ويتسع إطارها للتعبير عن هذا الفكر، وصورة المشهد الكامل قد تمتد إلى أكثر من آية، لتشمل آيات عدة، في أداء المعنى الديني. فنلاحظ في المشهد عدة علاقات، وعدة صور جزئية متناسقة في المشهد، ومتعاونة لأداء المعنى الديني المطلوب.
وهذا ما نراه في تصوير الطبيعة، ضمن مشاهد حية شاخصة، وتصوير يوم القيامة أيضا في مشاهد حية. وسوف أتوقف عند ذلك بالتفصيل في حديثي عن وظائف الصورة وأكتفي هنا بمثال واحد على الصورة في المشهد، يقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ، فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الأعراف: ٥٧.
فالمشهد المصور هنا لا يمكن الحكم عليه من خلال الدراسات البلاغية القديمة التي اهتمت بالصورة البلاغية بأنواعها المعروفة، وإنما لا بد من نظرة شاملة، لهذا السياق الذي يرسم مشهدا واضح المعالم، والعلاقات، ففي المشهد نرى إرسال الرياح، والسحاب المتحرّك، والمطر الهاطل، والنبات الطالع، والبلد الميت. وهذه الأطراف أو الأجزاء متفاعلة في داخل السياق لتكوين مشهد منظور، يؤدي وظيفة فنية ودينية معا. ونظام العلاقات بين عناصر المشهد المنظور واضحة في السياق، فالرياح تسوق السحاب الثقال، لتهطل الأمطار فوق الأرض المجدبة، فتنبت الزروع، وتخرج الثمار منها فالعلاقة بين عناصر المشهد قوية، إنها علاقة السبب بالمسبب، والمقدمة بالنتيجة، لإثبات معجزة الحياة بعد الموت، من خلال عرض المشهد الذي يضم صور الحياة في الكون المنظور.
وصورة «اللوحة» تتألف من عدة مشاهد مختلفة، تؤدي، معنى مشتركا، وأثرا نفسيا واحدا. كقوله تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ، خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ القمر: ٦ - ٨.
هنا نلاحظ عدة مشاهد مختلفة ولكنها مترابطة في السياق، مثل مشهد الجموع الخارجة من القبور، ثم مشهد الجراد المنتشر، والأبصار الخاشعة، والجري نحو الداعي للحشر. ومشهدهم الأخير الذي فيه كرب شديد ملحوظ في قولهم «هذا شيء عسر» وتنكيس رءوسهم وكأن هذه المشاهد ترسم لوحة متكاملة لحالهم يوم القيامة، ابتداء من خروجهم من القبور، وانتهاء بأثر اليوم الآخر في نفوسهم، وما فيه من كرب وشدة تجلّى في
стр. 72
أقوالهم في وصف ذلك اليوم. والغاية من التصوير هي التخويف من يوم الحساب، وهكذا نلاحظ كيف تتفاعل المشاهد في السياق، وفي داخل اللوحة الواحدة، للتعبير عن معنى الهول والشدة، وتحقيق الأثر النفسي المطلوب. وهذه الألوان من الصور كثيرة في القرآن الكريم، لمن يتأمل الأسلوب القرآني المعجز.
ونحن لا نستطيع أن نحكم على هذه الصور، من خلال نظرة جزئية، لكل صورة على حدة، فهذا يمزّق الصورة إلى أجزاء متباعدة، لا تساعد على إدراك الصورة الفنية الموحّدة بإيقاعها الموحّد، وآثارها الموحّدة في النفوس.
وتتعاون جميع الصور الفنية في السورة الواحدة، وتتفاعل مع الأنساق المختلفة، لتكوين «الصورة الكلية» في كل سورة. التي ترتبط هي أيضا بصورة أكبر، وهي «الصورة المركزية» المكوّنة من النص القرآني كله. وبذلك تتحقق وحدة الصورة القرآنية، في بنائها الفني، كما تتحقق أيضا في وحدة الفكر الذي تحمله، ووحدة الأثر النفسي الذي تحدثه في النفوس.
وأكتفي ببعض الأمثلة من القرآن الكريم، التي يمكن أن نقيس عليها، في فهم نموّ الصورة القرآنية عبر السياق على النحو الذي ذكرته آنفا.
ففي سورة الملك مثلا نلاحظ أن الصورة الكلية فيها هي «الملك والقدرة»، وقد بدأت الصورة بالإيحاء بها منذ مطلعها يقول الله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الملك: ١، ثم إذا تتبعنا الصور الفنية الأخرى، نلاحظ أنها تتوالى داخل الصورة، وتتفرّع من هذه الصورة الكلية، على نحو معجز، فتتفرّع أولا صورة الموت والحياة الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ الملك: ٢، وهي صورة مألوفة مكرورة أمام أعين الناس، ولكن السياق هنا، يبرزها، ويدعو إلى التأمل فيها، للوصول إلى يد القدرة المالكة لها.
ثم تتفرّع أيضا صورة السماء المزيّنة بالمصابيح وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ الملك: ٥، وهي صورة حسية، فيها الجمال والإبداع والتناسق، تملأ حسّ الإنسان ووجدانه بمعاني الجمال والجلال، وهي تدل على القدرة والملك أيضا، وتوحي بهما، ثم تتوالى الصور المتفرّعة من الصورة الكلية مثل (صورة جهنم بشهيقها وزفيرها وخزنتها- وصورة العلم الالهي المحيط بالظاهر والمستور، وصورة القهر والاستعلاء من خلال السؤال عن النصير والمنجي من عذاب الله. وصورة الرزق المرتبط بالسماء، وصورة خلق السمع والأبصار
стр. 73
والأفئدة، وصورة الذرء في الأرض، وانتشار البشر عليها، وصورة الحشر المقابلة لصورة الذرء والانتشار، وصورة التفرد بعلم الآخرة وموعدها، وصورة الكافرين يوم العذاب، ثم تختم الصور بصورة الماء الغائر في الأرض قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ، وبذلك يتلاحم المطلع مع ختام الصورة في الإيحاء بصورة الملك القدرة لله .
فكل الصور الفرعية، وما تبعثه من إيحاء وظلال، وإثارة للخيال، ترجع إلى الصورة الكلية، فهي المحور الذي انطلقت منه، وتفرعت عنه، في حركة تشبه امتداد الأغصان في الشجرة الواحدة التي تتفرع من الجذع الواحد للشجرة. وهذه الحركة النامية للصور من أصل كلّي، وانتشارها على هذا النحو داخل سياق السورة الواحدة ضمن نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية والفكرية، تظهر وحدة الصورة الفنية في القرآن، ووحدة النص القرآني، وتثبت أيضا إعجازه. لأن هذا القرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة، وكذلك السورة لم ينزلها الوحي دفعة واحدة وإنما نزلت على فترات زمنية متباعدة ومع هذا التباعد الزمني في نزول السورة، ونزول القرآن، نلاحظ هذه الوحدة التصويرية المتناسقة وهذه الروابط والعلاقات بين الصور في داخل الأنساق. مما يعجز البشر عن مثله.
فكل الصور الفرعية في سورة الملك هذه، تسير في حركة متدفّقة، لتفسّر المطلع المجمل في السورة، فتوضحه، وتبرز سماته. ثم إنّ كل الأضواء المشعّة للصور الفرعية وما فيها من إيحاءات، تسلّط على الصورة الكلية، لتكشف حقيقتها، وآثارها في العالم المنظور، والعالم الآخر غير المنظور.
ثم إن هذه الصورة الكلية، مرتبطة بالصورة المركزية لتبرزها، وترسم ملامحها وسماتها، وعلى هذا النحو نفهم حركة الصورة الفنية في القرآن القائمة على نظام العلاقات السياقية.
تتحرك ضمن دوائر صغرى أولا، ثم دوائر كبرى، ثم دائرة واحدة تستقطب كل الصور الجزئية والكلية وتجذبها نحوها، إنها صورة المركز.
وفي سورة «الانشقاق» نلاحظ أن الصورة الكلية المرسومة فيها، هي الخضوع والاستسلام لأمر الله، وقد بدئت السورة بها، ويتمثل ذلك في صورة السماء والأرض وهما مستسلمتان لأمر الله بالانشقاق أو الامتداد، كذلك صورة الشفق، والليل، واتساق القمر، كلها صور تصبّ في الصورة الكلية الواردة في مطلع السورة ويقابل هذه الصور الكونية الخاضعة لله،
стр. 74
صورة إنسانية أيضا خاضعة مستسلمة لله، في حياتها وموتها، وكدّها وكدحها، فالخضوع لله سبحانه، يتمثل في الخلق والتكوين، كما يتمثل أيضا في النهاية والمصير. وبذلك يتم رسم الصورة الكلية من هذه الصور الجزئية المكوّنة لها عبر تفاعل الصور في السياق القرآني المعجز، لإبراز هذه الصورة الكلية، المرتبطة أيضا بالصورة المركزية.
وفي سورة «الحجر» نلاحظ أن الصورة الكلية فيها هي إبراز طبيعة المكذبين، ودوافع تكذيبهم، وبيان مصيرهم. وكل الصور الواردة في هذه السورة، ترتبط بهذه الصورة الكلية وتتفاعل معها في داخل السياق التعبيري، لإبرازها، ورسم معالمها، وعلى الرغم من تنوّع الصور في السياق، فإنها ترجع في النهاية إلى الصورة الكلية، لتصبّ فيها إيحاءاتها، وهذا ما نراه في المشاهد القصصية، والمشاهد الكونية، ومشاهد القيامة، وفي التوجيهات التي تسبق وتعقب التعبير التصويري.
ومطلع السورة يبدأ بالإنذار المخيف للمكذبين ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ليزيد الجوّ رهبة وتهويلا، ثم يبدأ بعرض مشاهد الكون في السماء وما فيها من بروج، والأرض الممدودة والجبال الراسية، والنبات الموزون، والرياح اللواقح، والماء والحياة والموت، والحشر للجميع.
وكأنّ هذه المشاهد الكونية المصورة بمنزلة أدلة وبراهين، تنقض مزاعم المكذبين، وتردّ عليهم من خلال هذه الصور الحسية التي يرونها، ويتأثرون بها، ويبنون حياتهم عليها.
ثم يلي ذلك قصة آدم وإبليس لإبراز عدو الإنسان الأول الذي يقف من وراء تكذيب المكذبين، فهم أتباعه وجنوده.
ثم يعرض القرآن لمحات سريعة لقصص إبراهيم ولوط وشعيب وصالح، ويركّز التعبير على مصير المكذبين في تلك القصص الماضية، وفي هذه القصص المعروضة، إيحاء بمصير المشركين العرب كمصير أولئك الأقوام المكذبين في التاريخ، والذين كان العرب يعرفون أخبارهم، ويمرون بديارهم المدمّرة.
وتدور الصورة الكلية في سورة «القصص» حول قوة الله وحمايته للمؤمنين، وإهلاكه الكافرين.
وتبرز الصورة الكلية بكل ملامحها حية شاخصة، من خلال تصوير الأحداث والأشخاص.
стр. 75
فقوة فرعون الغاشمة، تقابلها قوة الله القادرة على كل شيء، من خلال حماية موسى الطفل الرضيع، وتربيته في قصر فرعون حتى يكون هلاك فرعون على يديه. على الرغم من حذره واحتياطه، وسنّه القوانين الجائرة في قتل الذكور، واستحياء الإناث، ولكن قدر الله نافذ لا محالة. فقوة الله تتدخل في كل مشاهد القصة لتحسم الأمر لصالح موسى، ثم في نهاية التصوير القصصي، يكون التدخّل الإلهي واضحا، ويتمثل في إغراق فرعون وجنوده، ونجاة موسى والمؤمنين معه. كذلك تتدخل القوة الإلهية
في قصة قارون لتخسف به وبداره الأرض، كذلك نلمح القوة القادرة في المشاهد الكونية المعروضة، كما نلمحها في مشاهد القيامة المصورة وكذلك في مصارع الغابرين ... وكأن هذه الصور الجزئية بما فيها من أحداث ومشاهد وأشخاص تتفاعل داخل السياق، وتنمو لتشكل صورة كلية للسورة كلها تدور حول قوة الله وحمايته للمؤمنين، فيشعر المتلقي بأن الأمان لا يكون إلا بجوار كنف الله، وأن القوة الحقيقية في هذا الوجود هي قوته.
وممّا يؤكد ما نقوله عن هذه الصورة الكلية المرسومة في السورة كلها، حذف مشهد السحرة من القصة فيها والتركيز على مشهد إغراق فرعون وجنوده بعد التكذيب مباشرة.
حتى يقترن في ذهن المتلقي الإهلاك بعد التكذيب مباشرة، زيادة في توضيح قوة الله الفاعلة في الحياة والكون، والتي هي مدار الصورة الكلية وقد تتشابه الصور الكلية في سور القرآن الكريم، ولكنها لا تتماثل، جريا على طريقة القرآن التصويرية في تناول قضايا العقيدة والإيمان، بطرق شتى، زيادة في توضيحها، وترسيخها في الأذهان، وشدة تأثيرها في المتلقي من خلال تلوين الطرق التعبيرية والتصويرية، واللمسات الفنية الموحية، التي يقتضيها السياق فنحن نجد سورا عدة في القرآن الكريم، ترسم صورا كلية لليوم الآخر، ولكنّ الصورة الكلية على الرغم من تناولها لهذا الموضوع الواحد، فإنها، لا تتماثل في تصويره، والطرق التعبيرية المؤدية إلى تكوين هذه الصورة الكلية.
فالصورة الكلية في سورة «النازعات» هي الآخرة، ومن هذه الصورة الكلية، تتفرّع بقية الصور الجزئية عبر الأنساق التعبيرية المختلفة، ولكنها مرتبطة بعلاقات متينة، تشدها إلى الصورة الكلية، وقد تقترب الصور منها حينا، وتبتعد حينا آخر، ولكنها تبقى مشدودة إليها ضمن نظام العلاقات التعبيرية التي يعتمدها القرآن الكريم في التصوير والتأثير.
стр. 76
ويلاحظ أن إطار الصورة يعتمد على الإثارة والغموض منذ اللحظة الأولى للتصوير، ليتناسب مع الصورة الكلية في خفائها، وإثارتها، ثم تجيء قصة موسى، لتوضح عاقبة المكذبين بها، ثم تجيء الصور الكونية لتوحي بالقوة والقدرة على بعث الأحياء بعد الإماتة، ثم تجيء صور الآخرة. معتمدة على ألفاظ ذات جرس قوي شديد للإيحاء بشدة أهوال القيامة مثل «الطامّة» وتختم السورة بتصوير تفاهة الدنيا إذا قورنت بالآخرة، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها النازعات: ٤٦.
وسورة «الحاقة» تدور صورتها الكلية حول القيامة أيضا، فتبدأ بصفة من صفاتها المؤكدة على ثبوتها ووقوعها، فهي متحققة الوقوع، وجرس «الحاقة» بوقعه الشديد يوحي بثبوتها وأحقيتها. ثم بعد هذا الإيحاء بالثبوت والوقوع. تبدأ بصور المكذبين بها، ثم مشاهد القيامة وصورها، منذ النفخة بالصور، ثم مشهد الناجي، ومشهد الهالك، في ذلك اليوم المخيف ...
وهكذا تتلاحم الصور الجزئية في داخل السياق، وتتفاعل ضمن شبكة من العلاقات للإيحاء بالصورة الكلية أو بمعنى آخر، إن قمة البناء التصويري في السورة الواحدة يتجلى في الصورة الكلية التي هي بدورها مرتبطة بصورة أكبر وهي الصورة المركزية كما سأوضح بعد قليل.
وقد لا يوحي اسم السورة، بصورتها الكلية. مثل سورة «العنكبوت» التي تدور صورتها الكلية حول «الإيمان والفتنة» وتعتمد السورة في بناء صورتها الكلية على مجموعة من الصور مثل تصوير قصص الأنبياء والتركيز فيها على تصوير ألوان الفتن والعقبات في طريق الإيمان، ثم تصوير القوى الكافرة المترصّدة لأهل الإيمان بصورة العنكبوت في ضعفه وهزاله على الرغم من خيوطه الممتدة والمتشابكة ولكنها ضعيفة واهنة، لا تصمد أمام المواجهة، ثم تصوير الحق القائم في صور كونية محسوسة في السماء والأرض، وربط الحقّ الذي جاءت به دعوة الرسل، للتأكيد على وحدة المصدر وهو الله في الكون والحياة والرسالات ... فالحق في الكون المنظور، هو الحق الذي جاء به الأنبياء أيضا.
ثم يصوّر تناقض المشركين، فهم يعترفون بالله خالقا، ولكنهم يتخذون معه آلهة أخرى ...
وهكذا يمكن أن ندرس الصورة الكلية في كل سورة قرآنية، للتأكيد على أن الصورة
стр. 77
القرآنية بناء موحّد له قاعدة وأركان، وعلاقات، وذروة.
فالصور الجزئية في السياق، تتفاعل وتنمو، لتكوين الصورة الكلية، التي تتميز بملامحها الواضحة وإذا تشابهت أحيانا. فإن هذا التشابه يرجع إلى طبيعة المعاني الدينية التي تصوّرها في أصولها العامّة، ولكنها لا تتماثل في طرق التعبير والتصوير، والتفصيلات.
والصورة المركزية، المقصود بها «الألوهية» «٣٦»، وهذه الصورة تعتبر أساس الصور كلها في القرآن الكريم كما أن وظيفة الصورة القرآنية، هي الوصول إلى الصورة المركزية، لإبرازها، وبيان آثارها في الكون والحياة والإنسان، عبر نظام العلاقات والروابط بين الصور، بحيث يؤدي المحدود إلى المطلق، والجزئي إلى الكلي والمشهود إلى غير المشهود، والمرئي إلى الغيبي، فهذه الصورة تمثل نقطة البداية لانبثاق الصور عنها، صور الكون والحياة والإنسان بأشكالها وأنواعها المختلفة، كما تمثل أيضا نقطة العودة والرجوع إليها ضمن حركتين ملحوظتين في التعبير والتصوير، حركة البثّ والتوزّع والانتشار في أنساق الصور، وحركة التجمّع ثانية في أنساق تصويرية والعودة إلى نقطة البداية التي انبثقت منها صور الحياة المختلفة.
وهذه الصورة تشكّل حضورا قويا في تركيب الصورة وبنائها، وفي حركتها ونموها، وفي تحقيق وظائفها أيضا وهذا الحضور القوي والملحوظ لها، ينسجم مع خصوصية النص القرآني، وتميّزه عن باقي النصوص الأخرى، لأنه كتاب منزل من عند الله سبحانه، فهو المتكلم فيه، والآمر الناهي ... ولهذا فإن النص القرآني كلّه مرتبط بالصورة المركزية تعبيرا وتصويرا وخطابا وتأثيرا، فهي المحور الذي تدور من حوله الصور القرآنية كلها، في حركة تشبه حركة الأفلاك حول محورها في السماء ضمن
نظام القوانين والروابط بين الأفلاك بعضها ببعض، كذلك ضمن نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية والفكرية في القرآن الكريم أيضا.
فأول سورة في القرآن «الفاتحة» تبدأ بالصورة المركزية الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الفاتحة: ١ وآخر سورة فيه «الناس» تبدأ بها أيضا قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ .. الناس: ١، وهذا يؤكد ما
стр. 78
قلناه عن حضور الصورة المركزية في النص القرآني كله، لأنه كتاب الله، أنزله على رسوله محمد ﷺ لهداية البشر إلى طريق الرشاد وقد يكون حضورها واضحا مكشوفا، وقد يكون مدركا من خلال تأمل علاقات الصور بعضها ببعض وحضور الصورة المركزية في بداية النص القرآني، وفي خاتمته أيضا، يكاد يكون ظاهرة عامة أيضا، في مطلع السورة وخاتمتها أيضا. فسورة آل عمران مثلا تبدأ بقوله: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ آل عمران: ١ وتختم بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ آل عمران: ٢٠٠، ثم تبدأ سورة النساء بما ختمت به سورة آل عمران: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ... النساء: ١، وتختم بقوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ النساء: ١٧٦.
وسورة المائدة يرد في آيتها الأولى: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ المائدة: ١، وتختم ب لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ المائدة: ١٢٠، لتبدأ سورة الأنعام بما ختمت به سورة المائدة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ... الأنعام: ١، وتختم بقوله:
وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ الأنعام: ١٦٥.
وسورة الجاثية تبدأ بقوله: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الجاثية: ١، وتختم بقوله: وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الجاثية: ٣٧، ثم تبدأ «الأحقاف» بعدها مباشرة من حيث انتهت الجاثية حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الأحقاف: ١.
كما يلاحظ أنها تعتمد المطلع ذاته الوارد في سورة الجاثية.
وهكذا يمكن أن نتابع هذه الظاهرة في مطالع السور وخواتيمها في تأكيدها على الصورة المركزية والإيحاء بها، لتكون أول ما يستقبله القارئ للنص القرآني، وآخر ما يرسخ في ذهنه بعد نهاية تلاوته، كما هي أيضا في مطالع السور وخواتيمها أيضا.
وبين المطلع والخاتمة، تنساب الصور وتتوزّع، دون أن تبتعد عن الصورة المركزية، فهي حاضرة في التعبير. في أساليب النداء، والضمائر، والأمر والنهي وغير ذلك كما هي حاضرة في التصوير.
لذلك يمكن أن نعتبرها هي الصورة الكبرى التي يشكلها النص القرآني كله، ضمن نظام من العلاقات اللفظية والمعنوية، بحيث أن قارئ القرآن الكريم، يشعر بخصوصية الخطاب القرآني وأنه صادر من الخالق إلى المخلوق، حتى يظلّ المخلوق ضعيفا محتاجا إلى خالقه
стр. 79
الذي أوجده لحكمة يعلمها. فيشعر بالهيبة تحيط به وهو يقرأ القرآن الكريم، والخوف من الله سبحانه، والإقبال عليه. وقد يختلف حضور هذه الصورة من قارئ إلى قارئ آخر، حسب استجابته لهذا الخطاب القرآني وتفاعله معه. إنّ هذا القرآن الكريم معجز في تعبيره وتصويره. ومعجز في نظام العلاقات والروابط الذي يجمع التعبير والتصوير في سياق متفاعل متحرك، متناسق، ولا يمكن إدراك هذا الإعجاز إلا بنظرة شمولية كلية، تنظر إلى النص القرآني، على أنه وحدة منسجمة متناسقة، وتنظر إلى الصورة الفنية فيه ضمن إطار هذه النظرة الكلية الشاملة، حتى تتسع هذه الصورة لمعانيه الدينية أو الفكر الإسلامي الذي تحمله، ولا يكون ذلك باقتصار الصورة على مفهومها الجزئي ووظيفتها المحدودة المترتبة عليها، وإنما بتوسيع مفهوم الصورة، لتحمل هذا الفكر الناصع الذي يميّز الصورة القرآنية عن غيرها، ومن هنا كانت وظائف الصورة أيضا تقوم على نظام العلاقات، فهناك الوظائف القريبة، والوظائف البعيدة، وكلها تدور حول محور الوظيفة الدينية كما سأبيّن في الفصول القادمة.
ج- الصور المتقابلة:
وهي من الصور السياقية، وقد أفردتها هنا بالحديث، لأنها تشكّل ظاهرة فنية في السياق القرآني.
هذا اللون من الصور كثير في القرآن الكريم، يهدف إلى تحريك الذهن، وتنشيط الخيال، من خلال هذه الصور المتقابلة والمتجاوزة في السياق.
والتقابل بين الصور متنوّع، فقد تكون الصورتان حاضرتين، وقد تكون الصورة ماضية، تقابلها صورة حاضرة. أو العكس.
وتكثر الصور المتقابلة في تصوير النعيم والعذاب يوم القيامة، كما سأبيّن ذلك في تصوير مشاهد القيامة ولكني هنا أكتفي بعرض نماذج لها.
يقول الله تعالى في تصوير العذاب: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، تَصْلى ناراً حامِيَةً، تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ، لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ... الغاشية: ١ - ٧.
стр. 80
ويقول في تصوير النعيم في السياق نفسه مباشرة: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ، لِسَعْيِها راضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ، لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ... الغاشية: ٨ - ١١ الآيات.
فالصورتان متقابلتان، متجاورتان في السياق، وهما صورتان حاضرتان للنعيم والعذاب يوم القيامة.
وقد يعرض التقابل بين الصورتين سريعا خاطفا كقوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ الشورى: ٢٩.
فصورة البث والانتشار تقابلها صورة الجمع، تعرضان في سرعة خاطفة، على طريقة القرآن الكريم في الإثارة التخيلية، والتأثير الشعوري، حتى يستحضر الذهن هاتين الصورتين الكبيرتين في سياق واحد، وآية واحدة. فيظل الحشر والجمع ملازما لصورة بثّ الخلق وانتشارهم. وقد يكون التقابل في الصورتين مركبا من حالتين في كل صورة منهما كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ السجدة: ٢٦ - ٢٧.
فالتقابل هنا بين المساكن الداثرة بعد الحياة والعمران، والأرض العامرة المنتجة بعد الموت والجدب.
فصورة المساكن الداثرة، تستدعي استحضارها في حالة الحياة والعمران، ثم ما حلّ بها من دمار ثم صورة الأرض العامرة بالحياة، تستدعي استحضار حالتها أيام القحط والجدب، ثم توضع الصورة الأولى بحالتيها في مقابل الصورة الأخرى بحالتيها، لتحقيق الغرض الديني من هذا التقابل. وقد يكون التقابل بين صورة حاضرة، وأخرى ماضية كقوله تعالى:
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ يس: ٧٧، فالنطفة صورة ماضية، تقابلها صورة حاضرة للإنسان المخاصم فالتقابل بين الصورتين، يحرّك الخيال لاستحضار صورة ماضي الإنسان في خلقه وتكوينه، ليضع صورته الماضية، مجاورة لصورته الحاضرة، وهو يخاصم ويعاند ولا يؤمن.
وقد يكون التقابل بين صورة حاضرة في اليوم الآخر، وصورة ماضية في الدنيا، كأصحاب الشمال مثلا في قول الله : وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ، فِي
стр. 81
سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ، إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ الواقعة: ٤١ - ٤٥، فصورة العذاب الحاضرة، تقابلها صورة النعيم والترف في الماضي.
ويتضح مما تقدم في هذا الباب، أنّ البلاغة القديمة، كانت بلاغة جزئية شكلية، لا تتجاوز الجملة إلى السياق العام للنص كله، وترتّب على هذه النظرة الجزئية، أن وظائف الصورة، جاءت أيضا عند البلاغيين القدماء، مقصورة على هذا الجزء المحدود، لتوضيحه، وبيانه، وتحسينه أو تقبيحه، أو لإثباته والإقناع به ونحو ذلك، ولم تكن الصورة عندهم، تحمل رؤية للحياة، يبثّها الكاتب عبر صوره.
وحتى الذين كتبوا في إعجاز القرآن، ظلّوا متأثرين باتجاه البلاغة القديمة، فداروا في داخل شواهد قرآنية معينة، يركّزون فيها، على النواحي الجزئية، لبيان ما فيها من جمال وإعجاز. باستثناء الجرجاني الذي حاول أن يخرج عن هذا الإطار الجزئي، ويربط الصورة بالسياق، وكاد الجرجاني أن ينجح في مهمته لولا أنه ظل منشغلا بالشّبه العقلي. وقضية اللفظ والمعنى التي كانت تلح عليه باستمرار وهو يحاول أن ينقلها من الجدلية الثنائية بين اللفظ والمعنى إلى نظرية جديدة تستوعب الاثنين معا.
وهكذا وضعت القواعد البلاغية الصارمة. وطبقت على النماذج التي تتفق مع تلك القواعد الجزئية والعقلية وأهملت كثير من الصور الرائعة، لأنها لا تخضع لتلك القواعد ومقاييسها، فأهملت الصورة القرآنية في كتب النقد والنقاد، ولم يستلهمها النقاد حين وضعوا مقاييسهم للجودة، وكذلك اقتصرت كتب الإعجاز على أنواع محدودة من الصورة كالتشبيه والاستعارة والمجاز، وأهملت الصورة السياقية في تلك الدراسات القديمة.
وفي العصر الحديث، حين توسّع مفهوم الصورة، نجد أن النقاد، أهملوا أيضا الصورة القرآنية فلم يعتمدوا عليها في تنظيراتهم للصورة، وفي وضع مقاييسهم لها، فظلت هذه الصورة المتميزة منسية على الرغم من أن سيد قطب قد لفت الانتباه إليها في الأربعينات من هذا القرن أي قبل أن يبدأ النقاد بدراساتهم حول الصورة الشعرية تنظيرا وتطبيقا.
стр. 82
وهكذا ظلّت الصورة القرآنية، تفهم كأجزاء متباعدة، في إطار جزئي محدد، حدّده البلاغيون والنقاد قديما مما أثر في مفهوم وظيفة الصورة أيضا. في القرآن الكريم. فكان لا بدّ من توسيع مفهومها، لتتسع للقيام بوظيفتها الدينية.
لهذا بيّنت مقومات الصورة القرآنية. ووضحت ما في الصورة القرآنية من خصوصية وتميّز عن بقية الصور الأخرى، فالصورة القرآنية تقوم على التصور الإسلامي، فهذا هو المكوّن الأساسي لها، وهو الذي يكسبها هذه الخصوصية، والتميز، ثم إن هذا المكون الديني، يؤثر في بقية المكونات الأخرى فتغدو العاطفة المتولدة من الصورة دينية والخيال يطوف في أجواء دينية، وكذلك اللغة موظفة توظيفا جيدا لنقل المعاني الدينية، والواقع ينظر إليه من خلال هذا الفكر ويتفاعل معه وهكذا.
هذه الخصوصية الفكرية في الصورة القرآنية، توسع من دائرة أنواع الصور القرآنية لكي تستوعب هذا الفكر، فكان لا بد من التفريق بين الصورة المفردة أو البلاغية والصور السياقية الأخرى.
فالصورة الجزئية تحمل جزءا من المعنى المرتبط بالفكر، ولا تحمل الفكر كله، لهذا وجدنا أن الصورة الجزئية تتفاعل في داخل النص القرآني مع السياق والصور الأخرى لتجسيد هذا الفكر ويقوم النص القرآني كله، برسم ملامح هذا الفكر الديني، وتوضيح معالمه وسماته. من خلال اعتماده على الصور الفنية المتفاعلة في داخل السياق، لتجسيد هذا الفكر.
هذه النظرة الكلية، للنص القرآني. تجعله وحدة منسجمة متناسقة، وتجعل الصورة أيضا متلاحمة متحدة ولا تمزّقها إلى أجزاء متباعدة.
إن الصورة القرآنية تتسم بالوحدة والانسجام والتفاعل، لنقل هذا الفكر، فالصورة الجزئية، تتفاعل في داخل السياق لتكوّن صورة المشهد، ثم صورة المشهد، تتفاعل وتتوصل مع الصور الأخرى لتكوين صورة اللوحة، وهكذا تتفاعل الصور في السياق، لتكوين الصورة الكلية في السورة الواحدة. وهذه الصورة الكلية تبرز قضية فكرية دينية تعالجها السورة الواحدة. لها معالمها الواضحة، واتجاهها المتميز.
ثم إن هذه الصورة الكلية، مرتبطة بالصورة المركزية التي هي مصدر الصور وإليها تعود
стр. 83
في النهاية بل إن الصور كلها في النص القرآني، تدور حول محورها لإبرازها، وإظهار معالمها، وآثارها في الحياة والكون والإنسان.
فالصور القرآنية ليست متباعدة وإنما هي متواصلة، تقوم على نظام العلاقات والروابط، لنقل هذا الفكر الديني، وتجسيده في صور متحركة مؤثرة.
لهذا فإن وظيفة الصورة القرآنية أيضا، تنسجم مع المكوّن الأساسي للصورة وأقصد به الفكر الديني كما تنسجم أيضا مع أنواع الصور التي تدور حول الصورة المركزية، لإبراز حقيقة الألوهية. وآثار الربوبية. فالوظيفة الأساسية للصورة دينية، ومن حول هذه الوظيفة الدينية تدور بقية الوظائف الأخرى ضمن نظام العلاقات والروابط بين الوظائف، كما سأبيّن في الفصل القادم.
стр. 84
الباب الثاني الوظائف القريبة للصّورة الفنّيّة في القرآن الكريم
الفصل الأول: المعاني الذهنيّة والحالات النّفسيّة.
الفصل الثاني: الأمثال القرآنيّة.
الفصل الثالث: مشاهد الطبيعة.
الفصل الرابع: الحوادث الواقعيّة.
الفصل الخامس: القصص الماضية.
الفصل السادس: النّماذج الإنسانيّة.
الفصل السابع: مشاهد القيامة.
стр. 85
- بين يدي الباب:
تميّزت الصورة الفنية في القرآن الكريم بطابعها الديني، في تشكيلها المعتمد على الفكر الإسلامي، وأنواعها التي تدور حول الصورة المركزية، لبيان حقيقة الألوهية، وآثارها في الحياة والكون والإنسان كما بيّنا في الباب الأول.
فالطابع الديني للصورة أكسبها خصوصية، وتميّزا في تشكيلها ووظيفتها أيضا، كما سنرى ذلك في هذا الباب الثاني. لأن القرآن الكريم نزل لهداية البشر، والتأثير فيهم، واتخذ الصورة وسيلة للتعبير عن أغراضه الدينية، وتحقيق التأثير في النفوس. والصورة هي وسيلة التعبير والتأثير في القرآن الكريم، لأنها تحوّل الموضوعات الدينية إلى مشاهد منظورة، وصور متحركة شاخصة، تنفذ إلى أعماق النفس البشرية من طرق شتى، عن طريق العقل والفكر، والحس والشعور، والخيال والوجدان.
وبذلك يتّحد الغرض الديني بالغرض الفني في القرآن، ليصبح الإعجاز في التصوير الفني كالإعجاز في الخلق والتكوين، والإعجاز في التشريع أيضا، لأن المصدر واحد في كل ذلك، وهو الله . والغاية الأساسية للصورة في القرآن، هي تحقيق الوظيفة الدينية، فهي محور وظائف الصورة التي تدور كلّها من حولها، ولا تخرج عن إطارها.
وأقصد بالوظيفة الدينية معناها الواسع الشامل، وليس معناها الضيّق المحدود، كما يتبادر للأذهان للوهلة الأولى، فالصورة القرآنية تحمل رؤية إسلامية للحياة والكون والإنسان، تجسّدها في صور ومشاهد، متفاعلة ومتناسقة مع السياق، لتحقيق الغرض الديني.
فالصورة القرآنية تجسّد هذا الفكر الإسلامي، ولا تنفصل عنه، فهي صورة حقيقية له،
стр. 86
في بناء الإنسان والحياة على أسس دينية.
لهذا قسمت وظيفة الصورة الفنية إلى قسمين هما، الوظائف القريبة، والوظائف البعيدة وأقصد بالوظائف القريبة، تصوير المعاني الذهنية والنفسية، والأمثال، والطبيعة، والحوادث الواقعة والقصص الماضية، والنماذج الإنسانية، ومشاهد القيامة.
والوظائف البعيدة القرآنية هي: الوظيفة الفنية، والدينية، والنفسية، والعقلية.
فوظيفة الصورة القرآنية، لا تهدف إلى تصوير المحسوسات من أجل التصوير فقط، بل إنها تريد تحقيق غرض ديني من وراء التصوير الحسي. فالوظائف البعيدة للصورة، تتراءى لنا من وراء الوظائف القريبة وإن كانت هذه الوظائف كلها ممتزجة، ومتداخلة، بحيث يصعب وضع الحدود والفواصل بينها. ولكن الدراسة التحليلية تقتضي مني هذا الفصل بين الوظائف القريبة، والبعيدة، لتحقيق الغرض من الدراسة، في معرفة وظيفة الصورة القرآنية، وطريقتها في تحقيق الغرض الديني من التصوير.
وقديما لاحظ عبد القاهر الجرجاني بأن الصورة الفنية تنقلنا من «المعنى» إلى «معنى المعنى» يقول الجرجاني: «فها هنا عبارة مختصرة وهي أن تقول المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر» «١».
وعباس محمود العقاد، يرى أيضا أن المجاز في اللغة العربية يتم به الانتقال منه إلى المعاني المجردة يقول: «ولا تسمى اللغة العربية- فيما نرى- بلغة المجاز لكثرة التعبيرات المجازية فيها، وإنما تسمى اللغة العربية بلغة المجاز، لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة، إلى حدود المعاني المجردة، فيستمع العربي إلى التشبيه، فلا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلا ريثما ينتقل منه إلى المقصود من معناه، فالقمر عنده بهاء، والزهرة نضارة، والغصن اعتدال ورشاقة، والطود وقار وسكينة ... » «٢».
وإذا كانت الصورة القرآنية، تتناول المعاني الذهنية والحالات النفسية، ومشاهد الطبيعة والأمثال وغير ذلك من الوظائف القربية لها، فإنها لا تهدف إلى تصويرها لمجرد التصوير،
стр. 87
وإنما لتنقلنا إلى الوظائف البعيدة وهي (معنى المعنى) على رأي الجرجاني، أو هي المعاني المجردة كما يرى العقاد.
والوظائف البعيدة هي الأغراض الدينية المقصودة من وراء التصوير.
والوظيفة الدينية هي محور الوظائف للصورة القرآنية، فهي هدف مقصود من التصوير.
ونحن نلاحظ أن هذه الوظيفة الدينية، واضحة في الوظائف القريبة، أيضا، فالمعاني الذهنية المصورة والأمثال والطبيعة، والقصص ... كلها تنطلق من رؤية دينية واضحة المعالم والسمات، فهي الرابط القوي، الذي يشد الوظائف بعضها إلى بعض، لتتفاعل وتتناسق في توضيح الغرض الديني المقصود، ضمن نظام العلاقات المعتمد في الوظائف القريبة والبعيدة للصورة، كما كان معتمدا في تشكيلها الفني، وأنواعها المتناسقة.
إن حركة نمو هذا الفكر الديني من خلال التصوير، تبدأ أولا من تصوير المعاني الذهنية والحالات النفسية، ثم تزداد حركته نموا ونشاطا من خلال ضرب الأمثال ومشاهد الطبيعة، ثم يتفاعل هذا الفكر مع الأحداث الواقعة المصوّرة كما يتفاعل مع الأحداث الماضية، من خلال التصوير قصص الأنبياء، ثم يتجسّد في النماذج الإنسانية المرسومة، ثم يأخذ بعدا زمانيا ممتدا، من خلال مشاهد القيامة المصورة. فينتقل من عالم المحسوسات إلى عالم الغيب ومن المحدود إلى غير المحدود ومن المنظور لغير المنظور، ولكن هذا الانتقال ليس مفاجئا وإنما يتمّ بالتدريج من الحسي إلى الغيبي، بل إن العالم الغيبي يعدّ استمرارا للعالم المحسوس. حيث ينتقل فيه الناس بأحوالهم وسلوكهم، ليلاقوا، نتائج أعمالهم، فالعلاقة قوية بين النتائج والأسباب أو بين الآخرة والدنيا، إنها علاقة النتيجة بالسبب، والغاية بوسيلتها.
فالوظائف للصورة القرآنية متواصلة ومترابطة، لتوضيح الحقائق الدينية المطلوبة، من وراء الصور المحسوسة فيتضح في الوظائف البعيدة المرتبطة بالوظائف القريبة، طريقة بناء الإنسان، فكرا وشعورا وسلوكا، من خلال رؤية إسلامية، مجسّدة في الصورة الفنية.
وبعد هذا التمهيد، يمكننا الآن أن نبدأ بدراسة الوظائف القريبة للصورة، لأنها وسيلتنا للوصول إلى الوظائف البعيدة.
стр. 88
الفصل الأول المعاني الذهنية والحالات النفسية
يتخذ القرآن الكريم الصورة وسيلة للتعبير عن معانيه الدينية، لأن الصورة أقوى تأثيرا في النفوس من التعبير المجرد، كما أنها تزيد من وضوح هذه المعاني في الأذهان، حين تعرض، في صور محسوسة، قريبة من الإدراك والفهم.
وقد لاحظ البلاغيون القدماء، ما تقوم به الصورة من توضيح المعاني وبيانها، أكثر من التعبير المجرد المباشر.
فالرّماني يرى أن بلاغة التشبيه تكمن في «الجمع بين شيئين بمعنى يجمعهما، يكسب بيانا فيهما» «١»، والاستعارة عنده أيضا، غرضها «الإبانة» «٢»، لأنها تقوم على التشبيه.
ويكرر أبو هلال العسكري ما قاله الرماني، فالتشبيه عنده «يزيد المعنى وضوحا ويكسبه تأكيدا» «٣». والاستعارة غرضها «إمّا أن يكون شرح المعنى، وفضل الإبانة عنه، أو تأكيده، والمبالغة فيه، أو الإشارة إليه بالقليل من اللفظ، أو تحسين المعرض الذي يبرز فيه» «٤».
وابن سنان أيضا لا يخرج عن هذا المعنى إذ يقول في حسن التشبيه هو: «أن يمثل الغائب الخفي الذي لا يعتاد بالظاهر المحسوس المعتاد، فيكون حسن هذا لأجل إيضاح المعنى وبيان المراد» «٥».
стр. 89
ويرى الجرجاني أن بلاغة التشبيه ترجع إلى قدرته على إثبات المعنى، وتأكيده بقياسه على المعروف، لا بقياس المعروف على المجهول «٦».
ونظرة القدماء هذه لوظيفة الصورة، تنسجم مع مفهومهم الجزئي لها، والذي لا يتعدى الصورة المفردة، إن الصورة تحمل رؤية وفكرا، يمكن تلمّسها في القصيدة كلها، أو في النص كلّه، والصورة القرآنية اكتسبت هذه الخصوصية والتميّز، لأنها تحمل رؤية شاملة، للحياة والإنسان والكون، والنص القرآني كلّه، أو الصورة الفنية فيه، تحمل هذه الرؤية وتجسّدها، ضمن علاقات متفاعلة في داخل السياق.
ولا شكّ أن الصورة توضّح هذا الفكر، وتبيّنه، ضمن رؤية كلية للصورة في داخل السياق، ولا يمكن تبيّن معالم هذا الفكر أو الرؤية الدينية، من خلال صورة جزئية دون النظر إلى علاقتها بالصور الأخرى، أو النص القرآني عموما.
لهذا نقول: إن الصورة القرآنية لا تسعى إلى مجرد البيان والتوضيح للمعاني الدينية بل إلى تجسيدها والإقناع بها.
لهذا نلاحظ أن الصورة حين تتناول المعاني الذهنية بالتصوير، تربطها بالسياق الواردة فيه، فتتنوّع الصور، بتنوّع الأنساق التعبيرية، وتكتسب هذه الصور إيحاءاتها وظلالها، من خلال علاقات السياق المتشابكة.
فالمعاني الذهنية المرتبطة بالظواهر الكونية، تصوّر بصور مختلفة يقتضيها السياق، كالموج مثلا يقول الله تعالى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ هود: ٤٢.
فضخامة الموج وارتفاعه، تصوّر بالجبال، وصورة الجبال مألوفة مشاهدة، توحي بضخامة الموج وارتفاعه، والسياق الواردة فيه يقتضي هذه الصورة دون غيرها، فقد ورد في السياق القرآني أن ابن نوح ردّ على نداء أبيه بقوله: سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ هود: ٤٢ - ٤٣.
فتصوير الموج هنا بالجبال، جاء محقّقا الغرض الديني في تأكيد الإغراق، كما أنه جاء متناسقا مع السياق، وحين يتغير السياق، نلاحظ أن الموج يصوّر ب «الظلل» ليوحي بالفزع والرهبة. يقول الله تعالى: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ... لقمان: ٣٢.
стр. 90
فالسياق هنا كلّه خوف وفزع ورهبة، وهؤلاء الناس لا يعرفون ربهم إلا في الشدة، لهذا فإن صورة الموج هنا تصبح ظللا ترتفع فوق الرءوس، حتى تكاد تطبق عليهم لتفرقهم.
وشبيه بهذا قوله تعالى في تخويف اليهود: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ الأعراف: ١٧١.
فصورة الظلة هنا، والظلل هناك، توحيان بالإحاطة والشمول للإطباق عليهم.
وأحيانا تعرض نعم الله على عباده، في صور كونية محسوسة كقوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً، وَالْجِبالَ أَوْتاداً، وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً، وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ... النبأ: ٦ - ١٠.
ولكن هذه الصور الحسية المألوفة، تتغير في يوم القيامة، فتصوّر بصور أخرى تتناسق مع يوم القيامة، فتعبر عن معان جديدة، وما في يوم القيامة من أهوال مخيفة.
هذا التغير في الصور الكونية المحسوسة، فيه إيحاء للإنسان بأنّ النعم لا تدوم، وتدفعه إلى المقارنة بين هذه الصور الكونية في الدنيا، وصورتها في الآخرة، وما يصيبها من دمار وفناء، لتحقيق الأثر الديني المطلوب. يقول الله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً، وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً، وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً النبأ: ١٨ - ٢٠.
فالجبال هنا سراب، وهو صورة وهمية. وفي سياق آخر يعبر عن زوال الجبال بصورة كثبان الرمل المهيل يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا المزمّل: ١٤، وهذه الصورة مرتبطة بجو السياق الواردة فيه، وكله يوحي بالثقل والتأني، ففي السورة ورد قوله:
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا، إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً، وَأَقْوَمُ قِيلًا ... المزمل: ٤ - ٨.
وفي سياق آخر تصوّر بالعهن وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ المعارج: ٩، لتوحي بألوان الجبال المختلفة ويزيد هذه الصورة في موضع آخر بوصف العهن بالمنفوش وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ القارعة: ٥، والصورة هنا تتناسق مع السياق المرتبطة به وفيه الفراش المبثوث، فاقتضى ذلك وصف العهن بالمنفوش أما صورة العهن بدون وصف فتتناسق مع صورة المهل.
وتصوّر الجبال الزائلة في سياق آخر بصورة الهباء المنبث وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا الواقعة: ٥ - ٦، وصورة الهباء أضعف من العهن المنفوش.
هذه الصور المتنوعة للجبال الزائلة، ليست من قبيل التكرار للمعنى الذهني الواحد،
стр. 91
وإنما هناك فروق دقيقة في المعاني، تؤديها الصور عبر الأنساق التي تقتضيها، وهذا يؤكد ما قلناه، ونقوله دوما، بأن الصورة القرآنية تعتمد على نظام العلاقات في التعبير والتصوير معا.
ففي سورة المزمّل، لم يرد ذكر لوصف القيامة سوى رجفة الأرض والجبال، وجوّ السورة يوحي بالثقل والتأني، فجاء تصوير الجبال بالكثيب المهيل للإيحاء بقوة الرجفة للأرض، المؤثّرة في الجبال الثابتة، فتصبح رمالا متحركة، ويمكن اعتبار هذه الصورة، هي المرحلة الأولى لزوال الجبال يوم القيامة، ثم في سورة المعارج، نلاحظ ذكرا لعذاب الكافرين وطوله، فاقتضى السياق تصويرها بالعهن، لبيان تأثير ذلك اليوم في الصورة الحسيّة الصلدة، ثم تأتي الزيادة في الوصف «العهن المنفوش» لبيان ألوان الجبال، لكي تتناسق مع ألوان الفراش المبثوث. وفي سورة الواقعة نلاحظ تصويرا لشدة أهوال القيامة وما فيها من خفض ورفع، ورجّ الأرض وبسّ الجبال، فاقتضى هذا السياق تصويرها بالبهاء المنبث، وهو أضعف من العهن، ثم في سورة النبأ تصوّر بالسراب، يحسبه الناظر شيئا وهو لا شيء في حقيقة الأمر أي أن الجبال تزول ولا يبقى لها أثر. أمّا في الصور المتقدمة، فتثبت لها وجودا ضعيفا، فصورة الكثيب المهيل هي المرحلة الأولى في زوالها، حيث تؤثر رجّة الأرض فيها فتضعف من تماسكها، وتجعلها رمالا متحركة غير متماسكة، تتبعها صورة العهن الضعيفة الملونة، ثم تتبعها صور تناثرها كالهباء في الهواء، حتى تصبح في النهاية سرابا لا وجود لها، فهي صور متدرّجة، ترسم مراحل زوال الجبال بدقة وعناية. من خلال السياق الذي يقتضيها، حتى تكوّن في النهاية صورة متكاملة لها.
فالصورة القرآنية كما اتضح من صورة الجبال المتعددة- صورة نامية، متفاعلة، مترابطة، وليست صورة مجزأة، مفصولة، عن سياقها، أو عن الصور الأخرى.
ويصوّر الإيمان والهدى بصور النور والبصر والحياة، ويصوّر الكفر والضلال بصور الظلمات والعمى والموت وهي صور حسية مدركة، تتناسق مع الغرض الديني من التصوير.
يقول تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ الرعد: ١٦، وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ فاطر: ١٩ - ٢٢.
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ،
стр. 92
يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ البقرة: ٢٥٧.
وتدل هذه الصور الحسية، على أنّ الإيمان نور مضيء في قلب المؤمن، يجعله، يرى الحق، ويتفاعل معه، ويلتزم به، ليحيا حياة سعيدة متوازنة، أما الكافر، فإنه يتخبط في الظلمات، ظلمات الكفر والضلال، فكأنه ميت فاقد الحس فلا يبصر نورا ولا يسمع حقا.
وترد هذه الصور متقابلة في السياق، فصورة الأعمى تقابلها صورة البصير، وصورة الظلمات تقابلها صورة النور، وصورة الموت تقابلها صورة الحياة وهذا التقابل في الصور، يوجّه الإنسان إلى الإيمان والهدى لأنه نور، وحياة، والإنسان يميل بفطرته للحياة والنور، ويكره الظلمات والموت، ويحب الإبصار، ويخشى العمى.
ويلاحظ دقة التصوير للمعاني الدينية، في استخدام كلمة النور مفردة، وكلمة الظلمات في صيغة الجمع دائما. «وذلك للإشعار بتعدد طرق الضلال وتشعبها، والدلالة على وضوح طريق الحق وجلائه» «٧».
وهناك دلالة أبعد مما ذكرناه، وهي أن هذه الصور الحسية لمعاني الإيمان والكفر، تبين اختلاف الطبيعتين في كليهما، كاختلاف الموت والحياة، واختلاف الظلمات والنور، والعمى والبصر، والظل والحرور فالاختلاف بين الإيمان والكفر، اختلاف جوهري، في الأصل والطبيعة، وليس اختلافا في المظاهر والأشكال. ثم هناك العلاقة الوثيقة بين الإيمان والنور والبصر، والظل والحياة، والعلاقة القوية أيضا بين الكفر والعمى، والظلمة والحرور والموت.
وبهذا يتضح الاختلاف بين الهدى والضلال، كالاختلاف الواضح بين هذه الصور الحسية لكل منهما، وهو اختلاف عميق وأصيل، يمتد إلى طبائع الناس، وأعماق النفوس، كالاختلاف الملحوظ في البصر والعمى، والظلمات والنور، والظل والحرور، والحياة والموت.
ويصوّر هذا الاختلاف بين المؤمن والكافر، أو بين الهدى والضلال، في صورة أكثر تفصيلا وذلك في قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ، وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ الأنعام: ١٢٢.
فالصورة هنا، لا تكتفي بتوضيح الفوارق بين طبيعة الكفر، وطبيعة الإيمان، وإنما تمتد،
стр. 93
لتبيّن أثر كل منهما في صاحبه، فالمؤمن هو الحي الذي يمشي في الناس بنور وهداية وبصيرة، عارفا طريقه في الحياة، ومحددا غايته فيها، أما الكافر فهو الميت الذي يعيش في ضلال وخداع، وتزيين لأعماله، وهو لا يدري أنه يتخبط في الظلمات، ولا يخرج منها.
وقد توزّعت أجزاء الصورة هنا بتناسق عجيب للإيحاء بهذه المعاني الدينية، فالكفر تقابله الظلمات، والإيمان تقابله صورة النور الهادي المشعّ، والكافر تقابله صورة الميت، والمؤمن تقابله صورة الحياة.
ثم يأتي التعقيب على التصوير بقوله: زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ليزيد المعنى وضوحا، والصورة بروزا، فالكافرون يعيشون في تزيين أعمالهم الباطلة، ليخدعوا
أنفسهم ويخدعوا الآخرين، وهم في حقيقتهم يعيشون في تضليل وخداع.
وتمتد الصورة في سياق آخر، ولكنها تتواصل مع الصور الأخرى في توضيح الفوارق بين من يؤمن بالوحي، ومن لا يؤمن به، وتجسّم هذه الفوارق في صورة حسية مدركة أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ الرعد: ١٩.
فالمؤمنون هم المبصرون، لأنهم رأوا الحق فاتبعوه، والكافرون هم العمي، لأنهم لم يروا الحق مع وضوحه للأبصار وذلك لأنهم فقدوا حاسة الإبصار.
ثم تأتي صورة أخرى في سياق آخر، لتضيف فارقا جديدا، بين المؤمن والكافر، فالمؤمن ينظر إلى بعيد لأنه يمشي باستقامة، والكافر قاصر النظر، ينظر إلى قريب، لأنه يمشي مكبا على وجهه فلا يتمكن من الرؤية البعيدة يقول الله تعالى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ الملك: ٢٢.
ثم تأتي صورة أخرى لتوضّح أن الله يخرج المؤمنين من الظلمات إلى النور، وأن الطواغيت هم الذين يقودون الناس إلى الظلمات اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ... البقرة: ٢٥٦ - ٢٥٧.
فهذه الصورة أيضا تسهم في تفصيل صورة النور والظلام، وتضيف إليها معاني جديدة، زيادة على ما تقدم حتى يكتمل بناء الفكرة الدينية.
وهكذا تتواصل الصور فيما بينها، وتتفاعل في داخل الأنساق ضمن نظام العلاقات بين الصور حتى تقوم كل صورة بدورها في الباء التصويري المجسّد للحقائق الدينية.
стр. 94
لذلك، لا بدّ من جمع الصور ضمن أنساقها الواردة فيها، والكشف عن تواصلها وروابطها، لكي نتبيّن دور كل صورة في نقل المعنى الديني ضمن مفهوم وحدة الفكر، ووحدة التصوير معا. ويصوّر عهد الله وميثاقه بصورة «الحبل» الحسية، يقول الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها آل عمران: ١٠٣.
وقوله هنا وَاعْتَصِمُوا من قبيل ترشيح الصورة بالاعتصام، لأن الاعتصام، من المعاني المرتبطة بالحبل، والمعنى الذهني هنا ترسمه الصورة بالأيدي المتمسكة بعهد الله ودينه ومنهجه، والقلوب المتآلفة المتوحّدة على منهجه بعد أن كانت أشتاتا وفرقا، وذكر القلوب هنا له دلالته، وذلك للإيحاء بالروابط الروحية التي هي أساس الروابط الاجتماعية، ثم ترسم الصورة حالهم قبل الإيمان حين كانوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فأنقذهم الله من السقوط فيها. حين هداهم إلى التمسك بحبل الله الممتد، فتمت لهم النجاة من السقوط المرتقب في النار.
وقريب من هذا قوله تعالى في تصوير اليهود ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ آل عمران: ١١٢.
تصوّر هنا الذلة والمسكنة بقبة مضروبة عليهم، لإفادة الإحاطة والشمول لهم، فهم لا يستطيعون الانفكاك منهما إلا بحبل من الله، وحبل من الناس، وذكر الحبل يتناسق مع صورة القبة المضروبة عليهم، ولكن التعبير لا يذكر القبة صراحة، وإنما يرمز لها بقوله «ضربت» للإيحاء بها.
وأحيانا لا يذكر «الحبل» صراحة في التصوير، وإنما يذكر شيء من لوازمه وهو «النقض» زيادة في إخفاء الصورة، لإثارة الخيال، وتنشيطه كقوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ البقرة: ٢٧.
يقول الزمخشري في جمال هذه الطريقة التصويرية: «وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روافده، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه» «٨».
стр. 95
وقد تلجأ الصورة إلى التفصيل والتطويل في رسم المعنى الذهني، بقصد الزيادة في إيضاحه وبيانه، وتقوية عنصر التخييل والإثارة كقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ، وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ النحل: ٩١ - ٩٢.
فالصورة لا تتوقف عند حدود نقل المعنى الذهني وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وإنما تتواصل في داخل السياق وتتفاعل، في نمو صاعد، لتصوّر لنا حالة من ينقض العهد بامرأة حمقاء ضعيفة الرأي والعزم، فهي تنسج غزلها، وتفتل خيوطه، ثم تنقض غزلها، وتتركه مرة أخرى منكوثا محلولا، وصورة المرأة هذه تمثّل العبث، وضعف الإرادة، فالإنسان القوي السوي، لا يرضى أن يكون حاله مثل هذه المرأة المصابة في عقلها وإرادتها، وسلوكها، فيعيش حياة عابثة بدون هدف أو غاية.
وتصوّر العلاقة بين الرجل والمرأة بصورة كنائية، تجنبا للتعبير المباشر الذي لا يتناسب مع سمو الخطاب القرآني، وتهذيبا للنفوس، وإرشادا وتعليما للناس في مثل هذه المواطن التي يستهجن التصريح بها.
فتصور العلاقة الزوجية ب «الملامسة، والمباشرة، والإفضاء، والمس، والرفث، والحرث والإتيان، والغشيان، والدخول، والاستمتاع، والقرب ... إلخ.
وهذا التنويع في التصوير للمعنى الواحد، ليس من قبيل التكرار اللفظي، بل إنه يدل على نظام العلاقات بين الصور بعضها ببعض في تصوير المعاني الذهنية من وجهة،
وتفاعل الصور مع السياق الواردة فيه من جهة أخرى.
يقول الله تعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ ... النساء: ٢٠ - ٢١.
وصورة الإفضاء هنا وردت في سياق الطلاق والمهر، والسياق فيه ردع وزجر للزوج أن يستعيد ما أعطاه لزوجته من مهر بعد تلك المعاشرة الزوجية، لذلك جاءت هذه الصورة لتوحي بعمق العلاقة بين الزوجين، وهي علاقة حسية ومعنوية في الوقت نفسه، لذلك كان التعبير ب أَفْضى للإيحاء بالإفضاء الحسي والمعنوي معا، فجاء حذف المفعول هنا، للإيحاء بإفضاء المشاعر والعواطف أيضا، واستحضار صورة العلاقة الماضية، حتى يتم
стр. 96
ردع الزوج عن أخذ ما أعطى من مهر.
وفي سياق آخر، تصوّر العلاقة بالملامسة وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً النساء: ٤٣.
فصورة الملامسة هنا مرتبطة بالوضوء والطهارة، وهذا السياق يقتضي الحيطة والاحتراز، لذلك كانت «الملامسة» هنا لتوحي بمجرد المخالطة للمرأة ولو مسّا.
وصورة «الرفث» ترد في سياق الصيام، لتوحي باستهجان ما وقع منهم ليلة الصيام قبل تحليله بقول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ البقرة: ١٨٧.
وقد علل الزمخشري ذلك بقوله: «فإن قلت: لم كنّى عنه هاهنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله وقد أفضى بعضكم إلى بعض- فلما تغشاها، باشروهن، أو لامستم النساء دخلتم بهن، فأتوا حرثكم، من قبل أن تمسوهن، فما استمتعتم به منهنّ، ولا تقربوهن، قلت: استهجانا لما وجد منهم قبل الإباحة. كما سماه اختيانا لأنفسهم، فإن قلت: لم عدي الرفث بإلى؟ قلت: لتضمينه معنى الإفضاء» «٩».
ونلاحظ في الآية المذكورة آنفا ورود «الرفث، واللباس، والمباشرة، فكيف نفسر ذلك على ضوء التواصل مع السياق والتفاعل معه؟
هنا نلاحظ مجاورة الرفث لكلمة الصيام للإيحاء باستهجان ما وقع منهم قبل الإباحة في ليلة الصيام، ثم مجاورة «اللباس» للمباشرة، وكأنها تمهيد للخروج من سياق الاستهجان إلى سياق الاستحسان، فصورة اللباس توحي بقرب كل منهما من الآخر، وصورة المعاشرة تكون ابتغاء ما كتب الله ...
وصورة «الحرث» تعبر عن العلاقة الزوجية وأهدافها السامية في استمرار الحياة، من خلال عملية الإنجاب والتوالد، وتحقيق المتعة المعنوية في الأولاد، وما يرتبط بهم من عواطف أبوية ومشاعر إنسانية بالإضافة إلى ما تعبر عنه من متعة حسية أيضا نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ البقرة: ٢٢٣.
فهذه الصورة تجمع بين الدلالة الحسية والدلالة المعنوية، فالصلة بين الزارع وحرثه،
стр. 97
تشبه الصلة الشعورية بين الزوج وزوجته، كما أن أنواع النبات الطالع من حرث الزارع وبذره، تشبه حرث الزوج وما ينتج عنه من أولاد، مع ملاحظة التنوّع في الزروع في الأشكال والألوان، والأرض واحدة، والتنوّع في أشكال الأولاد وألوانهم وأمهم واحدة. كما أن حالة السعادة لدى الزارع في التنويع والتعمير والتكثير. تتشابه مع حالة الإنسان في ذلك.
فالصورة تلامس الحس والنفس معا، في تعبير موجز مصوّر.
وتعبر صور أخرى عن المعنى نفسه ولكن في سياق مختلف يقول تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ... البقرة: ٢٢٢.
والصور هنا تنقل المعنى أو الحكم الفقهي، بألفاظ رقيقة مهذبة، تجنح إلى التصوير والتلميح بدلا من التعبير المباشر الصريح.
وفي حالة الاعتكاف في المساجد، ينهى عن المباشرة لهنّ، لا لأنه أذى وإنما للدلالة على حرمة الاعتكاف في المساجد، فاقتضى السياق النهي عن المباشرة وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ البقرة: ١٨٧.
ويصور المعنى الواحد- أحيانا- بصورة واحدة متكررة. وفي أنساق مختلفة. ولكنها تقتضي هذه الصورة دون غيرها مثل تصوير العلاقة الزوجية ب «المس» كقوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ البقرة: ٢٣٦، وقوله أيضا: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ البقرة: ٢٣٧، وكذلك على لسان مريم في قوله تعالى: قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ آل عمران: ٤٧. وتكرار هذه الصورة الكنائية، يقتضيها السياق الواردة فيه فالمرأة المطلقة يجب لها الصداق كاملا بأدنى درجات المعاشرة ولو مسّا، كما توحي به الصورة، وكذلك مريم تستبعد أن يكون لها ولد، ولم تكن هناك أدنى حدود المعاشرة.
ويصوّر المعنى أيضا ب «التغشية» للتذكير بالملاطفة المطلوبة بين الزوجين فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ الأعراف: ١٨٩، وهذه الصورة ترد في سياق الالتقاء الأول، فاقتضى ذلك التذكير بالملاطفة ونحوها، كمقدمات للعلاقة بين الاثنين.
وصورة الهجر في المضاجع، ترد في سياق نشوز المرأة وتعاليها على زوجها وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ النساء: ١٣٤.
стр. 98
فالصورة الحسية للنشوز، تعبر عن عصيان المرأة وتعاليها، فتأتي بعدها الصورة الكنائية، في الهجر في المضاجع، لتطامن من هذا التعالي الناشز، وتحدّ منه.
وتعبر الصورة الكنائية عن كثير من المعاني الحياتية كقوله في وصف عيسى وأمه مريم: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ المائدة: ٧٥، فقوله: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ كناية عن فضلات الطعام، لإثبات بشرية عيسى، ونفي الألوهية المزعومة عنه، ولكن الكناية لا تمنع أيضا من إرادة المعنى الأصلي. يقول الزمخشري في تفسيره للآية: « ... ثم صرّح ببعدهما عما نسب إليهما في قوله: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام، وما يتبعه من الهضم والنقض لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم ... كبقية الأجسام» «١٠».
وقوله سبحانه في هذا المعنى أيضا ولكن بصورة كنائية أخرى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ النساء: ٤٣، والغائط أصله ما انخفض من الأرض، والعرب تعبّر عن قضاء حاجتها بهذه الكناية، وقد وردت هذه الكناية في سياق الطهارة أما قوله: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ فقد وردت الكناية في سياق إثبات بشرية عيسى وأمه، وهكذا نلاحظ أن الاختلاف في الصور عن المعنى الواحد، يتبع السياق، ويتلاءم معه.
كقوله تعالى أيضا: كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ المعارج: ٣٩، فالكناية هنا عن الماء المهين، تلمس كبرياء المشركين لمسا خفيفا دون ذكر لفظة نابية، وقد وردت هذه الكناية ضمن سياق يقتضيها، فقد تحدث السياق عن استكبار المشركين، وطمعهم أن يدخلوا الجنة، وهم على كفرهم، فجاءت هذه الكناية، لتوحي بهوانهم وذلّهم، مقابل استكبارهم وكفرهم.
وتعبر الصورة عن معنى التوجه إلى الله، والانقياد له ب «الوجه» لأن الوجه هو أشرف الأعضاء وهو رمز الكل بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ البقرة: ١١٢، وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ... النساء: ١٢٥، وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لقمان: ٢٢.
فالتصوير بالوجه عن الذات فيه حثّ على التوجه إلى الله، والإقبال عليه، والتطلع إلى
стр. 99
ما عند الله. وهذه المعاني يناسبها الوجه دون غيره، لأنه يحتوي على الأجزاء الهامة في الإنسان.
لذلك جاء الأمر في قوله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ الروم: ٤٣، والمراد بذلك الاتجاه إلى الدين القيّم بجدّية واستقامة، كما توحي الصورة، بالإضافة إلى الدلالة على الاهتمام والتطلع والانتباه، وهي دلالات مرتبطة بالوجه دون غيره. لهذا كان التعبير بالوجه عن الذات الإنسانية. وهناك صور أخرى تعبر عن الإنسان في أنساق تقتضيها، كالعين والأذن، واليد، والقدم ... كقوله تعالى وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة: ١٩٥.
فالأيدي ترمز إلى العطاء وقد وردت في سياق الإنفاق في سبيل الله، وقد ترمز الأيدي إلى البخل وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً الإسراء: ٢٩.
فالبخل يصوّر باليد المغلولة إلى العنق، والإسراف باليد المبسوطة التي لا تمسك شيئا، ثم تجسّم الصورة لكلّ من البخيل والمسرف، في صورة القاعد الحسير، الذي لا يتمكّن من متابعة شئون حياته، فالبخيل يمنعه بخله، من مزاولة شئون حياته، والمسرف ينتهي إلى الإفلاس، فلا يتمكن من متابعة حياته.
وقد ترمز اليد إلى البطش والفتك كقوله تعالى: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ المائدة: ١١.
ويعبر عن الثبات والاستقرار بالقدم كقوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ يونس: ٢، وهذه الصورة الحسية توحي بطمأنينة المؤمنين وثباتهم، في سياق الإنذار والتخويف وساعات الحساب يوم القيامة، وإضافة القدم إلى صِدْقٍ وذكر عِنْدَ رَبِّهِمْ تزيدان من وضوح الصورة وثباتها في سياق يوحي بالقلق والاضطراب والخوف.
وتعبر الصورة عن طيب النفس وسرورها بالعين، كقوله تعالى: فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً مريم: ٢٥، لأن العين هي التي ترى ما يسر النفس، ويدخل السرور إليها، فكأن الصورة الحسية هنا هي النفس كلّها، باعتبار العين هي الجزء الهام فيها، وفي هذه الصور الحسية، يتمّ استحضار الكلي ضمن نظام العلاقات بين الدال والمدلول في الصورة المجازية، كما وضحت ذلك بالتفصيل في مقومات الصورة الفنية، حين تحدثت عن تصوير الصلاة بجزء
стр. 100
من أجزائها، ويكون الجزء المذكور هو الجزء الهام، المتناسق مع السياق الذي يقتضيه.
بالإضافة إلى موضوعات أخرى «١١».
كما تعبّر الصورة عن الترك والإعراض بصورة متحركة وهي النبذ وراء الظهور كقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ آل عمران: ١٨٧، وقوله أيضا: قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا هود: ٩٢.
فأهل الكتاب في الآية الأولى، يلقون كتاب الله وراء ظهورهم بهذه الصورة الشنيعة، استخفافا به وإعراضا عنه والكفار في الآية الثانية، يعرضون عن ربهم، ويتركونه
وراء ظهورهم، وهم خلق من خلقه.
ويكثر في القرآن الكريم التعبير عن معنى الاستبدال والاختيار، بصورة حسية مألوفة، هي «الشراء» في أنساق مختلفة، تقتضي هذه الصورة. كقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ البقرة: ١٦.
فالمنافقون استبدلوا الضلالة بالهدى، وصورة الشراء المعبّرة عن هذا المعنى الذهني توحي بشدة حبهم للكفر والضلال، وبغضهم للهدى، لأن الإنسان يشتري ما يحبه، ويبيع ما يزهد فيه، ثم جاء قوله: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ من قبيل ترشيح الاستعارة كما يقول البلاغيون لتقوية الصورة الحسية، وزيادة التخييل في الذهن من خلال استحضار عملية البيع والشراء، وكما جرّت عليهم عملية البيع والشراء من خسران وهلاك.
وقد لاحظ الزمخشري ما في هذه الصورة الحسية من رونق وبهاء وتحريك للخيال فقال: «فإن قلت: هب أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن ثمّ مبايعة على الحقيقة؟ قلت: هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات إذا تلاحقن لم تر كلاما أحسن منه ديباجة وأكثر ماء ورونقا وهو المجاز المرشح» «١٢».
وهناك مواضع أخرى تكررت فيها هذه الصورة الحسية، كقوله تعالى:
стр. 101
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ البقرة: ١٧٥، إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ آل عمران: ٧٧، إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً آل عمران: ١٧٧، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ النساء: ٤٤.
إن تكرار هذه الصورة للدلالة على المعنى الذهني الواحد، توحي بالصفقة التجارية الخاسرة للكافرين، الذين استحبوا الضلالة على الهدى، وصورة الشراء مألوفة لأنها مستمدة من واقع الحياة العملية، وتكرارها، فيه تأكيد على معنى الخسران، وترسيخ لمفهوم الصفقة التجارية الخاسرة لهؤلاء الكافرين.
وقد تمتد هذه الصورة في التعبير، لاستيفاء المعنى، والإيحاء بمعان جديدة كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ البقرة: ١٧٤.
فالصورة المرسومة هنا، تنقل المعنى الذهني وهو كتمان الحق، من أجل مصالح دنيوية زائلة، فتجسّم الصورة المعنى الذهني، حتى يصبح محسوسا يباع ويشرى، ويقبض ثمنه، ويؤكل به، ولكن أين ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ؟ والتعبير ب يَأْكُلُونَ يتناسق مع السياق العام الذي يتحدث عن الطعام الحلال والحرام وهذه صورة مخيفة إذ ترسم لنا نارا مشتعلة في البطون تشويها، كما تشوي نار السعير جلودهم يوم القيامة، وهي صورة ممتدة، في الزمان والمكان، فتطوى الدنيا، ويستحضر من الآخرة «صورة النار» في سرعة خاطفة، لتعذيب هؤلاء على فعلتهم، زيادة في التصوير والتأثير في النفوس، وإلى جانب هذا العذاب الحسي، هناك العذاب المعنوي أيضا يجسّم في قوله: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ إلى جانب العذاب المادي وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وبذلك يذوق هؤلاء أنواع العذاب، جزاء على فعلتهم الشنيعة.
وترد: «صورة الشراء» الحسية في سياق آخر جديد، يتحدث عن المؤمنين، لتكون الصورة هنا صورة رابحة، تقابل الصورة الخاسرة لأولئك في الآيات السابقة، يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي
стр. 102
بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ التوبة: ١١١.
وهذه الصورة رابحة مضيئة، تقابل الصورة السابقة القاتمة والخاسرة، وهذا الاختلاف بين الصورتين في الربح والخسارة، يرجع إلى اختلاف السياق، والسياق هنا يتحدث عن المؤمنين، فالصورة صفقة تجارية رابحة، وهناك في الآيات السابقة، كان السياق يتحدث عن غير المؤمنين، فكانت الصورة صفقة خاسرة.
وترسم الصورة هنا كل أطراف البيع والشراء، والبائع والمشتري، والثمن، فالبائع هو المؤمن، والمشتري هو الله، والثمن الجنة ... ومن رحمة الله، أن جعل الله الإنسان مالكا لنفسه وماله، يتصرف فيهما بحرية واختيار وإرادة، ليقبض الثمن وهو الجنة، وإن كان الله هو المالك الحقيقي للأنفس والأموال، ولكن القرآن الكريم يصوّر الإنسان مالكا وبائعا وقابضا للثمن، لتكون الصورة ملائمة للواقع المنظور في الحياة، بدلا من تصوير الغيب المستور.
وتزيد الصورة في «التخييل الحسي» في قوله: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ لتوحي بربح هذه البيعة إن تمّت الصفقة، وسلّمت الأنفس والأموال لله، وهي بيعة رابحة لا شك، لأن الثمن غال وهو الخلود في الجنة، بينما الأنفس والأموال إلى فناء، فالبيع في هذه الصفقة، هو بيع ما يفنى بما يبقى، وهذا هو الربح الحقيقي الذي توحي به الصورة الحسية، لتحقيق الغرض الديني من التصوير.
وتتواصل هذه الصورة، مع صورة أخرى مرتبطة بها، وهي صورة التجارة الرابحة، والتجارة من ملائمات البيع والشراء، بل إنها تعدّ امتدادا طبيعيا لها في تصوير المعنى الذهني، وزيادة في تفصيلات الصورة الحسية للمعنى يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ... الصف: ١٠ - ١١.
وتعتمد هذه الصورة على عنصر الإثارة والتشويق. من خلال النداء، يعقبه الاستفهام المشوّق للجواب، واستحضار صورة التجارة الرابحة، وتحريك النفوس بها والتشويق إليها، وتوظيف هذه الصورة الذهنية، لتحقيق غرض ديني.
وتتواصل هذه الصورة أيضا، في علاقات سياقية أخرى، لتدل على معان ذهنية، فالإنفاق
стр. 103
في سبيل الله، يعبر عنه، بصورة مألوفة، وهي «القرض»، وصورة القرض، تتواصل مع صورة البيع والشراء، وصورة التجارة الرابحة، فهي تنتمي إلى عالم المادة، والتعامل اليومي للإنسان، وتوظف هذه الصور الذهنية المستمدة من واقع الحياة، للتعبير عن المعاني الدينية، بصور مألوفة لدى المخاطب، ولها رصيد في ذهنه ونفسه لتحريك خياله، والتأثير في شعوره. قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ البقرة: ٢٤٥.
والصورة الحسية هنا، لا تعبّر عن نقل المعنى الذهني فقط، وإنما توحي بزيادته ونمائه أيضا. وذلك من خلال اللمسات التعبيرية والنفسية في تصوير المعنى الذهني، فالإنفاق قرض لله، وهو تعبير لطيف يوحي للإنسان بأنه يملك الأموال وينفقها بل ويقرضها لربه قرضا حسنا ناميا، وللخيال أن يتصور حركة الأموال النامية أضعافا مضاعفة، من خلال هذا «التجنيس» اللفظي يضاعفه وأضعافا، والصور الذهنية المختزنة للأموال بأنواعها، وحركة نمائها أو تكثيرها.
وتمضي الصورة في تحقيق غرضها الديني، بتذكير الإنسان، بأنّ الله هو الذي يملك أرزاق العباد، وبيده قبضها وبسطها لمن يشاء، وكيف يشاء؟ وهاتان الصورتان للغنى والفقر، تتقابلان في التعبير والسياق، لتتواصلا أيضا مع صورة «الإقراض لله» لتقويتها وإنمائها في فكر الإنسان وشعوره، ثم تأتي صورة الرجوع إلى الله، لتثبت صورة الإقراض لله، وتدعمها بالتوجيه المطلوب، فهي تطهّر النفس من الشحّ، وتدفعها إلى الإنفاق في سبيل الله بسخاء. وهكذا تتواصل الصور في السياق، وتتفاعل. لتوضيح المعنى الذهني فيتناسق التعبير والتصوير، والغرض الديني والفني معا.
وقد كثر ورود صورة الإقراض لله في الأسلوب القرآني، لأنها صورة حسية مستمدة من واقع حياة الناس، ولها رصيد في أذهانهم ونفوسهم، وهي تدلّ على المعنى الذهني، وتجسّمه، وتجعله محسوسا ملموسا، يؤثّر في الفكر والنفس والخيال. من ذلك قوله أيضا: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ التغابن: ١٧، أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً المزمل: ٢٠.
وتعرض الأعمال في صورة حسية مجسّمة زيادة في إيضاحها وبيانها، وحركة التخييل الحسية فيها. ليتفاعل معها، الإنسان، ويتجاوب، جريا على طريقة القرآن الكريم في
стр. 104
تصوير المعاني الذهنية، وإحيائها في صور حسية، ومشاهد مرئية، لكي تؤثر في النفس الإنسانية، فأعمال الإنسان وذنوبه، تعرض في صورة الأحمال المثقلة للظهور. وذلك في قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ... فاطر: ١٨.
فالصورة هنا تبرز المعنى الذهني، في مشهد حي متحرك، كأننا نراه الآن، ونستحضره من عالم الغيب إلى العالم المنظور أمامنا، فكلّ إنسان يحمل على ظهره حمله من الأعمال والذنوب، وهو يسير في اتجاه الميزان لوزن هذا الحمل الثقيل، وتمضي الصورة في التخييل الحسي، وإحياء المشهد، فالإنسان يحمل حمله مهما ثقل على ظهره، ولا يحمله عنه غيره كما في الدنيا، ولو أنه دعا قريبا له ليساعده في حمله، فلن يجد مجيبا لندائه، لأن كل إنسان مشغول يوم القيامة بنفسه عمّن سواه، ولنا أن نتخيل المشهد المتحرك لجموع الناس وهم يحملون الأحمال على ظهورهم، ويتحركون في اتجاه الميزان والوزّان للحساب والجزاء.
والصورة المرسومة هنا للأعمال، تقرّب لنا الغيب المستور، وكأنه مشهد منظور في الدنيا من قوّة التصوير، والتأثير.
وتتواصل هذه الصورة في سياق آخر، لتوحي بأنّ الذنوب قد اكتسبها الإنسان بنفسه، وعليه أن يحمل تبعة ما اكتسبه. يقول الله تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً النساء: ١١٢.
فالصورة هنا تجسّم الخطيئة والإثم والبهتان، في صور مادية محسوسة، لكي يتفاعل معها الإنسان، كما أن الخطيئة أو الإثم يغدو شيئا مكتسبا. فيه إغراء وجاذبية، ثم تمضي الصورة في التخييل بعد التجسيم، فيصبح الإثم شيئا ماديا محسوسا، يرمى به البريء، ثم تمضي أيضا الصورة في التخييل الحسي في قوله: فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً فصار البهتان والإثم حملين يحملان على الظهر، ليسير بهما صاحبهما في يوم الحساب باتجاه الميزان، ليحاسب على ما اكتسبه من خطيئة وإثم. وبذلك تتواصل الصورة في داخل السياق الواحد، كما تتواصل مع الصورة الأولى، والسياق مختلف، لتجسيد وحدة التصوير ووحدة التأثير الديني، وترابط المعاني الذهنية، لتمثيل وحدة الفكر الإسلامي أيضا.
إن الصورة هنا، تترابط مع صور السياق الواردة، فيه أولا، ثم تترابط مع الصور الأخرى،
стр. 105
والأنساق أيضا. ضمن نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية والفكرية في الأسلوب القرآني.
وقد تكررت صورة الأعمال المجسّمة في الأحمال فوق الظهور في مواضع عدة من القرآن كقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ... النحل: ٢٤ - ٢٥، وقوله: وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا طه: ١٠١، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ العنكبوت: ١٢ - ١٣، ومن ذلك أيضا قوله تعالى: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ الانشراح: ٢ - ٣.
وتصوّر المعاني الأخلاقية، في صور حسية أيضا، لأنها أبلغ في التأثير يقول الله : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ لقمان: ١٨ - ١٩.
وصورة «تصعير الخد» الحسية، بحركتها وهيئتها، تنقل لنا معنى التكبر، بصورة كريهة منفرة. لما بين صورة المتكبر، وصورة «الصعر» في الإبل من تشابه وصلة، في الحركة والهيئة، والأثر الكريه المنفّر، فالصّعر في الأصل داء يصيب الإبل، فيجعلها تميل بأعناقها بهيئة منفّرة، وصورة المتكبر المائل بعنقه تشبه تلك الصورة الحسية في الإبل، وبذلك يغدو التكبر داء يصيب الإنسان، فيلوي عنقه خيلاء وتكبرا على عباد الله، فالعلاقة بين الصورتين واضحة في الحركة والهيئة، والسبب.
ثم الصوت الهادئ يوحي بالأدب والثقة، والغلظة والارتفاع في الصوت سلوك مكروه، يصوره التعبير بصورة حسية منفّرة مضحكة تبعث الكراهية والاشمئزاز من هذه العادة الذميمة حين تقارن بصورة الحمير بأصواتها المنكرة.
وهناك صورة أخرى للمتكبر، ترتبط بالصورة الأولى، وتتواصل معها وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا الإسراء: ٣٧.
فهذه الصورة بما فيها من إيحاء ضخم، يقصد بها مواجهة المتكبر بحقيقة نفسه العاجزة الضعيفة، فإذا كان المتكبر يرى في نفسه القوة والقدرة، ويتضخم عنده هذا الشعور، حتى تجسّم في سلوك مذموم، فتأتي هذه الصورة الحسية المعروضة أمامه، تتحدّاه صراحة، ليرى نفسه العاجزة من خلالها، فيظهر عجزه في خرق الأرض، وبلوغ
стр. 106
الجبال طولا، فيدرك حقيقة أمره، ويتواضع، ويلين جانبه للناس.
وأبشع أنواع التكبّر، هو التكبّر عن دعوة الله، وقد رسمت الصورة القرآنية هؤلاء المتكبرين عن الإيمان بصورة تبعث على السخرية منهم. من خلال اللمسات النفسية والفنية المحركة للخيال، والمؤثرة في النفوس يقول الله تعالى في وصف واحد من هؤلاء: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى، وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى، أَوْلى لَكَ فَأَوْلى، ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى، أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى، ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى، أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى القيامة: ٣١ - ٤٠.
هذه الصورة المضحكة للمتكبّر عن دعوة الله، وردت بعد مشهد الاحتضار، فهي ترتبط به، وتتواصل معه في التوجيه الديني ضمن سياق متفاعل متحرك بصوره، وتعبيراته، ومعانيه.
فالتكبّر هنا يجسّم بحركة تمطّي الظهر، وامتداده، تعاجبا وتعاليا، والمتكبّر يقوم بهذه الحركة الكريهة، فيمطّ ظهره، ويمدّه، خيلاء وتكبرا، وأمام هذه الحركة الكريهة والمضحكة، التي ترسمها الصورة له، تأتي صورة نشأته الأولى، من مادة محتقرة، ثم ما مرّ به من مراحل النمو، حتى أصبح رجلا سويا لتذكيره بعجزه وضعفه، وقدرة الله عليه، وقدرته على بعثه وإحيائه بعد إماتته ...
وقد يقترن التكبّر عن دعوة الله، بالمكر والتآمر ضد الدعوة، فيقتضي ذلك صورة مفصّلة ترسم التكبر والمتكبرين الماكرين، بالخطوط، والحركات، والهيئات، لتصوير دقائق أساليبهم، وخفايا تآمرهم.
والصورة هنا تعرض في مشهد كامل حي شاخص، يقول الله تعالى في هؤلاء المتكبرين الماكرين: قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ، الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ، ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ النحل: ٢٦ - ٢٩.
فهؤلاء المتكبّرون حبكوا المؤامرات ضد الدعوة، وأحكموها بدقة وإتقان، ظنا منهم أنها تحميهم، فكانت هذه المؤامرات المحبوكة، هي سبب هلاكهم، والصورة ترسم هذا المعنى
стр. 107
الذهني في صورة بناء محكم، بقواعده وأركانه وسقفه، وهذه التفصيلات في تصوير البناء، توحي بالدقة والضخامة والإحكام، ثم بعد اكتمال تصوير البناء، بقواعده وأركانه وسقفه، حتى أصبح جاهزا للاحتماء به، والاختفاء في داخله، وبين جدرانه، جاء مشهد التدمير الكامل لهذا البناء المحكم، ويلاحظ أن مشهد تدميره، يرد مفصّلا ومتدرّجا، زيادة في الإيضاح والتأثير، وكأننا أمام مشهد معروض، نتابع خطوات التدمير، جزءا وراء جزء، ويبدأ مشهد التدمير من القواعد الأساسية التي يقام عليها البناء، ثم تتبعها حركة سقوط السقوف فوقهم لتدميرهم تدميرا كاملا.
ثم يمتد التصوير في الزمان والمكان، لينتقل المشهد من الدنيا إلى الآخرة، في نقلة متصلة في السياق والتصوير ليكشف لنا عن مشهد هؤلاء المتكبرين يوم القيامة وما هم عليه من خزي ومذلّة، لتقابل صورتهم في الآخرة، صورتهم في الدنيا حين كانوا يتكبرون عن دعوة الله ويتعالون عليها. ثم يعود التصوير مرة أخرى إلى الدنيا، فيلتقط مشهد احتضارهم، ليرسم خزيهم ومهانتهم على الأرض أيضا، لتكون هذه الصورة الذليلة، قريبة جدا من صورة استكبارهم وعلوّهم، قريبة في الزمان والمكان أيضا، فهم ما زالوا أحياء في الدنيا، وعجزهم واضح، وذلّهم بيّن في ساعة الاحتضار، ثم يعود التصوير للآخرة ليختم بها المشهد، ويصورهم وهم في النار خالدين فيها أبدا. ويتركون هناك في جهنم، وينتهي التصوير والتعبير بهذه الخاتمة المخزية لهم.
إن هذا المشهد الحي الشاخص الذي ترسمه الصورة بكل تفصيلاته، لهؤلاء المتكبرين مشهد يتفاعل فيه التصوير مع التعبير، لإيضاح التكبّر عن دعوة الله، والنهاية والمصير لهؤلاء المتكبرين.
وفيه يظلّ الخيال نشطا متحركا لمتابعة مراحل التصوير المختلفة، ابتداء من تصوير البناء المحكم ثم مشهد تدميره، ثم مشهد القيامة لهؤلاء المتكبرين، ثم العودة إلى مشهد الاحتضار في هذا السياق المتفاعل الذي يقتضي هذه اللقطة النفسية والفنية، ثم الانتقال من جديد إلى مشهد القيامة، لأنها نهاية الرحلة للجزاء والعقاب. ليترك الصورة حرة طليقة، مثيرة للخيال، وهو يتابع أحوال المتكبرين، يصطلون بنيران جهنم.
وتتواصل صورة التواضع مع صورة التكبر، عن طريق التقابل أو التضاد، لإبراز الفروق
стр. 108
بينهما، فالصورة تمثّل وحدة منسجمة، تتواصل الصور في داخل السياق ضمن نظام العلاقات، عن طريق التقابل أو التناظر أو التجاور في التعبير، حتى يتمّ بذلك نموّ المعاني الدينية وتفاعلها، فتكوّن في النهاية وحدة الرؤية الإسلامية للكون والحياة والإنسان.
ويعبّر عن التواضع بصورة خفض الجناح، وهي تقابل تصعير الخد تكبّرا، ولكن صورة خفض الجناح صورة محبّبة، أمّا تصعير الخد، فصورة مكروهة منفرة. يقول الله تعالى:
وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الشعراء: ٣١٥. فهذه الصورة الحسية، تجسّم معاني الرفق واللين والتواضع، لتكون محسوسة حاضرة في الأذهان دائما، ويلاحظ تناسق هذه الصورة الحسية، مع المعاني الذهنية المجردة، فالجناح هو وسيلة الارتفاع والانخفاض معا، وخفض الجناح يوحي بالهبوط والنزول من مكان مرتفع، لأن الطائر يضمّ جناحيه في لحظة الهبوط، ويخفضهما في حالة الارتفاع والطيران، يبسط جناحيه، ويحركهما، وهذه الصورة متناسقة مع صورة المتواضع، وصورة المتكبر معا، في حالتي الهبوط والارتفاع للطائر. فالمتكبّر، يرتفع ويتعالى، ويبسط جناحيه، ويحرك أطرافه للارتفاع والتعالي، وهي صورة الطائر في حالة الارتفاع والتحليق، والمتواضع يخفض جانبه للناس، ويضم أطرافه، في حركة متناسقة مع صورة الطائر، وقت هبوطه، وخفض جناحيه ...
وهكذا تكشف الصورة عن حقيقة الإنسان، وما في نفسه من مشاعر متقابلة، وخطوط متوازية، ففيه استعداد للتكبّر والتعالي، وفيه أيضا استعداد للتواضع ولين الجانب، ومن خلال هذا التقابل بين الصورتين، تتّضح المعاني الحميدة، والمعاني الذميمة، ويتم توجيه الإنسان التوجيه الديني المطلوب، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى في حضّ الأبناء على خفض الجناح للوالدين: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً الإسراء: ٢٤.
وترد هذه الصورة للدلالة على معنى آخر غير التواضع، ولكن في سياق مختلف أيضا كقوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ الأنفال: ٦١.
وتصوير ميلهم إلى السلام ب «الجنوح» صورة معبّرة، تتواصل مع صورة خفض الجناح وإيحاءاتها، فلا يكفي في السلام مجرد ميلهم الداخلي، ما لم يتحول هذا الميل إلى واقع حي ملموس، يتمثّل في خفض الجناح، ولين الجانب. وهو ما توحي به صورة «الجنوح»
стр. 109
وتعبّر عنه، لأنها من المادة اللغوية نفسها، ومن ملازمات خفض الجناح، والاختلاف في الصيغة لا يغيّر من جوهر الصورة لأن التصوير للمعنى بالجنوح، يوحي بحركة جناح يميل إلى السلام، ويرخي جناحه برقّة ولين.
وتنقل الصورة المعنى الذهني، وما يصاحبه من مشاعر وأحاسيس، كقوله تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ البقرة: ٨١.
فهذه الصورة، تعبّر عن المعنى وهو اقتراف الذنب، بلفظ «الكسب» للإيحاء بأن المذنب يقترف السيئة كأنّه يكسبها كسبا ماديا، ويضيفها إلى حسابه، وإيحاء آخر، وهو أن الذنب أو المعصية فيها إغراء وجاذبية تشدّ مقترفها إليها ولولا هذه الجاذبية والإغراء، ما أقدم على ارتكابها باندفاع وحماسة.
فالتصوير الحسي هنا، تصوير واقعي، مجسّم، يتغلغل في أعماق النفس، ليصوّر ما فيها من مشاعر وقت ارتكاب المعصية بلفظة واحدة هي «كسب» ولكن الصورة هادفة، وليست تصويرا للواقع لإقراره، والاعتراف به وإنما لتوجيه هذا الواقع المنحرف والتحذير من ارتكاب المعاصي، لهذا جاءت صورة الخطيئة المحيطة بصاحبها، بعد صورة اكتساب المعصية، واستخدام لفظ «الخطيئة» يعدّ حكما صادرا على الذنب أو المعصية، ولو ظنّ صاحبها أنها كسب له، فهي خطيئة يعاقب عليها.
وتصوّر الخطيئة، محيطة بصاحبها، والمذنب لا ينفك عنها، ولا يفلت من حصارها، فهو محبوس في داخلها، حتى تقضي عليه في النهاية. وهذه صورة تجسيمية للمعنى الذهني، لها وقعها في الحس والنفس معا أكثر من أي تعبير ذهني مجرد، لا يتجاوز تأثيره العقل أو الذهن، بينما هذه الصورة المجسّمة للخطيئة، تدخل إلى النفس، من منافذ شتّى، من الحس، والخيال، والذهن، والوجدان.
وصورة الإحاطة، تكررت في الأسلوب القرآني في مواضع عدة، لتصوير المعاني الذهنية من ذلك قوله تعالى وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ الكهف: ٤٢، والصورة هنا تعبر عن هلاك الثمر
واستئصاله.
وترد هذه الصورة في سياق آخر أيضا، لتعبر عن المعنى نفسه وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ البقرة: ١٩، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ العنكبوت: ٥٤.
стр. 110
ولكنها توحي بظلال من خلال اختلاف الأنساق الواردة فيها، على الرغم من التواصل بين الصور، في التناسب المعنوي. فصورة إحاطة الله بالكافرين، توحي بالشمولية والقدرة، والتمكن من إهلاك الكافرين. وصورة جهنم المحيطة بهم أيضا توحي بالخوف والفزع، بمجرد أن يتصور الإنسان إحاطة جهنم بالكافرين، وهم في داخلها يحترقون.
وتكثر أيضا صورة الانقلاب على العقبين في تصوير الارتداد النفسي والحسي معا كقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً آل عمران: ١٤٤.
فالصورة هنا، تعبّر عن الارتداد بحركة حسية، حتى يغدو المعنى الذهني مشهدا منظورا، يجسّم المعنى الذهني، وما يصاحبه من حركة ارتداد داخلية أولا، تتمثّل في حركة حسية خارجية مرئية بعد ذلك. ووردت هذه الصورة في مواضع أخرى كقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ البقرة: ١٤٣، وكقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ آل عمران: ١٤٩، .. قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ المؤمنون: ٦٦.
وصورة «قطع الدابر» في التعبير عن الإهلاك والاستئصال، كثيرة في الأسلوب القرآني، وهي أيضا تمتد، للتواصل مع صورة حركة الانقلاب على الأعقاب، فبين الصورتين هذا التناسب الشكلي والمعنوي، في الأدبار والأعقاب، وفي التحقير والترذيل.
يقول الله تعالى: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الأنعام: ٤٥. وصورة قطع الدابر توحي بالاستئصال الكامل. وكأن الظالمين يقفون في صفوف منتظمة، وعلى هيئة مخصوصة، فيأتي قطع دابرهم، أي آخرهم، للإيحاء بأنهم هلكوا جميعا. ومن ذلك قوله أيضا: وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الأعراف: ٧٢، وقوله تعالى: وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ الأنفال: ٧، ووَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ الحجر: ٦٦.
وقريب من هذه الصورة المستكرهة صورة تولّي الأدبار، في التعبير عن الهزيمة والفرار، يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الأنفال: ١٥ - ١٦.