← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 38131

وظيفة الصورة الفنية في القرآن

عبد السلام أحمد الراغب

Полный текст (466 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والنهاية، حيث يرجع الإنسان إلى خالقه للحساب والجزاء. ولكن الصورة لا تغلّب الجانب الفكري على الجانب الفني، بحيث يبدو الفكر جافا وباردا، وكذلك لا تغلّب الجانب الفني على الفكري حتى لا تبدو الصورة فارغة جوفاء. بل نجد القرآن الكريم يتّخذ الصورة الفنية وسيلة للتعبير عن الأغراض الدينية أو الفكر الإسلامي. والفكر باعتباره مكوّنا للصورة القرآنية يقوّي من تأثيرها في المتلقي، وقد لاحظ النقاد أهمية الفكر في تشكيل الصورة الأدبية عموما. فعبد القاهر الجرجاني أدرك منذ القديم أهمية الفكر في تشكيل الصورة، ودور الصورة في إبرازه، وتوضيحه والتأثير في المتلقي، يقول الجرجاني: «إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسّمت حتى رأتها العيون ... » «٢»، «ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه، ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى ... » «٣». ثم إنّ هذا الفكر في الصورة القرآنية متصل بالواقع، ولا ينفصل عنه، فهو يعرف الإنسان بالواقع المحيط به، ويكشف له عن حقيقته، ويوضّح له دوره في هذا الواقع المعاش، وحتى حين تعرض الصورة القرآنية عالم الغيب أو الآخرة، فإن الانتقال من الحياة الدنيا إلى الحياة الأبدية في الآخرة يتمّ بشكل منطقي متدرّج، وذلك بربط عالم الغيب المستور، بعالم الشهادة، حتى يتدرّج العقل في إدراك هذه النقلة، من عالم محسوس إلى عالم غير محسوس، من خلال تقديم الأدلة والبراهين على ذلك. بهذه الصورة نفهم العلاقة الوثيقة بين الفكر والواقع، ضمن الصورة الفنية وخارجها في القرآن، فالفكر داخل الصورة ينسجم مع الواقع خارج الصورة ولا ينفصل عنه، لأن الموجودات الخارجية في الواقع المعاش ترجع في الأساس، كما يرجع الإنسان والحياة وكل شيء إلى مصدر واحد، وهو الله سبحانه الذي أوجد العالمين المشهود وغير المشهود، وبذلك يكون التواصل بين الصورة القرآنية والمتلقي أكثر فاعلية وتأثيرا من الصور الأدبية. لأن الصور الأدبية الأخرى تفقد هذه الخاصية التي تميّز الصورة القرآنية.

стр. 37

وهي خاصيّة الربانية والإيجابية مع الواقع والحياة بالإضافة إلى التوازن القائم بين الدنيا والآخرة أو بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وهذا التوازن قائم في حسّ المؤمن كما هو قائم في الصورة القرآنية بين الفكر والصورة أو بين الغرض الديني والغرض الفني. والمكون الثاني للصورة هو «الواقع»، وقد يكون الواقع أحداثا تقع وقت نزول القرآن، وقد يكون قصصا تروى، ونماذج ترسم بدقة وعناية. والصورة القرآنية في هذا كلّه تعبّر عن الحقيقة، ولا تبعد عنها، لأن الذي أوجد الأشياء هو الله سبحانه، وهو أعلم بما خلق، وهو الذي يخبرنا عن حقائق الأشياء، ليزوّد الإنسان بالمعرفة الصحيحة من خلال إثارته وجدانيا بالصور المرسومة. وبهذا تجمع الصورة القرآنية بين الحقيقة والفن، أو بين الصدق الفني والصدق الواقعي، وليس هناك انفصال بينهما في الصورة القرآنية كما هو معروف في الصورة الأدبية عند الشعراء. فالصورة القرآنية تمتاز بالصدق الواقعي، لأن الله هو الذي يخبرنا عن الواقع الذي خلقه، وهو أعلم بما خلق، فليس في الصورة القرآنية تلفيق واختراع كما عند الشعراء بل الحقيقة الواقعية المصوّرة بالبيان المشرق. والصدق الفني يكمن في «جمال العرض، وتنسيق الأداء، وبراعة الإخراج» «٤»، أو هو «إبداع في العرض، وجمال في التنسيق، وقوة في الأداء» «٥». وهذه ميزة الصورة القرآنية إذ أنها تعرض الحقيقة الواقعة بأسلوب فني مؤثر، دون أن تحيد عن الحقيقة أو تبتعد عنها وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً النساء: ٨٧. وقد تعوّد كثير من الأدباء والشعراء أن يهتموا بالصدق الفني دون الصدق الواقعي، فركّزوا في أعمالهم الأدبية على النواحي الفنية بهدف التأثير في القراء، سواء أجاء هذا التأثير من صور حقيقية أم من صور ملفّقة، ظنّا منهم أن الاقتراب من الصدق الواقعي قد يضعف قصصهم ومشاهدهم، ويفقدها قيمتها التأثيرية، حتى زعم الدكتور محمد أحمد خلف الله في كتابه «الفن القصصي في القرآن الكريم» أن قصص القرآن وصوره ونماذجه من قبيل الصدق الفني، وليس لها دلالات واقعية «٦».

стр. 38

وهذه فكرة باطلة، لأنها تشكّك في القصص القرآني، وأخباره، وتعتبرها من قبيل العرض الفني، وهي تدلّ على تأثّر صاحبها بالمفاهيم الأدبية في دراسته للأسلوب القرآني، وفاته أن يدرك خصوصية النص القرآني، وتميّز أسلوبه. إن الصورة القرآنية لا تبتعد عن الصدق الواقعي من أجل تحقيق أغراض فنية ممتعة، كما زعم محمد أحمد خلف الله، لأن القرآن ليس كتاب إمتاع فني، بل هو كتاب هداية للبشر، متميّز بأسلوبه الفني المعجز. وهذا يعني أن الصدق الفني يتمثّل في العرض الجميل للحقائق الواقعة، وهو بهذا يعطينا نموذجا لعرض الحقيقة الواقعة بأسلوب فني دون الإخلال بها أو الابتعاد عنها. ويتمثل الصدق الواقعي في كثرة الصور القرآنية المستمدة من عناصر الواقع، مثل السراب، والحجارة، والحمر المستنفرة، والعنكبوت، والخشب المسندة، والحمار، والكلب، والمهاد، والأوتاد، والعرجون، والصم، والبكم، والعمي، والرماد، والريح، والبحار، والأمطار، والسحاب، والنبات، واللؤلؤ والمرجان، وأعجاز النخل، والهشيم، والغثاء، والرميم، والجراد، والفراش، والعهن، والجبال، والجمال، والليل، والنهار، والنجوم، والسماء، والأرض، والظلّ والحرور ... إلخ». حتى إن صور النعيم والعذاب يوم القيامة، تستمد عناصرها من الواقع المألوف لدى الإنسان. فالواقعية إذا هي السمة البارزة في الصورة القرآنية، أما قوله تعالى إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ الصافات: ٦٥. فهذه الصورة للشياطين كانت راسخة في أذهان الناس لمنتهى القبح والشر، فجاءت الصورة القرآنية تعتمد عليها في تشكيل صورة مفزعة، وبذلك تكون واقعيتها في رصيدها النفسي في الطباع والنفوس وإن لم يروها في العالم المحسوس «٧». كما أن الصورة القرآنية تنقل لنا الأحداث الواقعة وقت نزول القرآن، بكل تفصيلاتها تصويرا حيا فيه اللمسات الفنية والنفسية، والتوجيهية. لأن القرآن جاء لبناء واقع جديد، وفق تصوّر إسلامي، وبناء هذا الواقع يقتضي هدم الواقع الجاهلي بكل أشكاله وصوره وأفكاره، وذلك

стр. 39

بتصوير ما فيه من هبوط ودنس وبؤس للإنسان، ثم تصوير الواقع الإسلامي البديل، بكل آفاقه ومراميه. فالصورة القرآنية تتفاعل مع الواقع لتحقيق الهدم والبناء في الوقت نفسه، هدم الوثنية، وبناء صرح الإسلام، فهي صورة فنية تطرح بديلا عن واقع الجاهلية، وتقدّم نموذجا حيا للواقع الجديد، ومن خلال التفاعل الإيجابي بين الفكر الإسلامي والواقع، تبرز الصورة الفنية في القرآن متميّزة بتشكيلها الفني القائم على رؤية إسلامية واضحة للحياة والكون والإنسان. كما تبرز الواقعية في مواد الصورة الحسية، والأحداث الواقعة، والقصص الماضية ... والمكوّن الثالث هو «الخيال» وهو قوة تجمع بين الأشياء المتباعدة في نسق فني، يقرّب الأشياء المتباعدة ويصهرها في «الصورة» التي يحل فيها الانسجام بين الأشياء المتباعدة، والتوافق بين الأشياء المتنافرة. ويرجع أرسطو الخيال إلى الإحساس فيرى أن «المحسوس قد تغيب صورته عن الحس المشترك وتبقى صورته المتخيلة» «٨»، وقد انتقل مفهوم أرسطو للخيال، وعلاقته بالإدراك الحسي إلى الفلاسفة المسلمين. فالفارابي يرى أن انطباع المحسوسات كانطباع نقش الخاتم على الشمع، فالإدراك يناسب الانتقاش وحفظ صور المحسوسات وظيفة الخيال «٩». وابن سينا يشرح علاقة التخيل بالإحساس بقوله: «الشيء قد يكون محسوسا عند ما يشاهد ثم يكون متخيلا عند غيبته بتمثل صورته في الباطن» «١٠». وبناء على هذا فإن الخيال يستمد مادته من الواقع المحسوس، ولكنه لا يبقى في حدود الواقع الحسي بل يمتد إلى علاقات جديدة، في الصورة الفنية الموحية. التي تثير خيال المتلقي، وتدفعه إلى استحضار الصور الذهنية المختزنة في الذاكرة للواقع الحسي. ومصطلح «التخييل» انتقل من الفلسفة إلى البلاغة والنقد، فسيء الظن به عند العرب،

стр. 40

لأن المترجمين لكتب أرسطو، ترجموا كلمة «فنطاسيا» مرة بالتخيّل ومرة بالتوهّم «١١». حتى إن عبد القاهر الجرجاني قسم المعاني إلى عقلية وتخييلية، ووازن بينهما، واعتبر التخييلي مناقضا للحقيقي، وفضّل المعنى الحقيقي لأنه مدار الأحاديث النبوية وكلام الصحابة «١٢». ولكن الجرجاني أحسّ بالحرج والاضطراب أمام استعارات القرآن الكريم التي تعتمد التخييل، لذلك رأى أن سبيل الاستعارة هي «سبيل الكلام المحذوف، في أنك إذا رجعت إلى أصله وجدت قائله وهو يثبت أمرا عقليا صحيحا ويدعي دعوى لها سنح في العقل» «١٣». ولكن الاستعارة ووجوه البلاغة من مجاز وتشبيه تعتمد الخيال في عرض الحقيقة للإيحاء بها كما يقول الدكتور غنيمي هلال: «فوجوه البلاغة المختلفة هي من وسائل الإيحاء بالحقيقة عن طريق الخيال» «١٤». ويبدو أن الزمخشري كان أكثر فهما ودقة لمصطلح «التخييل» إذ استبعد منه كل دلالة على التوهم والخداع والكذب، ونظر إليه على أنه «تمثيل للمعاني المجردة، وطريقة من طرائق تجسيم المعنوي، وتصويره للحس» «١٥». فالتخييل طريقة فنية في التعبير، وقد ركّز حازم القرطاجني على أهميته ووظيفته في التعبير، وركّز على دوره في التأثير بالمتلقي، وتوجيه سلوكه، فهو عنده يهدف إلى التأثير النفسي «١٦». لذلك لم يتحرج سيد قطب من تخصيص فصل له بعنوان «التخييل الحسي» في كتابه «التصوير الفني في القرآن» «١٧»، لأنه يرى التخييل طريقة فنية في التعبير، واعتبره قاعدة التصوير الأساسية في القرآن الكريم. فالصورة القرآنية تثير خيال المتلقي، ليستقبل المعنى عن طريق الحس والوجدان والفكر

стр. 41

والشعور، إنها صورة فنية تثير المشاعر والانفعالات، كما تثير الخيال ليتابع أجزاء الصورة، ويتأملها، ويكونها في ذهن المتلقي. ففي قوله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ... » إبراهيم: ١٨. يتخيل القارئ الرماد المتراكم الذي تذروه الريح في يوم عاصف، وتكاد كل لفظة في الآية تساعد على اكتمال التخييل الحسي في الصورة المرسومة. وقد يتخذ التخييل الحسي ألوانا من التشخيص والتجسيم أو الحركات السريعة المتوقعة يقول الله تعالى: «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ» الحج: ٣١. إنّ هذه الصورة تدفع الخيال لمتابعة الحركات السريعة، لسقوط هذا المشرك من السماء، وفي لمح البصر تخطفه الطير، أو ترميه الريح في مكان سحيق، بعيد عن الأنظار، ويترك للخيال أن يتأمل صورة خطف الطير له، وصورة تمزيقه قطعا، أو يتابع حركة سقوطه في مكان سحيق بعيد ... والمكوّن الرابع: هو العاطفة فهي التي تمدّ الصورة بنسخ الحياة والتأثير، وبدونها تصبح باردة جافة. لهذا اعتبرها الدكتور محمد زكي العشماوي هي كل شيء في الصورة: «والصورة بدون عاطفة فارغة» «١٨». فالتلاحم بين الصورة والعاطفة قوي واضح، فأي صورة فنية تثير في المتلقي استجابة شعورية، تختلف درجتها باختلاف الصورة وتأثيرها فيه لأن «القوى المحركة للعواطف محصورة بالصورة» كما يقول ريتشاردز «١٩». ولكنّ العاطفة ترتبط بالمكوّنات الأخرى للصورة، لتثير مشاعر المتلقي، وتحرره من الزمان والمكان معا ليعيش آفاق الصورة الشعورية والنفسية، وهذا ما عبر عنه «باوند» بقوله: «الصورة هي التي تعرض مركبا عقليا وعاطفيا في لحظة من الزمن» «٢٠».

стр. 42

فالصورة على قول باوند توحّد الأفكار والعواطف معا في مكان وزمان معينين، ولكن الصورة المعروضة في المكان والزمان لا تبقى في إطارها لدى المتلقي، وإنما تمنحه شعورا عاليا، يتخلص فيه من حدود الزمان والمكان للصورة في تشكيلها الأولي، لينتقل إلى حالة شعورية معادلة للحالة التي تصوّرها الصورة الفنية. وهذا الإحساس التي تولده الصورة في المتلقي هو «الإحساس بالنمو المفاجئ الذي نجده ونحن في حضرة روائع الفن العظيمة» «٢١». فقوة الصورة تكمن في قدرتها «على التأثير الانفعالي» «٢٢». ويبدو أن تأثر المتلقي بالصورة يرجع بالإضافة إلى كونها حسية، إلى ارتباطها بالعاطفة الإنسانية لذلك فإن الإنسان يشعر بالتجاوب الداخلي مع الصور الفنية المثيرة للعواطف. لأنه يرى نفسه مصوّرة في الصورة المرسومة، فيرى فيها مشاعره وعالمه الداخلي، فتكشف له أسراره وغوامضه، فتحركه من داخله ليتجاوب ويتأثر بها. وقد بلغت الصورة القرآنية القمة في التأثير بالمتلقي، لأنها تثير الشعور الديني والشعور الإنساني معا فهي تهزّ أعماق الإنسان، لتوقظه على حقائق الحياة، وحقائق الوجود، عن طريق المشاهد المعروضة، والصور الشاخصة، والنماذج المرسومة، والأحداث الواقعة، والقصص الماضية، ليبلغ التأثر الوجداني مداه، وتتفتح منافذ النفس لاستقبال التأثير عبر الفكر والوجدان، والعقل والشعور معا. وتنفرد الصورة القرآنية بتصوير حقائق الحياة والكون والإنسان، وما وراء الحياة المنظورة من حياة أبدية في العالم الآخر، وقد بلغت بهذا التصوير لهذه الحقائق قمّة التأثير بالمتلقي، فآمن من آمن بالقرآن، وأعرض عنه المشركون استكبارا، مع إقرارهم بقوة تأثير الصور القرآنية فيهم. والمكوّن الخامس هو «اللغة» فهي وسيلة نقل الأفكار والعواطف، وقد تميّزت اللغة العربية عن غيرها من اللغات الأخرى بخصائص فنية أهلّتها لتكون لغة للقرآن الكريم، فهي من أكثر اللغات انسجاما مع التعبير الفني، وإثارة الأحاسيس الفنية والإنسانية، وتلاؤما مع

стр. 43

المعايير الجمالية، ويظهر ذلك في تركيب حروفها ومفرداتها وعباراتها، فهي لغة التصوير الفني أو «لغة المجاز» «٢٣» على رأي العقاد والمجاز هو أداة التصوير الفني. فالألفاظ ليست جامدة بل هي ألفاظ حية، لها ظلالها، وإيحاءاتها، وقد هيّأ التعبير القرآني للألفاظ نظاما ونسقا وجوا ملائما على أحسن ما يكون، فسمح للألفاظ بأن تشعّ وتوحي بالظلال والصور، وتتناسق مع الجو النفسي أو الشعوري العام الذي يرسمه، يقول الله تعالى: «يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا» الطور: ١٣. فالدعّ هو الدفع بالظهور، والمدفوع في النار يصدر صوتا قريبا من جرس العين الساكنة، لذلك فإن الصورة اختارت في تشكيلها اللغوي هذا الحرف بالذات، لتكون الصورة المرعبة توحي بهيئة مخصوصة وهي الدفع في الظهور رغم إرادتهم، كما تجسّم حالتهم النفسية وما هم عليه من خوف وفزع. فاللغة العربية لغة تصويرية، يظهر ذلك في الاستعمالات المجازية، والاستعمالات الحقيقية، فحين نقول: «تمايل الرجل» فإن هذا التعبير الحقيقي، يرسم صورة لرجل يترنّح يمينا وشمالا، وهذه الصورة مركبة من عبارة حقيقية، لا مجازية. فالصورة بمفهومها الجديد تساعد على استثمار اللغة، واستخراج خصائصها بوصفها مادة بنائية، تهدف من تركيب الكلمات والعبارات إلى بعث الصور الموحية عن طريق التعبير المجازي أو الحقيقي، بحيث تعود للكلمات قوة معانيها التصويرية «٢٤» وقد لاحظ العقاد أن كثيرا من الألفاظ العربية ما زالت تحتفظ بمعناها الحقيقي مع شيوع معناها المجازي، وهذا الاقتران بين المعاني المجردة للألفاظ والمعاني المحسوسة كثير في اللغة العربية كما يقول العقاد «٢٥». فمثلا كلمة «زكاة» تعني الزيادة والنمو، كما تعني الحسن واللياقة «٢٦»، وقد تناول القرآن هذه المادة اللغوية، واستثمرها في الدلالة على معنى جديد، فأصبح المعنيان يتجاوران في ذهن المتلقي، يثيران فيه صور النماء الحسية والمعنوية معا، وهي صور غنية ومتنوّعة.

стр. 44

تتجاوز الحياة الدنيوية إلى صور النماء والزيادة في الآخرة، فالألفاظ في الصورة القرآنية تشعّ بالظلال التي تثير الخيال وتمتعه، والمقصود بها تلك الظلال «التي يخلعها وراء المعاني» «٢٧»، ليبقى التخيل في متعة التأمل. وظلال الألفاظ ترجع إلى ما وراء الشعور، إلى تلك الصور المختزنة في الذاكرة والتي صاحبت الألفاظ في تاريخها الطويل، كذلك ترجع ظلالها إلى السياق الذي وضعت فيه. وظلال الألفاظ هي متعة الخيال، لأن الظلّ يلقى في الخيال كما يلقى الجرس الموسيقى في الأذن ولكنّ هذه الظلال للألفاظ لا يدركها إلّا «الحس البصير حينما يوجه إليها انتباهه، وحينما يستدعي صورة مدلولها الحسية» «٢٨». إن الصورة القرآنية بلغت قمة الإعجاز في تشكيلها للغة، وتطويعها لأغراضها الدينية والفنية، وقد تجلّى ذلك في اللفظ الفصيح العذب، والمعنى المترابط، والنسق الموحي المصوّر، والإيقاع الموسيقى المتناسق مع جوّ الصورة ومعناها. والمكوّن السادس هو «الإيقاع» وهو مرتبط ببقية المكونات الأخرى، وللإيقاع دوره في تشكيل الصورة وتأثيرها في المتلقي. والإيقاع في الصورة القرآنية مكوّن واضح لها، فقد يكون الإيقاع فيها شديدا ملحوظا، أو هادئا لينا، وقد يكون سريعا خاطفا أو بطيئا متأنيا، حسب المعنى أو السياق العام. ففي سورة «الضحى» مثلا يسير الإيقاع هادئا ليّنا ليتناسق مع الصورة الفنية المرسومة من الإطار الهادئ في الضحى الطالع، والليل الساجي، وصورة اليتم والرضى في السورة كلها. ولكن الإيقاع في سورة «العاديات» يشتد ويقوى ويسرع، ويتضح ذلك في صورة الخيول العادية والضابحة والمغيرة بسرعة، وفي صورة بعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور. وفي سورة «الفلق» نلاحظ الإيقاع الثقيل الشديد، وهو واضح في صورة النفاثات في العقد، وصورة الحاسد والحسد ... ويتكون الإيقاع من أمور عدة، من مخارج الحروف، وصفاتها، وحركاتها، وتتابعها بنسق معين، أو تفرّقها، ومن الكلمات، فالجمل، والعبارات، أي أن جرس الحروف أولا يكوّن جرس

стр. 45

الكلمات، ثم الكلمات في الجمل، تكوّن جرس العبارات، ومنها يتكوّن الإيقاع العام للصورة كما سأوضح ذلك في الوظيفة الفنية، إن شاء الله. فاللغة العربية إذن لغة تصويرية تجمع الكثير من النواحي الوجدانية والإيقاعية والتصويرية. ولا حرج من استعمال مصطلح «الإيقاع الموسيقى» في دراسة الأسلوب الفني في القرآن، لأن القرآن جاء بلغة العرب، ويجري وفق أساليبهم في التعبير، فهو معجز ببيانه الفني، والإيقاع جزء من الأسلوب الفني. وقد نلاحظ أن هذه المقوّمات للصورة، قد تشترك مع مقومات الصورة الأدبية عموما في الأصول التي تتشكل منها، ولكنّ مقومات الصورة القرآنية مختلفة تماما بعد ذلك عن مقومات الصورة الأدبية. لأن الصورة القرآنية تعتمد في تشكيلها على قاعدة دينية، وتنطلق منها في عملية التشكيل، وهذه القاعدة الدينية لمواد الصورة ملحوظة في الصورة القرآنية تشكيلا ووظيفة أيضا. ثم إن بقية مواد الصورة تنطلق من هذه القاعدة الدينية، وتطوف في أجوائها، ولا تتعداها إلى غيرها. فالفكر في الصورة القرآنية، ديني، والعاطفة دينية والخيال يطوف في أجواء دينية، ولا يتعدى هذه الأجواء، واللغة تؤدي معاني دينية، والصورة بموادها المشكّلة تهدف إلى تحقيق وظيفة دينية. فمقومات الصورة القرآنية مترابطة، متعاونة، تخضع للفكرة الدينية التي هي محورها الذي تدور من حوله. فقانون الترابط بين مقوّمات الصورة القرآنية هو إحدى ميّزات الصورة القرآنية، حيث نرى هذا الترابط لا يتوقف عند مقومات الصورة فقط، بل إنه يرتبط أيضا بأنواع الصور في القرآن، ويتناسق معها. لإبراز هذه الخصوصية المميّزة للصورة القرآنية عن الصورة الأدبية، فهذه المقومات للصورة التي تعتمد على أساس ديني، تنعكس في أنواع الصور القرآنية، فتبرز فيها الصور القرآنية ذات الطابع الديني الواضح المعالم والسمات، وهذا أمر ينسجم مع طبيعة النص القرآني، باعتباره كتابا منزلا من عند الله، يهدف إلى تحقيق أغراض دينية عن طريق الصورة الفنية. وبذلك يتلاحم الغرض الفني بالغرض الديني، لتحقيق الإعجاز في التصوير القرآني.

стр. 46

الفصل الثالث أنواع الصور في القرآن الكريم الصورة القرآنية متميزة بمواد تشكيلها، كما هي متميّزة أيضا بأنواعها، ووظائفها. وبين موادها وأنواعها علاقة وارتباط، وقانون عام، يطبع كليهما بالطابع الديني الذي يميّز الصورة القرآنية. ويمكن أن نرجع الصورة القرآنية إلى نوعين أساسيين هما: الصورة المفردة أو الصورة البلاغية، وصورة النسق، ومن هذين النوعين تتفرع بقية الصور الأخرى. وأعني بالصورة المفردة، الصورة البلاغية المعروفة المكوّنة من التشبيه أو الاستعارة أو الكناية أو المجاز، وهذه الصورة مرتبطة بالجملة الواحدة غالبا، وهناك الصورة المرتبطة بالنسق أو السياق، وهي أعمّ من الأولى وأشمل، وبين الصورتين علاقة تفاعل وارتباط، فالصورة المفردة، تحكمها علاقات داخلية، تربط بين أجزائها لبناء تشكيلها أولا، كما تحكمها علاقات أخرى تربطها بالسياق القرآني، ومن ثم البناء العام للصورة الكلية. لذلك يمكن الوقوف عند الصورة المفردة أو البلاغية، لدراسة مكوّناتها، ومن ثمّ دراسة هذه الصورة البلاغية في علاقاتها مع الصور الأخرى، في نمو وامتداد، وصعود حتى تكوّن «صورة المشهد» ثم صورة «اللوحة» أو الصورة المركّبة من عدّة صور، ثم تتابع الصورة المركبة، في امتدادها ونموها وصعودها، لكي تكوّن «الصورة الكلّية» ضمن علاقات وأنساق فنية، وهذه الصورة الكلية، مكوّنة من السورة كلّها، فكلّ سورة في القرآن، تكوّن صورة «كلية» لها ملامحها الواضحة، وسماتها البارزة عن غيرها، ثم إنّ الصورة الكلية مرتبطة ب «الصورة المركزية» التي هي مصدر الصور كلّها، فمنها انبعثت وتناثرت بنظام وترتيب،

стр. 47

فتوزّعت هنا وهناك في النص القرآني، ولكنها تعود ثانية إلى مصدرها الذي انبثقت منه ضمن نظام العلاقات والروابط بين الصور. وهكذا يتم الانتقال من الصورة الجزئية، إلى الصورة الكلية، ومن الصورة المحدودة، إلى الصورة المطلقة وتعتبر «الصورة المركزية» التي تدور حول الألوهية هي أساس الصور الأخرى فبأمره سبحانه وجدت صور الحياة والكون والإنسان، لذا فإن الصورة المركزية هي مصدر قوة بقية الصور، فهي حاضرة في جميع الصور القرآنية، قد تكون ظاهرة للعيان، بصورة مباشرة، وقد تكون مضمرة، ولكنها مدركة عند تأمل أجزاء الصور وعلاقاتها وإيحاءاتها. ووظيفة الصور تكمن في توضيح الصورة المركزية، وإبرازها، وبيان قوتها، وجمالها، وجلالها، وقد تبدو أحيانا بعض الصور الجزئية شاردة، بعيدة عن الصورة المركزية، ولكن السياق يبرز الصورة المركزية وهي تمسك بالصورة الشاردة لتعيدها إلى سياقها المتفاعل مع الصور الأخرى، وبذلك ندرك قوة الروابط أو العلاقات في الصورة القرآنية، هذه الروابط التي تبدأ بالصورة المفردة وتفاعلها ونموها ضمن نظام العلاقات التصويرية، لتبلغ قمتها في «الصورة المركزية» وهذه العلاقات ملحوظة في حركة النمو الصاعد للصور القرآنية، وحركة الهبوط أيضا والتلاشي، حين تفنى جميع الصور والأشكال، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. وبذلك ندرك جمال الصورة القرآنية، وقوة تأثيرها في النفوس، لأنها صورة تعتمد على الإيحاء القوي النافذ عبر حركة نامية صاعدة، تمضي بالمتلقي من المحسوس إلى المجرد ومن المحدود إلى المطلق ومن الجزئي إلى الكلي، وهذا الانتقال عبر هذه الدوائر يحرك عقل الإنسان ووجدانه، ويعمّق وعيه بواقعه من خلال هذه الطاقة الإيحائية للصورة المركزية، وقوة تأثيرها في الإنسان المخلوق. إن جمال الصورة القرآنية، يرجع إلى هذا التناسق بين أجزاء الصورة المفردة. وتناسق الصورة المفردة مع النسق العام، ثم في تناسق هذا البناء الفني القائم على التصوير في الأسلوب القرآني. حيث تصبح الصورة المركزية هي أوضح صورة، يهدف القرآن إلى التعريف بها فكل خطوط الصور وفروعها، تتركّز في خدمتها لتكون أكثر إيحاء وتأثيرا في توجيه المتلقي

стр. 48

شعوريا وعقليا وسلوكيا. ويتضح من هذا العرض، أن الحكم على الصورة القرآنية من خلال الصورة البلاغية فقط يعد ناقصا أو قاصرا، لأن هذه الصورة الجزئية مرتبطة بالبناء التصويري العام في الأسلوب القرآني، تستمد منه حيويتها، وقوتها، فالعلاقة بينها وبين الصور الأخرى علاقة تفاعل، وتبادل للتأثر والتأثير. ولكن ظروف البحث، تقتضي بأن أفصل بين نوعي الصور القرآنية، لتسهيل الدراسة، والوقوف على طبيعة كلّ منهما على حدة، وأبدأ بالصورة المفردة أو البلاغية. أ- الصورة المفردة: وهي الصورة البلاغية القديمة. وقد قام البلاغيون بجهد كبير في دراستها، ووضع القواعد لها، وقد توقفت دراساتهم البلاغية، عند جزئية صغيرة فيها، تدور حول محورين هما: المشبّه والمشبّه به، فاهتدوا إلى بعض العلاقات اللغوية التي يمكن أن تقوم بين هذين المحورين الأساسيين، وتوصّلوا إلى مجموعة من الأسماء التي حاولوا أن يحصروا «الصورة» فيها، فكان هناك التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز بنوعيه المرسل والعقلي وبعض فنون البديع المعنوي. ومعظم الدراسات البلاغية القديمة، تدرس الصورة المفردة. مجردة عن سياقها، فتبين خصائصها ووظائفها معزولة عن الصورة العامة للنص، وهذه الدراسات مفيدة لفهم طبيعة الصورة الجزئية، ولكن الاقتصار عليها، وحصر الجهود فيها، وجعلها معيارا للجمال، يضرّ بالفهم الكلي للنص القرآني، ويضعف من إدراك فكرته التي جاءت الصورة تعبّر عنها في لحمة متماسكة ونسيج فني موحّد. إن إهمال دراسة السياق أو العلاقات القائمة بين الصور يضعف من قيمة الصورة، وقد لاحظ ذلك عبد القاهر الجرجاني حين حاول ربط الصورة بالنسق في نظرية النظم، وهو ما يقوم به النقد الحديث من دراسة الصورة من خلال مفهوم النسق ضمن العلاقات المتعددة التي يقوم عليها النص. وليس معنى هذا أني أقلّل من جهود البلاغيين، أو أدعو إلى نبذها ودفنها، وإنما أريد أن

стр. 49

أوضّح أنهم قاموا بوضع الأسس والقواعد لعلم البلاغة، وفق ظروف عصرهم، وما فيه من أذواق ومقاييس. وجهودهم في هذا الميدان كبيرة، ويبقى علينا أن نتابع الخط الذي سلكوه، ونتدارك التقصير الذي وقعوا فيه، فنحاول إنقاذ البلاغة العربية من قواعد السكاكي والقزويني، تلك القواعد الصارمة الجافة، التي أفقدتها روحها وبهاءها وتأثيرها وجعلتها علما جافا، بعد أن كانت فنا قائما، ولا بدّ الآن من إعادتها من جديد إلى إطار الفن، لتصبح «فنون البلاغة» بدلا من «علوم البلاغة». وإذا كان البلاغيون قد وفقوا، عند الصورة الجزئية، فيجب علينا أن نتابع السير، ولا نتوقف في فهم الصورة، عند تلك الحدود الجزئية، بل نربط الصورة الجزئية بالنسق، فننظر إليها من خلال البناء التصويري العام، فتبدو فيه الصورة الجزئية لبنة من لبناته، تؤدي وظيفتها ضمن البناء العام أو الصورة الكلية. كما نربط الصورة بالشعور أو النفس، وبالفكرة، لأن الصورة الخالية منهما، صورة جافة باردة أو صورة مزركشة شكلية. فنحن ننطلق من البلاغة القديمة، ولكننا لا نتوقف عند حدودها، لأن الدراسات النقدية والبلاغية في تقدم مستمر في الكشف عن خصائص فن القول، والأسلوب التصويري المؤثر. بهذه النظرة الموضوعية، ننطلق في تقدير جهود البلاغيين القدماء، ونفهم البلاغة القديمة، ولا نجري وراء المتعصبين ضدها ممن تغذّوا بالأفكار الأوربية، ويريدون منّا أن ننسى تلك الجهود العظيمة، ونلقي بالبلاغة القديمة وراء ظهورنا، لأنها بزعمهم تثير مشاكل عدة مثل المشابهة، والبناء المنطقي، والرؤية الثنائية، والجمود «١». فالتشبيه- في رأي الدكتور نعيم اليافي- «قد جرّ على الفن الكثير من المساوئ أكثر مما جلب إليه الحسنات» «٢»، لأنه برأيه «أقرب إلى التعبير الإشاري المباشر منه إلى التعبير المصور» و «أقرب إلى التعبير النثري»، ولأنه أيضا «يبقي اللغة في المستوى العادي» و «أبنية

стр. 50

لا تكاد تختلف». والسبب في ذلك يرجع برأيه إلى طبيعة التشبيه ذاته، لأنه يقوم على الفصل بين المركبين المشبه والمشبه به، وإقامة المشابهة والعلاقة الذهنية بينهما «٣». وهذه نظرة فيها مغالاة، لأن التشبيه أسلوب من أساليب البيان، استخدمه القرآن الكريم، وإذا كان البلاغيون قد قصّروا في فهمه، فلا يعني هذا نسفه من أساسه، والهجوم عليه. ويأخذ الدكتور مصطفى ناصف على العرب مغالاتهم في تقدير التشبيه، وإعلاء مكانته، ويرجع هذه الفتنة بالتشبيه إلى المنهج العربي المحافظ الذي يحفل بالروعة والجلال. كذلك يأخذ على النقاد العرب اهتمامهم بالجانب التقديري فيه، دون البحث في قيمته، وانصرافهم إلى وضع القواعد الصارمة، والتقسيمات العقلية التي تسوّي بين الدلالة الأدبية، والتعريفات المنطقية. ويرجع مصطفى ناصف نظرية التشبيه عند العرب إلى نظرية الفن القائمة على «التجريد» لذلك اهتم البلاغيون والنقاد بالتناظر والتقابل في التشبيه، بدافع التجريد المعروف في الزخارف الإسلامية والذي يكره الفراغ في الفن «٤». ولكن الدكتور ناصف- على الرغم من هجومه على نظرية التشبيه عند العرب- كان منصفا في نظرته إلى الصورة القرآنية فقد أرجع قصور البلاغيين القدماء وضيق فهمهم للتشبيه إلى عدم استفادة العرب من الأسلوب القرآني في نظرتهم إلى التشبيه. فهم «لم يستلهموا روح القرآن في التصوير، ولو فعلوا، لأنكروا تعدد التشبيه وقلبه، والبعد والغرابة، والاستطراف، والمفاضلة بين البليغ وغير البليغ» «٥». فالتفاوت كبير جدا بين «الصورة القرآنية» وأذواق البلاغيين والنقاد، الذين ظلّوا في إطار الصورة الجزئية الحسية، ولم يرتقوا في قواعدهم إلى آفاق الصورة القرآنية التي تجمع بين الحسية والنفسية، والجزئية والكلية ... والسبب- في رأي الدكتور عصام قصبجي- يرجع إلى «أن صلة النقاد بتقاليد الشعر الجاهلي كانت أعمق من صلتهم بالتصوير القرآني» «٦». فعلى الرغم من أن القرآن الكريم كان مصدر العلوم الإسلامية، إلا أن النقد والنقاد

стр. 51

كانوا يضعون مقاييسهم النقدية بعيدا عن روح الأسلوب القرآني، لذلك كانت العناية بالظواهر الحسية، في الصورة، والعلاقات العقلية، والقواعد الصارمة، التي انتهت إليها البلاغة القديمة. فقد نظر القدماء إلى التشبيه من خلال العلاقة بين المشبه والمشبه به، والتناسب الظاهري بينهما، وليس التناسب النفسي، واشترطوا التمايز بين الطرفين. ورفضوا فكرة التفاعل بينهما، وحرصوا على وضع الحدود والقواعد بينهما حتى لا يتم هذا الامتزاج أو هذا التفاعل. فقد رأى قدامة بن جعفر أن الشيء لا يشبه غيره من جميع الوجوه إذ لو «تشابها من جميع الوجوه ولم يقع بينهما تغاير البتة، اتحدا، فصار الاثنان واحدا» «٧»، ويكرر أبو هلال العسكري، فكرة قدامة هذه لأنه «لو أشبه الشيء الشيء من جميع جهاته لكان هو هو» «٨»، لذلك راح القدماء يكرسون جهودهم في البحث عن التناسب المنطقي بين طرفي التشبيه، والصفات المشتركة بينهما فإذا كان المشبه يشبه المشبه به في أكثر صفاته، اعتبر هذا التشبيه حسنا وجيدا. يقول ابن سنان: «الأحسن من التشبيه أن يكون أحد الشيئين يشبه الآخر في أكثر صفاته ومعانيه، وبالضدّ حتى يكون رديء التشبيه ما قلّ مشبهه بالمشبه به» «٩». فنظرة القدماء للتشبيه. تركّز على المشابهة بين الطرفين، والتطابق الخارجي بينهما، دون البحث عن القيمة النفسية للأشياء كما يقول جابر عصفور «١٠». حتى إن المطابقة الخارجية بين طرفي التشبيه، أصبحت معيارا على صدق التشبيه وحسنه، بحيث لو عكس التشبيه، ظل التشبيه صحيحا. يقول ابن طباطبا: «فأحسن التشبيهات ما إذا عكس لم ينتقض، بل يكون كل شبه بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مثله مشتبها به صورة ومعنى» «١١». وقد طبق ابن ناقيا البغدادي هذا المعيار على التشبيه الوارد في قوله تعالى:

стр. 52

وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ الرحمن: ٢٤، وقال عنه بأنه حسن، لأنه يصح على العكس وقلب المشبه بالمشبه به «١٢». وقد نجد اختلافا قليلا عند الرّماني، في فهمه للتشبيه، لأنه اعتمد على القرآن الكريم في استشهاده له. فهو يتحدث عن التشبيه الحسي، والتشبيه النفسي، ويقصد بالتشبيه النفسي، ما كان طرفاه معنويين، وبالحسي ما كان طرفاه حسيين، لكنه لم يتعرض للتشبيه الذي يكون أحد طرفيه حسيا والآخر عقليا، لأنه كان مشغولا في رسالته الصغيرة حول الإعجاز بوضع القواعد الأساسية عن التوغل في الجزئيات الدقيقة. ويربط التشبيه ببقية أجزاء الكلام، ويركّز على وجه الشبه في إخراج الأغمض إلى الأوضح يقول الرماني: «والتشبيه البليغ إخراج الأغمض إلى الأظهر بأداة تشبيه مع حسن التأليف» «١٣». فهو يلاحظ ارتباط التشبيه، ببقية أجزاء الأسلوب، وهذا رأي له قيمته النقدية، لأنه يعد بذور فكرة النظم التي بلورها الجرجاني فيما بعد. كما أن الرماني يركّز على وجه الشبه في تحليله للشواهد القرآنية، ويدرك الدلالة النفسية للتشبيه أحيانا. ففي قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً النور: ٣٩ يعلق الرماني على التشبيه بقوله: «ولو قيل يحسبه الرائي ماء ثم يظهر أنه خلاف ما قدر لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن لأن الظمآن أشد حرصا عليه، وتعلق قلب به» «١٤». وقد توسّع عبد القاهر الجرجاني في شرح التشبيه فقسمه إلى نوعين: ما يدرك بدون تأويل، لوضوحه وسهولة إدراكه، كتشبيه الخد بالورد، وما يدرك بتأويل كتشبيه الحجة بالشمس ويفرق بين التشبيه والتمثيل، فيرى أن التمثيل هو ما يدرك بتأويل، وهو درجات أيضا، فمنه ما يقرب إدراكه، ويسهل فهمه مثل حجة كالشمس، ومنه ما يحتاج إلى التأمل لإدراكه كقولهم ألفاظ كالماء، ومنه ما يدق ويغمض ويحتاج إلى التفكير لإدراكه لخفائه، وهو

стр. 53

مقصور في إدراكه على خاصة الناس «١٥». ويركّز الجرجاني على الجانب العقلي في التشبيه من خلال تقسيمه له إلى ما يدرك بتأول، وما يدرك بدون تأول، وتفضيله «التمثيل» على التشبيه، لأنه يحتاج إلى جهد وتفكير عقلي لإدراكه، ويتضح ذلك أيضا في تعليله لجمال التشبيه القائم على الجمع بين المتباعدات، لأن الأشياء المشتركة في الجنس والنوع، تستغني بثبوت المشابهة فيها، أما الجمع بين المختلقات فإنه يقوم على مشابهة لها أصل في العقل ولكنها خفيفة لا يدركها إلا الخاصة «١٦». لهذا اعتبر «التفصيلات» في التشبيه، تدل على العمق، وإدراك العلاقات الدقيقة، ومعرفة النادر الذي لا يدرك إلا من قبل الخاصة. يقول الجرجاني: «وجملة القول إنك متى زدت في التشبيه على مراعاة وصف واحد أو جهة واحدة، فقد دخلت في التفصيل والتركيب، وفتحت باب التفصيل، ثم تختلف المنازل في الفضل بحسب الصورة في استفادك قوة الاستقصاء، أو رضاك بالعفو دون الجهد» «١٧». ويرجع الجرجاني إعجاب المتلقي بالتشبيه إلى الجمع بين المتباعدات فيه، لأنها تحدث في نفسه الدهشة والاستغراب والإعجاب يقول: «إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد، كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها إلى أن تحدث الأريحية أقرب» «١٨». ولكن إعجاب المتلقي بالتشبيه لا يرجع إلى الجمع بين المتباعدات فقط كما ذهب الجرجاني، وإنما يرجع إلى شعوره بالمعرفة الجديدة التي تزيده خبرة، وفهما لحقائق الأشياء أيضا. وهكذا يجري القدماء في التشبيه وراء التطابق الشكلي، دون أن يتجاوزوه إلى التناسب النفسي فجاء إعجابهم ببيت ابن المعتر: انظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر منسجما مع نظرتهم الشكلية الحسية للتشبيه، فالتطابق في هذا البيت تطابق شكلي،

стр. 54

وقد وفّق الشاعر فيه، ولكنه لم يوفّق في التطابق النفسي، لأن صورة الهلال في السماء تثير مشاعر إنسانية تختلف عن المشاعر التي تثيرها صورة الزورق الفضي المثقل بالعنبر التي تعبر عن حياة ابن المعتز المترفة. إن القواعد التي وضعها القدماء للتشبيه ضرورية ولكنها غير كافية، ضرورية لتحقيق الانسجام والتناسق بين عناصر الشكل الأدبي، وغير كافية، لأنها لا بدّ أن ترتبط بالشعور الذي يمنحها الحيوية والقوة وهذا ما تحققه الصورة القرآنية التي جمعت بين التناسق الشكلي، وبين التناسق النفسي، بحيث لا يمكن الفصل فيها بين الشكل والمضمون، أو بين العقل والشعور. ولو أن النقاد والبلاغيين القدماء استفادوا من طريقة القرآن التصويرية ما وقفوا عند التناسب الشكلي فقط في الصورة التشبيهية بل ربطوا بين الشكل والمضمون، ولم يفصلوا بينهما. يقول الدكتور مصطفى ناصف بهذا المعنى: «والمحقّق أن براعة المجاز القرآني لم تصوّر تصويرا مشرفا في عصر من العصور، وأن القرآن لم يتذوق تذوقا خالصا، ولو فعلوا لما قالوا: إن التشبيه الأدبي يقوم على المشاركة بين الأشياء في ظواهرها، وألوانها، وأقدارها ... » «١٩». وإذا تأملنا الصورة التشبيهية في القرآن، نلاحظ أنها تستمد عناصرها من عالم الإنسان والنبات والحيوان والجمال، فالمشبه به هو «السراب، والماء، والبحر، والظلمات، والرماد، والحجارة، والعهن، والجراد، والفراش، والهباء المنثور، والوردة، والمهل، وأعجاز النخل، والهشيم المحتظر، والعصف المأكول، والرميم، والغثاء، والمهاد، والأوتاد، والعرجون القديم، والنور، والصم، والبكم، والعمي، والحمار، والكلب، واللؤلؤ، والبنيان المرصوص، والريح، والسنبلة ... إلخ». وهذه الصور محسوسة، وعناصرها باقية على مر الأزمان، وهي متجددة ومتنوعة، وحيّة في النفوس، تتفاعل معها وتتأثر، وهي قريبة مدركة، كذلك فإن المشبه متنوع في الصورة فهو الحياة الدنيا، والأرض والسماء، والشمس، والقمر، والموج، والجبال، والأصنام،

стр. 55

وأحوال الكافرين، وأعمالهم ... إلخ. ونضرب بعض الأمثلة من القرآن الكريم، لندرك التناسب الظاهري والتناسب النفسي معا في الصورة التشبيهية والتي كان يمكن للبلاغيين القدماء أن يستفيدوا منها في أثناء وضعهم للقواعد البلاغية، ولو فعلوا ذلك لتغيرت النظرة إلى البلاغة القديمة، وبقيت فنا قائما، ومعيارا نقديا لتقويم الأعمال الناجحة. يقول الله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ يس: ٣٩. فهذه الصورة التشبيهية، يلاحظ فيها التناسب الشكلي والتناسب النفسي معا، فتشبيه القمر في آخر الشهر بالعرجون القديم، غنيّ بالدلالات النفسية، والإيحاءات الشعورية، وليس مقصورا على المشابهة أو المطابقة في الشكل فحسب كما يرى القدماء، وإنما هناك التناسب النفسي بين المشبه والمشبه به أيضا. من ذلك أن العرجون القديم لا يلتفت إليه، كذلك القمر في آخر الشهر، ومنها أن كلا من القمر والعرجون القديم كان محط الاهتمام والأنظار في الماضي، العرجون لثمره، والقمر لضيائه، ومنها هذه النهاية لكل منهما، في الأفول والزوال والفناء بعد رحلة طويلة من العطاء والتعلّق بهما. فصورة القمر تثير في النفس المشاعر نفسها التي يثيرها العرجون القديم، من حيث النمو والتحوّل، ثم الزوال والعدم والتناسب في الشكل ملحوظ في هذا النمو والتحوّل بين طرفي التشبيه، كما أن التناسب النفسي ملحوظ أيضا في نمو المشاعر الإنسانية وتطورها، بحسب كل مرحلة لهما، وتبقى هناك وراء هذه الصورة الحسية، دلالة دينية. تلقي بها هذه الصورة في مخيلة القارئ. وهي أن صورة الإنسان في هذه الحياة تشبه هذه الصورة الحسية، في الكون والنبات في نموّها وتحوّلها من الضياء والعطاء إلى الأفول والزوال. ولا يقتصر التناسب الشكلي والنفسي في الصورة القرآنية على التشبيه المفرد. كما تقدم، وإنما هو سمة بارزة في أنواع التشبيه الأخرى، والصورة القرآنية عموما. يقول الله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى، فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ، وَما كانُوا مُهْتَدِينَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ، أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ، يَكادُ الْبَرْقُ

стр. 56

يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ البقرة: ١٦ - ٢٠. ففي هذه الآيات تشبيهان مركبان أو تمثيليان، ففي التشبيه الأول، يصور القرآن المنافقين وحيرتهم واضطرابهم وقلق نفوسهم، فقد كانوا في ظلمة الكفر فآمنوا ظاهرا، فأوقدت لهم نار، فأضاءت ولكنهم سرعان ما عادوا إلى ظلمات التخبط والكفر، فالتناسب في الصورة واضح بين ظلمة الظاهر، وظلمة باطن النفوس، فأسند ذهاب النور إلى الله، ليفيد معنى الإزالة الكاملة للضياء، ثم جمع «الظلمات» ثم قال لا يُبْصِرُونَ وذلك لتأكيد معنى كثافة الظلمات الظاهرية لتناسب ظلمات نفوسهم القاتمة. وفي التشبيه الثاني يصورهم بمن أحاط بهم صيّب من السماء، شديد كثيف، تحجب كثافته الرؤية، ثم فيه رعد، وبرق، يثيران الهول والفزع، فيحاولون إدخال أصابعهم كلها في آذانهم للهروب من صوت الرعود القاصفة، والصواعق النازلة. ثم يصوّر اضطرابهم وقلقهم من خلال رصد حركتهم السريعة كلما لمع البرق والتناسب الظاهري والنفسي ملحوظ في عناصر التشبيه، كما هو واضح في البناء والتركيب فكلمة (صيب) تفيد شدة الانصباب، كانصباب الهول فوق رءوسهم، وتصويرهم يحاولون إدخال الأصابع في آذانهم يعبر عن حالة نفسية خائفة مرتجفة. وفي قوله كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ تصوير لحالتهم النفسية التي تنتهز الفرصة للإفلات من الهول المرعب. والتعبير ب قامُوا في قوله وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا أدق في التصوير من وقفوا لأن قامُوا توحي بالرغبة في الإفلات والهروب والبقاء في حالة الاستعداد الدائم، انتظارا للفرصة كما أنها ملائمة لجوّ السياق المتحرك على عكس وقفوا فهي توحي بالجمود والثبات، والسياق كله حركة ملحوظة في انصباب الصيّب، ولمعان البرق، وحركة الأصابع في الآذان، ومحاولة الإفلات والهروب، بالإضافة إلى الحركة في داخل النفوس الخائفة في مثل هذا المشهد المخيف. وأحيانا يكون التناسب النفسي هو الرابط بين طرفي التشبيه، زيادة في تحريك الخيال، كقوله تعالى: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ الصافات: ٦٤ - ٦٥، فصورة الشجرة النابتة في أصل الجحيم صورة غريبة غير محسوسة، تناسبها صورة رءوس الشياطين.

стр. 57

فالتناسب هنا بين الطرفين غير مدرك بالحواس، لأننا لا نعرف شيئا عن هذه الشجرة الغريبة التي تنبت في أصل الجحيم، وطلعها كأنه رءوس الشياطين، إنها شجرة مختلفة عن الأشجار الأخرى المعروفة، فهي شجرة غريبة ومنفّرة، فناسبتها صورة رءوس الشياطين الغريبة والمنفرة أيضا. ورءوس الشياطين غير مدركة بالحواس ولكن ما ترسب في النفس من كراهيتها، والنفور منها عند الناس، جعلها صالحة للتشبيه بها فالتناسب هنا بين الطرفين، تناسب نفسي، يستمد معينه من التخيل، والأثر النفسي الذي تتركه الصورة قوي الإيحاء، عميق الدلالة. وهذه الصورة ليست شكلية حسية، وإنما هي تخييلية ذات أثر نفسي. لهذا فهي تفتح آفاقا واسعة لخيال المتلقي، ليتصور ماهية الشجرة الغربية، ولا يهدأ خياله من تصورها حتى يبدأ بتصور «رءوس الشياطين» فيتحقق الغرض من التصوير في التخويف من عذاب الله. والقرآن الكريم مصدر ثري، للصورة الفنية التي تجمع بين التناسب الشكلي والتناسب النفسي معا، وهو مثال يحتذى في التصوير والتأثير، ولكن النقاد لم يستفيدوا منه في هذا المجال «لأنهم لم يجدوا في تقسيماتهم المنطقية التعميمية ما يصلح لخصوصيات القرآن الرفيعة، فظلت هذه الخصوصيات بمنأى عن أيديهم، وعن قواعدهم الصارمة» «٢٠». وإذا انتقلنا إلى الاستعارة، نجد أنها تعتمد على المشابهة أيضا، ولكن المشابهة فيها لا تقوم على ثنائية ملحوظة كما في التشبيه، وإنما تعتمد على التفاعل القوي بين طرفي التشبيه إلى درجة الصهر في مركب جديد، نطلق عليه اسم «الاستعارة». لذلك يكون الخيال في الاستعارة نشيطا وكبيرا، وبخاصة في الاستعارة المكنية التي يكون فيها الانصهار أكبر من الاستعارة التصريحية، لأن «المكنية» تعتمد على التشخيص أو التجسيم بينما التصريحية تقوم على الاستبدال من لفظ لآخر. ولكنّ القدماء نظروا إليها من خلال العلاقة بين «الحقيقة والمجاز» «٢١»، فجاءت تعريفاتهم لها مشتركة في مفهومي «النقل والعلاقة أو المشابهة» «٢٢»، فدارت أبحاثهم حولها من خلال

стр. 58

هذين المفهومين، ومن خلال الأعراف اللغوية القائمة، والتناسب المنطقي. ولم يدركوا ما في الاستعارة من تداخل وتفاعل وصهر وإعادة تشكيل للمعنى «٢٣»، باستثناء الجرجاني الذي نظر إليها من خلال مفهوم «الادّعاء» وليس من مفهوم النقل اللفظي، فقد رأى صعوبة تصور نقل الكلمة من معناها الأصلي، ونحن نقصد معناها في الوقت نفسه، لذلك استبعد «النقل» من مفهوم الاستعارة، وأكّد مفهوم «الادّعاء» فيها. يقول الجرجاني عن الاستعارة: «إنما هي ادّعاء معنى الاسم للشيء لا نقل الاسم عن الشيء» «٢٤». فالجرجاني يرى أن الاستعارة تترجم المعنى، وليست تفاعلا لتشكيل المعنى الجديد، لذا حرص على التمايز والادعاء بين طرفي العلاقة والتناسب والمشابهة فنظر إليها كما نظر إلى التشبيه من خلال المنطق العقلي. وإذا كان التشبيه يقوم على القياس والمشابهة بين حدين واضحين، فإن الاستعارة تتجاوز هذه المشابهة لادعاء دخول المشبه في المشبه به، «فتضع اللفظ بحيث تخيل أن معك نفس الأسد والبحر والنور كي تقوي أمر المشابهة وتشدده» «٢٥»، فالاستعارة- عنده- ليس نقلا للفظ عن معناه الأصلي، وإنما تخييل بأنه قد صار إلى غير جنسه، ولكن عبد القاهر رأى أن ادعاء دخول المشبه في المشبه به لا يقصد بهذا الادعاء أن المشبه يشبه المشبه به في كل شيء، وإنما في صفة معينة، وهذا يعني أن الجرجاني، عاد من جديد إلى رأي البلاغيين في نقل اللفظ عمّا وضع له في الأصل «٢٦». فنظرة القدماء للاستعارة ظلّت تقوم على مفهوم «النقل» وثنائية المنقول منه والمنقول إليه، ولم ينظر إلى طرفي الاستعارة على أساس التفاعل بينهما، بحيث يقوم كلا الطرفين، بدورهما في الاستعمال الاستعاري. فالمستعار والمستعار له يجتمعان في لفظ الاستعارة، ولا يترك أو ينسى واحد لحساب الآخر عند الدكتور مصطفى ناصف الذي يرى أن الاستعارة وليدة التفاعل بين المستعار والمستعار له، لتوليد المعاني «٢٧».

стр. 59

ويوضّح طبيعة التفاعل بين الطرفين بقوله: «إن الاستعارة عبارة عن فكرتين اثنتين، عن شيئين مختلفين تعملان خلال كلمة أو عبارة واحدة، تساندهما معا، ومعنى هذه الكلمة أو العبارة هو الناتج عن تفاعلهما» «٢٨». لذلك يصعب استخراج طرفي الاستعارة لما بينهما من تفاعل مستمر. وقد أدرك الزمخشري من قبل هذه الصعوبة فاختار مصطلح «التخييل» لكي يبقى على التفاعل المستمر بين طرفي الاستعارة «٢٩». كذلك فإن الدكتور ناصف يرى صعوبة تحليل الاستعارة على أساس الطرفين المختلفين، لأن الطرفين فيها يتفاعلان حتى غدت «الاستعارة هي الحقيقة وأصبح تحليلها غير ممكن» «٣٠». من هنا ندرك أن تقسيم الاستعارة إلى تقسيمات عقلية، أو تحليلها إلى أجزاء مكونة لها، أو إجرائها على طريقة القدماء من خلال الرؤية الثنائية للعلاقة بين الحقيقة والمجاز، كل ذلك يفقدها حيويتها وتأثيرها ويجردها من سياقها، وفاعليتها، ويجعلها جزئية مفككة، وهي في حقيقتها وحدة منسجمة، يتفاعل فيها المستعار والمستعار له، لتوليد المعنى المراد، فهي طريقة فنية مثيرة للخيال، والفكر والشعور وقد تميّزت استعارات القرآن بأنها تمزج بين حدّي الاستعارة، لتشكيل المعنى الجديد، كما أنها متنوعة تجري على ألوان مختلفة لاستفاد ما في اللغة من طاقة تصويرية. وقد يكون الاستعمال الاستعاري في القرآن، قريبا من الإدراك، لقرب الاستعمال الحقيقي للكلمة من الاستعمال المجازي. كقوله تعالى: وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً الأعراف: ١٦٨، والتقطيع في الآية هو التفريق، ولكن المعنيين متقاربان، يتفاعلان في الاستعمال الاستعاري للإيحاء بتقطيع الرواب الاجتماعية، التي كانت متلاحمة ومتماسكة، وتقطيع الروابط النفسية المصاحبة لتلك الروابط الاجتماعية. وكأن التقطيع هنا لإفادة استئصال الروابط الاجتماعية والنفسية المصاحبة لها. وقد يستعمل القرآن الكريم لفظ «مزّق» بدلا من قطّع، للإيحاء بالتمزيق الحسي أو المادي،

стр. 60

مع بقاء المعاناة النفسية بعد التمزيق والتفريق كقوله تعالى فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ سبأ: ١٩، فالتمزيق هنا يوحي بانتزاع القوم من الجسم الحي للجماعة، وشدة معاناتهم النفسية بهذا التمزيق، لأن روابط القربى والمودة قائمة وممتدة ولكن التمزيق هو الذي شق هذه الروابط، وفرّقها مع بقاء الروابط النفسية، وذلك للإيحاء بتعذيبهم نفسيا بهذا التمزيق والتفريق. فالاستعارة في القرآن، فيها التفاعل بين حدي الاستعارة، والتفاعل مع السياق الواردة فيه، لتحقيق التناسب الشكلي والنفسي في الصورة لذلك كان لفظ التمزيق هنا، ولفظ التقطيع في الآية الأولى، زيادة في الدقة في أداء المعنى، على الرغم من التقارب بين اللفظين، والقرآن الكريم يستثمر هذه الفروق اللغوية في التصوير الفني، لتحقيق أغراضه الدينية من خلال هذا التصوير الدقيق. وقد يعتمد الاستعمال الاستعاري على «التجسيم الفني» لأنه أكثر جاذبية، وأعمق تأثيرا، وأكثر إثارة للخيال، لذا يكثر القرآن الكريم من عرض المعاني في صور مادية مجسّمة، بحيث تراها العين، ويتملّاها الخيال. مثال ذلك قول الله تعالى: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً البقرة: ٢٥٠، فالصبر وهو شيء معنوي يصبح مادة مجسمة، بحيث يفرغ في قلوب المؤمنين، فيزيل ما في نفوسهم من ألم وشدة وكرب وخوف. وفي قوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ الأنبياء: ١٨، فالحق هنا يعرض في صورة مادية مجسّمة، يقذف به فوق الباطل، فيعلوه فيزيله، وبالمقابل فإن الباطل قد جسّم في صورة مادية محسوسة ولكنها صورة هشة هزيلة ضعيفة. سرعان ما تتهاوى أمام ضربات الحق في لحظة المواجهة. وقد تعتمد الاستعارة على التشخيص وهو خلع الحياة على الأشياء الجامدة، والظواهر الطبيعية، والانفعالات الوجدانية وتشخيص مظاهر الوجود، والمشاهد الطبيعة، يثير في النفس معاني الجمال والفن، لأن النفس تأنس بما حولها حين ترى الأشياء الجامدة، ناطقة شاخصة، ومن ذلك قوله تعالى: إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ الملك: ٧، فالنار تعرض هنا حية شاخصة، تكظم غيظها، ولكنّ أنفاسها مسموعة في شهيقها وزفيرها، وحنقها على الكافرين، وغيظها منهم. والكواكب السيارة تعرض شخوصا متحركة في قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ

стр. 61

الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ التكوير: ١٥ - ١٨. فالتعبير القرآني يخلع الحياة على الكواكب السيارة فإذا هي ظباء رشيقة، تجري وتتحرك، وتختبئ في كناسها، ثم ترجع في جهة أخرى وهكذا هي في حركتها المنظورة، دائمة الظهور والاختفاء، والليل أيضا شخص يتحرك، يعسّ في الظلام، والصبح أيضا حي، يتنفس كما يتنفس الأحياء، ولكن عن الحركة والضياء والحياة. وقد يدخل عنصر «الترشيح» على الاستعارة، ليزيد من تفاعل حدّيها، وتناسي التشبيه بينهما، لتقوية المعنى المقصود كقوله تعالى: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ التوبة: ١٠٩. ويلاحظ في هذه الصورة الاستعارية، أنه حين استعمل الجرف الهاري، في التعبير عن الباطل، رشّحه بقوله: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ بمعنى أنه هوى به في أودية جهنم، فجاء بلفظ فَانْهارَ الذي هو للجرف ليصور أن المبطل أسس بنيانه، على شفا جرف من النار، فانهار به في جهنم مباشرة، دون فاصل بين تأسيس البنيان على الباطل وبين الانهيار في النار، لهذا جاء العطف بالفاء ليفيد التعقيب والترتيب بين المقدمة والنتيجة، أو بين الباطل والنار، وبهذا تتضح العلاقة الوثيقة بين الاثنين في التصوير والتعبير والتأثير. وقد تكون الاستعارة «تمثيلية» كقوله تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها آل عمران: ١٠٣. فقد كانوا قبل الهدى والإيمان، يطاردهم الموت، حتى يوشك أن يخطفهم، ويرميهم في العذاب، ولكن الله أنقذهم من هذا المصير بالإيمان والهدى. فقد صوّرهم القرآن قبل الإيمان على حافة النار، وكادوا يسقطون فيها، فجاء الإنقاذ بالإيمان في اللحظة المناسبة، والصورة مليئة بالدلالات المعنوية والفنية، حيث نلاحظ دقة التصوير في قوله عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ الذي يتسم بالحركة والحذر، والانفعالات الوجدانية في مثل هذا الموقف، بالإضافة إلى الدلالة على قرب النار من أهل الزيغ والضلال حيث لا يفصلهم عنها إلا حركة واحدة متوقعة، تهوي بهم في قعر جهنم. وقد تقع الاستعارة «في الحروف» وهذه الاستعارة كما يقول الدكتور محمد أبو موسى، تبعث صورا مستحسنة في التعبير، وتعطي التركيب عمقا وخصوبة في مدلوله. وهذا اللون

стр. 62

من الاستعارة لم يلتفت إليها كثير من البلاغيين قبل الزمخشري «٣١». ففي قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ البقرة: ٥ صورة حية، واضحة المعالم، تعتمد على تمثيل حال المهتدي في ثباته وتمكنه من الحق ولزومه إياه، بالراكب على جواد، فاستعيرت هذه الهيئة للدلالة على حال المؤمنين، واكتفى التعبير القرآني باستخدام الحرف «على» الذي يوحي بالتمكن من الشيء والثبات عليه فالحرف هنا هو الذي يكوّن الصورة المرسومة في المخيّلة، وهذا كثير في الأسلوب القرآني ومنه قوله تعالى: إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ الأعراف: ٦٦، فحرف الجر «في» يفيد الظرفية، وتركيبه في هذا السياق يوحي بصورة حية للضال الذي انغمس في الغي والسفاهة حتى لا يكاد يبصر. وهكذا لاحظنا كيف أن الصورة القرآنية، مرتبطة بالسياق، الواردة فيه، لأداء الغرض الديني من وراء التصوير ولكن الصورة القرآنية ليست صورة شكلية وإنما هي فنية متولّدة من تفاعل عناصرها، وتلاحم الشكل بالمضمون، والفكر بالشعور، والغرض الفني بالغرض الديني، وهذا ما جعلها تكتسب هذه الخصوصية المتميزة في التعبير والتصوير والتأثير الديني. ونلاحظ هذا أيضا في الصورة القائمة على المجاز، والمجاز له أهمية في التعبير الفني، لارتباطه بالصورة وأنواعها، ولكنه أسيء فهمه حين وضع في مقابل الحقيقة، حتى أصبح للكلمة دلالة حقيقية لغوية، ودلالة مجازية فنية، عند القدماء، ولم يكتفوا بذلك بل قيّدوا الدلالة المجازية بالعلاقة والقرينة لتبقى الدلالة الحقيقية للكلمة، حماية للغة من العبث والفوضى التعبيرية. لهذا اختلف العلماء في ورود المجاز في القرآن الكريم، بين مؤيد ومعارض، بعد أن توهم المعارضون بأن المجاز قرين الكذب، ويناقض الحقيقة، وأن اللجوء إليه دليل العجز عن التعبير الحقيقي «٣٢». والحق أن المجاز ظاهرة فنية في كل اللغات، وهو في اللغة العربية أوضح من غيرها، لأنّ العربية هي «لغة المجاز» كما يقول عنها العقاد «٣٣»، ولكن المجاز لا يوضع في مقابل

стр. 63

الحقيقة، وإنما هو طريقة خاصة في التعبير عن الحقيقة ذاتها وقد كانت كلمة «المجاز» تعني الطريقة في التعبير عند أبي عبيدة في أول نشأتها «٣٤»، ولكنها وضعت فيما بعد في مقابل الحقيقة عند ما وضعت القواعد البلاغية الصارمة المعتمدة على الحدود المنطقية، والتقسيمات العقلية. فالمجاز هو طريقة فنية في التعبير عن الحقيقة، وهذه الطريقة، تثري اللغة، وتنمّيها، وتزيل عنها الرتابة التعبيرية كما أنها طريقة مثيرة لخيال المتلقي، ومؤثرة في نفسه، فهي تلفت المتلقي إلى خروج التعبير عن المألوف فتحرك خياله، وتنشط ذهنه، ليدرك العلاقات الجديدة في التعبير المجازي. وفي بحثي هذا لن أركّز على التمييز بين نوعي المجاز (المرسل والعقلي) ولن أبحث عن العلاقة في كليهما، حتى لا أقع بما انشغل به البلاغيون القدماء حتى أضاعوا جمال الصورة الفنية التي يرسمها المجاز بنوعيه، وإنما سأركز على طريقة المجاز في رسم صور فنية. حين عدل التعبير عن المألوف إلى تعبير تصويري، ولا يرجع ذلك إلى تقدير المحذوف حتى يصحّ الإسناد، وإنما إلى هذا التعبير الخاص المصوّر المتفاعل مع الفكرة والسياق، كما بينت في حديثي عن الاستعارة. فقوله تعالى: ... وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً نوح: ٧. فالصورة هنا، مرتبطة بالسياق الواردة فيه، ومتفاعلة معه، لتصوير إعراض قوم نوح عن الدعوة، ورفضهم لها. فجاء هذا التجوز في الدلالة لكلمة «أصابعهم» للإيحاء بشدة إعراضهم، ومبالغتهم في ذلك إلى الحدّ غير المعقول، وهو محاولتهم إدخال الأصابع كلها في الآذان، وهي صورة تتناسق مع الصورة الأخرى اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا .... والصورة هنا تعتمد على نظام العلاقة بين الكلي والجزئي، ليظل القارئ في حركة انتقال من الجزئي إلى الكلي أو العكس، لتحريك خياله، وتنشيط ذهنه، كما أنها تخضع لنظام العلاقات السياقية الأخرى، من خلال ارتباطها بالصور الأخرى، لتتناسق معها في رسم مشهد الإعراض عن الحق، والكراهية له.

стр. 64

وفي قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ... النساء: ٩٢ صورة فنية تقوم على الانتقال من الجزئي في سبيل الوصول إلى الكلي، من خلال نظام العلاقة بين الجزئي والكلي، ومن خلال نظام الأنساق التعبيرية الواردة ضمنه الصورة، فالجزئي هنا «الرقبة» توحي بالكلي، لأن المراد التخليص من قيود العبودية، والرقبة هي موضع أغلال العبودية، فاقتضى الاعتماد عليها في الصورة ويلاحظ في القرآن الكريم كثرة الصور المعتمدة على الجزئي للوصول إلى الكلي، ليظلّ خيال المتلقي يتنقل بينهما، في حركة ناشطة، تبعث المتعة والجمال للمتلقي، لأنه يظل يبحث عن هذه العلاقات بين الدالّ والمدلول، في الصورة، ثم ارتباط الصورة بسياقها العام وتناسقها معه. يقول الله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة: ١٩٥. إن هذه الصورة التي يرسمها المجاز هنا ذات دلالة دقيقة، لأن الأيدي هي أداة الإنفاق، أو الإمساك لذلك فإن التعبير القرآني بينى عليها صورة الهلاك، أو صورة النجاة. ثم هذه الصورة تتناسق مع السياق الواردة فيه، الذي يحضّ على الإنفاق، لهذا صوّر الشخص كلّه في هذا الجزء منه، وتوقّف على هذا الجزء مصير الكل، فالعلاقة إذا بين الدال والمدلول علاقة تفاعل وتأثر، فالأيدي تقود صاحبها إلى الهلاك في حالة الإمساك، كما تقود صاحبها إلى النجاة في حالة الإنفاق. فالصورة ليست في اللفظة، وفي استخدامها في غير ما وضعت له أصلا، وإنما هي في العلاقة بين الدال والمدلول من جهة، وبين ارتباط الدال والمدلول بالسياق العام للآية، وبذلك يتحرر المجاز المرسل من النظرة الجزئية، والعلاقة التبادلية بين حديه، ليصبح ضمن نظام العلاقة السياقية، فيشتد ارتباطه بالصورة الكلية التي يرسمها السياق، من هذه الصور الجزئية المرتبطة به. ويؤكد هذا الارتباط بين الدال والمدلول في المجاز من ناحية، والسياق من ناحية أخرى، كثرة تعبير القرآن عن الصلاة بجزء من أجزائها المهمة حسب ما يقتضيه السياق. مثل القيام والركوع والسجود. يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا المزمل: ١ - ٢، وكَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ العلق: ١٩، ووَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ

стр. 65

السَّاجِدِينَ الحجر: ٩٧ - ٩٨ ووَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ المرسلات: ٤٨. فالتعبير بالدال قُمِ اللَّيْلَ على المدلول «الصلاة»، جاء متناسقا مع السياق، فالقيام هو أشق الأركان في صلاة الليل، لذلك كان التعبير به، ليقود إلى المدلول «الصلاة» فالمجاز ليس ألفاظا تحذف لمجرد الحذف، وإنما هو حركة متفاعلة مع السياق، فليست العلاقة بين الدال والمدلول علاقة لفظية فقط، أو علاقة تبادلية بين الألفاظ كما تعلمنا أن نقول، وإنما هي علاقة بنائية، يقتضيها السياق، وبذلك يسهم المجاز في إثراء المعنى وإبرازه، عن طريق مفاجأة المتلقي بالعلاقة الجديدة في التعبير، فيركّز اهتمامه على الدال، موضع الاهتمام في التعبير القرآني دون أن يهمل المدلول الذي هو حاضر في الذهن، لأنه مرتبط بالدال، ومتفاعل معه. وفي سياق تسلية الرسول ﷺ والتسرية عنه، والتخفيف مما يعانيه من الأذى القولي والفعلي، كان التعبير بالسجود، متناسقا مع سياق القرب من الله، والخضوع له فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ وفي قوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ يتحدث السياق عن العرب الذين يأنفون الخضوع والانقياد لأمر الله فاقتضى هذا السياق، استعمال الدال «الركوع» الذي هو رمز الامتثال والخضوع، وهو في الوقت نفسه يقود إلى المدلول «الصلاة» لأنه مرتبط به بعلاقة وثيقة متلاحمة، كما أنه متفاعل مع السياق في الوقت نفسه إن هذا التنويع في الدوال للمدلول الواحد، يؤكد على نظام العلاقات في الصورة الفنية التي يقيمها السياق فالسياق القرآني هو الذي فرض هذا التنويع في الدوال مع بقاء المدلول الواحد «الصلاة» وهو تنويع يزيد المعنى وضوحا وتأثيرا ويجعل الصورة القرآنية بناء متحدا متناسقا وليس أجزاء منفصلة. فليست الصورة المجازية قائمة على مجرد حذف كلمة، أو استخدام جزء ليدل على الكل، وإنما هي صورة مكوّنة من العلاقة بين الدال والمدلول من جهة، والسياق الواردة فيه من جهة أخرى. والإجراء البلاغي للمجاز بصورته القديمة، لا يعطينا هذا المفهوم، لأنه ظلّ يركّز على النواحي الشكلية في الصورة دون أن ينفذ إلى البناء المعنوي لها. لهذا فإن الإجراء القديم للمجاز يعتمد على التقسيمات العقلية دون الالتفات للمعنى المراد، والسياق العام الوارد فيه المجاز، كما أنه لا يبرز خصوصية النص القرآني حين يفصله عن المعنى والسياق.

стр. 66

وقد تكون صورة الدال والمدلول حاضرة في الذهن، بحيث يذكّر الدال بالمدلول، والمدلول بالدال، لتجاورهما وملازمة أحدهما للآخر، حتى يصعب على المرء تصور أحدهما دون استحضار الآخر مثل «السحاب والسماء» في قول الله : يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً نوح: ١١. فالسماء هي الدال، والسحاب هو المدلول، ويلاحظ شدة الارتباط والتجاور بين الاثنين عند ما ينظر الإنسان إلى السماء، لذلك كان استعمال الدال هنا بمثابة ذكر للمدلول، لأنه حاضر في الذهن بمجرد ذكر السماء ولكن استعمال كلمة «السماء» هنا جاءت متناسقة مع سياق الاستغفار للإيحاء بشمول رحمة الله وغيثه لكل المستغفرين، فكأن السماء كلها، قد أرسلت عليهم مدرارا بالإضافة إلى أن السماء توحي بالغيث المعنوي إلى جانب الغيث الحسي، ومصدر الاثنين السماء. وقد يكون «الزمن» هو الرابط بين الدال والمدلول. ففي قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى طه: ٧٤ استخدم كلمة «مجرما» في سياق يوم القيامة، وهي وصف له في الزمن الماضي، للإيحاء بأن صفة الإجرام تظل ملازمة له حتى يواجه العقاب عليها يوم القيامة. وهذا الامتداد في الزمن بدون انقطاع يجعل صورة الإجرام وصورة العقاب متلازمتين، حتى يرسخ العقاب مع الإجرام في الذهن وإذا كان الزمن الماضي يمتد نحو المستقبل، فإن المستقبل أيضا يتواصل مع الحاضر ليؤدي دلالته المعنوية المؤثرة فيظل المجرم في حياته كلها يحمل آثار المهانة والحسرة على ما فعل إلى أن يواجه العقاب في يوم الحساب. ويلاحظ أيضا أن التجاوز الزمني الذي تحمله الدلالة المجازية في الآية، يتناسق مع سياق يوم الحساب، حيث تتبدل الأشياء، ويتغير الزمن المألوف، فكأن السياق الزمني غير المألوف يوم القيامة، اقتضى أيضا تغيرا في الدلالة الزمنية للمجاز، وبذلك يكون التجاوز الزمني في الدلالة متناسقا مع الزمن غير المألوف في يوم القيامة. وهذا ما نلاحظه أيضا في قوله تعالى: إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً يوسف: ٣٦. فالتجاوز الزمني في الدلالة المجازية في الآية، بتناسق مع جوّ «الحلم» الوارد في السياق. فكما أن الزمن في الحلم يختلف عن الزمن المألوف في اليقظة، فكذلك التعبير

стр. 67

القرآني هنا يعتمد على التجاوز الزمني في الدلالة، ليعبر عن المستقبل بصورة الحاضر. كذلك يلاحظ في قوله تعالى على لسان نوح: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً نوح: ٢٦ - ٢٧، فالتجاوز الزمني هنا في فاجِراً كَفَّاراً يتناسق مع دعوة نوح قومه ألف سنة إلا خمسين، وهذا الزمن الممتد في الدعوة، اقتضى هذا التجاوز الزمني الممتد أيضا إلى الزمن المستقبل في الصورة المرسومة. وإذا كانت نتائج الدعوة قليلة لا تكاد تذكر، فإن الدعاء يبدو في سياقه مقبولا، فكأن التجاوز الدلالي جاء ليثبت هذا المعنى، ويؤكّده، وهو إعراض قومه، وعدم إيمانهم بالدعوة على الرغم من هذه الجهود المبذولة في هذا الزمن الممتد. وهكذا يتحد الزمن الماضي بالمستقبل في صورة الإعراض لقوم نوح وكفرهم. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ الذاريات: ٢٨، وقوله تعالى: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ الصافات: ١٠٠ - ١٠١. والتجاوز الزمني هنا في الدلالة المجازية، يتواصل مع الزمن الممتد في السياق، فإبراهيم قد كبر في السن، ومن شأن الوالد الكبير أن يفكر بمصير ولده الصغير، فاقتضى السياق التجاوز الزمني في الدلالة المجازية لطمأنة إبراهيم ﵇ على ولده بأنه سيكبر، ويبلغ مبلغ الرجال ويتصف بالعلم والحلم. وقد تكون العلاقة السياقية واضحة في الدلالة المجازية، كقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ البقرة: ١٩٤، فالعلاقة هنا بين الجزاء والاعتداء واضحة في السياق، وقد عبر عن الجزاء بالاعتداء ليبرز أهمية محاسبة الظالم، وعدم التهاون معه، كما يظهر الجزاء منسجما ومتناسقا مع السبب الموجب له. وفي قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً غافر: ١٣ تشعر الدلالة المجازية ل رِزْقاً بقوة السبب وهو الغيث المرتبط بأمر الله سبحانه، ولا تدخّل للبشر في حدوثه. وإذا كان الرزق مرتبطا به، ومتوقفا عليه، فإن الدلالة المجازية توحي بضرورة التعلّق بالله، واللجوء إليه، لأن بيده مصدر رزق الإنسان.

стр. 68

وقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها ... يوسف، ٨٢، فالدال هنا القرية، والمدلول أهلها، وبين الدال والمدلول علاقة ارتباط وتفاعل، لأن ذكر القرية يذكّر مباشرة بالمدلول أهلها. وكذلك العير وأصحابها، ولكن الدلالة المجازية هنا لها قيمتها الفنية والفكرية، في إثبات أن السرقة عمّت وانتشرت حتى شملت القرية كلّها، لذلك عبّر ب «القرية» و «العير» للإيحاء بشمول الخبر، وشيوعه حتى لو سئلت الجمادات والحيوانات عنه لنطقت به. وهكذا تتجه دراسة الدلالة المجازية في القرآن من خلال العلاقة بين الدال والمدلول، وارتباطهما بالسياق العام للآيات، لأداء المعاني الدينية، وإنّ أيّ إجراء بلاغي، يفصل الصورة عن سياقها، يضرّ بفهم الصورة القرآنية وما فيها من إعجاز في التعبير والتصوير، ووحدة وانسجام وتناسق مع السياق، والغرض الديني المقصود من التصوير، وهذا ينطبق على دراسة التشبيه والاستعارة أيضا كما وضحنا سابقا، كما ينطبق أيضا على «المجاز العقلي» القائم على علاقة إسنادية ملحوظة في التعبير، فقوله : «عِيشَةٍ راضِيَةٍ» القارعة: ٧ يقوم الإسناد المكون من الدال والمدلول في رسم صورة بديلة عن الإسناد الحقيقي «عيشة مرضية» للإيحاء بالرضا الملازم للعيشة، والمتحد بها، وكأن العيشة والرضا أصبحا شيئا واحدا، لا ينفصلان. بخلاف التعبير ب «عيشة مرضية» فإن الرضا يبدو منفصلا عنها، ومحدودا. وفي قوله تعالى: وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأنعام: ٦ نلاحظ أن إدراك المدلول «المياه» يتم من خلال إسناد الجري للدال الْأَنْهارَ ولكن العلاقة قوية بين الدال والمدلول في الذهن، لما بينهما من التجاور والارتباط، والتعبير القرآني يستغل هذا الارتباط بين الاثنين، للإيحاء بأن الأنهار كلها تفيض مياها وخصبا ونماء. و «الكناية» أيضا من الصور البلاغية التي تقوم على الدال والمدلول معا، فهي تعبير غير مباشر عن المعنى ولا يمنع المدلول المقصود من التعبير من إرادة الدال القريب منها ولكنها تعتمد على إخفاء المدلول البعيد وستره بالدال القريب الذي يومئ للبعيد، ويوحي به، يقول عبد القاهر الجرجاني في تعريفها: «أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود فيومئ به إليه، ويجعله دليلا

стр. 69

عليه» «٣٥». وقد كثرت هذه الصورة البلاغية في القرآن الكريم في التعبير عن الندم، والحسرة، والكرب، والأهوال، والإعراض، والعطاء، والشح، والإمساك، والجماع، والعفة، والطهر، وغير ذلك من المعاني المذكورة في القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ الحج: ١ - ٢. فالصورة الكنائية هنا تعبر عن ذهول الناس، وفزعهم من مشهد زلزال الساعة بحيث يبلغ الذهول مداه في فقد السيطرة على النفس والإدراك من هول المشهد وعنف الزلزلة، والتعبير بالمرضع والحامل، يمثل منتهى الذهول، وفقد السيطرة على الأعصاب. وقريب من هذا قوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ عبس: ٣٤ - ٣٧. ففي هذه الصورة نلاحظ فرار الانسان من أقرب الناس إليه، وانشغاله بنفسه عمّن سواه بخلاف الصورة الأولى، حيث رأينا الذهول من زلزلة الساعة أفقدهم الوعي والإدراك، من شدة المفاجأة. والصورتان تعبّران عن الهول والكرب، ولكنّ صورة الفرار تعقب الصورة الأولى المجسّدة للذهول وقت مفاجأة الساعة لهم. فالذهول أفقدهم الوعي. فتسمّروا واقفين جامدين، ثم انطلقوا هاربين كلّ يفكّر بنفسه ... وهكذا نلاحظ العلاقة بين الصور القرآنية لتأدية المعاني أو الحالات النفسية، ضمن نظام العلاقات السياقية الملحوظة في التعبير والتصوير على حدّ سواء. ونظام العلاقات المترابطة ملحوظ في بناء الكون والإنسان والحياة لتكوين الوحدة المنسجمة من هذه الأجزاء في النهاية، كذلك ملحوظ، في الصورة القرآنية القائمة على نظام العلاقات المترابطة بين الجوانب التعبيرية والتصويرية والفكرية، أو بين الصورة في بنائها، والصورة في وظيفتها. ويرجع الإعجاز الإلهي أيضا إلى نظام العلاقات المتناسقة في الخلق والتكوين، ونظام العلاقات المتناسقة في القول والتصوير في القرآن الكريم، لأن المصدر واحد وهو الله

стр. 70

سبحانه وتعالى في الكون المنظور، والكتاب المقروء، وهذا ما أركّز عليه في كتابي، هذا إن شاء الله. ب- الصورة السياقية: وأقصد بها الصورة التي يؤلّفها السياق من مجموعة الصور الجزئية، ضمن نظام العلاقة بين الصور القرآنية. وقد وقفت الدراسات البلاغية القديمة، عند الصورة الجزئية، أو البلاغية ولم تتعدها إلى صورة السياق. كما وضحت آنفا جهودهم في ميدان الصورة الجزئية حين تحدثت عن الصورة المفردة. وحديثي الآن عن الصورة السياقية، ينسجم مع مفهوم الصورة بمعناها الحديث الذي يتسع للصورة البلاغية، ويتعداها إلى صورة السياق، مع ملاحظة أن الصورة السياقية قد تتكون من الصور الجزئية، وتبني عليها مشاهدها ولوحاتها الفنية، فبين النوعين من الصور علاقة تفاعل وارتباط، لأداء المعنى الديني المقصود. وهذه الصورة السياقية، تعبر عن نظام العلاقات المتشابك في الأسلوب القرآني، الذي يقوم على الصورة الجزئية النامية، والمتفاعلة. مع صور السياق، لتكوين الصورة الكلية التي تتجلى فيها أصول المعاني الدينية المصوّرة التي جاء القرآن الكريم لإقرارها كمبادئ أساسية للتصور الإسلامي. وتتنوع الصورة السياقية أيضا، فهي تبدأ من صورة «المشهد» فاللوحة، فالصورة الكلية ثم الصورة المركزية. وهذا التقسيم لأنواع الصور السياقية اجتهادي، فقد يسميها آخرون بمصطلحات أخرى، ولكن ما أثبته هنا يرجع إلى منهجي في الدراسة، وهو الكشف عن العلاقات المترابطة في الصورة القرآنية، التي تمتد أيضا لتشمل وظائف الصورة القرآنية التي هي أيضا قائمة على نظام العلاقات بين وظائف الصورة، لتتحد في النهاية في وظيفة موحّدة وهي الوظيفة الدينية كما أنّ أنواع الصورة القرآنية ترجع في النهاية إلى الصورة المركزية لإبرازها، وبيان فاعليتها وتأثيرها. ثم إن تقسيم الصورة القرآنية إلى هذه الأنواع، يرجع إلى طبيعة الصورة القرآنية التي تحمل فكرا خاصا تؤديه من خلال التصوير، فلا بد من أجل ذلك أن تتسع حدود الصورة،

стр. 71

ويتسع إطارها للتعبير عن هذا الفكر، وصورة المشهد الكامل قد تمتد إلى أكثر من آية، لتشمل آيات عدة، في أداء المعنى الديني. فنلاحظ في المشهد عدة علاقات، وعدة صور جزئية متناسقة في المشهد، ومتعاونة لأداء المعنى الديني المطلوب. وهذا ما نراه في تصوير الطبيعة، ضمن مشاهد حية شاخصة، وتصوير يوم القيامة أيضا في مشاهد حية. وسوف أتوقف عند ذلك بالتفصيل في حديثي عن وظائف الصورة وأكتفي هنا بمثال واحد على الصورة في المشهد، يقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ، فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الأعراف: ٥٧. فالمشهد المصور هنا لا يمكن الحكم عليه من خلال الدراسات البلاغية القديمة التي اهتمت بالصورة البلاغية بأنواعها المعروفة، وإنما لا بد من نظرة شاملة، لهذا السياق الذي يرسم مشهدا واضح المعالم، والعلاقات، ففي المشهد نرى إرسال الرياح، والسحاب المتحرّك، والمطر الهاطل، والنبات الطالع، والبلد الميت. وهذه الأطراف أو الأجزاء متفاعلة في داخل السياق لتكوين مشهد منظور، يؤدي وظيفة فنية ودينية معا. ونظام العلاقات بين عناصر المشهد المنظور واضحة في السياق، فالرياح تسوق السحاب الثقال، لتهطل الأمطار فوق الأرض المجدبة، فتنبت الزروع، وتخرج الثمار منها فالعلاقة بين عناصر المشهد قوية، إنها علاقة السبب بالمسبب، والمقدمة بالنتيجة، لإثبات معجزة الحياة بعد الموت، من خلال عرض المشهد الذي يضم صور الحياة في الكون المنظور. وصورة «اللوحة» تتألف من عدة مشاهد مختلفة، تؤدي، معنى مشتركا، وأثرا نفسيا واحدا. كقوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ، خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ القمر: ٦ - ٨. هنا نلاحظ عدة مشاهد مختلفة ولكنها مترابطة في السياق، مثل مشهد الجموع الخارجة من القبور، ثم مشهد الجراد المنتشر، والأبصار الخاشعة، والجري نحو الداعي للحشر. ومشهدهم الأخير الذي فيه كرب شديد ملحوظ في قولهم «هذا شيء عسر» وتنكيس رءوسهم وكأن هذه المشاهد ترسم لوحة متكاملة لحالهم يوم القيامة، ابتداء من خروجهم من القبور، وانتهاء بأثر اليوم الآخر في نفوسهم، وما فيه من كرب وشدة تجلّى في

стр. 72

أقوالهم في وصف ذلك اليوم. والغاية من التصوير هي التخويف من يوم الحساب، وهكذا نلاحظ كيف تتفاعل المشاهد في السياق، وفي داخل اللوحة الواحدة، للتعبير عن معنى الهول والشدة، وتحقيق الأثر النفسي المطلوب. وهذه الألوان من الصور كثيرة في القرآن الكريم، لمن يتأمل الأسلوب القرآني المعجز. ونحن لا نستطيع أن نحكم على هذه الصور، من خلال نظرة جزئية، لكل صورة على حدة، فهذا يمزّق الصورة إلى أجزاء متباعدة، لا تساعد على إدراك الصورة الفنية الموحّدة بإيقاعها الموحّد، وآثارها الموحّدة في النفوس. وتتعاون جميع الصور الفنية في السورة الواحدة، وتتفاعل مع الأنساق المختلفة، لتكوين «الصورة الكلية» في كل سورة. التي ترتبط هي أيضا بصورة أكبر، وهي «الصورة المركزية» المكوّنة من النص القرآني كله. وبذلك تتحقق وحدة الصورة القرآنية، في بنائها الفني، كما تتحقق أيضا في وحدة الفكر الذي تحمله، ووحدة الأثر النفسي الذي تحدثه في النفوس. وأكتفي ببعض الأمثلة من القرآن الكريم، التي يمكن أن نقيس عليها، في فهم نموّ الصورة القرآنية عبر السياق على النحو الذي ذكرته آنفا. ففي سورة الملك مثلا نلاحظ أن الصورة الكلية فيها هي «الملك والقدرة»، وقد بدأت الصورة بالإيحاء بها منذ مطلعها يقول الله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الملك: ١، ثم إذا تتبعنا الصور الفنية الأخرى، نلاحظ أنها تتوالى داخل الصورة، وتتفرّع من هذه الصورة الكلية، على نحو معجز، فتتفرّع أولا صورة الموت والحياة الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ الملك: ٢، وهي صورة مألوفة مكرورة أمام أعين الناس، ولكن السياق هنا، يبرزها، ويدعو إلى التأمل فيها، للوصول إلى يد القدرة المالكة لها. ثم تتفرّع أيضا صورة السماء المزيّنة بالمصابيح وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ الملك: ٥، وهي صورة حسية، فيها الجمال والإبداع والتناسق، تملأ حسّ الإنسان ووجدانه بمعاني الجمال والجلال، وهي تدل على القدرة والملك أيضا، وتوحي بهما، ثم تتوالى الصور المتفرّعة من الصورة الكلية مثل (صورة جهنم بشهيقها وزفيرها وخزنتها- وصورة العلم الالهي المحيط بالظاهر والمستور، وصورة القهر والاستعلاء من خلال السؤال عن النصير والمنجي من عذاب الله. وصورة الرزق المرتبط بالسماء، وصورة خلق السمع والأبصار

стр. 73

والأفئدة، وصورة الذرء في الأرض، وانتشار البشر عليها، وصورة الحشر المقابلة لصورة الذرء والانتشار، وصورة التفرد بعلم الآخرة وموعدها، وصورة الكافرين يوم العذاب، ثم تختم الصور بصورة الماء الغائر في الأرض قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ، وبذلك يتلاحم المطلع مع ختام الصورة في الإيحاء بصورة الملك القدرة لله . فكل الصور الفرعية، وما تبعثه من إيحاء وظلال، وإثارة للخيال، ترجع إلى الصورة الكلية، فهي المحور الذي انطلقت منه، وتفرعت عنه، في حركة تشبه امتداد الأغصان في الشجرة الواحدة التي تتفرع من الجذع الواحد للشجرة. وهذه الحركة النامية للصور من أصل كلّي، وانتشارها على هذا النحو داخل سياق السورة الواحدة ضمن نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية والفكرية، تظهر وحدة الصورة الفنية في القرآن، ووحدة النص القرآني، وتثبت أيضا إعجازه. لأن هذا القرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة، وكذلك السورة لم ينزلها الوحي دفعة واحدة وإنما نزلت على فترات زمنية متباعدة ومع هذا التباعد الزمني في نزول السورة، ونزول القرآن، نلاحظ هذه الوحدة التصويرية المتناسقة وهذه الروابط والعلاقات بين الصور في داخل الأنساق. مما يعجز البشر عن مثله. فكل الصور الفرعية في سورة الملك هذه، تسير في حركة متدفّقة، لتفسّر المطلع المجمل في السورة، فتوضحه، وتبرز سماته. ثم إنّ كل الأضواء المشعّة للصور الفرعية وما فيها من إيحاءات، تسلّط على الصورة الكلية، لتكشف حقيقتها، وآثارها في العالم المنظور، والعالم الآخر غير المنظور. ثم إن هذه الصورة الكلية، مرتبطة بالصورة المركزية لتبرزها، وترسم ملامحها وسماتها، وعلى هذا النحو نفهم حركة الصورة الفنية في القرآن القائمة على نظام العلاقات السياقية. تتحرك ضمن دوائر صغرى أولا، ثم دوائر كبرى، ثم دائرة واحدة تستقطب كل الصور الجزئية والكلية وتجذبها نحوها، إنها صورة المركز. وفي سورة «الانشقاق» نلاحظ أن الصورة الكلية المرسومة فيها، هي الخضوع والاستسلام لأمر الله، وقد بدئت السورة بها، ويتمثل ذلك في صورة السماء والأرض وهما مستسلمتان لأمر الله بالانشقاق أو الامتداد، كذلك صورة الشفق، والليل، واتساق القمر، كلها صور تصبّ في الصورة الكلية الواردة في مطلع السورة ويقابل هذه الصور الكونية الخاضعة لله،

стр. 74

صورة إنسانية أيضا خاضعة مستسلمة لله، في حياتها وموتها، وكدّها وكدحها، فالخضوع لله سبحانه، يتمثل في الخلق والتكوين، كما يتمثل أيضا في النهاية والمصير. وبذلك يتم رسم الصورة الكلية من هذه الصور الجزئية المكوّنة لها عبر تفاعل الصور في السياق القرآني المعجز، لإبراز هذه الصورة الكلية، المرتبطة أيضا بالصورة المركزية. وفي سورة «الحجر» نلاحظ أن الصورة الكلية فيها هي إبراز طبيعة المكذبين، ودوافع تكذيبهم، وبيان مصيرهم. وكل الصور الواردة في هذه السورة، ترتبط بهذه الصورة الكلية وتتفاعل معها في داخل السياق التعبيري، لإبرازها، ورسم معالمها، وعلى الرغم من تنوّع الصور في السياق، فإنها ترجع في النهاية إلى الصورة الكلية، لتصبّ فيها إيحاءاتها، وهذا ما نراه في المشاهد القصصية، والمشاهد الكونية، ومشاهد القيامة، وفي التوجيهات التي تسبق وتعقب التعبير التصويري. ومطلع السورة يبدأ بالإنذار المخيف للمكذبين ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ليزيد الجوّ رهبة وتهويلا، ثم يبدأ بعرض مشاهد الكون في السماء وما فيها من بروج، والأرض الممدودة والجبال الراسية، والنبات الموزون، والرياح اللواقح، والماء والحياة والموت، والحشر للجميع. وكأنّ هذه المشاهد الكونية المصورة بمنزلة أدلة وبراهين، تنقض مزاعم المكذبين، وتردّ عليهم من خلال هذه الصور الحسية التي يرونها، ويتأثرون بها، ويبنون حياتهم عليها. ثم يلي ذلك قصة آدم وإبليس لإبراز عدو الإنسان الأول الذي يقف من وراء تكذيب المكذبين، فهم أتباعه وجنوده. ثم يعرض القرآن لمحات سريعة لقصص إبراهيم ولوط وشعيب وصالح، ويركّز التعبير على مصير المكذبين في تلك القصص الماضية، وفي هذه القصص المعروضة، إيحاء بمصير المشركين العرب كمصير أولئك الأقوام المكذبين في التاريخ، والذين كان العرب يعرفون أخبارهم، ويمرون بديارهم المدمّرة. وتدور الصورة الكلية في سورة «القصص» حول قوة الله وحمايته للمؤمنين، وإهلاكه الكافرين. وتبرز الصورة الكلية بكل ملامحها حية شاخصة، من خلال تصوير الأحداث والأشخاص.

стр. 75

فقوة فرعون الغاشمة، تقابلها قوة الله القادرة على كل شيء، من خلال حماية موسى الطفل الرضيع، وتربيته في قصر فرعون حتى يكون هلاك فرعون على يديه. على الرغم من حذره واحتياطه، وسنّه القوانين الجائرة في قتل الذكور، واستحياء الإناث، ولكن قدر الله نافذ لا محالة. فقوة الله تتدخل في كل مشاهد القصة لتحسم الأمر لصالح موسى، ثم في نهاية التصوير القصصي، يكون التدخّل الإلهي واضحا، ويتمثل في إغراق فرعون وجنوده، ونجاة موسى والمؤمنين معه. كذلك تتدخل القوة الإلهية في قصة قارون لتخسف به وبداره الأرض، كذلك نلمح القوة القادرة في المشاهد الكونية المعروضة، كما نلمحها في مشاهد القيامة المصورة وكذلك في مصارع الغابرين ... وكأن هذه الصور الجزئية بما فيها من أحداث ومشاهد وأشخاص تتفاعل داخل السياق، وتنمو لتشكل صورة كلية للسورة كلها تدور حول قوة الله وحمايته للمؤمنين، فيشعر المتلقي بأن الأمان لا يكون إلا بجوار كنف الله، وأن القوة الحقيقية في هذا الوجود هي قوته. وممّا يؤكد ما نقوله عن هذه الصورة الكلية المرسومة في السورة كلها، حذف مشهد السحرة من القصة فيها والتركيز على مشهد إغراق فرعون وجنوده بعد التكذيب مباشرة. حتى يقترن في ذهن المتلقي الإهلاك بعد التكذيب مباشرة، زيادة في توضيح قوة الله الفاعلة في الحياة والكون، والتي هي مدار الصورة الكلية وقد تتشابه الصور الكلية في سور القرآن الكريم، ولكنها لا تتماثل، جريا على طريقة القرآن التصويرية في تناول قضايا العقيدة والإيمان، بطرق شتى، زيادة في توضيحها، وترسيخها في الأذهان، وشدة تأثيرها في المتلقي من خلال تلوين الطرق التعبيرية والتصويرية، واللمسات الفنية الموحية، التي يقتضيها السياق فنحن نجد سورا عدة في القرآن الكريم، ترسم صورا كلية لليوم الآخر، ولكنّ الصورة الكلية على الرغم من تناولها لهذا الموضوع الواحد، فإنها، لا تتماثل في تصويره، والطرق التعبيرية المؤدية إلى تكوين هذه الصورة الكلية. فالصورة الكلية في سورة «النازعات» هي الآخرة، ومن هذه الصورة الكلية، تتفرّع بقية الصور الجزئية عبر الأنساق التعبيرية المختلفة، ولكنها مرتبطة بعلاقات متينة، تشدها إلى الصورة الكلية، وقد تقترب الصور منها حينا، وتبتعد حينا آخر، ولكنها تبقى مشدودة إليها ضمن نظام العلاقات التعبيرية التي يعتمدها القرآن الكريم في التصوير والتأثير.
следующие страницы →