← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

* نُزُولُ الْوَحْي مَرَّةً ثَانِيَةً وَالْأَمْرُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى: لَمَّا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعْرِفَةَ الْيَقِينِ أَنَّهُ أَضْحَى نَبِيًّا للَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَأَنَّ الَّذِي جَاءَهُ هُوَ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ ، وَصَارَ تَشَوُّقُهُ وَارْتِقَابُهُ لِمَجِيءِ الْوَحْي سَبَبًا فِي ثَبَاتِهِ، وَاحْتِمَالِهِ عِنْدَمَا يَعُودُ، جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَثْنَاءَ فَتْرَةِ الْوَحْي يَذْهَبُ إِلَى غَارِ حِرَاءٍ، فَيَخْلُو فِيهِ، وَبَيْنَا هُوَ نَازِلٌ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا جِبْرِيلُ ﵇ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا سَادًّا مَا بَيْنَ الْأُفُقِ، فَرُعِبَ مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةَ ﵂ فَقَالَ ﷺ : "زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي"، فزَمَّلُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (١). إِنَّهُ النِّدَاءُ الْعُلْوِيُّ الْجَلِيلُ، لِلْأَمْرِ الْعَظِيمِ الثَّقِيلِ. . . نَذَارَةُ هَذِهِ الْبَشَرِيَّةِ وَإِيقَاظُهَا، وَتَخْلِيصُهَا مِنَ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا، وَمِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَوْجِيهُهَا إِلَى طَرِيقِ الْخَلَاصِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ. . . وَهُوَ وَاجِبٌ ثَقِيلٌ شَاقٌّ، حِينَ يُنَاطُ بِفَرْدٍ مِنَ الْبَشَرِ -مَهْمَا يَكُنْ نَبِيًّا رَسُولًا- فَالْبَشَرِيَّةُ مِنَ الضَّلَالِ وَالْعِصْيَانِ، وَالتَّمَرُّدِ، وَالْعُتُوِّ، وَالْعِنَادِ، وَالْإِصْرَارِ، وَالِالْتِوَاءِ، وَالتَّفَصِّي مِنَ هَذَا الْأَمْرِ، بِحَيْثُ تَجْعَلُ

стр. 177

مِنَ الدَّعْوَةِ أَصْعَبَ وَأَثْقَلَ مَا يُكَلَّفُهُ إِنْسَانٌ مِنَ الْمَهَامِّ فِي هَذَا الْوُجُودِ (١). رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي، قَالَ فِي حَدِيثِهِ ﷺ : "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُئِثْتُ (٢) مِنْهُ حَتَّى هَوِيتُ (٣) إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي"، فَأَنَزْلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إِلَى قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ: ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ (٤). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ قَالَ ﷺ : "فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا (٥) عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا".

стр. 178

قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، فنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (١). كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلُ آيَاتٍ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْي، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَوَامِرُ الْمُتَتَابِعَةُ الْقَاطِعَةُ إِيذَانًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الْمَاضِي قَدِ انْتَهَى بِمَنَامِهِ وَهُدُوئِهِ وَسَلَامِهِ، وَأَنَّهُ أَمَامَ عَمَلٍ جَدِيدٍ يَسْتَدْعِي الْيَقَظَةَ، وَالتَّشْمِيرَ، وَالْإِنْذَارَ، وَالْإِعْذَارَ، فَلْيَحْمِلِ الرِّسَالَةَ، وَيُنْذِرِ النَّاسَ، وَلْيَأْنَسْ بِالْوَحْيِ، وَلْيَصْبِرْ عَلَى عَنَائِهِ، فَإِنَّهُ مَصْدَرُ رِسَالَتِهِ وَمَدَدُ دَعْوَتِهِ (٢). فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَظَلَّ قَائِمًا بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا! لَمْ يَسْتَرِحْ، وَلَمْ يَسْكُنْ، وَلَمْ يَعِشْ لِنَفْسِهِ وَلَا لِأَهْلِهِ، قَامَ وَظَلَّ قَائِمًا عَلَى دَعْوَةِ اللَّهِ. . . يَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهِ الْعِبْءَ الثَّقِيلَ البَاهِظَ، وَلَا يَنُوءُ بِه، عِبْءُ الْأَمَانَةِ الْكُبْرَى فِي هذِهِ الأَرْضِ، عِبْءُ البَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، عِبْءُ العَقِيدَةِ كُلِّهَا، وعِبْءُ الكِفَاحِ والجِهَادِ فِي مَيَادِينَ شَتَّى. . . عَاشَ في المَعْرَكَةِ الدَّائِبَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا، لَا يُلْهِيهِ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ في خِلَالِ هَذَا الأَمَدِ، مُنْذُ أَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ الْعُلْوِيَّ الْجَلِيلَ، وَتَلَقَّى مِنْهُ التَّكْلِيفَ الرَّهِيبَ. . جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا وَعَنِ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا خَيْرَ الْجَزَاءِ (٣).

стр. 179

* نُزُولُ سُورةِ الْمُزَّمِّلِ: ثُمَّ نزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُدَّثِّرِ مُبَاشَرَةً سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ، فقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (١). وَالسُّورَةُ تَعْرِضُ صفْحَةً مِنْ تَارِيخِ هذ الدَّعْوَةِ. . . تَبْدَأُ بِالنِّدَاءَ الْعُلْوِيِّ الكَرِيمِ بِالتَّكْلِيفِ الْعَظِيمِ. . . وَتُصَوِّرُ الإِعْدَادَ لَهُ وَالتَّهْيِئَةَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، وَالصَّلَاةِ، وَتَرْتِيلِ القُرْآنِ، والذِّكْرِ الخَاشِعِ المُتَبَتِّلِ، والِاتِّكَالِ عَلَى اللَّهِ وحْدَهُ، والصَّبْرِ عَلَى الأَذَى، والهَجْرِ الجَمِيلِ للمُكَذِّبينَ. قُمْ. . قُمْ لِلْأَمْرِ العَظِيمِ الذِي ينتَظِرُكَ، والْعِبْءَ الثَّقِيلِ المُهَيَّأِ لَكَ. قُمْ لِلْجَهْدِ وَالنَّصَبِ وَالْكَدِّ وَالتَّعَبِ. قُمْ فَقَدْ مَضَى وَقْتُ النَّوْمِ وَالرَّاحَةِ. . قُمْ فَتَهَيَّأْ لِهذَا الأمْرِ واسْتَعِدَّ. . . . أَجَلْ مَضَى عَهْدُ النَّوْمِ ومَا عَادَ مُنْذُ اليَوْمِ إِلَّا السَّهَرُ والتَّعَبُ والجِهَادُ الطَّوِيلُ الشَّاقُّ (٢). * افْتِرَاضُ قِيَامِ اللَّيْلِ: وَكَانَ قِيَامُ الليْلِ فُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وعَلَى أَصْحَابِهِ الكِرَامِ ﵃، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحَابُهُ حَوْلًا كَامِلًا حتَّى وَرِمَتْ أَقْدَامُهُمْ، فأنْزَلَ

стр. 180

اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى. . .﴾ (١). فصَارَ قِيَامُ الليْلِ تَطَوُّعًا بعْدَ فَرْضِيَّيهِ. روَى الإِمَامُ مسلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ هِشَامٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رسُول اللَّهِ ﷺ . قالَتْ: أَلسْتَ تَقْرأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ . قُلْتُ: بَلَى. قالَتْ: فإنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ الليْلِ في أوَّل هذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، وَأصحاُبهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا (٢) اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حتَّى أنْزَلَ اللَّهُ، في آخِرِ هذِهِ السُّورَةِ، التَّخْفِيفَ، فَصارَ قِيَامُ الليْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ (٣). قال الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: في قَوْلِ عائِشَةَ ﵂ هَذَا، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صَارَ تَطَوُّعًا فِي حَقِّ رسول اللَّهِ ﷺ والأُمَّةِ، فأمَّا الأُمَّةُ فهُوَ تَطَوُّعٌ في حَقِّهِمْ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا النَّبيُّ ﷺ فاختَلَفُوا في نَسْخِهِ في حَقِّهِ، والأصَحُّ عِنْدَنَا نَسْخُهُ (٤).

стр. 181

قَالَ أحْمَد شَوْقِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا رَبِّ صَلِّ وَسَلِّم مَا أَرَدْتَ عَلَى ... نَزِيلِ عَرْشِكَ خَيْرِ الرُّسْلِ كُلِّهِمِ مُحْيِي اللَّيَالِي صَلَاةً لَا يُقَطِّعُهَا ... إِلَّا بِدَمْعٍ مِنَ الْإِشْفَاقِ مُنْسَجِمِ مُسَبِّحًا لَكَ جُنْحَ اللَّيْلِ مُحْتَمِلًا ... ضُرًّا (١) مِنَ السُّهْدِ (٢) أَوْ ضُرًّا مِنَ الْوَرَمِ رَضِيَّةً نَفْسُهُ لَا تَشْتَكِي سَأَمًا ... وَمَا مَعَ الْحُبِّ إِنْ أَخْلَصْتَ مِنْ سَأَمِ يَا رَبِّ صَلِّ عَلَى آلٍ لَهُ نُخَبٍ ... جَعَلْتَ فِيهِمْ لِوَاءَ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ بِيضُ الْوُجُوهِ وَوَجْهُ الدَّهْرِ ذُو حلكٍ ... شُمُّ الْأُنُوفِ وَأَنْفُ الْحَادِثَاتِ حَمِي * وَهْمُ ابنِ إسْحَاقَ في نُزُولِ سُورَةِ الضُّحَى: قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتْرَةً مِنْ ذَلِكَ، حتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَحْزَنَهُ، فجَاةُ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ الضُّحَى، يُقْسِمُ لَهُ رَبُّهُ، وَهُوَ الَّذِي أَكْرَمَهُ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ، مَا وَدَّعَهُ، وَمَا قَلَاهُ، فَقَالَ تَعَالَ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا

стр. 182

سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (١). * رِوَايَةُ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا أَصَحُّ: روَى الشَّيْخَانِ في صحِيحَيْهِمَا عَنْ جُنْدُبِ بنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ قَالَ: اشْتَكَى رسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتِيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ (٢) فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرُبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى. . .﴾ (٣). وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ سُورَةُ الضُّحَىُ نَزَلَتْ فِي فَتْرَةٍ أخْرَى غَيْرِ هذِهِ الفَتْرَةِ الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ ابْتِدَاءَ الْوَحْي، فَإِنَّ تِلْكَ دَامَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْتُ فِي فَتْرَةِ الوَحْي، وَأَمَّا هذِهِ فَلَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، فاخْتَلَطَتَا وَاشْتَبَهَتَا

стр. 183

عَلَى بَعْضِ العُلَمَاءِ (١). ورَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلةً وَدِدْتُ أنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ قَدْ كَانَتْ قَبْلِيَ الأنْبِيَاءُ، مِنْهُمْ مَنْ سَخَّرْتَ لَهُ الرِّيحَ، ثُمَّ ذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ ﷺ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، ثُمَّ ذَكَرَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﷺ ، ومِنْهُمْ ومِنْهُمْ يَذْكُرُ مَا أُعْطُوا. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُ؟ قُلْتُ: بَلَى، أَيْ رَبِّ. قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُ؟ قلتُ: بلَى، أيْ رَبِّ. قَالَ: ألَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا (٢) فأَغْنَيْتُ؟ قلتُ: بلَى، أيْ رَبِّ. قَالَ: ألَمْ أشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قلْتُ: بَلَى، أَيْ رَبِّ" (٣). * مَرَاتبُ الوَحْي وَشِدَّةُ نُزُولِهِ: لِلْوَحْيِ مَرَاتِبُ شَتَّى بَعْضُهَا أَيْسَرُ مِنْ بَعْضٍ: إحْدَاهَا: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، وَكَانَتْ مَبْدَأَ وَحْيِهِ ﷺ ، وَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا

стр. 184

جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا. ثَانِيهَا: مَا كَانَ يُلْقِيهِ الْمَلَكُ في رُوعِهِ وقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ، فعَنْ ابنِ مسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : ". . . إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ، نَفَثَ في رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ" (١). ثَالِثُهَا: أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَمَثَّلُ لَهُ المَلَكُ رَجُلًا، فيُخَاطِبُهُ حتَّى يَعِي عَنْهُ ما يَقُولُ لهُ، وفِي هذ المَرْتَبَةِ كَانَ يَرَاهُ الصَّحَابَةُ أحْيَانًا (٢). رَابِعُهَا: أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ في مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وكَانَ أشَدُّهُ عَلَيْهِ، فيَتَلَبَّسُ بِهِ المَلَكُ حتَّى إِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ (٣) عَرَقًا في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، وحتَّى إِنَّ نَاقَتَهُ لَتَبْرُكُ بِهِ إِلَى الأَرْضِ إِذَا كَانَ رَاكِبَهَا، ولَقَدْ جَاءَهُ ﷺ الوَحْيُ كَذَلِكَ، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى كَادَتْ تَرُضُّهَا (٤).

стр. 185

رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ الحَارِثَ بنَ هِشَامٍ ﵁، سَألَ رسُولَ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: يا رسُولَ اللَّهِ: كيفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فقَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهُوَ أشَدُّهُ عَلَيَّ، فيُفْصَمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وأحْيَانًا يتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فيكَلِّمُنِي فَأَعِي ما يَقُولُ" (١). وعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: ولَقَدْ رأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ (٢) البَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا (٣). وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عنْهَا أيضًا أَنَّهَا قَالَتْ: . . . فَأخَذَهُ ما كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ (٤) عِنْدَ الْوَحْي، حتَّى إنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ (٥) مِنَ العَرَقِ، في

стр. 186

اليَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ (١). خَامِسُهَا: أَنَّهُ يَرَى الْمَلَكَ فِي صُورَتِهِ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا، فَيُوحِي إِلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَهُ، وهَذَا وَقَعَ لَهُ ﷺ مَرَّتَيْنِ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ في سُورَةِ النَّجْمِ (٢). سَادِسُهَا: مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ لَيْلَةَ المِعْرَاجِ منْ فَرْضِ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا (٣). سَابِعُهَا: كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لهُ مِنْهُ إِلَيْهِ بِلَا وَاسِطَةِ مَلَكٍ، كَمَا كَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ﵇، وهذِهِ المَرْتَبَةُ هِيَ ثَابِتَةٌ لِمُوسَى ﵇

стр. 187

قَطْعًا بِنَصِّ القُرْآنِ (١)، وَثُبُوُتُهَا لِنَبِيِّنَا ﷺ هُوَ فِي حَدِيثِ المِعْرَاجِ (٢). وقَدْ زَادَ بَعْضُهُمْ مرْتَبَةً ثَامِنَةً، وهيَ: تَكْلِيمُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ كِفَاحًا مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ، وهذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ ﷺ رَأَى ربَّهُ ﵎، وهِيَ مَسْأَلةُ خِلَافٍ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ (٣). قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الوَحْيُ مِنَ اللَّهِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ ﵈ عَلَى أنْوَاعٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٤)، قَالَ بعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: الوَحْيُ الأَوَّلُ: مَا أرَاهُمْ فِي المَنَامِ، قَالَ عبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ: رُؤْيَا الأنْبِيَاءَ وَحْيٌ وَقَرَأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (٥). وَقَالَ غَيْرُ واحِدٍ منْ أهْلِ التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾

стр. 188

كَمَا كَلَّمَ مُوسَى ﵇ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ حتَّى قَالَ: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (١)، وقولُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ فهُوَ إرْسَالُ الرُّوحِ الأمِينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٢). وقد كان لنبينا ﷺ جميع هذه الأنواع، فقال اللَّه في رؤياه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ (٣). * خَوْفُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ نِسْيَانِ القُرْآنِ: وَكَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخَافُ مِنْ نِسْيَانِ الوَحْي، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ ابنِ عبَّاسٍ ﵄، في قولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ (٤) مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ. . فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٥) قَالَ: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ وَتَقْرَأهُ، . . ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. .، قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأنْصِتْ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رسُولُ اللَّه ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أقْرَأهُ (٦).

стр. 189

* أدْوَارُ الدَّعْوَةِ في حيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ومَرَاحِلُهَا: مُنْذُ أَنْ تَلَقَّى النبِيُّ ﷺ أمْرَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ في قولهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ. . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قامَ مِنْ فَوْرِهِ يدْعُو النَّاسَ إلى عِبَادَةِ اللَّه وحْدَهُ، ويَعْرِضُ عليهِمُ الأَخْذَ بهَذَا الدِّينِ الذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وقدْ مرَّتِ الدَّعْوَةُ في حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ مُنْذُ بِعْثَتِهِ إلى وَفَاتِهِ بِفَتْرَتَيْنِ، تَمْتَازُ إحْدَاهُمَا عنِ الأُخْرَى تَمَامَ الامْتِيَازِ، وهُمَا: ١ - الفتْرَةُ المَكِّيَّةُ، واسْتَمَرَّتْ ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ تَقْرِيبًا. ٢ - الفترَةُ المَدَنِيَّةُ، واسْتَمَرَّتْ عَشْرَ سَنوَاتٍ كامِلَةٍ. وتَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنَ الفَتْرَتَيْنِ عَلَى مَرَاحِلَ، لِكُلٍّ منْهَا خِصَائِصُ تَمْتَازُ بِهَا عَنْ غَيْرِهَا، ويظْهَرُ ذلِكَ جَلِيًّا بَعْدَ النَّظَرِ في الظُّرُوفِ التِي مرَّتْ بها الدَّعْوَةُ خِلَالَ الدَّوْرَيْنِ. يُمْكِنُ تَقْسِيمُ الفَتْرَةِ المَكِيَّةِ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ: ١ - المَرْحَلَةُ الأُولَى: الدَّعْوَةُ السِّرِّيَّةُ، واسْتَمَرَّتْ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ. ٢ - المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: الدَّعْوَةُ جَهْرًا، وبِاللِّسَانِ فَقَطْ، دُونَ قِتَالٍ، مِنْ بِدَايَةِ السَّنَةِ الرَّابعَةِ للبِعْثَةِ، حتَّى الهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ.

стр. 190

أمَّا الفَتْرَةُ المَدَنِيَّةُ فيُمْكِنُ تَقْسِيمُهَا إِلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ: * المَرْحَلَةُ الأولَى: مَرْحَلَةٌ أُثِيرَتْ فيِها القَلَاقِلُ والفِتَنُ، وأُقِيمَتْ فيهَا العَرَاقِيلُ منَ الدَّاخِلِ، وزَحَفَ فيهَا الأعْدَاءُ إِلَى المَدِينَةِ لِاسْتِئْصَالِ خَضْرَائِهَا مِنَ الخَارجِ. واسْتَمَرَّتْ هذهِ المَرْحَلَةُ إِلَى عَامِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ سنةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ. * المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: مرْحَلَةُ الهُدْنَةِ معَ الزَّعَامَةِ الوَثَنِيَّةِ، واسْتَمَرَّتْ حتَّى فَتْحِ مكَّةَ، في رَمَضَانَ سنةَ ثَمَانٍ منَ الهِجْرَةِ، وهِيَ مَرْحَلَةُ دَعْوَةِ المُلُوكِ، والأُمَرَاءِ إِلَى الإسْلَامِ. * المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: مرحَلَةُ دُخُولِ النَّاسِ في دِينِ اللَّهِ أفْوَاجًا، وهِيَ مرْحَلةُ تَوَافُدِ القَبَائِلِ والأقْوَامِ إِلَى المَدِينَةِ، واسْتَمَرَّتْ إِلَى انْتِهَاءِ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ في رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ (١). * * *

стр. 191

الدَّعْوَةُ السِّرِّيةُ بَدَأ النبيُّ ﷺ يدْعُو إِلَى الإسْلَامِ سِرًّا (١) لِئَلَّا يُفَاجِئَ أَهْلَ مَكَّةَ بِما يُهَيِّجُهُمْ علَيْهِ، فَجَعَلَ يَعْرِض الإسْلامَ عَلَى أَلْصَقِ الناسِ بِهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وأصْدِقَائِهِ، ويَعْرِضُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَوَسَّمُ فِيهِ خَيْرًا مِمَّنْ يَعْرِفُهُمْ بِحُبِّ الحَقِّ، وَالخَيْرِ، ويَعْرِفُونَهُ بِالصِّدْقِ والصَّلَاحِ (٢). * إسْلَامُ خَدِيجَةَ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ﵂: كَانَ أوَّلُ مَن آمنَ به ﷺ مِنَ النِّسَاءَ، بَلْ أوَّلُ مَنْ آمنَ به عَلَى الإطْلَاقِ زَوْجُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ﵂. قَالَ ابنُ الأثِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: خَدِيجَةُ أوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ أَسْلَمَ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ، لمْ يَتَقَدَّمْهَا رَجُلٌ ولا امْرَأَةٌ (٣).

стр. 192

وَقَالَ الحَافِظُ في الإصَابَةِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ زَوْجُ النبيِّ ﷺ ، وأوَّلُ مَنْ صَدَّقَتْ ببعْثَتِهِ مُطْلَقًا (١) وَقَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وآمَنَتْ به خدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ، وصَدَّقَتْ بِمَا جَاءَهُ مِنَ اللَّهِ، ووَازَرَتْهُ عَلَى أمْرِهِ، وكانَتْ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وصدَّقَ بِمَا جَاءَ مِنْهُ، فخَفَّفَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ ، فكان رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِمَّا يَكْرَهُهُ مِنْ رَدٍّ عليْهِ، وتَكْذِيبٍ لَهُ، فَيُحْزِنُهُ ذَلِكَ، إِلَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا إِذَا رَجَعَ إِلَيْهَا، تُثَبِّتُهُ وتُخَفِّفُ عَلَيْهِ، وتُصَدِّقُهُ وتُهَوِّنُ علَيْهِ أمْرَ النَّاسِ، رحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى (٢). * إسْلامُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ - (٣): ثُمَّ أسْلَمَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ ابْنُ عَمِّ النبيِّ ﷺ ، ولَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ حِينَ أسْلَمَ، وكَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ (٤)، ولَمْ يَعْبُدِ الأوْثَانَ قَطُّ لِصِغَرِهِ،

стр. 193

وكَانَ فِي حِجْرِ (١) النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ (٢). روَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وابْنُ إسْحَاقَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُجَاهِدِ بنِ جَبْرٍ قَالَ: كَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، ومِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لَهُ، وأرَادَهُ بِهِ مِنَ الخَيْرِ: أَنَّ قُرَيْشًا أصَابَتْهُمْ أزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرٍ، فقَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ لِعَمِّهِ العَبَّاسِ، وَكَانَ مِنْ أيْسَرِ بَنِي هَاشِمٍ: يَا أبَا الفَضْلِ إِنَّ أخَاكَ أبَا طَالِبٍ كَثِيرُ العِيَالِ، وقَدْ أصَابَ النَّاسَ مَا ترى مِنْ هَذِهِ الأزْمَةِ، فانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ نُخَفِّفْ عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ، آخُذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلًا، وتَأْخُذُ أَنْتَ رَجُلًا فَنَكْفُلُهُمَا عَنْهُ. فَقَالَ العَبَّاسُ ﵁: نَعَمْ، فانْطَلَقَا حتَّى أتَيَا أبَا طَالِبٍ، فقَالَا لَهُ: إنَّا نُرِيدُ أَنْ نُخَفِّفَ عنْكَ مِنْ عِيَالِكَ حتَّى تَنْكَشِفَ عنِ النَّاسِ مَا هُمْ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو طَالِبٍ: إِذَا تَرَكْتُمَا لِي عَقِيلًا فَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا، فأخَذَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا ﵁ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وأَخَذَ العَبَّاسُ ﵁ جَعْفَرًا ﵁ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، فلَمْ يَزَلْ عَلِيُّ ﵁ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا، فاتَّبَعَهُ عَلِيٌّ ﵁ وَآمَنَ بِهِ، وَصَدَّقَهُ، وأخَذَ العبَّاسُ ﵁ جَعْفَرًا ﷺ ، ولمْ يَزَلْ جَعْفرُ ﵁، معَ العبَّاسِ ﵁ حتَّى أسْلَمَ، واسْتَعنَى عَنْهُ (٣).

стр. 194

* إسْلامُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵁ - (١): ثمَّ أسلَمَ مَوْلاهُ (٢) زيدُ بنُ حَارِثَةَ الكَلْبِيّ ﵁، وهُوَ أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ مِنَ المَوَالِي، ويُقَالُ لَهُ حِبُّ النبيِّ ﷺ ، وهُوَ الذِي آثَرَ رسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى وَالِدِهِ وأهْلِهِ. وسَبَبُ وُجُودِهِ عِنْدَ النبيِّ ﷺ ما رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ وَحَسَّنَهُ، وابْنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ (٣) قَدِمَ مِنَ الشَّامِ بِرَقِيقٍ، فِيهِمْ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ ﵁، فدَخَلَتْ عليهِ خدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلِدَ، فَقَالَ لهَا: اخْتَارِي أيَّ هَؤُلَاءِ الغِلْمَانِ شِئْتِ، فهُوَ لَكِ، فاختارَتْ زَيْدًا فأخَذَتْهُ، فلمَّا رآهُ النبيُّ ﷺ أعْجَبَهُ فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا، فَوَهَبَتْهُ لَهُ، فأعْتَقَهُ رسُولُ اللَّهِ ﷺ وتَبَنَّاهُ، فَكَانَ يُدْعَى زَيْدَ بنَ مُحَمَّدٍ، وذلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَكَانَ أبُوهُ حَارِثَةُ قَدْ جَزِعَ عليهِ جَزَعًا

стр. 195

شَدِيدًا، وبكَى عليهِ حِينَ فَقَدَهُ، وَقَالَ فِيهِ: بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ ولَمْ أدْرِ مَا فَعَلْ ... أحَيٌّ فَيْرْجَى أمْ أتَى دُونَهُ الأَجَلْ فَوَ اللَّهِ ما أدْرِي وإنِّي لسَائِلٌ ... أغَالَكَ بعْدِي السَّهْلُ أمْ غَالَكَ الجَبَلْ ويَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَكَ الدَّهْرُ أَوْبَةٌ (١) ... فَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا رُجُوعُكَ لِي بَجَلْ (٢) تُذَكِّرُنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا ... وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إِذَا غَرْبُهَا أَفَلْ (٣) وإنْ هَبَّتِ الأرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ ... فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ سَأُعْمِلُ نَصَّ (٤) العَيْشِ فِي الأَرْضِ جَاهِدًا ... ولَا أسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الإِبِلْ

стр. 196

حَيَاتِي أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي ... فَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الأَمَلْ فلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ بِمَكَّةَ قدِمَهَا لِيَفْدِيَهُ، فدَخَلَ حَارِثَةُ وَأخُوهُ عَلَى النبيِّ ﷺ فَقَالَ: يا ابنَ عبدِ اللَّهِ! يا ابنَ عبدِ المُطَّلِبِ! يا ابنَ هَاشِمٍ! يا ابنَ سَيِّدِ قَوْمِه! أنْتُمْ أَهْلُ الحَرَمِ، وجِيرَانُهُ وعِنْدَ بَيْتِهِ، تَفُكُّونَ العَانِي، وتُطْعِمُونَ الأسِيرَ، جِئْنَاكَ فِي ابْنِنَا عِنْدَكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا، وَأحْسِنْ إلَيْنَا في فِدَائِهِ، فإنَّا سَنَرْفَعُ لَكَ فِي الفِدَاءِ. فَقَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ هُوَ"؟ قَالَا: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَدَعَى رسولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا، فَقَالَ لَهُ: "إنْ شِئْتَ فَأقِمْ عِنْدِي، وإنْ شِئْتَ فَانْطَلِقْ مَعَ أبِيكَ"، فَقَالَ زَيْدٌ: بَلْ أُقِيمُ عِنْدَكَ، ومَا أنَا بِالذِي أَخْتَارُ عَلَيْكَ أحَدًا، أَنْتَ مِنِّي بِمَكَانِ الأبِ وَالأمِّ، فقَالَا: وَيْحَكَ يَا زَيْدُ أتَخْتَارُ العُبُودِيَّةَ عَلَى الحُرِّيَّةِ، وعَلَى أبِيكَ وعَمِّكَ وأَهْلِ بَيْتِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنِّي قَدْ رَأيْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا، ما أنَا بِالذي أَخْتَارُ عَلَيْهِ أحَدًا أبَدًا، فَلَمْ يَزَلْ زَيْدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَصَدَّقَهُ، وأسْلَمَ، وصَلَّى مَعَهُ، فأنْزَلَ اللَّهُ : ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (١) قَالَ: أنَا زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ (٢).

стр. 197

* بَنَاتُ النَّبِيِّ ﷺ -: كذَلِكَ سَارَعَ إِلَى الإِسْلَامِ بَنَاتُ النبيِّ ﷺ ، لأنَّهُ لا شَكَّ في تَمَسُّكِهِنَّ قَبْلَ البِعْثَةِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أبُوهُنَّ مِنَ الِاسْتِقَامَةِ، وحُسْنِ السِّيرَةِ، والتَّنَزُّهِ عمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ مِنْ عِبَادَةِ الأصْنَامِ، والوُقُوعِ في الآثَامِ، وفي اقْتِدَائِهِنَّ بِأُمِّهِنَّ في المُسَارَعَةِ إلى الإِيمَانِ. قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا بَنَاتُهُ ﷺ فكُلُّهُنَّ أدْرَكْنَ الإِسْلَامَ، فأسْلَمْنَ وهَاجَرْنَ مَعَهُ ﷺ (١). * إسْلَامُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ - (٢): أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ مِنْ خَارجِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فَهُوَ أوَّلُ مَنْ آمَنَ بالرَّسُولِ ﷺ مِنَ الرِّجَالِ البَالِغِينَ الأَحْرَارِ، وَكَانَ صَدِيقًا للنبيِّ ﷺ قَبْلَ البِعْثَةِ، وهُوَ أَصْغَرُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ بسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ تَقْرِيبًا، وَكَانَ يَعْلَمُ مِنْ صِدْقِهِ، وأَمَانَتِهِ، وحُسْنِ سجِيَّيهِ، وكَرَمِ أخْلَاقِهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الكَذِبِ عَلَى

стр. 198

الخَلْقِ، وَلِهَذَا مَا إِنْ ذَكَرَ لَهُ رسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ بَادَرَ إِلَى تَصْدِيقِهِ، ولَمْ يتَلَعْثَمْ. قَالَ الرَّسُولُ- ﷺ عنَه: "مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ عِنْدَهُ كبْوَةٌ (١)، ونَظَرٌ، وَتَرَدُّدٌ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، مَا عَكَمَ (٢) عَنْهُ حِينَ ذَكرْتُهُ لَهُ، وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ" (٣). * الأَدِلَّةُ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ -: قُلْتُ: الأَدِلَّةُ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ-﵁ أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عِنْدَمَا بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ: ألَسْتُ أحَقَّ النَّاسِ بِهَا؟ ألَسْتُ أوَّلَ مَنْ أسْلَمَ؟ (٤). وروَى الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ والإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ولَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ البَغَوِيِّ في مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وسَنَدُهُ حَسَنٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ

стр. 199

قَالَ: سَأَلْتُ ابنَ عبَّاسٍ ﵁: مَنْ أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ؟ ، فَقَالَ ﵁: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ثُمَّ قَالَ: أمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانٍ ﵁: إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا (١) مِنْ أخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أخَاكَ أبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا التَّالِيَ الثَّانِيَ المَحْمُودُ مَشْهَدُهُ ... وأوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا والثَّانِيَ اثْنَيْنِ فِي الغَارِ المُنِيفِ وَقَدْ ... طافَ العَدُوُّ بِهِ إذْ صَعَّدَ الجَبَلَا وَكَانَ حِبَّ (٢) رَسُول اللَّهِ قَدْ عَلِمُوا ... مِنَ البَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلَا خَيْرُ البَرِيَّةِ أتْقَاهَا وأرَأَفَهَا ... بَعْدَ النَّبِيِّ وأوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا (٣) قَالَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وفي مَدْحِ حَسَّانَ الذِي قَالَ فِيهِ، وسَمِعَهُ النبيُّ ﷺ ، ولَمْ يُنْكِرْهُ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ (٤). وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكُمْ، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ، وَوَاسَانِي

стр. 200

بِنَفْسِهِ ومَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكوا لِي صَاحِبِي؟ " مَرَّتَيْنِ (١). * مَنْزِلَتُهُ ﵁ فِي قُرَيْشٍ وَدَعْوَتُهُ لِلإِسْلَامِ: قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، أظْهَرَ إسْلَامَهُ، ودَعَا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، . . . وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مُؤَلَّفًا (٢) لِقَوْمِهِ، مُحَبَّبًا سَهْلًا، وكَانَ أنْسَبَ (٣) قُريْشٍ لِقرَيْشٍ، وأعْلمَ قرَيْشٍ بِهَا وَبِمَا، كَانَ فِيهَا مِنْ خيرٍ وشرٍّ، وكَانَ رَجُلًا تَاجِرًا، ذَا خُلُقٍ ومَعْرُوفٍ، وَكَانَ رِجَالُ قَوْمِهِ يَأْتُونَهُ، ويَأْلفونَهُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الأمْرِ، لِعِلْمِهِ، وتِجَارَتهِ، وحُسْنِ مُجَالَسَتِهِ، فَجَعَلَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى الإِسْلَامِ مَنْ وثِقَ به مِنْ قَوْمِهِ، مِمَّنْ يَغْشَاهُ، ويَجْلِسُ إِلَيْهِ (٤). * * *

стр. 201

ذِكْرُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ - فأسْلَمَ بِدُعَائِهِ ﵁: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (١)، والزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ (٢)، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ (٣)، وسَعْدُ بنُ أَبِي وقَّاصٍ (٤)، . . . .

стр. 202

وطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (١). فكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الذِينَ سَبَقُوا النَّاسَ هُمُ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ، وطَلِيعَةُ الإِسْلَامِ. فجَاءَ بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَجَابُوا لَهُ، وأسْلَمُوا وأصْبَحُوا مِنْ جُنُودِ الإِسْلَامِ المُخْلِصِينَ لِدَعْوَتِهِ. ثمَّ تَلاهُمْ جَمْعٌ آخَرُ منَ المُسْلِمِينَ الأوَائِلِ وهُمْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ (٢)، وأَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الأسَدِ (٣)، والأرْقَمُ بنُ أَبِي الأَرْقَمِ (٤)، وعُثْمَانُ

стр. 203

بنُ مَظْعُونٍ (١) وأخَوَاهُ قُدَامَةُ (٢) وعَبْدُ اللَّهِ (٣)، وعُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ (٤)، وَسَعِيدُ بنُ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ (٥)، وامْرَأتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ

стр. 204

الخَطَّابِ (١)، وأسْمَاءُ (٢) بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وأُمُّ الفَضْلِ، وهِيَ لُبَابَةُ الكُبْرَى بِنْتُ الحَارِثِ (٣)، وخَبَّابُ بنُ الأرَتِّ (٤)، وعُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ (٥)، وعُمَيْرُ بنُ أَبِي

стр. 205

وقَّاصٍ (١) أخُو سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ (٢) حَليِفُ بنِي زُهْرَةَ ﵃ أجْمَعِينَ. * تَسَامُعُ النَّاسِ دَعْوَةَ الإِسْلَامِ: ثُمَّ بَدَأَ النَّاسُ يَتَسَامَعُونَ بِرِسَالَةِ الإِسْلَامِ، وسَارَعَ الفُقَرَاءُ إِلَى الدُّخُولِ في الإِسْلَامِ، فأسْلَمَ مَسْعُودُ بْنُ رَبِيعَةَ القَارِي (٣)، وسَلِيطُ بنُ عَمْرٍو (٤)، وأخُوهُ حَاطِبٌ (٥)، . . . .

стр. 206

وعَيَّاشُ بنُ أَبِي رَبِيعَةَ (١)، وامْرَأَتُهُ أسْمَاءُ بِنْتُ سَلَامَةَ (٢)، وخُنَيْسُ بنُ حُذَافَةَ (٣) وعَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ (٤)، وعبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ (٥)، وأخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ بنُ جَحْشٍ (٦)،

стр. 207

وجَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ (١)، وامْرَأتُهُ أسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ (٢)، وحَاطِبُ بنُ الحَارِثِ (٣)، وامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ المُجَلَّلِ (٤)، . . . .

стр. 208

وأخُوهُ حَطَّابُ بنُ الحَارِثِ (١)، وامرَأتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ (٢)، ومَعْمَرُ بنُ الحَارِثِ (٣)، والسَّائِبُ بنِ مَظْعُونٍ (٤)، والمُطَّلِبُ بنُ أزْهَرَ (٥)، وامْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أبي عوفٍ (٦)، ونُعَيْمُ بنُ عَبْدِ اللَّه النَّحَّامُ (٧)، . . . .

стр. 209

وعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ (١) مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وخَالِدُ بنُ سَعِيدِ بنِ العَاصِ (٢)، وامْرَأَتُهُ أَمَيمَةُ بِنْتُ خَلَفٍ (٣)، وأَبُو حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ (٤)، ووَاقِدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ (٥)، وخَالِدٌ (٦)،

стр. 210

وَعَامِرٌ (١)، وعَاقِلٌ (٢)، وإيَاسٌ (٣) بَنُو البُكَيْرِ بنِ عَبْدِ يَالِيلَ، وعَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ (٤)، وصُهَيْبُ بنُ سِنَانٍ (٥) حَلِيفِ بَنِي تَيْمِ بنِ مُرَّهَ، . . . .

стр. 211

وبِلَالُ بنُ رَبَاحٍ الحَبَشِيُّ (١)، ومُصْعَبُ بنُ عُمَيْر (٢)، وعَمْرُو بنُ عبَسَةَ (٣) ﵃ أجْمَعِينَ. أسْلَمَ هَؤُلَاءَ سِرًّا، وكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَجْتَمعُ بِهِمْ، ويُرْشِدُهُمْ إِلَى الدِّينِ مُسْتَخْفِيًا، لِأَنَّ الدَّعْوَةَ كَانَتْ لا تَزَالُ فَرْدِيَّةً وسِرِّيَّةً، وَكَانَ الوَحْيُ قَدْ تَتَابَعَ وحَمِيَ بَعْدَ نُزُولِ أوَائِلِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، وكَانَتِ الآيَاتُ وقِطَعُ السُّوَرِ التِي تَنْزِلُ في هَذَا الزَّمَانِ آيَاتٍ قَصِيرَةً، ذَاتَ فَوَاصِلَ رَائِعَةٍ مَنِيعَةٍ، وإيقَاعَاتٍ هَادِئَةٍ خَلَّابَة تَتَنَاسَقُ معَ ذَلِكَ الجَوِّ الهَامِسِ الرَّقِيقِ، تَشْتَمِلُ عَلَى تَحْسِينِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ،

стр. 212

وتَقْبِيحِ تَلْوِيثِهَا بِالشَّهَوَاتِ، تَصِفُ الجَنَّةَ والنَّارَ كَأَنَّهُمَا رَأْيَ عَيْنٍ، تَسِيرُ بالمُؤْمِنِينَ فِي جَوٍّ آخَرَ غَيْرِ الذِي فِيهِ المُجْتَمَعُ البَشَرِيُّ آنذَاكَ (١). * * *

стр. 213

بدَايَةُ فَرْضِ الوُضُوءِ (١) والصَّلاةِ كَانَ مِنْ أوَائِلِ مَا نَزَلَ: الأَمْرُ بالوُضُوءَ والصَّلَاةِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇، أتاهُ في أوَّلِ ما أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ الوُضُوءَ والصَّلَاةَ (٢). ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ والحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . دَخَلَتْ فَاطِمَةُ ﵂ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وهِيَ تَبْكِي، فقَالَتْ: هَؤُلاءَ المَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ تَعَاقَدُوا عَلَيْكَ لوْ قَدْ رَأَوْكَ، . . . فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا بُنيَّةُ، ايتِيني بِوَضُوءٍ"، فتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمُ المَسْجِدِ (٣). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وهَذَا الحَدِيثُ يَصْلُحُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ وُجُودَ الوُضُوءِ قَبْلَ الهِجْرَةِ، لا عَلَى مَنْ أنْكَرَ وُجُوبَهُ حِينَئِذٍ (٤).

стр. 214

* أَمَّا أمْرُ الصَّلَاةِ: فقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (١)، قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِير في تَفْسِيرِ هذ الآيَةِ: كَانَتْ الصَّلَاةُ المَفْرُوضَةُ قَبْلَ الإِسْرَاءِ ثِنْتيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ في وَقْتِ الفَجْرِ، وقَبْلَ الغُرُوبِ في وَقْتِ العَصْرِ، وقِيامُ اللَّيْلِ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وعَلَى أُمَّتِهِ حَوْلًا، ثُمَّ نُسِخَ في حَقِّ الأمَّةِ وُجُوُبهُ، ثمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءَ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ (٢). وَقَالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٣)، قَالَ: هِيَ صَلاةٌ كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ رَكْعَتَانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتَانِ عَشِيَّةً، فيَكُونُ هذَا مِمَّا نُسِخَ، واللَّهُ أعْلَمُ (٤). وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَانَ رسُولُ اللَّه ﷺ قَبْلَ الإِسْرَاءِ يُصَلِّي قَطْعًا، وكَذَلِكَ أصْحَاُبهُ، ولَكِنِ اخْتُلِفَ هَلْ افترِضَ قَبْلَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ شَيْءٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ أمْ لَا؟ فَيَصِحُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الفَرْضَ أوَّلًا كَانَ صَلَاةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وصَلَاةً قَبْلَ غُرُوبِهَا، والحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا. . .﴾ (٥).

стр. 215

استِخْفَاءُ النَّبيِّ ﷺ والمُسْلِمِينَ في دَارِ الأَرْقَمِ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يَأمُرُ أصْحَابَهُ بِالْتِزَامِ الحَيْطَةِ، والحَذَرِ، والتَّخَفِّي، وعَدَمِ الإعْلَانِ عَنِ الإِسْلَامِ إِلَى أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ أمْرَهُ، فكانُوا إِذَا أرَادُوا الصَّلاةَ خَرَجُوا إِلَى الشِّعَابِ، فَاسْتَخْفَوا فِيهَا بِصَلاتِهِمْ عَنْ أنْظَارِ قُرَيْشٍ، وقَدْ بَقُوا عَلَى ذَلِكَ طِيلَةَ مُدَّةِ الدَّعْوَةِ السِّرِّيَّةِ. * أوَّلُ دَمٍ أُهْرِيقَ في الإِسْلَامِ: وبَيْنَمَا سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ فِي نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ في شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ مَكَّةَ، إِذَا بِجَمَاعَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ يَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وهُمْ يُصَلُّونَ، فاسْتَنْكَرُوا عَمَلَهُمْ، وعَابُوا عَلَيْهِمْ ما يَصْنَعُونَ، فَلَمْ يَتْرُكْهُمُ المُشْرِكُونَ حتَّى قَاتَلُوهُمْ، واضطر المُسْلِمُونَ أَنْ يُدَافِعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَضَرَبَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أحَدَ المُشْرِكِينَ بِلَحْيِ (١) بَعِيرٍ فَشَجَّهُ، فكَانَ هَذَا أوَّلَ دَمٍ أُهْرِيقَ فِي الإِسْلَامِ (٢). رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ قَالَ: أَنَّ
следующие страницы →