← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38121

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت آل زهوي

ابن الجوزي

Полный текст (211 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة المحقق بسم الله الرّحمن الرحيم وبه أستعين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد؛ فهذا مصنّف ماتع هام، في مسألة أصولية عظيمة؛ مسألة النسخ في القرآن الكريم، صنفه الإمام الحافظ المفسّر الواعظ جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي- ﵀. ويعتبر هذا الكتاب من أهم المصنفات التي صنفت في هذا الباب، حيث اعتمد فيه المصنف على الآثار وأقوال الأئمة العلماء الواردة في هذا الباب، وأبدى رأيه في ما ادّعي أنه نسخ وهو ليس كذلك، مما تجده مفصلا في ثنايا هذا الكتاب. وقد تجلّى عملي في الكتاب، بأن ضبطت النص عن أصل مطبوع. وصحّحت ما فيه من الأخطاء بالمقارنة مع الأصول والمراجع. - خرجت أحاديثه وآثاره بشيء من الاختصار في أكثر الأحيان. - عزوت النصوص إلى قائليها بذكر المصادر والمراجع. - صنفت فهارس علمية للكتاب. هذا؛ وعلى الله قصد السبيل؛ فإن وفّقت فمنه التوفيق، وإن كانت الأخرى فلا حول ولا قوة إلا به. اللهم صلّ على محمد وعلى آله وصحبه وسلّم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتبه: أبو عبد الله العاملي السّلفي الداني بن منير آل زهوي الجية؛ منطقة جبل لبنان الموافق للسابع من شهر شوال عام: إحدى وعشرين وأربعمائة وألف

стр. 2

- المصنفات التي ألّفت في هذا الموضوع قبل أن أذكر ترجمة المصنف، أود أن أطلع القارئ الكريم على أهم ما صنّف في هذا الموضوع، مع التنبيه؛ أن المصنفات في الناسخ والمنسوخ، منها ما صنّف في نواسخ القرآن فقط، ومنها ما صنف في نواسخ الحديث، ومنها بالجمع بين الأمرين. ١ - «الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز وما فيه من الفرائض والسنن» لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت: ٢٢٤). وقد قام على تحقيقه: محمد بن صالح المديفر، وطبع بمكتبة الرشد بالرياض سنة (١٤١١). ٢ - «الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم» لأبي جعفر محمد بن أحمد بن إسماعيل الصفار المرادي النحوي المصري المعروف بأبي جعفر النحاس (ت: ٣٣٨). وقد طبع بمؤسسة الكتب الثقافية ببيروت، عن نسخة مصحّحة ومقروءة على العلامة أحمد بن الأمين الشنقيطي. وطبع بتحقيق: سليمان اللاحم في كلية أصول الدين في الرياض. ٣ - «الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ومعرفة أصوله واختلاف الناس فيه» للعلامة أبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي (ت: ٤٣٧). طبع بتحقيق: الدكتور أحمد حسن فرحات، بدار المنارة بجدة سنة ١٤٠٦. ٤ - «الناسخ والمنسوخ في القرآن» لعبد القاهر بن طاهر البغدادي (ت: ٤٢٩) نشر بمكتبة نزار مصطفى الباز بمكة المكرمة سنة (١٤١٨). ٥ - «الناسخ والمنسوخ» لقتادة (ت: ١١٧). ٦ - «ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه» لابن البارزي (ت: ٧٣٨). ٧ - «الناسخ والمنسوخ» للزهري (ت: ١٢٤). وهي ضمن كتاب «أربعة كتب في الناسخ والمنسوخ» طبعت بمؤسسة الرسالة، بتحقيق الدكتور حاتم صالح الضامن. ٨ - «صفوة الراسخ في علم المنسوخ والناسخ» لشمس الدين محمد بن أحمد الموصلي (ت: ٦٥٦) نشر بدار الجوزي بتحقيق: محمد بن صالح البراك. وغير ذلك مما صنف في هذا الباب، أتى عليها محقق كتاب «البرهان» الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي (٢/ ١٥٣ - ١٥٨).

стр. 3

ومن المعاصرين من ألّف في هذا، ولعل أهمها: ١ - «النسخ في القرآن الكريم» للدكتور مصطفى زيد، طبع بمصر سنة ١٩٦٣ م. ٢ - «نظرية النسخ في الشرائع السماوية» للدكتور شعبان محمد إسماعيل القاهرة، سنة ١٩٧٧ م. ٣ - «فتح المنان في نسخ القرآن» لعلي حسن العريض. مكتبة الخانجي بمصر ١٩٧٣ م.

стр. 4

ترجمة مختصرة للمصنف - اسمه ونسبه : هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر بن عبد الله بن القاسم بن النضر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق القرشي، البغدادي. - مولده : ولد ببغداد سنة ٥٠٨، وقيل: سنة ٥١٠. واختلف في سبب تسميته بابن الجوزي: فقيل: إن جده جعفر نسب إلى فرضة من فرض البصرة، يقال لها: جوزة. وقيل: منسوب إلى محلة بالبصرة، تسمى محلة الجوز. وقيل: كانت بداره في واسط جوزة، لم يكن بواسط جوزة سواها. وقال ابن خلكان: «الجوزي؛ بفتح الجيم، وسكون الواو بعدها زاي، نسبته إلى فرضة الجوز، وهو موضع مشهور، ورأيت أن جده كان من مشرعة الجوز، إحدى محال بغداد بالجانب الغربي». - نشأته وطلبه للعلم : كان والده ﵀ يعمل الصّفر (صناعة النحاس) بنهر القلابين، وقد توفي وهو صغير لم يتجاوز الثالثة من عمره، فكفلته أمه وعمته. فلما ترعرع حملته عمته إلى مجلس أبي الفضل بن ناصر، فاعتنى به وأسمعه الحديث. وحفظ القرآن الكريم، وقرأه على جماعة من أئمة القراء. وسمع الكتب الكبار؛ كالمسند وجامع الترمذي وصحيح البخاري وصحيح مسلم وتاريخ البغدادي وغيرها. وقرأ الفقه والخلاف والجدل والأصول على أبي بكر الدينوري والقاضي أبي يعلى وأبي حكيم النهرواني. وقرأ الأدب على أبي منصور الجواليقي، وتتبع مشايخ الحديث وحمل عنهم.

стр. 5

ولما توفي شيخه ابن الزاغوني سنة سبع وعشرين وخمسمائة كان قد احتلم؛ فطلب حلقة شيخه فلم يعطها لصغر سنه، وأخذها أبو علي الراذاني، فحضر ابن الجوزي بين يدي الوزير، وأورد فصلا في المواعظ، فأذن له في الجلوس في جامع المنصور. قال ابن الجوزي: «فتكلمت فيه، فحضر مجلسي أول يوم جماعة من أصحابنا الكبار من الفقهاء، منهم عبد الواحد بن سيف، وأبو علي القاضي، وأبو بكر بن عيسى وابن قثامى، وغيرهم. ثم تكلمت: في مسجد معروف وفي باب البصرة وبنهر المعسلي، فاتصلت المجالس، وقوي الزحام، وقوي اشتغالي بفنون العلوم». ومن ذلك الوقت اشتهر أمر أبي الفرج ابن الجوزي، وأخذ في التصنيف والجمع. وبورك له في عمره وعلمه، فروى الكثير، وسمع الناس منه أكثر من ستين سنة، وحدث بمصنفاته مرارا، وكانت أكثر علومه يستفيدها من الكتب. - وفاته : توفي ابن الجوزي في الثالث عشر من شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة (٥٩٧). مصادر الترجمة : «ذيل تاريخ بغداد» لابن الدبيثي (١٥/ ٢٣٨) و «سير أعلام النبلاء» (٢١/ ٣٦٥) و «العبر» (٤/ ٢٩٧) و «تذكرة الحفاظ» (٤/ ١٣٤٢) و «البداية والنهاية» (٨/ ٥٣١) و «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (١/ ٣٩٩) ومقدمة تحقيق «صيد الخاطر» للشيخ عامر علي ياسين، ففيه بحث نفيس عن عقيدة المصنف فارجع إليه لزاما.

стр. 6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة المؤلف حدّثنا الشيخ الإمام العالم الأوحد، شيخ الإسلام، وحبر الأمة، قدوة الأئمة، سيد العلماء؛ جمال الدين أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه. قال: الحمد لله على التوفيق، والشّكر لله على التّحقيق، وأشهد أن لا إله إلا هو شهادة سالك من الدليل أوضح طريق، ومنزّه له عما لا يجوز ولا يليق. وصلّى الله على أشرف فصيح، وأطرف منطيق، محمد أرفق نبي بأمته وألطف شفيق، وعلى أصحابه، وأزواجه وأتباعه إلى يوم الجمع والتفريق، وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد: فإن نفع العلم بدرايته لا بوراثته، وبمعرفة أغواره لا بروايته، وأصل الفساد الداخل على عموم العلماء تقليد سابقيهم، وتسليم الأمر إلى معظّميهم، من غير بحث عما صنّفوه، ولا طلب للدليل عما ألّفوه. وإني رأيت كثيرا من المتقدمين على كتاب الله بآرائهم الفاسدة، وقد دسّوا في تصانيفهم للتفسير أحاديث باطلة، وتبعهم على ذلك مقلّدوهم، فشاع ذلك وانتشر، فرأيت العناية بتهذيب علم الأغاليط من اللازم. وقد ألّفت كتابا كبيرا سميته: «بالمغني في التفسير» يكفي عن جنسه، وألّفت كتابا متوسط الحجم مقنعا في ذلك العلم، سمّيته: «زاد المسير». وجمعت كتابا دونه سمّيته «بتيسير التبيان في علم القرآن» واخترت فيه الأصوب من الأقوال، ليصلح للحفظ، واختصرته «بتذكرة الأريب في تفسير الغريب»، وأرجو أن تغني هذه المجموعات عن كتب التفسير، مع كونها مهذّبة عن خللها، سليمة من زللها. فصل ثم إني رأيت الذين وقع منهم التفسير صحيحا قد صدر عنهم ما هو أفظع، فآلمني؛ وهو الكلام في الناسخ والمنسوخ، فإنهم أقدموا على هذا العلم فتكلّموا

стр. 7

فيه وصنّفوه، وقالوا بنسخ ما ليس بمنسوخ. ومعلوم أن نسخ الشيء؛ رفع حكمه، وإطلاق القول برفع حكم آية لم يرفع جرأة عظيمة. ومن نظر في كتاب «الناسخ والمنسوخ» للسّدّي (١) رأى من التخليط العجائب، ومن قرأ في كتاب هبة الله المفسر (٢) رأى العظائم. وقد تداوله الناس لاختصاره، ولم يفهموا دقائق أسراره، فرأيت كشف هذه الغمة عن الأمة، ببيان إيضاح الصحيح، وهتك ستر القبيح، متعينا على من أنعم الله عليه بالرسوخ في العلم، وأطلعه على أسرار النقل، واستلب زمامه من أيدي التقليد، فسلّمه إلى يد الدليل، فلا يهوله قول معظّم، فكيف بكلام جاهل مبرسم. فصل وقد قدّمت أبوابا قبل الشروع في بيان الآيات، هي كالقواعد والأصول للكتاب، ثم أتيت بالآيات المدّعى عليها النسخ على ترتيب القرآن، إلا أني أعرضت عن ذكر آيات ادّعي عليها النسخ من حكاية لا تحصل إلا تضييع الزمان أفحش تضييع، كقول السدي: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [النساء: ٢] نسخها وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ [النساء: ٥] وقوله: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ [النساء: ٣٨] نسخها: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [التوبة: ٥٣] وقوله: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ [المائدة: ١٠٦] نسخها: أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [المائدة: ١٠٦] وقوله: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢] نسخها: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا [محمد: ١١] وقوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: ٤٥] نسخها: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢] في نظائر كثيرة لهذه الآيات. لا أدري أيّ الأخلاط الغالبة حملته على هذا التخليط. فلما كان مثل هذا

стр. 8

ظاهر الفساد، وريت عنه غيرة على الزمان أن يضيع، وإن كنت قد ذكرت مما يقاربه طرفا، لأنبه بمذكوره على مغفله. فصل ولما رأيت المصنّفين في هذا العلم قد تباينوا، فمنهم من أطال بما لا حاجة بمثل هذا التصنيف إليه، ومنهم من قلّد القائلين ولم يحكم على الاختلاف ببيان الصواب، ومنهم من نقص بحذف ما يحتاج إليه. وأنا أنبئك بهذا الكتاب متوسطا، وحذفت كثيرا من الأسانيد والطرق خوف الملل، والله ولي التوفيق.

стр. 9

الباب الأول باب بيان جواز النسخ والفرق بينه وبين البداء اتفق جمهور علماء الأمم على جواز النسخ عقلا وشرعا، وانقسم اليهود في ذلك ثلاثة أقسام (١): فالقسم الأول: قالوا: لا يجوز عقلا ولا شرعا، وزعموا أن النسخ هو عين البداء (٢). والقسم الثاني: قالوا: يجوز عقلا وإنما منع الشرع من ذلك، وزعموا أن موسى ﵇، قال: إن شريعته لا تنسخ من بعده، وإن ذلك في التوراة. ومن هؤلاء من قال: لا يجوز النسخ إلا في موضع واحد، وهو أنه يجوز نسخ عبادة أمر الله بها بما هو أثقل على سبيل العقوبة لا غير (٣). والقسم الثالث: قالوا: يجوز شرعا لا عقلا، واختلف هؤلاء في عيسى ومحمد صلى الله عليهما، فمنهم من قال: لم يكونا نبيّين لأنهما لم يأتيا بمعجزة، وإنما أتيا بما هو من جنس الشعوذة. ومنهم من قال: كانا نبيين صادقين، غير أنهما لم يبعثا بنسخ شريعة موسى ولا بعثا إلى بني إسرائيل إنما بعثا إلى العرب والأميين (٣). فصل وأما الدليل على جواز النسخ عقلا؛ فهو أن التكليف لا يخلو أن يكون

стр. 10

موقوفا على مشيئة المكلف أو على مصلحة المكلف، فإن كان الأول؛ فلا يمتنع أن يريد تكليف العباد عبادة في مدة معلومة ثم يرفعها ويأمر بغيرها. وإن كان الثاني؛ فجائز أن تكون المصلحة للعباد في فعل عبادة زمان دون زمان. ويوضح هذا أنه قد جاز في العقل تكليف عبادة متناهية كصوم يوم، وهذا تكليف انقضى بانقضاء زمان، ثم قد ثبت أن الله تعالى ينقل من الفقر إلى الغنى ومن الصحة إلى السقم، ثم قد رتب الحر والبرد والليل والنهار وهو أعلم بالمصالح وله الحكم. فصل والدليل على جواز النسخ شرعا؛ أنه قد ثبت أن من دين آدم ﵇ وطائفة من أولاده، جواز نكاح الأخوات وذوات المحارم والعمل في يوم السبت، ثم نسخ ذلك في شريعة موسى. وكذلك الشّحوم؛ كانت مباحة ثم حرّمت في دين موسى، فإن ادّعوا أن هذا ليس بنسخ؛ فقد خالفوا في اللفظ دون المعنى. فصل وأما قول من قال: لا يجوز النسخ إلا على وجه العقوبة فليس بشيء، لأنه إذا أجاز النسخ في الجملة جاز أن يكون للرفق بالمكلف، كما جاز للتشديد عليه. فصل وأما دعوى من ادّعى أن موسى ﵇ أخبر أن شريعته لا تنسخ؛ فمحال. ويقال: إن ابن الراوندي (١) علّمهم أن يقولوا: إن موسى قال: لا نبيّ بعدي. ويدل على ما قلنا؛ أنه لو صحّ قولهم لما ظهرت المعجزات على يد عيسى ﵇، لأن الله تعالى لا يصدق بالمعجزة من كذّب موسى، فإن أنكروا معجزة عيسى لزمهم ذلك في معجزة موسى، فإن اعترفوا ببعض معجزاته، لزمهم تكذيب من نقل عن موسى ﵇، لأنه قال: لا نبي بعدي. ومما يدلّ على كذبهم فيما ادّعوا؛ أن اليهود ما كانوا يحتجّون على نبينا محمد ﷺ بكل شيء.

стр. 11

وكان نبينا ﷺ مصدّقا لموسى ﵇، وحكم عليهم بالرّجم عملا بما في شريعة موسى (١) فهلّا احتجّوا عليه بذلك، ولو احتجّوا لشاع نقل ذلك، فدل على أنه قول ابتدع بعد نبينا محمد ﷺ . فصل وأما قول من قال: إن عيسى ومحمدا ﵉ كانا نبيين لكنهما لم يبعثا إلى بني إسرائيل؛ فتغفيل من قائله، لأنه إذا أقرّ بنبوة نبيّ فقد أقرّ بصدقه، لأن النبي لا يكذب، وقد كان عيسى ﵇ يخاطب بني إسرائيل، ونبينا ﷺ يقول: «بعثت إلى النّاس كافة» (٢) ويكاتب ملوك الأعاجم. فصل فأما الفرق بين النسخ والبداء، فذلك من وجهين: الأول: أن النسخ: تغيير عبادة أمر بها المكلّف، وقد علم الآمر حين الأمر أن لتكليف المكلف بها غاية ينتهي الإيجاب إليها ثم يرتفع بنسخها. والبداء: أن ينتقل الأمر عن ما أمر به وأراده دائما بأمر حادث، لا بعلم سابق. والثاني: أن سبب النسخ لا يوجب إفساد الموجب لصحّة الخطاب الأول، والبداء يكون سببه دالا على إفساد الموجب لصحّة الأمر الأول، مثل: أن يأمره بعمل يقصد به مطلوبا، فيتبين أن المطلوب لا يحصل بذلك الفعل، فيبدو له ما يوجب الرجوع عنه، وكلا الأمرين يدل على قصور في العلم، والحق منزّه عن ذلك (٣). ... الباب الثاني باب إثبات أن في القرآن منسوخا انعقد إجماع العلماء على هذا، إلا أنه قد شذّ من لا يلتفت إليه؛ فحكى أبو

стр. 12

جعفر النحّاس (١) أن قوما قالوا: ليس في القرآن ناسخ ولا منسوخ وهؤلاء قوم لا يقرّون، لأنهم خالفوا نص الكتاب وإجماع الأمة، قال الله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها [البقرة: ١٠٦]. [١]- وأخبرنا المبارك بن علي، قال: أخبرنا أحمد بن قريش، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس الورّاق، قال: بنا عبد الله بن داود، وقال: حدّثنا محمد بن عامر بن إبراهيم، عن أبيه، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد: ٣٩] قال: في الناسخ والمنسوخ. قال ابن أبي داود: وحدّثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدّثنا أبو صالح، قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ويقول: يبدل الله ما يشاء من القرآن، فينسخه ويثبت ما يشاء فلا يبدله، وما يبدل وما يثبت وكل ذلك في كتاب (٢). قال ابن أبي داود: وحدّثنا يونس بن حبيب، قال: حدّثنا أبو داود، وقال: حدّثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، في قوله: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ قال: ينسخ الآية بالآية فترفع، وعنده أم الكتاب، أصل الكتاب. قال: وحدّثنا علي بن حرب، ومصعب بن محمد ويعقوب بن سفيان، قالوا: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ قال: نزلت في الناسخ والمنسوخ. قال: وحدّثنا محمد بن الحسن قال: حدّثنا كثير بن يحيى، قال: حدّثنا أبي، قال: بنا يونس بن عبيد، وهشام بن حسان جميعا، عن محمد بن سيرين يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ يرفعه، ويثبت ما يشاء، فيدعه مقرا له.

стр. 13

قال: وحدّثنا موسى بن هارون، قال: حدّثنا الحسين قال: ثنا شيبان، عن قتادة مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ [آل عمران: ٧] قال: المحكمات الناسخ الذي يعمل به. قال: وحدّثنا محمد بن معمر: قال: ثنا روح، قال: حدّثنا الحسن بن علي بن عفان، عن عامر بن الفرات، عن أسباط، عن السدي يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ما يشاء من المنسوخ ويثبت من الناسخ. قال: وحدّثنا ... مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ قال: .... لم تنسخ. ورواه سفيان عن سلمة، عن الضحاك، قال: المحكمات؛ الناسخ. [٢]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال: أخبرنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ﵁ قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا وكيع، عن سلمة بن نبيط، عن الصحابة قال: المتشابه ما قد نسخ، والمحكمات ما لم ينسخ. وقال عمر بن الخطاب ﵁: أبي أعلمنا بالمنسوخ (١). ... الباب الثالث باب بيان حقيقة النسخ النسخ في اللغة على معنيين: الأول: الرفع والإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل إذا رفعت ظل الغداة بطلوعها وخلفه ضوؤها. ومنه قوله تعالى: فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ [الحج: ٥٢]. والثاني: تصوير مثل المكتوب في محل آخر، يقولون نسخت الكتاب، ومنه قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٩]. وإذا أطلق النسخ في الشريعة أريد به المعنى الأول، لأنه رفع الحكم الذي ثبت تكليفه للعباد إما بإسقاطه إلى غير بدل أو إلى بدل.

стр. 14

وقال شيخنا علي بن عبيد الله (١): الخطاب في التكليف على ضربين: أمر ونهي، فالأمر استدعاء الفعل، والنهي استدعاء الترك. واستدعاء الفعل يقع على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: ما يكون على سبيل الإلزام والانحتام، إما بكونه فرضا أو واجبا. ونسخ ذلك يقع على ثلاثة أوجه: الأول: أن يخرج من الوجوب إلى المنع، مثل ما كان التوجه إلى بيت المقدس واجبا ثم نسخ بالمنع منه (٢). والثاني: أن ينسخ من الوجوب إلى الاستحباب، مثل نسخ وجوب الوضوء لكل صلاة إلى أن جعل مستحبا. والثالث: أن ينسخ من الوجوب إلى الإباحة، مثل نسخ وجوب الوضوء مما غيرت النار إلى الجواز، فصار الوضوء منه جائزا. والضرب الثاني: استدعاء على سبيل الاستحباب، فهذا ينتقل إلى ثلاثة أوجه أيضا: الأول: أن ينتقل من الاستحباب إلى الوجوب، وذلك مثل الصوم في رمضان كان مستحبا فإن تركه وافتدى جاز، ثم نسخ ذلك بانحتامه في حق الصحيح المقيم. والثاني: أن ينسخ من الاستحباب إلى التحريم، مثل: نسخ اللطف بالمشركين وقول الحسنى لهم (٣)، فإنه نسخ بالأمر بقتالهم (٤).

стр. 15

والثالث: أن ينسخ من الاستحباب إلى الاباحة، مثل: نسخ استحباب الوصية للوالدين (١) بالإباحة (٢). والضرب الثالث: المباح؛ وقد اختلف العلماء هل هو مأمور به؟ والصحيح أنه مأذون فيه غير مأمور به (٣)، ويجوز أن يدخله النسخ عن وجه واحد وهو النسخ إلى التحريم، مثاله: أن الخمر مباحة ثم حرمت. وأما نسخ الإباحة إلى الكراهة؛ فلا يوجد، لأنه لا تناقض. فأما انتقال المباح إلى كونه واجبا فليس بنسخ، لأن إيجاب المباح إبقاء تكليف لا نسخ. وأما القسم الثاني من الخطاب: وهو النهي فهو يقع على ضربين: الأول: على سبيل التحريم؛ فهذا قد ينسخ بالإباحة، مثل تحريم الأكل على الصائم في الليل بعد النوم والجماع. والثاني: على سبيل الكراهة، لم يذكر له مثال. فصل فأما الأخبار فهي على ضربين: الأول: ما كان لفظه لفظ الخبر، ومعناه معنى الأمر كقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩] فهذا لاحق بخطاب التكليف في جواز النسخ عليه. والثاني: الخبر الخالص، فلا يجوز عليه، لأنه يؤدي إلى الكذب وذلك محال. وقد حكي جواز ذلك عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والسّدّي، وليس بشيء يعوّل عليه. وقال أبو جعفر النحاس: وهذا القول عظيم جدا يؤول إلى الكفر لأن قائلا لو قال: قام فلان ثم قال: لم يقم، فقال: نسخته لكان كاذبا. وقال ابن عقيل (٤): الأخبار لا يدخلها النسخ، لأن نسخ الأخبار كذب،

стр. 16

وحوشي القرآن من ذلك (١). فصل وقد زعم قوم: أن المستثنى ناسخ لما استثني منه، وليس هذا بكلام من يعرف ما يقول، لأن الاستثناء إخراج بعض ما شمله اللفظ، وليس ذلك بنسخ، وكذلك التخصيص (٢)، وقد يجوّزه بعض السلف؛ فيقول: هذه الآية نسخت هذه الآية؛ أي: نزلت بنسختها. ... الباب الرابع باب شروط النسخ الشروط المعتبرة في ثبوت النسخ خمسة: الشرط الأول: أن يكون الحكم في الناسخ والمنسوخ متناقضا ، بحيث لا يمكن العمل بهما جميعا، فإن كان ممكنا لم يكن أحدهما ناسخا للآخر، وذلك قد يكون على وجهين: الوجه الأول: أن يكون أحد الحكمين متناولا لما تناوله الثاني بدليل العموم، والآخر متناولا لما تناوله الأول بدليل الخصوص، فالدليل الخاص لا يوجب نسخ دليل العموم، بل يبين أنه إنما تناوله التخصيص لم يدخل تحت دليل العموم. والوجه الثاني: أن يكون كل واحد من الحكمين ثابتا في حال غير الحالة التي ثبت فيها الحكم الآخر، مثل تحريم المطلقة ثلاثا، فإنها محرمة على مطلقها في حال، وهي ما دامت خالية عن زوج وإصابة، فإذا أصابها زوج ثان ارتفعت الحالة الأولى، وانقضت بارتفاعها مدة التحريم، فشرعت في حالة أخرى حصل فيها حكم الإباحة

стр. 17

للزوج المطلق ثلاثا، فلا يكون هذا ناسخا، لاختلاف حالة التحريم والتحليل. والشرط الثاني: أن يكون الحكم المنسوخ ثابتا قبل ثبوت حكم الناسخ فذلك يقع بطريقين: أحدهما: من جهة النطق كقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً [الأنفال: ٦٦] وقوله: فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة: ١٨٧] ومثل قول النبي ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها» (١). والثاني: أن يعلم بطريق التاريخ، وهو أن ينقل بالرواية بأن يكون الحكم الأول ثبوته متقدما على الآخر، فمتى ورد الحكمان مختلفين على وجه لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك الآخر، ولم يثبت تقديم أحدهما على صاحبه بأحد الطريقين؛ امتنع ادّعاء النسخ في أحدهما. والشرط الثالث: أن يكون الحكم المنسوخ مشروعا ؛ أعني أنه ثبت بخطاب الشرع، فأما إن كان ثابتا بالعادة والتعارف لم يكن رافعه ناسخا، بل يكون ابتداء شرع، وهذا شيء ذكر عند المفسرين، فإنهم قالوا: كان الطلاق في الجاهلية لا إلى غاية، فنسخه قوله: الطَّلاقُ مَرَّتانِ [البقرة: ٢٢٩] وهذا لا يصدر ممن يفقه، لأن الفقيه يفهم أن هذا ابتداء شرع لا نسخ. والشرط الرابع: أن يكون ثبوت الحكم الناسخ مشروعا كثبوت المنسوخ فأما ما ليس بمشروع بطريق النقل، فلا يجوز أن يكون ناسخا للمنقول، ولهذا إذا ثبت حكم منقول لم يجز نسخه بإجماع ولا بقياس. والشرط الخامس: أن يكون الطريق الذي ثبت به الناسخ مثل الطريق الذي ثبت به المنسوخ أو أقوى منه، فأما إن كان دونه فلا يجوز أن يكون الأضعف ناسخا للأقوى. ... الباب الخامس باب ذكر ما اختلف فيه هل هو شرط في النسخ أم لا ؟ اتفق العلماء على جواز نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة، فأما نسخ القرآن بالسنة، فالسنة تنقسم قسمين:

стр. 18

القسم الأول: ما ثبت بنقل متواتر، كنقل القرآن، فهل يجوز أن ينسخ القرآن بمثل هذا؟ حكى فيه شيخنا علي بن عبيد الله روايتين عن أحمد، قال: والمشهور أنه لا يجوز (١)، وهو مذهب الثوري والشافعي. والرواية الثانية يجوز؛ وهو قول أبي حنيفة، ومالك (٢) قال: ووجه الأولى؛ قوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها [البقرة: ١٠٦] والسنة ليست مثلا للقرآن، وروى الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «كلامي لا ينسخ القرآن، ينسخ بعضه بعضا» (٣). ومن جهة المعنى؛ فإن السنة تنقص عن درجة القرآن فلا تقدم عليه. ووجه الرواية الثانية؛ قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] والنسخ في الحقيقة بيان مدة المنسوخ، فاقتضت هذه الآية قبول هذا البيان، قال: وقد نسخت الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [البقرة: ١٨٠] بقول النبي ﷺ : «لا وصية لوارث» (٤). ونسخ قوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة: ١٩١] بأمره ﵊، أن يقتل ابن خطل، وهو متعلّق بأستار الكعبة (٥). ومن جهة المعنى؛ أن السنة مفسرة للقرآن، وكاشفة لما يغمض من معناه، فجاز أن ينسخ بها. والقول الأول هو الصحيح، لأن هذه الأشياء تجري مجرى البيان للقرآن، لا

стр. 19

النسخ، وقد روى أبو داود السجستاني قال: سمعت أحمد بن حنبل ﵁ يقول: السنة تفسر القرآن، ولا ينسخ القرآن إلا القرآن. وكذلك قال الشافعي: إنما ينسخ الكتاب الكتاب، والسنة ليست ناسخة له (١). والقسم الثاني: الأخبار المنقولة بنقل الآحاد؛ فهذه لا يجوز بها نسخ القرآن (٢)، لأنها لا توجب العلم، بل تفيد الظن، والقرآن يوجب العلم، فلا يجوز ترك المقطوع به لأجل مظنون، وقد احتجّ من رأى جواز نسخ التواتر بخبر الواحد بقصة أهل قباء لما استداروا بقول واحد، فأجيب بأن قبلة بيت المقدس لم تثبت بالقرآن، فجاز أن تنسخ بخبر الواحد. فصل واتفق العلماء على جواز نسخ نطق الخطاب، واختلفوا في نسخ ما ثبت بدليل الخطاب وتنبيه وفحواه، فذهب عامة العلماء إلى جواز ذلك، واستدلوا بشيئين: أحدهما: أن دليل الخطاب دليل شرعي يجري مجرى النطق في وجوب العمل به فجرى مجراه في النسخ. والثاني: أنه قد وجد ذلك، فروى جماعة عن النبي ﷺ ، أنه قال: «الماء من الماء» (٣). وعملوا بدليل خطابه، فكانوا لا يغتسلون من التقاء الختانين، ثم نسخ ذلك بقوله ﵊: «إذا التقى الختان بالختان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل» (٤). وقد حكي عن جماعة من أهل الظاهر أنه لا يجوز نسخ ما ثبت بدليل الخطاب وفحواه، قالوا: لأن ذلك معلوم بطريق القياس، والقياس لا يكون ناسخا ولا منسوخا، وليس الأمر على ما ذكر، بل هو مفهوم من معنى النطق وتنبيهه. فصل واتفق العلماء على أن الحكم المأمور به إذا عمل به ثم نسخ بعد ذلك؛ أن النسخ يقع صحيحا جائزا.

стр. 20

واختلفوا؛ هل يجوز نسخ الحكم قبل العمل به؟ فظاهر كلام أحمد: جواز ذلك، وهو اختيار عامة أصحابنا، وكان أبو الحسن التميمي يقول: لا يجوز ذلك، وهو قول أصحاب أبي حنيفة. واحتجّ الأولون بأن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، ثم نسخ ذلك بالفداء قبل فعله. وأن النبي ﷺ فرض عليه وعلى أمته ليلة المعراج خمسون صلاة ثم نسخ ذلك بخمس صلوات. ومن جهة المعنى: فإن الأمر بالشيء يقع فيه تكليف الإيمان به والاعتقاد له، ثم تكليف العزم على فعله في الزمان الذي عين له، ثم إذا فعل على الوجه المأمور به، فجاز أن ينسخ قبل الأداء، لأنه لم يفقد من لوازمه غير الفعل، والنية نائبة عنه. واحتج من منع من ذلك؛ بأن الله تعالى إنما يأمر عباده بالعبادة لكونها حسنة، فإذا أسقطها قبل فعلها خرجت عن كونها حسنة، وخروجه قبل الفعل يؤدي إلى البداء. وهذا كلام مردود بما بينا من الإيمان والامتثال، والعزم يكفي في تحصيل المقصود من التكليف بالعبادة. ... الباب السادس باب فضيلة علم الناسخ والمنسوخ والأمر بتعلّمه [٣] (١) - أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الصريفيني قال: أخبرنا عمر بن إبراهيم الكتاني، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد البغوي، قال: بنا زهير بن حرب، قال حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، أن عليا ﵇ مرّ بقاصّ، فقال: أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: «هلكت وأهلكت».

стр. 21

[٤] (١) - أخبرنا محمد بن ناصر قال: أخبرنا علي بن الحسين بن أيوب، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن شاذان، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد، قال: حدّثنا أبو داود السجستاني، قال: حدّثنا حفص بن عمر، قال: حدّثنا شعبة، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: مرّ أمير المؤمنين علي ﵁ على قاصّ يقص فقال: تعلّمت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: «هلكت وأهلكت». [٥] (٢) - أخبرنا عبد الله بن علي المقري قال: أخبرنا أحمد بن ندار البقال، قال: أخبرنا محمد بن عمر بن بكير النجاب، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: بنا إبراهيم بن عبد الله البصري، قال: حدّثنا أبو عمر حفص بن عمر الضرير قال: أبنا حماد بن سلمة؛ أن عطاء بن السائب أخبرهم، عن أبي البختري الطائي، قال: أتى علي ﵇ على رجل في مسجد الكوفة وهو يقص، فقال: من هذا؟ قالوا: رجل يحدث، ثم أتى عليه يوما آخر فإذا هو يقص، فقال: من هذا؟ قالوا: رجل يحدث. فقال: اسألوه؛ يعرف الناسخ من المنسوخ. فسألوه؛ فقال: لا. فقال: إن هذا يقول: اعرفوني اعرفوني، أنا فلان ثم قال: لا تحدّث. [٦]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي، قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله البقال قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا عبد الملك بن عمرو، قال: حدّثنا يزيد- يعني ابن إبراهيم بن العلاء الغنوي-، أن سعيد بن أبي الحسن لقي أبا يحيى فقال: يا أبا يحيى: من الذي قال له علي ﵇ اعرفوني اعرفوني؟ فقال: إني أظنك عرفت أني أنا هو. قال: قال: ما عرفت أنك هو، قال: فإني أنا هو، مرّ بي وأنا قص بالكوفة، فقال: من أنت؟

стр. 22

فقلت: أنا أبو يحيى، قال: لست بأبي يحيى ولكنك اعرفوني، هل عرفت الناسخ من المنسوخ؟ قلت: لا. قال: هلكت وأهلكت، قال: فلم أعد بعد ذلك أقصّ على أحد. - قال أحمد: وبنا عبد الصمد، قال: أخبرنا القاسم بن الفضل، قال حدّثنا علي بن زيد، عن أبي يحيى قال: أتاني علي ﵇ وأنا أقص، قال: فذهبت أوسع له فقال: إني لم آتك لأجلس إليك، هل تعلم الناسخ من المنسوخ؟ قلت: لا. قال: «هلكت وأهلكت»، ما اسمك؟ قلت: أبو يحيى. قال: أنت أبو اعرفوني. [٧] (١) - أخبرنا المبارك بن علي الصيرفي قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس الوراق قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، قال: حدّثنا حجاج، قال: حدّثنا يزيد بن إبراهيم، قال: بنا إبراهيم بن العلاء الغنوي أبو هارون، عن سعيد بن أبي الحسن أنه لقي أبا يحيى المعرقب فقال له: من الذي قال له: اعرفوني اعرفوني؟ قال: يا سعيد؛ إني أنا هو. قال: ما عرفت أنك هو، قال: فإني أنا هو؛ مرّ بي عليّ ﵁ وأنا أقص بالكوفة، فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا أبو يحيى. فقال: لست بأبي يحيى، ولكنك اعرفوني اعرفوني، ثم قال: هل علمت الناسخ من المنسوخ؟ قلت: لا. قال: «هلكت وأهلكت». قال: فما عدت بعدها أقص على أحد. - قال ابن أبي داود: وحدّثنا محمد بن عثمان العجلي، قال: حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة قال: قال حذيفة: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة، رجل قد علم ناسخ القرآن من منسوخه، وأمير لا يجد في ذلك بدا أو أحمق متكلف. [٨] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله قال: أخبرنا علي بن محمد بن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال: حدّثنا

стр. 23

عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا وكيع، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك قال: مرّ ابن عباس على قاص، قال: تعرف الناسخ من المنسوخ، قال: لا. قال: هلكت وأهلكت. - قال أحمد: وحدّثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: أخبرني سليم، عن ابن عون، عن محمد قال: جهدت أن أعلم الناسخ من المنسوخ فلم أعلمه. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [البقرة: ٢٦٩] قال: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره وحرامه وحلاله، وأمثاله (١). ... الباب السابع باب أقسام المنسوخ المنسوخ من القرآن على ثلاثة أقسام: فالقسم الأول: ما نسخ رسمه وحكمه [٩] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن رهطا من أصحاب النبي ﷺ أخبروه؛ أنه قام رجل منهم من جوف الليل يريد أن

стр. 24

يفتتح سورة كان قد وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فأتى باب النبي ﷺ حين أصبح يسأل النبي ﷺ عن ذلك، وجاء آخر وآخر حتى اجتمعوا، فسأل بعضهم بعضا ما جمعهم، فأخبر بعضهم بعضا بشأن تلك السورة، ثم أذن لهم النبي ﷺ ، فأخبروه خبرهم، وسألوه عن السورة. فسكت ساعة، لا يرجع إليهم شيئا، ثم قال: «نسخت البارحة، فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه». [١٠] (١) - أخبرنا المبارك بن علي، أخبرنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أبنا أبو بكر محمد بن إسماعيل الوراق، قال: حدّثنا أبو بكر عبد الله بن أبي داود، قال: حدّثنا سليمان بن داود بن حماد قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن رجلا كانت معه سورة فقام من الليل يقرؤها، فلم يقدر عليها قال: فأصبحوا فأتوا رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا عنده، فقال بعضهم: يا رسول الله؛ قمت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا فلم أقدر عليها، وقال الآخر: ما جئت يا رسول الله إلا لذلك، وقال الآخر: وأنا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «إنها نسخت البارحة». - قال أبو بكر بن أبي داود: وحدّثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي، قال: أبنا عوان، قال: بنا حماد، قال: بنا علي بن زيد، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن أبي موسى قال: نزلت سورة مثل براءة، ثم رفعت، فحفظ منها: «إن الله يؤيد الدين بأقوام لا خلاق لهم، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (٢).

стр. 25

قال ابن أبي داود: وحدّثنا محمد بن عثمان العجلي قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا سيف، عن مجاهد قال: «إن الأحزاب كانت مثل البقرة أو أطول». قال ابن داود: وحدّثنا عباد بن يعقوب قال: أخبرنا شريك، عن عاصم، عن زر، قال: قال أبي بن كعب: كيف تقرأ سورة الأحزاب؟ قلت: سبعين أو إحدى وسبعين آية. قال: والذي أحلف به لقد نزلت على محمد ﷺ وإنها لتعادل البقرة أو تزيد عليها (١).

стр. 26

وقد روي عن ابن مسعود، ﵁، أنه قال: أنزلت على رسول الله ﷺ آية فكتبتها في مصحفي فأصبحت ليلة فإذا الورقة بيضاء، فأخبرت رسول الله ﷺ ، فقال: «أما علمت أن تلك رفعت البارحة». القسم الثاني: ما نسخ رسمه وبقي حكمه [١١] (١) - أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: أخبرنا أحمد بن

стр. 27

جعفر قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني إسحاق بن عيسى الطباع، قال: حدّثنا مالك بن أنس، قال: حدّثني ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، أن ابن عباس أخبره، قال: جلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذّن قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد؛ أيها الناس فإني قائل مقالة قد قدّر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن وعاها وعقلها فليحدّث بها حيث انتهت به راحلته، ومن لم يعها؛ فلا أحل له أن يكذب عليّ. إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها وعقلناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم في كتاب الله حق، على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف، ألا وإنا قد كنا نقرأ: «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم». أخرجاه في الصحيحين. وفي رواية ابن عيينة عن الزهري: وأيم الله لولا أن يقول قائل: زاد عمر في كتاب الله، لكتبتها في القرآن. [١٢] (١) - أخبرنا المبارك بن علي قال: أخبرنا أبو العباس بن قريش قال: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل الوراق، قال: حدّثنا ابن أبي داود، قال: حدّثنا عيسى بن حماد قال: أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب قال: «أيها الناس؛ قد سننت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتكم على الواضحة، أن لا تضلوا بالناس يمينا وشمالا، وآية الرجم لا تضلوا عنها، فإن رسول الله ﷺ قد رجم ورجمنا، وأنها قد أنزلت، وقرأناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، ولولا أن يقال: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي». - قال ابن أبي داود: وحدّثنا موسى بن سفيان، قال: حدّثنا عبد الله يعني ابن الجهم، قال: حدّثنا عمرو بن أبي قيس، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر؛ أن أبي بن كعب سأله: كم تقرأ هذه السورة؟ يعني الأحزاب. قال: إما ثلاثا

стр. 28

وسبعين وإما أربعا وسبعين، قال: «إن كنا لنقرأها كما نقرأ سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ فيها: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم» (١). - قال ابن أبي داود: وحدّثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدّثنا سعيد بن أبي مريم قال: أخبرنا نافع بن عمر، قال: حدّثني أن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة قال عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزله الله علينا: «أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة»، فإنا لا نجدها. قال: سقطت فيما أسقط من القرآن (٢). - قال: وحدّثنا محمد بن معمر، قال: حدّثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدّثني ابن أبي حميدة قال: أخبرتني حميدة، قال: أوصت لنا عائشة ﵂ بمتاعها فكان في مصحفها: «إن الله وملائكته يصلّون على النّبي، والذين يصلون الصّفوف الأولى» (٣). [١٣] (٤) - أخبرنا ابن الحصين قال: أخبرنا ابن المذهب، قال: وأخبرنا أحمد بن جعفر، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي قال: بنا

стр. 29

عبد الصمد، قال: حدّثنا همام قال: حدّثنا إسحاق، عن أنس ﵁؛ أن رسول الله ﷺ بعث حراما خاله في سبعين رجلا، فقتلوا يوم بئر معونة. فأنزل علينا فكان مما نقرأ، فنسخ؛ «أن بلغوا قومنا إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا». انفرد بإخراجه البخاري. فصل ومما نسخ رسمه واختلف في بقاء حكمه. [١٤] (١) - أخبرنا المبارك بن علي قال: أخبرنا أبو العباس بن قريش، قال: أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل الوراق قال: أبنا ابن أبي داود، قال: حدّثنا عبد الله بن سعد قال: حدّثني عمر، قال: حدّثني أبي، عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، ﵂، قالت: «لقد نزلت آية الرّجم ورضعات الكبير عشرا، وكانت في ورقة تحت سرير في بيتي، فلما اشتكى رسول الله ﷺ تشاغلنا بأمره، فدخلت دويبة لنا فأكلتها» تعني الشاة. قال ابن أبي داود: حدّثنا أبو الطاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخت بخمس رضعات معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ ، وهي مما يقرأ من القرآن (٢).

стр. 30

قلت: أما مقدار ما يحرم من الرضاع فعن أحمد بن حنبل ﵀ فيه ثلاث روايات: الأولى: رضعة واحدة، وبه قال أبو حنيفة ومالك أخذا بظاهر القرآن في قوله: وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ [النساء: ٢٣]، وتركا لذلك الحديث. والثانية: ثلاث، لقول النبي ﷺ : «لا تحرم المصة والمصتان» (١). والثالثة: خمس لما روينا في حديث عائشة. وتأولوا قوله: «وهي مما يقرأ من القرآن» أن الإشارة إلى قوله: وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وقالوا: لو كان يقرأ بعد وفاة رسول الله ﷺ ، لنقل إلينا نقل المصحف، ولو كان بقي من القرآن شيء لم ينقل لجاز أن يكون ما لم ينقل ناسخا لما نقل، فذلك محال (٢). ومما نسخ خطّه واختلف في حكمه؛ ما روى مسلم في أفراده عن عائشة ﵂؛ أنها أملت على كاتبها: «حافظوا على الصلوات، والصلاة الوسطى، وصلاة العصر، وقوموا لله قانتين» وقالت: سمعتها من رسول الله ﷺ (٣). وقد اختلف الناس في الصلاة الوسطى على خمسة أقوال بعدد الصلوات الخمس، وقد شرحنا ذلك في التفسير.

стр. 31

القسم الثالث: ما نسخ حكمه وبقي رسمه ؛ وله وضعنا هذا الكتاب، ونحن نذكره على ترتيب الآيات والسور، ونذكر ما قيل، ونبين صحة الصحيح وفساد الفاسد، إن شاء الله تعالى، وهو الموفّق بفضله. ... الباب الثامن باب ذكر السور التي تضمن الناسخ والمنسوخ، أو أحدهما، أو خلت عنهما زعم جماعة من المفسرين: أن السور التي تضمنت الناسخ والمنسوخ خمس وعشرون: سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، وإبراهيم، والنحل، ومريم، والأنبياء، والحج، والنور، والفرقان، والشعراء، والأحزاب، وسبأ، والمؤمن، والشورى، والذاريات، والطور، والواقعة، والمجادلة، والمزمل، والتكوير، والعصر. قالوا: والسور التي دخلها المنسوخ دون الناسخ أربعون: الأنعام، والأعراف، ويونس، وهود، والرعد، والحجر، وسبحان، والكهف، وطه، والمؤمنون، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، والملائكة، والصافات، وص، والزمر، والمصابيح (١)، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، وسورة محمد، وق، والنجم، والقمر، والممتحنة، ون (٢)، والمعارج، والمدثر، والقيامة، والإنسان، وعبس، والطارق، والغاشية، والتين، والكافرون. وقالوا: والسور التي اشتملت على الناسخ دون المنسوخ ست: الفتح، والحشر، والمنافقون، والتغابن، والطلاق، والأعلى. والسور الخاليات عن ناسخ ومنسوخ ثلاث وأربعون: سورة الفاتحة، ويوسف، ويس، والحجرات، والرحمن، والحديد، والصف، والجمعة، والتحريم، والملك، والحاقة، ونوح، والجن، والمرسلات، والنبأ، والنازعات، والانفطار، والمطففين، والانشقاق، والبروج، والفجر، والبلد، والشمس، والليل، والضحى، وأ لم نشرح، والقلم، والقدر، والانفكاك [البينة]، والزلزلة، والعاديات، والقارعة، والتكاثر، والهمزة، والفيل، وقريش، والدين، والماعون، والكوثر، والنصر، وتبت، والإخلاص، والفلق، والناس.

стр. 32

قلت: واضح بأن التحقيق في الناسخ والمنسوخ يظهر أن هذا الحصر تخريف من الذين حصروه، والله الموفق. ... الباب التاسع باب ذكر الآيات اللواتي ادّعي عليهنّ النسخ في سورة البقرة ذكر الآية الأولى : قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة: ٣] اختلف المفسرون في المراد بهذه النفقة على أربعة أقوال: الأول: أنها النفقة على الأهل والعيال، قاله ابن مسعود وحذيفة. والثاني: الزكاة المفروضة، قاله ابن عباس، وقتادة. والثالث: الصدقات النوافل، قاله مجاهد والضحاك. والرابع: أن الإشارة بها إلى نفقة كانت واجبة قبل الزكاة. ذكره بعض ناقلي التفسير، وزعموا: أنه كان فرض على الإنسان أن يمسك مما في يده قدر كفايته يومه وليلته ويفرق باقيه على الفقراء، ثم نسخ بآية الزكاة (١). وهذا قوله ليس بصحيح لأن لفظ الآية لا يتضمن ما ذكروا وإنما يتضمن مدح المنفق، والظاهر أنها تشير إلى الزكاة لأنها قرنت مع الإيمان بالصلاة. وعلى هذا؛ لا وجه للنسخ، وإن كانت تشير إلى الصدقات النوافل والحث عليها باق، والذي أرى ما بها مدح لهم على جميع نفقاتهم في الواجب والنفل، وقد قال أبو جعفر يزيد بن القعقاع: نسخت آية الزكاة كل صدقة كانت قبلها، ونسخ صوم رمضان كل صوم كان قبله. والمراد بهذا كل صدقة وجبت بوجود المال مرسلا كهذه الآية. ذكر الآية الثانية : قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا [البقرة: ٦٢] اختلف المفسرون في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أن المعنى: إن الذين آمنوا من هذه الأمة، والذين هادوا، وهم أتباع

стр. 33

موسى، والنصارى؛ وهم أتباع عيسى، والصابئون؛ الخارجون من الكفر إلى الإسلام، من آمن، أي: من دام منهم على الإيمان. والثاني: إن الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، والذين هادوا؛ وهم اليهود، والنصارى والصابئون؛ وهم كفار أيضا، من آمن؛ أي: من دخل في الإيمان بنية صادقة. والثالث: إن المعنى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٦٢] ومن آمن من الذين هادوا، فيكون قوله بعد هذا: من آمن راجعا إلى المذكورين مع الذين آمنوا، ومعناه: من يؤمن منهم. وعلى هذه الأقوال الثلاثة لا وجه لادّعاء نسخ هذه الآية. وقد قيل: إنها منسوخة بقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥]. [١٥] (١) - فأخبرنا المبارك بن علي الصيرفي قال: أخبرنا أحمد بن الحسن بن قريش، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل الوراق، قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدّثنا يعقوب بن سفيان قال: حدّثنا أبو صالح، قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ الآية. قال: فأنزل الله تعالى بعد هذه الآية وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ. قلت: فكأنه أشار بهذا إلى النسخ وهذا القول لا يصح لوجهين (٢): الأول: أنه إن أشير بقوله: وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى إلى من كان تابعا لنبيه قبل أن يبعث النبي الآخر، فأولئك على الصواب. وإن أشير إلى من كان في زمن نبينا ﷺ ، فإن من ضرورة من لم يبدل دينه ولم يحرف أن يؤمن بمحمد ﷺ ويتبعه. والثاني: أن هذه الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ. ذكر الآية الثالثة : قوله تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ [البقرة: ٨١].

стр. 34

جمهور المفسرين على أن المراد بالسيئة الشرك (١)، ولا يتوجه على هذا القول نسخ أصلا، وقد روى السّدّي عن أشياخه: أن المراد بالسيئة الذنب من الذنوب التي وعد الله تعالى عليها النار (٢). فعلى هذا يتوجه النسخ بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ١١٦] على أنه يجوز أن يحمل ذلك، على من أتى السيئة مستحلا فلا يكون نسخا (٣). ذكر الآية الرابعة : قوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة: ٨٣] اختلف المفسرون في المخاطبين بهذا على قولين: الأول: أنهم اليهود، والتقدير: من سألكم عن شأن محمد ﷺ فاصدقوه وبينوا له صفته ولا تكتموا أمره، قاله ابن عباس، وابن جبير، وابن جريج، ومقاتل (٤). والثاني: أمة محمد ﷺ . ثم اختلف أرباب هذا القول، فقال الحسن: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر (٥). وقال أبو العالية: وقولوا للناس معروفا (٦). وقال محمد بن علي بن الحسين: كلّموهم بما تحبون أن يقولوا لكم، فعلى هذا الآية محكمة. وذهب قوم إلى أن المراد بذلك: مساهلة المشركين في دعائهم إلى الإسلام، فالآية عند هؤلاء منسوخة بآية السيف. وهذا قول بعيد؛ لأن لفظ الناس عام فتخصيصه بالكفار يفتقر إلى دليل، ولا دليل هاهنا، ثم إن إنذار الكفار من الحسنى (٧). ذكر الآية الخامسة : قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا [البقرة: ١٠٤] قال

стр. 35

المفسرون: كانت هذه الكلمة لغة في الأنصار، وهي من راعيت الرجل إذا تأملته وتعرفت أحواله، ومنه قولهم: أرعني سمعك. وكانت الأنصار تقولها لرسول الله ﷺ ، وهي بلغة اليهود سبّ بالرعونة، وكانوا يقولونها له وينوون بها السب، فنهى الله سبحانه المؤمنين عن قولها لئلا يقولها اليهود، وأمرهم أن يجعلوا مكانها أنظرنا (١). وقرأ الحسن والأعمش وابن المحيصن (راعنا) بالتنوين فجعلوه مصدرا، أي: لا تقولوا رعونة (٢). وقرأ ابن مسعود: (لا تقولوا راعونا) على الأمر بالجماعة، كأنه نهاهم أن يقولوا ذلك فيما بينهم، والنهي في مخاطبة النبي بذلك أولى. وهذه الآية قد ذكروها في المنسوخ، ولا وجه لذلك بحال، ولولا إيثاري ذكر ما ادّعي عليه النسخ لم أذكرها. قال أبو جعفر النحاس: هي ناسخة لما كان مباحا قبله. قلت: وهذا تحريف في القول، لأنه إذا نهى عن شيء لم تكن الشريعة أتت به لم يسم النهي نسخا. ذكر الآية السادسة : قوله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة: ١٠٩] قال المفسرون: أمر الله بالعفو والصفح عن أهل الكتاب قبل أن يؤمر بقتالهم، ثم نسخ العفو والصفح بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة: ٢٩] هذا مروي عن ابن مسعود، وابن عباس ﵄ وغيرهما (٣). [١٦] (٤) - أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري قال: أخبرنا علي بن الفضل، قال: أخبرنا عبد الصمد، قال: أخبرنا ابن حموية، قال: أخبرنا إبراهيم بن حريم، قال ابن عبد الحميد، قال: بنا مسلم بن إبراهيم؛ وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أخبرنا أبو الفضل البقال، قال: ابنا ابن بشران قال: أخبرنا إسحاق الكاذي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا عبد الصمد، كلاهما عن همام بن يحيى، عن قتادة قال: أمر الله نبيه أن يعفو

стр. 36

عنهم ويصفح، حتى يأتي الله بأمره، فأنزل في براءة قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩] فنسخها بهذه الآية، وأمره فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا، أو يقروا بالجزية. قال أحمد: وحدّثنا عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا [البقرة: ١٠٩] نسختها: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]. [١٧] (١) - أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا علي بن أيوب قال: أخبرنا ابن شاذان، قال: أخبرنا أبو بكر النجاد، قال: أخبرنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد المروزي، قال أخبرنا آدم بن أبي إياس، قال: حدّثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا قال: نسخ بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية. فصل واعلم أن تحقيق الكلام دون التحريف فيه أن يقال: إن هذه الآية ليست بمنسوخة، لأنه لم يأمر بالعفو مطلقا، وإنما أمر به إلى غاية، وبيّن الغاية بقوله: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة: ١٠٩] وما بعد الغاية يكون حكمه مخالفا لما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون أحدهما ناسخا للآخر، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته والآخر محتاجا إلى حكم آخر، وقد ذهب إلى ما قالته جماعة من فقهاء المفسرين وهو الصحيح، وهذا إذا قلنا: إن المراد العفو عن قتالهم، وقد قال الحسن: هذا فيما بينكم وبينهم دون ترك حق الله تعالى حتى يأتي الله بالقيامة. وقال غيره: بالعقوبة، فعلى هذا يكون الأمر بالعفو محكما لا منسوخا. ذكر الآية السابعة : قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥]. اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية على ثمانية أقوال: القول الأول: أنها نزلت في اشتباه القبلة

стр. 37

[١٨] (١) - أخبرنا أبو بكر بن حبيب قال: أخبرنا علي بن الفضل، قال أخبرنا

стр. 38

محمد بن عبد الصمد، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن حريم قال: حدّثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا أشعث بن سعيد قال: حدّثنا عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة في ليلة سوداء مظلمة، فلم نعرف القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ. وروى جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة: القبلة هاهنا، فصلوا وخطوا خطا، وقال بعضهم هاهنا، فصلوا وخطوا خطا، فلما أصبحنا أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فسكت، فأنزل الله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (١).

стр. 39

قلت: وهذا الحكم باق عندنا، وإن من اشتبهت عليه القبلة فصلّى بالاجتهاد فصلاته صحيحة مجزية، وهو قول سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة. وللشافعي قولان: الأول: كمذهبنا. والثاني: يجب الإعادة، وقال الحسن والزهري وربيعة: يعيد في الوقت، فإذا فات الوقت لم يعد، وهو قول مالك. القول الثاني: أن المراد بالآية صلاة التطوع [١٩] (١) - أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: بنا علي بن الفضل، قال: أخبرنا ابن عبد الصمد، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حموية قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: حدّثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدّث عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يصلّي على راحلته تطوعا أينما توجهت به، وهو جاء من مكة إلى المدينة، ثم قرأ ابن عمر: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فقال ابن عمر ﵁: في هذا أنزلت الآية. القول الثالث: أن رسول الله ﷺ لما صلّى على النجاشي، قال أصحاب رسول الله ﷺ : كيف نصلّي على رجل مات وهو يصلي على غير قبلتنا؟ وكان يصلي إلى بيت المقدس حتى مات، وقد صرفت القبلة إلى الكعبة، فنزلت هذه الآية. رواه عطاء، عن ابن عباس ﵄ (٢). القول الرابع: أن المراد بالآية: أينما كنتم من شرق أو غرب فاستقبلوا الكعبة، قاله مجاهد (٣).

стр. 40

القول الخامس: أن اليهود لما تكلموا حين صرفت القبلة إلى الكعبة نزلت هذه الآية، ومعناها: لا تلتفتنّ إلى اعتراض اليهود بالجهل، وإن المشرق والمغرب لله يتعبدكم بالصلاة إلى مكان ثم يصرفكم عنه كما يشاء. ذكره أبو بكر بن الأنباري، وقد روى معناه عن ابن عباس ﵄. القول السادس: أنه ليس المراد بالصلاة وحدها وإنما معنى الآية من أي وجه قصدتم الله وعلى أي حال عبدتموه علم ذلك وأثابكم عليه. والعرب تجعل الوجه بمعنى القصد، قال الشاعر: أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل معناه: إليه القصد والتقدم. ذكره محمد بن القاسم أيضا. القول السابع: أن معنى الآية أينما كنتم من الأرض فعلم الله بكم محيط لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. ذكره ابن القاسم أيضا، وعلى هذه الأقوال الآية محكمة. القول الثامن: ذكر أربابه أنها منسوخة، فروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة، قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥] فاستقبل رسول الله ﷺ بصلاته صخرة بيت المقدس فصلّى إليها، وكانت قبلة اليهود، ليؤمنوا به وليتبعوه وليدعوا بذلك الأميين من العرب، فنسخ ذلك وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٥٠]. [٢٠] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي قال: ابنا أبو الفضل عمر بن عبيد الله البقال قال: ابنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران، قال: ابنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: بنا عبد الله بن حنبل، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني حجاج بن محمد، قال: ابنا ابن جريح، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما نسخ من القرآن- فيما ذكر لنا والله أعلم- شأن القبلة، قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فاستقبل رسول الله ﷺ فصلّى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق فقال: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [البقرة: ١٤٢] يعنون بيت
следующие страницы →