← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38112

النسخ عند الفخر الرازي

محمود محمد الحنطور

Полный текст (129 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٧٣]، ولم يعتبر فى الآية نسخا، وفى الآية الثانية إنما الحديث جاء مخصصا للآية وليس ناسخا، لتلقى الأمة هذا الحديث بالقبول، فجعلوه مخصصا لا ناسخا (١)، وهكذا فى رد دعاوى الظاهرية فى قبول نسخ الآحاد للمتواتر، لأن الآحاد ضعيف ومظنون والمتواتر قوى ومقطوع، فلا ينسخ الضعيف القوى (٢). فنسخ المتواتر بالآحاد غير جائز وغير واقع (٣)، وإن كان الرازى قال إنه جائز عقلا فقط، ولم يتابع فيه الظاهرية بل رد على حججهم السابقة، وهو موافق لرأى الجمهور فى عدم جواز نسخ الظنى للقطعى من الأحكام، وإن قبله آخرون وعدوه دليلا يؤخذ به. ...

стр. 72

[القسم الثالث نسخ السنة بالقرآن] القسم الثالث: نسخ السنة بالقرآن عند الرازى (١) وقد جوزه الجمهور (٢) لوقوعه، حيث إن القرآن والسنة من عند الله تعالى، غير أن القرآن متعبد بتلاوته، والسنة غير متعبد بتلاوتها، ونسخ حكم أحد الوحيين غير ممتنع. وقال الشافعى (٣) - رضى الله عنه- لا يجوز، قال الرازى واحتج المثبتون لجواز نسخ السنة بالقرآن بأمور ذكر منها:- ١ - التوجه إلى بيت المقدس كان واجبا- فى الابتداء- بالسنة، لأنه ليس فى القرآن ما يتوهم كونه دليلا عليه إلا قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥] وذلك لا يدل عليه، لأنها تقتضى التخيير بين الجهات، والناسخ قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤] (٤) فالناسخ قرآن كريم والمنسوخ سنة نبوية ثبتت فى صلاة الرسول ﷺ وقبلته بيت المقدس، وهو مشهور معروف. ٢ - قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَ

стр. 73

لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٧]. وهو نسخ تحريم المباشرة، وليس التحريم فى القرآن، وإنما ثبت بالسنة النبوية المطهرة فى بداية الصيام. ٣ - نسخ صوم يوم عاشوراء بصوم رمضان، وكان صوم عاشوراء ثابتا بالسنة النبوية. ٤ - وردت صلاة الخوف فى القرآن الكريم ناسخة لما ثبت بالسنة من جواز تأخيرها إلى انجلاء القتال، حتى قال ﷺ يوم الخندق: «حشى الله قبورهم نارا» (١) لحبسهم عن الصلاة. قال الرازى (٢): واحتج الشافعى- رضى الله عنه- لعدم الجواز بقوله تعالى: بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] و «هذه الآية تدل على أن كلام الرسول بيان للقرآن، والناسخ بيان للمنسوخ، فلو كان القرآن ناسخا للسنة، لكان القرآن بيانا للسنة فيلزم كون كل واحد منهما بيانا للآخر» ورد الرازى على الشافعى بقوله: «سلمنا أن السنة بيان

стр. 74

كلها، لكن البيان هو البلاغ، وحمله على هذا أولى، لأنه عام فى كل القرآن، أما حمله على بيان المراد فهو تخصيص ببعض ما أنزل، وهو ما كان مجملا أو عاما مخصوصا، وحمل اللفظ على ما يطابق الظاهر هو أولى من حمله على ما يوجب ترك الظاهر» (١). وهذه المسألة اختلف فيها كثيرون ردا على الإمام الشافعى أو قبولا لرأيه، ولكنى رأيت توضيح د. العلوانى (٢) يفى بما أقوله، قال فى تعليقه على هذه المسألة فى التحقيق، إن الإمام فيما قاله، لم يكن يتحدث عن الناسخ والمنسوخ من حيث الواقع وإنما كان حديثه عن الحكم بالنسخ، وكذلك لم يكن كلامه عن جواز نسخ السنة بالقرآن أو العكس حديثا عن الجواز أو عدمه من حيث العقل أو السمع، فإن حديثه لا يمكن حمله إلا على أنه بيان لكيفية الحكم بنسخ السنة، واستدل على هذا التوضيح بما جاء عن الماوردى (٣) فى أدب القاضى قائلا: إنه لا توجد سنة إلا ولها فى كتاب الله تعالى أصل كانت السنة فيه بيانا لمجمله، فإذا ورد الكتاب بنسخها، كان نسخا لما فى الكتاب من أصلها فصار ذلك نسخ الكتاب بالكتاب، فالله تعالى يوحى إلى رسوله بما يخفيه عن أمته، فإذا أراد نسخ ما سنه الرسول ﷺ . أعلمه به حتى يظهر نسخه، ثم يرد الكتاب بنسخه تأكيدا لنسخ رسوله، فصار ذلك نسخ السنة بالسنة، والمسألة الثالثة التى تحدث عنها الماوردى توضيحا لرأى الشافعى هى إن نسخ السنة بالكتاب يكون أمرا من الله تعالى لرسوله بالنسخ، فيكون الله تعالى هو الآمر بالنسخ، والرسول هو الناسخ له، فصار ذلك نسخ

стр. 75

السنة بالكتاب والسنة (١). فالشافعى رضى الله عنه يرى أن نسخ القرآن بالسنة يكون معها عاضد لها من القرآن يبين توافق القرآن والسنة، وكذلك نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافق الكتاب والسنة، وهذا ما وضحه الزركشى فى البرهان (٢) أيضا. ...

стр. 76

[القسم الرابع نسخ القرآن بالسنة] ٤ - القسم الرابع: من النسخ عند الرازى هو نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وهو جائز (١) وواقع، وقال الشافعى- رضى الله عنه- لم يقع، فمذهب الجمهور جوازه (٢)، محتجين بأن الكل من عند الله تعالى، وكعادة الفخر الرازى فى إيراد أدلة المثبتين والنافين ثم الفصل بينهما بما يراه مناسبا من القول والأدلة التى ترجح ما يقول وفق مذهبه، قال فى هذه المسألة إن نسخ الكتاب بالسنة المتواترة واقع واحتج مثبتوه بصور منها: ١ - إنه كان الواجب على الزانية الحبس فى البيوت لقوله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: ١٥] (٣) ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بآية الجلد ثم إنه- ﷺ نسخ الجلد بالرجم، فإن قلت بل نسخ ذلك بما كان قرآنا ويدل عليه قول عمر بن الخطاب «لولا أن يقول الناس إن عمر زاد فى كتاب الله شيئا لألحقت ذلك بالمصحف»، والرازى يرى أن الآية نسختها السنة حتى تستقيم مع عنوانه فى المسألة، فآية سورة النساء عنده منسوخة بآية سورة النور فى قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ

стр. 77

اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور: ٢]. وهذا الحكم يعم البكر والثيب، ثم جاءت السنة ونسخت الجلد بالنسبة للثيب فى حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله- ﷺ : «خذوا عنى، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (١)، ودلت السنة على أن جلد المائة ثابت على البكرين الحرين، ومنسوخ عن الثيبين، وأن الرجم ثابت على الثيبين الحرين (٢)، كما رجم الرسول- ﷺ ماعزا ورجم الصحابة بعده، فهذه دلالة صريحة عند الرازى أن السنة ناسخة للقرآن، وأن كليهما وحى، ولا يمتنع نسخ أحدهما بالآخر على ما احتج به المثبتون لنسخ السنة للقرآن الكريم. ٢ - نسخ الوصية للأقربين فى قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ١٨٠]. بقوله- ﷺ «لا وصية لوارث» لأن آية المواريث فى سورة النساء يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ

стр. 78

أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [النساء: ١١] لا تمنع الوصية: إذا لجمع ممكن، وقال الشافعى وهذا رأى ضعيف لأن كون الميراث حقا للوارث يمنعه من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية المواريث هى المانعة من الوصية فى الآية لا الحديث، فهو يرى الآية منسوخة بالآية الأخرى من سورة النساء لا الحديث (١). ويخالف الشافعى الجمهور فى نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، وأما الآحاد، فلا خلاف فى عدم نسخها للقرآن إلا ما سبق من قول بعض الظاهرية، ولهم حججهم وأدلتهم على ذلك، والشافعى يحتج على عدم وقوع نسخ السنة للقرآن بأمور: ١ - ما جاء فى قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦]. والخيرية عنده تكون فى جنس الآيات لا السنة، التى أتى بها الرسول- ﷺ والمأتى به خير من الآية، والسنة لا تكون خيرا من الآية من القرآن، وكذلك فى قوله تعالى: بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] (٢) وقوله تعالى: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل: ١٠١]. أخبر الله تعالى بأن الرسول مبين للقرآن، ونسخ العبادة رفعها، ورفعها ضد

стр. 79

بيانها، والآية الثانية أخبر الله تعالى فيها بأنه هو الذى يبدل الآية بالآية، وهذا وغيره يدل على أن القرآن لا تنسخه السنة (١). ورد الرازى عليه (٢) قائلا: إن ليس فى الآية أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخا، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئا مغايرا للناسخ، يحصل بعد حصول النسخ، وهذا الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، وكذلك المراد بالإتيان- نأت بخير منها- شرع الحكم وإلزامه، والسنة فى ذلك كالقرآن فى أن المثبت لهما هو الله تعالى، وكذلك النسخ لا ينافى البيان، لأنه تخصيص للحكم بالأزمان، كما أن التخصيص للحكم بالأعيان، وأن الرسول ﷺ لا ينسخ شيئا إلا بوحى ولا تدل الآيات على أن الوحى لا يكون إلا قرآنا إذا وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣ - ٤] فالقرآن وحى والسنة وحى، فلا مانع من نسخ أحدهما بالآخر كما ذكر الرازى، وهذا يدل صراحة على أن الرازى يوافق الجمهور فى أقسام النسخ ويخالف الشافعى- رضى الله عنه- ومن وافقه فى رفض نسخ القرآن بالسنة أو العكس، وقد حدد الرازى فى بداية المسألة السنة التى تنسخ القرآن وهى المتواترة، وجعلها قيدا فى عنوان المسألة يخرج ما عداها من الآحاد، فقد أجمعوا على أنه لا ينسخ القرآن، فالسنة المتواترة وحى تنزل به جبريل- ﵇ على الرسول ﷺ ، كما ينزل عليه بالآية من القرآن، وهذا يبرر نسخ أحدهما الآخر لكونهما وحيا من عند الله تعالى، فالدليل على المسألة يرد حجج المخالفين، والواقع من نسخ القرآن بالسنة يدل على رأى

стр. 80

الرازى الذى وافق فيه الجمهور. قال ابن عطية «حذاق الأمة على الجواز، وأبى الشافعى ذلك والحجة عليه» (١) تم وضح الزركشى وجهة نظر الإمام الشافعى فى المسألة قائلا: إن مراد الشافعى فى المسألة (٢) أن الكتاب والسنة لا يوجدان مختلفين إلا مع أحدهما مثله ناسخ له، وهذا تعظيم لقدر الوجهين، وإبانة تعاضدهما وتوافقهما، وكل من تكلم فى هذه المسألة لم يفهم مراد الشافعى». وأرى أن هذا التوضيح من الزركشى له وجاهته ودلالته على ما ذهب إليه الشافعى، فالرجل كبير ومقداره يشفع له فى التماس العذر لما ذهب إليه، وتوجيهه كما قال الزركشى، يقطع الطريق على الذين يؤلون رأيه ويخرجون به عن حدود ما قصد بتأويلات لا حصر لها، ولا فائدة من وراءها، فهى تضر أكثر مما تنفع (٣)، والشافعى- رضى الله عنه- لا يحتاج إلى من يؤول له شيئا، وهذه دلالة من وجه آخر على أن الرازى تلميذ نجيب، لم يرض من صاحب مذهبه إلا الدليل والحجة والبرهان على ما يقول مع الاحتفاظ للشافعى- رضى الله عنه- بالسبق والأستاذية فى تفريع المسائل على الأصول، وضبط شوارد علم أصول الفقه فى رسالته الخالدة فى الأصول.

стр. 81

القسم الخامس: نسخ القرآن بالإجماع (١) عند الرازى وهو غير جائز عنده، ولم يجزه إلا عيسى بن أبان المعتزلى والمنسوخ بالإجماع إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا، والأول يقتضى وقوع الإجماع على خلاف النص وخلاف النص خطأ، والإجماع لا يكون خطا، فهو باطل ولا يصح. والثانى باطل أيضا، لأن الإجماع المتأخر إما أنه يقتضى أن الإجماع الأول- حين وقع- وقع خطأ أو كان صوابا إلى هذه الغاية، وهو باطل، لأنه إن كان مطلقا استحال أن يفيد الحكم مؤقتا، وإن كان مؤقتا إلى غاية، فينتهى إلى الغاية بنفسه فلا يكون الإجماع المتأخر رافعا له. والثالث باطل، لأن شرط صحة القياس عدم الإجماع، فإذا وجد الإجماع فقد زال شرط صحة القياس، وزوال الحكم لزوال شرطة لا يكون نسخا. فالإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به عند الجمهور (٢) وكذلك الرازى، وقال: والحق أنه لا يجوز أن ينسخ القرآن بالإجماع. ...

стр. 82

القسم السادس: نسخ القرآن بالقياس (١) عند الرازى نسخ القياس إما أن يكون فى زمان حياة الرسول ﷺ أو بعد وفاته. ففي حياته- ﷺ لا يمتنع رفع القياس ونسخه بالنص أو بالإجماع أو بالقياس أى يمكن نسخ القياس بالقرآن وبالسنة وبالإجماع وبالقياس نفسه. وأما بعد وفاة النبى فلا يجوز. وأما كون القياس ناسخا للقرآن أو السنة أو الإجماع أو القياس، فالأقسام الأولى الثلاثة باطلة بالإجماع، والرابع وهو نسخ القياس بالقياس جائز عنده، وذلك بأن يكون قياسا (٢) أجلى منه، على الرغم من ذكر آراء أخرى (٣) فى هذا النسخ، وقال الخبازى (٤) «لا خلاف أن القياس عند الجمهور لا يصلح ناسخا للقرآن، وكذلك الإجماع عند أكثرهم» قال فى الحاصل (٥) «والقياس ينسخ وينسخ به» أى ينسخ فى عهد الرسول- ﷺ بالنص والإجماع وبقياس آخر تكون أمارة العلة فيه أجلى.

стр. 83

القسم السابع: نسخ الفحوى والأصل عند الرازى اتفقوا على جواز (١) نسخ الأصل أى النص وفحواه معا، وأما نسخ الأصل وحده، فإنه يقتضى نسخ الفحوى، لأن الفحوى تبع الأصل وإذا زال المتبوع زال التبع لا محالة وأما نسخ الفحوى مع بقاء الأصل فاختيار أبى الحسين (٢) أنه لا يجوز، والسبب أن فحوى القول لا ترتفع مع بقاء الأصل إلا وينتقض الغرض، لأنها لازمة ونفى اللازم مع استيفاء الملزوم محال، فمثلا: إذا حرم علينا التأفيف على سبيل الإعظام للأبوين، كانت إباحة ضربهما نقضا للغرض، وأما كون الفحوى ناسخه فمتفق عليه لأن دلالتها إما أن تكون لفظية، أو عقلية فتقتضى النسخ لا محالة. قال الإسنوى (٣): فدلالة الفحوى من باب القياس، والقياس يكون ناسخا لقياس آخر أخفى منه، فتكون الفحوى كذلك، قال الخضرى (٤): يجوز أن ينسخ. منطوق نص دون فحواه، ولا يجوز العكس، فقد يكون لنص منطوق وفحوى، وهو ما يسميه الحنفية بدلالة النص ويسميه المتكلمون مفهوم الموافقة، والقياس الجلى نحو الآية السابقة وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ

стр. 84

لَهُما قَوْلًا كَرِيماً [الإسراء: ٢٣] فمنطوقه طلب الكف عن التأفيف، فيفهم بمجرد اللغة أن العلة هى الأذى، فالضرب مطلوب الكف عنه، وهو فحوى الخطاب، فهل يجوز أن ينسخ أحدهما ويبقى الآخر، فقال فريق لا يجوز أن ينسخا إلا معا، فمتى نسخ أحدهما تبع الآخر، وقال فريق يجوز نسخ أحدهما وبقاء الآخر، والمختار الأول وهو رأى الرازى (١). ...

стр. 85

الفصل السابع طرق معرفة الناسخ والمنسوخ عند الرازى الطرق اللفظية الطرق غير اللفظية

стр. 86

تعد معرفة الناسخ والمنسوخ من القواعد المهمة فى فهم الدين الإسلامى وأحكامه، وبخاصة فيما استقر من أحكام، وما ألغى منها، بعد أن كمل الدين، وتمت النعمة بنزول القرآن الكريم كاملا على رسول الله ﷺ ثم وفاته بعد ذلك، مما يجعل القول فى الناسخ والمنسوخ محكوما بشروط حددها العلماء، وكذلك الطريق إلى معرفته، فلا يصح القول فيه بالرأى أو الاجتهاد، أو قول المفسرين أو التعارض الظاهر بين الآيات الذى يمكن جعله من تفسير القرآن بالقرآن كالعام والخاص والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، وهذا كثير فى القرآن ولا علاقة له بالنسخ، الذى حدده الرازى (١) بقوله «هو طريق شرعى يدل على أن الحكم الذى كان ثابتا بطريق شرعى لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه عنه، على وجه لو لاه لكان ثابتا» وطرق معرفة الناسخ والمنسوخ فى القرآن الكريم عند الرازى (٢) فى قسمين أساسين:- [الطرق اللفظية] ١ - ما يعرف به النسخ من خلال اللفظ، بأن يوجد لفظ النسخ فى الآية أو الرواية، بأن يقول الراوى هذا منسوخ أو يقول ذاك ينسخ هذا. [الطرق غير اللفظية] ٢ - ما يعرف به النسخ من غير اللفظ، وهو أن تأتى الآية بنقيض الحكم الأول أو بضده، مع العلم بالتاريخ، ومثال النقيض قوله تعالى الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ

стр. 87

الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٦٦]. فإن الآية نسخت حكم ثبات الواحد لعشرة، لأن التخفيف نفى للثقل المذكور فى قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال: ٦٥] (١). وأما أن تأتى الآية بالضد للحكم الأول الذى استقر، كتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فى قوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤] فالتوجه إلى الكعبة ضد التوجه إلى بيت المقدس. وأما التاريخ الذى يعلم به النسخ، فقد يعلم باللفظ أو بغيره، أما اللفظ، فإذا قال الراوى أحد الخبرين قبل الآخر. وأما بغير اللفظ فعلى وجوه: (٢). ١ - أن يقول الراوى هذا الخبر ورد سنة كذا وهذا فى سنة كذا. ٢ - أن يعلق أحدهما على زمان معلوم التقدم، والآخر بالعكس، كما لو قال: كان هذا فى غزوة بدر، والآخر فى غزوة أحد، وهذه الآية نزلت قبل الهجرة، والأخرى بعدها. ٣ - أن يروى أحدهما رجل (٣) متقدم الصحبة لرسول الله ﷺ ،

стр. 88

ويروى الآخر رجل متأخر الصحبة، وانقطعت صحبة الأول للرسول عند ابتداء الآخر بصحبته، فهذا يقتضى أن يكون خبر الأول متقدما عن الثانى. وأما لو دامت صبحة المتقدم مع الرسول لم يصح هذا الاستدلال. وأما إذا اجتهد الصحابى بأن قال: كان هذا الحكم، ثم نسخ كقولهم: إن خبر: «الماء من الماء» نسخ بخبر «التقاء الختانين» لم يكن ذلك حجة، لأنه يجوز أن يكون قاله اجتهادا، فلا يلزمنا. قال الرازى (١)، إن عيّن الراوى الناسخ فقال هذا نسخ هذا، جاز أن يكون قاله اجتهادا، فلا يجب الرجوع إليه، كما قاله الكرخى. وإن لم يعين الناسخ بل قال هذا منسوخ وجب قبوله، لأنه لولا ظهور النسخ فيه، ما أطلق النسخ إطلاقا، ثم رجع مرة ثانية وقال هذا ضعيف فلعله قاله لقوة ظنه، فلا يؤخذ به. ...

стр. 89

الفصل الثامن وقائع النسخ عند الرازى فى تفسيره الكبير، مع التعليق عليها ١ - الصلاة: نسخ القبلة. ٢ - قيام الليل ونسخه. ٣ - صوم عاشوراء ونسخه. ٤ - نسخ تحريم المباشرة. ٥ - نسخ صدقة النجوى. ٦ - نسخ العدد فى الجهاد. ٧ - نسخ الحبس للزناة.

стр. 90

أولا: نسخ القبلة

стр. 91

عالج الرازى قضية نسخ القبلة فى التفسير والمحصول، ففي المحصول، استدل الرازى على جواز نسخ القرآن للسنة بنسخ القبلة، ففي المسألة الثانية من المحصول قال (١) إن الأكثرين يجوزون نسخ السنة بالقرآن، خلافا للإمام الشافعى الذى رد عليه فى مكانه من الكتاب عند القسم الثالث من النسخ، قال الرازى فى المحصول: إن التوجه إلى بيت المقدس كان واجبا- فى الابتداء- بالسنة؛ لأنه ليس فى القرآن ما يتوهم كونه دليلا عليه إلا قوله تعالى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]. وذلك لا يدل على النسخ لأن الآية تقتضى التخيير بين الجهات، ثم عاد وسأل: لماذا لا يكون التوجه إلى بيت المقدس وقع فى الأصل بالكتاب؟ ولكن أين الدليل؟ لا بدّ إذن من أن يكون التوجه إلى بيت المقدس نسخ تلاوة كما نسخ حكما، فلا مانع من جواز هذا الفرض عنده. ثم يرجع مرة ثانية إلى التسليم بوقوع التوجه إلى بيت المقدس بالسنة، وما المانع من وقوع نسخه بالسنة أيضا، فالثابت من التوجه إلى الكعبة بالكتاب لا يمنع من كون التحويل عن بيت المقدس بالكتاب، قال الرازى: فالظاهر أنه ﷺ حوّل عن بيت المقدس، ثم أمر بالتوجه إلى الكعبة بعد ذلك. والثابت أن الرسول ﷺ لما فرضت عليه (٢) الصلاة صلى وقبلته تجاه بيت المقدس لمدة ستة عشر شهرا، والمدقق فى رأى الرازى الأول

стр. 92

الذى يقول بأن التوجه إلى بيت المقدس وقع فى الأصل بالكتاب ولكنه نسخ تلاوة وحكما، يجد أن الذين قالوا بمنع النسخ فى القرآن أخذوا هذه الفكرة، وقالوا إنما الناسخ والمنسوخ مما رفعه الله إليه ولا يوجد عليه دليل، فلا ناسخ ولا منسوخ فى كتاب الله تعالى، وهو مردود عليهم بأدلة ثابتة فى مكانه من الكتاب، فالقضية إذن فى قوله تعالى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]. قال الرازى (١) فى تفسير الآية إن الأكثرين قالوا إنها نزلت فى أمر يخص الصلاة، وهو أقوى من قول غيرهم لوجهين ذكرهما: أنه المروى عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة، وثانيهما: أن ظاهر قوله- فأينما تولوا- يفيد التوجه إلى القبلة فى الصلاة، ولهذا لا يعقل من قوله تعالى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ إلا هذا المعنى، فإذا ثبت هذا فنقول: اختلف القائلون به إلى وجوه: أحدها: أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة لله سبحانه ومخلوقة له، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد وهو واسع عليم بمصالحهم، فكأنه تعالى ذكر ذلك بيانا لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد الله تعالى من نسخ القبلة، ومع ذلك فالرازى يميل فى

стр. 93

تفسير الآية على التخيير، قال (١): فأى هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب؟ قلنا: إن قوله تعالى- فأينما تولوا فثم وجه الله- مشعر بالتخيير، والتخيير لا يثبت إلا فى صورتين، أحدهما فى التطوع على الراحلة، وثانيهما فى السفر عند تعذر الاجتهاد للظلمة أو لغيرها، لأن فى هذين الوجهين المصلى مخير، فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير، وقول من يقول إن الله تعالى خيّر المكلفين فى استقبال أى جهة أرادوا بهذه الآية وهم، وكانوا يختارون بيت المقدس لا لأنه لازم بل لأنه أفضل وأولى بعيد أيضا، لأنه لا خلاف أن لبيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة اختصاصا فى الشريعة، ولو كان الأمر كما قالوا لم يثبت ذلك الاختصاص، وأيضا فكان يجب أن يقال إن بيت المقدس صار منسوخا بالكعبة، فهذه الدلالة تقتضى أن يكون حمل الآية على الوجه الثالث والرابع السابقين أولى، ولكن حمل الآية على الوجه الأول أولى، والذين يقولون به لهم أن يقولوا إن القبلة لما حولت تكلم اليهود فى صلاة الرسول ﷺ وصلاة المؤمنين إلى بيت المقدس، فبين الله تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صوابا فى ذلك الوقت، والتوجه إلى الكعبة صواب فى هذا الوقت، وبيّن أنهم أينما يولوا من هاتين القبلتين فى المأذون فيه، فثمّ وجه الله تعالى، وحمل الكلام على هذا الوجه أولى لأنه يعم كل مصل، فى الفرض والتطوع. فالآية عند الرازى منسوخة بقوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُ

стр. 94

مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة: ١٤٤]. قال الرازى (١): القول المشهور الذى عليه أكثر المفسرين أن هذه الآية كانت لانتظار تحويل القبلة للرسول ﷺ من بيت المقدس إلى الكعبة، وذكروا وجوها تدل على ذلك، منها أن الرسول كان يرجو عند التحويل رغبة العرب فى الإسلام والمباينة عن اليهود، وتمييز الموافق من المنافق، فلهذا كان يقلب وجهه فى السماء، وهذا التوجيه للآية أولى وإلا لما كانت القبلة الثانية، ناسخة للأولى، بل كانت مبتدأة، والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، ولا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه، قال الرازى فى المسألة الرابعة (٢) من التفسير: والمشهور أن التوجه إلى بيت المقدس إنما صار منسوخا، بالأمر بالتوجه إلى الكعبة، ومن الناس من قال: التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخا بقوله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ثم صار منسوخا بقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ واحتجوا عليه بالقرآن والأثر، أى أن الأمر فى القبلة الثابتة فى السنة نسخها قوله تعالى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ثم نسخ التخيير فيها بقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فالآية على هذا ناسخة للسنة منسوخة بالقرآن. قال الرازى واحتجوا على هذا الرأي بقوله تعالى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ثم ذكر بعده قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ثم ذكر بعده قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ وهذا الترتيب يقتضى صحة المذهب الذى قلناه بأن التوجه

стр. 95

إلى بيت المقدس صار منسوخا بقوله فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فلزم أن يكون قوله- سيقول السفهاء- متأخر النزول والدرجة عن قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ فحينئذ يكون تقديمه عليه فى الترتيب على خلاف الأصل، فثبت ما قلناه من النسخ. وأما الأثر الذى يدل على أن الآية ناسخة، فما روى عن ابن عباس أن أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن، والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس غير مذكور فى القرآن، إنما المذكور قوله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فوجب أن يكون قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ ناسخا لذلك لا للأمر بالتوجه إلى بيت المقدس. فخلاصة رأى الرازى أن قوله تعالى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ناسخ للتوجه إلى بيت المقدس الثابت بالسنة النبوية، وهو أى التوجه إلى بيت المقدس منسوخ بقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ لأن الأمر بالتوجه إلى بيت المقدس منسوخ بقوله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ لأنه غير مذكور فى القرآن فهو نسخ قرآن بقرآن على هذا الأساس، ولذلك قال فى الإيضاح «أمر الله نبيه- بغير قرآن- بالصلاة نحو بيت المقدس، فصلى نحوها بضعة عشر شهرا، وكان يحب التوجه إلى الكعبة، فنسخ الله تعالى الصلاة نحو بيت المقدس بالصلاة إلى الكعبة فصار المنسوخ ناسخا لما نسخه الله قبل، وهذا قليل النظير فى الناسخ والمنسوخ، وهذا كله يدل على أن الصلاة نحو بيت المقدس كان بأمر الله له، فهو نسخ قرآن بقرآن» (١). وأما قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال فى

стр. 96

الإيضاح (١): ظاهرها يدل على جواز الصلاة إلى كل جهة من شرق وغرب وغيره وهو منسوخ عند مالك وأصحابه، بقوله فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فيكون هذا مما نسخ قبل العمل به، قال فى الإيضاح (٢): وللعلماء فى هذه الآية خمسة أقوال: ١ - هى ناسخة للصلاة إلى بيت المقدس وهو قول مجاهد هو والضحاك. ٢ - هى مخصوصة محكمة، نزلت فيمن جهل القبلة. ٣ - محكمة مخصوصة فى صلاة النبى على النجاشى حين صلى عليه واستقبل جهة إلى غير قبلة، فهو خصوص للنبى ﷺ . ٤ - مخصوصة بالدعاء أى ادعوا كيف شئتم مستقبلين أو غير مستقبلين القبلة. ٥ - مخصوصة بصلاة المسافر للنوافل على راحلته يصلى أينما توجهت به راحلته، وهو جار على مذهب مالك وأصحابه. وقد رجح الرازى أنها ناسخة منسوخة، وناسخها قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وعدّها الرازى من قسم نسخ القرآن للسنة، وليس من نسخ القرآن للقرآن، وهو من نسخ القرآن إلى بدل مماثل حيث إن النسخ فى تحويل قبلة إلى قبله مثلها، فالقضية إذن نسخ قرآن للسنة ثم نسخ قرآن بقرآن وعلى هذا فلا خلاف بين من قال هو نسخ قرآن بقرآن أو قرآن للسنة كما سبق فى البيان والتوضيح.

стр. 97

ثانيا: قيام الليل

стр. 98

قيام الليل الوارد فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [المزمل ١ - ٣]. قال الرازى (١) فى المسألة الأولى إن قيام الليل كان فريضة على رسول الله ﷺ لقوله «قم الليل» وظاهر الأمر للوجوب ثم نسخ، واختلفوا فى سبب النسخ على وجوه، أولها: أنه كان فرضا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثم نسخ بها، ثانيها: أنه تعالى لما قال قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا فكان الرجل لا يدري كم صلى، وكم بقى من الليل، فكان يقوم الليل كله مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، وشقّ عليهم ذلك حتى ورمت أقدامهم وسوقهم، فنسخ الله تعالى ذلك بقوله فى آخر السورة فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وذلك فى صدر الإسلام، قال ابن عباس: كان بين أول الإيجاب وبين نسخه سنة، وكذلك قالت عائشة رضى الله عنها (٢)، قال فى الإيضاح (٣): «وأكثر الناس على أن الناسخ لفرض قيام الليل فى سورة المزمل قوله تعالى فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: ٢٠] مع ما قبل ذلك وما بعده». وقال ابن عباس- رضى الله عنه- سقط عن أصحاب رسول الله ﷺ قيام الليل، وصارت تطوعا، وبقى ذلك فرضا على رسول الله، ثم ذكر الله تعالى الحكمة من هذا النسخ فقال تعالى عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ

стр. 99

وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ. ولقد عدّ الرازى هذا النوع من النسخ، نسخ قرآن بقرآن، وهو من القسم الأول عنده فى أقسام القرآن الذى نسخ قرآنا، وهو أن يكون الناسخ أمرا بترك العمل بالمنسوخ الذى كان فرضا من غير (١) بدل، ونحن مخيرون فى فضل المنسوخ وتركه، وفعله أفضل، وأما (٢) ما قيل أنه بقى على الرسول فرض قيام الليل وحده، فقوله تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الإسراء: ٧٩] يرده مع الإجماع على أن لا فرض إلا خمس صلوات، وقال ابن عباس: نافلة لك أى فرضا عليك أى فرض الله تعالى ذلك على النبى ﷺ خاصة، وقيام الليل هذا أو التهجد فرض قد نسخته آيات سورة المزمل إلى ندب التهجد فى قوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فهو كما قال الشافعى (٣) ندب نسخ فرضا على الرسول والمسلمين.

стр. 100

وقد رفض هذا القول صاحب الرأى الصواب (١) قائلا إن الآية أو السورة أصلا ليس بها ناسخ ولا منسوخ، لأنه حكم مرتبط بغاية أو مغيا، وما كان كذلك، فلا نسخ فيه. وأما الرازى (٢) كما سبق، فقد عدّها من نسخ البدل إلى بدل أخف، وليس كما قال مكى بن أبى طالب من غير بدل، فالتهجد أو صلاة الليل عند الرازى منسوخة بما فى نفس السورة من قرآن، فالنسخ حاصل فى صلاة الليل من تأدية المسلم للفرائض مثل الصلاة والزكاة وغيرها مما يثاب عليه المسلم من الفرائض، ولا قيمة لما ذكره صاحب الرأى الصواب بعد قول الأئمة الأعلام فى الآية من نسخ. ...

стр. 101

ثالثا: فى الصوم: ونسخ صوم رمضان لما عداه

стр. 102

ورد الصوم فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]. قال الرازى فى المسألة (١) الثانية: اختلفوا فى قوله تعالى- أياما معدودات- على قولين: الأول: أنها غير رمضان، وهو قول معاذ وقتادة وعطاء، ورواه عن ابن عباس، ثم اختلف هؤلاء فقيل: ثلاثة أيام من كل شهر عن عطاء، وقيل: صوم يوم عاشوراء، عن قتادة ثم اختلفوا أيضا، فقال بعضهم: إنه كان تطوعا ثم فرض، وقيل: بل كان واجبا، واتفقوا على أنه منسوخ بصوم رمضان، وهؤلاء الذين قالوا إن الأيام المعدودات غير رمضان احتجوا بوجوه منها: الوجه الأول: ما روى عن النبى ﷺ أن صوم رمضان نسخ كل صوم، فدل هذا على أن صوما آخر كان واجبا قبل وجوب رمضان. الوجه الثانى: أن الله تعالى ذكر حكم المريض والمسافر فى هذه الآية، ثم ذكر حكمها أيضا فى الآية التى بعدها الدالة على صوم

стр. 103

رمضان، فلو كان هذا الصوم هو صوم رمضان، لكان ذلك تكريرا محضا من غير فائدة وأنه لا يجوز. الوجه الثالث: أن قوله تعالى فى هذا الموضع- وعلى الذين يطيقونه فدية- يدل على أن الصوم واجب علي التخيير، يعنى إن شاء صام، وإن شاء أعطى الفدية، وأما صوم رمضان فإنه واجب على التعيين، فوجب أن يكون صوم هذه الأيام غير صوم رمضان. أما القول الثانى فى هذه الأيام المعدودات، وهو قول أكثر المحققين واختيارهم، كابن عباس والحسن وأبى مسلم، أن المراد بهذه الأيام المعدودات: شهر رمضان وقالوا فى تقريره أنه تعالى قال أولا كتب عليكم الصيام- وهذا محتمل ليوم ويومين وأيام ثم بينه بقوله- أياما معدودات- فزال بعض الاحتمال ثم بينه بقوله- شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن- فعلى هذا الترتيب يمكن جعل هذه الأيام بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره، ولا وجه لإثبات النسخ فيه، لأن كل ذلك زيادة لا يدل اللفظ عليها، فلا يجوز القول به. وقال الرازى بعد أن فند حجج أصحاب الرأى الأول، واعلم أن على كلا القولين، لا بدّ من تطرق النسخ إلى هذه الآية، فعلى القول الأول فالنسخ فيها ظاهر، أى نسخت الآية صيام عاشوراء أو غيره، تطوعا كان أو فرضا أو واجبا، فتكون الآية قد نسخت سنة كانت ثابتة، والناسخ هو قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، وتكون من نسخ الكتاب للسنة (١) وهو نسخ إلى بدل أثقل. والقول الثانى: يقتضى (٢) أن صوم رمضان كان واجبا مخيرا،

стр. 104

والآية التى بعدها تدل على التعيين قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وتكون هذه الآية ناسخة، لقوله وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ وهى منسوخة، وفيه إشكال وهو أنه كيف يصح أن يكون قوله- فمن شهد منكم الشهر فليصمه ناسخا، للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ وذلك لا يصح، والجواب عن الإشكال عند الرازى إن الاتصال فى التلاوة لا يوجب الاتصال فى النزول وهذا كما قاله الفقهاء فى عدة المتوفى عنها زوجها (١)، أن المقدم فى التلاوة هو الناسخ والمنسوخ متأخر، وهذا ضد ما يجب أن يكون عليه حال الناسخ والمنسوخ، وهو موجود فى القرآن الكريم. قال فى الإيضاح (٢) الأشهر والمعول عليه فى هذه الآية أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٨٤]، إنها منسوخة بقوله تعالى شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: ١٨٥] فالناسخ والمنسوخ من القرآن، وهو كما قال الرازي صوم رمضان نسخ ما ثبت قبله من صيام عاشوراء أو غيره فهو نسخ للسنة بالقرآن، وشهود الشهر ناسخ للتخيير فى الصيام أو دفع الفدية، وهو نسخ قرآن بقرآن، فالرازى يعدها من نسخ القرآن للسنة الثابتة.

стр. 105

رابعا: نسخ تحريم المباشرة للزوجة الوارد فى قوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقر: ١٨٧]. قال الرازى فى المسألة (١) الأولى: ذهب جمهور المفسرين إلى أن فى أول شريعة محمد ﷺ كان الصائم إذا أفطر حلّ له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلى العشاء الأخيرة، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية، واحتج الجمهور بوجوه ذكرها الرازى، أن هذه الآية ناسخة لحرمة كانت ثابتة فى صومنا، وفى شرعنا، فلزم أن تكون الحرمة موجودة وثابتة، وإلا ما فائدة- أحل لكم- وغيرها من الحجج فى الآية، والذين قالوا إن الحرمة كانت ثابتة فى شرعنا ثم نسخت بهذه الآية استدلوا على ما قالوه بقصة أبى صرمة أو قيس ابن صرمة (٢)، الصحابى، لما جاء إلى الرسول ﷺ وقد أجهده الصوم، فسأله الرسول عن سبب ضعفه فقال يا رسول الله عملت فى النخل نهارى أجمع، حتى أمسيت، فأتيت أهلى لتطعمنى شيئا،

стр. 106

فأبطأت، فنمت، فأيقظونى، وقد حرم الأكل فقام عمر فقال: يا رسول الله: أعتذر إليك من مثله، رجعت إلى أهلى بعد ما صليت العشاء الآخرة، فأتيت امرأتى، فقال ﵇: لم تكن جديرا بذلك يا عمر، ثم قام رجال فاعترفوا بالذى صنعوا فنزلت الآية. فالآية عند الرازى (١) من نسخ القرآن للسنة وهو من نسخ البدل إلى أخف منه. والمباشرة (٢) للنساء أو الجماع ليالى الصيام كله، قد أباحها الله تعالى إباحة عامة، والمباشرة هى الجماع لا اختلاف فى هذا لقوله تعالى وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعنى من الولد، على عكس ما توهم قوم أن هذا الحكم منسوخ بقوله- فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ- وليس الأمر كذلك كما مرّ من أدلة الجمهور على النسخ. ...

стр. 107

خامسا: نسخ صدقة النجوى للرسول- ﷺ : وقد وردت فى قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المجادلة: ١٢]. قال الرازى: ظاهر (١) الآية يدل على أن تقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول كان واجبا، لأن الأمر للوجوب، ويتأكد ذلك فى آخر الآية- فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم- فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده يزول وجوبه، على أنهم اختلفوا فى مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ، فقال الكلبى: ما بقى ذلك التكليف إلا ساعة من النهار ثم نسخ. وقال مقاتل وابن حبان: بقى ذلك التكليف عشرة أيام ثم نسخ، وذلك لقول على بن أبى طالب: إن فى كتاب الله تعالى لآية ما عمل بها أحد قبلى، ولا يعمل بها أحد بعدى، كان لى دينار، فاشتريت به عشرة دراهم، فكلما ناجيت الرسول قدمت درهما بين يدى نجواى، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد. وكانوا قبل نزول الرخصة، قد أحجموا عن مناجاة الرسول، فلم يناجه أحد حتى نزلت الآية الناسخة (٢) بالرخصة لهم، قال الرازى (٣) فى قوله- فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم- فالمراد الفقراء، وهذا يدل على أن من لم يجد ما يتصدق به كان معفوا عنه، وأما الناسخ للآية فهو قوله

стр. 108

تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ [المجادلة: ١٣] قال الرازى (١) فى المسألة الخامسة: أنكر أبو مسلم الأصفهانى وقوع النسخ فى الآيتين، وقال إن تقديم الصدقة ليتميز المنافق من المؤمن، وهذا التكليف إلى أجل، وحاصل كلام أبى مسلم أن ذلك التكليف بالصدقة كان مقدرا بغاية مخصوصة، فوجب انتهاؤه إلى الغاية المخصوصة، فلا يكون نسخا، وقال الرازى: وهذا كلام حسن ما به بأس، غير أن المشهور عند الجمهور أنه منسوخ بقوله تعالى السابق، ومنهم من قال إنه منسوخ بوجوب الزكاة، وقد عدّ الرازى (٢) هذه الآيات من النسخ إلى غير بدل، معلنا رأى الجمهور فى ثبوت نسخ صدقة النجوى، وإن كان رأى أبى مسلم الأصفهانى عنده مستحسن، فالجمهور أولى بالاتباع، فلا نقول كما قال أحدهم (٣) فأين الفرض الثانى أو البدل من النسخ، فلا يشترط وجود البدل عند النسخ فهو أمر إلهى وتكليف شرعى، مداره على الاتباع وليس الابتداع، فأكثر (٤) الناس على أن هذا الأمر بتقديم الصدقة عند مناجاة الرسول منسوخ بقوله تعالى: [أأشفقتم .. » قال فى الإيضاح (٥) وهذا مما نسخ قبل العمل به، وهو نسخ قرآن بقرآن ولعل من اللطائف فى الآية الناسخة أنها أبقت الأصل هو إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهو غير منسوخ، ولعل الرازى

стр. 109

يريد بقول من قال إن الآية منسوخة بوجوب الزكاة، أى أن الزكاة نسخت كل صدقة زائدة عليها، ومن داخلها صدقة النجوى اعترافا بوجود النسخ فى حكم صدقة النجوى، لا كما يدّعى من يقول إن الآية محكمة أو لغاية محدودة، وينكر وقوع النسخ أصلا فى هذه السورة الكريمة أى سورة المجادلة. ***

стр. 110

سادسا: نسخ العدد فى الجهاد أو التخفيف وقد ورد ذلك الأمر فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الأنفال: ٦٥]. قال الرازى (١): اتفقت الأمة على جواز نسخ القرآن ودليله أن الله تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة فى الآية السابقة ثم نسخ ذلك بقوله: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٦٦]. قال الرازى (٢) قوله تعالى: «إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين». ١ - ليس المراد من الآية الخبر، بل المراد الأمر كأنه قال- إن يكن منكم عشرون- فليصبروا وليجتهدوا فى القتال حتى يغلبوا مائتين، والذى يدل على أنه ليس المراد من الكلام الخبر وجوه: أولها: لو كان المراد منه الخبر، لزم أن يقال إنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ومعلوم أنه باطل، الوجه الثانى: أنه قال فى الآية الثانية- الآن خفف الله عنكم- والنسخ هنا أليق بالأمر منه بالخبر، الوجه الثالث: قوله من بعد- والله مع الصابرين- وذلك ترغيبا في الثبات على الجهاد، فثبت أن المراد من هذا الخبر هو الأمر، وإن كان وارد بلفظ الخبر كقوله تعالى:
следующие страницы →