← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38131

وظيفة الصورة الفنية في القرآن

عبد السلام أحمد الراغب

Полный текст (466 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة كانت السليقة العربية الصافية تساعد أصحابها على إدراك ما في القرآن الكريم من جمال فني، وتصوير جميل، وتعبير معجز. واستمرت هذه السليقة ردحا من الزمن، إلى أن بدأت تفقد صفاءها، وقدرتها على تذوّق التعبير القرآني، وذلك نتيجة اتساع الفتوحات الإسلامية، ودخول الأجناس المختلفة في نسيج المجتمع الإسلامي، فبدأت حركة تفسير القرآن، وحركة الكشف عن مواضع الإعجاز فيه أيضا. وتنوّعت الدراسات القرآنية آنذاك، وسارت في مسارات عدة، أهمها تلك الدراسات التي ركزت على البلاغة والأساليب وطرائق التعبير، وتأتي في مقدمتها كتب الجاحظ والجرجاني والزمخشري، والخطابي والرماني والباقلاني وغيرهم. فقد رأت هذه الدراسات القيّمة أن «البيان» هو سرّ الإعجاز، وبه كان التحدي للعرب قديما فعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله، وما زال هذا التحدي إلى يوم الدين. وتعدّ «الصورة الفنية» قاعدة الأسلوب القرآني الأساسية، وأداته المفضّلة في التعبير عن المعاني المجردة، والحالات النفسية، والمواقف الإنسانية. وقد تحدّث العلماء في القديم عنها في كتبهم، ولكنها لم تحظ عندهم بدراسة متخصصة مستقلة، كما أن آراءهم حولها، لم تخرج عن الفهم الجزئي المحدود لها، إلى «الفهم الكلي» المدرك لخصائصها الفنية في النص كله.

стр. 2

وحين كثرت الدراسات المعاصرة حول «الصورة» نجد أن الأدباء والنقاد كرّسوا جهودهم على دراسة «الصورة الشعرية»، ولم يهتموا بدراسة الصورة القرآنية، على الرغم من روعة بنائها الفني، وإيقاعها الفريد، وقوة تأثيرها في النفوس، فجاءت هذه الدراسات التنظيرية للصورة قاصرة وناقصة بسبب هذا الإهمال لظاهرة التصوير في التعبير القرآني. وأستثني من هؤلاء الدارسين «سيد قطب» الذي خصص كتابا مستقلا لها عنوانه «التصوير الفني في القرآن» فكان بذلك أول من لفت الانتباه إلى ظاهرة الإعجاز في التصوير القرآني، ولكنه أيضا قصر دراسته على الجانب الفني دون الجانب الوظيفي لها، كما صرّح هو بذلك في مقدمة كتابه يقول: «إذ كان همي كله موجها إلى الجانب الفني الخالص» «١»، ويقول أيضا: «ولكننا إنما ننظر إليها هنا من الوجهة الفنية البحتة» «٢». ولهذا رأيت ضرورة دراسة وظيفة الصورة أيضا، ولا سيما أن كتاب سيد قطب مضى على إصداره أكثر من نصف قرن تقريبا، وقد ظهرت في هذه الفترة دراسات نقدية قيّمة، يمكن الاستفادة منها في دراسة الصورة القرآنية. إن الصورة الفنية في القرآن تخاطب الكينونة الإنسانية مجتمعة بما فيها من عقل وحس ووجدان، وتعزف على أوتار النفس المتقابلة لتقيم التوازن بينها حتى ترتسم صورة الإنسان «النموذج» بأبعاده الفكرية، لهذا كان لا بدّ من دراسة الصورة الفنية دراسة سياقية، تتجاوز الخصائص الفنية للمفردة القرآنية، والتركيب إلى دراستها في «النسق» القرآني كلّه. وبذلك تتكامل دراسة الصورة من حيث «السياق والنسق» في تقديم المعنى المطلوب، والنموذج الإنساني المنشود، لتتحقق بذلك وحدة الصورة الفنية في وحدة النص. ويبرز نظام العلاقات في هذه الدراسة السياقية بصورة جلية واضحة، وأعني به نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية والفكرية، فهو سرّ الإعجاز في التعبير والتصوير، كما أنه سرّ الإعجاز في خلق الإنسان وتكوينه، وخلق الكون وتصميمه. وقد حاولت في هذا الكتاب أن أوضح هذا النظام في التصوير الفني في القرآن،

стр. 3

فوزّعت الوظيفة للصورة القرآنية إلى قريبة، وبعيدة، وأكّدت على الترابط، وقوة التلاحم بينهما. وقد استفدت في ذلك من حديث عبد القاهر الجرجاني عن «المعنى» و «معنى المعنى» «٣». فالمعنى هو الذي يدرك من ظاهر اللفظ، و «معنى المعنى» هو المعنى الآخر المفهوم من المعنى الأول للفظ. وهكذا في وظائف الصورة أيضا، فالقريبة هي المفهومة من ظاهر التصوير الفني، والبعيدة هي ما ترمي إليه الصورة من الأفكار الدينية التي هي غاية التصوير الفني. وليست هذه الوظائف مفصولة بعضها عن بعض، بل هي متلاحمة كتلاحم الروح بالجسم، ولكنّ الفصل بينها في هذا البحث، جاء لتسهيل عرض المادة العلمية. وقد وزعت البحث على أبواب وفصول، فالباب الأول مخصص لدراسة طبيعة الصورة، ويعدّ هذا الباب مقدمة ضرورية لتحديد مفهوم الصورة، وعناصرها، وأنواعها، حتى يتضح منهج الدراسة، الذي سأسير عليه في هذا الكتاب. فبدأت في الفصل الأول، بعرض مفهوم الصورة عند القدماء، والمؤثرات التي أثرت في تحديده، فرأيت أن البلاغيين والنقاد، تأثروا بالمفسرين واللغويين والفلاسفة، في مفهومهم للصورة، فراحوا يركزون على «الشكل» ويضعون له القواعد والمقاييس، دون أن يربطوا ذلك بالنفس أو المضمون، فقصروا الصورة على الجملة، ولم يتجاوزوها إلى دراسة السياق في النص كله، فجاءت آراؤهم جزئية لا تخرج عن هذا الإطار الجزئي المحدود، إلى استخلاص الخصائص الفنية العامة للصورة، ووظائفها الكلية في نقل الفكر أو الرؤية. ثم انتقلت إلى النقاد المعاصرين، لأحدّد مفهومهم لها، فرأيت تباينا كبيرا، وغموضا عجيبا، واضطرابا ملحوظا في تحديد مصطلح الصورة، وذلك لاختلاف المذاهب الأدبية، وانطلاق كل ناقد من مذهب معين في دراستها. فحاولت جمع هذه الآراء في مفهوم موحّد للصورة يجمع بين القديم والحديث، سأسير عليه في دراستي. وفي الفصل الثاني، قمت بتوضيح خصوصية الصورة القرآنية، وتميّزها بعناصر تشكيلها

стр. 4

الفني، واعتمادها على الفكر الإسلامي بالدرجة الأولى في بنائها، فهو المحور الثابت الذي تدور من حوله بقية عناصر التشكيل الفني للصورة، مثل العاطفة والخيال واللغة ... وفي الفصل الثالث: قسمت أنواع الصورة إلى قسمين رئيسين: صورة مفردة، والأخرى سياقية. ويتفرع من هذين النوعين، صور جزئية أخرى، ترجع إلى هذين النوعين. فالصورة المفردة هي الصورة البلاغية، من تشبيه، واستعارة، وكناية، ومجاز مرسل، ومجاز عقلي. وهي الأنواع البلاغية، التي قصر القدماء الصورة عليها. والصورة السياقية، هي أعم وأشمل من الصورة المفردة، وتتضمن صورة المشهد، فاللوحة، فالكلية، ثم الصورة المركزية، التي ترجع إليها جميع الصور وبهذا يتوسّع مفهوم الصورة، لتكون قادرة على تحقيق وظيفتها الدينية، وهذه الأنواع للصورة تعتمد نظام العلاقات بينها، فالصورة المفردة، تنمو وتكبر في السياق، لتكوّن صورة المشهد، التي تقوم بدورها أيضا في التفاعل مع السياق لتكوين «اللوحة»، ثم تنمو هذه اللوحة المرسومة لتكوين الصورة الكلية للسورة الواحدة، ثم إن هذه الصور الكلية، تدور من حول الصورة المركزية في النص القرآني كله، لجلائها وإبرازها. تماما كما دارت عناصر التشكيل للصورة من حول «الفكر الإسلامي» المكوّن الأساسي لها، والذي أكسبها هذه الخصوصية، والتميّز. أما الباب الثاني، فقد عرضت فيه الوظائف القريبة للصورة القرآنية، ووزّعتها على فصول متعددة مراعيا، نمو الصورة في السياق، وانتقالها من الإطار الجزئي في التعبير عن المعاني المجردة، إلى الإطار الكلي، في ضرب الأمثال، وتصوير مشاهد الطبيعة، والتصوير القصصي، ورسم النماذج الإنسانية، وانتقالها أيضا من العالم المحسوس، إلى عالم الآخرة الغيبي، في نقلة واسعة في الحس والشعور والفكر والخيال .. فنظام العلاقات واضح في توزيع الفصول، أو في الوظائف القريبة للصورة، لتحقيق التأثير الديني في النفوس. كما هو واضح في كل فصل على حدة، وقد راعيت ذلك في تناولي لكل فصل بالتحليل والدراسة. ففي الفصل الأول عرضت تصوير المعاني الذهنية، والحالات النفسية، وحاولت أن أبرز

стр. 5

نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية فيه، فجمعت الصور في وحدات أو مجموعات مترابطة، لأداء المعاني، وربطتها بسياقها الواردة فيه. وأحيانا، كنت أتابع الصور في نموّها ودقتها في تصوير المعنى الواحد، لاستيفاء عناصر التصوير للمعنى من جميع جوانبه، كما سيتضح ذلك في الفصل المدروس. وهكذا سرت في الفصل الثاني، فجمعت الأمثال القرآنية في مجموعات أو وحدات، وبيّنت ما فيها من ترابط وتناسق في كل مجموعة أو وحدة على حدة، ثم ترابط المجموعة من الأمثال، مع غيرها، في حركة تفاعل سياقية لتوضيح الفكر أو الرؤية الدينية. وفي الفصل الثالث أيضا، عرضت تصوير مشاهد الطبيعة، ضمن نظام العلاقات التصويرية، فرتبت المشاهد في مجموعات متناسقة مترابطة، منها ما يتعلق بالسماء، ومنها ما يتعلق بالأرض، ومنها، ما يتعلق بالنبات والزروع وغير ذلك، وأبرزت ما بين هذه المشاهد الطبيعية، من تفاعل وتعاون، لإبراز الفكر الديني. وفي الفصل الرابع، تناولت تصوير الحوادث الواقعة، في زمن نزول القرآن، وركزت على نمو التصوير، مع حركة تطور الأحداث، وكيف رسمت الصورة الأحداث، من خلال التركيز على جوانب منها، لأن هدف التصوير ليس التسجيل التاريخي للأحداث، وإنما تحقيق العظة والاعتبار منها. لهذا أهملت الصورة ذكر أسماء الأشخاص، وتحديد الأزمنة والأمكنة وذلك حتى تكتسب الأحداث المصورة، وما صاحبها من توجيه ديني، صفة الشمول والبقاء. وفي الفصل الخامس: عرضت التصوير القصصي، وأبرزت نظام العلاقات، في توزيع حلقات القصة على سور القرآن المختلفة، وذلك لتحقيق الأغراض الدينية. فالقصة القرآنية، لا تعرض حلقاتها كاملة في سورة واحدة ما عدا قصة يوسف- بل توزّع على سور القرآن، حسب الإنسان التي تقتضيها، ضمن نظام العلاقات في الأسلوب القرآني. ولكن هذه الحلقات لو جمعت. من أنساقها الواردة فيها، لشكلت قصة مكتملة، بحلقاتها، وتكامل أحداثها، وأشخاصها، وتعتبر قصة يوسف نموذجا للقصة القرآنية في تكامل أحداثها وأشخاصها، وهي القصة الوحيدة، التي عرضت في سورة واحدة من بدايتها إلى نهايتها.

стр. 6

وفي الفصل السادس: تحدثت عن النماذج الإنسانية التي ترسمها الصورة، وهي نماذج خيرة للاقتداء والاحتذاء، ونماذج شريرة، للتحذير منها، والابتعاد عنها. وفي الفصل السابع: تناولت تصوير مشاهد القيامة، وعرضتها ضمن نظام العلاقات بين الصور، مرتبا هذه المشاهد حسب الأحداث الهائلة ليوم القيامة، فبدأت بتصوير النفخة، وما يعقبها من مشاهد كونية، في السماء والأرض، والجبال والبحار، ثم مشاهد خروج الناس من القبور ثم مشاهد الحشر، ثم مشاهد الحساب والميزان، ثم مشاهد النعيم، ومشاهد العذاب، وعرضت ما في مشاهد النعيم. من صور مترابطة تعتمد نظام العلاقات التصويرية، فتبدأ بتصوير مساحة الجنة، وأبوابها، وحراسها، وما يحيط بالمكان من أشجار وأنهار، ثم وفود أهل الجنة إليها، ثم تصوير ما في الجنة من أنواع النعيم الحسي والمعنوي، يشمل الطعام، والشراب، واللباس، والمجلس، والأثاث، والسمر، والأحاديث، وهكذا أيضا عرضت صور العذاب بنفس الطريقة التصويرية في النعيم، لكي تكون الصورتان متقابلتين في الأذهان، فتتضح الفروق في الثواب والعقاب. والباب الثالث، تناولت فيه الوظائف البعيدة، ووزّعتها على أربعة فصول: ففي الفصل الأول عرضت الوظيفة الفنية للصورة، وهي غرض مقصود من أغراض التصوير الفني في القرآن الكريم، لأن قضية الإعجاز في القرآن، تهدف إلى تحقيق غرض ديني، وهو إثبات أن هذا القرآن منزل من عند الله. لهذا تحدى القرآن العرب أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله، فعجزوا، فثبت الإعجاز في أسلوبه وبيانه، وبذلك يتلاحم الغرض الفني بالغرض الديني، لتحقيق الإعجاز في القرآن الكريم. وقد جعلت هذا الفصل أيضا يعتمد نظام العلاقات، في تشكيل الحروف، والكلمات، والجمل، والسياق العام، والإيقاع الموسيقى، والوحدة الفنية للصورة. وفي الفصل الثاني، وضحت أن الصورة القرآنية، لا تكتفي بإثارة المشاعر الإنسانية على نحو مبعثر، وإنما تثيرها، ضمن نظام خاص، لإقامة التوازن بين المشاعر المتقابلة، لبناء النفس الإنسانية، على أساس التوازن بين المشاعر المتناقضة. وفي الفصل الثالث انتقلت إلى الوظيفة العقلية، لأبيّن طريقة الصورة، في إيقاظ

стр. 7

العقل، لكي يستقبل الحقائق الدينية، كما أن الوظيفة العقلية، تسعى إلى مهمة أكبر، وهي تشكيل العقل على أسس جديدة، من التأمل والملاحظة في الكون المحسوس، لاستخلاص الحقائق أو القوانين المبثوثة فيه. وقد اعتمدت الصورة على الجدل، والقياس، والمناظرة، والتمثيل وغير ذلك، لتحقيق هذه الوظيفة ثم انتقلت في الفصل الرابع إلى الوظيفة الدينية التي هي الوظيفة الأساسية للصورة، وهي بمنزلة المحور الثابت الذي تدور من حوله جميع الوظائف الأخرى، وذلك لخصوصية النص القرآني، باعتباره كتابا منزلا من عند الله سبحانه. وفي الختام: أشكر زوجتي وأولادي الذين وفّروا لي ظروف الكتابة وأجواءها، كما أشكر الإخوة والأصدقاء جميعا الذين شجعوني على طباعة هذا الكتاب، وأسأل الله سبحانه أن يوفقنا لخدمة كتابه العزيز. إنه سميع مجيب.

стр. 8

الباب الأول طبيعة الصورة الفصل الأول: مفهوم الصّورة. الفصل الثاني: مقوّمات الصورة الفنيّة في القرآن الكريم. الفصل الثالث: أنواع الصّور في القرآن الكريم.

стр. 9

الفصل الأول مفهوم الصورة أصبحت قضية «الصورة» من القضايا الأساسية في النقد العربي الحديث، لأنها متصلة اتصالا مباشرا بنظرية المعرفة الإنسانية، بجانبيها الفلسفي، والأدبي. بيد أن الصورة على الرغم من أهميتها في الدراسات الحديثة، وخطورتها في الوقت نفسه، فإنها ما زالت مصطلحا غامضا، ينظر إليها كل ناقد، من خلال رؤيته المعرفية، ومذهبه الأدبي. ومن هنا جاءت الدراسات النقدية متباينة في فهمها، كما جاءت تطبيقاتها في الشعر، مختلفة في مناهجها ونتائجها. على الرغم من أن مصطلح «الصورة» قديم في تراثنا الأدبي والفكري يرجع إلى استعمالات القرآن لهذا المصطلح بصيغ مختلفة، في سياق تكريم الإنسان، وتفضيله، وبيان ميزته على سائر المخلوقات، كما أن الجاحظ، قد لفت انتباه الأدباء والنقاد لهذا المصطلح، وأهميته في العمل الأدبي ولكن الدراسات البلاغية والنقدية، ضيّقت من مفهوم الصورة، وحصرتها في أنواع وأشكال لا تتعداها فأثّر هذا الفهم الجزئي، في تذوق النص القرآني، وما فيه من شمول، وتنوّع، وصل إلى حدّ الإعجاز للبشر، في تعبيره، وتصويره، وقوة تأثيره. وكان من المفترض لدى النقاد المعاصرين، أن يهتموا بدراسة الصورة القرآنية، لأنها تصلح نموذجا يحتذى في تناسق التعبير مع التصوير، وتناسق الصورة مع المعنى، أو الشكل مع المضمون، كما تصلح نموذجا أيضا لتنوع الصور، وتفاعلها مع السياق، حتى أصبح النص كله مجسّدا للفكرة الدينية المطلوبة.

стр. 10

ولكن النقاد المعاصرين أهملوا الصورة القرآنية في دراساتهم النقدية والأدبية، تنظيرا وتطبيقا، وفضّلوا قصرها على الصورة الشعرية فقط، فجاءت أحكامهم مقصورة على الشعر لا تتعداه إلى أجناس التعبير الأخرى، ولا تكتمل دراسة الصورة إلا بدراسة الصورة القرآنية أيضا لمعرفة ما فيها من خصوصية في التعبير والتصوير. إن الصورة القرآنية، لا يمكن أن تفهم من خلال الدراسات البلاغية القديمة لها فحسب وإنما لا بدّ من توسيع مفهوم الصورة القرآنية، لكي تستطيع استيعاب الفكر الإسلامي الذي تجسّده. لهذا سأحاول في هذا الفصل أن أدرس مفهوم الصورة بين القديم والحديث، وما وقعت فيه البلاغة القديمة من الفهم الجزئي للصورة، والتركيز على الشكل دون المضمون، نتيجة مؤثرات عدة، لأصل في النهاية إلى أن الدراسات القديمة، لا تستوعب كل الصور القرآنية، ولا تبرز خصوصيتها في بنائها الفني المعتمد على الفكر الديني، ووظيفتها الهادفة لتحقيق الغرض الديني من التصوير. لهذا لا بدّ من توسيع مفهومها لتستوعب هذا الفكر، وتقوم بإيصاله. كما أن الدراسات الحديثة للصورة، اقتصرت على الشعر، واضطربت في فهمها على الرغم من محاولة النقاد المعاصرين التوسيع من مفهومها، وقد قسمت هذا الفصل إلى فقرتين أساسيتين، أدرس في الأولى مفهوم الصورة عند القدماء وفي الأخرى مفهومها عند المعاصرين. أ- الصورة عند البلاغيين والنقاد القدماء: اهتم البلاغيون والنقاد العرب بدراسة الصورة، وتحليل أركانها، وبيان وظائفها. من خلال دراساتهم للأسلوب القرآني الذي اعتمد الصورة في التعبير عن أغراضه الدينية، والشعر العربي الذي حفل بها حتى لا تكاد تخلو قصيدة شعرية منها. ولكن آراءهم حول الصورة جاءت متأثرة بآراء اللغويين والمفسرين والفلاسفة الذين يحدّدون مدلول الكلمة في الشكل دون المضمون غالبا: ففي المعاجم العربية يدور مدلول كلمة الصورة حول الشكل الخارجي، فقد جاء في القاموس المحيط «الصورة بالضم: الشكل والجمع صور وصور، وقد صوّره فتصوّر، وتستعمل

стр. 11

الصورة بمعنى النوع والصفة ... » «١» ولفظ «الصورة» اسم مصدر من فعل رباعي «وقد صوّره فتصور» وقد ورد مصدر الفعل قياسيا بصيغة «تصوير». ووردت عين اللفظة واوا أو ياء بمعنى واحد، «قال الأزهري: ورجل صيّر شيّر أي حسن الصورة والشارة»، وقال ابن سيدة: الصورة في الشكل، ونقل عن الجوهري عن الكلبي في قوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ الأنعام: ٧٣، ويقال هو جمع صورة مثل بسر وبسرة أي ينفخ في صور الموتى الأرواح. قال: وقرأ الحسن: (يوم ينفخ في الصور) بفتح الواو. وقد يراد بالصورة الوجه من الإنسان أو الهيئة من شكل وأمر وصفة «٢». وقد وردت كلمة «الصورة» في القرآن الكريم ست مرات. بصيغ مختلفة، فذكرت بصيغة الماضي والجمع في قوله تعالى: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ غافر: ٦٤، وبصيغة الماضي فقط، في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ الأعراف: ١١، وبصيغة المضارع، في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ آل عمران: ٦. وبصيغة اسم الفاعل، في قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ الحشر: ٢٤. وبصيغة المفرد «صورة» في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ الانفطار: ٦ - ٧. وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أن «الصورة» هي «الشكل». قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أي أحسن أشكالكم «٣». وقال القرطبي: خلقكم في أحسن صورة «٤». ويرى الزمخشري أن الله خلق الإنسان على هيئة ميّزته عن سائر المخلوقات «٥». فالصورة- عند هؤلاء المفسرين- تعني: الشكل الخارجي للإنسان، ولا تدل على الجانب المعنوي فيه، وإذا دققنا- نحن- في استعمالات مادة الصورة في القرآن الكريم واختلاف صيغها، نجد أنها وردت في صدد الحديث عن الإنسان، وفي سياق تذكيره بنعمة الله عليه

стр. 12

في خلقه وتكوينه، وتمييزه عن سائر المخلوقات الأخرى، ولا يكون هذا التميّز عن سائر المخلوقات الأخرى بالشكل فحسب، وإنما أيضا بالعقل والإدراك والشعور. وبذلك يمكن أن نوسّع من مدلول استعمال الكلمة في القرآن ليشمل الشكل والمضمون معا. وهذا المفهوم ينسجم مع آيات أخرى في القرآن، تعدّ المشركين كالأنعام، لأنهم فقدوا ميّزة الإنسان، في الإدراك والتفكير، وإن كانوا في صورة الآدميين في الظاهر. ولكن المفسرين- على ما يبدو- كانوا ينطلقون في تفسير كلمة الصورة، من اللغة التي تدور دلالتها في المعاجم، حول الشكل الخارجي للأشياء. ونضيف إلى ذلك التأثر بالمفهوم الفلسفي اليوناني للصورة وبالذات الفلسفة الأرسطية، فقد عرف العرب كلمة الصورة بمعناها الفلسفي التي تفصل بين «الصورة والهيولى» والصورة هي الشكل، والهيولى هي المادة، فالمنضدة هيولاها الخشب والغراء، وصورتها هي التركيب المخصوص للخشب والغراء حتى يظهر في شكل معين «٦». وقد دعم هذا الفصل بين الصورة والهيولى فكرة المعتزلة، التي تفصل بين اللفظ والمعنى، في تفسير القرآن الكريم كما أثر في الدراسات الأدبية والبلاغية أيضا «٧». هذه المؤثرات اللغوية والدينية والفلسفية، وجّهت البلاغيين والنقاد، نحو التركيز على الشكل في دراسة الصورة، ويعدّ الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) أول من لفت الانتباه إلى الصورة في العمل الأدبي بقوله: «فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير» «٨». وقد أثارت هذه العبارة جدلا بين النقاد في تحديد مدلولها، فالدكتور كامل بصير يرى أن عبارة الجاحظ حول التصوير، تشمل اللفظ والمعنى معا، أو الشكل والمضمون. وهذا المفهوم- برأيه- يعدّ امتدادا لمدلولها في اللغة والقرآن، وقد حاول تأويل النصوص اللغوية والقرآنية، وتحميلها من الأفكار ما لا تحتمله، حتى يرجع مفهوم الصورة إلى أصول عربية، ونفي أي تأثر بالثقافات الأجنبية «٩».

стр. 13

والظاهر من عبارة الجاحظ؛ أنه ينحاز إلى الشكل في مفهومه للتصوير مقلّلا من أهمية المعنى، كما يرى الدكتور إحسان عباس «١٠». ولكن لماذا اتجه الجاحظ هذا الاتجاه الشكلي في التصوير مع أنه ليس من الشكليين في التطبيق؟ قد يكون هدف الجاحظ من عبارته المذكورة الرد على أستاذه النظّام الذي يقول «بالصرفة» في إعجاز القرآن فأراد الجاحظ أن يرجع الإعجاز إلى صياغة القرآن الكريم ونظمه، وليس لقانون «الصّرفة». أو لعله يريد أن يرد على النقاد الذين انصرفوا إلى متابعة الشعراء في «سرقات المعاني»، أو ربما يرجع السبب إلى الجاحظ نفسه الذي لم يكن يعجزه الموضوع أو المعنى، فأحس بأن المعنى مبذول في الطريق، وأن القيمة تكمن في الصياغة والتصوير، فالجاحظ لم يكن يدور في ذهنه أن يفضل الشكل على المضمون في عبارته هذه، أو أن تصبح هذه العبارة «نظرية» مطبقة عند البلاغيين من بعده، الذين انصرفوا إلى العناية بالصورة الشكلية على حساب المعاني والأفكار. ثم جاء قدامة بن جعفر (ت ٣٣٧ هـ) فاتجه اتجاها شكليا، في فهم الصورة، متأثرا بالثقافة اليونانية وفلسفتها في الفصل بين «المادة والهيولى»، ويقيس الصورة الفنية في الشعر على الصورة في المواد المحسوسة، مكررا رأي الجاحظ في قياسها على المواد المحسوسة كالخشب والفضة وغيرهما، وكأن الصورة تعني تشكيل المادة في هيئة معينة يقول: «إن المعاني كلها معرضة للشاعر، وله أن يتكلم منها فيما أحب وآثر، من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه. وإذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة، والشعر فيه كالصورة، كما يوجد في كل صناعة من أنه لا بد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصورة فيها، مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة» «١١». فقدامة في هذه العبارة لا يقدم مفهوما جديدا للصورة، وإنما يكتفي بالتركيز على الفصل بين المادة والصورة. فيعتبر «الصورة» تقابل «المادة»، وكأنها هيئة خارجية لها أو شكل، فهو يفصل بين الشكل والمضمون، ليطلق حرية الشاعر في اختيار المعاني التي يريد، طالما صحت الأشكال الخارجية للشعر. وهذا الفهم للصورة هو فهم الفلاسفة الذي يفصلون بين

стр. 14

المادة والصورة «١٢». فالعمل الأدبي- في طبيعته- لا يمكن أن يقرّ هذا الفصل بين الشكل والمضمون، فهما متلاحمان فيه كتلاحم الروح في الجسد. وقد قام عبد القاهر الجرجاني فيما بعد بالقضاء على هذه الثنائية في فهم الصورة، فربط بين الشكل والمضمون في نظريته المعروفة ب «نظرية النظم» وسوف أتحدث عنه بعد قليل. ويلتقط الرماني (ت ٣٨٦ هـ) فكرة التصوير من الجاحظ، ويخطو بها خطوة أخرى، فيطوّرها من خلال تطبيقها على استعارات القرآن الكريم وتشبيهاته، ويصبح مفهوم «التصوير» أكثر تحديدا عنده. فالتصوير عند الرماني هو «تجسيد المعنويات في صورة المحسوسات التي ترى بالأبصار» «١٣». وتقوم الصورة البلاغية عنده بنقل المعنى المجرد إلى الحس العيني، فقوله تعالى: تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ الملك: ٨ «الاستعارة أبلغ لأن مقدار شدة الغيظ على النفس محسوس» «١٤»، وقوله: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ آل عمران: ١٨٧، التعبير بالاستعارة أبلغ «لما فيه من الإحالة على التصور» «١٤»، وقوله: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ إبراهيم: ١، «والاستعارة أبلغ لما فيه من البيان بالإخراج إلى ما يدرك بالأبصار» «١٤». ويتحدث عن وجوه التشبيه الأربعة: فالأول: هو إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة. والثاني: إخراج ما لم تجر به عادة إلى ما جرت به العادة. والثالث: إخراج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بالبديهة. والرابع: إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة في الصفة «١٧». ويمكن حصر هذه الوجوه الأربعة للتشبيه في وجهين اثنين هما: تجسيد المعنوي في صورة حسية، والانتقال من صورة حسية إلى صورة حسية أكثر وضوحا. ويبدو أن الرماني قد توصّل في دراسته للإعجاز في القرآن إلى تميّز التشبيه والاستعارة

стр. 15

فيه بهذه الوجوه التي ذكرها، بحيث يمكن اعتبارها مجتمعة سمات «الصورة القرآنية» «١٨». ولكن على الرغم من هذه الآراء القيمة، حول الصورة القرآنية، فإنها تظل تدور في إطارها الحسي والجزئي، لا تتعدى الآية القرآنية الواحدة المتضمنة للصورة، مكتفيا الرماني بالإشارة إلى جمال الاستعارة أو التشبيه دون أن يربط الصورة بالسياق الواردة فيه، أو يتجاوز الصورة البلاغية في الجملة إلى الصورة في السياق. كما أنه ظلّ يركّز على «الشكل» من خلال إلحاحه على «الصورة البصرية» في نماذجه التي وقف عندها. ويحيل كلّ أنواع الصور القرآنية إليها، علما بأن الصورة في القرآن أعمّ من ذلك وأشمل، فهي تربط بين المحسوس وغير المحسوس أو بين الصورة الحسية والمعنوية، فلا يمكن الفصل في الصورة القرآنية بين الحسي والمعنوي أو بين الصورة المفردة والسياق، أو بين الصورة والمعنى الديني. والإعجاز القرآني لا يرجع إلى هذه الصورة البلاغية الجزئية مفصولة عن سياقها فقط، وإنما يكمن الإعجاز التصويري في تشابك العلاقات بين الصورة الجزئية والكلية، ضمن بناء الصورة العام، كما سأوضح ذلك في الفصول القادمة، إن شاء الله. وقد أثّر الرماني في أبي هلال العسكري (ت ٣٩٥ هـ) تأثيرا كبيرا، فنرى العسكري يأخذ فكرة الرماني أخذا حرفيا، ويتوقف عند الشواهد القرآنية نفسها تقريبا «١٩»، ولكنه يلحّ على «الصورة البصرية» أكثر من الرماني، ويرجع جمال الاستعارات في القرآن إلى إخراجها «ما لا يرى إلى ما يرى» «٢٠». ففي قوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ آل عمران: ١٨٧، يقول: «حقيقته غفلوا عنه والاستعارة أبلغ لأن فيه إخراج ما لا يرى إلى ما يرى» «٢١»، وقوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ الإسراء: ٢٩، يقول: «حقيقته لا تكونن ممسكا، والاستعارة أبلغ، لأن الغلّ مشاهد، والإمساك غير مشاهد، فصوّر له قبح صورة المغلول ليستدل به على قبح الإمساك» «٢٢»،

стр. 16

وقوله تعالى: أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ هود: ٨٠ يقول: «أي إلى معين، والاستعارة أبلغ، لأن الركن مشاهد، والمعين لا يشاهد» «٢٣»، وقوله تعالى: فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ الأعراف: ٢٢ يقول: «أخرج ما لا يرى من تنقصهم بآيات القرآن إلى الخوض الذي يرى، وعبر عن فعل إبليس الذي لا يشاهد بالتدلّي من العلوي إلى سفل وهو مشاهد» «٢٤». ويلاحظ في تحليل العسكري لآيات القرآن المذكورة إلحاحه على أفعال الرؤية والمشاهدة، لأنه يركّز على الصورة «البصرية» أكثر من الرماني، ولكن أبا هلال العسكري حاول الاجتهاد في فكرة «التصوير» الجاحظية مستخدما كلمة «الصورة مع فعلها» حين قال: «فصوّر له قبح صورة المغلول ... » ولا شكّ في أنه قد تأثّر بفكرة الجاحظ. كما استفاد من تحليل الرماني لآيات القرآن على ضوء فكرة التصوير، فألحّ على الجانب الحسي البصري في الاستعارة، ولكنه لم يستطع أن يخرج عن شواهد الرماني وأفكاره وأسلوبه في تحليل الآيات القرآنية، فظلّ يتعامل مع مفهوم الصورة بإطارها الشكلي والجزئي، فقصرها على الاستعارة والتشبيه فقط كالرماني، ولم يربطها بالمعنى والسياق، مع أن فكرة التصوير أعم وأشمل من التشبيه والاستعارة، إذا نظرنا إلى الأسلوب القرآني الذي يتخذ الصورة وسيلة للتعبير عن أعراضه الدينية بحيث يمكن أن يعدّ أسلوبه كله أسلوبا تصويريا ما عدا الآيات المتعلقة بالتشريع طبعا، هذه النظرة الشمولية للأسلوب القرآني التصويري، تثري مفهوم «الصورة الفنية» وتنقلها من إطارها الجزئي إلى مفهوم كلي شامل مرتبط بالسياق كله الذي يقوم على نظام العلاقات بين الصورة البلاغية المفردة، والصورة السياقية، وهذا ما حاول أن يقوم به الناقد الذوّاقة عبد القاهر الجرجاني. فقد حاول الجرجاني (ت ٤٧١ هـ) بعبقريته الفذّة، أن يصحّح المفاهيم النقدية الخاطئة من قبله، والتي قامت على الفصل بين اللفظ والمعنى. فنظرت على ضوء هذه الثنائية بين اللفظ والمعنى، إلى حصر الصورة في الشكل دون المضمون. فقام الجرجاني بربط الصورة بالصياغة أو النظم، والصياغة عنده متحدة بالمعنى ولا تنفصل عنه، فأي تغيير في الصياغة يتبعه تغيير في الصورة، لأن الصورة تفهم من خلال «النظم» يقول الجرجاني: «ومعلوم أن

стр. 17

سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير، والصوغ فيه، كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار. فكما أن محالا إذا أردت النظر في صوغ الخاتم، وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل وتلك الصنعة، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه» «٢٥». ويتضح من عبارته هذه أن الصياغة- عنده- تعني الصورة، والصورة تعني الصياغة أو النظم، ومعيار الجودة ليس في المادة المكونة للصورة، وإنما في التشكيل الفني للصورة، لأن الصورة هي التي تجعل الفضة خاتما أو سوارا «٢٦». ويلاحظ أن الجرجاني ما زال يقيس الصورة في الكلام على الصورة في المواد المحسوسة، ولكنه يزيل اللبس الذي لحق بأقوال سابقيه حول الفصل بين اللفظ والمعنى، أو المادة والصورة، ويرى أن العلاقة بين الصورة ومادتها علاقة تفاعل وانصهار لتوليد المعنى المراد، فليس هناك ثنائية منفصلة بين اللفظ والمعنى وإنما هناك التفاعل لتوليد عنصر جديد ثالث هو «الصورة». فنحن- كما يرى الجرجاني- لا ننظر في صوغ الخاتم إلى مادته الذهبية أو الفضية المصنوع منها، وإنما ننظر إلى جودة صياغته. وقياسا على ذلك فإن جودة الكلام لا ترجع إلى معناه، بل ترجع إلى بلاغة نظمه، وجودة صياغته. ويوضّح الجرجاني طبيعة الصورة فهي «تمثيل وقياس» وهي أيضا إبراز للمعنويات في صور المرئيات يقول: «واعلم أن قولنا صورة إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا» «٢٧». ويشعر الجرجاني بالخطوة الجديدة التي يضيفها إلى مفهوم الصورة ودور العقل في تشكيلها، فيلفت الانتباه إلى أن مصطلح الصورة قديم، أشار إليه الجاحظ من قبل. يقول الجرجاني: «وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر بل هو مستعمل

стр. 18

مشهور في كلام العلماء ويكفيك قول الجاحظ: إنما الشعر صياغة وضرب من التصوير» «٢٨». والفرق واضح بين الجاحظ والجرجاني في مفهوم الصورة، فالجاحظ يعتبر الشعر ضربا من التصوير، بينما الجرجاني يعتبر الشعر تصويرا كله، لأن التصوير عند الجرجاني هو الهيئة التي تتشكل فيها المعاني حقيقية أو مجازية. وتصوير المعاني يعني نظمها على هيئة مخصوصة. ويهدف الجرجاني من ربطه الصورة بالسياق اللغوي أن يقضي على الثنائية بين اللفظ والمعنى، وما أثير من جدل نقدي حول تفضيل أحدهما على الأخر. فاختار الجرجاني اسما بديلا لهما هو «صور المعاني» ويعني بها الصورة التي تتشكل فيها المعاني. ويعرض الجرجاني للأنواع البيانية كالتشبيه والاستعارة والكناية، في كتابه «دلائل الإعجاز» ليثبت أن جمال هذه الأنواع لا يرجع إلى حسن ألفاظها وإنما يرجع إلى أنها «صور للمعاني» «٢٩». ويتوسّع الجرجاني في مفهوم الصورة، فيرى أنها متعددة العناصر، فقد تعتمد على الأنواع البيانية المعروفة، وقد تعتمد على أشكال أخرى، كالتقديم والتأخير أو القصر أو الخبر أو الإنشاء ونحو ذلك «٣٠»، ولكن الجرجاني يعتبر الأنواع البيانية كالتشبيه والتمثيل والاستعارة. أهم عناصر الصورة المكوّنة لها، فهي الأصول التي تدور المعاني حولها، وإليها يرجع محاسن الكلام غالبا يقول: «فإنّ هذه أصول كبيرة كان جلّ محاسن الكلام- وإن لم نقل كلها- متفرعة عنها وراجعة إليها، وكأنها أقطاب تدور عليها المعاني في متصرفاتها وأقطار تحيط بها من جهاتها» «٣١»، فالجرجاني لا يحصر الصورة في الأنواع البيانية المعروفة، وإنما يتوسّع في مدلولها، ويجعلها إطارا عاما تتشكّل فيه المعاني، وتظهر فيه كل الأساليب الفنية بيانية وغير بيانية «٣٢». ويخصّص الجرجاني كتابه «أسرار البلاغة» للحديث عن عناصر تشكيل الصورة مثل التشبيه والاستعارة والتمثيل كما خصّص «دلائل الإعجاز» لربط الصورة بالصياغة أو النظم

стр. 19

كما بيّنا آنفا. فهو في «أسرار البلاغة» يتحدث عن «بناء الصورة» ودور العقل في تشكيلها أحيانا. فالاستعارة أنواع، منها ما يكون الشبه مأخوذا من الصور العقلية كاستعارة النور للبيان والحجة، والصراط للدين، وهذا اللون هو من صميم الاستعارة «٣٣». كما يتحدث عن الصور الحسية في أثناء حديثه عن التشبيه والتمثيل والفروق بينهما، ويقف عند تفصيلات الصورة الحسية بأنواعها مثل اللون والهيئة والحركة، والصوت، والذوق، واللمس ... إلخ «٣٤». ونحن نجد النقد الحديث يعنى بدراسة الصورة الحسية ودلالتها على اتجاه الشاعر أو الأدب، فهناك الشعراء يكثرون من الصور البصرية، وآخرون يميلون إلى الصور السمعية وهكذا. والجرجاني في حديثه عن الصور العقلية، والصور الحسية، كان قصده أن يبيّن عناصر تشكيل الصورة، وطريقة بنائها، فمرّة تعتمد الصورة على العقل في تشكيلها، وأخرى على الحواس المعروفة، ولم يكن الجرجاني يهدف إلى تقديم مفاهيم جديدة للصورة كما ذهب إلى ذلك الدكتور محمد إبراهيم شادي «٣٥». ويرى الدكتور أحمد دهمان أن الجرجاني «لم يستخدم مصطلح الصورة استخداما واحدا في كتابيه، فأحيانا يشير به إلى التقديم الحسي للمعنى ممثلا بالاستعارة والكناية والتمثيل، وأحيانا يشير إلى الشكل العام للكلام وطريقة الصياغة» «٣٦». وهذا الرأي الذي توصّل إليه الدكتور دهمان غير دقيق، لأن مفهوم الصورة عند الجرجاني واحد، وليس متعددا كما أشار الدكتور محمد شادي من قبل أو يدور حول مدلولين أو مصطلحين كما فهم الدكتور دهمان فنحن حين نقرأ تحليل الجرجاني لبعض آيات القرآن أو بعض الأشعار، لا نحس بهذه الازدواجية في مفهوم الصورة بل نحس بالمفهوم الواضح المميّز للصورة. ففي قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مريم: ٤ نجد الجرجاني

стр. 20

يحلّل الصورة وفق مفهومه لها في ربطها بالصياغة الفنية، ولا ينظر إليها من خلال ألفاظها المفردة، ويرى أن الناس يرجعون جمال هذه الصورة إلى الاستعارة دون سواها، ولم ينظروا إلى الصورة من خلال جمال النظم. فالإسناد الوارد في الصورة هو مصدر جمالها وحسنها، فلو قيل «واشتعل شيب الرأس» ما بقي للصورة هذا الحسن والجمال، ويعلّل الجرجاني سرّ الجمال في إسناد الاشتعال للرأس بأنه «يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى الشمول، وأنه قد شاع فيه وأخذه من نواحيه ... » «٣٧». فالجرجاني يركّز على أن الصورة هي في النظم أو الصياغة، ليثبت أنّ الإعجاز في القرآن يرجع إلى نظمه وصياغته، وأنّ الاستعارة الواردة في الآية هي من عناصر تشكيل الصورة. فليس هناك مصطلحان للصورة عند الجرجاني في كتابيه، وإنما هو مصطلح واحد، وضّحه في كتابه الدلائل ثم خصّص كتابه الأسرار لتوضيح عناصر التصوير وأدواته. ولولا سيطرة قضية الألفاظ والمعاني عليه لتوصّل إلى قضايا نقدية أخرى متعلقة بالصورة، ولكنّ هذه القضية صرفته عن كثير مما كان وشيكا أن يصل إليه كما يقول سيد قطب عنه «٣٨». وقد حاول الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) أن يسير على طريقة الجرجاني في التصوير، فاستخدم مصطلحات عدّة: مثل التصوير والتمثيل والتخييل، وكلّها عنده تبرز المعاني المعقولة في صور حسية. وقد فسّر المعاني القرآنية والحقائق الدينية، على ضوء التصوير، فوضّح أن التشبيهات «إنما هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في الأشياء، حتى تبرزها، وتكشف عنها، وتصورها للأفهام» «٣٩». فدور التمثيل هو الكشف عن المعاني الغامضة، والتصوير بمنزلة التشكيل لها يقول: «لأن التمثيل مما يكشف المعاني، ويوضّحها، لأنه بمنزلة التصوير والتشكيل لها» «٤٠». وهذه العبارة توهم أن التمثيل غير التصوير عنده، بينما هما مصطلحان لمعنى واحد،

стр. 21

وهو تشكيل المعاني على هيئة مخصوصة. فالزمخشري يستخدم هذه المصطلحات المتعددة للصورة، لكي يحيط بوظائف الصورة في التشخيص والتجسيد والتخييل. ويبيّن الزمخشري قيمة الصورة في نقل المعاني الذهنية في صور حسية. فقوله تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لقمان: ٢٢ يقول الزمخشري معلقا على هذا التصوير الحسي: «وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر، والاستدلال بالمشاهد المحسوس، حتى يتصوره السامع، كأنه ينظر إليه بعينيه، فيحكم اعتقاده، والتيقن به» «٤١». والمعاني عنده نوعان: المعاني المحققة، والمعاني المفروضة المتخيلة، فالمعاني المحققة هي التي لها وجود خارجي حسي، وتقوم الصورة بدورها في إبراز هذين النوعين من المعاني، فقوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ البقرة: ٢٦١ هو نموذج للمعاني المحققة، التي قامت الصورة الفنية بتوضيحها فهي «تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر» «٤٢». والمعاني المتخيلة أو المفروضة كقوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ الأحزاب: ٧٢ المقصود بها «تصوير عظم الأمانة، وصعوبة أمرها، وثقل محملها، والوفاء بها» «٤٣». فالزمخشري يسير في تفسيره «الكشاف» على ضوء مفهومه للتمثيل والتصوير، ويرجع بلاغة القرآن إلى أسلوبه التصويري في نقل المعاني المحققة والمتخيلة، ويلح في تحليله للصورة القرآنية، على الجانب البصري فيها ويتشابه في هذا مع الرماني وأبي هلال العسكري، ولكن الصورة القرآنية أوسع وأشمل من التقديم البصري، وحصرها فيه، تضيق لقدراتها المتنوعة والفنية «٤٤». وجاء ابن الأثير (ت ٦٣٧ هـ) فألحّ أيضا على الجانب البصري في الصورة، وأطلق هذا المصطلح على كل مرئي مشاهد من التشبيهات، كقوله تعالى مثلا:

стр. 22

وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ الصافات: ٤٨ - ٤٩، وهذا التشبيه- عنده- من قبيل تشبيه صورة حسية بصورة حسية، وهناك أيضا تشبيه معنى بصورة كقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً النور: ٣٩. وهذا عنده من أجود أنواع التشبيه، لأنه يعبر عن المعاني الذهنية بالصور المرئية المشاهدة «٤٥». ويرى حازم القرطاجني (ت ٦٨٤ هـ) أن الصورة الفنية هي استعادة لمدرك حسي بعد غيابه. فالمعاني تدرك من العالم المحسوس، وتكوّن لها صورا ذهنية، ثم تأتي الصورة الفنية، فتستشير هذه الصور الذهنية، بعد غياب المدرك الحسي عنها. يقول حازم: «إن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان، فكل شيء له وجود خارج الذهن، فإنه إذا أدرك، حصلت له صورة في الذهن تطابق ما أدركه منه، فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك، أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصور الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم» «٤٦». ولكنّ مفهوم الصورة أخذ يضيق ويتحجّر على يد البلاغيين المتأخرين مثل السكاكي، والخطيب القزويني وشرّاح التلخيص، فأطلقوا مصطلح الصورة على بعض التشبيهات والاستعارات المركبة. يقول الخطيب القزويني: «وأما المجاز المركب فهو اللفظ المركب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه، أي تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور أخرى ... ». وعلّق القزويني على «أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى» بقوله: «شبه صورة تردده في المبايعة بصورة تردد من قام ليذهب في أمر، فتارة يريد الذهاب، فيقدم رجلا، وتارة لا يريد، فيؤخر أخرى» «٤٧». وهكذا انتهى مفهوم الصورة عند المتأخرين من البلاغيين إلى نوع من المجازات المركبة،

стр. 23

ولم ينظر هؤلاء إلى طبيعة اللغة العربية المصورة بمفرداتها وتراكيبها، واشتقاقاتها الغنية، التي تثير صورا فنية مؤثرة بل إنهم لم يتابعوا عبد القاهر الجرجاني، والزمخشري فيما توصّلا إليه، من مفهوم للصورة، يعدّ متقدما وذا قيمة إذا وضع في إطار عصرهما. إنّ مفهوم القدماء للصورة ظلّ مفهوما جزئيا لها، يدور في الإطار الحسي، بعيدا عن النظرة الكلية والشمولية للعمل الأدبي، وحتى كتب الإعجاز، تأثّرت باتجاه النقد العربي القديم، فاهتمت بالصورة المفردة أو الجزئية دون أن تهتم بالصورة الكلية للسياق، أو بالبناء العام للصورة في القرآن كله القائم على نظام العلاقات بين الصور الجزئية والكلية، والصور الحسية والنفسية. ثم إن وظائف الصورة الفنية عند القدماء جاءت أيضا متسمة بالجزئية نتيجة لمفهوم الصورة عندهم، فهي تهدف إلى الشرح والتوضيح أو التحسين أو التقبيح أو المبالغة أو الإقناع «٤٨». ولم ينظروا إلى الصورة باعتبارها تحمل رؤية جديدة للواقع أو الحياة. إن الصورة القرآنية تحمل رؤية جديدة للحياة وتهدف إلى بناء الإنسان، وبناء الحياة على أسس دينية ولا يمكن أن ننظر إلى وظيفتها نظرة جزئية من خلال الصورة المفردة فقط، بل لا بد من نظرة شمولية للأسلوب القرآني كله حتى نفهم سرّ إعجازه، ونفهم وظيفة الصورة ضمن هذا الإطار العام والشامل. ب- الصورة في النقد الحديث كثرت الدراسات الأدبية والنقدية حول الصورة في العصر الحديث، تنظيرا وتطبيقا، وافتن الدارسون ببيان أهميتها، وأنواعها، ووظائفها. واختلفت مفاهيمهم حولها، تبعا لاختلاف المذاهب الأدبية. فمنهم من انطلق من التراث النقدي العربي لإثبات أن تراثنا النقدي، قد استوفى دراسة الصورة من جميع نواحيها «٤٩»، ومنهم من اعتمد في دراستها على المفاهيم الأجنبية، فراح

стр. 24

يطبّق النظريات النقدية الأوربية على تراثنا الشعري «٥٠»، ومنهم من جمع بين تراثنا القديم، والنظرة الحديثة لها «٥١». وعلى الرغم من كثرة الدراسات العربية والأوربية حول الصورة، فإن النقاد- عربا وأجانب- ما زالوا مختلفين في تحديد مفهومها، ويرجع هذا الاختلاف بينهم إلى تعدد دلالات مصطلح «الصورة» بين دلالة لغوية وذهنية، ونفسية، ورمزية، وبلاغية أو فنية. وتعدد مناهج دراستها، نتيجة لتعدد هذه الدلالات «٥٢». وقد لاحظ كثير من النقاد غموض هذا المصطلح، وكثرة الاختلافات فيه، ولكنهم استعملوه، لأنه أفضل من غيره في مجال الدراسات الأدبية والنقدية «٥٣». فهو مصطلح يدلّ على الأنواع البلاغية القديمة، ويضيف إليها مفاهيم عصرية جديدة. يقول الدكتور فائز الداية: «إنّ ما يدفعنا إلى تخيّر الصورة الفنية هو البحث عن الجدّة، التي تستمد ألقها من الينابيع النقدية الأصيلة، ومن ثم تغدو أهلا لإضافة خطوط عصرية إلى التكوين البلاغي النقدي» «٥٤». ولكنّ بعض النقاد تحرّجوا من مصطلح الصورة، وفضّلوا مصطلح الاستعارة بديلا عنه. ومنهم الدكتور مصطفى ناصف الذي يعتبر مصطلح الصورة يرادف الاستعمال الاستعاري، لذلك فإنه يفضّل استعمال مصطلح الاستعارة بدلا من الصورة. يقول ناصف: «لفظ الاستعارة إذا حسن إدراكه قد يكون أهدى من لفظ الصورة» «٥٥». وهذا الرأي يعدّ تكرارا لرأي الناقد «ريتشاردز» الذي رفض مصطلح الصورة لأنه مضطرب ومضلل، وذلك لارتباطه بدلالات لغوية، ونفسية، ويفضّل مصطلح الاستعارة عليه «٥٦».

стр. 25

ويرى الدكتور نعيم اليافي أنّ مصطلح الاستعارة يثير مشكلات أكبر من مصطلح الصورة، ويرى أنّ الصورة أعم وأشمل من الاستعارة، لأنها تشمل جميع الأنواع البلاغية وتضيف إضافات جديدة «٥٧». وقد استفاد مصطلح الصورة من الدراسات في علم النفس والجمال والنقد في إثراء مدلوله. ولكن ما الصورة؟ وما طبيعتها ؟ اختلف النقاد المعاصرون في تعريفها، بحسب دلالاتها المختلفة. فبعض النقاد يعرّفها على ضوء علم النفس فيرى «برأي» أن الصورة «التذكر الواعي لمدرك حسي سابق» «٥٨». وعلى ضوء هذا التعريف، تقوم الصورة باسترجاع الصور المختزنة في الذهن، بعد غياب المنبه الحسي، وتعتبر الحواس هي مادة الصورة، والمكوّنة لها، فالحواس تلتقط الموضوع الخارجي، وتختزنه في الذهن، ثم تأتي الصورة الفنية، فتستثير بها خيال المتلقي، الذي اختزن الصور الذهنية في ذاكرته. وقد قسمت الصورة بحسب الحواس المكوّنة لها، إلى صور بصرية، وسمعية، وشمية، وذوقية، ولمسية. لكن الصورة لا تكون حسية دائما، فقد تكون صورة نفسية بكاملها. يقول ميدلتون موري عن الصورة بأنها «قد تكون بصرية وقد تكون سمعية» أو «قد تكون بكاملها سيكولوجية» «٥٩». لذلك جعلها الناقد ريتشاردز هي القوة المحركة للعواطف، يقول: «إن القوى المحركة للعواطف محصورة في الصورة» «٦٠». وقد تحمّس الناقد عز الدين إسماعيل إلى هذا الاتجاه النفسي في دراسة الصورة، وفهمها، فعرّفها بقوله: «الصورة تركيبة عقلية تنتمي في جوهرها إلى عالم الفكرة أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع» «٦١».

стр. 26

ويتحدث عن طبيعة الصورة، ويعتبر الشعور هو الصورة، مردّدا قول هويلي: «إن الشعور ليس شيئا يضاف إلى الصور الحسية، وإنما الشعور هو الصورة، أي أنها الشعور المستقر في الذاكرة ... » «٦٢». وهذا الفهم للصورة فيه غموض وإبهام، إذ كيف تكون الصورة هي الشعور، ثم بعد ذلك يمكن دراستها فنيا كما أنّ هذا الفهم للصورة على أساس علم النفس، يتجاهل العناصر الأخرى المكوّنة للصورة، فالصورة ليست شعورا فحسب، وإنما هي أيضا تتكوّن من الفكر والواقع وغيرهما. وبعض النقاد، يعتبر «الذهن» أساس الصورة. يقول أندريه بروتون: «إن الصورة إبداع خالص للذهن» «٦٣». والدكتور عبد القادر الربّاعي يربط الصورة بالنشاط الذهني أو العقلي أو العقلي سواء في مفهومها العام أم في مفهومها التفصيلي، ففي مفهومها العام هي «أية هيئة تثيرها الكلمات الشعرية بالذهن» «٦٤»، وفي مفهومها التفصيلي يجعلها «تركيبة عقلية تحدث بالتناسب أو بالمقارنة» «٦٥». وهذا التعريف أيضا يجعل العقل هو المكوّن لها، ويتجاهل بقية المكوّنات الأخرى مثل العاطفة والإحساس والفكر والواقع واللغة. وقد أحسّ الدكتور نعيم اليافي بالقصور في تعريف الصورة، فحاول أن يجمع بين التعريفين السابقين لها، لأنه لاحظ أن الشعور وحده أو العقل وحده لا يمكن أن يرجع إليه تكوين الصورة، لهذا قال في تعريفها إنها «وحدة تركيبية، يلتمسها الشاعر في كل مكان، ويخلقها بجميع حواسه، وبكل قواه الذهنية والشعورية» «٦٦». ولكنه أيضا وقع بما وقع فيه غيره من النقص والقصور في تعريف الصورة، لأنّ هناك عنصرا آخر في تشكيلها وهو «اللغة».

стр. 27

لذا نجد نقادا آخرين ربطوا تعريفها ب «اللغة»، فهي عندهم تشكيل لغوي، يشبه اللوحة الفنية المرسومة، ولكن قوام الصورة الكلمات يقول الناقد «سي دي لويس» عن الصورة إنها «رسم قوامه الكلمات» «٦٧». ولكنّ هذا الناقد أحسّ بنقص تعريفه، واتجاهه نحو شكل الصورة دون مضمونها، فأضاف إلى تعريفه فيما بعد قوله: «هي رسم قوامه الكلمات المشحونة بالإحساس والعاطفة» «٦٨». وبهذا التعريف الأخير يرتبط الشكل اللغوي، للصورة بمضمونها العاطفي. والدكتور علي البطل يرى أيضا أن الصورة تشكيل لغوي، ويضيف إلى هذا التشكيل مكوّنات أخرى للصورة، مثل الخيال والحواس والعقل يقول: «فالصورة تشكيل لغوي، يكوّنها خيال الفنان من معطيات متعددة، يقف العالم المحسوس في مقدمتها، فأغلب الصور مستمدة من الحواس، إلى جانب ما لا يمكن إغفاله من الصور النفسية والعقلية، وإن كانت لا تأتي بكثرة الصور الحسية» «٦٩». واللغة- وحدها- لا تكفي لتشكيل الصورة لكونها لغة وإنما من تفاعلات اللغة وعلاقاتها بالسياق، فالسياق اللغوي هو الذي يمنح الصورة إيحاءاتها وظلالها وتأثيرها. ويبدو أن الدكتور البطل يعتبر التشكيل اللغوي كل شيء في الصورة، فهو مقياس جمالها، على الرغم من ملاحظته لدور الحواس والعقل والنفس في تشكيلها. يقول: «إن مصدر جمال الصورة لا يكون بما فيها من المجاز وإنما ينبع من كونها صورة فحسب» «٧٠». وهو في هذا المقياس الجمالي متأثر ب «جان برتليمي» الذي يقول: «إن الصورة كمبدإ هي مصدر جمال الصورة» «٧١». ويقيد الدكتور عبد الإله الصائغ التشكيل اللغوي للصورة، بالتشكيل الجمالي لها يقول: «أما الصورة الفنية فهي تشكيل جمالي، تستحضر فيه لغة الإبداع الهيئة الحسية أو الشعورية للأجسام أو المعاني بصياغة جديدة، تمليها قدرة الشاعر، وتجربته، وفق تعادلية فنية بين

стр. 28

طرفين هما المجاز والحقيقة دون أن يستبد طرف بآخر» «٧٢». وهذا يعني أن الصورة ليست مجرد تشكيل لغوي بل هي تشكيل لغوي خاص، يقصد به التصوير والتأثير. هذه التعريفات المختلفة للصورة، يمكن التوفيق بينها، بحيث تبدو متكاملة، وليست متعارضة. أو هي مراحل متصلة في بناء الصورة وليست منفصلة حتى ينسب الفضل لأحدها دون الآخر. فالإنسان يشاهد الأشياء، وينفعل بها، ويدركها إدراكا حسيا. ثم ينشأ التصور عن الإدراك الحسي والتصور هو «استحضار صور المدركات الحسية عند غيبتها عن الحواس من غير تصرف فيها بزيادة أو نقص أو تغيير أو تبديل» «٧٣». وهنا يتدخل الذهن في اختزان هذه الصور المسماة بالصور الذهنية. ثم الصورة الفنية هي «إبراز هذه الصور إلى الخارج بشكل فني» «٧٤». فمرحلة التصور تقع بين الصورة الذهنية والصورة الفنية، وأداة التصوير الفكر فقط، أما أدوات الصورة فكثيرة منها الفكر والشعور واللغة ... فالصورة الفنية بأدواتها التصويرية المتعددة، تحرّك الصور الذهنية في مخيلة المتلقي، وهكذا تجتمع كل العناصر المكوّنة للصورة متآلفة ومتعاونة بعد أن بدت في تعريفات النقاد متباعدة متخالفة. وعلى ضوء هذا المفهوم للصورة، فقد اتسعت الصورة في النقد الحديث لتشمل كل تقديم حسي، يقول ناصف: «تستعمل كلمة صورة- عادة- للدلالة على كل ما له صلة بالتعبير الحسي» «٧٥» حتى أصبحت الصورة تعني «أي إدراك حسي مسترجع» «٧٦». فلم تعد الصورة- بهذا المفهوم الجديد لها- محصورة في الأنواع البلاغية بل «قد تخلو الصورة- بالمعنى الحديث- من المجاز أصلا فتكون عبارات حقيقية الاستعمال ومع ذلك فهي تشكّل صورة دالة على خيال خصب» «٧٧».

стр. 29

ويرى الدكتور عبد الفتاح صالح نافع أننا «نجد كثيرا من الصور الجميلة الخصبة جاءت من استخدام عبارات حقيقية لا مجاز فيها ... » «٧٨». فالعبارات الحقيقية ضمن السياق، قد توحي بدلالات متنوعة، تكون أبلغ من المجاز في موقعها، وضمن سياقها الواردة فيه، يقول الدكتور غنيمي هلال بهذا المعنى: «من وسائل التصوير والإثارة ما لا يدخل في الوجوه البلاغية التي ذكروها بحال» «٧٩»، ويقول في موضع آخر: «فقد تكون العبارات حقيقية الاستعمال وتكون مع ذلك دقيقة التصوير، دالة على خيال خصب» «٨٠». لهذا فإن الدكتور صلاح فضل يعتبر الوصف صورة، تقوم على التقديم الحسي فقط دون أن تعتمد على المجاز فقد علّق على أبيات ذي الرمة: عشية ما لي حيلة غير أنني ... بلقط الحصى والخط في الترب مولع بقوله: «فليس ثمة تشبيه ولا استعارة، ولا مجاز آخر، وبالرغم من ذلك ينجح الشاعر في تقديم تمثيل حسي نتردد في وصفه بأنه خيالي، إذ يمكن له أن يعتمد على تجربة واقعة، ويصفها بدقة، مما يجعل دور الخيال قاصرا على استحضارها وتمثيلها دون تكوينها الأصلي» «٨١». فالخيال في الصورة الوصفية يقتصر دوره على الاستحضار والتمثيل، لا البناء والتشكيل للصورة. ويبدو أن طبيعة اللغة العربية التصويرية، تساعد على التوسّع في مفهوم الصورة، فقد سمّاها العقاد «اللغة الشاعرة» لأنها «بنيت على نسق الشعر في أصوله الفنية والموسيقية، فهي في جملتها فن منظوم منسّق الأوزان والأصوات ... » «٨٢». فهي بهذا المقياس «لغة معبرة مصوّرة، تقوم عباراتها بالدلالة على معانيها دلالة شعرية فنية موحية» «٨٣»، فالتعبير الفني المتناسق بألفاظه وعباراته- ولو كان تعبيرا حقيقيا

стр. 30

لا مجاز فيه- تصوير فني. يقول الدكتور علي إبراهيم أبو زيد: «فكأن في كل تعبير أدبي تصويرا فنيا، ينبعث من مقدرة الشاعر على تركيب عباراته، وتنسيق كلماته، وعلى قدرته في استنباط الإيحاء الفني الكامل في باطن الألفاظ وفي علاقاتها بعضها مع البعض، فيكسو التعبير جمالا فنيا» «٨٤». ولكن الدكتور الولي محمد، يرفض التوسع في مفهوم الصورة، ويميّز بين الصورة الفنية والوصف، ويرى أن الصورة تخضع الشيء الملموس للتحويل بواسطة اللغة بينما لا نرى في الوصف أي تحويل للموصوف كما في الصورة. لذلك يعتبر الصورة شيئا زائدا على المعنى المراد توصيله، فإذا كانت غير زائدة، فهي ليست صورة برأيه «٨٥». ويذكرنا هذا المفهوم للصورة برأي البلاغيين القدماء الذين اعتبروا الصورة شيئا زائدا على المعنى الأصلي بقصد التوضيح والبيان. فالصورة عند المعاصرين، تعددت مفاهيمها بتعدد فروع المعرفة كعلم النفس والفلسفة والنقد الأدبي. وكل ناقد يدرسها حسب مفهومه لها والذي يتفق مع مذهبه الأدبي، وفلسفته الخاصة. وتجاوزت الصورة المفهوم الجزئي لها القائم على البيت الواحد أو الجملة الواحدة، وأصبحت تشمل القصيدة كلها. فالصور الجزئية، مرتبطة بغيرها من الصور الأخرى، تتناسق معها، وتدور في إطار الصورة الكلية للقصيدة كلها. فالصور الجزئية تنمو وتتصاعد في القصيدة، حتى تستوفى الفكرة من جميع نواحيها. وبهذا المفهوم أصبحت الصورة أكثر تنوعا وشمولا من نظرة القدماء لها. ولكن النقاد المعاصرين قصروا دراساتهم على الصورة الشعرية، واستمدوا من النقد الأوربي، مقاييسهم في الحكم عليها غالبا. ولم يلتفت أحد منهم إلى الصورة الفنية في القرآن سوى سيد قطب الذي ألّف كتابه المشهور «التصوير الفني في القرآن» وقد مضى

стр. 31

على صدور كتابه نصف قرن تقريبا، وفي هذه الفترة، لم يصدر كتاب آخر حول الصورة القرآنية «٨٦». ويلاحظ أن النقاد المعاصرين، تجاهلوا الصورة القرآنية في تنظيرهم للصورة، ولم يأخذوا بعين الاعتبار ظواهر التصوير الفني في القرآن الكريم، وما فيه من إيقاع موسيقي، وتشخيص، وتجسيم، لتقريب الحقائق الدينية. إنّ الصورة القرآنية صورة متميزة مؤثرة، وقد كشف القدماء جزءا بسيطا من جمالها دون أن يحيطوا بها. وكان من المفروض أن يتوقف المعاصرون عندها، حتى تكتمل دراساتهم حول الصورة الفنية في نقدنا المعاصر، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، فجاءت دراساتهم للصورة قاصرة على الشعر وغير مكتملة. إن القرآن الكريم قد استنفد الطاقات التصويرية للغة العربية في التعبير عن أغراضه الدينية، فجاءت صوره حية متحركة شاخصة، كما جاءت متنوّعة مشحونة بالمشاعر والانفعالات. وقد استطاع سيد قطب في كتابه (التصوير) أن يسبق النقاد المعاصرين إلى دراسة الصورة الفنية عموما، ودراسة الصورة القرآنية خصوصا. إذا عرفنا أنه أصدر كتابه عام ١٩٤٥ م، وكان قبل ذلك يكتب مقالاته في مجلة المقتطف عن التصوير الفني في القرآن قبل إصدار كتابه بست سنوات «٨٧». والصورة عنده- كما يلاحظ في تحليله للآيات القرآنية- هي كل تقديم حسي للمعنى، سواء أكان هذا التقديم الحسي يعتمد الأنواع البلاغية القديمة أم يتجاوزها إلى غيرها من العبارات الحقيقية التي تثير مخيلة المتلقي وإن لم تكن قائمة على المجاز. بهذا المفهوم، وجد سيد قطب أن أسلوب القرآن كلّه تصويري ما عدا آيات التشريع، وهذا الأسلوب التصويري هو سرّ إعجازه، فقد كان هذا الأسلوب المصوّر، مؤثرا في المؤمنين والكافرين على السواء «٨٨».

стр. 32

وإذا كان التصوير قاعدة الأسلوب القرآني، فلا بد من دراسته على منهج جديد، لبيان الأصول العامة لهذا التصوير الفني، منهج يتجاوز دراسات القدماء، ولا يتجاهلها، لأنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى الخصائص العامة للجمال الفني سواء في القرآن أم في الأدب، لأنهم كانوا ينظرون إلى النصّ كأجزاء منفصلة، حتى غدا البيت الواحد، وحدة مستقلة عندهم، فلم ينظروا إلى العمل الفني نظرة كلية شاملة، ليدركوا العلاقة بين الصور الجزئية والصور الكلية، كذلك لم يركزوا على التأثير النفسي للصورة. وقد أدرك سيد قطب نوعين من الصور في القرآن، صور محسوسة، وصور متخيلة، فالصور المحسوسة هي المستمدة من عالم الحواس، والصور المتخيلة هي التي يقوم الخيال بتأملها ومتابعة أشكالها الفنية. وكما جعل «التصوير» قاعدة التعبير في القرآن، فإنه يجعل «التخييل الحسي» قاعدة التصوير. فالحس والخيال هما العنصران المكوّنان للصورة، وهذا ما يفهم من قوله: «يعبّر بالصورة المحسّة المتخيلة» «٨٩». ويبدو أن الحس والخيال يتعاونان على رسم الصورة الفنية في القرآن، فتثير بذلك الحسّ والخيال لدى المتلقي فقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مريم: ٤ صورة تثير في الخيال حركة تخيلية سريعة هي حركة الاشتعال التي تتناول الرأس في لحظة، وهي حركة تلمس الحس والخيال معا «٩٠». وأحيانا تكون الصورة «متخيلة»، كقوله تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ الأعراف: ٤٠ فصورة الجمل هنا وهو يحاول الدخول في ثقب الإبرة صورة متخيّلة، يتخيل الذهن محاولات الجمل اليائسة المتكررة دون فائدة «٩١». وأحيانا يكون التخييل بالتشخيص، وأحيانا بالتجسيم الفني. ويتوسّع سيد قطب في مفهوم الصورة لتشمل التعبيرات الحقيقية أيضا والألفاظ المصورة، فالصورة باللفظ ترسم «تارة بجرسه الذي يلقيه في الأذن، وتارة بظله الذي يلقيه في الخيال، وتارة بالجرس

стр. 33

والظل معا» «٩٢». فقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ النساء: ٧٢ فكلمة لَيُبَطِّئَنَّ ترسم صورة التباطؤ بجرسها دون الاعتماد على الأنواع البلاغية القديمة، فهي لفظة حقيقية، ولكنها ترسم صورة من إيقاعها الموسيقى، وتعثر اللسان في نطق حروفها حتى كأنه يشدّها شدّا، وهذا الجرس الموسيقى الثقيل للكلمة يتناسق مع تصوير الحركة النفسية المصاحبة لحركة التثاقل والتعثر لهؤلاء المقصودين بالتصوير «٩٣». ويلاحظ أيضا تلاحم الشكل بالمضمون في الصورة القرآنية حيث «يتناسق فيها التعبير مع الحالة المراد تصويرها، فيساعد على إكمال معالم الصورة الحسية أو المعنوية» «٩٤». ويقرن الصورة الجزئية بالصورة الكلية، وتناسق الصورة مع السياق الواردة فيه في أثناء حديثه عن «التناسق الفني» ويرى تناسق الصورة القرآنية مع إطارها وإيقاعها والجوّ العام للسياق. كما تحدث عن الصورة في المشهد، والصورة في اللوحة المرسومة «٩٥». وكأنه يهدف إلى بيان الصورة الكلية المكونة من صور جزئية متحدة بعضها ببعض، وليست منفصلة كما فهمها القدماء، فهو يتحدث عن الصورة بمفهومها الحديث قبل أن تكتمل دراستها عند النقاد المعاصرين، فهو زائد من روّاد التنظير للصورة، لأنه لا يحصر الصورة القرآنية في مفهوم الجملة، كما فهمها القدماء، وإنما يتوسع فيها، مستفيدا من ثقافته الأدبية والنقدية الواسعة، في خدمة التصوير القرآني لبيان سماته وطرقه وأدواته، وسرّ إعجازه.

стр. 34

الفصل الثاني مقوّمات الصورة الفنية في القرآن الكريم إنّ الصورة الفنية في القرآن الكريم متميّزة بطبيعتها ووظيفتها، كما هي متميّزة بمواد تشكيلها أو مقوّماتها، ومقوّمات الصورة القرآنية تشكّل وحدة متماسكة لا تنفصل فيها بعض أجزائها عن بعض، بل هي نسيج واحد، تتلاحم فيه المقوّمات أو الأجزاء، ليؤدي كل جزء منها دوره في تشكيل الصورة ضمن النسق المعجز. وحين نفصل بين هذه المقوّمات هنا، فليس هدفنا تجزئة الصورة، وتقطيعها، أو تفضيل عنصر على آخر، وإنما الهدف هو تسهيل الدراسة النظرية لمعرفة طبيعة الصورة الفنية في القرآن، ومعرفة الوشائج القوية، التي تربط بين هذه المقوّمات للصورة. وأهم هذه المقوّمات للصورة القرآنية هو «الفكر الديني» فهو المكوّن الأساسي لها، والمحور الثابت الذي تدور بقية المقومات الأخرى من حوله، وضمن إطاره. حتى غدا هذا الفكر من أهمّ ما يميّز الصورة القرآنية عن غيرها من أنواع الصور الأدبية. والفكر الإسلامي معروض في الصور القرآنية بشكل منظم ومتكامل، ضمن أنساق تعبيرية مصورة، تبرز ملامحه وصفاته، فالله هو الخالق لكل شيء، والمخلوق بصفاته البشرية محتاج إلى خالقه. وتقوم الصورة بتحديد علاقة المخلوق بخالقه، فترسم حدودها ومجالاتها، ابتداء من المعرفة الإنسانية التي مصدرها الله سبحانه، فالإنسان خلق لا يعلم شيئا، ولكن الله سبحانه زوّده بأدوات المعرفة وأسبابها، ليكون هذا الإنسان متميّزا عن بقية المخلوقات وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ

стр. 35

وَالْأَفْئِدَةَ النحل: ٧٨. ووَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ النساء: ١١٣. وتقرن الصورة الحديث عن معرفة الإنسان بعلم الله، فالمعرفة الإنسانية ناقصة، والمعرفة الإلهية مطلقة وكاملة وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ الأنفال: ٦٠. والأشياء لها وجود خارجي. مستقل عن إدراك الإنسان ومعرفته، فهي مخلوقة لله سواء أأدركها الإنسان أم لم يدركها. وهذه المخلوقات الخارجية قسمان: مخلوقات عالم الشهادة وهي تشمل كل ما يحيط بالإنسان في عالم الطبيعة، من نبات وجماد، وحيوان، وإنسان. وهذه المخلوقات واقعة تحت إدراك الإنسان، يدركها بحواسه المعروفة، وهناك مخلوقات غيبية، لا تقع تحت حواس الإنسان وإدراكه. والصورة القرآنية تستمد من العالمين المشهود وغير المشهود، مواد تشكيلها أو مقوّمات بنائها الفني وقد حضّ الله سبحانه الإنسان على التأمل في العالم المحسوس، وزوّده بالعقل لإدراكه، وفهم أسراره حتى يصل في النهاية إلى الخالق الذي أبدع هذا الكون، ولكن هذا الربط بين الموجودات الحسية والعقل البشري لا يعني أن نقيم التلازم التام بينهما فنعتبر الإدراك البشري هو المعيار لكل موجود، فهناك موجودات لا يدركها عقل الإنسان، مثل ماهية الذات الإلهية، وصفاتها، ولكنّ العقل يقرّ بوجودها وإن لم يدرك الماهيات «١». فالصورة القرآنية تركّز على الجوانب المفيدة للمعروفة الإنسانية. وتهمل ذكر المعرفة التي لا تفيد الإنسان في حياته فهي تصوّر لنا آثار الله في مخلوقاته، وبديع صنعه، ولا تتحدث عن ماهية الخالق، وتكتفي بأنه ليس كمثله شيء، لتبقى صورته مطلقة في ذهن الإنسان، كذلك في تصوير الملائكة والجن، تعرض للجوانب التي تخص الإنسان وتفيده في حياته. مع تصحيح تصوّره عن هذه المخلوقات الغيبية. ويشعر الإنسان- وهو يتابع صور القرآن، ويتأمل عرضها لعالم الشهادة، وعالم الغيب، بانجذاب إليها وتفاعل معها، لأنها صور تغذّي عقله بالمعرفة الحقّة، من مصدرها الأصيل، وتقدم له تفسيرا عن حياته التي يجهل مصدرها ونهايتها، وغايتها، وتفسيرا عن الكون والوجود والإنسان، على نحو منظم ومتناسق، بحيث يشعر الإنسان بوحدة كونية رائعة، من خلال وحدة المصدر الذي انبثق منه هذا الوجود، وهو الله سبحانه الخالق، ووحدة المصير

стр. 36

والنهاية، حيث يرجع الإنسان إلى خالقه للحساب والجزاء. ولكن الصورة لا تغلّب الجانب الفكري على الجانب الفني، بحيث يبدو الفكر جافا وباردا، وكذلك لا تغلّب الجانب الفني على الفكري حتى لا تبدو الصورة فارغة جوفاء. بل نجد القرآن الكريم يتّخذ الصورة الفنية وسيلة للتعبير عن الأغراض الدينية أو الفكر الإسلامي. والفكر باعتباره مكوّنا للصورة القرآنية يقوّي من تأثيرها في المتلقي، وقد لاحظ النقاد أهمية الفكر في تشكيل الصورة الأدبية عموما. فعبد القاهر الجرجاني أدرك منذ القديم أهمية الفكر في تشكيل الصورة، ودور الصورة في إبرازه، وتوضيحه والتأثير في المتلقي، يقول الجرجاني: «إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسّمت حتى رأتها العيون ... » «٢»، «ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى ... » «٣». ثم إنّ هذا الفكر في الصورة القرآنية متصل بالواقع، ولا ينفصل عنه، فهو يعرف الإنسان بالواقع المحيط به، ويكشف له عن حقيقته، ويوضّح له دوره في هذا الواقع المعاش، وحتى حين تعرض الصورة القرآنية عالم الغيب أو الآخرة، فإن الانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة الأبدية في الآخرة يتمّ بشكل منطقي متدرّج، وذلك بربط عالم الغيب المستور، بعالم الشهادة، حتى يتدرّج العقل في إدراك هذه النقلة، من عالم محسوس إلى عالم غير محسوس، من خلال تقديم الأدلة والبراهين على ذلك. بهذه الصورة نفهم العلاقة الوثيقة بين الفكر والواقع، ضمن الصورة الفنية وخارجها في القرآن، فالفكر داخل الصورة ينسجم مع الواقع خارج الصورة ولا ينفصل عنه، لأن الموجودات الخارجية في الواقع المعاش ترجع في الأساس، كما يرجع الإنسان والحياة وكل شيء إلى مصدر واحد، وهو الله سبحانه الذي أوجد العالمين المشهود وغير المشهود، وبذلك يكون التواصل بين الصورة القرآنية والمتلقي أكثر فاعلية وتأثيرا من الصور الأدبية. لأن الصور الأدبية الأخرى تفقد هذه الخاصية التي تميّز الصورة القرآنية.

стр. 37

وهي خاصيّة الربانية والإيجابية مع الواقع والحياة بالإضافة إلى التوازن القائم بين الدنيا والآخرة أو بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وهذا التوازن قائم في حسّ المؤمن كما هو قائم في الصورة القرآنية بين الفكر والصورة أو بين الغرض الديني والغرض الفني. والمكون الثاني للصورة هو «الواقع»، وقد يكون الواقع أحداثا تقع وقت نزول القرآن، وقد يكون قصصا تروى، ونماذج ترسم بدقة وعناية. والصورة القرآنية في هذا كلّه تعبّر عن الحقيقة، ولا تبعد عنها، لأن الذي أوجد الأشياء هو الله سبحانه، وهو أعلم بما خلق، وهو الذي يخبرنا عن حقائق الأشياء، ليزوّد الإنسان بالمعرفة الصحيحة من خلال إثارته وجدانيا بالصور المرسومة. وبهذا تجمع الصورة القرآنية بين الحقيقة والفن، أو بين الصدق الفني والصدق الواقعي، وليس هناك انفصال بينهما في الصورة القرآنية كما هو معروف في الصورة الأدبية عند الشعراء. فالصورة القرآنية تمتاز بالصدق الواقعي، لأن الله هو الذي يخبرنا عن الواقع الذي خلقه، وهو أعلم بما خلق، فليس في الصورة القرآنية تلفيق واختراع كما عند الشعراء بل الحقيقة الواقعية المصوّرة بالبيان المشرق. والصدق الفني يكمن في «جمال العرض، وتنسيق الأداء، وبراعة الإخراج» «٤»، أو هو «إبداع في العرض، وجمال في التنسيق، وقوة في الأداء» «٥». وهذه ميزة الصورة القرآنية إذ أنها تعرض الحقيقة الواقعة بأسلوب فني مؤثر، دون أن تحيد عن الحقيقة أو تبتعد عنها وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً النساء: ٨٧. وقد تعوّد كثير من الأدباء والشعراء أن يهتموا بالصدق الفني دون الصدق الواقعي، فركّزوا في أعمالهم الأدبية على النواحي الفنية بهدف التأثير في القراء، سواء أجاء هذا التأثير من صور حقيقية أم من صور ملفّقة، ظنّا منهم أن الاقتراب من الصدق الواقعي قد يضعف قصصهم ومشاهدهم، ويفقدها قيمتها التأثيرية، حتى زعم الدكتور محمد أحمد خلف الله في كتابه «الفن القصصي في القرآن الكريم» أن قصص القرآن وصوره ونماذجه من قبيل الصدق الفني، وليس لها دلالات واقعية «٦».

стр. 38

وهذه فكرة باطلة، لأنها تشكّك في القصص القرآني، وأخباره، وتعتبرها من قبيل العرض الفني، وهي تدلّ على تأثّر صاحبها بالمفاهيم الأدبية في دراسته للأسلوب القرآني، وفاته أن يدرك خصوصية النص القرآني، وتميّز أسلوبه. إن الصورة القرآنية لا تبتعد عن الصدق الواقعي من أجل تحقيق أغراض فنية ممتعة، كما زعم محمد أحمد خلف الله، لأن القرآن ليس كتاب إمتاع فني، بل هو كتاب هداية للبشر، متميّز بأسلوبه الفني المعجز. وهذا يعني أن الصدق الفني يتمثّل في العرض الجميل للحقائق الواقعة، وهو بهذا يعطينا نموذجا لعرض الحقيقة الواقعة بأسلوب فني دون الإخلال بها أو الابتعاد عنها. ويتمثل الصدق الواقعي في كثرة الصور القرآنية المستمدة من عناصر الواقع، مثل السراب، والحجارة، والحمر المستنفرة، والعنكبوت، والخشب المسندة، والحمار، والكلب، والمهاد، والأوتاد، والعرجون، والصم، والبكم، والعمي، والرماد، والريح، والبحار، والأمطار، والسحاب، والنبات، واللؤلؤ والمرجان، وأعجاز النخل، والهشيم، والغثاء، والرميم، والجراد، والفراش، والعهن، والجبال، والجمال، والليل، والنهار، والنجوم، والسماء، والأرض، والظلّ والحرور ... إلخ». حتى إن صور النعيم والعذاب يوم القيامة، تستمد عناصرها من الواقع المألوف لدى الإنسان. فالواقعية إذا هي السمة البارزة في الصورة القرآنية، أما قوله تعالى إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ الصافات: ٦٥. فهذه الصورة للشياطين كانت راسخة في أذهان الناس لمنتهى القبح والشر، فجاءت الصورة القرآنية تعتمد عليها في تشكيل صورة مفزعة، وبذلك تكون واقعيتها في رصيدها النفسي في الطباع والنفوس وإن لم يروها في العالم المحسوس «٧». كما أن الصورة القرآنية تنقل لنا الأحداث الواقعة وقت نزول القرآن، بكل تفصيلاتها تصويرا حيا فيه اللمسات الفنية والنفسية، والتوجيهية. لأن القرآن جاء لبناء واقع جديد، وفق تصوّر إسلامي، وبناء هذا الواقع يقتضي هدم الواقع الجاهلي بكل أشكاله وصوره وأفكاره، وذلك

стр. 39

بتصوير ما فيه من هبوط ودنس وبؤس للإنسان، ثم تصوير الواقع الإسلامي البديل، بكل آفاقه ومراميه. فالصورة القرآنية تتفاعل مع الواقع لتحقيق الهدم والبناء في الوقت نفسه، هدم الوثنية، وبناء صرح الإسلام، فهي صورة فنية تطرح بديلا عن واقع الجاهلية، وتقدّم نموذجا حيا للواقع الجديد، ومن خلال التفاعل الإيجابي بين الفكر الإسلامي والواقع، تبرز الصورة الفنية في القرآن متميّزة بتشكيلها الفني القائم على رؤية إسلامية واضحة للحياة والكون والإنسان. كما تبرز الواقعية في مواد الصورة الحسية، والأحداث الواقعة، والقصص الماضية ... والمكوّن الثالث هو «الخيال» وهو قوة تجمع بين الأشياء المتباعدة في نسق فني، يقرّب الأشياء المتباعدة ويصهرها في «الصورة» التي يحل فيها الانسجام بين الأشياء المتباعدة، والتوافق بين الأشياء المتنافرة. ويرجع أرسطو الخيال إلى الإحساس فيرى أن «المحسوس قد تغيب صورته عن الحس المشترك وتبقى صورته المتخيلة» «٨»، وقد انتقل مفهوم أرسطو للخيال، وعلاقته بالإدراك الحسي إلى الفلاسفة المسلمين. فالفارابي يرى أن انطباع المحسوسات كانطباع نقش الخاتم على الشمع، فالإدراك يناسب الانتقاش وحفظ صور المحسوسات وظيفة الخيال «٩». وابن سينا يشرح علاقة التخيل بالإحساس بقوله: «الشيء قد يكون محسوسا عند ما يشاهد ثم يكون متخيلا عند غيبته بتمثل صورته في الباطن» «١٠». وبناء على هذا فإن الخيال يستمد مادته من الواقع المحسوس، ولكنه لا يبقى في حدود الواقع الحسي بل يمتد إلى علاقات جديدة، في الصورة الفنية الموحية. التي تثير خيال المتلقي، وتدفعه إلى استحضار الصور الذهنية المختزنة في الذاكرة للواقع الحسي. ومصطلح «التخييل» انتقل من الفلسفة إلى البلاغة والنقد، فسيء الظن به عند العرب،

стр. 40

لأن المترجمين لكتب أرسطو، ترجموا كلمة «فنطاسيا» مرة بالتخيّل ومرة بالتوهّم «١١». حتى إن عبد القاهر الجرجاني قسم المعاني إلى عقلية وتخييلية، ووازن بينهما، واعتبر التخييلي مناقضا للحقيقي، وفضّل المعنى الحقيقي لأنه مدار الأحاديث النبوية وكلام الصحابة «١٢». ولكن الجرجاني أحسّ بالحرج والاضطراب أمام استعارات القرآن الكريم التي تعتمد التخييل، لذلك رأى أن سبيل الاستعارة هي «سبيل الكلام المحذوف، في أنك إذا رجعت إلى أصله وجدت قائله وهو يثبت أمرا عقليا صحيحا ويدعي دعوى لها سنح في العقل» «١٣». ولكن الاستعارة ووجوه البلاغة من مجاز وتشبيه تعتمد الخيال في عرض الحقيقة للإيحاء بها كما يقول الدكتور غنيمي هلال: «فوجوه البلاغة المختلفة هي من وسائل الإيحاء بالحقيقة عن طريق الخيال» «١٤». ويبدو أن الزمخشري كان أكثر فهما ودقة لمصطلح «التخييل» إذ استبعد منه كل دلالة على التوهم والخداع والكذب، ونظر إليه على أنه «تمثيل للمعاني المجردة، وطريقة من طرائق تجسيم المعنوي، وتصويره للحس» «١٥». فالتخييل طريقة فنية في التعبير، وقد ركّز حازم القرطاجني على أهميته ووظيفته في التعبير، وركّز على دوره في التأثير بالمتلقي، وتوجيه سلوكه، فهو عنده يهدف إلى التأثير النفسي «١٦». لذلك لم يتحرج سيد قطب من تخصيص فصل له بعنوان «التخييل الحسي» في كتابه «التصوير الفني في القرآن» «١٧»، لأنه يرى التخييل طريقة فنية في التعبير، واعتبره قاعدة التصوير الأساسية في القرآن الكريم. فالصورة القرآنية تثير خيال المتلقي، ليستقبل المعنى عن طريق الحس والوجدان والفكر
следующие страницы →