلامية شريعتهم. ...

стр. 47

أدلة جواز النسخ ووقوعه عند الرازى

стр. 48

اعتمد الرازى فى إثبات النسخ ووقوعه على عدة أدلة فصلها فى المحصول والتفسير وهى: الدليل الأول: دلت الدلائل القاطعة على نبوة محمد- ﷺ ونبوته لا تصح (١) إلا مع القول: بنسخ شرع من قبله، فوجب القول بالقطع على النسخ، وهذا يعنى أن ما جاء محمد- ﷺ إلا بالصدق، ومعجزاته دالة ومشيرة إلى ذلك، ولا يستطيع منكر أن ينكر نسخ الشريعة الإسلامية لما قبلها، وأن الدين عند الله الإسلام، ومن يبتغ غيره، ويطلب ما نسخه فلن يقبل منه، بل هو من الخاسرين، وأن ما جاء به الإسلام هو ما نطق به محمد قرآنا عربيا غير ذى عوج، وسنة صحيحة صادقة، ليس خاصا بالعرب وحدهم بل للجميع، وللبشر كافة، فكان نسخ شرع من قبلنا بشريعة محمد جائز عقلا وواقع عملا، ولا محال فيه، ما دام أن الكل من عند الله تعالى فهو أعلم حيث يضع رسالته، والله ألطف بنا من أنفسنا، فلا مجال للإنكار، ولا طريق للرجوع عن قبول النسخ، ولا بداء كما يقول اليهود وغيرهم، فعلم الله تعالى ثابت لا يتغير ولا يتبدل، وخلاصة هذا الدليل أن الله تعالى: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، وأن أحكام الله التى شرعها للعباد يراعى فيها مصالحهم، والمصلحة حيثما توجد فثم شرع الله تعالى يتحقق، فلا ريب أن ذلك يجعل النسخ أمرا لا بدّ منه لحاجة العباد إليه،

стр. 49

ومصلحتهم فيه، فلا يكون ذلك محال أو يترتب عليه أو على فرضه محال أو ممنوع، فيثبت الله تعالى ما يشاء ويمحو وهو القدير، ولا رادّ الحكمة، ولا معقب لفضله، فى أن يغير حكما بعد ثبوته، أو يبطله فلا وجود له تصديقا لقوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرعد: ٣٩]. وأما الدليل الثانى: فى قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦]. وقوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل: ١٠١]. فالآية الأولى من سورة البقرة تقرر أن النسخ إن وجد فى آية، فلا بد من خير منها أو مثلها فى الحكم أو زيادة فى الأجر، وهذا لا يكون إلا فيما هو جائز عقلا، لا فيما هو محال، وإلا كيف يتغير المحال إلى شىء موجود؟! والآية الثانية من سورة النحل تشمل الرفع والإثبات الموجودين فى التبديل، والمرفوع إما التلاوة، وإما الحكم، وكيفما كان فهو رفع وإبطال ونسخ (١)، فإن قلت؛ لم لا يجوز أن يكون المراد به أن الله تعالى أنزل إحدى الآيتين بدلا من الأخرى، فيكون النازل بدلا مما لم ينزل؟ قلت: جعل المعدوم مبدلا غير جائز، وهذه إحدى الحجج الملجمة لأبى مسلم الأصفهانى وغيره ممن ينكرون وقوع النسخ فى القرآن الكريم، ثم الناظر فى سبب نزول الآية يجد أنهم- اليهود-

стр. 50

عابوا على محمد- ﷺ شيئا قد وقع بالفعل، ونفذ عبادة وطاعة فى تغيير القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، فالتوجه واستقبال القبلة كان واجبا ثم زال ذلك الواجب إلى البيت الحرام، ألا يدل ذلك على وقوع النسخ، وتغير الواجب إلى مثله أو أفضل منه، وقس على ذلك ما حدث من نسخ فى الآيات والأحكام التى نسخت إلى بدل أو إلى بدل أثقل أو أخف أو إلى غير بدل، وهو كثير فى القرآن. قال الرازى (١): والاستدلال بهذه الآية من سورة البقرة على النسخ ووجوده ضعيف، فالآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتى بما هو خير منه، وذلك لأن- ما- شرطية تفيد الشرط والجزاء، وإن كان هذا الرأى للرازى، قد خالف فيه الجمهور فى حجية الآية فى إثبات النسخ ووقوعه إلا أنه يستند إلى آيات أخرى معها مثل الآية السابقة من سورة النحل وقوله تعالى من سورة الرعد: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [الرعد: ٣٩]، فهو لا ينكر النسخ ولا وقوعه، ولكنه يؤكد على أن الأقوى فى ثبوت النسخ ووقوعه دون معارضة أو ضعف فى الدليل، أن نعوّل على مجموع الآيات السابقة فى إثبات حجتنا، كى نضمن الرد المقنع على من يخالفنا دون أن ينفذوا إلى أدلتنا بثغرة ولو صغيرة، فهو مع رأى الجمهور، وزيادة عليها ما سبق، وأن النسخ حاصل فى القرآن، ولكن الأدلة لا بدّ أن تجتمع معا حتى لا يستطيع معترض أن يضعفها، فاقترح أدلة أخرى مع

стр. 51

الآية من سورة البقرة كما ذكر المحقق (١) - وأنا اتفق معه فى هذا المخرج الذى يزيل ما يشبه التناقض عند قراءة حجج الرازى فى ثبوت النسخ فى المحصول وفى التفسير، كما يظنها من يطالعها لأول نظرة تناقضا وقع فيه الرازى، فالرجل مع الجمهور فى النسخ إثباتا ووجودا فى القرآن، ولكن بطريقته هو فى الاستدلال من النصوص التى اعتمد عليها الجمهور أيضا، ولكنه يريدها خالية من الثغرات والاعتراضات، فلا تعارض بين رأى الرازى والجمهور بعد هذا البيان، ولقد ظن بعض العلماء أن الرازى ناقض نفسه فى المحصول والتفسير ولكن التحقيق أنه لم يناقض نفسه، بل أكد ما أعتقده.

стр. 52

الفصل الخامس أنوع النسخ عند الرازى ١ - نسخ الحكم دون التلاوة. ٢ - نسخ التلاوة دون الحكم. ٣ - نسخ الحكم والتلاوة معا. ٤ - النسخ إلى غير بدل. ٥ - النسخ إلى بدل أثقل. ٦ - النسخ إلى بدل أخف. ٧ - النسخ إلى بدل مماثل. ٨ - نسخ الفعل قبل التمكن منه. ٩ - نسخ الخبر. ١٠ - ما اقترن بلفظ التأبيد.

стр. 53

أنواع النسخ فى القرآن عند الرازى سبق القول إن الرازى مع الجمهور فى ثبوت النسخ ووقوعه، ولكن بطريقته هو فى الاستدلال من النصوص القرآنية التى اعتمد عليها الجمهور، مجموعة بعضها إلى بعض حتى لا نترك منفذا لمعترض، أو ثغرة لمتشكك، لذلك قال فى المسألة الخامسة «اتفقت الأمة على جواز نسخ القرآن، وقال أبو مسلم: لا يجوز» (١). ورد عليه الرازى مفندا رأيه بعدة أمثلة تثبت عدم صحة رأى أبى مسلم ومن شايعه إلى يوم الدين، وعجبا لهذا الرجل الفذ، فى الفصل السابق حدد الأدلة على وجود النسخ والآن الأمثلة التطبيقية على أنواع النسخ واحدة تلو الأخرى كما أراد لمنهجه ألا ينفذ إليه معترض إلا وفى يده البرهان على ما يقول، والحجة على ما يدعى، والأمثلة التى حددها الرازى كثيرة منها:- المثال الأول:- أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا فى قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٤٠]. ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر فى قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ

стр. 54

أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة: ٢٣٤]. قال أبو مسلم (١) عن الاعتداد بالحول إنه ما زال موجودا، ووجود الآية الأخرى فى الاعتداد بأربعة أشهر وعشر، هو تخصيص لا نسخ، ورد عليه الرازى بقوله إن عدة الحامل تنقضى بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل فى سنة أو أقل أو أكثر، فجعل السنة مدة العدة يكون زائلا بالكلية، هذا لو كانت المرأة حاملا ومدة حملها حول كامل وكانت عدتها حولا كاملا على رأى أبى مسلم، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق: ٤]. فدليل أبى مسلم لا قيمة له، ومردود عليه، والنسخ ثابت فى الآية. المثال الثانى:- أمر الله ﵎ بتقديم الصدقة بين يدى نجوى الرسول- ﷺ فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة: ١٢] (٢). ثم نسخ ذلك فى قوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٣]. وهو نسخ إلى غير بدل عند الجمهور.

стр. 55

المثال الثالث: فى قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦]. قال أبو مسلم: النسخ هو الإزالة، والمراد من هذه الآية إزالة القرآن من اللوح المحفوظ، ورد عليه الرازى (١) بقوله إن إزالة أو نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا تختص ببعض القرآن دون بعضه الآخر، وهذه الآية تختص بالنسخ الواقع فى القرآن الكريم على بعض آياته وليس بجملته. المثال الرابع: فى قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: ١٤٢]. ثم أزالهم الله تعالى عنها بقوله «فول وجهك شطر المسجد الحرام ... ». قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليها عند الإشكال، ومع العلم إذا كان هناك عدو، ورد عليه الرازى قال: على (٢) ما ذكر أبو مسلم فلا فرق بين بيت المقدس وسائر الجهات، فالخصوصية التى لها امتاز بيت المقدس عن سائر الجهات قد بطلت بالكلية، فيكون حكم الآية بالنسخ من بيت المقدس إلى البيت الحرام. المثال الخامس: فى قوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل: ١٠١]. والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما

стр. 56

الحكم، وكيفما كان فهو رفع ونسخ (١) واقع فى القرآن. وعلى هذا فقس من الأمثلة التى تثبت رأى الرازى وتدعم حجة الجمهور فى نسخ القرآن، وما يذكره فى محصوله فى المسألة التاسعة (٢) فى أنواع النسخ، وفى المسألة السابعة فى تفسيره ما يثلج الصدر، ويقوى الحجة فى أن الرازى مع الجمهور فى النسخ وأنواعه، وأن القرآن فيه من الناسخ والمنسوخ ما يرد ادعاءات أبى مسلم الأصفهانى وغيره ممن قالوا لا منسوخ فى القرآن ولا ناسخ، وأنكر وقوعه فى الشريعة الإسلامية وفى الإسلام عموما. قال الرازى فى المسألة التاسعة من المحصول «يجوز نسخ التلاوة دون الحكم، وبالعكس، لأن التلاوة والحكم عبادتان منفصلتان، وكل ما كان كذلك، فإنه غير مستبعد فى العقل أن يصيرا معا مفسدتين أو أن يصير أحدهما مفسدة دون الآخر، وتكون الفائدة فى بقاء التلاوة دون الحكم ما يحصل من العلم بأن الله تعالى أزال مثل هذا الحكم رحمة منه على عباده» (٣). فالرازى عنده من النسخ عدة أنواع مثل الجمهور: ١ - النوع الأول: نسخ الحكم دون التلاوة ، والأمثلة عليه هى التى ذكرها سابقا مثل آية الاعتداد بالحول، والصدقة، والقبلة، وأما الفائدة من بقاء الناسخ والمنسوخ فى القرآن فهى الرحمة من الله تعالى بعباده التى تذكر فى كل تلاوة لهذه الآيات، وهذا النوع من النسخ فى القرآن- هو المراد بالنسخ إذا أطلق، وهو مدار كتابات الأصوليين والمفسرين والعلماء، رفضا أو إثباتا على ما سبق بيانه فى

стр. 57

فصل المثبتين والنافين، وكان الرازى من المثبتين للنسخ والمدافعين عنه بكل وسيلة. النوع الثانى من النسخ عند الرازى : (١) وهو ما كان المنسوخ هو التلاوة فقط دون الحكم، أى بقاء حكم الآية مع عدم وجود نصها وتلاوته، كما يروى عن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم، «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالا من الله، والله عزيز حكيم» (٢)، وزاد الرازى عن أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- كنا نقرأ فى القرآن «لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم». ومنه ما روى عن أنس- رضى الله عنه- أنه نزل فى قتلى بئر معونة «أن بلغوا عنا إخواننا أنا لقينا ربنا، فرضى عنا وأرضانا» (٣). وهذا النوع من النسخ يعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول (٤). النوع الثالث من النسخ عند الرازى (٥) وهو نسخ الحكم والتلاوة معا ، وهو ما يروى عن عائشة رضى الله عنها- أنها قالت: كان

стр. 58

فيما أنزل الله تعالى عشر رضعات محرمات، فنسخن بخمس». فالعشر مرفوع التلاوة والحكم معا، والخمس مرفوع التلاوة باقى الحكم. ويروى عن عائشة أيضا أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة ثم وقع النقصان فيها، وهذا النوع (١) لا تجوز قراءته ولا العمل به، وفيه خلاف بين العلماء لأن الأخبار فيه آحاد، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها، لأن القوى لا ينسخ (٢) بأضعف منه. النوع الرابع: النسخ إلى غير بدل: قال الرازى فى المسألة السابعة (٣) من المحصول: يجوز نسخ الشيء لا إلى بدل، خلافا لقوم، قالوا لا يجوز نسخ الحكم إلا إلى بدل، واحتجوا بأن هذه الآية من سورة البقرة «ما ننسخ من آية أو ننسها نأتى بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شىء قدير» تدل على أن الله تعالى إذا نسخ، لا بدّ أن يأتى بعده بما هو خير منه، أو بما يكون مثله، وذلك صريح فى وجوب البدل من قوله تعالى- نأت بخير منها أو مثلها- ولكن الرازى (٤) يرفض هذا التوجيه للآية ويقول: لم لا يجوز أن يقال المراد أن نفى ذلك الحكم وإسقاط

стр. 59

التعبد به خير من ثبوته فى ذلك الوقت، ثم الذى يدل على وقوع النسخ لا إلى بدل انه تعالى نسخ تقديم الصدقة بين يدى رسول الله- ﷺ ومناجاته، لا إلى بدل، وهذا رأى الجمهور (١) فى قوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٣]. ٥ - النوع الخامس من النسخ عن الرازى: (٢) وهو النسخ الى بدل أثقل ، قال فى المسألة الثامنة من المحصول «يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه، خلافا لبعض أهل الظاهر» الذين فهموا قوله تعالى: «نأت بخير منها أو مثلها» أنه ينافى كونه أثقل، لأن الأثقل فى عرف النافين لا يكون خيرا منه ولا مثله، ولكن الجواب عند الرازى (٣) فى قوله: لم لا يجوز؟! أن يكون المراد بالخير ما هو أكثر ثوابا فى الآخرة، وأصلح فى المعاد وإن كان أثقل فى الحال، ثم إن الذى يدل على وقوعه فى القرآن الكريم، أن الله تعالى نسخ فى حق الزناة الحبس فى البيوت الوارد فى سورة النساء، إلى الجلد والرجم الواردين فى السنة وسورة النور، وكذلك نسخ صوم عاشوراء الثابت بالسنة، بصوم رمضان الثابت فى القرآن، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم، فنسخت بأربع فى الحضر، ألا يدل ذلك على جواز نسخ الحكم إلى ما هو أثقل منه أجرا وعملا وعبادة وحكما، ويرد على ادعاءات الظاهرية وغيرهم.

стр. 60

٦ - النوع السادس من النسخ عند الرازى هو: (١) النسخ إلى بدل أخف ، وقد وقع فى القرآن الكريم كنسخ العدة من حول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل أو التهجد إلى التخيير فيها من سورة المزمل فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ١ - ٤]. والأمر فيها للوجوب فى صلاة الليل، والناسخ قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل: ٢٠]. فنحن مخيرون فى فعل هذا المنسوخ وتركه، وفعله أفضل (٢) ولو كان قدر حلب شاة، قال الشوكانى (٣): والأولى فى الآية أن النسخ فيها لقيام الليل على العموم فى حق النبى ﷺ والمؤمنين، فلا فرض إلا الخمس صلوات عند الشافعى- ﵀ كما ثبت فى السنة المطهرة.

стр. 61

٧ - النوع السابع من النسخ عند الرازى (١): النسخ إلى بدل مماثل ، قال فى التفسير: وأما نسخ الشيء إلى المثل، فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة الوارد فى قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤]، وهذا البدل المماثل أو المساوى للقبلة لا خلاف (٢) على جوازه، حيث ثبت فى السنة صلاة الرسول ﷺ إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم حول الله تعالى القبلة إلى المسجد الحرام، مواجهة أو محاذاة للكعبة. وهذه الأنواع من النسخ استدل عليها الرازى من قوله تعالى فى سورة البقرة: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦] (٣)، قال الرازى فى التفسير: القول الثانى فى الآية «ما ننسخ من آية أى نبدلها، إما أن نبدل حكمها فقط، أو تلاوتها فقط أو هما معا، وأما قوله تعالى- أو ننسها- فالمراد نتركها كما كانت فلا نبدلها وقد بينا أن النسيان بمعنى الترك قد جاء معناه، فيصير حاصل الآية (٤) إن الذى نبدله فإنا نأتى بخير منه أو مثله. وأنواع النسخ عند الرازى لا تختلف عما ذكره الجمهور، غير أنه

стр. 62

استدل على كل نوع بدليل وأمثلة تثبت وجوده، مع الرد على المخالفين بحجج تبين قدرة هذا الرجل على الفهم ثم الصبر على المخالفين، وذكر ما خالفهم فيه حجة بحجة، ودليل بدليل، مما يجعله مثالا يحتذى فى الرد على المعارضين، وإثبات صحة ما يعتقده الإنسان والتمسك به، والدفاع عنه بكل ما أوتى من أدلة من غير غلو ولا شطط، ولا إساءة أدب إلى أحد، فمن علم حجة على من لم يعلم، وكذلك كانت حياته مجاهدة ونزال لكل من خالفه، أو شكك فى أمور الدين عامة.

стр. 63

٨ - النوع الثامن من النسخ عند الرازى (١): نسخ الشيء قبل مضى وقت فعله، أو نسخ الفعل قبل التمكن منه أو نسخ الواجب قبل مجيء وقته ، قال الرازى: اختلفوا فى نسخ الشيء قبل مضى وقت فعله، ومثاله كما قال الرازى: إذا قال الله تعالى لنا صبيحة يومنا: صلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة ثم قال عند الظهر: لا تصلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة فهذا عندنا جائز، خلافا للمعتزلة، وكثير من الفقهاء، وأما مثاله من القرآن عند القائلين به، فى قصة ذبح إسماعيل- ﵉ لما أمره أبوه، فأطاعه ابنه، ثم نسخ ذلك قبل وقت الفعل فى قوله تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٧]، قال فى الحاصل (٢) هى المسألة السادسة «يجوز نسخ الواجب قبل مجىء وقته خلافا للمعتزلة» ودليل ذلك أن إبراهيم- ﵇ كان مأمورا بذبح ولده ثم نسخ قبل ذبحه، ويدل على الأمر بالذبح وجوه: ١ - افعل ما تؤمر. ٢ - إما أن يكون مأمورا بمقدمات الذبح أو بنفس الذبح، والأول باطل لأنها ليست بلاء مبينا، فالثانى متعين. ٣ - لو كان مأمورا بالمقدمات، وقد أتى بها لما احتاج إلى الفداء،

стр. 64

والاحتياج ظاهر، وهذا ما قرره صاحب نهاية السول (١)، وغيره من جواز نسخ الشيء قبل مضى وقت فعله مخالفين بذلك المعتزلة فى عدم قبولهم لهذا النوع من النسخ. ٩ - النوع التاسع نسخ الخبر عند الرازى (٢): قال فى المسألة العاشرة من المحصول: «الخبر إما أن يكون خبرا عما لا يجوز تغيره كقولنا- العالم محدث- وذلك لا يتطرف إليه النسخ». قال الشوكانى (٣): إن كان مدلول الخبر مما لا يمكن تغيره بأن لا يقع إلا على وجه واحد، كصفات الله تعالى، وخبر ما كان من الأنبياء، والأمم السابقة وآياتها، وخبر المسيح الدجال، والجنة والنار وخلق السماوات والأرض والحساب والعقاب، فلا يجوز نسخه بالاتفاق، لأن نسخه يفضى إلى الكذب، وهذا محال. قال الرازى: إذا كان الخبر عما يجوز تغيره، وهو إما أن يكون ماضيا أو مستقبلا، والمستقبل إما أن يكون وعدا ووعيدا أو خبرا عن حكم، كالخبر عن وجوب الحج يجوز النسخ فى الكل، وقال أبو على وأبو هاشم: لا يجوز النسخ فى شىء منه وهو قول أكثر المتقدمين» فالجمهور يجيزون نسخ الأخبار التى يتغير حكمها، فهى قريبة من الأمر والنهى، وإن كانت المعتزلة (٤) لا تجيزه، وكذلك المتقدمون فى عدم جواز نسخ الأخبار بنوعيها، والرازى مع الجمهور.

стр. 65

١٠ - النوع العاشر من النسخ عن الرازى: (٢) ما اقترن بلفظ التأبيد ، إذا قال الله تعالى «افعلوا هذا الفعل أبدا» يجوز نسخه، خلافا لقوم. وعلة الجواز عند الرازى أن لفظ التأبيد فى تناوله لجميع الأزمان المستقبلة كلفظ العموم فى تناوله لجميع الأعيان فإذا جاز أحد التخصيصين، فكذا الثانى، والجامع هو الحكمة الداعية إلى جواز التخصيص، وأما السبب الثانى أن شرط النسخ أن يرد على ما أمر به على سبيل الدوام، والتأبيد لا يدل إلا على الدوام، فكان التأبيد شرطا لإمكان النسخ، وشرط الشيء لا ينافيه، كما أن حمل اللفظ على ما يطابق الظاهر أولى من حمله إلى ما يوجب ترك الظاهر. ...

стр. 66

الفصل السادس أقسام النسخ عند الرازى ١ - نسخ القرآن بالقرآن. ٢ - نسخ السنة بالسنة. ٣ - نسخ السنة بالقرآن. ٤ - نسخ القرآن بالسنة المتواترة ٥ - نسخ القرآن بالإجماع ٦ - نسخ القرآن بالقياس ٧ - نسخ الفحوى والأصل.

стр. 67

اقسام النسخ عند الرازى الرازى بحكم بيئته التى تميل إلى فلسفة الأشياء، وإن شئت بحكم نشأته التى علمته تنظير القواعد، وتنظيم الموضوعات حتى يسهل حفظها، والرجوع إليها عند الحاجة، فقد تكلم عن أقسام النسخ فى التفسير مفرقة مع شرحه لآية النسخ فى سورة البقرة ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦]، وسورة النحل وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل: ١٠١] وقسمها إلى مسائل وأقوال ثم الرد عليها والحجج التى تبين وجهة نظره أمام المخالفين، وبذلك الفعل لا يترك الرازى لمعترض اعتراضا، أو لمستفهم جوابا، وفعل الشيء نفسه فى المحصول فى أصول الفقه فى المسألة الثانية «قال الأكثرون: يجوز نسخ الكتاب- ودليله- ما ذكرناه فى الرد على أبى مسلم الأصفهانى» (١). [القسم الاول نسخ القرآن بالقرآن] أى نسخ القرآن بالقرآن وهو محل اتفاق بين العلماء وقوله- الأكثرون- يدل على احترازه من المخالفين، وأنه لا ينكر على المعترض اعتراضه إذا كان معه دليله الذى يستند إليه فى دعواه، وأما الأدلة على نسخ القرآن بالقرآن فقد سبق الحديث عنها، فى أدلة ثبوت النسخ وفى النوع الأول من أنواع نسخ القرآن الكريم، وقد فصل القول فيها، وهذا هو القسم الأول من أقسام النسخ عند

стр. 68

الرازى، وهذا القسم على جوازه إجماع (١) من أهل السنة، ومن يجيز النسخ بالمتواتر والقطعى من الأحكام، فالقرآن لا ينسخه إلا قرآن مثله، وهذا بخلاف من نفى وجود النسخ أصلا فى القرآن الكريم، ونسخ القرآن بالقرآن يوافق رأى من قال فى آية سورة البقرة فى النسخ أن لا يتعدى إلى السنة أو العكس فى قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فالسنة عندهم ليست مثلا للقرآن ولا خيرا منه، فتنسخه. ...

стр. 69

[القسم الثانى نسخ السنة بالسنة] القسم الثانى: من أقسام النسخ عند الرازى هو نسخ السنة بالسنة، وهو محل اتفاق بين العلماء أيضا، قال الرازى فى المحصول فى المسألة الأولى (١) من القسم الثانى من الناسخ والمنسوخ «نسخ السنة بالسنة يقع على أربعة أوجه: أ- الأول: نسخ السنة المقطوعة بالسنة المقطوعة ولا خلاف عليه. ب- الثانى: نسخ خبر الواحد بمثله كقوله- ﷺ «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا» (٢). وقال فى شارب الخمر «فإن شربها الرابعة فاقتلوه» ثم حمل إليه من شربها الرابعة، فلم يقتله» (٣). قال الشوكانى (٤) عند هذا الحديث إنما كان هذا فى أول الأمر، ثم نسخ بعد ذلك، والقتل منسوخ بهذا الحديث وغيره كما ذهب الجمهور. ج- الثالث: نسخ خبر الواحد بالخبر المقطوع، ولا شك فى جوازه. د- الرابع: نسخ الخبر المتواتر بالآحاد، وهو جائز فى العقل،

стр. 70

غير واقع فى السمع عند الأكثرين، خلافا لبعض أهل الظاهر، الذين يقولون إنه يجوز تخصيص المتواتر بالآحاد، فجار نسخه به والجامع بينهما دفع الضرر المظنون، وقد وقع نسخ الكتاب بأخبار الآحاد من وجوه، فالآحاد دليل من أدلة الشرع عند الظاهرية: ١ - قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ١٤٥]. قال الظاهرية: الآية منسوخة بما روى بالآحاد أن النبى ﷺ : «نهى عن أكل كل ذى ناب من السباع» (١). ٢ - قوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: ٢٤] فإنها منسوخة بما روى بالآحاد أن النبى- ﷺ قال: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» (٢) - ثم سرد الأدلة (٣) التى يحتج بها الظاهرية فى نسخ الآحاد للمتواتر ورد عليها واحدة تلو الأخرى، مفندا رأى الظاهرية، فقال عن الآية الأولى إنها مخصصة بآية سورة البقرة إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَ

стр. 71

اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٧٣]، ولم يعتبر فى الآية نسخا، وفى الآية الثانية إنما الحديث جاء مخصصا للآية وليس ناسخا، لتلقى الأمة هذا الحديث بالقبول، فجعلوه مخصصا لا ناسخا (١)، وهكذا فى رد دعاوى الظاهرية فى قبول نسخ الآحاد للمتواتر، لأن الآحاد ضعيف ومظنون والمتواتر قوى ومقطوع، فلا ينسخ الضعيف القوى (٢). فنسخ المتواتر بالآحاد غير جائز وغير واقع (٣)، وإن كان الرازى قال إنه جائز عقلا فقط، ولم يتابع فيه الظاهرية بل رد على حججهم السابقة، وهو موافق لرأى الجمهور فى عدم جواز نسخ الظنى للقطعى من الأحكام، وإن قبله آخرون وعدوه دليلا يؤخذ به. ...

стр. 72

[القسم الثالث نسخ السنة بالقرآن] القسم الثالث: نسخ السنة بالقرآن عند الرازى (١) وقد جوزه الجمهور (٢) لوقوعه، حيث إن القرآن والسنة من عند الله تعالى، غير أن القرآن متعبد بتلاوته، والسنة غير متعبد بتلاوتها، ونسخ حكم أحد الوحيين غير ممتنع. وقال الشافعى (٣) - رضى الله عنه- لا يجوز، قال الرازى واحتج المثبتون لجواز نسخ السنة بالقرآن بأمور ذكر منها:- ١ - التوجه إلى بيت المقدس كان واجبا- فى الابتداء- بالسنة، لأنه ليس فى القرآن ما يتوهم كونه دليلا عليه إلا قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥] وذلك لا يدل عليه، لأنها تقتضى التخيير بين الجهات، والناسخ قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤] (٤) فالناسخ قرآن كريم والمنسوخ سنة نبوية ثبتت فى صلاة الرسول ﷺ وقبلته بيت المقدس، وهو مشهور معروف. ٢ - قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَ

стр. 73

لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٧]. وهو نسخ تحريم المباشرة، وليس التحريم فى القرآن، وإنما ثبت بالسنة النبوية المطهرة فى بداية الصيام. ٣ - نسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان، وكان صوم عاشوراء ثابتا بالسنة النبوية. ٤ - وردت صلاة الخوف فى القرآن الكريم ناسخة لما ثبت بالسنة من جواز تأخيرها إلى انجلاء القتال، حتى قال ﷺ يوم الخندق: «حشى الله قبورهم نارا» (١) لحبسهم عن الصلاة. قال الرازى (٢): واحتج الشافعى- رضى الله عنه- لعدم الجواز بقوله تعالى: بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] و «هذه الآية تدل على أن كلام الرسول بيان للقرآن، والناسخ بيان للمنسوخ، فلو كان القرآن ناسخا للسنة، لكان القرآن بيانا للسنة فيلزم كون كل واحد منهما بيانا للآخر» ورد الرازى على الشافعى بقوله: «سلمنا أن السنة بيان

стр. 74

كلها، لكن البيان هو البلاغ، وحمله على هذا أولى، لأنه عام فى كل القرآن، أما حمله على بيان المراد فهو تخصيص ببعض ما أنزل، وهو ما كان مجملا أو عاما مخصوصا، وحمل اللفظ على ما يطابق الظاهر هو أولى من حمله على ما يوجب ترك الظاهر» (١). وهذه المسألة اختلف فيها كثيرون ردا على الإمام الشافعى أو قبولا لرأيه، ولكنى رأيت توضيح د. العلوانى (٢) يفى بما أقوله، قال فى تعليقه على هذه المسألة فى التحقيق، إن الإمام فيما قاله، لم يكن يتحدث عن الناسخ والمنسوخ من حيث الواقع وإنما كان حديثه عن الحكم بالنسخ، وكذلك لم يكن كلامه عن جواز نسخ السنة بالقرآن أو العكس حديثا عن الجواز أو عدمه من حيث العقل أو السمع، فإن حديثه لا يمكن حمله إلا على أنه بيان لكيفية الحكم بنسخ السنة، واستدل على هذا التوضيح بما جاء عن الماوردى (٣) فى أدب القاضى قائلا: إنه لا توجد سنة إلا ولها فى كتاب الله تعالى أصل كانت السنة فيه بيانا لمجمله، فإذا ورد الكتاب بنسخها، كان نسخا لما فى الكتاب من أصلها فصار ذلك نسخ الكتاب بالكتاب، فالله تعالى يوحى إلى رسوله بما يخفيه عن أمته، فإذا أراد نسخ ما سنه الرسول ﷺ . أعلمه به حتى يظهر نسخه، ثم يرد الكتاب بنسخه تأكيدا لنسخ رسوله، فصار ذلك نسخ السنة بالسنة، والمسألة الثالثة التى تحدث عنها الماوردى توضيحا لرأى الشافعى هى إن نسخ السنة بالكتاب يكون أمرا من الله تعالى لرسوله بالنسخ، فيكون الله تعالى هو الآمر بالنسخ، والرسول هو الناسخ له، فصار ذلك نسخ

стр. 75

السنة بالكتاب والسنة (١). فالشافعى رضى الله عنه يرى أن نسخ القرآن بالسنة يكون معها عاضد لها من القرآن يبين توافق القرآن والسنة، وكذلك نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافق الكتاب والسنة، وهذا ما وضحه الزركشى فى البرهان (٢) أيضا. ...
следующие страницы →