← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِه بِسَنَدٍ صحِيحٍ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْب ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "المَسْجِدُ الذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى: مَسْجِدِي هَذَا" (١). وَأَخْرَج الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي المَسْجِدِ الذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ قباء، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّه ﷺ فَسَأَلَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ ﷺ : "هُوَ هَذَا المَسْجِدُ"، لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وَقَالَ: "فِي ذَاكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ"، يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ (٢). قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا السُّؤَالُ صَدَرَ مِمَّنْ ظَهَرَتْ لَهُ المُسَاوَاةُ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ فِي اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًا مِنْهُمَا بَنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلِذَلِكَ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَأَجَابَ بِأَنَّ المُرَادَ مَسْجِدُهُ، وَكَأَنَّ المَزِيَّةَ التِي اقْتَضَتْ تَعْيِينَهُ دُونَ مَسْجِدِ قباءٍ لِكَوْنِ مَسْجِدِ قباء لَمْ يَكُنْ بِنَاؤُهُ بِأَمْرٍ جَزْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ، أَوْ كَانَ رَأْيًا رَآهُ بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ، أَوْ كَانَ حَصَلَ لَهُ أَوْ لِأَصْحَابِهِ فِيهِ مِنَ الأَحْوَالِ القَلبِيَّةِ مَا لَمْ يَحْصلْ لِغَيْرِهِ (٣). وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ المَزِيَّةُ لِمَا اتَّفَقَ مِنْ طُولِ إِقَامَتِهِ ﷺ بِمَسْجِدِ المَدِينَةِ، بِخِلَافِ مَسْجِدِ قُباءٍ فَمَا أَقَامَ بِهِ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ،

стр. 702

وَكَفَى بِهَذِهِ مَزِيَّة مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مَا تَكَلَفهُ القُرْطُبِيُّ، وَالحَقُّ أَنَّ كُلًا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَقَوْلُه تَعَالَى فِي بَقِيَةِ الآيَةِ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ يُؤَكِّدُ كَوْنَ المُرَادِ مَسْجِدَ قباءٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَزَلَتْ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ" (١)، وَعَلَى هَذَا فَالسِّرُّ فِي جَوَابِهِ ﷺ بِأَنَّ المَسْجِدَ الذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مَسْجِدُهُ رَفع تَوَهُّمِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَسْجِدِ قُباءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢). * فَضَائِلُ مَسْجِدِ قُباءٍ: أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أَبِي: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِي هَذَا المَسْجِدَ" -يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ- "فَيُصَلِّي فِيهِ، كَانَ كَعَدْلِ عُمْرَةٍ" (٣). وَأَخْرَجَ ابنُ مَاجَه وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ أُسَيْدِ بنِ ظَهِيرٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كعُمْرَةٍ" (٤).

стр. 703

وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يأْتِي مَسْجِدَ قبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا (١). وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ، وَعُمَرُ بنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ المَدِينَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: لِأَنْ أُصَلِّي فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ رَكْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِيَ بَيْتَ المَقْدِسِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي قبَاءٍ لَضَرَبُوا إِلَيْهِ أَكْبادَ الإِبِلِ (٢). * * *

стр. 704

ارْتِحَالُ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ قُبَاءٍ وَأَوَّلُ جُمُعَةٍ صَلاهَا وَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ رَكِبَ رَسُولُ اللَّه ﷺ رَاحِلَتَهُ، وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ رَدِفَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَلأٍ مِنْ بَنِي النَّجَارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفَهُمْ، فَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ المَدِينَةِ، وَهُمْ مُحْدِقُونَ (١) بِهِ (٢). وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ البَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ: وَكَانَتِ الأَنْصَارُ قَدِ اجْتَمَعَتْ فتَلَقَّوْهُ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، فَمَشَوْا حَوْلَ نَاقَتِهِ لَا يَزَالُ أَحَدُهُمْ ينَازعُ صَاحِبَهُ زِمَامَ النَّاقَةِ شُحًّا (٣) عَلَى كَرَامَةِ رَسُولِ اللَّه ﷺ وَتَعْظِيمًا لَهُ (٤). فَأَدْرَكَتِ الرَّسُولَ ﷺ صَلَاةُ الجُمُعَةِ فِي دِيَارِ بَنِي سَالِمِ بنِ عَوْفٍ،

стр. 705

فَصَلَّاهَا فِي المَسْجِدِ الذِي فِي بَطْنِ وَادِي رَانُونَاءَ (١) بِمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَهُمْ مِئَةٌ، وَاسْتَقْبَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَلَمَّا أَبْصَرَتْهُ اليَهُودُ صَلَّى إِلَى قِبْلَتِهِمْ تَذَاكَرُوا بَيْنَهُمْ أَنَّهُ النَّبِيُّ الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ (٢). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمُسْلِمِينَ بِالمَدِينَةِ، أَوْ مُطْلَقًا، لِأَنَّه واللَّه أَعْلَمُ لَمْ يَكنْ ﷺ يَتَمَكَّنُ هُوَ وَأَصْحَاُبهُ بِمَكَّةَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ حَتَّى يُقِيمُوا بِهَا جُمُعَةً ذَاتَ خُطْبةٍ وإعْلَانٍ بِمَوْعِظَةٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِشِدَّةِ مُخَالفَةِ المُشْرِكِينَ لَهُ، وَأَذِيَّتِهِمْ إِيَّاهُ، وَسُمِّيَتِ الجُمُعَةُ جُمُعَةً؛ لِأنَّهَا مُشْتَقَّةً مِنَ الجَمْعِ، فَإِنَّ أَهْلَ الإِسْلَامِ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً (٣). * استِقْبَالُ أَهْلِ المَدِينَةِ الرَّسُولَ ﷺ وَفَرَحُهُمْ بِهِ: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّه ﷺ نَاقتهُ مِنْ دِيَارِ بَنِي سالِمِ بنِ عَوْفٍ، وَأَرْخَى (٤) لَهَا الزِّمَامَ، فَأتاهُ عِتْبَانُ بنُ مَالِكٍ، وَعَبَّاسُ بنُ عُبَادَةَ بنِ نَضْلَةَ فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سالِمِ بنِ عَوْفٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه! أَقِمْ عِنْدَنَا فِي العَدَدِ وَالعُدَّةِ (٥)

стр. 706

وَالمَنَعَةِ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ"، فَخَلُّوا سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ، حَتَّى إِذَا وَازَنَتْ دَارَ بَنِي بَيَاضَةَ، تَلَقَّاهُ زِيَادُ بنُ لَبِيدٍ ﵁، وَفَرْوَةُ بنُ عَمْرٍو ﵁، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه! هَلُمَّ إِلَيْنَا، إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالْمَنَعَةِ، فَقَالَ ﷺ : "خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ" فَخَلُّوا سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ، حَتَّى إِذَا مَرَّتْ بِدَارِ بَنِي سَاعِدَةَ، اعْترَضَهُ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁، وَالْمُنْذِرُ بنُ عَمْرٍو ﵁، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، هَلُمَّ إِلَيْنَا إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالْمَنَعَةِ، فَقَالَ ﷺ : "خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ"، فَانْطَلَقَتْ، حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ المَدِينَةَ (٢) بَعْدَ الجُمُعَةِ، فِي جَوٍّ مَشْحُونٍ بِالفَرَحِ وَالبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ، وَكَانَ يَوْمًا تَارِيخِيًّا مَشْهُودًا، فَقَدْ كَانَتِ البُيُوتُ وَالسِّكَكُ تَرْتَجُّ (٣) بِأَصْوَاتِ التَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ. قَالَ القَسْطَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَشْرَقَتِ المَدِينَةُ بِحُلُولهِ فِيهَا ﷺ ، وَسَرَى السُّرُورُ إِلَى القُلُوبِ (٤).

стр. 707

قُلْتُ: وَكَيْفَ لَا تَفْرَحُ القُلُوبُ بِحُلُولهِ ﷺ وَهُوَ الحَبِيبُ المَحْبُوبُ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي ﷺ . رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: إِنِّي لَأَسْعَى فِي الغِلْمَانِ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ، فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ، فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا، قَالَ: حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ، فكَمَنَّا (١) فِي بَعْضِ حِرَارِ (٢) المَدِينَةِ، ثُمَّ بَعَثَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ لِيُؤْذِنَ بِهِمَا الأَنْصَارَ، فَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءَ (٣) خَمْسِ مِئَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى انتهَوا إِلَيْهِمَا، فَقَالَ الأَنْصَارُ: انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، فَأَقْبلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَصَاحِبُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَخَرَجَ أَهْلُ المَدِينَةِ حَتَّى إِنَّ العَوَاتِقَ (٤) لفَوْقَ البُيُوتِ يَترَاءَيْنَهُ، يَقُلْنَ: أَيّهُمْ هُوَ؟ أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَمَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا شَبِيهًا بِهِ يَوْمَئِذٍ (٥). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: . . . فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى جَعَلَ

стр. 708

الإِمَاءُ (١) يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ ﵁ قَالَ: . . . فَصَعَدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ البُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الغِلْمَانُ وَالخَدَمُ فِي الطُّرُقِ، ينَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ! يَا رَسُولَ اللَّه! يَا مُحَمَّدُ! يَا رَسُولَ اللَّهِ (٣). وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: . . . فَخَرَجَ النَّاسُ حِينَ قَدِمْنَا المَدِينَةَ فِي الطُّرُقِ، وَعَلَى البُيُوتِ مِنَ الغِلْمَانِ وَالخَدَمِ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (٤). وَرَوَى البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عِنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: فَخَرَجَتْ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَارِ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِ وَهُنَّ يَقُلْنَ: نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَارِ ... يَا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ (٥) وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ اليَوْمُ الذِي دَخَلَ رَسُولُ

стр. 709

اللَّه ﷺ فِيهِ المَدِينَةَ، أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ (١). وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَنْوَرَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ يَوْمِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ المَدِينَةَ (٢). وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لَا يَمُرُّ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلَّا أَخَذُوا خِطَامَ (٣) رَاحِلَتِهِ قَائِلِينَ: هَلُمَّ يَا رَسُولَ اللَّه إِلَى العَدَدَ وَالعُدَّةِ وَالمَنَعَةِ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ ﷺ : "خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ" (٤)، وَلَمْ تَزَلْ نَاقَتُهُ ﷺ سَائِرَةً بِه حَتَّى إِذَا أَتَتْ دَارَ بَنِي مَالِكِ ابنِ النَّجَارِ -وَهُوَ مَوْضِعُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ اليَوْمَ- بَرَكَتْ فَلَمْ يَنْزِلْ عَنْهَا ﷺ ، حَتَّى نَهَضَتْ وَسَارَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَتْ، وَرَجَعَتْ وَبَرَكَتْ فِي مَوْضِعِهَا الأَوَّلِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مَرْبِدٌ (٥) لِلتَّمْرِ لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو غُلَامَيْنِ

стр. 710

يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي مَالِكِ بنِ النَّجَارِ، وَهُمَا فِي حِجْرِ أَسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ ﵁. فَلَمَّا بَرَكَتْ وَضَعَتْ جِرَانَهَا (١)، فنَزَلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وَذَلِكَ فِي بَنِي النَّجَارِ (٢) أَمَامَ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁، فَقَالَ ﷺ : "هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ المَنْزِلُ"، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ تَوْفِيقِ اللَّه تَعَالَى لِلنَّاقَةِ، فَإِنَّهُ ﷺ أَحَبَّ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي النَّجَارِ (٣). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ، أَخْوَالِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ" (٤).

стр. 711

ثُمَّ قَالَ ﷺ : "أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا (١) أَقْرَبُ؟ ". فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّه، هَذِهِ دَارِي، وَهَذَا بَابِي، فَقَالَ لَهُ ﷺ : "فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا" (٢)، فَاحْتَمَلَ أَبُو أَيُّوبَ ﵁، رَحْلَ (٣) النَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَهُ فِي بَيْتهِ، فَأَتَى رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَيْنَ تَحِلُّ؟ قَالَ ﷺ : "المَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ"، وَجَاءَ أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ فَأَخَذَ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ ﷺ وَكَانَتْ عِنْدَهُ (٤). وَنَزَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ عَلَى خَارِجَةَ بنِ زَيْدٍ ﵁ بِالسُّنْحِ (٥)، كما تقدم (٦).

стр. 712

* هَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِيهَا نَظَرٌ: طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا ... مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاع وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا ... مَا دَعَا للَّهِ دَاع (١)

стр. 713

مَظَاهِرُ الهِجْرَةِ وَعَوَامِلُ نَجَاحِهَا قَالَ الأُسْتَاذُ أَحْمَدُ عَبْدُ العَظِيمِ فِي كِتَابِهِ التَّخْطِيطُ لِلْهِجْرَةِ: نَجَحَتْ خُطَّةُ الهِجْرَةِ نَجَاحًا يُعْتَبَرُ بِمَقَايِيسِ الزَّمَنِ إِعْجَازًا، وَحَقَّقَتْ أَهْدَافًا جَعَلَتْهَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَكُونَ بِدَايَةً لِلتَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ، فَمَا مَظَاهِرُ هَذَا النَّجَاحِ؟ ١ - بَعْدَ الهِجْرَةِ خَسِرَتْ قُرَيْشٌ مَوَازِينَ القُوَّةِ وَالمَكَانَةِ التِي تَوَارَثتهَا عَلَى مَدَى قُرُونٍ وَزَالَ عَنْهَا سُلْطَانُهَا. . . وَدَبَّ الخِلَافُ بَيْنَ أَبْنَائِهَا وَتَسَلَّلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى المَدِينَةِ فَأَسْلَمُوا. ٢ - لَمْ تَعْدُ قُرَيْشٌ حَاجِزًا فِي وَجْهِ الدَّعْوَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، إِذْ أَسْقَطَتْ الهِجْرَةُ رَهْبَتَهَا مِنْ نُفُوسِ المُسْتَضْعَفِينَ وَالخَائِفِينَ، كَمَا أُسْقِطَتْ هَيبتُهَا مِنْ قُلُوبِ العَرَبِ، فَلَمْ تَعُدْ مِثْلَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، فَبَدَأَتِ الغَشَاوَةُ تَنْزَاحُ عَنْ عُيُونِهِمْ، وَنَظَرُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَدَعْوتهِ نَظْرَةً مُحَايِدَةً خَالِصَةً مِنْ تَأْثِيرِ قُرَيْشٍ وَضَلَالَاتِهَا فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّه أَفْوَاجًا، وَهَكَذَا جَاءَتْ قبَائِلُ العَرَبِ مِنْ تَبُوكَ وَالطَّائِفِ وَمِنْ كُلِّ جِهَةٍ يُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . ٣ - وَبِالهِجْرَةِ ارْتَفَعَتْ مَكَانَةُ المَدِينَةِ، وَأَصْبَحَتْ هِيَ مَحَطُّ الأَنْظَارِ،

стр. 714

وَتَحْتَ لِوَائِهَا تَوَحَّدَتِ الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ، وَأَصْبَحَتْ هِيَ العَاصِمَةُ وَالمَرْكَزُ وَالقَلْبُ. . . وَبَيْنَ رُبُوعِهَا قَامَتْ أَوَّلُ جَمَاعَةٍ عَلَى أَسَاسِ العَقِيدَةِ، لَا عَلَى أَسَاسِ القَبِيلَةِ، وَمِنْهَا بَعَثَ العَرَبُ قُوَّةً مُحَرِكَّةً فَعَالَةً لِأَدَاءِ رِسَالَتِهِمُ الإِسْلَامِيَّةِ. ٤ - وَبِالهِجْرَةِ تَغَيَّرَتْ حَيَاةُ العَرَبِ مِنْ قَوْمٍ يَشِنُّونَ الحُرُوبَ وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ لِأَتْفَهِ الأَسْبَابِ إِلَى أَصْحَابِ قِيمٍ وَمبَادِئَ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَقَوِيتْ رَوَابِطُ الأُخُوَّةِ وَالمَحَبَّةِ بِيْنَهُمْ، وَزَالَتْ بَوَاعِثُ البُغْضِ وَالكَرَاهِيَةِ وَالثَّأْرِ وَالِانْتِقَامِ حَتَّى أَنَّ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرِبنَ اقْتَسَمُوا دُورَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَاشْترَكُوا فِي مَشَاعِرَ وَاحِدَةٍ مُتَعَاوِنِينَ مُتَرَاحِمِينَ، وَقَدْ حَرَّرَهُمُ الإِسْلَامُ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالجَهَالَةِ وَالرَّذِيلَةِ، وَجَمَعَهُمْ عَلَى الأَخْلَاقِ فَعَمَّتِ الفَضِيلَةُ وَانْتَشَرَتِ العُلُومُ وَالمَعَارِفُ وَاخْتَفَى الجَهْلُ وَالجَاهِلِيَّةُ. قَالَ الفَيْلَسُوفُ الإِنْجِلِيزِيُّ (تُومَاسْ كَارْلِيلْ) عَنِ العَرَبِ: قَوْمٌ يَضْرِبُونَ فِي الصَّحْرَاءِ لَا يُعْتَنَى بِهِمْ عِدَّةَ قُرُونٍ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ النَّبِيُّ العَرَبِيُّ صَارُوا قِبْلَةَ الأَنْظَارِ فِي العُلُومِ وَالمَعَارِفِ، وَكَثُرُوا بَعْدَ أَنْ كَانُوا قِلَّةً، وَعَزُّوا بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَذِلَّاءَ، وَلَمْ يَمْضِ قَرْنٌ بَعْدَ الإِسْلَامِ حَتَّى اسْتَضَاءَتْ أَطْرَافُ الأَرْضِ بِعُقُولهِمْ وَعُلُومِهِمْ. ٥ - ظَهَرَتْ بِالهِجْرَةِ أُمَّةٌ إِسْلَامِيَّةٌ جَمَعَهَا الإِسْلَامُ، وَلَمْ تَجْمَعْهَا عَصَبِيَّاتٌ قَبَلِيَّةٌ، فَتَمَيَّزَتْ فِي تَكْوِينهَا، وَكَانَتْ حَضَارَتُهَا سَامِقَةً بَيْنَ حَضَارَاتِ التَّارِيخِ،

стр. 715

أُمَّةٌ تَرْبِطُ بَيْنَ أَفْرَادِهَا مَشَاعِرُ الحُبِّ وَالإِخَاءَ القَائِمِ عَلَى ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه تَعَالَى، وَوَفْقِ إِرَادَتِهِ: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). ٦ - كَانَ المُجْتَمَعُ الإِسْلَامِيُّ بَعْدَ الهِجْرَةِ يَقُومُ عَلَى المَبَادِئِ وَالأَخْلَاقِ، وَيَعْتَصِمُ بِأَحْكَامِ الإِسْلَامِ، فَاسْتَقَرَّتْ فِيهِ الفَضَائِلُ، فَأَصْبَحَتِ المَدِينَةُ قَاعِدَةً لِأُمَّةٍ فَاضِلَةٍ، انْطَلَقَتْ لِتَزْرَعَ مَبَادِئَهَا فِي العَالَمِ كُلِّهِ مُغَيِّرةً بِذَلِكَ وَجْهَ التَّارِيخِ. ٧ - الهِجْرَةُ أَعْطَتِ الإِسْلَامَ حُرِيَّةَ الحَرَكَةِ دَاخِلَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ وَخَارِجَهَا فَقَدْ بَادَرَ الرَّسُولُ ﷺ فَوْرَ اسْتِقْرَارهِ بِالمَدِينَةِ إِلَى مُمَارَسَةِ الِاتِّصَالَاتِ المُباشِرَةِ مَعَ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ عَنْ طَرِيقِ الرَّسَائِلِ. . . كَمَا بَادَرَ بِإِرْسَالِ السُّفَرَاءِ إِلَى المُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءَ فِي الدُّوَلِ المُجَاوِرَةِ، وَلقدْ أتتْ هَذِهِ الِاتِّصَالَاتُ بِنَتَائِجَ إِيجَابِيَّةٍ كَانَ لَهَا صَدَاهَا طَوالَ مَرَاحِلِ التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ. ٨ - كَانَتِ الهِجْرَةُ مُقَدِّمَةً لِإِنْهَاءِ العُصُورِ الوَثَنِيَّةِ، وقِيَامِ عَصْرٍ جَدِيدٍ شِعَارُهُ الإِيمَانُ، وكَرَامَةُ الإِنْسَانِ، وَتَحْرِيرُ النَّاسِ مِنْ عُبُودِيَّةِ الأَوْثَانِ إِلَى عُبُودِيَّةِ الإِلَهِ الوَاحِدِ. ٩ - الهِجْرَةُ كَانَتْ إِعْلَانًا ببدَايَةِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَفْقًا لِلْأُسُس والنُّظُمِ

стр. 716

المُتَعَارَفِ عَلَيْهَا فِي العُرْفِ الدُّوَليِّ السَّائِدِ الْآنَ وهِيَ: الشَّعْبُ، والأرْضُ، والسُّلْطَةُ. ١٠ - الهِجْرَةُ كَانَتْ هِيَ السَّبَبُ فِي انْتِصَارَاتِ المُسْلِمِينَ الكُبْرَى، وفِي الفُتُوحَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ في دِمَشْقَ، وبَغْدَادَ، والفُسْطَاطِ، والقَيْرَوَانِ، وفَارِسَ، وقُرْطُبَةَ، وهِيَ السَّبَبُ فِي دُخُولِ الإِسْلَامِ إِلَى كُلِّ عَوَاصِمِ العَالَمِ، وتَكْوِينِ الإِمبرَاطُورِيَّةِ الإسْلَامِيَّةِ مِنَ الهِنْدِ شَرْقًا إِلَى المُحِيطِ الأَطْلَنْطِيِّ غَرْبًا. ١١ - الهِجْرَةُ هِيَ التِي حَقَّقَتْ عَالَمِيَّةَ الإِسْلَامِ، وَنَشَرَتْ مَبَادِئَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَخَلَّصَتِ العَالَمَ مِنْ بَرَاثِنِ الإِمبرَاطُورِيَّاتِ التِي ذَاقَتِ الأَمَرَّينِ مِنَ الظُّلْمِ وَالِاضْطِهَادِ فِي الشَّامِ، وآسِيَا الصُّغْرَى، والشَّمَالِ الإِفْرِيقِيِّ. ١٢ - بِالهِجْرَةِ تَخَلَّصَ العَالَمُ بِأَجْمَعِهِ مِنَ الفَوْضَى والهَمَجِيَّةِ، وانْتَقَلَ إِلَى مَرْحَلَةِ التَّحَضُّرِ والإِنْسَانيَّةِ. . . لَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ المُبالَغَةِ لَكِنَّهَا شَهَادَةُ حَقٍّ شَهِدَ بِهَا الأَعْدَاءُ قَبْلَ الأَصْدِقَاءِ. ١٣ - أعَادَتِ الهِجْرَةُ صَقْلَ (١) الخَامَاتِ البَشَرِيَّةِ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ، وسَاعَدَ الِاسْتِقْرَارُ عَلَى إبْرَازِ المَوَاهِبِ، والطَّاقَاتِ التِي كَانَتْ كَامِنَةً تَحْتَ ظُلُمَاتِ الجَاهِلِيَّةِ والكُفْرِ، والخُلُودِ إِلَى الأَرْضِ، فَانْطَلَقُوا وقَدِ اسْتَضَاؤُوا بِنُورِ الإِسْلَامِ، عَبْقَرِيَّات تَفْتَحُ البِلَادَ، وتُقِيمُ العَدْلَ، وتُؤَسِّس الدُّوَلَ، وتُحْسَبُ فِي

стр. 717

عِدَادِ العُظَمَاءِ فِي كُلِّ العُصُورِ، ولَوْلَا الهِجْرَةُ مَا وَجَدَ هَؤُلَاءِ مَنَاخَ الِانْطِلَاقِ. لَا شَكَّ بَعْدَ هَذَا. . . أَنَّ الهِجْرَةَ كَانَتْ بِدَايَةَ انْطِلَاقِ الإِسْلَامِ إِلَى كُلِّ الآفَاقِ، وفَاتِحَةَ خَيْرٍ لبنَاءِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وبُشْرَى تَخْلِيصِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنْ بَرَاثِنِ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ، وإرْهَاصَةَ (١) قِيَامِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِهَذَا كَانَ الإِصْرَارُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ تَكُونَ الهِجْرَةُ، ولَيْسَتِ البِعْثَةُ أَوْ وَفَاةُ الرَّسُولِ ﷺ هِيَ بِدَايَةُ التَّأْريخِ الإِسْلَامِيِّ (٢). إِنَّ إِلْهَامَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ وَصِدْقَ فِرَاسَتِهِ فِي الِاعْتِدَادِ بِالهِجْرَةِ، وجَعْلِهَا بِدَايَةَ التَّأْرِيخِ (٣) الإِسْلَامِيِّ كَانَ فِي مَحَلِّهِ ومَوْضِعِهِ.

стр. 718

* النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي أيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ: ذَكَرْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَبِي أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، وَقَدْ فرِحَ أَبُو أَيُّوبٍ ﵁ بِنُزُولِ الرَّسُولِ ﷺ عِنْدَهُ، وكَان ﵁ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلَى رَاحَةِ الرَّسُولِ ﷺ . نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي القِسْمِ السُّفْلِيِّ مِنْ بَيْتِ أَبِي أيُّوبٍ، وأَبُو أَيُّوبَ

стр. 719

وَزَوْجَتُهُ فِي القِسْمِ العُلْوِيِّ، فَانْتَبَهَ أَبُو أيُّوبٍ لَيْلَةً فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! فتَنَحَّوا فَكَانُوا فِي جَانِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ سَاهِرًا حَتَّى أصْبَحَ، وفي الصَّبَاحِ أتَى الرَّسُولَ ﷺ فقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنِّي لَأَكْرَهُ، وَأُعْظِمُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَكَ، وتَكُونَ تَحْتِي، فكُنْ أَنْتَ فِي العُلْوِ، ونَنْزِلُ نَحْنُ فَنَكُونُ فِي السُّفْلِ، فَقَالَ لَهُ ﷺ : "يَا أبَا أيُّوبَ السُّفْلُ أرْفَقُ بِنَا وبِمَنْ يَغْشَانَا" (١). قَالَ أَبُو أيُّوبٍ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ في سُفْلِهِ، وكُنَّا فَوْقَهُ فِي المَسْكَنِ، فَلَقَدِ انْكَسَرَ حُبٌّ (٢) لَنَا فِيهِ مَاءٌ، فَقُمْتُ أنَا وَأُمُّ أيُّوب بِقَطِيفَةٍ (٣) لنَا، مَا لَنَا لِحَافٌ غَيْرُهَا، نَنَشِّفُ بِهَا المَاءَ تَخَوُّفًا أَنْ يَقْطُرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ شَيْءٌ فيؤْذِيَهُ، فنَزَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقُلْتُ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، وَلَمْ يَزَلْ أَبُو أيُّوبٍ بِالرَّسُولِ ﷺ ، يَرْجُوهُ ويُلحُّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ ﷺ فِي الأَعْلَى، وَأَنْ يَكُونَ أَبُو أيُّوب فِي الأَسْفَلِ، فَقَبِلَ الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يَكُونَ فِي الأَعْلَى. قَالَ أَبُو أيُّوب ﵁: وكُنَّا نَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ العَشَاءَ، ثُمَّ نَبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ تَيَمَّمْتُ (٤) أنَا وَأُمُّ أيُّوبٍ مَوْضعَ أصَابِعِهِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نَبْتَغِي بِذَلِكَ

стр. 720

البَرَكَةَ، حَتَّى بَعَثْنَا إِلَيْهِ لَيْلَةً بِعَشَائِهِ، وَقَدْ جَعَلْنَا لَهُ فِيهِ بَصَلًا أَوْ ثُومًا، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وَلَمْ أرَ لِيَدِهِ فِيهِ أَثَرًا، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَزِعًا، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّه! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، رَدَدْتَ عَشَاءَكَ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ مَوْضعَ يَدِكَ، وكُنْتَ إِذَا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا، تيَمَّمْتُ أنا وَأُمُّ أيُّوبٍ موضع يَدِكَ، نَبْتَغِي بِذَلِكَ البَرَكَةَ، فَمَا مَنَعَكَ مِنْهُ؟ قَالَ ﷺ : "إنِّي وَجَدْتُ فِيهِ رِيحَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وأنَا رَجُلٌ أُنَاجِي"، فَقَالَ أبُو أيُّوبٍ: أحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: "لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ" (١)، فَقَالَ أَبُو أيُّوبٍ: فَإِنِّي أكْرَهُ مَا تَكْرَهُ (٢). وذَلِكَ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَتْ تَأْتِيهِ المَلَائِكَةُ (٣). قَالَ أَبُو أيُّوبٍ: وَلَمْ نَصْنَعْ لِلرَّسُولِ ﷺ طَعَامًا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الثَّوْمِ أَوِ البَصَلِ بَعْدُ (٤).

стр. 721

وَمَا كَانَتْ تَمُرُّ لَيْلَةٌ إِلَّا وَعَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ الثَّلَاثَةُ والأَرْبَعَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ الأَنْصَارِ، يَتَنَاوَبُونَ فِي حَمْلِ طَعَامِهِمْ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ ، حَتَّى تَحَوَّلَ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَيُّوبٍ إِلَى حُجُرَاتِهِ ﷺ (١). * مُدَّةُ إِقَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي أيُّوبٍ ﵁ -: كَانَتْ مُدَّةُ إِقَامَةِ الرَّسُولِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي أيُّوبٍ ﵁ شَهْرًا وَاحِدًا (٢). ورَوَى ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أقَامَ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبٍ سَبْعَةَ أشْهُرٍ (٣). قُلْتُ: وَالذِي نَمِيلُ إِلَيْهِ هُوَ مَا قَاله الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ ﷺ أَقَامَ فِي بَيْتِ أَبِي أيُّوبٍ الأنْصَارِيِّ ﵁ شَهْرًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ بِنَاءَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وبِنَاءَ حُجُرَاتِهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ إِلَّا أيَّامًا قَلِيلَةً؛ لِأَنَّ البِنَاءَ كَانَ فِي أبْسَطِ صُورَةٍ، كَمَا سَيَأْتِي.

стр. 722

* إِكْرَامُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ لِأَبِي أيُّوبٍ ﵁ -: وَتَمُرُّ الأيَّامُ، ويَقْدُمُ هَذَا الرَّجُلُ الكَرِيمُ أَبُو أيُّوبٍ الأَنْصَارِيُّ ﵁ البَصْرَةَ، وكَانَ وَالِيهَا يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّه بنُ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ قِبَل عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَوَجَدَ ابنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الفُرْصَةَ العَظِيمَةَ لِرَدِّ الجَمِيلِ لِأَبِي أيُّوبٍ ﵁، فَقَدْ أخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: أَنَّ أبَا أيُّوبٍ الأَنْصَارِيَّ قَدِمَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ البَصْرَةَ، فَفَرَّغَ لَهُ بَيْتَهُ، وَقَالَ لَهُ: لَأَصْنَعَنَّ بِكَ كَمَا صَنَعْتَ بِرَسُولِ اللَّه ﷺ ، ثُمَّ قَالَ ابنُ عَبَّاس لِأَبِي أيُّوبٍ: كَمْ عَلَيْكَ مِنَ الدَّيْنِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ أَلْفًا، قَالَ: فَأَعْطَاهُ أرْبَعِينَ أَلْفًا، وعِشْرِينَ مَمْلُوكًا، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَكَ مَا فِي البَيْتِ (١). قَالَ الدُّكتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ومَا كَانَ أَبُو أيُّوبٍ ﵁-عَلِمَ اللَّه- لِيَرْجُوَ عَلَى مَا عَمِلَ مِنْ ضِيَافَةِ الرَّسُولِ ﷺ وإكْرَامِهِ جَزَاءً مِنْ أحَدٍ، مَا كَانَ يَرْجُو إِلَّا رِضَاءَ اللَّه وَرَسُولهِ، ولَكِنَّهُ الأَدَبُ الذِي أَدَّبَ اللَّه بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ، وهُوَ رَدُّ المَعْرُوفِ بِمِثْلِهِ أَوْ بِخَيْرٍ مِنْهُ، وَأَحَقُّ مَنْ رَعَى هَذَا الأَدَبَ الرَّسُولُ ﷺ وَآله الكِرَامُ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ والإِمَامُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 723

قَالَ: ". . . وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أنَّكُمْ قَدْ كَافَأتمُوُهُ" (١). * قُدُومُ آلِ النَّبِيِّ ﷺ وعِيَالُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ -: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وهُوَ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبٍ ﵁، زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ وأبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ ﵄، إِلَى مَكَّةَ، وأعْطَاهُمَا بَعِيرَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ درْهَمٍ لِيَأْتِيَاهُ بِأَهْلِهِ، فَقَدِمَا بِفَاطِمَةَ ﵂، وأُمِّ كُلْثُومٍ ﵂ ابْنَتَيْهِ ﷺ ، وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ﵂ زَوْجَتِهِ ﷺ ، وأُمِّ أيْمَنَ ﵂ حَاضِنَةِ الرَّسُولِ ﷺ ، وزَوْجِ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵁، وابْنِهَا أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵁. وَأَمَّا زَيْنَبُ بِنْتُ الرَّسُولِ ﷺ ، فَمَنَعَهَا زَوْجُهَا أَبُو العَاصِ بنُ الرَّبِيعِ -وَكَانَ لَا يَزَالُ مُشْرِكًا- مِنَ الهِجْرَةِ (٢)، وَأَمَّا رُقيّةُ ﵂ بِنْتُ الرَّسُولِ ﷺ فَهَاجَرَتْ مِنْ قَبْلُ مَعَ زَوْجِهَا عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵄.

стр. 724

وخَرَجَ مَعَهُمْ عَبْدُ اللَّه بنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵄ بِعِيَالِ أبِيهِ، وهُمْ: أُمُّ رُومَانَ ﵂ زَوْجَةُ أَبِي بَكْرٍ، وأُخْتَاهُ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ ﵄، حَتَّى قَدِمُوا جَمِيعًا المَدِينَةَ فنَزَلُوا فِي بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ بِالسُّنْحِ، وَنَزَلَ آل رَسُولِ اللَّه ﷺ فِي بَيْتِ حَارِثَةَ بنِ النُّعْمَانِ ﵁ (١). * وِلَادَةُ عَبْدِ اللَّه بنِ الزُّبَيْرِ ﵄: وكَانَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ حِينَ هَاجَرَتْ حَامِلًا بِابْنِهَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ ﵁، فَلَمَّا نَزَلَتْ قباءَ وَلَدَتْ، فَأتتْ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ لِيُحَنِّكَهُ (٢)، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ فَوَضَعَهُ في حِجْرِهِ، وأتَى بِتَمْرَةٍ فَمَصَّهَا ثُمَّ مَضَغَهَا ثُمَّ وَضَعَهَا فِي فِيهِ فَحَنَّكَهُ بِهَا، فَكَانَ أوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ بَطْنَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ دَعَا لَهُ فبَرَّكَ (٣) عَلَيْهِ، وَسَمَّاهُ: "عَبْدَ اللَّه"، وكَانَ أوَّلَ مَنْ وُلِدَ فِي الإِسْلَامِ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِالمَدِينَةِ (٤) مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، وكَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ قَدْ

стр. 725

أخَذْنَاهُمْ -أي المُسْلِمِينَ- فَلَا يُولَدُ لَهُمْ بِالمَدِينَةِ وَلَدٌ ذَكَرٌ، فَكَبَّرَ (١) أصْحَابُ رَسُولِ اللَّه ﷺ حِينَ وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْر (٢). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ مَوْلدَ عَبْدِ اللَّه بنِ الزُّبَيْرِ ﵄ كَانَ في السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجْرَةِ وهُوَ المُعْتَمَدُ، بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ الوَاقِدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأنَّهُ وُلِدَ في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ (٣). * نُبْذَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ ﵄: عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ، أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، القُرَشِيُّ الأَسَدِيُّ المَكِّيُّ ثُمَّ المَدَنِيُّ، أَحَدُ الأَعْلَامِ، وَلَدُ الحَوَارِيِّ الإِمَامِ أبي عَبدِ اللَّه، ابنِ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَوَارِيِّهِ، وَكَانَ ﵁ فَارِسَ قُرَيْشٍ فِي زَمَانِهِ، وَله مَوَاقِفُ مَشْهُودَةٌ (٤).

стр. 726

* وَفَاةُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ ﵁ -: أخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مُرْسَلٍ عَنْ قتادَةَ عَنْ أبِيهِ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ سَأَلَ عَنِ البَرَاء بنِ مَعْرُورٍ، فَقَالُوا: تُوُفِّيَ، وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّه، وَأَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ لَمَّا احْتُضِرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "أَصَابَ الفِطْرَةَ وَقَدْ رَدَدْتُ ثُلُثَهُ عَلَى وَلَدِهِ"، ثُمَّ ذَهَبَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَأَدْخِلْهُ جَنَّتَكَ، وَقَدْ فَعَلْتَ" (١). وَكَانَتْ وَفَاتُهُ ﵁ فِي صَفَرٍ قَبْلَ قُدُومِ الرَّسُولِ ﷺ المَدِينَةَ بِشَهْرٍ (٢). قُلْتُ: وَالبَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ ﵁ كَانَ مِنَ السَّبْعِينَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، وهُوَ أحَدُ النُّقَبَاءَ الذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّه ﷺ نيَابَةً عَنْ قَوْمِهِمْ، وهُوَ أوَّلُ مَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ. وهُوَ أوَّلُ مَنِ اسْتَقْبَلَ الكَعْبَةَ حَيًّا وَمَيْتًا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا (٣).

стр. 727

حُمَّى المَدِينَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّه ﷺ المَدِينَةَ، قَدِمَهَا وَهِيَ أَوْبَأُ (١) أَرْضِ اللَّه مِنَ الحُمَّى، فَأَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْهَا بَلَاءٌ وَسُقْمٌ، وصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ (٢). وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ أَصَبْنَا مِنْ ثِمَارِهَا، فَاجْتَوَيْنَاهَا وأصَابَنَا بِهَا وَعْكٌ (٣). واجْتَوَى (٤) المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ، وَلَمْ يُوَافِقْ هَوَاؤُهَا أبْدَانَهُمْ، وجَهِدُوا حَتَّى كَانُوا مَا يُصَلُّونَ إِلَّا وَهُمْ قُعُودٌ. فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁

стр. 728

قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وهِيَ مَحَمَّةٌ (١)، فَحُمَ النَّاسُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ المَسْجِدَ والنَّاسُ قُعُودٌ يُصَلُّونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَلَاةُ القَاعِدِ نِصْفُ صَلَاةِ القَائِمِ" (٢)، فتَجَشَّمَ (٣) النَّاسُ الصَّلَاةَ قِيَامًا عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الضَّعْفِ والسُّقْمِ، الْتِمَاسَ الفَضْلِ (٤). وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، اشْتَكَى أصْحَابُهُ، وَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، وعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وبِلَالٌ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عِيَادَتِهِمْ، فَأَذِنَ لَهَا،

стр. 729

فَقَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ (١). فَقَالَ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ (٢) فِي أَهْلِهِ ... وَالمَوْتُ أَدْنَى (٣) مِنْ شِرَاكِ (٤) نَعْلِهِ وَسَألَتْ عَامِرَ بنَ فُهَيْرَةَ، فَقَالَ: إنِّي وَجَدْتُ المَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ ... إِنَّ الجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِه وسَألَتْ بِلَالًا، فَقَالَ: ألَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ (٥) وَحَوْلي إِذْخِرٌ (٦) وَجَلِيلُ (٧)

стр. 730

وَهَلْ أَرِدَنَّ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ (١) ... وَهَلْ بيدُوَنَّ (٢) لِيَ شَامَةٌ وَطَفِيلُ (٣) قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّهُمْ لَيَهْذُونَ (٤) ومَا يَعْقِلُونَ مِنْ شِدَّةِ الحُمَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صاعِهَا ومُدِّهَا، وانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالجُحْفَةِ" (٥). وأخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 731

قَالَ: "رَأَيْتُ كَأَنَّ امْرَأةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ المَدِينَةِ، حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةٍ (١)، وهِيَ الجُحْفَةُ فَأوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ المَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا" (٢). * فَوَائِدُ الْحَدِيثِ: قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وفي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: ١ - الدُّعَاءُ لِلْمُسِلْمِينَ بِالصِّحَّةِ وطِيبِ بِلَادِهِمْ، وَالبَرَكَةِ فِيهَا، وَكَشْفِ الضُّرِّ وَالشَّدَائِدِ عَنْهُمْ، وهَذَا مَذْهَبُ العُلَمَاءَ كَافَّةً. ٢ - وَفِيهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبوَّةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّ الجُحْفَةَ مِنْ يَوْمِئِذٍ مُجْتَنبةٌ، وَلَا يَشْرَبُ أَحَدٌ مِنْ مَائِهَا إِلَّا أصَابَتْهُ الحُمَّى (٣). * إصَابَةُ عَائِشَةَ ﵂ بِالحُمَّى: وَقَدْ أُصِيبَتْ عَائِشَةُ ﵂ بِالحُمَّى، فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ ﵁ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى أهْلِهِ، فَإِذَا عَائِشَةُ ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ قَدْ أصَابَتْهَا الحُمَّى (٤) فَرَأَيْتُ أبَاهَا يُقَبِّلُ خَدَّهَا، وَقَالَ: كَيْفَ أنْتِ يَا بُنَيَّةُ (٥).

стр. 732

* دُعَاءُ الرَّسُولِ ﷺ لِلْمَدِينَةِ: ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّه ﷺ لِلْمَدِينَةِ: فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنَّ إبْرَاهِيمَ خَلِيلَكَ وَعَبْدَكَ وَنَبِيَّكَ دَعَاكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَرَسُولُكَ أدْعُوكَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ مِثْلَ مَا دَعَاكَ بِهِ إبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، نَدْعُوكَ أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ (١) وَمُدِّهِمْ (٢) وثِمَارِهِمْ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إلَيْنَا مَكَّةَ، واجْعَلْ مَا بِهَا مِنْ وَبَاءٍ بِخُمٍّ (٣)، اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابتَيْهَا (٤) كَمَا حُرِّمَتْ عَلَى لِسَانِ إبْرَاهِيمَ الحَرَمُ" (٥). وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ أنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالمَدِينهِ ضِعْفَي مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البرَكةِ" (٦).

стр. 733

زَوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ بعَائِشَةَ ﵂ وفِي شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الأُولَى لِلْهِجْرَةِ بَنَى (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَائِشَةَ ﵂، وهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ. أخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّه ﷺ لِسِتِّ سِنِينَ، وبَنَى بِي وأنا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (٢). وأخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّه ﷺ في شَوَّالَ، وبَنَى بِي فِي شَوَّالَ (٣)، فَأَيُّ نِسَاءِ رسُولِ اللَّه ﷺ كَانَتْ أحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ (٤).

стр. 734

وَكَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أُرِيَهَا فِي المَنَامِ، قَبْلَ أَنْ يَخْطِبَهَا، فقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُرِيتُكِ (١) فِي المَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ المَلَكُ فِي سَرَقَةٍ (٢) مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأتكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا هِيَ أنْتِ (٣)، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّه، يُمْضِهِ" (٤). وأخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ والتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَ بِصُورَتهَا فِي خِرْقَةِ (٥) حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ (٦). وَهِيَ البِكْرُ (٧) الوَحِيدَةُ التِي تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ

стр. 735

البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال لِعَائِشَةَ ﵂: لَمْ يَنْكِحِ النَّبِيُّ ﷺ بِكْرًا غَيْرَكِ (١). وأخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وفيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ (٢) بَعِيرَكَ؟ قَالَ ﷺ : "فِي التِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا"، يَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا (٣). * فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ: ١ - مَشْرُوعِيَّةُ ضَرْبِ المَثَلِ وتَشْبِيهُ شَيءٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ بِمِثْلِهِ مَسْلُوبِ الصِّفَةِ. ٢ - وَفيهِ بَلَاغَةُ عَائِشَةَ ﵂، وحُسْنُ تَأتيهَا فِي الأُمُورِ (٤).

стр. 736

* صِفَةُ دُخُولِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂: أخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فنَزَلْنَا فِي بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ، فَوُعِكْتُ (١) فتَمَزَّقَ شَعْرِي، فَوَفَى (٢) جُمَيْمَةً (٣)، فَأتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ (٤)، وإنِّي لَفِي أُرْجُوحةٍ (٥) وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأتَيْتُهَا، لَا أدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وإنِّي لَأَنْهِجُ (٦) حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي ورَأْسِي، ثُمَّ أدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي البَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ (٧)،

стр. 737

فَأَسْلَمَتْنِي إلَيْهِنَّ، فأصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي (١) إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وأنا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (٢). وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . ثُمَّ أقْبَلَتْ أُمِّي تَقُودُنِي حَتَّى وَقَفَتْ بِي عِنْدَ البَابِ، وَإِنِّي لَأَنْهِجُ، حَتَّى سَكَنَ مِنْ نَفْسِي، ثُمَّ دَخَلَتْ بِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّه ﷺ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرٍ فِي بَيْتِنَا، وعِنْدَهُ رِجَالٌ ونسَاءٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَجْلَسَتْنِي فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: هَؤُلَاءِ أهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّه، فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِمْ، وبَارَكَ لَهُمْ فِيكَ، فَوَثَبَ (٣) الرِّجَالُ والنِّسَاءُ، فَخَرَجُوا وبَنَى بِي رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي بَيْتِنَا، مَا نُحِرَتْ عَلَيَّ جَزُورٌ (٤) , وَلَا ذُبِحَتْ عَلَيَّ شَاةٌ حَتَّى أَرْسَلَ إلَيْنَا سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁ بجَفْنةٍ (٥) كَانَ يُرْسِلُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَارَ إِلَى نِسَائِهِ وأنا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (٦).

стр. 738

* كُنْيَةُ عَائِشَةَ ﵂: وكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تكنَى بِأُمِّ عَبْدِ اللَّه، بِابْنِ أُخْتِهَا عَبْدُ اللَّه بنُ الزُّبَيْرِ ﵁، فَقَدْ أخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا وُلِدَ عَبْدُ اللَّه بنُ الزُّبَيْرِ أَتيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فتَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفه، وَقَالَ: "هُوَ عَبْدُ اللَّه وأنْتِ أُمُّ عَبْدِ اللَّه"، فَمَا زِلْتُ أُكْنَى بِهَا وَمَا وَلَدْتُ قَطُّ (١). وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه، كُلُّ نِسَائِكَ لَهَا كُنيةٌ غَيْرِي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اكتَنِي، أنْتِ أُمُّ عَبْدِ اللَّه"، فَكَانَ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ عَبدِ اللَّه، حَتَّى مَاتَتْ ﵂، وَلَمْ تَلِدْ قَطُّ (٢). وأَخْرَجَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّه بنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّه، ألَا تكنيني؟ فَقَالَ ﷺ : "اكتَنِي بِابْنِكِ" (٣) يَعْنِي عَبْدَ اللَّه بنَ الزُّبَيْرِ، فَكَانَتْ تُكنَى أُمَّ عَبْدِ اللَّه (٤).

стр. 739

* مُلَاطَفَةُ الرَّسُولِ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَاطِفُ عَائِشَةَ ﵂، ويُبَاسِطُهَا، ويُرَاعِي صِغَرَ سِنِّهَا، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، قَالَتْ: وكَانَتْ تَأْتِيني صَوَاحِبِي، فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ (١) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَرِّبُهُنَّ (٢) إِلَيَّ (٣). وأخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ وأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَوْ خَيْبَرَ، وفِي سَهْوَاتِهَا (٤) سِتْرٌ، فَهَبَّتْ رِيحٌ، فكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ ﷺ : "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ " قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهَا جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ ﷺ : "مَا هَذَا الذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ؟ " قَالَتْ: فَرَسٌ، قَالَ: "وَمَا هَذَا الذِي عَلَيْهِ؟ " قَالَتْ: جَنَاحَانِ، قَالَ: "فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ! " قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ ﵇ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ ، قَالَتْ: فَضحكَ

стр. 740

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ نوَاجِذَهُ (١). وأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَمعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ! وتَنَاوَلَهَا، أترْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَحَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ، جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لها يترَضَّاهَا: "ألَا ترَيْنَ أَنِّي قَدْ حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَكِ؟ "، فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّه، أشْرِكَانِي فِي سِلْمِكُمَا، كَمَا أشْرَكْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا (٢). وأخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ وعِنْدِي جَارِيتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ (٣) بُعَاثَ،
следующие страницы →