← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38121

نواسخ القرآن = ناسخ القرآن ومنسوخه ت آل زهوي

ابن الجوزي

Полный текст (211 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عنهم ويصفح، حتى يأتي الله بأمره، فأنزل في براءة قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩] فنسخها بهذه الآية، وأمره فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا، أو يقروا بالجزية. قال أحمد: وحدّثنا عبد الرزاق، قال: حدّثنا معمر، عن قتادة فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا [البقرة: ١٠٩] نسختها: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]. [١٧] (١) - أخبرنا ابن ناصر، قال: أخبرنا علي بن أيوب قال: أخبرنا ابن شاذان، قال: أخبرنا أبو بكر النجاد، قال: أخبرنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد المروزي، قال أخبرنا آدم بن أبي إياس، قال: حدّثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا قال: نسخ بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية. فصل واعلم أن تحقيق الكلام دون التحريف فيه أن يقال: إن هذه الآية ليست بمنسوخة، لأنه لم يأمر بالعفو مطلقا، وإنما أمر به إلى غاية، وبيّن الغاية بقوله: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [البقرة: ١٠٩] وما بعد الغاية يكون حكمه مخالفا لما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون أحدهما ناسخا للآخر، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته والآخر محتاجا إلى حكم آخر، وقد ذهب إلى ما قالته جماعة من فقهاء المفسرين وهو الصحيح، وهذا إذا قلنا: إن المراد العفو عن قتالهم، وقد قال الحسن: هذا فيما بينكم وبينهم دون ترك حق الله تعالى حتى يأتي الله بالقيامة. وقال غيره: بالعقوبة، فعلى هذا يكون الأمر بالعفو محكما لا منسوخا. ذكر الآية السابعة : قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥]. اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية على ثمانية أقوال: القول الأول: أنها نزلت في اشتباه القبلة

стр. 37

[١٨] (١) - أخبرنا أبو بكر بن حبيب قال: أخبرنا علي بن الفضل، قال أخبرنا

стр. 38

محمد بن عبد الصمد، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن حريم قال: حدّثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا أشعث بن سعيد قال: حدّثنا عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة في ليلة سوداء مظلمة، فلم نعرف القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ. وروى جابر بن عبد الله قال: بعث رسول الله ﷺ سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة: القبلة هاهنا، فصلوا وخطوا خطا، وقال بعضهم هاهنا، فصلوا وخطوا خطا، فلما أصبحنا أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فسكت، فأنزل الله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ (١).

стр. 39

قلت: وهذا الحكم باق عندنا، وإن من اشتبهت عليه القبلة فصلّى بالاجتهاد فصلاته صحيحة مجزية، وهو قول سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والشعبي، والنخعي، وأبي حنيفة. وللشافعي قولان: الأول: كمذهبنا. والثاني: يجب الإعادة، وقال الحسن والزهري وربيعة: يعيد في الوقت، فإذا فات الوقت لم يعد، وهو قول مالك. القول الثاني: أن المراد بالآية صلاة التطوع [١٩] (١) - أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: بنا علي بن الفضل، قال: أخبرنا ابن عبد الصمد، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حموية قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: حدّثنا عبد الحميد، قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدّث عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ يصلّي على راحلته تطوعا أينما توجهت به، وهو جاء من مكة إلى المدينة، ثم قرأ ابن عمر: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فقال ابن عمر ﵁: في هذا أنزلت الآية. القول الثالث: أن رسول الله ﷺ لما صلّى على النجاشي، قال أصحاب رسول الله ﷺ : كيف نصلّي على رجل مات وهو يصلي على غير قبلتنا؟ وكان يصلي إلى بيت المقدس حتى مات، وقد صرفت القبلة إلى الكعبة، فنزلت هذه الآية. رواه عطاء، عن ابن عباس ﵄ (٢). القول الرابع: أن المراد بالآية: أينما كنتم من شرق أو غرب فاستقبلوا الكعبة، قاله مجاهد (٣).

стр. 40

القول الخامس: أن اليهود لما تكلموا حين صرفت القبلة إلى الكعبة نزلت هذه الآية، ومعناها: لا تلتفتنّ إلى اعتراض اليهود بالجهل، وإن المشرق والمغرب لله يتعبدكم بالصلاة إلى مكان ثم يصرفكم عنه كما يشاء. ذكره أبو بكر بن الأنباري، وقد روى معناه عن ابن عباس ﵄. القول السادس: أنه ليس المراد بالصلاة وحدها وإنما معنى الآية من أي وجه قصدتم الله وعلى أي حال عبدتموه علم ذلك وأثابكم عليه. والعرب تجعل الوجه بمعنى القصد، قال الشاعر: أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل معناه: إليه القصد والتقدم. ذكره محمد بن القاسم أيضا. القول السابع: أن معنى الآية أينما كنتم من الأرض فعلم الله بكم محيط لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. ذكره ابن القاسم أيضا، وعلى هذه الأقوال الآية محكمة. القول الثامن: ذكر أربابه أنها منسوخة، فروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة، قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥] فاستقبل رسول الله ﷺ بصلاته صخرة بيت المقدس فصلّى إليها، وكانت قبلة اليهود، ليؤمنوا به وليتبعوه وليدعوا بذلك الأميين من العرب، فنسخ ذلك وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٥٠]. [٢٠] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي قال: ابنا أبو الفضل عمر بن عبيد الله البقال قال: ابنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران، قال: ابنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: بنا عبد الله بن حنبل، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني حجاج بن محمد، قال: ابنا ابن جريح، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما نسخ من القرآن- فيما ذكر لنا والله أعلم- شأن القبلة، قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فاستقبل رسول الله ﷺ فصلّى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى البيت العتيق فقال: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [البقرة: ١٤٢] يعنون بيت

стр. 41

المقدس، فنسخها وصرف إلى البيت العتيق فقال: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ. قال أحمد بن حنبل: وحدّثنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال: كانوا يصلون نحو بيت المقدس ونبي الله بمكة وبعدها هاجر رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا، ثم وجهه الله تعالى بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام (١). قال أحمد: وبنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: بنا همام قال: بنا قتادة: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال: وكانوا يصلون نحو بيت المقدس ثم وجهه الله نحو الكعبة. وقال : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤] فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من قبلة. [٢١]- أخبرنا محمد بن عبد الله العامري، قال: ابنا علي بن الفضل، قال: ابنا محمد بن عبد الصمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: بنا يونس، عن شيبان، عن قتادة فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة: ١١٥] قال: نسخ هذا بعد ذلك، فقال الله : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. قلت: وهذا قول أبي العالية والسدي. فصل واعلم: أن قوله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ليس فيه أمر بالتوجه إلى بيت المقدس ولا إلى غيره، بل هو دال على أن الجهات كلها سواء في جواز التوجه إليها. فأما التوجه إلى بيت المقدس فاختلف العلماء؛ هل كان برأي النبي ﷺ واجتهاده، أو كان عن وحي؟ فروي عن ابن عباس وابن جريج أنه كان عن أمر الله تعالى، لقوله : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ [البقرة: ١٤٣]. [٢٢]- وأخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن العباس،

стр. 42

قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمد بن الحسين قال: بنا كثير بن يحيى قال: بنا أبي، قال: بنا أبو بكر الهدبي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قالت اليهود: إن محمدا مخالف لنا في كل شيء فلو تابعنا على قبلتنا، أو على شيء تابعناه، فظن النبي ﷺ أن هذا منهم جد، وعلم الله منهم الكذب، وأنهم لا يفعلون فأراد الله أن يبين ذلك لنبيه ﷺ فقال: إذا قدمت المدينة فصلّ قبل بيت المقدس، ففعل ذلك رسول الله ﷺ ، فقالت اليهود: قد تابعنا على قبلتنا ويوشك أن يتابعنا على ديننا، فأنزل الله : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ فقد علمنا أنهم لا يفعلون، ولكن أردنا أن نبين ذلك لك. وقال الحسن وعكرمة وأبو العالية والربيع: بل كان برأيه واجتهاده. وقال قتادة: كان الناس يتوجهون إلى أي جهة شاءوا، بقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ثم أمرهم النبي ﷺ باستقبال بيت المقدس. وقال ابن زيد: كانوا ينحون أن يصلوا إلى قبلة شاءوا، لأن المشارق والمغارب لله، وأنزل الله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فقال النبي ﷺ : «هؤلاء يهود قد استقبلوا بيتا من بيوت الله- يعني بيت المقدس- فصلوا إليه» فصلّى رسول الله ﷺ وأصحابه بضعة عشر شهرا، فقالت اليهود: ما اهتدى لقبلته حتى هديناه، فكره النبي ﷺ قولهم ورفع طرفه إلى السماء فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ (١) [البقرة: ١٤٤]. [٣٢]- أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا محمد بن إسماعيل الوراق، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمد بن أيوب قال: بنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: بنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: حدّثني أبو العالية: أن نبيّ الله خيّر بين أن يوجه حيث يشاء، فاختار بيت المقدس، لكي يتألف أهل الكتاب، ثم وجهه الله إلى البيت الحرام. واختلف العلماء في سبب اختياره بيت المقدس على قولين: الأول: أن العرب لما كانت تحج ولم تألف بيت المقدس، أحب الله امتحانهم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه، كما قال تعالى:

стр. 43

وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وهذا قول الزجاج. والثاني: أنه اختاره ليتألف أهل الكتاب، قاله: أبو جعفر بن جرير الطبري. قلت: فإذا ثبت أن رسول الله ﷺ اختار بيت المقدس فقد وجب استقباله بالسنة، ثم نسخ ذلك بالقرآن. والتحقيق في هذه الآية أنها أخبرت أن الإنسان أين تولى بوجهه فثم وجه الله، فيحتاج مدّعي نسخها أن يقول: فيها إضمار، تقديره: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [البقرة: ١٥٠] في الصلاة أين شئتم ثم نسخ ذلك المقدر، وفي هذا بعد، والصحيح إحكامها. ذكر الآية الثامنة : قوله تعالى: وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ [البقرة: ١٣٩] قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الكلام اقتضى نوع مساهلة للكفار ثم نسخ بآية السيف، ولا أرى هذا القول صحيحا، لأربعة أوجه: الأول: أن معنى الآية: أتخاصموننا في دين الله؟ وكانوا يقولون: نحن أولى بالله منكم، لأننا أبناء الله وأحباؤه، ومنا كانت الأنبياء، وهو ربنا وربكم؛ أي: نحن كلنا في حكم العبودية سواء، فكيف يكونون أحق به؟ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ أي لا اختصاص لأحد به إلا من جهة الطاعة والعمل، وإنما يجازي كل منا بعمله، ولا تنفع الدعاوي وعلى هذا البيان لا وجه للنسخ. والثاني: أنه خبر خارج مخرج الوعيد والتهديد. والثالث: أنا قد علمنا أعمال أهل الكتاب وعليها أقررناهم. والرابع: أن المنسوخ ما لا يبقى له حكم، وحكم هذا الكلام لا يتغير فإن كل عامل له جزاء عمله، فلو ورد الأمر بقتالهم لم يبطل تعلق أعمالهم بهم. ذكر الآية التاسعة : قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨]. قد ذكر عن بعض المفسرين أنه قال: معنى الآية فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. قال: ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة: ١٣٠] والسعي بينهما من ملة إبراهيم. قلت: وهذا قول مردود، لا يصلح الالتفات إليه، لأنه يوجب إضمارا في الآية، ولا يحتاج إليه، وإن كان قد قرئ به فإنه مروي عن ابن مسعود، وأبي بن

стр. 44

كعب، وابن جبير، وابن سيرين، وميمون بن مهران أنهم قرءوا فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ [البقرة: ١٥٨]، ولهذه القراءة وجهان: الأول: أن تكون دالة على أن السعي بينهما لا يجب. والثاني: أن يكون «لا» صلة. كقوله: ما منعك أن لا تسجد، فيكون معناه معنى القراءة المشهورة، وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن السعي من أركان الحج، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو واجب يجزي عنه الدم. والصحيح في سبب نزول هذه الآية. [٢٤] (١) - ما أخبرنا به أبو بكر بن حبيب، قال: ابنا علي بن الفضل، قال: ابنا محمد بن عبد الصمد، قال: ابنا ابن حموية، قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: ابنا عبد الحميد، قال: ابنا عبد الوهاب بن عطاء، عن داود، عن عامر، قال: كان على الصفا وثن يدعى أساف، ووثن على المروة يدعى نائلة، وكان أهل الجاهلية يسعون بينهما ويمسحون الوثنين، فلما جاء الإسلام أمسك المسلمون عن السعي بينهما فنزلت هذه الآية. قلت: فقد بان بهذا أن المسلمين إنما امتنعوا عن الطواف لأجل الصنمين، فرفع الله الجناح عمن طاف بينهما، لأنه إنما يقصد تعظيم الله تعالى بطوافه دون الأصنام. ذكر الآية العاشرة : قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى إلى قوله: اللَّاعِنُونَ [البقرة: ١٥٩] قد زعم قوم من القراء الذين قل حظهم من علم العربية والفقه أن هذه الآية منسوخة بالاستثناء بعدها، ولو كان لهم نصيب من ذلك، لعلموا أن الاستثناء ليس بنسخ، وإنما هو إخراج بعض ما شمله اللفظ، وينكشف هذا من وجهين: الأول: أن الناسخ والمنسوخ لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك العمل بالآخر، وهاهنا يمكن العمل بالمستثنى والمستثنى منه. والثاني: أن الجمل إذا دخلها الاستثناء بثبت أن المستثنى لم يكن

стр. 45

مرادا دخوله في الجملة السابقة، وما لا يكون مرادا باللفظ الأول لا يدخل عليه النسخ. ذكر الآية الحادية عشر : قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ [البقرة: ١٧٣]. ذهب جماعة من مفسّري القرآن إلى أن أول هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [البقرة: ١٧٣]. وزعم بعضهم أنه إنما نسخ منها حكم الميتة والدم، بقول النبي ﷺ : «أحلّت لنا ميتتان ودمان؛ السمك والجراد، والكبد والطحال» (١). وكلا القولين باطل، لأن الله تعالى استثنى من التحريم حال الضرورة، والنبي ﷺ استثنى بالتخصيص ما ذكره في الحديث ولا وجه للنسخ بحال.

стр. 46

ذكر الآية الثانية عشر : قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى [البقرة: ١٧٨] ذهب بعض المفسرين إلى أن دليل خطاب هذه الآية منسوخ، لأنه لما قال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ اقتضى أن لا يقتل العبد بالحر، وكذا لما قال: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى اقتضى أن لا يقتل الذكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب، وذلك منسوخ بقوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥] وإلى هذا أشار ابن عباس فيما رواه عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس قال: نسختها الآية التي في المائدة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (١)، وإلى نحو هذا ذهب سعيد بن جبير ومقاتل (٢). [٢٥] (٣) - أخبرنا المبارك بن علي، قال: ابنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال ابنا أبو إسحاق البرمكي، قال: ابنا أبو بكر محمد بن إسماعيل أذنا، قال: ابنا أبو بكر بن أبي داود، قال: ابنا يعقوب بن سفيان، قال: ابنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدّثني عبد الله بن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، أن حيّين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، وكان أحد الحيّين يتطاولون على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا نرضى حتى نقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم فنزل فيهم: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فرضوا بذلك فصارت آية الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى منسوخة نسخها النَّفْسَ بِالنَّفْسِ. قلت: وهذا القول ليس بشيء لوجهين: الأول: أنه إنما ذكر في آية المائدة ما كتبه على أهل التوراة، وذلك لا يلزمنا، وإنما نقول في إحدى الروايتين عن أحمد: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم

стр. 47

يثبت نسخه، وخطابنا بعد خطابهم قد ثبت النسخ، فتلك الآية أولى أن تكون منسوخة بهذه من هذه بتلك. الثاني: أن دليل الخطاب عند الفقهاء حجة ما لم يعارضه دليل أقوى منه، وقد ثبت بلفظ الآية أن الحر يوازي الحر فلأن الحر يوازي العبد أولى، ثم إن أول الآية يعم، وهو قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ وإنما الآية نزلت فيمن كان يقتل حرا بعبد وذكرا بأنثى، فأمروا بالنظر في التكافؤ. [٢٦]- أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن حبيب قال: ابنا علي بن الفضل، قال: ابنا محمد بن عبد الصمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد السرخسي، قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: ابنا عبد الحميد، قال: ابنا يونس، عن شيبان، عن قتادة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى [البقرة: ١٧٨] قال: كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحيّ منهم إذا كان فيه عدد وعدّة، فقتل لهم عبد قتله عبد قوم آخرين. قالوا: لن نقتل به إلا حرا تعززا وتفضلا على غيرهم في أنفسهم. وإذا قتلت لهم أنثى قتلتها امرأة. قالوا: لن نقتل بها إلا رجلا، فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أن الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، وينهاهم عن البغي، ثم أنزل في سورة المائدة: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ إلى قوله: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [المائدة: ٤٥]. ذكر الآية الثالثة عشر : قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [البقرة: ١٨٠] اختلف المفسرون في هذه الوصية، هل كانت واجبة أم لا، على قولين: الأول: أنها كانت ندبا لا واجبة، وهذا مذهب جماعة منهم الشعبي والنخعي (١)، واستدلوا بقوله: بِالْمَعْرُوفِ، قالوا: المعروف لا يقتضي الإيجاب وبقوله: عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة: ١٨٠] والواجب لا يختص به المتقون. والثاني: أنها كانت فرضا ثم نسخت، وهو قول جمهور المفسرين (٢)، واستدلوا بقوله: كُتِبَ وهو بمعنى فرض كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ

стр. 48

[البقرة: ١٨٣] وقد نص أحمد في رواية الفضل بن زياد على نسخ هذه الآية، فقال: الوصية للوالدين منسوخة. وأجاب أرباب هذا القول أهل القول الأول، فقالوا: ذكر المعروف لا يمنع الوجوب، لأن المعروف بمعنى العدل الذي لا شطط فيه ولا تقصير، كقوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ٢٣٣] ولا خلاف في وجوب هذا الرزق والكسوة، فذكر المعروف في الوصية لا يمنع وجوبها بل يؤكده، وكذلك تخصيص الأمر بالمتقين دليل على توكيده لأنها إذا وجبت على المتقين كان وجوبها على غيرهم أولى، وإنما خصهم بالذكر، لأن فعل ذلك من تقوى الله تعالى، والتقوى لازمة لجميع الخلق. فصل ثم اختلف القائلون بإيجاب الوصية ونسخها بعد ذلك في المنسوخ من الآية على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن جميع ما في الآية من إيجاب الوصية منسوخ، قاله ابن عباس ﵄. [٢٧] (١) - أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: أخبرنا ابن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل، قال: ابنا محمد بن سعد، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمي الحسين بن الحسن بن عطية قال: حدّثني أبي، عن جدي، عن عبد الله بن عباس ﵄ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [البقرة: ١٨٠]. قال: نسخت الفريضة التي للوالدين والأقربين الوصية. [٢٨] (٢) - أخبرنا ابن ناصر، قال: ابنا ابن أيوب، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أبو بكر النجاد، قال: ابنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا الحسن بن محمد؛ وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: ابنا علي بن محمد بن بشران، قال: ابنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي قال: بنا حجاج قال: بنا ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄. كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ

стр. 49

نسختها: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ [النساء: ٧]. [٢٩] (١) - أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف قال: ابنا محمد بن مرزوق، قال: ابنا أبو بكر الخطيب، قال: ابنا ابن رزق، قال: ابنا أحمد بن سليمان، قال: بنا أبو داود، قال: بنا أحمد بن محمد- هو المروزي- قال: حدّثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فكانت الوصية كذلك حتى نسختها آية الميراث. [٣٠] (٢) - أخبرنا أبو بكر العامري، قال: ابنا علي بن الفضل، قال: ابنا ابن عبد الصمد، قال: ابنا ابن حموية، قال: بنا إبراهيم بن حريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: ابنا النضر بن شميل، قال: ابنا ابن عون، عن ابن سيرين، قال: كان ابن عباس يخطب، فقرأ هذه الآية: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فقال: هذه نسخت. قال عبد الحميد: وحدّثنا يحيى بن آدم، عن ابن حماد الحنفي، عن جهضم، عن عبد الله بن بدر الحنفي، قال: سمعت ابن عمر يسأل عن هذه الآية: الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ قال: نسختها آية المواريث. قال عبد الحميد: وحدّثنا يحيى بن آدم، عن محمد بن الفضل، عن أشعث، عن الحسن إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ قال: نسختها آية الفرائض. قال عبد الحميد: وأخبرني شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: كان الميراث للولد، والوصيّة للوالدين والأقربين، فهي منسوخة.

стр. 50

وكذلك قال: سعيد بن جبير: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ قال: نسخت. القول الثاني: أنه نسخ منها الوصية للوالدين [٣١] (١) - أخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا أبو طاهر الباقلاوي، قال: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: بنا إبراهيم بن الحسين، قال: بنا آدم، عن الورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ قال: كان الميراث للولد، والوصية للوالدين والأقربين ثم نسخ منه الوالدين. [٣٢]- أخبرنا إسماعيل، قال: ابنا أبو الفضل البقال، قال: ابنا بن بشران، قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: بنا أسود بن عامر، قال: بنا إسرائيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: كانت الوصية للوالدين فنسختها آية الميراث، وصارت الوصية للأقربين. قال أحمد: وحدّثنا أبو داود، عن زمعة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: نسخت الوصية عن الوالدين، وجعلت للأقربين. قال أبو داود: وحدّثنا حماد بن مسلمة، عن عطاء بن أبي ميمونة، قال: سألت العلاء بن زياد ومسلم بن يسار عن الوصية، فقالا: هي للقرابة (٢). القول الثالث: أن الذي نسخ من الآية الوصية لمن يرث، ولم ينسخ الأقربون الذين لا يرثون، رواه عكرمة عن ابن عباس ﵄، وهو قول الحسن والضحاك وأبي العالية. [٣٣]- أخبرنا أبو بكر العامري، قال: ابنا علي بن الفضل، قال: ابنا ابن عبد الصمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: بنا مسلم بن إبراهيم، عن همام بن يحيى، عن قتادة، قال: أمر أن يوصي لوالديه، وأقربيه، ثم نسخ الوالدين، والحق لكل ذي ميراث نصيبه منها، وليست لهم منه وصية فصارت الوصية لمن لا يرث من قريب أو غير قريب. [٣٤] (٣) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا أبو الفضل البقال، قال: بنا أبو الحسن بن بشران قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل،

стр. 51

قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا هشيم، قال: ابنا يونس، عن الحسن، قال: كانت الوصية للوالدين والأقربين فنسخ ذلك، وأثبتت لهما نصيبهما في سورة النساء وصارت الوصية للأقربين الذين لا يرثون، ونسخ من الأقربين كل وارث. قال أحمد: وحدّثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ قال: أمر الله أن يوصي لوالديه وأقربائه ثم نسخ ذلك في سورة النساء، فألحق لهم نصيبا معلوما، وألحق لكل ذي ميراث نصيبه منه وليست لهم وصية، فصارت الوصية لمن لا يرث من قريب أو بعيد (١). [٣٥] (٢) - أخبرنا أبو بكر العامري، قال: ابنا علي بن الفضل، قال: ابن

стр. 52

عبد الصمد، قال: ابنا ابن حموية، قال: ابنا إبراهيم، قال: بنا عبد الحميد،

стр. 53

قال: بنا يحيى بن آدم، قال: بنا إسماعيل بن عياش، قال: بنا شرحبيل بن مسلم، قال: سمعت أبا أمامة الباهلية يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث».

стр. 54

ذكر الآية الرابعة عشر : قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ١٨٣] أما قوله: كُتِبَ فمعناه: فرض، والذين من قبلنا؛ هم أهل الكتاب. وفي كاف التشبيه في قوله: كَما ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها ترجع إلى حكم الصوم وصفته لا إلى عدده [٣٦] (١) - أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، قال: ابنا محمد بن مرزوق، قال: ابنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: ابنا عبد الله بن يحيى السكري، قال: ابنا جعفر الخلدي، وقال: ابنا أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد، قال: بنا أبي قال: بنا يونس بن راشد، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄. [٣٧] (٢) - وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، وقال: بنا أبو الفضل البقال، قال: ابنا أبو الحسن بن بشران قال: بنا إسحاق الكاذي قال: بنا عبد الله بن أحمد قال: حدّثني أبي قال: بنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ ولم يذكر عكرمة- قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني بذلك: أهل الكتاب، وكان كتاب على أصحاب محمد ﷺ ؛ أن الرجل كان يأكل ويشرب وينكح، ما بينه وبين أن يصلي العتمة، أو يرقد وإذا صلّى العتمة أو رقد منع ذلك إلى مثلها، فنسختها هذه الآية أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة: ١٨٧]. [٣٨] (٣) - أخبرنا محمد بن أبي منصور قال: ابنا علي بن أبي أيوب، قال: ابنا أبو

стр. 55

علي بن شاذان، قال: أخبرنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: ابنا نصر بن علي، قال: بنا أبو أحمد، قال: بنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها من القابلة، وإن قيس بن صرمة أتى امرأته، وكان صائما فقال: عندك شيء؟ قالت لعلي أذهب فأطلب لك، فذهبت وغلبته عينه فجاءت فقالت: خيبة لك. فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ إلى قوله: مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧]. وقال سعيد بن جبير: كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم لم يحل له أن يطعم إلى القابلة، والنساء عليهم حرام ليلة الصيام، وهو عليهم ثابت وقد أرخص لكم. فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ الآية. وقد روي أن قيس بن صرمة أكل بعد ما نام، وأن عمر بن الخطاب جامع زوجته بعد أن نامت، فنزل فيهما قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ الآية. القول الثاني: أنها ترجع إلى عدد الصوم لا إلي صفته، ولأرباب هذا القول في ذلك ثلاثة أقوال: [٣٩]- أما الأول: فأخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: ابنا علي بن الفضل العامري قال: ابنا ابن عبد الصمد، قال: ابنا ابن حموية، قال: ابنا إبراهيم بن حريم قال: حدّثنا عبد الحميد، قال: بنا هاشم بن القاسم، قال: بنا محمد بن طلحة، عن الأعمش، قال: قال ابن عباس ﵄: كتب على النصارى الصيام كما كتب عليكم، فكان أول أمر النصارى أن قدموا يوما قالوا: حتى لا نخطئ، قال: ثم آخر أمرهم صار إلى أن قالوا: نقدمه عشرا ونؤخر عشرا حتى لا نخطئ، فضلوا. وقال دغفل بن حنظلة: كان على النصارى صوم رمضان، فمرض ملكهم، فقالوا: إن شفاه الله ليزيدن سبعة أيام، ثم ملك بعده ملك، فقال: ما ندع من هذه الثلاثة الأيام أن نتمها، ونجعل صومنا في الربيع، ففعل فصارت خمسين يوما (١). وروى السدي عن أشياخه، قال: اشتدّ على النصارى صيام رمضان، وجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف، فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياما في الفصل

стр. 56

بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين يوما نكفّر بها ما صنعنا، فجعلوا صيامهم خمسين يوما. فعلى هذا البيان الآية محكمة غير منسوخة. [٤٠]- وأما الثاني: فأخبرنا عبد الوهاب، قال: ابنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: أخبرنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل، قال: ابنا محمد بن سعد، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عمي الحسين بن الحسن بن عطية، قال: حدّثني أبي، عن جدي، عن ابن عباس ﵄ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ فكان ثلاثة أيام في كل شهر، ثم نسخ ذلك ما أنزل من صيام رمضان. وقال قتادة: كتب الله على الناس قبل نزول شهر رمضان ثلاثة أيام من كل شهر. وأما الثالث: فقد روى النزال بن سبرة عن ابن مسعود، أنه قال: ثلاثة أيام من كل شهر، ويوم عاشوراء. وقد زعم أرباب هذا القول أن الآية منسوخة بقوله: شَهْرُ رَمَضانَ [البقرة: ١٨٥]. وفي هذا بعد كثير، لأن قوله: شَهْرُ رَمَضانَ جاء عقيب قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ فهو كالتفسير للصيام والبيان له. القول الثالث: إن التشبيه راجع إلى نفس الصوم لا إلى صفته ولا إلى عدده وبيان ذلك، أن قوله تعالى: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لا يدل على عدد ولا صفة، ولا وقت، وإنما يشير إلى نفس الصيام كيف وقد عقبه الله بقوله تعالى: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ [البقرة: ١٨٤] فتلك يقع على يسير الأيام وكثيرها، فلما قال تعالى في نسق التلاوة شَهْرُ رَمَضانَ بين عدد الأيام المعدودات ووقتها، وأمر بصومها؛ فكان التشبيه الواقع في نفس الصوم. والمعنى: كتب عليكم أن تصوموا كما كتب عليهم، وأما صفة الصوم وعدده فمعلوم من وجوه أخر لا من نفس الآية. وهذا المعنى مرويّ عن ابن أبي ليلى (١). وقد أشار إليه السّدّي والزجاج، والقاضي

стр. 57

أبو يعلى. وما رأيت مفسرا يميل إلى التحقيق إلا وقد أومى إليه، وهو الصحيح. وما ذكره المفسّرون فإنه شرح حال صوم المتقدمين، وكيف كتب عليهم لأنه تفسير للآية، وعلى هذا البيان لا تكون الآية منسوخة أصلا. ذكر الآية الخامسة عشر : قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ [البقرة: ١٨٤] اختلف المفسرون في معنى الآية على قولين: القول الأول: أنه يقتضي التخيير بين الصوم والإفطار مع الإطعام ، لأن معنى الكلام: وعلى الذين يطيقونه ولا يصومونه فدية، فعلى هذا يكون الكلام منسوخا بقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥]. [٤١] (١) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا أبو الفضل البقال، قال: ابنا ابن بشران، قال: بنا الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي أحمد بن حنبل، قال: بنا عبد الرزاق قال: بنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن عباس ﵄ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قال: نسختها فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. قال أحمد: وحدّثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس ﵄ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ وكانت الإطاقة أن الرجل والمرأة يصبح صائما، ثم إن شاء أفطر وأطعم لذلك مسكينا، فنسختها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (٢).

стр. 58

قال أحمد: وحدّثنا عبد الله بن إدريس، قال: بنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قال: نسختها فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. قال أحمد: وحدّثنا وكيع، قال: بنا محمد بن سليم، عن ابن سيرين، عن عبيدة وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قال: نسختها التي بعدها والتي تليها (١). [٤٢] (٢) - أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: ابنا علي بن الفضل، قال: ابنا ابن عبد الصمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: بنا إبراهيم بن حريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: ابنا عبيد الله موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كانوا إذا أراد الرجل أن يفطر يوما من رمضان من غير مرض أفطر وأطعم نصف صاع حتى نسختها فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فلم يكن إلا لهما. قال عبد بن حميد: وحدّثنا مسلم بن إبراهيم: قال: بنا وهيب بن خالد، عن ابن شبرمة، عن الشعبي، قال: لما نزلت وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ. أفطر الأغنياء وأطعموا وحصل الصوم على الفقراء، فأنزل الله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فصام الناس جميعا (٣). [٤٣]- أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال: ابنا أحمد بن علي بن ثابت، قال: ابنا أبو عمرو بن مهدي، قال: ابنا محمد بن مخلد، قال: بنا القاسم بن عياد، قال: بنا بشر بن عمر، قال: بنا حماد بن زيد، عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين؛ أن ابن عباس ﵄ قال: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قال: هذه منسوخة. وروى عطية وابن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: كان في الصوم الأول فدية طعام مسكين فمن شاء من مسافر أو مقيم أن يطعم مسكينا ويفطر كان ذلك رخصة له، ثم نسخ ذلك. [٤٤] (٤) - أخبرنا محمد بن ناصر، قال: ابنا علي بن أيوب، قال: ابنا علي بن

стр. 59

شاذان، قال: بنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني قال: بنا قتيبة. وابنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا أبو بكر محمد بن هبة الله الطبري، قال: ابنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: بنا أبو محمد بن درستويه قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال بنا أبو صالح، قال: بنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن يزيد مولى أم سلمة، عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي فعل، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. وقال أنس ﵁: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أمرهم بصيام ثلاثة أيام، وكانوا قوما لم يتعوّدوا الصيام، وكان الصوم عليهم شديدا، وكان من لم يصم أطعم مسكينا. وقد روى هذا المعنى: أنه كان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى لقوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ إلى أن نزل قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فنسخ ذلك بهذه، عن جماعة منهم معاذ بن جبل وابن مسعود، وابن عمر، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والنخعي، والزهري ﵃. والقول الثاني: أنه محكم غير منسوخ ، وأن فيه إضمارا تقديره: وعلى الذين كانوا يطيقوه أو لا يطيقونه فدية. وأشير بذلك إلى الشيخ الفاني الذي يعجز عن الصوم، والحامل التي تتأذّى بالصوم والمرضع. [٤٥] (١) - أخبرنا عبد الوهاب قال: ابنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: ابنا ابن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل قال: ابنا محمد بن سعد العوفي، قال: حدّثني أبي قال: بنا عمي الحسين بن حسن بن عطية، قال: حدّثني أبي، عن جدي، عن ابن عباس ﵄ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ وهو الشيخ الكبير كان يطيق صيام رمضان وهو شاب فكبر وهو عليه لا يستطيع صومه، فليتصدّق على مسكين واحد كلّ يوم أقط. [٤٦] (٢) - وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال،

стр. 60

قال: ابنا بشران قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد قال: حدّثني أبي، قال: بنا روح قال: بنا زكريا بن إسحاق، قال: بنا عمرو بن دينار، عن عطاء؛ أنه سمع ابن عباس يقرأ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ قال: ليست بمنسوخة وهو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعما مكان كل يوم مسكينا. [٤٧]- أخبرنا أبو بكر العامري، قال: ابنا علي بن الفضل، قال: ابنا بن عبد الصمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: ابنا عبد الحميد، قال: ابنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، قال: كان ابن عباس يقول: لم ينسخ. قال عبد الحميد: وأخبرنا النضر بن شميل، قال: بنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ قال: هم الذي يكلفونه ولا يطيقونه هو الشيخ والشيخة. قال عبد الحميد: وأخبرنا إبراهيم، عن أبيه، عن عكرمة وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ قال: هو الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام يطعم عنه لكل يوم مسكين. وقد روى قتادة عن عكرمة قال: نزلت في الحامل والمرضع. [٤٨] (١) - وقد أخبرنا ابن الحصين، قال: ابنا أبو طالب بن غيلان، قال: ابنا أبو بكر الشافعي، قال: ابنا إسحاق بن إبراهيم بن الحسن، قال: بنا موسى بن مسعود النهدي، قال: بنا سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، قال: كان ابن عباس ﵄ يقرؤها وعلى الذين «يطوّقونه» قال: الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام يطعم عنه. [٤٩] (٢) - وبالإسناد؛ حدّثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب وعلى الذين «يطوقونه» قال: الشيخ الكبير الذي يصوم فيعجز والحامل إن اشتد عليها الصوم يطعمان لكل يوم مسكينا.

стр. 61

قلت: هذه القراءة لا يلتفت إليها لوجوه: الأول: أنها شاذة خارجة عما اجتمع عليه المشاهير فلا يعارض ما تثبت الحجة بنقله (١). والثاني: أنها تخالف ظاهر الآية، لأن الآية تقتضي الإطاقة لقوله: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ١٨٤] وهذه القراءة تقتضي نفيها. والثالث: إن الذين يطيقون الصوم ويعجزون عنه ينقسمون إلى قسمين (٢): الأول: من يعجز لمرض أو لسفر، أو لشدة جوع أو عطش، فهذا يجوز له الفطر ويلزمه القضاء من غير كفارة. والثاني: من يعجز لكبر السّن، فهل يلزمه الكفارة من غير قضاء؟ لم يلزمه القضاء والكفارة، وقد يجوز الإفطار للعذر لا للعجز، كما نقول في الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد، وهذا كله ليس بمستفاد من الآية، إنما المعتمد فيه على السنة وأقوال الصحابة. فعلى هذا البيان يكون النسخ أولى من الآية بالإحكام، يدل على ما قلنا قوله تعالى في تمام الآية: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ وغير جائز أن يعود هذا الكلام إلى المرضى والمسافرين، ولا إلى الشيخ الكبير، ولا إلى الحامل والمرضع إذا خافتا على الولد، لأن الفطر في حق هؤلاء أفضل من الصوم من جهة أنهم قد نهوا أن يعرضوا أنفسهم للتلف، وإنما عاد الكلام إلى الأصحّاء المقيمين خيروا بين الصوم والإطعام فانكشف بما أوضحنا أن الآية منسوخة. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: لا تكون الآية على القراءة الثانية، وهي: يُطِيقُونَهُ إلا منسوخة (٣). ذكر الآية السادسة عشر : قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ١٩٠] اختلف المفسرون في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة على قولين (٤):

стр. 62

القول الأول: أنها منسوخة ، ثم اختلف أرباب هذا القول في المنسوخ منها على قولين: الأول: أنه أولها، وهو قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، قالوا: وهذا يقتضي أن القتال إنما يباح في حق من قاتل من الكفار فأما من لم يقاتل فإنه لا يقاتل ولا يقتل. ثم اختلف هؤلاء في ناسخ ذلك على أربعة أقوال: الأول: أنه قوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: ٣٦]. والثاني: أنه قوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة: ١٩١]. والثالث: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩]. والرابع: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]. قلت: وهذا القول الذي قالوا، وإنما أخذوه من دليل الخطاب؛ إنما هو حجّة ما لم يعارضه دليل أقوى منه، وقد عارضه ما هو أقوى منه؛ كآية السّيف وغيرها مما يقتضي إطلاق قتل الكفار، قاتلوا أو لم يقاتلوا. فأما الآية الأولى التي زعموا أنها ناسخة فإنها تشبه المنسوخة وتوافقها في حكمها، لأنها إنما تضمّنت قتال من قاتل. وأما الآية الثانية؛ فإنها إنما تضمّنت قتال الذين أمروا بقتالهم؛ لأن قوله: وَاقْتُلُوهُمْ عطف على المأمور بقتالهم. وأما الآية الثالثة؛ فإنها تتضمّن قتال أهل الكتاب، والآية التي ادّعي نسخها مطلقة في كل من يقاتل. وأما الرابعة؛ تصلح ناسخة لو وجدت ما تنسخه، وليس هاهنا إلا دليل الخطاب، وليس بحجة هاهنا على ما بيّنا. القول الثاني: أن المنسوخ منها قوله: وَلا تَعْتَدُوا للمفسّرين في معنى هذا الاعتداء خمسة أقوال: الأول: لا تعتدوا بقتل النساء والولدان، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد. [القول الثاني انها محكمة] الثاني: بقتال من لم يقاتلكم؛ قاله أبو العالية، وسعيد بن جبير، وابن زيد. وهؤلاء إن عنوا من لم يقاتل، لأنه لم يعد نفسه للقتال كالنساء، والولدان،

стр. 63

والرهبان، فالآية محكمة، لأن هذا الحكم ثابت. وإن عنوا من لم يقاتل من الرجال المستعدين للقتال توجّه النّسخ. والثالث: أن الاعتداء إتيان ما نهى الله عنه، قاله الحسن. والرابع: أنه ابتداء المشركين بالقتال في الشهر الحرام في الحرم قاله مقاتل. والخامس: لا تعتدوا بقتال من وادعكم وعاقدكم. قاله ابن قتيبة (١). والظاهر إحكام الآية كلها، ويبعد ادّعاء النسخ فيها. ذكر الآية السابعة عشر : قوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة: ١٩١] اختلف العلماء هل هذه الآية منسوخة أو محكمة على قولين: القول الأول: أنها منسوخة ، واختلفوا في ناسخها على ثلاثة أقوال: الأول: أنه قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] فأمر بقتلهم في الحل والحرم، قاله قتادة. [٥٠] (٢) - أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا أبو الفضل البقّال، قال: ابنا ابن بشران قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: بنا عبد الوهاب، عن همام، عن قتادة وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فأمر أن لا يبدءوا بقتال، ثم قال: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة: ٢١٧] ثم نسخت الآيتان في براءة فقال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. قال أحمد: وحدّثنا حسين، عن شيبان، عن قتادة وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. قال: كانوا لا يقاتلون به حتى يقاتلوهم، ثم نسخ ذلك فقال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فأمر الله بقتالهم في الحل والحرم وعلى كل حال. والثاني: قوله تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: ١٩٣] قاله الربيع بن أنس وابن زيد. والثالث: قوله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ قاله مقاتل. والقول الثاني: أنها محكمة ، وأنه لا يجوز أن يقاتل أحد في المسجد الحرام حتى يقاتل، وهذا قول مجاهد والمحقّقين. ويدلّ عليه ما روي في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في مكة:

стр. 64

«إنها لا تحلّ لأحد من بعدي، وإنما أحلّت لي ساعة من نهار» (١). وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولا يحلّ إلا ساعة من نهار» (٢). وقد ادّعى بعض من لا علم له أن هذه الآية نسخت بحديث أنس ﵁: «أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فأمر بقتل ابن خطل وهو متعلّق بأستار الكعبة» (٣). وهذا باطل من وجهين: الأول: أن القرآن لا ينسخ إلا بالقرآن (٤)، ولو أجزنا نسخه بالسنة لاحتجنا إلى أن نعتبر في نقل ذلك الناسخ ما اعتبرنا في نقل المنسوخ، وطريق الرواية لا يثبت ثبوت القرآن. والثاني: أن النبيّ ﷺ قد بيّن أنه إنما خصّ بالإباحة في ساعة من نهار، والتخصيص ليس بنسخ، لأن النسخ ما رفع الحكم على الدوام كما كان ثبوت حكم المنسوخ على الدوام، فالحديث دال على التخصيص لا على النسخ. ثم إنما يكون النسخ مع تضاد اجتماع الناسخ والمنسوخ، وقد أمكن الجمع بين ما ادّعوه ناسخا ومنسوخا وصح العمل بهما، فيكون قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وقوله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ في غير الحرم، بدليل قوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ وكذلك قوله: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي: في غير الحرم، بدليل قوله عقيب ذلك وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [البقرة: ١٩١]. ولو جاز قتلهم في الحرم لم يحتج إلى ذكر الإخراج، فقد بان مما أوضحنا إحكام الآية، وانتفى النسخ عنها. ذكر الآية الثامنة عشر : قوله تعالى: فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٩٢] اختلف المفسرون في المراد بهذا الانتهاء على قولين: الأول: أنه الانتهاء عن الكفر.

стр. 65

والثاني: عن قتال المسلمين لا عن الكفر. فعلى القول الأول الآية محكمة، والثاني يختلف في المعنى؛ فمن المفسرين من يقول: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إذ لم يأمركم بقتالهم في الحرم، بل يخرجون منه على ما ذكرنا في الآية التي قبلها، فلا يكون نسخ أيضا. ومنهم من يقول: المعنى اعفوا عنهم وارحموهم، فيكون لفظ الآية لفظ خبر، ومعناه: الأمر بالرحمة لهم والعفو عنهم، وهذا منسوخ بآية السيف. ذكر الآية التاسعة عشر : قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [البقرة: ١٩٤] اختلف العلماء هل في هذه الآية منسوخ أم لا على قولين: الأول: أن فيها منسوخا . واختلف أرباب هذا القول فيه على قولين: الأول: أنه قوله: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ قالوا: وذلك أن رسول الله ﷺ اعتمر في ذي القعدة فصدّه المشركون عن أداء عمرته فقضاها في السنة الثانية في ذي القعدة (١). فاقتضى هذا أن من فاته أداء ما وجب عليه بالإحرام الذي عقده في الأشهر الحرم أنه يجب عليه قضاؤه في مثل ذلك الشهر الحرام، ثم نسخ ذلك وجعل له قضاؤه أي وقت شاء، إما في مثل ذلك الشهر أو غيره، قال شيخنا علي بن عبيد الله: وممن حكي ذلك عنه عطاء. قلت: وهذا القول لا يعرف عن عطاء ولا يشترط أحد من الفقهاء المشهورين على من منع من عمرته أو أفسدها أن يقضيها في مثل ذلك الشهر. والثاني: أنه قوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]. ثم اختلف أرباب هذا القول في معنى الكلام ووجه نسخه على ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذا نزل بمكة، والمسلمون قليل ليس لهم سلطان يقهرون به المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله تعالى المسلمين أن يأتوا إليهم مثل ما أتوا إليهم أو يعفوا ويصبروا، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وأعزّ الله سلطانه؛ نسخ ما كان تقدم من ذلك، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ (٢).

стр. 66

والثاني: أنه كان في أول الأمر إذا اعتدي على الإنسان فله أن يقتصّ لنفسه بنفسه من غير مرافعة إلى سلطان المسلمين، ثم نسخ ذلك بوجوب الرجوع إلى السلطان في إقامة الحدود والقصاص، قال شيخنا: وممن حكي ذلك عنه ابن عباس ﵄. قلت: وهذا لا يثبت عن ابن عباس ولا يعرف له صحة، فإن الناس ما زالوا يرجعون إلى رؤسائهم، وسلاطينهم في الجاهلية والإسلام، إلا أنه لو أن إنسانا استوفى حق نفسه من خصيمه من غير سلطان أجزأ ذلك، وهل يجوز له ذلك؟ فيه روايتان عن أحمد. والثالث: أن معنى الآية فمن اعتدى عليكم في الشهر الحرام فاعتدوا عليه فيه ثم نسخ ذلك، وهذا مذكور عن مجاهد، ولا يثبت، ولو ثبت كان مردودا، بأن دفع الاعتداء جائز في جميع الأزمنة عند جميع العلماء، وهذا حكم غير منسوخ، [الثانى أنها محكمة غير منسوخة] والصحيح في هذه الآية أنها محكمة غير منسوخة، فأما أولها فإن المشركين لما منعوا رسول الله ﷺ من دخول مكة في شهر حرام اقتصّ لنبيه ﵇ بإدخاله مكة في شهر حرام. [٥١] (١) - أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: ابنا أحمد بن المشن بن خيرون وأبو طاهر الباقلاوي، قال: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل القاضي، قال: ابنا محمد بن سعد العوفي، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني عمي الحسين بن حسن بن عطية، قال: حدّثني أبي، عن جدي، عن ابن عباس ﵄ قال: كان المشركون حبسوا رسول الله ﷺ في ذي القعدة عن البيت ففخروا عليه بذلك فرجعه الله في ذي القعدة، فأدخله البيت الحرام فاقتص له منهم. فأما قوله: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فقال سعيد بن جبير: كان المشركون قد عاهدوه يوم الحديبية أن يخلوا له مكة ولأصحابه العام المقبل ثلاثة أيام، فلما جاء العام الذي كان الشرط بينهما قفل رسول الله ﷺ وأصحابه محرمين بعمرة، فخافوا أن لا يوف لهم المشركون بما شرطوا وأن يقتلوهم عند المسجد الحرام، وكره المسلمون القتال في شهر حرام وبلد حرام؛ فنزلت: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ أي: من قاتلكم من المشركين في الحرم فقاتلوه (٢).

стр. 67

فإن قال قائل: فكيف يسمى الجزاء اعتداء؟ فالجواب: إن صورة الفعلين واحدة وإن اختلف حكمهما، قال الزجّاج: والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته: أي: جازيته بظلمه، وجهل عليّ فجهلت عليه، أي: جازيته بجهله. قلت: فقد بان بما ذكرنا أن الآية محكمة ولا وجه لدخولها في المنسوخ أصلا. ذكر الآية العشرين : قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦] اختلف المفسرون في المراد بإتمامها على خمسة أقوال: الأول: أن يحرم بهما من دويرة أهله، قاله علي وسعيد بن جبير وطاوس. والثاني: الإتيان بما مر الله به فيهما، قاله مجاهد. والثالث: إفراد كل واحد عن الآخر، قاله الحسن وعطاء. والرابع: أن لا يفسخهما بعد الشروع فيهما، رواه عطاء عن ابن عباس. والخامس: أن يخرج قاصدا لهما لا يقصد شيئا آخر من تجارة أو غيرها، وهذا القول فيه بعد. وقد ادّعى بعض العلماء على قائله أنه يزعم أن الآية نسخت بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: ١٩٨]. والصحيح في تفسير الآية ما قاله ابن عباس، وهو محمول على النهي عن فسخهما لغير عذر أو قصد صحيح، وليست هذه الآية بداخلة في المنسوخ أصلا. ذكر الآية الحادية والعشرين : قوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦]. ذكر بعض المفسرين أن هذا الكلام اقتضى تحريم حلق الشعر، سواء وجد به أذى أو لم يوجد، ولم يزل الأمر على ذلك حتى رأى رسول الله ﷺ كعب بن عجرة والقمل يتناثر على وجهه، فقال: «أتجد شاة؟» فقال: لا. فنزلت: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (١) [البقرة: ١٩٦]. والمعنى: فحلق ففدية.

стр. 68

فاقتضى هذا الكلام إباحة حلق الشعر عند الأذى مع الفدية وصار ناسخا لتحريمه المتقدم. قلت: وفي هذا بعد من وجهين: الأول: أنه يحتاج أن يثبت أن نزول قوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً تأخّر عن نزول أول الآية، ولا يثبت هذا. والظاهر نزول الآية في مرة، بدليل قول النبي ﷺ : «أتجد شاة» والشاة هي النسك المذكور في قوله: أَوْ نُسُكٍ. والثاني: إنا لو قدرنا نزوله متأخرا فلا يكون نسخا، لأنه قد بان بذكر العذر أن الكلام الأول لمن لا عذر له، فصار التقدير: ولا تحلقوا رءوسكم إلا أن يكون منكم مريض أو من يؤذيه هوامه، فلا ناسخ ولا منسوخ. ذكر الآية الثانية والعشرين : قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ [البقرة: ٢١٥]. اختلفوا: هل هذه منسوخة أم محكمة؟ روى السّدّي عن أشياخه أنه يوم نزلت هذه لم تكن زكاة، وإنما هي نفقة الرجل على أهله، والصدقة يتصدقون بها فنسختها الزكاة (١). وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: نسخت هذه بآية الصدقات في براءة. وروى أبو صالح عن ابن عباس ﵄ قال: نسخ منها الصدقة على الوالدين، وصارت الصدقة لغيرهم الذين لا يرثون من الفقراء والمساكين والأقربين. وقد قال الحسن البصري: والمراد بها التطوع على من لا يجوز إعطاؤه الزكاة؛ كالوالدين والمولودين، وهي غير منسوخة. وقال ابن زيد: هي في النوافل وهم أحق بفضلك. قلت: من قال بنسخها ادّعى أنه وجب عليهم أن ينفقوا فسألوا عن وجوه الإنفاق فدلّوا على ذلك، وهذا يحتاج إلى نقل، والتحقيق أن الآية عامة في الفرض والتطوع، فحكمها ثابت غير منسوخ، لأن ما يجب من النفقة على الوالدين والأقربين إذا كانوا فقراء لم ينسخ بالزكاة، وما يتطوّع به لم ينسخ بالزكاة. وقد قامت الدلالة على أن الزكاة لا تصرف إلى الوالدين والولد، وهذه الآية بالتطوع أشبه، لأن

стр. 69

ظاهرها أنهم طلبوا بيان الفضل في إخراج الفضل فبينت لهم وجود الفضل. ذكر الآية الثالثة والعشرين : قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ [البقرة: ٢١٦]. اختلفوا في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فقال قوم: هي منسوخة لأنها تقتضي وجوب القتال على الكل؛ لأن الكل خوطبوا بها، وَكِتابٌ بمعنى فرض. قال ابن جريج سألت عطاء، أواجب الغزو على الناس من أجل هذه الآية؟ فقال: إنما كتب على أولئك حينئذ. وقال ابن أبي نجيح سألت مجاهدا هل الغزو واجب على الناس؟ فقال: لا؛ إنما كتب عليهم يومئذ. وقد اختلف أرباب هذا القول في ناسخها على قولين: الأول: أنه قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] قاله عكرمة. والثاني: قوله: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢]. وقد زعم بعضهم أنها ناسخة من وجه، ومنسوخة من وجه، وذلك أن الجهاد كان على ثلاث طبقات: المنع من القتال، وذلك مفهوم من قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النساء: ٧٧] فنسخت بهذه الآية ووجب بها التعين على الكل، وساعدها قوله تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [التوبة: ٤١] ثم استقرّ الأمر على أنه إذا قام بالجهاد قوم سقط عن الباقين بقوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ والصحيح أن قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ [البقرة: ٢١٦] محكم، وأن فرض الجهاد لازم للكل، إلا أنه من فروض الكفايات، إذا قام به قوم سقط عن الباقين. فلا وجه للنسخ (١). ذكر الآية الرابعة والعشرين : قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة: ٢١٧]. سبب سؤالهم عن هذا، أن رسول الله ﷺ بعث سرية فقتلوا عمرو بن الحضرمي في

стр. 70

أول ليلة من رجب، فعيّرهم المشركون بذلك، فنزلت هذه الآية (١). وهي تقتضي

стр. 71

تحريم القتال في الشهر الحرام، لقوله: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ قال ابن مسعود وابن عباس ﵄: لا يحل. وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس ﵄: عظم العقوبة، وهذا إقرار لهم على ما كانوا عليه في الجاهلية فإنهم كانوا يحرمون القتال في الأشهر الحرم. [٥٢]- أخبرنا أبو الحسن الأنصاري، قال: ابنا عبد الله بن علي الألوسي، قال: أخبرني عبد الملك بن عمر الرزّاز، قال: ابنا ابن شاهين، قال: بنا يحيى بن محمد صاعد، قال: بنا محمد بن توبة العنبري، قال: ابنا أزهر بن سعد، قال: بنا ابن عون، قال: أبو رجاء العطاردي: كان إذا دخل شهر رجب قالوا: قد جاء منصل الأسنة فيعمد أحدهم إلى سنان رمحه فيخلعه ويدفعه إلى النساء، فيقول: اشددن هذا في عكومكن (١) فلو مر أحدنا على قاتل أبيه لم يوقظه. قلت: واختلف العلماء هل هذا التحريم باق أم نسخ. [٥٣]- وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: ابنا ابن بشران، قال: بنا الكاذي قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي قال: بنا حجاج عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ما لهم إذ ذلك لا يحل لهم أن يغزو أهل الشرك في الشهر الحرام ثم غزوهم فيه بعد، فحلف لي بالله؛ ما يحل للناس الآن أن يغزو في الحرم ولا في الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه أو يغزو ومنا نسخت. وروى عبد خير، عن علي ﵇ في قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قال: نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ. وقال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار وسائر علماء الأمصار: إن القتال في الشهر الحرام جائز، فإن هذه الآية منسوخة بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥]

стр. 72

وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة: ٢٩]. [٥٤]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا أبو الفضل البقال قال: ابنا ابن بشران قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: قال: حدّثني أبي قال: بنا عبد الرازق، عن معمر قال: قال الزهري: كان النبي ﷺ فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام ثم أحل له بعد. ذكر الآية الخامسة والعشرين : قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [التوبة: ٢١٩]. اختلف العلماء في هذه الآية: فقال قوم: إنها تضمنت ذم الخمر لا تحريمها، وهو مذهب ابن عباس وسعيد بن جبير، ومجاهد وقتادة. وقال آخرون: بل تضمنت تحريمها، وهو مذهب الحسن وعطاء. فأما قوله تعالى: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة: ٢١٩] فيتجاذبه أرباب القولين، فأما أصحاب القول الأول فإنهم قالوا: إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبله. وقال أصحاب القول الثاني: إثمهما قبل التحريم أكبر من نفعهما حينئذ أيضا، لأن الإثم الحادث عن شربها من ترك الصلاة والإفساد الواقع عن السكر لا يوازي منفعتها الحاصلة من لذة أو بيع، ولما كان الأمر محتملا للتأويل، قال عمر بن الخطاب بعد نزول هذه الآية: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا (١)، وعلى القول الأول يتوجه النسخ بقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠]. ذكر الآية السادسة والعشرين : قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: ٢١٩]، فالمراد بهذا الإنفاق ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه الصدقة والعفو ما يفضل عن الإنسان. [٥٥]- أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: ابنا أبو الفضل بن خيرون وأبو طاهر الباقلاوي، قال: ابنا أبو علي بن شاذان، قال: ابنا أحمد بن كامل قال: ابنا

стр. 73

محمد بن إسماعيل بن سعد قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمي، قال: حدّثني أبي، عن جدي، عن ابن عباس ﵄ قُلِ الْعَفْوَ قال: ما أتوك به من شيء قليل أو كثير فاقبله منهم. لم يفرض فيه فريضة معلومة، ثم نزلت بعد ذلك الفرائض مسماة. وقد قيل: إن المراد بهذه الصدقة الزكاة. [٥٦] (١) - أخبرنا محمد بن عبد الله بن حبيب، قال: ابنا علي بن الفضل، قال: ابنا عبد الصمد، قال: ابنا عبد الله بن حموية، قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: ابنا عبد الحميد، قال: بنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن نجيح، عن مجاهد، قال: العفو الصدقة المفروضة. والقول الثاني: أنه كان فرض عليهم قبل الزكاة أن ينفقوا ما يفضل عنهم، فكان أهل الحرث يأخذون قدر ما يكفيهم من نصيبهم، ويتصدّقون بالباقي، وأهل الذهب والفضة يأخذون قدر ما يكفيهم في تجارتهم ويتصدقون بالباقي، ذكره بعض المفسرين. والثالث: أنها نفقة التطوع، وذلك أن رسول الله ﷺ لما حثهم على الصدقة ورغبهم بها قالوا: ماذا ننفق؟ وعلى من ننفق؟ فنزلت هذه الآية. قال مقاتل بن حيان في قوله: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قال: هي النفقة في التطوع، فكان الرجل يمسك من ماله ما يكفيه سنة ويتصدق بسائره، وإن كان ممن يعمل ببدنه أمسك ما يكفيه يوما ويتصدق بسائره، وإن كان من أصحاب الحقل والزرع أمسك ما يكفيه سنة ويتصدق بسائره، فاشتد ذلك على المسلمين فنسختها آية الزكاة. قلت: فعلى هذا القول معنى قوله: اشتد ذلك على المسلمين، أي: صعب ما ألزموا نفوسهم به، فإن قلنا هذه النفقة نافلة أو هي الزكاة فالآية محكمة، وإن قلنا إنها نفقة فرضت قبل الزكاة فهي منسوخة بآية الزكاة، والأظهر في أنها الإنفاق في المندوب إليه (٢). ذكر الآية السابعة والعشرين : قوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة: ٢٢١] اختلف المفسّرون في المراد بالمشركات هاهنا على قولين: الأول: أنهن الوثنيات.

стр. 74

[٥٧]- أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري قال: ابنا علي بن الفضل، قال: ابنا محمد بن عبد الصمد، قال: ابنا عبد الله بن أحمد، قال: ابنا إبراهيم بن حريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: بنا قبيصة، عن حماد، قال: سألت إبراهيم عن تزويج اليهودية والنصرانية، قال: لا بأس به. فقلت: أليس الله تعالى يقول: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ قال: إنما ذلك المجوسيات وأهل الأوثان. قال عبد الحميد: حدّثنا يونس، عن سفيان، عن قتادة وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ قال: المشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه. قال سعيد بن جبير: هن المجوسيات وعابدات الأوثان. والثاني: أنه عام في الكتابيات وغيرهن من الكافرات، فالكل مشركات، وافترق أرباب هذا القول على قولين: الأول: أن هذا القدر من الآية نسخ بقوله تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: ٥]. [٥٨]- فأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: ابنا ابن بشران، قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: ابنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال بنا ابن مبارك، عن يونس، عن الزهري وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ثم أحل نكاح المحصنات من أهل الكتاب فلم ينسخ من هذه الآية غير ذلك، فنكاح كل مشرك سوى نساء أهل الكتاب حرام. والثاني: أن قوله: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ لفظ عام خص منه الكتابيات بآية المائدة وهذا تخصيص لا نسخ، وعلى هذا الفقهاء وهو الصحيح، وقد زعم قوم أن أهل الكتاب ليسوا مشركين، وهذا فاسد، لأنهم قالوا عزير ابن الله، والمسيح ابن الله فهم بذلك مشركون. ذكر الآية الثامنة والعشرين : قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً [البقرة: ٢٢٢]. توهّم قوم قلّ علمهم أن هذه الآية منسوخة، فقالوا: هي تقتضي مجانبة الحائض على الإطلاق كما يفعله اليهود، ثم نسخت بالسنة، وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح الاستمتاع بالحائض إلا النكاح، وكان ﷺ يستمتع من الحائض بما دون الإزار. وهذا ظن منهم فاسد، لأنه لا خلاف بين الآية والأحاديث. قال أحمد بن حنبل: الحيض موضع الدم. ويوضّح هذا التعليل للنهي بأنه أذى، فخصّ المنع

стр. 75

مكان الأذى. ثم لو كانت الأحاديث تضاد الآية قدمت الآية، لما بينا في أول الكتاب من أن الناسخ ينبغي من أن يشابه المنسوخ في قوته، والقرآن أقوى من السنة. ذكر الآية التاسعة والعشرين : قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨]. قد ذهب جماعة من القدماء إلى أن في هذه الآية منسوخا، ثم اختلفوا في المنسوخ منها على قولين: القول الأول: أنه قوله: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ . قالوا: فكان يجب على كل مطلقة أن تعتدّ ثلاثة قروء، فنسخ من ذلك حكم الحامل بقوله: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] ونسخ حكم الآيسة والصغيرة من ذلك بقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: ٤]، ونسخ حكم المطلقة قبل الدخول بقوله: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [الأحزاب: ٤٩]، وهذا مروي عن ابن عباس ﵄ وقتادة إلا أن ابن عباس استثنى، ولفظ قتادة نسخ. [٥٩]- أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: ابنا أبو الفضل البقال، قال: ابنا أبو الحسين بن بشران، قال: ابنا إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبي، قال: بنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ قال: فجعل عدة المطلقة ثلاث حيض، ثم نسخ منها التي لم يدخل بها فقال: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فهذه ليس لها عدة، وقد نسخ من الثلاثة قروء، امرأتان، فقال: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فهذه العجوز التي لا تحيض عدتها ثلاثة أشهر، ونسخ من الثلاثة قروء الحامل فقال: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ. والقول الثاني: أن أول الآية محكم، وإنما المنسوخ منها قوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة: ٢٢٨] قالوا: فكان الرجل إذا طلق ارتجع، سواء كان الطلاق ثلاثا أو دون ذلك، فنسخ هذا بقوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠].
следующие страницы →