← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولَمَّا لَقِيَ بَحِيرَا الرَّاهِبَ، قَالَ لَهُ بَحِيرَا: أسْأَلُكَ بِاللَّاتِ والعُزَّى إِلَّا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أسْأَلُكَ عَنْهُ، وكَانَ بَحِيرَا سَمعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا، فقَالَ لهُ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَسْأَلْنِي بِحَقِّ اللَّاتِ والعُزَّى شَيْئًا، فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضِي لَهُمَا" (١). وَرَوَى النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁ قَالَ: . . . كَانَ صَنَمَانِ مِنَ نُحَاسٍ يُقَالُ لَهُمَا: إسَافٌ، وَنَائِلَةُ يَتَمَسَّحُ بهِمَا المُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا (٢)، فَطَافَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وطُفْتُ مَعَهُ، فلَمَّا مَرَرْتُ، مَسَحْتُ بِهِ، فقَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَمَسَّهُ"، قَالَ زَيْدُ: فَطُفْنَا، فَقُلْتُ في نَفْسِي: لَأَمَسَّنَّهُ حتَّى أَنْظُرَ ما يَكُونُ، فَمَسَحْتُهُ، فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَمَسَّهُ، أَلمْ تُنْهَ؟ ". قَالَ زَيْدٌ: فَوَالَّذِي أكْرَمَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتَابَ ما اسْتَلَمَ صَنَمًا قَطُّ حتَّى أكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بالذِي أَكْرَمَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ (٣). * بُغِّضَ إلى رسُولِ اللَّهِ ﷺ الشِّعْرُ: وكَذَلِكَ بُغِّضَ إِلَيْهِ ﷺ قَوْلُ الشِّعْرِ (٤) فَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ شِعْرًا، أَوْ

стр. 142

أَنْشَأَ قَصِيدَةً، أَوْ حَاوَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لا يَتَلاءَمُ ومَقَامُ النُّبُوَّةِ، ولَمْ يَكُنِ الشُّعَرَاءُ بِذَوِي الأخْلَاقِ، والسِّيرَةِ المَرْضِيَّةِ، فَلا عَجَبَ أَنْ نَزَّهَهُ اللَّهُ عَنِ الشِّعْرِ، والرِّسَالَةُ تَقْتَضِي انْطِلَاقًا في الأُسْلُوبِ والتَّعْبِيرِ، والشِّعْرُ تَقَيُّدٌ والْتِزَامٌ، وصَدَقَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (١). ومَعَ هَذَا فَقَدْ كَانَ ﷺ يتَذَوَّقُ ما فِي الشِّعْرِ مِنْ جَمَالٍ، وَحِكْمَةٍ، ورَوْعَةٍ، ويَسْتَنْشِدُهُ أصْحَابَهُ أحْيَانًا (٢)، ولا عَجَبَ فَهُوَ القَائِلُ ﷺ : "إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا، وإنَّ مِنَ الشِّعْرِ حَكْمَةً" (٣).

стр. 143

وهُوَ القَائِلُ لِحَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ ﵁ (١): "اهْجُ المُشْرِكِينَ، فإنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ" (٢). * لَمْ يَشْرَبْ رسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْرًا، وَلَا قَرُبَ مِنْ فَاحِشَةٍ: ولَمْ يَشْرَبْ خَمْرًا قَطُّ ﷺ ، ولا اقْتَرَفَ فَاحِشَةً، ولا انْغَمَسَ فِيمَا كَانَ يَنْغَمِسُ فيهِ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ حِينَئِذٍ مِنَ اللَّهْوِ، واللَّعِبِ، والمَيْسِرِ، ومُصَاحبَةِ الأشْرَارِ ومُعَاشَرَةِ القِيَانِ (٣)، . . . عَلَى ما كَانَ عَلَيْهِ مِنْ فتوَّةٍ وشَبَابٍ، وشَرَفٍ ونَسَبٍ، وعِزَّةِ قَبِيلَةٍ، وكَمَالٍ، وجَمَالٍ، وغَيْرِهَا مِنْ وَسَائِلِ الإغْرَاءِ. ولقَدْ كَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ ذلكَ، وهُوَ كَبِيرٌ، ويَعُدُّهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيهِ، وعِصْمَتِهِ لَهُ، فقدْ رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ والحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "ما هَمَمْتُ بِقَبِيحٍ مِمَّا يَهُمُ بهِ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ مِنَ الدَّهْرِ، كِلْتَاهُمَا عَصَمَنِي اللَّهُ مِنْهُمَا، قُلْتُ لَيْلَةً لِفَتًى كَانَ مَعِيَ منْ قُرَيْشٍ بِأَعْلَى مَكَّةَ في غَنَمٍ لِأَهْلِنَا

стр. 144

نَرْعَاهَا: أبْصِرْ لِي غَنَمِي حتَّى أسْمُرَ (١) هذِهِ اللَّيْلةَ كَمَا يَسْمُرُ الفِتْيَانُ، قَالَ: نَعَمْ، فَخَرَجْتُ، فلَمَّا جِئْتُ أدْنَى دَارٍ مِنْ دُورِ مَكَّةَ، سَمِعْتُ غِنَاءً وصَوْتَ دُفُوفٍ ومَزَامِيَر، قُلْتُ: ما هَذَا؟ قالُوا: فُلَانٌ تَزَوَّجَ فُلَانَةً، لِرَجُلٍ منْ قُرَيْشٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَهَوْتُ بذَلِكَ الغِنَاءَ وبذَلِكَ الصَّوْتِ حتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَنِمْتُ، فمَا أيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ، فَرَجَعْتُ إلى صَاحِبِي، فقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ فأخْبَرْتُهُ، ثُمَّ فَعَلْتُ لَيْلَة أُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَخَرَجْتُ، فَسَمِعْتُ مِثْلَ ذلكَ، فَقِيلَ لِي مِثْلَ ما قِيلَ لِي، فسَمِعْتُ كَمَا سَمِعْتُ، حتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فمَا أيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إلى صَاحِبِي، فَقَالَ لِي: مَا فَعَلْتَ؟ فقُلْتُ: مَا فَعَلْتُ شَيْئًا". قَالَ رسُول اللَّهِ ﷺ : "فَوَاللَّهِ ما هَمَمْتُ بَعْدَهُمَا بِسُوءِ مِمَّا يَعْمَلُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ حتى أكْرَمَنِي اللَّهُ بِنُبُوَّتهِ" (٢). * كَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقِفُ بِعَرَفَةَ معَ النَّاسِ: وَكَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقِفُ مَعَ النَّاسِ بَعَرَفَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وذَلِكَ

стр. 145

مِنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ﷺ ، ولا يَصْنَعُ ما تَصْنَعُ قُرَيْشٌ مِنْ عَدَمِ وُقُوفِهَا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَاتٍ، ووُقُوفُهَا بِالمُزْدَلِفَةِ، فَقَدْ رَوى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جبيْرِ بنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَدَخَلْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاقِفًا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ. . . (١). * كَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعْرُوفًا بالأَمَانَةِ: وَكَانَ ﷺ مَحَلَّ ثِقَةِ النَّاسِ وأمَانَاتِهِمْ، لا يَأْتَمِنُهُ أَحَدٌ عَلَى وَدِيعَةٍ مِنَ الوَدَائِعِ إِلَّا أدَّاهَا لَهُ، ولا يَأْتَمِنُهُ أَحَدٌ عَلَى سِرٍّ أَوْ كَلامٍ إِلَّا وَجَدَهُ عِنْدَ حُسْنِ الظَّنِّ بهِ، فلا عَجَبَ أَنْ كَانَ مَعْرُوفًا في قُرَيْشٍ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بالأمِينِ. * كَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ: وَكَانَ الصِّدْقُ مِنْ صِفَاتِهِ ﷺ البَارِزَةِ، شَهِدَ لهُ بِذَلِكَ العَدُوُّ والصَّدِيقُ، ولمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلى النَّاسِ جَمِيعًا، وأمَرَهُ أَنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ الأقْرَبِينَ، صارَ يُنَادِي بُطُونَ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا حضَرُوا قَالَ لَهُمْ: "أرَأَيْتُكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ، أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَطُّ (٢).

стр. 146

ولمَّا قَالَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ لِأَبِي سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ -وَكَانَ لَمْ يَزَلْ مُشْرِكًا-: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا، فقَالَ هِرَقْلُ: فَقَدْ عَرَفْتُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ويَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ (١). قَالَ أحْمَد شَوْقي ﵀: بِسِوَى الأَمَانَةِ في الصِّبَا والصِّدْقِ لَمْ ... يَعْرِفْهُ أَهْلُ الصِّدْقِ والأُمَنَاءُ يا مَنْ لَهُ الأَخْلَاقُ مَا تَهْوَى الْعُلَا ... مِنْهَا ومَا يَتَعَشَّقُ الكُبَرَاءُ لَوْ لَمْ تَقُمْ دِينًا لَقَامَتْ وَحْدَهَا ... دِينًا تُضِيءُ بِنُورِهِ الآنَاءُ زَانَتْكَ فِي الخُلُقِ العَظِيمِ شَمَائِلٌ ... يُغْرَى بِهِنَّ ويُولَعُ الكُرَمَاءُ * كان رسُوُل اللَّهِ ﷺ وَصُولًا للرَّحِمِ: وَكَانَ رسُولُ اللَّه ﷺ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصُولًا لِلرَّحِمِ، عَطُوفًا عَلَى الفُقَرَاءِ، وذَوِي الحَاجَةِ، ويُقْرِي الضَّيْفَ، ويُعِينُ الضَّعِيفَ، ويَمْسَحُ بِيَدَيْهِ بُؤْسَ البَائِسِينَ، ويُفَرِّجُ كَرْبَ المَكْرُوبِينَ، وقَدْ وَصَفَتْهُ بهَذَا أُمُّ المُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ ﵂ في بَدْءِ الوَحْيِ، فقالتْ: كَلَّا وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ (٢)، وتُكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ (٣).

стр. 147

ومِنْ هَذَا العَرْضِ المُوجَزِ نَرَى أَنَّ حيَاةَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ البِعْثَةِ كَانَتْ أمْثَلَ حيَاةٍ وأكْرَمَهَا، وأحْفَلَهَا بِمَعَانِي الإِنْسَانِيَّةِ، والشَّرَفِ، والكَرَامَةِ، وعَظَمَةِ النَّفْسِ، ثُمَّ نَبَأَهُ اللَّهُ تَعَالَى وبَعَثَهُ، فنَصَتْ هَذِهِ الفَضَائِلُ وترَعْرَعَتْ، وما زَالَتْ تَسْمُو فُرُوعُهَا، وتَرْسُخُ أُصُولُهَا، وتَتَّسِعُ أفْيَاؤُهَا حتَّى أضْحَتْ فَرِيدَةً في تَارِيخِ الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا. إِنَّ هذِهِ الحَيَاةَ الفَاضِلَةَ المُثْلَى لَمِنْ أكْبَرِ الدَّلَائِلِ عَلَى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ ﷺ ، فَمَا سَمِعْنَا في تَارِيخِ الدُّنْيَا قَدِيمِهَا، وحَدِيثِهَا أَنَّ حَيَاةً كُلَّهَا فَضْلٌ وكَمَالٌ، وهُدًى ونُورٌ، وحَقٌّ وخَيْرٌ، كحَيَاةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، ولَمْ يُعْهَدْ في تَارِيخِ البَشَرِ أَنَّ شَخْصًا يَسْمُو عَلَى كُلِّ مُجْتَمَعِهِ وهُوَ يَعِيشُ فيهِ، ويَنْشَأُ مُبَرَّءًا مِنْ كُلِّ نَقَائِصِهِ ومَثَالِبِهِ، وهُوَ نَابِعٌ مِنُه، ولا أَنَّ نُورًا يَنْبَعِثُ مِنْ وَسَطِ ظُلُمَاتٍ، ولا طَهَارَةً تَنْبُعُ مِنْ وَسَطِ أدْنَاسٍ، وأرْجَاسٍ، ولا أَنَّ عِلْمًا يكُونُ مِنْ بَيْنِ جَهَالَاتٍ وخُرَافَاتٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ لحِكْمَةٍ، وأَمْرًا جَرَى عَلَى غَيْرِ المَعْهُودِ والمَأْلُوفِ، ومَا ذَلِكَ إِلَّا لِإِعْدَادِ النَّبِيِّ ﷺ لِلنُّبُوَّةِ (١). قَالَ البُوصِيرِيُّ: كَفَاكَ بِالعِلْمِ في الأُمِّيِّ مُعْجِزَةً ... في الجَاهِلِيَّةِ والتَّأْدِيبِ في الْيُتْمِ

стр. 148

قَالَ ابنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ: فَشَبَّ رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، واللَّهُ تَعَالَى يَكْلَؤُهُ ويَحْفَظُهُ، ويَحُوطُهُ مِنْ أقْذَارِ الجَاهِلِيَّةِ، لِمَا يُرِيدُ بهِ مِنْ كَرَامَتِهِ ورِسَالَتِهِ، حتَّى بَلَغَ أَنْ كَانَ رَجُلًا، وأفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً، وأحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وأكْرَمَهُمْ حَسَبًا، وأحْسَنَهُمْ جِوَارًا، وأعْظَمَهُمْ حِلْمًا، وأصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وأعْظَمَهُمْ أمَانةً، وأبْعَدَهُمْ مِنَ الفُحْشِ والأَخْلَاقِ التِي تُدَنِّسُ الرِّجَالَ، تَنَزُّهًا وتَكَرُّمًا، حتَّى مَا اسْمُهُ في قَوْمِهِ إِلَّا "الأمِينُ"، لِمَا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الصَّالِحَةِ (١). وَقَالَ القَاضِي عِياضٌ: وَكَانَ ﷺ مَجْبُولًا عَلَيْهَا -أيْ الأخْلَاقِ الحَمِيدَةِ- في أصْلِ خِلْقَتِهِ وَأَوَّلِ فِطْرَتِهِ، لمْ تَحْصُلْ لهُ بِاكْتِسَابٍ ولا رِيَاضَةٍ إِلَّا بِجُودٍ إلَهِيٍّ وخُصُوصِيَّهٍ رَبَّانِيَّةٍ (٢). وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: والذِي لا رَيْبَ فيهِ: أَنَّ المُصْطَفَى ﷺ كان مَعْصُومًا قَبْلَ الوَحْي، وبَعْدَهُ، وقَبْلَ التَّشْرِيعِ مِنَ الزِّنَى قَطْعًا، ومِنَ الخِيَانَةِ والكَذِبِ، والسُّكْرِ، والسُّجُودِ لِوَثَنٍ، والاسْتِقْسَامِ بالأزْلَامِ، ومِنَ الرَّذَائِلِ، والسَّفَهِ وبَذَاءِ اللِّسَانِ، وكَشْفِ العَوْرَةِ، فَلَمْ يَكُنْ يطُوفُ عُرْيَانًا، ولا كَانَ يَقِفُ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ قَوْمِهِ بِمُزْدَلِفَةٍ، بلْ كَانَ يَقِفُ بِعَرَفَةَ، وبِكُلِّ حالٍ لَوْ بَدَا مِنْهُ شَيْءٌ منْ ذَلِكَ لَمَا كَانَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ لِأَنَّهُ كَانَ لا

стр. 149

يَعْرِفُ، ولَكِنْ رُتْبَةُ الكَمَالِ تَأْبَى وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ (١). وَقَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَقَدْ قَرَأْنَا سِيَرَ الحُكَمَاءِ والفَلاسِفَةِ، والعَبَاقِرَةِ، والمُصْلِحِينَ، وأَصْحَابَ النِّحَلِ، والمَذَاهِبِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، فمَا وَجَدْنَا حَيَاةَ أحَدٍ مِنْهُمْ تَخْلُو مِنَ الشُّذُوذِ عنِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، والتَّفْكِيرِ الصَّحِيحِ، والخُلُقِ الرَّضِيِّ، إمَّا مِنْ نَاحِيَةِ العَقِيدَةِ والتَّفْكِيرِ، وإمَّا مِنْ نَاحِيَةِ السُّلُوكِ والأخْلَاقِ، وغَايَةُ مَا يُقَالُ في أسْمَاهُمْ وأزْكَاهُمْ: كَفَى المَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهُ! حَاشَا الأنْبِيَاءَ والمُرْسَلِينَ، فَقَدْ نَشَّأَهُمُ اللَّهُ عَلَى أكْمَلِ الأَحْوَالِ، وعَظِيمِ الأخْلَاقِ، وقدْ بَلَغَ الذُّرْوَةَ في الكَمَالِ خَاتَمُهُمْ وسَيِّدُ البَشَرِ كُلِّهِمْ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ (٢). * قَلَقٌ غَامِضٌ وَعَدَمُ تَرَقُّبٍ لِنُبُوَّةٍ أَوْ رِسَالَةٍ: وَكَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجِدُ في نَفْسِهِ قَلَقًا غَامِضًا لا يَعْرِفُ مَصْدَرُهُ ولَا مَصِيرَهُ، ومَا كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِهِ لَحْظَةً، مَا اللَّهُ مُكْرِمُهُ بِهِ مِنَ الوَحْي والرِّسَالَةِ، ولا يَحْلُمُ بِذَلِكَ في يَوْمٍ مِنَ الأيَّامِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣).

стр. 150

وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ (١). إِنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَسْتَشْرِفُ للنُّبُوَّةِ، ولا يَحْلُمُ بهَا، وَإِنَّمَا كَانَ يُلْهِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى الخَلْوَةَ لِلْعِبَادَةِ تَطْهِيرًا، وإعْدَادًا رُوحِيًّا لَتَحَمُّلِ أعْبَاءِ الرِّسَالَةِ، ولَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَشْرِفُ للنُّبُوَّةِ لَمَا فَزعَ مِنْ نُزُولِ الوَحْي عَلَيْهِ، ولَمَا نَزَلَ إلى خَدِيجَةَ يَسْتَفْسِرُهَا عَنْ سِرِّ تِلْكَ الظَّاهِرَةِ التِي رَآهَا في غَارِ حِرَاءٍ، ولَمْ يَتَأَكَّدْ مِنْ أَنَّهُ رسُولٌ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الوَحْي عَلَيْهِ مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْي (٢). وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وتَرْبِيَتِهِ، أَنْ نَشَأَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمِّيًّا لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، فَكَانَ أبْعَدَ عَنْ تُهَمَةِ الأَعْدَاءِ، وَظِنَّةِ المُفْتَرِينَ، وإلى ذَلِكَ أشَارَ القُرْآنُ الكَرِيمُ: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٣). وقَدْ لَقَّبَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ بِالأُمِّيِّ فقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (٤). * * *

стр. 151

إِرْهَاصَات (١) البِعْثَةِ * حَجْبُ الشَّيَاطِينِ عَنِ اسْتِرَاقِ (٢) السَّمْعِ عِنْدَ قُرْبِ مَبْعَثِهِ ﷺ : قال ابنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا تَقَارَبَ أمْرُ رسُولِ اللَّهِ ﷺ وحَضَرَ مَبْعَثُهُ، حُجِبَتِ الشَّيَاطِينُ عَنِ السَّمْعِ، وحِيلَ (٣) بَيْنَهَا وبَيْنَ المَقَاعِدِ التِي كَانَتْ تَقْعُدُ لِاستِرَاقِ السَّمْعِ فِيهَا، فَرُمُوا بالنُّجُومِ، فَعَرَفَتِ الجِنُّ أَنَّ ذلِكَ لِأَمْرٍ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي العِبَادِ، يقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ، وهُوَ يَقُصُّ علَيْهِ خَبَرَ الجِنِّ إذْ حُجِبُوا عَنِ السَّمْع، فَعَرَفُوا ما عَرَفُوا، ومَا أنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ حِينَ رَأَوْا مَا رَأَوْا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٤) إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 152

﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (١). فَلَمَّا سَمِعَتِ الجِنُّ القُرْآنَ عَرَفَتْ أَنَّهَا إِنَّمَا مُنِعَتْ مِنَ السَّمْعِ قَبْلَ ذلِكَ، لِئَلَّا يَشْكُلَ الوَحْيُ بِشَيْءٍ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَيَلْتَبِسَ عَلَى أهْلِ الأَرْضِ ما جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فيهِ، لِوُقُوعِ الحُجَّةِ، وقَطْعِ الشُّبْهَةِ، فآمَنُوا وصَدَّقُوا، ثُمَّ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢). * مَتَى حَدَثَ هَذَا الرَّصدُ (٣)؟ : اخْتُلِفَ في هَذَا الرَّصْدِ هَلْ كَانَ قَبْلَ البِعْثَةِ أمْ بَعْدَهَا؟ وهَلْ كَانَ مُسْتَمِرًّا أمْ عَلَى فَتَرَاتٍ؟ رَوَى الشَّيْخانِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا قَرَأَ رسُولُ اللَّه ﷺ عَلَى الجِنِّ وَمَا رَآهُمْ (٤)، انْطَلَقَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ

стр. 153

عَامِدِينَ (١) إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءَ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ ومَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا ما هَذَا الذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَانْطَلَقَ الذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وهُوَ بِنَخْلَةٍ (٢) عَامِدًا إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الفَجْرِ (٣)، فلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ، اسْتَمَعُوا لَهُ، وقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءَ، قَالَ: فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَقَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ الآية، فأنْزَلَ اللَّهُ

стр. 154

عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ. . .﴾، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ (١). وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والإمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ فيَسْتَمِعُونَ الكَلِمَةَ فَيَزِيدُونَ فِيهَا عَشْرًا، فَيَكُونُ مَا سَمِعُوا حَقًّا، ومَا زَادُوهُ بَاطِلًا، وَكَانَتِ النُّجُومُ لا يُرْمَى بهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ أحَدُهُمْ لا يَأْتِي مَقْعَدَهُ إِلَّا رُمِيَ بِشِهَابٍ يُحْرِقَ ما أصَابَ، فشَكَوْا ذَلِكَ إلى إبْلِيسَ، فقَالَ: مَا هَذَا إِلَّا مِنْ أمْرٍ قَدْ حَدَثَ. فَبَثَّ جُنُودَهُ، فإذا هُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْ نَخْلَةٍ، فأتَوْهُ فأخْبَرُوهُ، فقَالَ: هَذَا الحَدَثُ الذِي حَدَثَ في الأَرْضِ (٢). قَالَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ: ذَكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ، في تَفْسِيرِهِ عَنْ مَعْمَرٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الرَّمْي بِالنُّجُومِ: أكَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ولَكِنَّهُ إذْ جَاءَ الإِسْلَامُ غُلِّظَ وَشُدِّدَ (٣). وفي قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا

стр. 155

وَشُهُبًا﴾، ولَمْ يَقُلْ: حُرِسَتْ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْهُ شَيْءٌ، فلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا، وذَلِكَ لِيَنْحَسِمَ أمْرُ الشَّيَاطِينِ، وتَخْلِيطُهُمْ، ولتَكُونَ الآيَةُ أَبْيَنَ، والحُجَّةُ أقْطَعَ، وإِنْ وُجِدَ اليَوْمَ كَاهِنٌ، فَلَا يَدْفَعُ ذَلِكَ بِمَا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ طَرْدِ الشَّيَاطِينِ عَنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ التَّغْلِيظَ والتَّشْدِيدَ كَانَ زَمَنَ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ بَقِيَتْ مِنْهُ، أعْنِي مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ بَقَايَا يَسِيرَةٌ بِدَلِيلِ وُجُودِهِمْ عَلَى النُّدُورِ في بَعْضِ الأزْمِنَةِ، وفِي بَعْضِ البِلَادِ (١). وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ فَمَعْنَاهُ الشُّهُبُ كَانَتْ تَرْمِي فَتُصِيبُ تَارَةً ولا تُصِيبُ تَارَةً أُخْرَى، وبَعْدَ البِعْثَةِ أصَابَتْهُمْ إصَابَةً مُسْتَمِرَّةً فَوَصَفُوهَا لِذَلِكَ بالرَّصْدِ، لأَنَّ الذِي يَرْصُدُ الشَّيْءَ لا يُخْطِئُهُ، فيَكُونُ المُتَجَدِّدُ دَوَامُ الإِصَابَةِ لا أصْلُهَا، وَأَمَّا قَوْلُ السُّهَيْلِيِّ: لَوْلَا أَنَّ الشِّهَابَ قَدْ يُخْطِئُ الشَّيْطَانَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَجَوَابُهُ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ التَّعَرُّضُ مَعَ تَحَقُّقِ الإِصَابَةِ لِرَجَاءَ اخْتِطَافِ الكَلِمَةِ، وإلْقَائِهَا قَبْلَ إصَابَةِ الشِّهَابِ، ثُمَّ لا يُبَالِي المُخْتَطِفُ بِالإِصَابَةِ لِمَا طُبعَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ (٢). * هَلْ انْقَطَعَ هَذَا الرَّمْيُ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ أمْ لَا ؟ : فإنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الرَّمْيُ غُلِّظَ وشُدِّدَ بِسَبَبِ نُزُولِ الوَحْي، فَهَلِ انْقَطَعَ

стр. 156

بِانْقِطَاعِ الوَحْي -أَيْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا. .؟ . فالجَوَابُ: يُؤْخَذُ منْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ المُتَقَدِّمِ، فَفِيهِ: قَالُوا: كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، ومَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فإنَّهَا لا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ ولا لِحَيَاتِهِ، ولَكِنْ رَبُّنَا ﵎ اسْمُهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ. . . قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَوَاتِ بَعْضًا، حتَّى يَبْلُغ الخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَتَخْطِفُ الجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ. . . " (١). فيؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّغْلِيظِ والحِفْظِ لَمْ يَنْقَطِعْ لِمَا يَتَجَدَّدُ مِنَ الحَوَادِثِ التِي تُلْقَى بِأَمْرِهِ إِلَى المَلَائِكَةِ، فإنَّ الشَّيَاطِينَ مَعَ شِدَّةِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ لَمْ يَنْقَطِعْ طَمَعُهُمْ في اسْتِرَاقِ السَّمْعِ في زَمَن النَّبِيِّ ﷺ فكيْفَ بِمَا بَعْدَهُ. وقدْ قَالَ عُمَرُ ﵁ لِغَيْلَانَ بنِ سَلَمَةَ ﵁ لَمَّا طَلَّقَ نِسَاءَهُ: إنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ فِيمَا يَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ سَمعَ بِمَوْتِكَ، فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ. . (٢). فهَذَا ظَاهِرٌ في أَنَّ اسْتِرَاقَهُمُ السَّمْعَ اسْتَمَرَّ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فكَانُوا يَقْصِدُونَ اسْتِمَاعَ الشَّيْءِ مِمَّا يَحْدُثُ فَلا يَصِلُونَ إلى ذَلِكَ، إِلَّا إنِ اخْتَطَفَ أحَدُهُمْ بِخِفَّةِ

стр. 157

حَرَكَتِهِ خَطْفَةً، فَيَتْبَعُهُ الشِّهَابُ، فَإِنْ أَصَابَهُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا لِأَصْحَابِهِ فَأَتَتْ وإِلَّا سَمِعُوهَا، وتَدَاوَلُوهَا، وهَذَا يَرِدُ عَلَى قَوْلِ الإِمَامِ السُّهَيْلِيِّ المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ (١). * وَهْمُ ابْنِ إسْحَاقَ وابنِ سَعْدٍ: قُلْتُ: ذَكَرَ ابنُ إسْحَاقَ (٢)، وابْنُ سَعْدٍ (٣): أَنَّ إسْلَامَ الجِنِّ والْتِقَائَهُمْ بالنَّبِيِّ ﷺ وهُوَ يَقْرَأُ القُرْآنَ -لِأَوَّلِ مَرَّةٍ- كَانَ بَعْدَ رُجُوعِهِ ﷺ مِنَ الطَّائِفِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ، وخَدِيجَةَ ﵂، وهَذَا فِيهِ نَظَرٌ. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ذَكَرَ مُحَمَّدُ بنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ قِصَّةَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى الطَّائِفِ، ودُعَائِهِ إيَّاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وإبَائِهِمْ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ القِصَّةَ بِطُولِهَا، وأورَدَ ذَلِكَ الدُّعَاءَ الحَسَنَ: "اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي وقِلَّةَ حِيلَتِي. . إِلَى آخِرِهِ". قَالَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُمْ بَاتَ بِنَخْلَةٍ، فَقَرَأَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ القُرْآنِ، فَاسْتَمَعَهُ الجِنُّ مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ. وهَذَا صَحِيحٌ، ولَكِنْ قَوْلُهُ: إِنَّ الجِنَّ كَانَ اسْتِمَاعُهُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الجِنَّ كَانَ اسْتِمَاعُهُمْ في ابْتِدَاءِ الإيحَاءَ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ (٤).

стр. 158

وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: والذِي يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ الحَدِيثِ (١) الذِي فِيهِ المُبَالَغَةُ في رَمْيِ الشُّهُبِ لِحِرَاسَةِ السَّمَاءِ مِنِ اسْتِرَاقِ الْجِنِّ السَّمْعَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ المَبْعَثِ النَّبَوِيِّ، وإنْزَالِ الوَحْي إلى الأَرْضِ، فَكَشَفُوا ذَلِكَ إِلَى أَنْ وَقَفُوا عَلَى السَّبَبِ، ثُمَّ لمَّا انْتَشَرَتِ الدَّعْوَةُ، وأسْلَمَ مَنْ أسْلَمَ، قَدِمُوا فَسَمِعُوا، فأسْلَمُوا، ثُمَّ تَعَدَّدَ مَجِيئُهُمْ حَتَّى فِي المَدِينَةِ (٢). وَقَالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الفَتْحِ: والذِي تَضَافَرَتْ بِهِ الأَخْبَارُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُمْ في أوَّلِ البِعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ ... فَتَكُونُ قِصَّةُ الجِنِّ مُتَقَدِّمَةً مِنْ أوَّلِ المَبْعَثِ، وهَذَا المَوْضِعُ مِمَّا لَمْ يُنَبَّهْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِمَّنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلامِهِمْ في شَرْحِ هَذَا الحَدِيثِ (٣). * حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: وَأَمَّا مَا أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ، وأبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ: "مَا فِي إِدَاوَتِكَ (٤)؟ ، أَوْ رَكْوَتِكَ؟ " (٥).

стр. 159

قلتُ: نَبِيذٌ، قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ : "تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، ومَاءٌ طَهُورٌ"، فتَوَضَّأَ مِنْهُ (١). فهَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ، فإنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ لَيْلَةَ لِقَائِهِ بِالجِنِّ أَوَّلَ مَرَّةٍ. قال الحافِظُ في الفَتْحِ: هذَا الحَدِيثُ أطْبَقَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ عَلَى تَضْعِيفِهِ (٢). قُلْتُ: وقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ لَيْلَةَ الجِنِّ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ أَوَّلَ مَرَّةٍ-، ولَفْظُهُ: قَالَ عَلْقَمَةُ: قُلْتُ لِابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: هَلْ صَحِبَ رسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الجِنِّ مِنْكُمْ أَحَدٌ؟ فقَالَ: مَا صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ، ولَكِنَّا قَدْ فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْنَا: أُغْتِيلَ؟ اسْتُطِيرَ (٣)؟ مَا فَعَلَ؟ قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فلَمَّا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ -أَوْ قَالَ فِي السَّحَرِ- إِذَا نَحْنُ بهِ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ، فقُلْنَا: يا رسُولَ اللَّهِ، فَذَكَرُوا الذِي كَانُوا فِيهِ.

стр. 160

فقَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّهُ أتَانِي دَاعِي الجِنِّ، فَأَتَيْتُهُمْ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ". قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ ﵁: فانْطَلَقَ بِنَا، فَأَرَانِي آثَارَهُمْ، وآثَارَ نِيرَانِهِمْ (١). * تَعَدُّدُ وفُودِ الجِنِّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ -: ثَبَتَ تَعَدُّدُ وُفُودِ الجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّ الذِينَ جَاؤُوا أَوَّلًا كَانَ سَبَبُ مَجِيئِهِمْ مَا ذُكِر في الحَدِيثِ مِنْ إرْسَالِ الشُّهُبِ، وسَبَبُ مَجِئِ الذِينَ في قِصَّةِ ابنِ مَسْعُودٍ (٢) أَنَّهُمْ جَاؤُوا لِقَصْدِ الإسْلَامِ، وسَمَاعِ القُرْآنِ، والسُّؤَالِ عَنْ أَحْكَامِ الدِّينِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (٣)، وهُوَ مِنْ أَقْوَى الأَدِلَّةِ عَلَى تَعَدُّدِ القِصَّةِ، فإنَّ أبَا هُريرَةَ إِنَّمَا أسْلَمَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، والقِصَّةُ الأُولَى كَانَتْ عَقِبَ المَبْعَثِ (٤). * * *

стр. 161

مُقَدِّماتُ نُزُول الْوَحْي فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ الْبِعْثَةِ بَدَأَتْ تَلُوحُ آثَارُ النُّبُوَّةِ عَلَيْهِ ﷺ ، فَمِنْ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ وَالْآثَارِ: * أَوَّلًا: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ: أوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ النُّبُوَّةِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ (١)، فكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا فِي نَوْمِهِ إِلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ (٢)، حَتَّى مَضَتْ عَلَى ذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بُدِئَ بِالْوَحْيِ ﷺ . روَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَاُ بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ (٣).

стр. 162

* ثَانِيًا: حُبُّ النَّبِيِّ ﷺ لِلْخَلْوَةِ: وَلَمَّا تَقَارَبَتْ سِنُّ النَّبِيِّ ﷺ الْأَرْبَعِينَ حَبَّبَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ الْخَلْوَةَ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَخْلُوَ وَحْدَهُ، فكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهْجُرُ مَكَّةَ كُلَّ عَامٍ لِيَقْضيَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي غَارِ حِرَاءٍ (١)، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَحَنَّثُ (٢) بِهِ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

стр. 163

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَزَوَّدُ لِخَلْوَتِهِ لِبَعْضِ لَيَالِي الشَّهْرِ، فَإِذَا نَفَدَ ذَلِكَ الزَّادُ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَزَوَّدُ قَدْرَ ذَلِكَ، فَيُقِيمُ فِي حِرَاءَ شَهْرًا مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، وَيَقْضِي وَقْتَهُ فِي التَّفْكِيرِ فِيمَا حَوْلَهُ مِنْ مَشَاهِدِ الْكَوْنِ، وَفِيمَا وَرَاءَهَا مِنْ قُدْرَةٍ مُبْدِعَةٍ، حَتَّى وَصَلَ مِنَ الصَّفَاءَ وَالْإِشْرَاقِ إِلَى مَرْتَبَةٍ عَالِيَةٍ انْعَكَسَتْ فِيهَا أَشِعَّةُ الْغُيُوبِ عَلَى صفْحَةِ قَلْبِهِ الْمَجْلُوَّةِ، فَأَصْبَحَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ (١). رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَاُ بدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ. . . ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ (٢). وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَضَى جِوَارَهُ (٣) مِنْ شَهْرِهِ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ إِذَا انْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ الْكَعْبَةَ، فَيَطُوفُ بِهَا سَبْعًا، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجعُ إِلَى بَيْتِهِ.

стр. 164

وَظَلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ إِلَى أَنْ جَاءَهُ الْوَحْيُ وَهُوَ فِي إِحْدَى خَلَوَاتِهِ تِلْكَ (١). * ثَالِثًا: تَسْلِيمُ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -: رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ" (٢). وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ والْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ، وَلَا شَجَرٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٣). وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِكَرَامَتِهِ، وَابْتَدَأَهُ بِالنُّبُوَّةِ، كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ حَتَّى تَحَسَّرَ (٤)

стр. 165

عَنْهُ الْبُيُوتُ، وَيُفْضِي إِلَى شِعَابِ (١) مَكَّةَ وَبُطُونِ أَوْدِيَتِهَا، فَلَا يَمُرُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (٢)، قَالَ: فَيَلْتَفِتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَوْلَهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَشِمَالِهِ، وَخَلْفِهِ، فَلَا يَرَى إِلَّا الشَّجَرَ وَالْحِجَارَةَ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ يَرَى وَيَسْمَعُ، مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِمَا جَاءَهُ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ، وَهُوَ بِحِرَاءٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (٣). * رَابِعًا: سَمَاعُ النَّبِيِّ ﷺ الصَّوْتَ وَرُؤْيَتُهُ الضَّوْءَ: رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، يَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَيَرَى الضَّوْءَ (٤) سَبْعَ سِنِينَ، وَلَا يَرَى شَيْئًا، وَثَمَانَ سِنِينَ يُوحَى إِلَيْهِ (٥). وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ

стр. 166

عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِخَدِيجَةَ "إِنِّي أَرَى ضَوْءًا وَأَسْمَعُ صَوْتًا، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جُنُنٌ"، فَقَالَتْ ﵂: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ! ثُمَّ أَتَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنْ يَكُ صَادِقًا، فَإِنَّ هَذَا نَامُوسٌ (١) مِثْلُ نَامُوسِ مُوسَى، فَإِنْ بُعِثَ وَأَنَا حَيٌّ فَسَأُعَزِّرُهُ (٢)، وَأَنْصُرُهُ، وَأُومِنُ بِهِ (٣). * * *

стр. 167

الأَحْدَاثُ مِنْ نُزُولِ الوَحْي إِلَى الهِجْرَةِ نُزُولُ الْوَحْي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - وَلَمَّا تَكَامَلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَخَرَجَ إِلَى حِرَاءٍ، كَمَا كَانَ يَخْرُجُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، بِأَمْرِ اللَّهِ ، وَبَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا. رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ (١). قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ ﷺ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ (٢). وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا كَمُلَ لَهُ أَرْبَعُونَ، أَشْرَقَ عَلَيْهِ نُورُ النُّبُوَّةِ، وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرِسَالَتِهِ، وَبَعَثَهُ إِلَى خِلْقِهِ، وَاخْتَصَّهُ بِكَرَامَتِهِ، وَجَعَلَهُ أَمِينَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ (٣).

стр. 168

وَقَالَ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ يُوسُفٍ الصَّرْصَرِيُّ (١) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَتَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ فَأَشْرَقَتْ ... شمْسُ النُّبُوَّةِ مِنْهُ فِي رَمَضَانِ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٢). وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: "فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ" (٣). * حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: وَلْنَسْتَمِعْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ تَرْوِي لَنَا قِصَّةَ بَدْءِ الْوَحْي، قَالَتْ ﵂: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ

стр. 169

الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ (١) فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، . . . حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ (٢) وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ ﷺ : "مَا أَنَا بِقَارِئٍ" قَالَ: "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي (٣) حَتَّى بَلَغَ مِنِّيَ الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي" (٤)، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ (٥) فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّيَ الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي (٦) الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"، فَقَالَ:

стр. 170

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ (١) رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فَرَجَعَ بِهَا (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ (٣)، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَهَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂، فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي" (٤)، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ (٥)، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ، وَأَخَبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ (٦) عَلَى نَفْسِي"، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا (٧) وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا (٨)، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ

стр. 171

الْكَلَّ (١)، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ (٢)، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ (٣)، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسِد بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى -ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ-، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ (٤) مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُوسَى (٥)، يَا لَيْتَنِي فِيهَا. . . .

стр. 172

جَذَعًا (١)، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَمُخْرِجِيَّ (٢) هُمْ؟ " قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا (٣)، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ (٤) وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ (٥).

стр. 173

قَالَ أَحْمَد شَوْقِي ﵀: وَنُودِيَ اقْرَأْ تَعَالَى اللَّهُ قَائِلُهَا ... لَمْ تَتَّصِلْ قَبْلَ مَنْ قِيلَتْ لَهُ بِفَمِ هُنَاكَ أَذَّنَ لِلرَّحْمَنِ فَامْتَلَأَتْ ... أَسْمَاعُ مَكَّةَ مِنْ قُدْسِيَّةِ النَّغَمِ فَلَا تَسَلْ عَنْ قُرَيْشٍ كَيْفَ حَيْرتُهَا ... وَكَيْفَ نُفْرَتُهَا فِي السَّهْلِ وَالْعَلَمِ (١) تَسَاءَلُوا عَنْ عَظِيمٍ قَدْ أَلمَّ بِهِمْ ... رَمَى الْمَشَايِخَ وَالْوَالِدَانَ بِاللَّمَمِ (٢) يَا جَاهِلِينَ عَلَى الْهَادِي وَدَعْوَتِهِ ... هَلْ تَجْهَلُونَ مَكَانَ الصَّادِقِ الْعَلَم * رِوَايَةٌ مُرْسَلَةٌ ضَعِيفَةٌ: قُلْتُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنْ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : جَاءَنِي جِبْرِيلُ، وَأَنَا نَائِمٌ، بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ، فَقَالَ: اقْرَأْ. . (٣). وَهَذ الرِّوَايَةُ مَعَ ضَعْفِهَا مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّ نُزُولَ جِبْرِيلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي اليَقَظَةِ لَا فِي المَنَامِ، وَالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي اليَقَظَةِ لَا فِي المَنَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 174

* فُتُورُ الْوَحْي (١): فَتَرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَوَّلِ مَرَّةٍ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِيهَا، مُدَّةً يَسِيرَةً، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: حُبِسَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَحُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَجَعَلَ يَخْلُو فِي حِرَاءٍ (٢). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَكَانَ ذَلِكَ -أَيْ فُتُورُ الْوَحْي- لِيَذْهَبْ مَا كَانَ ﷺ وَجَدَهُ مِنَ الرَّوْعِ، وَليَحْصُلَ لَهُ التَّشَوُّفُ إِلَى الْعَوْدِ (٣). * رِوَايَةٌ مُرْسَلَةٌ ضَعِيفَةٌ: قُلْتُ: وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَوْلُهُ: . . . حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى (٤) بِذَرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِي مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ (٥)، وَتَقَرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْي غَدَا

стр. 175

لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذَرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ (١). قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَهَذِهِ الْقِصَّةُ وَهِيَ مِنْ بَلَاغَاتِ الزُّهْرِيِّ، وَلَيْسَ مَوْصُولًا (٢). قُلْتُ: وَلذَلِكَ لَمْ يَرْوِ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْوَحْي، وَإِنَّمَا رَوَاهَا فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، لِيُبَيِّنَ ضَعْفَهَا. * مُدَّةُ فُتُورِ الْوَحْي: أَمَّا مُدَّةُ فُتُورِ الْوَحْي فَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهَا كَانَتْ أَيَّامًا (٣)، وَهَذَا الَّذِي يَتَرجَّحُ بَلْ يَتَعَيَّنُ، وَأَمَّا مَا اشْتَهَرَ مِنْ أَنَّهَا دَامَتْ سِنَتَيْنِ وَنِصْفٍ أَوْ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ فَلَا يَصِحُّ بِحَالٍ بَعْدَ إِدَارَةِ النَّظَرِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ (٤). قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّدْ أَبُو شَهْبَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِي أُرَجِّحُهُ وَأَمِيلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا كَانَتْ أَيَّامًا، وَأَنَّ أَقْصَاهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا، أَمَّا أَنْ يَقْضِي النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ سَنِينَ أَوْ سَنَتَيْنِ وَنِصْف مِنْ عُمُرِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ غَيْرِ وَحْيِ وَدَعْوَةٍ فَهَذَا مَا لَا تَقْبَلُهُ الْعُقُولُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَقْلٌ صَحِيحٌ (٥).

стр. 176

* نُزُولُ الْوَحْي مَرَّةً ثَانِيَةً وَالْأَمْرُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى: لَمَّا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعْرِفَةَ الْيَقِينِ أَنَّهُ أَضْحَى نَبِيًّا للَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَأَنَّ الَّذِي جَاءَهُ هُوَ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ ، وَصَارَ تَشَوُّقُهُ وَارْتِقَابُهُ لِمَجِيءِ الْوَحْي سَبَبًا فِي ثَبَاتِهِ، وَاحْتِمَالِهِ عِنْدَمَا يَعُودُ، جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَثْنَاءَ فَتْرَةِ الْوَحْي يَذْهَبُ إِلَى غَارِ حِرَاءٍ، فَيَخْلُو فِيهِ، وَبَيْنَا هُوَ نَازِلٌ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا جِبْرِيلُ ﵇ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا سَادًّا مَا بَيْنَ الْأُفُقِ، فَرُعِبَ مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةَ ﵂ فَقَالَ ﷺ : "زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي"، فزَمَّلُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (١). إِنَّهُ النِّدَاءُ الْعُلْوِيُّ الْجَلِيلُ، لِلْأَمْرِ الْعَظِيمِ الثَّقِيلِ. . . نَذَارَةُ هَذِهِ الْبَشَرِيَّةِ وَإِيقَاظُهَا، وَتَخْلِيصُهَا مِنَ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا، وَمِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَوْجِيهُهَا إِلَى طَرِيقِ الْخَلَاصِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ. . . وَهُوَ وَاجِبٌ ثَقِيلٌ شَاقٌّ، حِينَ يُنَاطُ بِفَرْدٍ مِنَ الْبَشَرِ -مَهْمَا يَكُنْ نَبِيًّا رَسُولًا- فَالْبَشَرِيَّةُ مِنَ الضَّلَالِ وَالْعِصْيَانِ، وَالتَّمَرُّدِ، وَالْعُتُوِّ، وَالْعِنَادِ، وَالْإِصْرَارِ، وَالِالْتِوَاءِ، وَالتَّفَصِّي مِنَ هَذَا الْأَمْرِ، بِحَيْثُ تَجْعَلُ

стр. 177

مِنَ الدَّعْوَةِ أَصْعَبَ وَأَثْقَلَ مَا يُكَلَّفُهُ إِنْسَانٌ مِنَ الْمَهَامِّ فِي هَذَا الْوُجُودِ (١). رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي، قَالَ فِي حَدِيثِهِ ﷺ : "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُئِثْتُ (٢) مِنْهُ حَتَّى هَوِيتُ (٣) إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي"، فَأَنَزْلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إِلَى قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ: ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ (٤). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ قَالَ ﷺ : "فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا (٥) عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا".

стр. 178

قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، فنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (١). كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلُ آيَاتٍ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْي، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَوَامِرُ الْمُتَتَابِعَةُ الْقَاطِعَةُ إِيذَانًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الْمَاضِي قَدِ انْتَهَى بِمَنَامِهِ وَهُدُوئِهِ وَسَلَامِهِ، وَأَنَّهُ أَمَامَ عَمَلٍ جَدِيدٍ يَسْتَدْعِي الْيَقَظَةَ، وَالتَّشْمِيرَ، وَالْإِنْذَارَ، وَالْإِعْذَارَ، فَلْيَحْمِلِ الرِّسَالَةَ، وَيُنْذِرِ النَّاسَ، وَلْيَأْنَسْ بِالْوَحْيِ، وَلْيَصْبِرْ عَلَى عَنَائِهِ، فَإِنَّهُ مَصْدَرُ رِسَالَتِهِ وَمَدَدُ دَعْوَتِهِ (٢). فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَظَلَّ قَائِمًا بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا! لَمْ يَسْتَرِحْ، وَلَمْ يَسْكُنْ، وَلَمْ يَعِشْ لِنَفْسِهِ وَلَا لِأَهْلِهِ، قَامَ وَظَلَّ قَائِمًا عَلَى دَعْوَةِ اللَّهِ. . . يَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهِ الْعِبْءَ الثَّقِيلَ البَاهِظَ، وَلَا يَنُوءُ بِه، عِبْءُ الْأَمَانَةِ الْكُبْرَى فِي هذِهِ الأَرْضِ، عِبْءُ البَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، عِبْءُ العَقِيدَةِ كُلِّهَا، وعِبْءُ الكِفَاحِ والجِهَادِ فِي مَيَادِينَ شَتَّى. . . عَاشَ في المَعْرَكَةِ الدَّائِبَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا، لَا يُلْهِيهِ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ في خِلَالِ هَذَا الأَمَدِ، مُنْذُ أَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ الْعُلْوِيَّ الْجَلِيلَ، وَتَلَقَّى مِنْهُ التَّكْلِيفَ الرَّهِيبَ. . جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا وَعَنِ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا خَيْرَ الْجَزَاءِ (٣).

стр. 179

* نُزُولُ سُورةِ الْمُزَّمِّلِ: ثُمَّ نزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُدَّثِّرِ مُبَاشَرَةً سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ، فقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (١). وَالسُّورَةُ تَعْرِضُ صفْحَةً مِنْ تَارِيخِ هذ الدَّعْوَةِ. . . تَبْدَأُ بِالنِّدَاءَ الْعُلْوِيِّ الكَرِيمِ بِالتَّكْلِيفِ الْعَظِيمِ. . . وَتُصَوِّرُ الإِعْدَادَ لَهُ وَالتَّهْيِئَةَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، وَالصَّلَاةِ، وَتَرْتِيلِ القُرْآنِ، والذِّكْرِ الخَاشِعِ المُتَبَتِّلِ، والِاتِّكَالِ عَلَى اللَّهِ وحْدَهُ، والصَّبْرِ عَلَى الأَذَى، والهَجْرِ الجَمِيلِ للمُكَذِّبينَ. قُمْ. . قُمْ لِلْأَمْرِ العَظِيمِ الذِي ينتَظِرُكَ، والْعِبْءَ الثَّقِيلِ المُهَيَّأِ لَكَ. قُمْ لِلْجَهْدِ وَالنَّصَبِ وَالْكَدِّ وَالتَّعَبِ. قُمْ فَقَدْ مَضَى وَقْتُ النَّوْمِ وَالرَّاحَةِ. . قُمْ فَتَهَيَّأْ لِهذَا الأمْرِ واسْتَعِدَّ. . . . أَجَلْ مَضَى عَهْدُ النَّوْمِ ومَا عَادَ مُنْذُ اليَوْمِ إِلَّا السَّهَرُ والتَّعَبُ والجِهَادُ الطَّوِيلُ الشَّاقُّ (٢). * افْتِرَاضُ قِيَامِ اللَّيْلِ: وَكَانَ قِيَامُ الليْلِ فُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وعَلَى أَصْحَابِهِ الكِرَامِ ﵃، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحَابُهُ حَوْلًا كَامِلًا حتَّى وَرِمَتْ أَقْدَامُهُمْ، فأنْزَلَ

стр. 180

اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى. . .﴾ (١). فصَارَ قِيَامُ الليْلِ تَطَوُّعًا بعْدَ فَرْضِيَّيهِ. روَى الإِمَامُ مسلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ هِشَامٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رسُول اللَّهِ ﷺ . قالَتْ: أَلسْتَ تَقْرأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ . قُلْتُ: بَلَى. قالَتْ: فإنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ الليْلِ في أوَّل هذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، وَأصحاُبهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا (٢) اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حتَّى أنْزَلَ اللَّهُ، في آخِرِ هذِهِ السُّورَةِ، التَّخْفِيفَ، فَصارَ قِيَامُ الليْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ (٣). قال الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: في قَوْلِ عائِشَةَ ﵂ هَذَا، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صَارَ تَطَوُّعًا فِي حَقِّ رسول اللَّهِ ﷺ والأُمَّةِ، فأمَّا الأُمَّةُ فهُوَ تَطَوُّعٌ في حَقِّهِمْ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا النَّبيُّ ﷺ فاختَلَفُوا في نَسْخِهِ في حَقِّهِ، والأصَحُّ عِنْدَنَا نَسْخُهُ (٤).
следующие страницы →