← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

* رُؤْيَةُ الرَّسُولِ ﷺ نَهْرَ الكَوْثَرِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَمَا أنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ، وَإِذَا أنَا بِنَهَرٍ حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَب، ومَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَاليَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلَ وأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ" (١). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤلُؤِ مُجَوَّفًا" (٢). قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلِى مَا يَجْرِى فِيهِ المَاءُ، فَإِذَا مِسْكٌ أَذْفَرُ (٣)، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ" (٤). * جَارِيَةٌ لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁ -: وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الجَنَّةِ جَارِيَةً شَابَّةً، قَالَ: "فَسَأَلْتُهَا لِمَنْ أَنْتِ؟ وَقَدْ أَعْجَبَتْنِي حِينَ رَأَيْتُهَا"، فَقَالَتْ: لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَبَشَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا ﵁ (٥).

стр. 492

* صَوْتُ بِلَالٍ ﵁ فِي الجَنَّةِ: وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ودَخَلَ الجَنَّةَ، فَسَمِعَ فِي جَانِبِهَا وَجْسًا (١)، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا بِلَالٌ المُؤَذِّنُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَاءَ إِلَى النَّاسِ: "قَدْ أَفْلَحَ بِلَالٌ" (٢). وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا بِلَالُ! حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الإِسْلَامِ مَنْفَعَةً، فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلةَ خَشْفَ (٣) نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ". قَالَ بِلَالٌ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا فِي الإِسْلَامِ أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً، مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا، فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ، مَا كتَبَ اللَّهُ لِي (٤) أَنْ أُصَلِّيَ (٥).

стр. 493

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لبِلَالَ ﵁. ٢ - وفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِدَامَةِ الطَّهَارَةِ، ومُنَاسَبَةُ المُجَازَاةِ عَلَى ذَلِكَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَازَمَ الدَّوَامَ عَلَى الطَّهَارَةِ أَنْ يَبِيتَ المَرْءُ طَاهِرًا، ومِنْ بَاتَ طَاهِرًا عَرَجَتْ رُوحُهُ، فَسَجَدَتْ تَحْتَ العَرْشِ، كَمَا رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ، والعَرْشُ سَقْفُ الجَنَّةِ. ٣ - وفِيهِ سُؤَالُ الصَّالِحِينَ عَمَّا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ لِيَقْتَدِيَ بِهَا غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ. ٤ - وفِيهِ سُؤَالُ الشَّيْخِ عَنْ عَمَلِ تِلْمِيذِهِ لِيَحُضَّهُ عَلَيْهِ، وَيُرَغِّبَهُ فِيهِ إِنْ كَانَ حَسَنًا، وَإِلَّا فَيَنْهَاهُ. ٥ - وَفِيهِ أَنَّ الجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الآنَ خِلَافًا لِمَنْ أنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ (١). * عَرْضُ الآنِيَةِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ -: يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ : "ثُمَّ رُفِعَ لِيَ البَيْتُ المَعْمُورُ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٌ، فَأَخَذْتُ الذِي فِيهِ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُ" (٢)،

стр. 494

فَقِيلَ لِي: هِيَ الفِطْرَةُ التِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ (١). وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ، قَالَ: أصبت الفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ (٢). * انْتِهَاءُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى: ثُمَّ انْطَلَقَ جِبْرِيلُ بِالرَّسُولِ ﷺ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى سِدرَةِ (٣) المُنْتَهَى (٤).

стр. 495

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ". . . ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبْقُهَا (١) كَأَنَّهُ قلَالُ (٢) هَجَرَ (٣)، وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الفِيَلَةِ، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ (٤) لَا أَدْرِي مَا هِيَ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِفَهَا مِنْ حُسْنِهَا" فَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇: هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنهَارٍ (٥): نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ (٦).

стр. 496

* رُؤْيَةُ الرَّسُولِ ﷺ جِبْرِيلَ ﵇ عَلَى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ: وَهُنَاكَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى رَأَى ﷺ جبْرِيلَ ﵇ عَلَى الصُّورَةِ التِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، فِي حُلَّةٍ مِنْ رَفْرَفٍ (١) أَخْضَرَ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، يَتَنَاثَرُ مِنْ أَجْنِحَتِهِ التَّهَاوِيلُ، والدُّرُّ واليَاقُوتُ (٢)، وكَانَ الرَّسُولُ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَرَى جِبْرِيلَ إِلَّا عَلَى صُورَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَكْثَرُ مَا يَرَاهُ ﷺ عَلَى صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ ﵁ (٣). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا المَشْهَدِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٤) (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (٥) (١٧)

стр. 497

لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (١). رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، والإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂، قَالَ: قُلْتُ: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٢)، وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٣)، قَالَتْ: أنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا، فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ". لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ: رَآهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءَ وَالأَرْضِ (٤). * افْتِرَاضُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ: ثُمَّ نَظَرَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى جِبْرِيلَ ﵇، فَوَجَدَهُ كَالحِلْسِ (٥) البَالِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (٦)، ثُمَّ غَشِيَتْ تِلْكَ السِّدْرَةَ سَحَابَةٌ، فتَأَخَّرَ جِبْرِيلُ ﵇،

стр. 498

وعُرِجَ بِالرَّسُولِ ﷺ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مُسْتَوًى سَمعَ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ، قَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوْسَى ﵇"، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ فَقَالَ ﷺ : "فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلِّ يَوْمٍ". فَقَالَ ﵇: ارْجعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، وإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وعَالَجْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ أشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْاَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قال ﷺ : "فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا"، فَقُلْتُ: "حَطَّ عَنِّي خَمْسًا"، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ ﷺ : "فَلَمْ أَزَلْ أَرْجعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وبيْنَ مُوسَى"، حَتَّى قَالَ اللَّهُ : يَا مُحَمَّدُ، إنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تَكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً (١). قال ﷺ : فنَزَلْتُ حَتَّى انتهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرتهُ، فَقَالَ: ارْجعْ إِلَى رَبِّكَ

стр. 499

فَسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْه". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَانِي مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي" (١) * مَا خُصَّ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وَأمتُهُ: رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: . . . فَأُعْطِيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وأُعْطِيَ خَوَاتِمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا، المُقْحِمَاتُ (٢).

стр. 500

* هَلْ رَأَى الرَّسُولُ ﷺ رَبَّهُ لَيْلةَ الْإِسْرَاءِ ؟ : اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي رُؤْيَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِرَبِّهِ ﵎ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ، فَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: يَا أُمِّتَاهُ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ (١) شَعْرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ (٢) مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ؟ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣)، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٤). وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿. . . وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٥). وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ ﷺ كتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَت ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٦).

стр. 501

وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ كَذَلِكَ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (١)، قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ (٢). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قال: "نُورٌ أَنَّى أرَاهُ" (٣). وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ فِي قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٤)، وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٥)، قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ (٦). قَالَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ زِيَادَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا (٧)، عَلَى

стр. 502

مَذْهَبِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ﷺ رَأَى رَبَّهُ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأَبِي هُرَيْرَة ﵃ أَجْمَعِينَ فِي حَمْلِهِمْ هَذِهِ الآيَاتِ عَلَى رُؤْيَتِهِ، جِبْرِيلَ ﵇، أصَحُّ (١). وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وهَذَا الذِي قَالَهُ البَيْهَقِيُّ هُوَ الحَقُّ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ (٢). وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ فَالذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبّه بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، وعَائِشَةُ أنْكَرَتِ الرُّؤْيَةَ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: عَائِشَةُ أنْكَرَتْ رُؤْيَةَ العَيْنِ، وابنُ عَبَّاسٍ أثْبَتَ رُؤْيَةَ الفُؤَادِ. والأَلْفَاظُ الثَّابِتَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ هِيَ مُطْلَقَةٌ، أَوْ مُقَيَّدَةٌ بِالفُؤَادِ، تَارَةً يَقُولُ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، وتَارَةً يَقُولُ: رَآهُ مُحَمَّد، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ لَفْظٌ صَرِيحٌ بِأنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ. وَكَذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ، تَارَةً يُطْلِقُ الرُّؤْيَةَ، وتَارَةً يَقُولُ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ سَمعَ أَحْمَدَ يَقُولُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، لَكِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ سَمِعُوا بَعْضَ

стр. 503

كَلَامِهِ المُطْلَقَ، فَفَهِمُوا مِنْهُ رُؤْيَةَ العَيْنِ، كَمَا سَمعَ بَعْضُ النَّاسِ مُطْلَقَ كَلَامِ ابنِ عَبَّاسٍ، فَفَهِمَ مِنْهُ رُؤْيَةَ العَيْنِ. وَلَيْسَ فِي الأَدِلَّةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، وَلَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا فِي الكِتَابِ والسُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ عَلَى نَفْيِهِ أَدَلُّ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: "نُورٌ أنَّى أرَاهُ" (١). وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (٢)، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَرَاهُ نَفْسَهُ بِعَيْنِهِ لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أَوْلَى. وَكَذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ (٣) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٤)، وَلَوْ كَانَ رَآهُ بِعَيْنِهِ لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أَوْلَى. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ (٥)، قَالَ ﵁: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ

стр. 504

أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ (١)، وَهَذ رُؤْيَا الآيَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّاسَ بِمَا رَآهُ بِعَيْنِهِ لَيْلَةَ المِعْرَاجِ، فَكَانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ، حَيْثُ صَدَّقَهُ قَوْمٌ وَكَذَّبَهُ قَوْمٌ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ فِي شَيءٍ مِنْ أَحَادِيثِ المِعْرَاجِ الثَّابِتَةِ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَ مَا دُونَهُ. وَقَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ وَاتِّفَاقِ سَلَفِ الأُمَّةِ أَنَّهُ لَا يَرَى اللَّهَ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا بِعَيْنِهِ، إِلَّا مَا نَازَعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مِنْ رُؤْيَةِ نَبِيَنِّاَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَيَانًا، كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ (٢). وَقَالَ أَيْضًا شَيْخُ الإِسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٣). ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٤) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَنَدَهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّ هَذَا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَتِهِ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا، وَقَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ هَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي قَوْلهِ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 505

وَأَمَّا قَوْلَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ (١) فَهُوَ غَيْرُ الدُّنُوِّ والتَّدَلِّي فِي قِصَّةِ الإِسْرَاءِ، فَإِنَّ الذِي فِي سُورَةِ النَّجْمِ هُوَ دَنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ وابنُ مَسْعُودٍ، والسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (٢) وَهُوَ جِبْرِيلُ ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ فَالضَّمَائِرُ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى هَذَا المُعَلِّمِ الشَّدِيدِ القُوَى، وَهُوَ ذُو المِرَّةِ، أيِ: القُوَّةِ، وهُوَ الذِي اسْتَوَى بِالأُفُقِ الأَعْلَى، وَهُوَ الذِي دَنَى فتَدَلَّى، فكَانَ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٣). وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: فِي قَوْلهِ ﷺ : "رَأَيْتُ رَبِّي" (٤) قَالَ: مَا قَيَّدَ الرُّؤْيَةَ بِالنَّوْمِ، وبَعْضُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَبّه لَيْلة المِعْرَاجِ يَحْتَجُّ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ، والذِي دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعَ إمْكَانِهَا، فنَقِفُ عَنْ هَذِهِ المَسْأَلةِ، فَإِنَّ "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" (٥)، فَإِثْبَاتُ ذَلِكَ أَوْ نَفْيُهُ صَعْبٌ، والوُقُوفُ سَبِيلُ السَّلَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِذَا ثَبَتَ شَيْءٌ قُلْنَا بِهِ، وَلَا نُعَنِّفُ مَنْ أثْبَتَ الرُّؤْيَةَ لِنَبِيِّنَا ﷺ فِي الدُّنْيَا، وَلَا مَنْ نَفَاهَا، بَلْ نَقُولُ: اللَّهُ وَرَسُوله أعْلَمُ، بَلْ نُعَنِّفُ وَنُبَدِّعُ مَنْ أنْكَرَ الرُّؤْيَةَ فِي الآخِرَةِ، إِذْ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى

стр. 506

فِي الآخِرَةِ ثَبَتَتْ بِنُصُوصٍ مُتَوَاتِرَةٍ (١) * عَوْدَةُ الرَّسُولِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ وإِخْبَارُهُ النَّاسَ بِمَسْرَاهُ: ثُمَّ هَبَطَ جِبْرِيلُ ﵇ بِالرَّسُولِ ﷺ مِنَ السَّمَاوَاتِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، ثُمَّ رَكِبَ البُرَاقَ مُنْصَرِفًا إِلَى مَكَّةَ بِصُحْبَةِ جِبْرِيلَ ﵇، ثُمَّ أَتَى مَكَّةَ قَبْلَ الصُّبْحِ. * بَعَضُ المَشَاهِدِ وَهُوَ فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ إِلَى مَكَّةَ: يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ : "مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ فَأَنْفَرَهُمْ حِسُّ الدَّابَّةِ، -أَي البُرَاقُ- فَنَدَّ (٢) لَهُمْ بَعِيرٌ، فَدَلَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَا مُتَوَجِّهٌ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا كنْتُ بِضَجْنَانَ (٣) مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ فَوَجَدْتُ القَوْمَ نِيَامًا، وَلَهُمْ إِنَاءٌ فِيهِ

стр. 507

مَاءٌ قَدْ غَطُّوا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فكَشَفْتُ غِطَاءَهُ وَشَرِبْتُ (١) مَا فِيهِ، ثُمَّ غَطَّيْتُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَعَلَى رَأْسِ العِيرِ جَمَلٌ أَوْرَقُ (٢) عَلَيْهِ غَرَارَتَانِ (٣)، إِحْدَاهُمَا سَوْدَاءُ، والأُخْرَى بَرْقَاءُ (٤) ". * هَلْ صَدَّقَتْ قُرَيْشٌ الرَّسُولَ ﷺ فِي إِسرَائِهِ ومِعْرَاجِهِ ؟ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَحَدَّثَهُمْ بِمَسِيرِهِ، وَبِعَلَامَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبِعِيرِهِمْ. . . (٥). قَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "لَمَّا كَانَ لَيْلةَ أُسرِيَ بِي، وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، . . . عَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ، فَقَعَدْتُ مُعْتَزِلًا حَزِينًا، فَمَرَّ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيَّ".

стр. 508

فَقَالَ كَالمُسْتَهْزِئِ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ قُلْتُ: "نَعَمْ". قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: "إِنَّهُ أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلَةَ". قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قُلْتُ: "إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ". قَالَ: ثُمَّ أصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانِينَا؟ قُلْتُ: "نَعَمْ". فَلَمْ يُرِهِ أَنْ يُكَذِّبَهُ؛ مَخَافَةَ إِنْ يَجْحَدَهُ الحَدِيثَ إِذَا دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ أتُحَدِّثُهُمْ بِمَا حَدَّثْتَنِي؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ". فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: هَيَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ! فَانْفَضَّتْ إِلَيْهِ المَجَالِسُ، وجَاؤُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنِّي أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلةَ". قَالوا: إِلَى أَيْنَ؟

стр. 509

قَالَ: "إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ" قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانِينَا؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَضَجَّ المُشْرِكُونَ وَأَعْظَمُوا ذَلِكَ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ يُصَفِّقُ، وَبَعْضُهُمْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ تَعَجُّبًا (١). وَكَانَتْ فِتْنَةً عَظِيمَةً، ارْتَدَّ بَعْضُ مَنْ أسْلَمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنِ ارْتَدَّ عَنْ إِسْلَامِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ (٢).

стр. 510

* مَوْقِفُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ -: ذَهَبَ النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ يَا أبَا بَكْرٍ فِي صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَصَلَّى فِيهِ، وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ. فَقَالَ: إنَّكُمْ تَكْذِبُونَ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: بَلَى، هَا هُوَ ذَاكَ فِي المَسْجِدِ، يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ قَالَهُ لَقَدْ صَدَقَ، فَقَالُوا: أَوَتُصَدِّقه أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَمَا يُعْجِبُكُمْ مِنْ ذَلِكَ؟ إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءَ يَأْتِيهِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَهَذَا أَبْعَدُ مِمَّا تَعْجَبُونَ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَحَدَّثْتَ هَؤُلَاءِ القَوْمَ أَنَّكَ جِئْتَ بَيْتَ المَقْدِسِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ.

стр. 511

فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: "وَأَنْتَ يَا أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ"، فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ الصِّدِّيقَ (١). قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ: وَسُمِّيتَ صِدِّيقًا وَكُلُّ مُهَاجِرٍ ... سِوَاكَ يُسَمَّى بِاسْمِهِ غَيْرَ مُنْكَرِ سَبَقْتَ إِلَى الإِسْلَامِ وَاللَّهُ شَاهِدٌ ... وَكُنْتَ جَلِيسًا بِالعَرِيشِ المُشَهَّرِ وَبِالغَارِ إِذْ سُمِّيتَ بِالغَارِ صَاحِبًا ... وَكُنْتَ رَفِيقًا لِلنَّبِيِّ المُطَهَّرِ (٢) * طَلَبُ قُرْيَشٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ المَقْدِسِ: قَالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصِفَ لَنَا بَيْتَ المَقْدِسِ، وَفِي القَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ البَلَدِ، وَرَأَى المَسْجِدَ. فَقَامَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ (٣) وَقَالَ: أنَا أعْلَمُ النَّاسِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وَكَيْفَ

стр. 512

بِنَاؤُهُ، وكَيْفَ هَيْئَتُهُ، فَإِنْ يَكُنْ مُحَمَّد صَادِقًا فَسَأُخْبِرُكُمْ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَسَأُخْبِرُكُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ بِنَاؤُهُ وكَيْفَ هَيْئتُهُ؟ . يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ : "لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الحِجْرِ، وقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلتْنِي عَنْ أشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فكُرِبْتُ كُرْبَة مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ" (١). وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ ﷺ : "فَجَلَّى (٢) اللَّهُ لِيَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ (٣) أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ" (٤). وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ ﷺ : "فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ (٥)، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى التْبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ"، قَالَ: "فَجِيءَ بِالمَسْجدِ (٦) وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى

стр. 513

وُضِعَ دُونَ دَارِ عَقِيلٍ فنعَتُّهُ، وأنَا أنْظُرُ إِلَيْهِ". فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ نَعْتِهِ قَالَ المُشْرِكُونَ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ (١). ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ لَهُمْ: "آيَةُ ذَلِكَ أَنِّي مَرَرْتُ بِعِيرٍ لَكُمْ بِمَكَانِ كذَا وَكَذَا، فَأَنْفَرَهُمْ حِسُّ الدَّابَّةِ -أَي الْبُرَاقِ- فَنَدَّ لَهُمْ بَعِيرٌ، فَدَلَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَهُمْ إِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَدْ غَطَّوْا عَلَيْهَ بِشَيءٍ، فكَشَفْتُ غِطَاءَهُ وَشَرِبْتُ مَا فِيهِ، ثُمَّ غَطَّيْتُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَعَلَى عِيرِهِمْ جَمَلٌ أَوْرَقُ عَلَيْهِ غَرَارَتَانِ، إِحْدَاهُمَا سَوْدَاءُ، وَالأُخْرَى بَرْقَاءُ"، فَلَمَّا جَاءَتِ الْعِيرُ، إِذَا عَلَيْهَا ذَلِكَ الجَمَلُ الذِي وَصَفَهُ الرَّسُولُ ﷺ ، وسَأَلُوهُمْ عَنِ الإِنَاءِ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ وَضَعُوهُ مَمْلُوءًا مَاءً، ثُمَّ غَطَّوْهُ، وَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا فَوَجَدُوهُ مُغَطًّى كَمَا غَطَّوْهُ، وَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ مَاءً، وَسَأَلُوهُمْ: هَلْ ضَلَّ لَكُمْ بَعِيرٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، نَدَّ لَنَا بَعِيرٌ فَسَمِعْنَا صَوْتَ رَجُلٍ يَدْعُونَا إِلَيْهِ حَتَّى أَخَذْنَاهُ (٢). فَعَجِبَ الكُفَّارُ لَمَّا عَرَفُوا صِدْقَ الرَّسُولِ ﷺ ، ومَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا نُفُورًا وَطُغْيَانًا كَبِيرًا. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ قَوْمَهُ بِالإِسْرَاءِ أَوَّلًا، فَلَمَّا ظَهَرَتْ لَهُمْ

стр. 514

أَمَارَاتُ صِدْقِهِ عَلَى تِلْكَ المُعْجِزَةِ أَخْبَرَهُمْ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا، وَهُوَ المِعْرَاجُ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ عَايَنَ ﷺ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنَ الآيَاتِ وَالأُمُورِ التِي لَوْ رَآهَا أَوْ بَعْضَهَا غَيْرُهُ لَأَصْبَحَ مُنْدَهِشًا أَوْ طَائِشَ الْعَقْلِ، وَلَكِنَّهُ ﷺ أَصْبَحَ ساكِنًا، يَخْشَى إِنْ بَدَأَ فَأَخْبَرَ قَوْمَهُ بِمَا رَأَى أَنْ يُبَادِرُوا إِلَى تَكْذِيبِهِ، فتَلَطَّفَ بِإِخْبَارِهِمْ أَوَّلًا بِأَنَّهُ جَاءَ بَيْتَ المَقْدِسِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ (٢).

стр. 515

* فَوَائِدُ قِصَّةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ: قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - أَنَّ لِلسَّمَاءِ أَبْوَابًا حَقِيقِيَّةً وَحَفَظَةً مُوَكَّلِينَ بِهَا. ٢ - وَفِيهِ إثْبَاتُ الِاسْتِئْذَانِ. ٣ - وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ يَسْتَأْذِنُ أَنْ يَقُولَ أنَا فُلَانٌ، وَلَا يَقْتَصِرَ عَلَى أنَا لِأَنَّهُ منَافِي مَطْلُوبَ الِاسْتِفْهَامِ. ٤ - وَأَنَّ المَارَّ يُسَلِّمُ عَلَى القَاعِدِ، وَإِنْ كَانَ المَارُّ أفْضَلَ مِنَ القَاعِدِ. ٥ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَلَقِّي أَهْلِ الفَضْلِ بِالبِشْرِ، والتَّرْحِيبِ، والثَّنَاءِ، وَالدُّعَاءِ. ٦ - وَفِيهِ جَوَازُ مَدْحِ الإِنْسَانِ المَأْمُونِ عَلَيْهِ الِافْتِتَانُ فِي وَجْهِهِ. ٧ - وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِنَادِ إِلَى القِبْلَةِ بِالظَّهْرِ وَغَيْرِهِ، مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتِنَادِ إبْرَاهِيمَ ﵇ إِلَى البَيْتِ المَعْمُورِ، وَهُوَ كَالكَعْبَةِ فِي أَنَّهُ قِبْلَةٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. ٨ - وَفِيهِ جَوَازُ نَسْخِ الحُكْمِ قَبْلَ وُقُوعِ الفِعْلِ. ٩ - وَفِيهِ فَضْلُ السَّيْرِ بِاللَّيْلِ عَلَى السَّيْرِ بِالنَّهَارِ لِمَا وَقَعَ مِنَ الإِسْرَاءِ بِاللَّيْلِ، وَلذَلِكَ كَانَتْ أَكْثَرُ عِبَادَتِهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ أَكْثرُ سَفَرِهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، وَقَالَ ﷺ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: "عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ (١)، فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ" (٢).

стр. 516

١٠ - وَفِيهِ أَنَّ التَّجْرِبَةَ أَقْوَى فِي تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ مِنَ المَعْرِفَةِ الكَثِيرَةِ، يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ مُوسَى ﵇ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَالَجَ النَّاسَ قَبْلَهُ وجَرَّبَهُمْ، ويُسْتَفَادُ مِنْهُ تَحْكِيمُ العَادَةِ، والتَّنْبِيهُ بِالْأَعْلَى عَلَى الأَدْنَى لِأَنَّ مَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ كَانُوا أَقْوَى أَبْدَانًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَقَدْ قَالَ مُوسَى ﵇ فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ عَالَجَهُمْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَمَا وَافَقُوهُ، ويُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مَقَامَ الخُلَّةِ مَقَامُ الرِّضَا والتَّسْلِيمِ، وَمَقَامُ التَّكْلِيمِ مَقَامُ الإِدْلَالِ والِانْبِسَاطِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَبَدَّ مُوسَى ﵇ بِأَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِطَلَبِ التَّخْفِيفِ دُونَ إبْرَاهِيمَ ﵇، مَعَ أَنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الِاخْتِصَاصِ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ أَزْيَدُ مِمَّا لَهُ مِنْ مُوسَى ﵇ لِمَقَامِ الأُبُوَّةِ، وَرِفْعَةِ المَنْزِلَةِ، وَالاتِّبَاعِ فِي المِلَّةِ. ١١ - وَفِيهِ أَنَّ الجَنَّةَ وَالنَّارَ قَدْ خُلِقَتَا، لِقَوْلِهِ ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّة والنَّارُ" (١). ١٢ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الإِكْثَارِ مِنْ سُؤَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكْثِيرِ الشَّفَاعَةِ عِنْدَهُ، لِمَا وَقَعَ مِنْهُ ﷺ في إِجَابَتِهِ مَشُورَةَ مُوسَى ﵇ فِي سُؤَالِ التَّخْفِيفِ. ١٣ - وَفِيهِ فَضِيلَةُ الِاسْتِحْيَاءِ. ١٤ - وَفِيهِ بَذْلُ النَّصِيحَةِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يُسْتَشَرِ النَّاصِحُ فِي ذَلِكَ (٢).

стр. 517

* مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ: لَمَّا أَصْبَحَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ صَبِيحَةِ لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَبَيَّنَ لَهُ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ، وَأَوْقَاتَهَا (١). فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فنَادَى بِأَصْحَابِهِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ (٢)، فَاجْتَمَعُوا، فَصَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ، وَصَلَّى الرَّسُولُ ﷺ بِالنَّاسِ (٣)، وسُمِّيَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ الظُّهْرَ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ، أَوْ لِأَنَّهَا فُعِلَتْ عِنْدَ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ (٤). رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ والحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ جَاءَهُ العَصْرُ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى العَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُهُ أَوْ قَالَ: صَارَ ظِلُّهُ مِثْلُهُ، ثُمَّ جَاءَهُ المَغْرِبَ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ جَاءَهُ العِشَاءَ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ جَاءَهُ الفَجْرَ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى حِينَ بَرَقَ الفَجْرُ أَوْ قَالَ: حِينَ

стр. 518

سَطَعَ الفَجْرُ، ثُمَّ جَاءَهُ فِي الغَدِ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُهُ، ثُمَّ جَاءَهُ لِلْعَصْرِ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى العَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَهُ لِلْمَغْرِبِ وَقْتًا وَاحِدًا لَمْ يَزَلْ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ لِلْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ قَالَ: ثُلُثُ اللَّيْلِ فَصَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَهُ لِلْفَجْرِ حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ (١). * فُرِضَتِ الصَّلَاةُ الرُّبَاعِيَّةُ رَكْعَتَانِ: كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَمَا فُرِضَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ رَكْعَتَيْنِ: الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالعِشَاءَ وَالفَجْرَ، وَالمَغْرِبَ ثَلَاثًا، ثُمَّ هَاجَرَ الرَّسُولُ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَذَلِكَ بَعْدَ مَقْدَمِهِ ﷺ إِلَى المَدِينَةِ، وتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُولَى. رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ (٢) فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ (٣).

стр. 519

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُولَى (١). ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا افترِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلَاةِ: رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، إِلَّا المَغْرِبَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَمَّ اللَّهُ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالعِشَاءَ الآخِرَةَ أَرْبَعًا فِي الحَضَرِ، وَأَقَرَّ الصَّلَاةَ عَلَى فَرْضِهَا الأَوَّلِ فِي السَّفَرِ (٢). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: يُعَارِضُ حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا حَدِيثَ ابنَ عَبَّاسٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الحَضَرِ أَرْبعًا، وفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ (٣)، والذِي يَظْهَرُ لِي وَبِهِ تَجْتَمعُ الأَدِلَّةُ أَنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إِلَّا المَغْرِبَ، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ إِلَّا الصُّبْحَ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فُرِضَتْ صَلَاةُ الحَضَرِ والسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا قَدِمَ الرَّسُولُ ﷺ المَدِينَةَ وَاطْمَأَنَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وتُرِكَتْ صَلَاةُ الفَجْرِ لِطُولِ

стр. 520

القِرَاءَةِ، وَصَلَاةُ المَغْرِبِ؛ لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ (١). ثُمَّ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ فَرْضُ الرُّبَاعِيَّةِ خُفِّفَ مِنْهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٢). فَعَلَى هَذَا: المُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الأَمْرُ مِنَ التَّخْفِيفِ، لَا أَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ القَصْرَ عزِيمَةٌ (٣). * الصَّلَاةُ كَانَتْ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَيَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ، حَتَّى هَاجَرَ وَنَزَلَ الوَحْيُ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ -كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-. رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، والكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعْدَمَا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الكَعْبَةِ (٤).

стр. 521

انْشِقَاقُ القَمَرِ قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: انْشِقَاقُ القَمَرِ مِنْ أُمَّهَاتِ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا ﷺ ، وَقَدْ رَوَاهَا عِدَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ مَعَ ظَاهِرِ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ وسِيَاقِهَا (١). وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ ﷺ ، وَجَاءَتْ بِذَلِكَ الأَحَادِيثُ المُتَوَاتِرَةُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُفِيدُ القَطْعَ عِنْدَ مَنْ أحَاطَ بِهَا، ونَظَرَ فِيهَا (٢). رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ، حَتَّى رَأَوْا حِرَاءَ (٣) بَيْنَهُمَا (٤).

стр. 522

وَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْد اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى (١) فَقَالَ: "اشْهَدُوا" (٢)، وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ نَحْوَ الجَبَلِ (٣). ورَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ والإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً، فَانْشَقَّ القَمَرُ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ (٤)، فَقَالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً (٥) يُعْرِضُوا (٦) وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٧).

стр. 523

وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، والطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ (١)، وقَالُوا: انْتَظِرُوا مَا يَأْتِيكُمْ بِهِ السُّفَّارُ (٢)، فَإِنَّ مُحَمَّدًا لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ، فَجَاءَ السُّفَّارُ، فَقَالُوا: ذَاكَ (٣). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ -أَي انْشِقَاقُ القَمَرِ- فِي كَثِيرٍ مِنْ بِقَاعِ الأَرْضِ، ويُقَالُ أَنَّهُ أُرِّخَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ بِلَادِ الهِنْدِ (٤). وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ وَقَعَ انْشِقَاقُ القَمَرِ لَجَاءَ مُتَوَاتِرًا واشْتركَ أَهْلُ الأَرْضِ فِي مَعْرِفَتِهِ وِلَمَا اخْتُصَّ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ ذَلِكَ وقَعَ لَيْلًا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ، وَالأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ، وَقَلَّ مَنْ يَرْصُدُ السَّمَاءَ إِلَّا النَّادِرُ، وَقَدْ يَقَعُ بِالمُشَاهَدَةِ فِي العَادَةِ أَنْ يَنْكَسِفَ القَمَرُ،

стр. 524

وتَبْدُو الكَوَاكِبُ العِظَامُ وغَيْرُ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ، وَلَا يُشَاهِدُهَا إِلَّا الآحَادُ، فكَذَلِكَ الِانْشِقَاقُ كَانَ آيَةً وَقَعَتْ فِي اللَّيْلِ لِقَوْمٍ سَأَلُوا، وَاقْتَرَحُوا فَلَمْ يَتَأَهَّبْ غَيْرُهُمْ لَهَا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ القَمَرُ لَيْلَتَئِذٍ كَانَ فِي بَعْضِ المَنَازِلِ التِي يَظْهَرُ لِبَعْضِ أَهْلِ الآفَاقِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا يَظْهَرُ الكُسُوفُ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ (١). وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا طَلَبُوا ذَلِكَ اسْتِكْبَارًا وَعِنَادًا. * * *

стр. 525

عَرْضُ الرَّسُولِ ﷺ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ عَلَى القَبَائِلِ وَالأَفْرَادِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مكَّةَ في السَّنَةِ العَاشِرَةِ لِلْبِعْثَةِ، في جِوَارِ المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ، -وَذَلِكَ عِنْدَمَا رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ- وَقَوْمُهُ أَشَدُّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ وَفِرَاقِ دِينِهِ، وَكَانَ مَوْسِمُ الحَجِّ في ذَلِكَ العَامِ قَد اقْتَرَبَ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَهَيَّاُ لِدَعْوَةِ قَبَائِلِ العَرَبِ إِلَى الإِسْلَامِ، كَمَا كَانَ شَأْنُهُ كُلَّ عَامٍ مُنْذُ أَنْ جَهَرَ بالدَّعْوَةِ في السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْبِعْثَةِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ الأَمْرِ حَتَّى آخِرِ مَوْسِمٍ لِلْحَجِّ قَبْلَ هِجْرَتِهِ ﷺ إلى المدِيْنَةِ، فَكَانَ كُلَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ بالمَوْسِمِ أَتَاهُمْ يَدْعُو القَبَائِلَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الإِسْلَامِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ مِنَ الهُدَى وَالرَّحْمَةِ، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ، وَيَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَيِّنَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ (١). رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَشَرَ سِنِينَ يَتَّبَّعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلهمْ بِعُكَاظٍ (٢) ,

стр. 526

وَمِجَنَّةٍ (١)، وَفِي المَوَاسِم بِمِنًى، يَقُولُ: "مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يْنُصُرُنِي؟ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالةَ رَبِّي، وَلَهُ الجَنَّةُ"، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ أَوْ مِنْ مِصْرَ، فَيَأْتِيهُ قَوْمُهُ، فَيَقُوُلونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنُكَ (٢). وَرَوَى أَبُو دَاودَ وابنُ مَاجَه وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي المَوْقِفِ (٣)، فَيَقُولُ: "أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُوني أَنْ أُبَلغِّ كَلَامَ رَبِّي" (٤). * شِدَّةُ عَدَاوَةِ أَبِي لَهَبٍ لِلإِسْلَامِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّمَا مَرَّ عَلَى قَوْمٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى الإِسْلَامِ تَبِعَهُ عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ وَرَاءَهُ يَرْمِيْهِ بِالحِجَارَةِ. فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ رَبِيْعَةَ بنِ عِبَادٍ الدَّيْلِيِّ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللَّهِ ﷺ بَصَرَ عَيْنِي بِسُوْقِ ذِي

стр. 527

المَجَازِ (١) يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا"، وَيَدْخُلُ فِي فِجَاجِهَا (٢)، وَالنَّاسُ مُتَقَصِّفُونَ (٣) عَلَيْهِ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ شَيْئًا، وَهُوَ لَا يَسْكُتُ يَقُولُ: "أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا"، إِلَّا أَنَّ وَرَاءَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ (٤) وَضِيْءُ الوَجْهِ ذَا غَدِيْرَتَيْنِ (٥) يَقُولُ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ (٦). فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَذْكُرُ النُّبُوَةَ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا الذِي يُكَذِّبُهُ؟ قَالُوا: عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ (٧). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي المُسْنَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قَالَ: وَإِذَا رَجُلٌ خَلْفَهُ يَحْثِي (٨) عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَإِذَا هُوَ أَبُو جَهْلٍ (٩).

стр. 528

قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: كَذَا قَالَ فِي هَذَا السِّيَاقِ: أَبُو جَهْلٍ، وَقَدْ يَكُونُ وَهْمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَارَةً يَكُونُ ذَا، وَتَارَةً يَكُونُ ذَا، وَأَنَّهُمَا كَانَا يَتَنَاوَبَانِ عَلَى إِيْذَائِهِ ﷺ (١). * القَبَائِلُ التِي عَرَضَ عَلَيْهَا الرَّسُولُ ﷺ الإِسْلَامَ: قَالَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: فَكَانَ مَنْ سَمَّى لَنَا مِنَ القَبَائِلِ الذِيْنَ أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَنُو عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ، وَمُحَارِبِ بنِ خَصْفَةَ، وَبَنُو فِزَارَةَ، وَغَسَّانٍ، وَبَنُو مُرَّةَ، وَبَنُو حَنِيفَةَ، وَبَنُو سُلَيْمٍ، وَبَنُو عَبْسٍ، وَبَنُو نَصْرٍ مِنْ هَوَازِنَ، وَبَنُو البُكَاءِ، وَكِنْدَةٍ، وَكَلْبٍ، وَبَنُو الحَارِثِ بنِ كَعْبٍ، وَبَنُو عُذْرَةَ، وَهَمَدَانَ، وَثَقِيفٍ (٢). ١ - قَبِيلَةُ هَمَدَانَ: رَوَى الإِمَامَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالمَوْقِفِ، فَيَقُولُ: "هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمهِ؟ ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي". فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمَدَانَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِمَّنْ أَنْتَ؟ ".

стр. 529

قَالَ: مِنْ هَمَدَانَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَهَلْ عِنْدَ قَوْمِكَ مِنْ مَنَعَةٍ؟ ". قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَشِيَ أَنْ يُخْفِرَهُ (١) قَوْمُهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ: آتِيْهِمْ فَأُخبِرُهُمْ، ثُمَّ آتِيْكَ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَعَمْ"، فَانْطَلقَ، وَجَاءَ وَفْدُ الأنْصَارِ فِي رَجَبَ (٢). ٢ - قَبِيلة بَنِي عَامِرِ بنِ كلَ معْصَعَةَ: قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَنِي عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: بَيْحَرَةُ بنُ فِرَاسٍ: وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي أَخَذْتُ هَذَا الفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ لأكَلْتُ بِهِ العَرَبَ، ثُمَّ قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ : أَرَأَيْتَ إِنْ نَحْنُ تَابَعْنَاكَ عَلَى أَمْرِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الأمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الأمْرُ إِلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ". فَقَالَ لَهُ بَيْحَرَةُ بنُ فِرَاسٍ: أَفنهْدِفُ نُحُورَنَا (٣) لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الأمْرُ لِغَيْرِنَا؟ لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ.

стр. 530

فَلَمَّا صَدَرَ (١) النَّاسُ رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إِلَى شَيْخٍ لَهُمْ، قَدْ كَانَتْ أَدْرَكَتْهُ السِّنُّ، حَتَّى لَا يَقْدِرَ أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُمُ المَوَاسِمَ، فكَانُوا إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِ حَدَّثُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ المَوْسِمِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ العَامَ سَأَلَهُمْ عَمَّا كَانَ فِي مَوْسِمِهِمْ، فَقَالُوا: جَاءَنَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَمْنَعَهُ، وَنَقُومَ مَعَهُ، وَنَخْرُجَ بِهِ إِلَى بِلَادِنَا. فَوَضَعَ الشَّيْخُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ! هَلْ لَهَا مِنْ تَلَافٍ؟ هَلْ لِذُنَابَاهَا مِنْ مَطْلَبٍ (٢)؟ وَالذِي نَفْسُ فُلَانٍ بِيَدِهِ، مَا تَقَوَّلَهَا إِسْمَاعِيلِيٌّ (٣) قَطُّ، وَإِنَّهَا لَحَقٌّ، فَأَيْنَ رَأْيُكُمْ كَانَ عَنْكُمْ (٤). قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدٌ أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ دِلَالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى صِدْقِهِ ﷺ ، فَلَوْ كَانَ طَالِبَ مُلْكٍ، أَوْ جَاهٍ، أَوْ يَتَّجِرُ بِالمَبَادِئِ يَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ دِهَاقِينُ (٥) السِّيَاسَةِ فِي القَدِيمِ، وَالحَدِيثِ مِنْ اسْتِمَالَةِ النَّاسِ بِالأحَادِيثِ الكَاذِبَةِ، وَالوُعُودِ الخَادِعَةِ البَرَّاقَةِ، وَيُمَنِّيهِم الأمَانِي الفَارِغَةَ حَتَّى إِذَا تَمَّ لَهُ مَا أَرَادَ نَسِيَ مَا قَالَ، وَرَجَعَ فِي وُعُودِهِ، بَلْ قَدْ يَتَنَكَّرُ لَهُمْ، وُيُسَفِّهَ عَلَيْهِمْ، وَيُنَكِّلُ
следующие страницы →