← Сира

Сира · id 38114

اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون

موسى بن راشد العازمي

Полный текст (2 595 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

* صِفَةُ دُخُولِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂: أخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فنَزَلْنَا فِي بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ، فَوُعِكْتُ (١) فتَمَزَّقَ شَعْرِي، فَوَفَى (٢) جُمَيْمَةً (٣)، فَأتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ (٤)، وإنِّي لَفِي أُرْجُوحةٍ (٥) وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأتَيْتُهَا، لَا أدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وإنِّي لَأَنْهِجُ (٦) حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي ورَأْسِي، ثُمَّ أدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي البَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ (٧)،

стр. 737

فَأَسْلَمَتْنِي إلَيْهِنَّ، فأصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي (١) إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضُحًى، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وأنا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (٢). وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . ثُمَّ أقْبَلَتْ أُمِّي تَقُودُنِي حَتَّى وَقَفَتْ بِي عِنْدَ البَابِ، وَإِنِّي لَأَنْهِجُ، حَتَّى سَكَنَ مِنْ نَفْسِي، ثُمَّ دَخَلَتْ بِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّه ﷺ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرٍ فِي بَيْتِنَا، وعِنْدَهُ رِجَالٌ ونسَاءٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَجْلَسَتْنِي فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: هَؤُلَاءِ أهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّه، فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِمْ، وبَارَكَ لَهُمْ فِيكَ، فَوَثَبَ (٣) الرِّجَالُ والنِّسَاءُ، فَخَرَجُوا وبَنَى بِي رَسُولُ اللَّه ﷺ فِي بَيْتِنَا، مَا نُحِرَتْ عَلَيَّ جَزُورٌ (٤) , وَلَا ذُبِحَتْ عَلَيَّ شَاةٌ حَتَّى أَرْسَلَ إلَيْنَا سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵁ بجَفْنةٍ (٥) كَانَ يُرْسِلُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَارَ إِلَى نِسَائِهِ وأنا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (٦).

стр. 738

* كُنْيَةُ عَائِشَةَ ﵂: وكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تكنَى بِأُمِّ عَبْدِ اللَّه، بِابْنِ أُخْتِهَا عَبْدُ اللَّه بنُ الزُّبَيْرِ ﵁، فَقَدْ أخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا وُلِدَ عَبْدُ اللَّه بنُ الزُّبَيْرِ أَتيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فتَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفه، وَقَالَ: "هُوَ عَبْدُ اللَّه وأنْتِ أُمُّ عَبْدِ اللَّه"، فَمَا زِلْتُ أُكْنَى بِهَا وَمَا وَلَدْتُ قَطُّ (١). وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه، كُلُّ نِسَائِكَ لَهَا كُنيةٌ غَيْرِي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ : "اكتَنِي، أنْتِ أُمُّ عَبْدِ اللَّه"، فَكَانَ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ عَبدِ اللَّه، حَتَّى مَاتَتْ ﵂، وَلَمْ تَلِدْ قَطُّ (٢). وأَخْرَجَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّه بنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّه، ألَا تكنيني؟ فَقَالَ ﷺ : "اكتَنِي بِابْنِكِ" (٣) يَعْنِي عَبْدَ اللَّه بنَ الزُّبَيْرِ، فَكَانَتْ تُكنَى أُمَّ عَبْدِ اللَّه (٤).

стр. 739

* مُلَاطَفَةُ الرَّسُولِ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلَاطِفُ عَائِشَةَ ﵂، ويُبَاسِطُهَا، ويُرَاعِي صِغَرَ سِنِّهَا، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه ﷺ ، قَالَتْ: وكَانَتْ تَأْتِيني صَوَاحِبِي، فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ (١) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَرِّبُهُنَّ (٢) إِلَيَّ (٣). وأخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ وأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَوْ خَيْبَرَ، وفِي سَهْوَاتِهَا (٤) سِتْرٌ، فَهَبَّتْ رِيحٌ، فكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ ﷺ : "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ " قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهَا جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ ﷺ : "مَا هَذَا الذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ؟ " قَالَتْ: فَرَسٌ، قَالَ: "وَمَا هَذَا الذِي عَلَيْهِ؟ " قَالَتْ: جَنَاحَانِ، قَالَ: "فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ! " قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ ﵇ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ ، قَالَتْ: فَضحكَ

стр. 740

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَأَيْتُ نوَاجِذَهُ (١). وأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَمعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ! وتَنَاوَلَهَا، أترْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَحَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ، جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لها يترَضَّاهَا: "ألَا ترَيْنَ أَنِّي قَدْ حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَكِ؟ "، فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّه، أشْرِكَانِي فِي سِلْمِكُمَا، كَمَا أشْرَكْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا (٢). وأخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ وعِنْدِي جَارِيتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ (٣) بُعَاثَ،

стр. 741

فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ وحَوَّلَ وَجْهَهُ، ودَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانتهَرَنِي (١) وَقَالَ: مِزْمَارَةُ (٢) الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ! فَأَقبلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: "دَعْهُمَا" (٣)، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ (٤) والحِرَابِ، فإمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ وإمَّا قَالَ: "أتشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ" (٥). حَتَّى إِذَا مَلَلْتُ قَالَ: "حَسْبُكِ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاذْهَبِي" (٦).

стр. 742

وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وابنُ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أسْفَاره، وأنا جَارِيَةٌ لَمْ أحْمِلِ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: "تَقَدَّمُوا"، فتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: "تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ"، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وبَدُنْتُ (١) ونَسِيتُ، خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أسْفَارهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: "تَقَدَّمُوا" فتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: "تَعَالَى حَتَّى أُسَابِقَكِ"، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ ﷺ ، وَيَقُولُ: "هَذِهِ بِتِلْكَ" (٢). وأخْرَجَ الشَيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، واِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى"، قَالَتْ: قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ ﷺ : "أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إبْرَاهِيمَ" (٣)، قَالَتْ ﵂: قُلْتُ: أَجَلْ

стр. 743

وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّه، مَا أهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢): أيْ طَيِّبُوا أقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسِّنُوا أفْعَالَكُمْ، وهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وأنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ" (٣)، وكَانَ مِنْ أخْلَاقِهِ ﷺ أَنَّهُ جَمِيلُ العِشْرَةِ دَائِمُ البِشْرِ، يدَاعِبُ أهْلَهُ، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُمْ نَفَقتَهُ، ويُضَاحِكُ نِسَاءهُ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُسَابِقُ (٤) عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ، ويَجْتَمعُ نِسَاؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ التِي يَبِيتُ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ ، فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ العَشَاءَ فِي بَعْضِ الأحْيَانِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنْزِلهَا، وَكَانَ يَنَامُ مَعَ المَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَارٍ (٥) وَاحِدٍ، يَضَعُ عَنْ

стр. 744

كَتِفَيْهِ الرِّدَاءَ ويَنَامُ بِالإِزَارِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى العِشَاءَ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ يَسْمُرُ (١) مَعَ أهْلِهِ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤَانِسُهُمْ بِذَلِكَ ﷺ وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢). * مَكَانَةُ عَائِشَةَ ﵂ وَشَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِهَا: قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ بِنْتُ الإِمَامِ الصِّدِّيقِ الأَكْبَرِ، خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّه ﷺ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّه بنِ أَبِي قُحَافَةَ القُرَشِيَّةُ التَّيْمِيَّةُ، المَكِّيَّةُ، النَّبَوِيَّةُ، أُمُّ المُؤْمِنِينَ، زَوْجَةُ النَّبِيِّ ﷺ ، أفْقَهُ نِسَاءِ الأُمَّةِ عَلَى الإِطْلَاقِ. رَوَتْ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ عِلْمًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وعَنْ أَبِيهَا، وعَنْ عُمَرَ، وفَاطِمَةَ، وسَعْدٍ. وهِيَ ﵂ مِمَّنْ وُلِدَ فِي الإِسْلَامِ، وهِيَ أصْغَرُ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الرَّسُولِ ﷺ بثَمَاني سِنِينَ، وكَانَتْ تَقُولُ: لَمْ أَعْقِلْ أبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ (٣).

стр. 745

وَكَانَتْ امْرَاَةً بَيْضَاءَ جَمِيلَةً، ومِنْ ثَمَّ يُقَالُ لَهَا: الحُمَيْرَاءُ (١)، وَلَمْ يتَزَوَّجِ النَّبِيُّ ﷺ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَلَا أحَبَّ امْرَأَةً حُبَّهَا، وَلَا أعْلَمُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، بَلْ وَلَا فِي النِّسَاءِ مُطْلَقًا، امْرَأَةً أَعْلَمَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ لِلصِّدِّيقَةِ خَدِيجَةَ ﵂ شَأْوٌ (٢) لَا يُلْحَقُ، وأنا وَاقِفٌ فِي أَيِّتِهِمَا أفْضَلُ، نَعَمْ جَزَمْتُ بِأَفْضَلِيَّةِ خَدِيجَةَ عَلَيْهَا لِأُمُورٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهَا (٣). وَقَالَ الشَّيْخُ عَلِي الطَّنْطَاوِي: هَذِهِ السَّيِّدَةُ لَمْ تَتَخَرَّجْ فِي الجَامِعَةِ، لَمْ تَكُنْ فِي أيَّامِهَا الجَامِعَاتُ، ولَكِنَّهَا كَانَتْ، وَلَا تَزَالُ كَمَا كَانَتْ تُدَرَّسُ آثارُهَا فِي كُلِيَّةِ الآدَابِ، وَتُقْرَأُ فتَاوَاهَا فِي كُلِّيَّاتِ الدِّينِ، . . . امْرَأَةٌ مَلَأَتِ الدُّنْيَا، وَشَغَلَتِ النَّاسَ، عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ. ذَلِكَ لِأَنَّهُ أُتِيحَ لَهَا مَا لَمْ يُتَحْ لِأَحَدٍ، فَلَقَدْ تَوَلَّاهَا فِي طفولَتِهَا، شَيْخُ المُسْلِمِينَ وأفْضَلُهُمْ، أبُوهَا الصِّدِّيقُ ﵁، ورَعَاهَا فِي شَبَابِهَا خَاتَمُ الرُّسُلِ، وأكْرَمُ البَشَرِ زَوْجُهَا رَسُولُ اللَّه ﷺ , فَجَمَعَتْ مِنَ العِلْمِ والفَضْلِ والبَيَانِ مَا لَمْ تَجْمَعْ مِثْلَهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى.

стр. 746

كَانَتِ امْرَأةً كَامِلَةَ الأُنُوثَةِ، تُؤْنِسُ الزَّوْجَ، وتُرْضي العَشِيرَ، وكَانَتْ عَالِمَةً، وَاسِعَةَ العِلْمِ، تُعَلِّمُ العُلَمَاءَ، وتُفْتِي المُفْتِينَ، وَكَانَتْ بَلِيغَةً، بَارِعَةَ البَيَانِ، تبُذُّ (١) الخُطَبَاءَ، وتُزْرِي بِاللُّسُنِ المَقَاوِيلَ، وكَانَتْ لِقُوَّةِ شَخْصِيَّتهَا، زَعِيمَةً فِي كُلِّ شَيْءٍ: فِي العِلْمِ، وفي المُجْتَمَعِ، وفي السِّيَاسَةِ، وفي الحَرْبِ (٢). أخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ"، فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ (٣)؟ قَالَ: "أبوهَا"، فَقُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ"، فَعَدَّ رِجَالًا (٤). وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ الإِمَامِ الزُّهْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَوْ جُمعَ عِلْمُ النَّاسِ كُلُّهُمْ ثُمَّ عِلْمُ أزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ لَكَانَتْ عَائِشَةُ أوْسَعَهُمْ عِلْمًا (٥).

стр. 747

وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ والتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُوسَى بنِ طَلْحَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ كَانَ أفْصَحَ (١) مِنْ عَائِشَةَ (٢). وأخْرَجَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: مَا أَشْكَلَ (٣) عَلَيْنَا أصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ قَطُّ، فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا (٤). وأخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقِ بنِ الأجْدَعِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ عَائِشَةُ تُحْسِنُ الفَرَائِضَ؟ قَالَ: إِي وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مَشْيَخَةَ أصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَسْأَلُونَهَا عَنِ الفَرَائِضِ (٥). وأخرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: فَرَضَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ لِأُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَزَادَ عَائِشَةَ رَضِيَ

стр. 748

اللَّه عَنْهَا أَلفيْنِ، وَقَالَ: إنَّهَا حَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١). ورَوَى التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمْرِو بنِ غَالِبٍ قَالَ: أَنَّ رَجُلًا نَالَ مِنْ عَائِشَةَ ﵂ عِنْدَ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ ﵁، فَقَالَ: اغْرُبْ مَقْبُوحًا (٢) مَنْبُوحًا (٣)، تُؤْذِي حَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٤). * وَفَاتُهَا ﵂: وَكَانَتْ مُدَّةُ مُقَامِهِ ﷺ مَعَ عَائِشَةَ ﵂ تِسْعَ سِنِينَ، ومَاتَ عَنْهَا ﷺ وَلَهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً (٥)، وَعَاشَتْ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَة، وتُوُفِّيَتْ ﵂ سَنَةَ ثَمَانٍ وخَمْسِينَ لِلْهِجْرَةِ في لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَدُفِنَتْ ﵂ بِالبَقِيعِ (٦).

стр. 749

تَسْمِيَةُ يَثْرِبَ بطَيْبَةَ، وَطَابَةَ وَالمَدِينَةَ كَانَتِ المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ عَلَى سَاكِنِهَا ﷺ أفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ تُسَمَّى فِي الجَاهِلِيَّةِ يَثْرِبَ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمَّاهَا المَدِينَةَ، وطَيْبَةَ وَطَابَةَ (١). رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّه تَعَالَى سَمَّى المَدِينَةَ طَابةَ" (٢). قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وفي الحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَسْمِيَيهَا طَابَةَ، ولَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا لَا تُسَمَّى بِغَيْرِهِ، فَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى المَدِينَةَ في مَوَاضِعَ مِنَ القُرْآنِ (٣)،

стр. 750

وسَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ طَيْبَةَ (١). وأخْرَجَ الطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانُوا يُسَمُّونَ المَدِينَةَ يَثْرِبَ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَيْبَةَ (٢). وأخْرَجَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ ﵁ قَالَ: أقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أشْرَفْنَا (٣) عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ ﷺ : "هَذِهِ طَابَةٌ" (٤). قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَتْ بَعْضُ الأَحَادِيثِ فِيهَا النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَةِ المَدِينَةِ يَثْرِبَ فَمِنْ ذَلِكَ مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ سَمَّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّه، هِيَ طَابَةٌ، هِيَ طَابَةٌ" (٥). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: لِأَنَّ يَثْرِبَ إمَّا مِنَ التَّثْرِيبِ الذِي هُوَ التَّوْبِيخُ والمَلَامَةُ، أَوْ مِنَ الثَّرَبِ وهُوَ الفَسَادُ، وكِلَاهُمَا مُسْتَقْبَح، وكَانَ ﷺ يُحِبُّ الِاسْمَ الحَسَنَ، وَيَكْرَهُ الِاسْمَ القَبِيحَ (٦).

стр. 751

ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وَهِيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ" (١). وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ الكَلَامِ عَلَى الإِذْنِ بِالهِجْرَةِ، فَرَاجِعْهُ هُنَاكَ. * فَضَائِلُ المَدِينَةِ المُنَوَّرةِ: وَأَمَّا فَضَائِلُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ فَحَدِّثْ عَنْهَا وَلَا حَرَجَ: قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ شَرُفَتِ المَدِينَةُ بِهِجْرَتِهِ ﷺ إِلَيْهَا، وصَارَتْ كَهْفًا لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، ومَعْقِلًا وَحِصْنًا مَنِيعًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَدَارَ هُدًى لِلْعَالَمِينَ (٢). أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ الإيمَانَ لَيَأْرِزُ (٣) إِلَى المَدِينهِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا" (٤).

стр. 752

قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: أيْ أَنَّهَا كَمَا تَنْتَشِرُ الحَيَّةُ في جُحْرِهَا في طَلَبِ مَا تَعِيشُ بِهِ، فَإِذَا رَاعَهَا شَيْءٌ رَجَعَتْ إِلَى جُحْرِهَا، كَذَلِكَ الإِيمَانُ انْتَشَرَ في المَدِينَةِ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ لَه مِنْ نَفْسِهِ سَائِقٌ إِلَى المَدِينَةِ، لِمَحَبَّتِهِ في النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيعَ الأزْمِنَةِ؛ لأَنَّهُ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ للتَّعَلُّمِ مِنْهُ، وفِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ وتَابِعِيهِمْ لِلِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِمْ، وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لِزِيَارَةِ مَسْجِدِهِ وَقَبْرِهِ ﷺ (١) وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وقَدِ انْفَرَدَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَقِيَّةِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ بِتَفْضِيلِ المَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، والمَشْهُورُ عَنِ الجُمْهُورِ أَنَّ مَكَّةَ أفْضَلُ مِنَ المَدِينَةِ إِلَّا المَكَانَ الذِي ضَمَّ جَسَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا هَهُنَا، وأشْهَرُ دَلِيلٍ لَهُمْ في ذَلِكَ مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُمَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عِنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَدِيِّ بنِ الحَمْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، وهُوَ يَقُولُ لِمَكَّةَ: "وَاللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وأحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ ، ولَوْلَا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكَ مَا خَرَجْتُ" (٢).

стр. 753

وأخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ وابنُ حِبَانَ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَرَادَ أَهْلَ المَدِينَةِ بِسُوءٍ، أذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ في المَاءَ" (١). وأخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ السَّائِبِ بنِ خَلَّادٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَخَافه اللَّهُ ، وَعَلَيْهِ لَعْنةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا" (٢). * تَمَنِّي عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ المَوْتَ في المَدِينَةِ: رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحهِ والإِمَامُ أحمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ، فَلْيَمُتْ بِالمَدِينَةِ فَإِنِّي أشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا" (٣). وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ يَدْعُو اللَّه تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ المَوْتَ في المَدِينَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عَنْ أبِيهِ عَنْ

стр. 754

عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً في سَبِيلِكَ، واجْعَلْ مَوْتِي في بَلَدِ رَسُولِكَ ﷺ (١). وكَانَ سَبَبُ تَمَنِّي عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁ الشَّهَادَةَ، هُوَ مَا أخْرَجَهُ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ، والإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَوْفِ بنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ ﵁ أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا في المَنَامِ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ شَهِيدٌ مُسْتَشْهَدٌ. فَقَصَّهَا عَلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَنَّى لِي بِالشَّهَادَةِ، وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَزِيرَةِ العَرَبِ لَسْتُ أَغْزُو، والنَّاسُ حَوْلي يَغْزُونَ، ثُمَّ قَالَ ﵁: بَلَى يَأْتِي بِهَا اللَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٢). وقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْفَارُوقِ ﵁، فَاسْتُشْهِدَ في مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ يَؤُمُّ المُسْلِمِينَ في صَلَاةِ الفَجْرِ (٣). * * *

стр. 755

الحَيَاةُ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ يُمْكِنُ تَقْسِيمُ العَهْدِ المَدَنِيِّ إلى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ: ١ - مَرْحَلَةٌ أُثِيرَتْ فِيهَا القَلَاقِلُ والفِتَنُ، وأُقِيمَتْ فِيهَا العَرَاقِيلُ مِنَ الدَّاخِلِ، وزَحَفَ فِيهَا الأعْدَاءُ إلى المَدِينَةِ لِاسْتِئْصَالِ (١) خَضْرَائِهَا (٢) مِنَ الخَارجِ، وهَذِهِ المَرْحَلَةُ تَنتهِي إِلَى صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ. ٢ - مَرْحَلَةُ الهُدْنَةِ مَعَ الزَّعَامَةِ الوَثَنِيَّةِ، وتَنتهِي بِفَتْحِ مَكَّةَ في رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وهِيَ مَرْحَلَةُ دَعْوَةِ المُلُوكِ إلى الإِسْلَامِ. ٣ - مَرْحَلَةُ دُخُولِ النَّاسِ في دِينِ اللَّهِ أفْوَاجًا، وهِيَ مَرْحَلَةُ تَوَافُدِ القَبَائِلِ والأَقْوَامِ إِلَى المَدِينَةِ، وهَذ المَرْحَلَةُ تَمْتَدُّ إلى انْتِهَاءَ حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ في رَبِيعٍ الأوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ (٣). * * *

стр. 756

مِنْ بنَاءِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ إِلَى فَرْضِ زَكَاةِ الفِطْرِ أُسُسُ بنَاءِ المُجْتَمَع الإِسْلامِيِّ في المَدِينَةِ أَوَّلًا: بِنَاءُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ (١) أوَّلُ عَمَلٍ قَامَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَعْدَ نُزُولِهِ في بَيْتِ أَبِي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ ﵁ هُوَ بِنَاءُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ نَاقَةَ الرَّسُولِ ﷺ بَرَكَتْ في مِرْبَدٍ لِلتَّمْرِ لِسُهَيْلٍ وسَهْلٍ، غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وكَانَ الذِي يَكْفُلُهُمَا أسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ ﵁ (٢).

стр. 757

ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بالمِرْبَدِ لِيَتَّخذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: لَا بَلْ نَهَبُهُ (١) لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا حتَّى ابْتَاعَهُ (٢) مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا (٣). وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ عِنْدَمَا أَمَرَ ببنَاءِ المَسْجِدِ، أرْسَلَ إلى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاؤُوا، فَقَالَ لَهُمْ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي (٤) بِحَائِطِكُمْ (٥) هَذَا". فَقَالُوا: لا وَاللَّهِ، لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ (٦). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وظَاهِرُ الحَدِيثِ أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْهُ ثَمَنًا، وذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ (٧) أَنَّهُ ﷺ اشْترَاهُ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ أخَذَهُمَا مِنْ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁.

стр. 758

ولا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فيجْمَعُ بِأنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّنْ يَخْتَصُّ بِمُلْكِهِ مِنْهُمْ فَعَيَّنُوا لَهُ الغُلَامَيْنِ فَابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، فَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الذِينَ قَالُوا لَهُ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ تَحَمَّلُوا عَنْهُ لِلْغُلَامَيْنِ بِالثَّمَنِ (١). * كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي ؟ : وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يصَلِّي قَبْلَ بِنَاءِ مَسْجِدِهِ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، ويُصَلِّي في مَرَابِضِ الغَنَمِ (٢). وَكَانَ في ذَلِكَ المِرْبَدِ قُبُورٌ لِلْمُشْرِكِينَ، وفيهِ خِرَبٌ (٣) ونَخْلٌ، فَأَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فنبِشَتْ، وبالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ في قِبْلَةِ المَسْجِدِ، وَكَانَتِ القِبْلَةُ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ (٤) حِجَارَةً (٥).

стр. 759

* فَوَائِدُ الحَدِيثِ: قَالَ الحَافِظُ في الفَتحِ: وفي الحَدِيثِ: ١ - جَوَازُ التَّصَرُّفِ في المَقْبَرَةِ المَمْلُوكَةِ بِالهِبَةِ والبَيْعِ. ٢ - وَفِيهِ جَوَازُ نَبْشِ القُبُورِ الدَّارِسَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُحْتَرَمَةً. وهَذَا الحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْجَوَازِ؛ لِأَنَّ المُشْرِكَ لَا حُرْمَةَ لَهُ حَيًّا ولَا مَيْتًا. ٣ - وَفِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ في مَقَابِرِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ نَبْشِهَا، وإخْرَاجِ مَا فِيهَا. ٤ - وجَوَازُ بِنَاءِ المَسَاجِدِ في أمَاكِنِهَا. ٥ - وَقِيلَ: فِيهِ جَوَازُ قَطْعِ الأشْجَارِ المُثْمِرَةِ لِلْحَاجَةِ؛ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: وأمَرَ بالنَّخْلِ فَقُطِعَ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُثْمِرُ، إمَّا بِأَنْ يَكُونَ ذُكُورًا، وإمَّا أَنْ يَكُونَ طَرَأَ عَلَيْهِ مَا قَطَعَ ثَمَرَتَهُ (١). * مُشَارَكَةُ الرَّسُولِ ﷺ في بِنَاءِ المَسْجِدِ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ (٢) والحِجَارَةَ في بُنْيَانِهِ، وهُوَ يَقُولُ ﷺ : هَذَا الحِمَالُ (٣) لَا حِمَالَ خَيْبَرِ ... هَذَا أَبرّ رَبِّنَا وَأَطْهَرِ

стр. 760

ويَقُولُ ﷺ أَيْضًا: اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ ... فَارْحَمِ الأَنْصَارَ والمُهَاجِرَهْ فَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ ﵃ الرَّسُولَ ﷺ يَعْمَلُ مَعَهُمْ، قَالَ قَائِلُهُمْ: لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ وكَانُوا يُنْشِدُونَ وهُمْ يَعْمَلُونَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ ... فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَهْ فَيُجِيبُهُمُ الرَّسُولُ ﷺ : اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ (١) * أَعْطُوا طَلْقَ اليَمَامِيَّ المِسْحَاةَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَدِّمُ في العَمَلِ مَنْ يُجِيدُ جَانِبًا مِنْهُ، ويُشَجِّعُ المَوَاهِبَ، فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ اليَمَامِيِّ الحَنَفِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: جِئْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ

стр. 761

وأصْحَابُهُ يَبْنُونَ المَسْجِدَ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ عَمَلُهُمْ، قَالَ: فَأَخَذْتُ المِسْحَاةَ (١)، فَخَلَطْتُ بِهَا الطِّينَ، فكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ أَخْذِي المِسْحَاةَ وَعَمَلِي، فَقَالَ ﷺ : "دَعُوا الحَنَفِيَّ وَالطِّينَ، فَإِنَّهُ أضْبَطُكُمْ لِلطِّينِ" (٢). وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ ﷺ : "قَدِّمُوا اليَمَامِيَّ مِنَ الطِّينِ، فَإِنَّهُ أحْسَنكُمْ لَهُ مَسًّا، وأشَدُّكُمْ مِنْكَبًا" (٣). وكَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَقُولُ: لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ المَسَاجِدَا ... يَدْأَبُ فِيهَا قَائِمًا وَقَاعِدا وَمَنْ يُرَى عَنِ التُّرَابِ حَائِدًا (٤) * شِدَّةُ عَمَّارٍ ﵁ في العَمَلِ: وَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَحْمِلُونَ لَبِنَة لَبِنَةً، وجَعَلَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ ﵁ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ (٥)، وكَانَ رَجُلًا ضَابِطًا (٦)، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَجَعَلَ يَنْفُضُ

стр. 762

التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ (١) وهُوَ يَقُولُ: "يَا عَمَّارُ ألَا تَحْمِلُ مَا يَحْمِلُ أصْحَابُكَ؟ " قَالَ: إنِّي أُرِيدُ الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ، فَقَالَ ﷺ : "ابْنَ سمَيَّةَ، لِلنَّاسِ أَجْرٌ وَلَكَ أجْرَانِ، وآخِرُ زَادِكَ شَرْبَةٌ مِنْ لَبَنٍ (٢)، وتَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ" (٣). وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ ﷺ لمَّا رَأَى عَمَّارَ بنَ يَاسِرٍ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ: "وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُله الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إلى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إلى النَّارِ" (٤).

стр. 763

فَقَالَ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ (١). * قَوْلَةُ جَمِيلةٌ لِلْإِمَامِ الذَّهَبِيِّ: قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: . . . وَقَدْ كَانَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ صِفِّينَ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنَ السَّبِّ، السَّيْفُ، فَإِنْ صَحَّ شَيءٌ، فَسَبِيلُنَا الْكَفُّ وَالِاسْتِغْفَارُ لِلصَّحَابَةِ، وَلَا نُحِبُّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ (٢). * كَمِ اسْتَغْرَقَ بِنَاءُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ؟ : واسْتَغْرَقَ بِنَاءُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا (٣)، وكَانَ في أبْسَطِ صُورَةٍ، فِرَاشُهُ الرِّمَالُ، وأعْمِدَتُهُ جُذُوعُ النَّخْلِ، وسَقْفُهُ جَرِيدُ النَّخْلِ (٤)، وطُولُهُ

стр. 764

مِمَّا يَلِي القِبْلَةَ إلى مُؤَخِّرِهِ مِائَةُ ذِرَاعٍ، والجَانِبَانِ مِثْلُ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ (١). * حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ، جَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ ﵁ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ ﵁ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَؤُلَاءِ وُلَاةُ الأَمْرِ مِنْ بَعْدِي" (٢). فهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ. * بِنَاءُ الحُجُرَاتِ: وبَعْدَ الفَرَاغِ مِنْ بِنَاءِ المَسْجِدِ، بُنِيَتِ الحُجُرَاتُ لِأَزْوَاجِ الرَّسُولِ ﷺ حَوْلَ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ، وسُقِّفَتْ بِالجَرِيدِ، وجُذُوعِ النَّخْلِ؛ لِتَكُونَ مَسَاكِنَ لرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأهْلِهِ، فكان لسَوْدَةَ بِنتِ زَمْعَةَ بَيْت ﵂، وآخَرُ لِعَائِشَةَ ﵂؛ لأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ تَزَوَّجَ في ذَلِكَ الوَقْتِ إِلَّا سَوْدَةَ وعَائِشَةَ ﵄ (٣).

стр. 765

رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ دَاوُدَ بنِ قَيْسٍ قَالَ: رَأَيْتُ الحُجُرَاتِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، مُغَشَّيًا مْن خَارجٍ بِمُسُوحِ (١) الشَّعْرِ، وأظُنُّ عَرَضَ البَيْتَ مِنْ بَابِ الحُجْرَةِ إلى بَابِ البَيْتِ نَحْوًا مِنْ سِتِّ أَوْ سَبْعِ أذْرُعٍ، وأَحْرِزَ البَيْتَ الدَّاخِلَ عَشْرَ أذْرُعٍ، وأظُنُّ سُمْكَهُ بَيْنَ الثَّمَانِ والسَّبْعِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَوَقَفْتُ عِنْدَ بَابِ عَائِشَةَ، فَإِذَا هُوَ مُسْتَقْبِلٌ المَغْرِبَ (٢). ورَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ كَذَلِكَ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ هِلَالٍ: أَنَّهُ رَأَى حُجَرَ أزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ جَرِيدٍ مَسْتُورَةٍ بِمُسُوحِ الشَّعْرِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ بَيْتِ عَائِشَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ بَابُهُ مِنْ وِجْهَةِ الشَّامِ. فَقُلْتُ لَهُ: مِصْرَاعًا كَانَ أَوْ مِصْرَاعَيْنِ؟ قَالَ: كَانَ بَابًا وَاحِدًا. قُلْتُ: مِنْ أيِّ شَيْءٍ كَانَ؟ قَالَ: مِنْ عَرْعَرٍ أَوْ سَاجٍ (٣). وَكَانَتْ مَسَاكِنَ قَصِيرَةَ البِنَاءِ، فَقَدْ روى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ

стр. 766

بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵀ قَالَ: كُنْتُ أدْخُلُ بُيُوتَ أزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ في خِلَافَةِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵁، فَأَتَنَاوَلُ سَقْفُهَا بِيَدِي (١). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَذَلِكَ لِأَنَّ الحَسَنَ البَصْرِيَّ ﵀ كَانَ ضَخْمًا طِوَالًا (٢). وَقَدْ أُضِيفَتْ هَذِهِ البُيُوتُ إلى المَسْجِدِ بَعْدَ مَوْتِ أزْوَاجِ الرَّسُولِ ﷺ (٣). * تَوْسِعَةُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ: وَظَلَّ المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ عَلَى حَالِهِ الذِي بَنَاهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَثُرَ النَّاسُ وضَاقَ المَسْجِدُ، وذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، فَأَدْخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَرْضَ التِي اشْتَرَاهَا عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ ﵁ بِعِشْرِينَ أَلْفا أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا. أخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أشْرَفَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ ﵁، وهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ يُوَسِّعْ لَنَا بِهَذَا البَيْتِ في المَسْجدِ بِبَيْتٍ لَهُ

стр. 767

فِي الجَنَّةِ؟ "، فَابْتَعْتُهُ (١) مِنْ مَالِي فَوَسَّعْتُ بِهِ المَسْجِدَ (٢). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ الْأَحْنَفُ بنُ قَيْسٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ"، فَابْتَعْتُهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا أَوْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا؟ فَأَتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدِ ابْتَعْتُهُ، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : "اجْعَلْهُ في مَسْجِدِنَا وأَجْرُهُ لَكَ" (٣). وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ بَسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ ثُمَامَةَ بنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: . . . قَالَ عُثْمَانُ ﵁: . . . أَنْشُدُكُمُ اللَّه وَالْإِسْلَامَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ المَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ، فَيَزِيدُهَا في المَسْجدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا في الجَنَّةِ؟ " فَاشْترَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي (٤). * تَوْسِعَةُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ في زَمَنِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدِينَ: وظَلَّ المَسْجِدُ كَذَلِكَ مُدَّةَ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ

стр. 768

شَيْئًا، وَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁، وَسَّعَهُ وَزَادَ فِيهِ، وبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ باللَّبِنِ والجَرِيدِ، وأعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا (١). وَقَدْ نَهَى عُمَرُ ﵁ عَنْ زَخْرَفَةِ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْغِلُ النَّاسَ عَنْ صَلَاتِهِمْ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِه عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ -عِنْدَمَا أَمَرَ ببنَاءِ الْمَسْجِدِ-: أَكِنَّ (٢) النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ، فتَفْتِنَ النَّاسَ (٣). ثُمَ لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ ﵁ غَيَّرَهُ، وَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالحِجَارَةِ المَنْقُوشَةِ وَالقَصَّةِ (٤)، وجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَة مَنْقُوشَةٍ، وسَقْفَهُ مِنْ سَاجٍ (٥). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: زَادَهُ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ ﵁ مُتَأَوِّلًا

стр. 769

قَوْلَهُ ﷺ : "مَنْ بَنَى للَّهِ مَسْجِدًا كمِفْحَصِ (١) قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ" (٢). وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ المَوْجُودُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُغَيِّرُوهُ بَعْدَهُ، فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ قَوْلِ العُلَمَاءِ أَنَّ حُكْمَ الزِّيَادَةِ حُكْمَ المَزِيدِ، فتَدْخُلُ الزِّيَادَةُ في حُكْمِ سَائِرِ المَسْجِدِ مِنْ تَضْعِيفِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَشَدِّ الرِّحَالِ إلَيهِ (٣). * مَكَانَةُ المَسْجِدِ فِي الإِسْلَامِ: وَلَمْ يَكُنِ المَسْجِدُ مَوْضِعًا لِأَدَاءَ الصَّلَاةِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ جَامِعَةً يَتَلَقَّى فِيهَا المُسْلِمُونَ تَعَالِيمَ الإِسْلَامِ وَتَوْجِيهَاتِهِ، ومُنْتَدى تَلْتَقِي فِيهِ العَنَاصِرُ القَبَلِيَّةُ المُخْتَلِفَةُ التِي طَالَمَا نَافَرَتْ بَيْنَهَا النَّزعَاتُ الجَاهِلِيَّةُ وحُرُوبُهَا، وقَاعِدَةً لِإِدَارَةِ جَمِيعِ الشُّؤُونِ، وبَثِّ الِانْطِلَاقَاتِ، وبَرْلَمَانًا لِعَقْدِ المَجَالِسِ الِاسْتِشَارِيَّةِ والتَّنْفِيذِيَّةِ. وَكَانَ مَعَ هَذَا كُلِّهِ دَارًا يَسْكُنُ فِيهَا عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ

стр. 770

اللَّاجِئِينَ، الذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هُنَاكَ دَارٌ، وَلَا مَالٌ، وَلَا أهْلٌ، وَلَا بَنُونَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَالِسُهُمْ ويَأْنَسُ بِهِمْ، وكَانُوا يُسَمَّوْنَ أَهْلَ الصُّفَّةِ (١). قَالَ الشَّيْخُ محمَّد الغَزَالي ﵀: وتَمَّ بِنَاءُ المَسْجِدِ في حُدُودِ البَسَاطَةِ، فراشه الرمال والحصباء (٢)، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، ورُبَّمَا أمْطَرَتِ السَّمَاءُ فَأَوْحَلَتْ (٣) أرْضُهُ (٤)، وَقَدْ تَفْلُتُ الكِلَابُ إِلَيْهِ فَتَغْدُو وتَرُوحُ (٥)

стр. 771

هَذَا البِنَاءُ المُتَوَاضِعُ، هُوَ الذِي رَبَّى مَلَائِكَةَ البَشَرِ، ومُؤَدِّبِي الجَبَابِرَةِ، ومُلُوكَ الدَّارِ الآخِرَةِ. إِنَّ مَكَانَةَ المَسْجِدِ في المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ، تَجْعَلُهُ مَصْدَرَ التَّوْجِيهِ الرُّوحِيِّ والمَادِّيِّ، فَهُوَ سَاحَةٌ لِلْعِبَادَةِ، ومَدْرَسَةٌ لِلْعِلْمِ، ونَدْوَةٌ لِلْأَدَبِ، وَقَدِ ارْتَبَطَتْ بِفَرِيضَةِ الصَّلَاةِ وصُفُوفِهَا أخْلَاقٌ وتَقَالِيدُ هِيَ لُبَابُ الإِسْلامِ (١). * بِنَاءُ المِنْبَرِ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ مُسْتَنِدًا إلى جِذْعِ نَخْلَةٍ، فَلَمَّا كَثُرَ النَّاسُ -وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ- قَالَ لَهُ أصْحَاُبهُ: لَوِ اتَّخَذْتَ شَيْئًا تَقُومُ عَلَيْهِ إِذَا خَطَبْتَ حَتَّى يَرَاكَ النَّاسُ، فَأَمَرَ ببنَاءَ المِنْبَرِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ المِنْبَرُ، وقَامَ عَلَيْهِ حَنَّ (٢) ذَلِكَ الجِذْعُ إِلَيْهِ، وَسُمعَ لَهُ صِيَاحٌ كَصِيَاحِ الصَّبِيِّ، أَوْ صَوْتٌ كَصَوْتِ العِشَارِ (٣)، حَتَّى أتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ عَلَيْهِ فَسَكَنَ. رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحهِ عَنْ جَابرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ (٤)، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ

стр. 772

مِنَ الأَنْصَارِ -أَوْ رَجُلٌ (١) -: يَا رَسُولَ اللَّهِ ألَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا (٢)؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتُمْ" فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبرًا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ دُفِعَ إلى المِنْبَرِ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ، ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فضَمَّهُ إِلَيْهِ، تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الذِي يُسَكَّنُ. قَالَ: كَانَتْ تَبْكِي مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ عِنْدَهَا (٣). وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ جَابِرٌ: كَانَ المَسْجِدُ مَسْقُوفًا جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إلى جِذْعٍ مِنْهَا، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ المِنْبَرُ فَكَانَ عَلَيْهِ فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ العِشَارِ، حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، فَسَكَنَتْ (٤).

стр. 773

وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وابنُ مَاجَه والطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ؛ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ" (١). * قَوْلَةٌ جَمِيلةٌ للحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵀: رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ بِهَذا الحَدِيثَ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ، الخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَوْقًا إِلَيْهِ لِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إلى لِقَائِهِ (٢). * مَصِيرُ الجِذْعِ: رَوَى الدَّارِمِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ بريْدَةَ ﵁ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْجِذْعِ بَعْدَ أَنْ هَدَّأَهُ: "اخْتَرْ أَنْ أغْرِسَكَ في المَكَانِ الذِي كُنْتَ فِيهِ فتَكُونَ كَمَا كنْتَ -يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ جِذْعًا- وَإنْ شِئْتَ أَنْ أَغْرِسَكَ في الجَنَّةِ؛ فتَشْرَبَ مِنْ أنْهَارِهَا فَيَحْسُنُ نَبْتُكَ، وتُثْمِرُ، فَيَأْكُلُ مِنْكَ أوْلِيَاءُ اللَّهِ"، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اختَارَ أَنْ أغْرِسَهُ في الجَنَّةِ" (٣).

стр. 774

وعِنْدَ ابنِ مَاجَه، والطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: . . . فَلَمَّا هُدِمَ المَسْجِدُ وَغُيِّرَ، أَخَذْتُ ذَلِكَ الجِذْع، فَلَمْ يَزلْ عِنْدِي في بَيْتِي حَتَّى بَلِيَ، فَأَكَلَتْهُ الْأَرَضَةُ، وعَادَ رُفَاتًا (١). قَالَ الحَافِظُ: وَهَذَا -أيْ قَوْلُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ﵁ لَا يُنَافِي مِنْ أَنَّهُ دُفِنَ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ظَهَرَ بَعْدَ الهَدْمِ عِنْدَ التَّنْظِيفِ، فَأَخَذَهُ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ ﵁ (٢). * فَضَائِلُ المِنْبَرِ: جَاءَتْ أحَادِيثُ كَثِيرَةٌ في فَضْلِ هَذَا المِنْبَرِ فَمِنْ ذَلِكَ: مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَوَائِمُ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ (٣) في الجَنَّةِ" (٤). وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والنَّسَائيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ

стр. 775

عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مِنْبَرِي هَذَا عَلَى تُرْعَةٍ (١) مِنْ تُرَع الجَنَّةِ" (٢). وَروَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، ومِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي" (٣). قَالَ الْحَافِظُ في الفتْحِ: أَيْ كَرَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ في نُزُولِ الرَّحْمَةِ وَحُصُولِ السَّعَادَةِ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ مُلازَمَةِ حِلَقِ الذِّكْرِ لَا سِيَّمَا في عَهْدِهِ ﷺ فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بِغَيْرِ أَدَاةٍ، أَوِ الْمَعْنَى أَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهَا تُؤَدِّي إلى الْجَنَّةِ فَيَكُونُ مَجَازًا، أَوْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ رَوْضَةٌ حَقِيقِيَّةٌ بِأَنْ يَنتقِلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِعَيْنِهِ في الْآخِرَةِ إلى الْجَنَّةِ (٤).
следующие страницы →