واختيار الصورة الفنية للتعبير عن الحقائق الدينية، يدلّ على قدرتها في تقريب هذه المعاني المجردة، وقوة تأثيرها في النفوس، وإقناعها للعقول. لأنّها تعبّر عن القضايا الفكرية في صور محسوسة قريبة من الإنسان، يفهمها الإنسان ببداهة ودون تعقيد.
وتصوير المعنويات أو المعقولات في صور حسية، يزيل خفاءها وغموضها، ويجعلها حية شاخصة مدركة من قبل الإنسان العادي والمتعلم على حد سواء.
وقد اعتمدت الصورة، لتحقيق وظيفتها العقلية. على مشاهد الطبيعة باعتبار هذه المشاهد محسوسة مدركة واستخلصت منها (الاستدلال) على القضايا الدينية، لإقرارها، وترسيخها في الإنسان والإنسان يميل بطبعه إلى المعرفة الحسية، ويتجاوب معها، أكثر من المعرفة الذهنية المجردة.
وقد تحدّث الجرجاني عن أثر الصورة في نقل المعرفة عن طريق الحواس، واعتبرها أكثر تأثيرا من المعرفة المكتسبة عن طريق الذهن يقول عبد القاهر: «لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حد الضرورة يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام وبلوغ الثقة فيه غاية التمام» «٣».
فالصورة عند الجرجاني تقوم بوظيفتها العقلية في نقل المعنوي إلى شيء محسوس، وما يدرك بالفكر إلى ما يدرك بالطبع، وبذلك تحقق قوة الاستدلال العقلي، بتحويل ما يستفاد بالعقل المجرد إلى مدرك حسي، يكون أكثر وضوحا وإقناعا.
واعتماد طريقة التصوير هذه تتناسب مع طبيعة القرآن باعتباره كتاب دعوة وهداية، فهو يجادل خصومه، لإقناعهم والتأثير فيهم، وليس هدفه نقل المعرفة العقلية المجردة، ومجادلة الخصوم بها فهو يخاطب الإنسان، لإقناعه بالحقائق الدينية، والتأثير فيه، لكي يستجيب للتوحيد، ويؤمن بالله. والقضية الأساسية هي (وجود الله) وقد تضمنت الصورة الفنية كثيرا من البراهين والأدلة على وجود الله وفق منهج عقلي ينسجم مع القرآن باعتباره كتاب دعوة وهداية.
والصور الكونية المعروضة في القرآن، حافلة بالأدلة العقلية، لمن تأمّلها، وتفكر فيها وهي قد عرضت بهذه الكثرة لتحقيق هذا الغرض في إيقاظ العقل على ما في هذا الكون
стр. 422
من تناسق وإحكام.
فالتوافق في خلق الكون، على صور متناسقة، مع خلق الإنسان، وتناسق حركة الكون مع حركة الإنسان خير دليل على الخالق سبحانه.
وقد قسّم ابن رشد الاستدلال بالكون إلى نوعين: دليل العناية، ودليل الاختراع.
يقول: «ويتمثّل الأول في الاستدلال بهذا الكون وما فيه من عوالم من جهة خلقه بعد أن لم يكن، وإيجاده فإنه دليل على الخالق الحكيم، ويتمثل الثاني في الاستدلال بالتنظيم المحكم لهذا الكون واطراد نواميسه دون اختلال، وموافقة جميع الموجودات لوجود الإنسان على الفاعل الحكيم» «٤».
ونحن نجد في القرآن تركيزا علي الصور الكونية ومشاهد الطبيعة، لأنها تحمل الأدلة العقلية التي تثبت وجود الله، ومن ذلك قوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ الأعراف: ١٨٥.
ومن الصور المتضمنة دليل العناية بالإنسان قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً، وَالْجِبالَ أَوْتاداً، وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً، وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً، وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً، وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً، وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً، وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً النبأ: ٦ - ١٦.
فالصور الحسية هنا قريبة من الإدراك والفهم، فالأرض ممهّدة، والجبال راسية، والزوجية في الخلق، والنوم سبات، والليل ساتر، والنهار معاش، والسماوات طباق محكمة، والشمس ساطعة، والأمطار هاطلة من السماء، والنبات طالع من الأرض ... كلها صور مدركة مألوفة تحرّك العقل وتدفعه إلى التأمل فيما وراءها من حكمة إلهية، وعناية ربانية في خلقها.
وقوله أيضا: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً الفرقان: ٦١، وقوله أيضا: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا، وَحَدائِقَ غُلْباً، وَفاكِهَةً وَأَبًّا، مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ عبس: ٢٤ - ٣٢.
وهناك أمثلة كثيرة تصلح أدلة وشواهد على دليل العناية.
стр. 423
ومن الصور الحسية المتضمنة دليل الاختراع قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ الغاشية: ١٧ - ٢٠.
وقوله تعالى أيضا: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ غافر: ٥٧.
وقوله أيضا: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ... الطارق: ٥ - ٦.
وقوله أيضا: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ .. لقمان: ١٠ - ١١.
وهناك صور أخرى كثيرة تؤكّد دلالة الاختراع والإبداع في خلق الله، مما يثبت وجوده.
وقد يجتمع في الصورة الدلالتان معا كقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ القصص: ٧١ - ٧٢.
فهذه الصور الكونية بدلالتي العناية والاختراع على تعبير ابن رشد، يدركها عامة الناس، ولكن إدراك العلماء لا يتوقّف عند هذا الإدراك والاستدلال البسيط على وجود الله، وإنما يتعمق العلماء في فهم الصور الكونية، لمعرفة حقائقها وقوانينها، فيقوى الاستدلال عندهم باكتشاف هذه القوانين الإلهية الخفية التي تسيّر هذا الكون بدقة وتناسق وإحكام.
وهناك الصور المستمدة من الطبيعة، وعالم الحيوان، تتضمن أدلة عقلية تثبت وجود الله، فالحيوانات متنوّعة، ومصدرها واحد، والتنوّع في خلقها وتكوينها وأجهزتها، ونظام تكاثرها، كما أنها تختلف في فوائدها وألوانها وحياتها وغير ذلك.
فهذا التنوّع أو التمايز في الحيوانات لم يكن مصادفة، وإنما هو دليل على الله. الخالق سبحانه، وقد قامت الصورة بلفت الأذهان إلى أنواع الحيوانات كدليل على الصانع المبدع وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ .. النور: ٤٥، ولفت الانتباه إلى عالم الحيوان المتنوّع والمختلف وَما مِنْ دَابَّةٍ
стр. 424
فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ الأنعام: ٣٨.
وتحريك العقل إلى تأمّل قوانين الله المبثوثة في الكون والتي تمكّن الطيور من التحليق أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ الملك: ١٩.
وتكثر الصور المستمدة من عالم النبات، وما فيه من عجائب وقوانين دقيقة. فالحبة توضع في الأرض فتربو وتنمو وتشق التربة، وتمتد بجذورها في باطن الأرض، وتمتد بساقها فوق سطحها. ثم عالم النبات يختلف في شكله ونوعه، وطعمه، ولونه، ورائحته، وكلّها تسقى بماء واحد، وتزرع في تربة واحدة، ولكنّ النبات يتنوّع، وكذلك الثمار، مثلها كمثل الإنسان في خلقه من ماء ثم التنوّع في الأشكال والألوان والأحجام.
فمبدأ الحياة قائم على وحدة الأصل، ثم التنوّع في الأشكال والألوان والأحجام والطعوم وهذه الظاهرة في الصور الحسية المعروضة أكبر دليل على الله الخالق.
قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ الأنعام: ١٤١.
والإشارة في بعض الصور المتجاورة، إلى قانون السببية، فصورة الثمار أو النبات مرتبطة بنزول الأمطار أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها فاطر: ٢٧، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ الرعد: ٤.
ويكثر اعتماد القرآن على الصور الكونية في إيراد الأدلة العقلية على وجود الخالق.
فالسماوات بغير عمد، أو أمراس تمسكها، كما هو مألوف عند الناس، في تشييد البناء والعمران، وكذلك الأرض، ثم حركة الأفلاك، وحركة الأرض، ودقة قوانين الحركة
في الصور الكونية، وارتباطها بما يتفق مع حركة الإنسان على الأرض، فلا يصطدم بعضها ببعض، ولا تؤثر حركتها في حركة الإنسان الثابتة على الأرض، ودور هذه الحركة الكونية في تعاقب الليل والنهار، وتكوين الفصول والأيام والشهور، بدقة متناهية، وحسابات مضبوطة.
قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها الرعد: ٢، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ النحل: ١٢.
стр. 425
كذلك صورة الرياح بأنواعها الحارة والباردة، والبطيئة والشديدة، والعقيم والممطرة، والرياح اللواقح .. ودقة القوانين الإلهية التي تسيّرها، ومن ذلك قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ الحجر: ٢٢، وغير ذلك من الآيات.
كذلك صور السحاب والمطر والرعد والبرق، ودقة قوانين الله التي تحكمها، وتسيّرها.
قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ النور: ٤٣ - ٤٤.
وصورة الأرض الممهدة، وما فيها من بحار وأنهار وجبال ووديان وصخور، يقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ .. فاطر: ٢٧ - ٢٨.
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ النمل: ٦١.
فهذه الصور الحسية- وغيرها- تحضّ الإنسان على إمعان التفكر فيها، لإدراك ما فيها من أسرار وقوانين لم توجد مصادفة، وإنما بتدبير الله ومشيئته.
وكأن هذه الصور تشير إلى مبدأ «العلّية»، الذي يقول بأنه لا يمكن أن يحدث شيء دون أن يكون هناك سبب أو علّة لحدوثه، تصلح أن تكون تفسيرا حقيقيا له «٥».
وهي تدعو إلى التعرف على الكون لفهم أسراره وقوانينه، للاستفادة منها في حياة الإنسان، فأحيانا علاقة الصور بعضها ببعض، وتجاورها في السياق- تكون معتمدة على قانون السببية، فصورة الأمطار الهاطلة، تتبعها مباشرة صورة النبات الطالع.
والإشارة إلى مسألة الكميات، والمقادير، والعدد، والوزن، والإحصاء. كقوله تعالى:
وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ المزمل: ٢٠، وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ الحجر: ١٩.
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ
стр. 426
رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ الإسراء: ١٢.
فهذه الصور تتضمن الأدلة العقلية على وجود الله، لأن العقل لا يقبل أن يوجد شيء من غير موجد أوجده، فالشيء الموجود لا بدّ له من موجد.
كما أن هذه الصور الحسية، وإلحاحها على التدبر في الكون المحسوس، فتحت الطريق أمام المسلمين للعلم التجريبي، يقول محمد إقبال: «والقرآن يصرح بوجود مصدرين للمعرفة هما الطبيعة والتاريخ، وروح الإسلام تتجلى في أحسن صورها، وهي تفتح طريق البحث في هذين المصدرين كما جاء في الآيات التي تذكر الشمس والقمر وامتداد الظل، واختلاف الليل والنهار والألسن والألوان، وتداول الأيام بين الناس، وهذه الدعوة إلى عالم الحس والاستشهاد به هي التي انتهت بالمسلمين إلى الاتجاه التجريبي العام، وجعلت منهم آخر الأمر واضعي أساس العلم الحديث» «٦».
ويعتمد إبراهيم ﵇ على الصورة الكونية في مناظرته للنمرود، فيورد الدليل، ثم ينتقل إلى دليل آخر لإفحام خصمه بدليل لا يقبل المغالطة فيه.
يقول تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ... البقرة: ٢٥٨.
فهذه الصورة القائمة على المناظرة، تحمل أدلة عقلية، وبراهين وحجج على وجود الله.
فإبراهيم ﵇ يعتمد على صورة الإماتة والإحياء التي لا يقدر عليها إلا الله، ولكن النمرود غالط في هذا الدليل، وصرفه عن حقيقته في الخلق من العدم إلى ظاهره، ولم يشأ إبراهيم أن يجادله في مغالطته، وبيان فساد استنتاجه في فهم دلالة الصورة المعجزة، وفضّل أن ينتقل إلى دليل آخر، مستمد من الصورة الكونية التي لا تقع ضمن سلطة النمرود، وهي حجة عقلية ساطعة مفهومة للعوام والخواص، وهي أشد إقناعا وإفحاما.
لذلك كان التعقيب على الاحتجاج بالصورة الكونية هو عجز النمرود، وإفحامه بالدليل، وظهور الحقيقة الساطعة للعيون، والمفحمة للعقول، فجاء قوله: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ بتصوير حالة الاندهاش من قوة الدليل العقلي، والحجة الدامغة للخصم.
стр. 427
وهناك مناظرة أخرى لإبراهيم مع عبدة الكواكب والنجوم، فاستدل إبراهيم على وجود الله من خلال الصور الكونية، واستدل من حدوثها على بطلان عبادتها، لأنها حادثة، وكل حادث بحاجة إلى محدث ينتهي إليه، وإلّا أدى الدور المتسلسل في القول بالمحدث التالي إلى ما لا نهاية، وهذا ممتنع عقلا.
يقول تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الأنعام: ٧٥ - ٧٩.
فإبراهيم يسوق الأدلة العقلية بحيث يوافق الخصم فيما يرى ويجاريه في المبدأ، حتى يظهر له بطلان اعتقاده من خلال إبراز الأفول والزوال للصور الحسية المحدثة، وكونها لا تصلح أن تكون آلهة لهذه العلة وهي الحدوث والأفول، ثم يتوصل مع الخصم في النهاية إلى المخالفة في الاعتقاد بالنجوم والتوصّل إلى حقيقة الألوهية.
وإبراهيم لم يكن شاكّا، وإنما أراد إقامة الحجة وإقناع الخصم، فسلك منهج مجاراة الخصم فيما يعتقد لإقامة الدليل القاطع عليه، من خلال الموافقة في العبارة على طريق الإلزام للخصم وهذه طريقة بليغة في المناظرة، قوية الحجة والبرهان. فإبراهيم كان في مقام المناظرة مع قومه، كما قال بذلك ابن كثير والرازي والقرطبي والزمخشري وأبو السعود «٧».
كذلك نلاحظ أنّ الصورة تعتمد على (دليل التمانع) في إثبات عقيدة التوحيد، عن طريق الاستدلال بنظام الكون المحكم، وعدم اختلاله أو تصادمه، وقد يسمى هذا الدليل (بقياس الخلف) «٨»، وهو إثبات المطلوب بإثبات نقيضه «٩».
ومن ذلك قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا الأنبياء: ٢٢.
стр. 428
وقوله أيضا: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ المؤمنون: ٩١.
فالصورة الأولى تلفت أنظار الإنسان إلى بناء الكون بإحكام ونظام دون اختلال أو اضطراب، وهذه الصورة المحكمة تدل على أن الله واحد، لأنه لو كان هناك أكثر من إله لأدى ذلك إلى اختلال في الصورة الكونية المحكمة، لاختلاف الإرادتين وتناقضهما، وهذا الاختلاف يؤدي إلى الفساد في بناء الكون، والإخلال بنظامه، وحين لا نرى هذا الفساد في الكون والحياة فإن هذا دليل الوحدانية، ونفي لتعدد الآلهة.
والصورة الثانية ترسم حركة مضحكة في المخيّلة، على افتراض وجود آلهة متعددة، فكل إله يذهب بمخلوقاته، بعيدا عن الآخر، وتلقي الصورة ظلّ استحالة وقوع ذلك لانتفاء الاختلال في الكون والحياة. ثم ترسم صورة أخرى للآلهة المتعددة، يعلو بعضهم فوق بعض، وصراع الآلهة على المخلوقات وانحياز الخلق كل إلى إلهه الخاص به.
ويلاحظ هنا أن الصورة المرسومة تقود الإنسان إلى التسليم بحقيقة التوحيد، من خلال افتراض المحال، وبيان فساد هذا الافتراض في حال وقوعه.
فالصورة تؤكّد على توحيد الألوهية، وافتراض آلهة متعددة محال، لما يلزم منه من المحال «١٠».
فالقرآن الكريم، يعتمد التصوير الفني في إثبات عقيدة التوحيد، ومخاطبة العقل البشري من خلال الصورة المرسومة لتحقيق التأثير الوجداني أيضا.
يقول الدكتور محمد عبد الله دراز في أدلة القرآن على العقيدة إنها «تجمع بين العمق والوضوح والدقة. اقرأ قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ. وانظر كيف يكون الاستدلال والتهويل والاستعظام في هذه الكلمات القليلة! بل الدليل نفسه جامع بين عمق المقدمات اليقينية، ووضوح المقدمات المسلمة، ودقة التصوير، لما يعقب التنازع من الفساد الرهيب، فهو برهان خطابي وشعري معا، وهذا ما لا نجده في كتب الحكمة النظرية» «١١».
стр. 429
ويعرض القرآن صورا حسية متعددة، تدعو إلى التفكر والتأمل، وإقرار عقيدة التوحيد يقول تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها، أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ يَبْدَؤُا
الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
النمل: ٥٩ - ٦٤.
فهذه الصور بأنواعها المتعددة تخاطب الحس والعقل، والفكر والوجدان، وتلمس النفس، لإقرار عقيدة التوحيد في النفوس.
وتعتمد الصورة في تحريك العقل وإيقاظه، وإقامة الحجة والبرهان على أسلوب الاستفهام المتكرر المثير للذهن، والدافع إلى الإقرار بهذه المقدمات البرهانية الواردة في الاستفهام، لأنها حقائق ثابتة، تصلح أن تكون مقدمات ليقر المخاطب بها، ويعترف بالله خالقا ورازقا ومدبرا، «وهذا النوع من أحسن جدل القرآن بالبرهان، فإن الجدل إنما يشترط فيه أن يسلم الخصم بالمقدمات، أو أن تكون البيّنة معروفة، فإذا كانت بيّنة معروفة كانت برهانية» «١٢».
فهذه الأسئلة المتكررة في الصور المعروضة بمنزلة مقدمات للوصول إلى عقيدة التوحيد، التي هي النتيجة لتلك المقدمات.
والقرآن الكريم يطرح الأسئلة، ولا يصرّح بالجواب، لأنه من البداهة بعد هذه الصور المتلاحقة بحيث لا يحتاج إلى تصريح، فهو مستقر في داخل العقول والنفوس.
وهذه هي طريقة القرآن في تصوير عقيدة التوحيد، يخاطب العقل والوجدان معا من خلال اعتماده على الصورة الفنية.
واعتماد الصورة على الاستفهام المثير للذهن، والمحرك للعقل كثير في القرآن الكريم،
стр. 430
لإقامة الحجة والبرهان كقوله : أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ البلد: ٨ - ١٠، وكقوله تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ يس: ٨١.
ويعتمد القرآن الكريم في الاستدلال على (القياس التمثيلي)، والمراد به إلحاق أحد الشيئين بشيء آخر فيقيس المستدل الأمر الذي يتبنّاه على أمر معروف، عند من يخاطبه، أو على أمر بدهي لا تنكره العقول «١٣».
والأمثال القرآنية من هذا النوع، فهي تعتمد منهجا عقليا في الاستدلال على الموضوعات الدينية التي تقررها، وهي أقوى حجة، وأقرب فهما.
وعلة ذلك كما يقول قدامة: «لأن الخبر في نفسه إذا كان ممكنا فهو يحتاج إلى ما يدل عليه وعلى صحته، والمثل مقرون بالحجة، ألا ترى أن الله لو قال لعباده: إني لا أشرك أحدا من خلائقي في ملكي، لكان ذلك قولا محتاجا إلى أن يدل على العلة فيه، ووجه الحكمة في استعماله، فلما قال: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ الروم: ٢٨ كانت الحجة من تعارفهم مقرونة بما أراد أن يخبرهم به من أنه لا شريك له في ملكه من خلقه، لأنهم عالمون أنهم لا يقرون أحدا من عبيدهم على أن يكون فيما ملكوه مثلهم بل يأنفون من ذلك، ويدفعونه، فإن الله أولى بأن يتعالى عن ذلك» «١٤».
وقال الأصبهاني (ت ٣٥١ هـ): «وفي ضرب الأمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة وقمع لسورة الجامح الأبي، فإنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثر في وصف الشيء في نفسه، ولذلك أكثر الله تعالى في كتابه، وفي سائر كتبه الأمثال» «١٥».
وقد أشار القرآن الكريم إلى قوة الدليل العقلي بالأمثال يقول الله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً الفرقان: ٣٣.
فالأمثال تعدّ من أقوى طرق الاستدلال، والموازنة العقلية في إثبات الحقائق الدينية وإقامة الحجة والبرهان على الخصوم.
стр. 431
لهذا اعتمد القرآن أحيانا على الأمثال في إثبات البعث بعد الموت، لأنّ الأمثال تتضمن أدلّة عقلية قاطعة في إثبات هذه القضية. يقول الله تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ... يس: ٧٨ - ٧٩.
فالمثل يضع أمام الإنسان المنكر للبعث صورته الأولى في الخلق، وما فيها من قدرة وإعجاز، فالقادر على الخلق على غير مثال ابتداء، قادر على الإعادة بداهة، بل إن الإعادة تبدو أهون من الابتداء في الخلق على غير مثال، وهذا هو الاستدلال الأول.
ثم هناك استدلال آخر بمظاهر الطبيعة، فصورة النار المشتعلة من الشجر الأخضر، دليل على قدرة الله في الجمع بين المتضادات مثل الماء والنار، وهذا دليل عقلي آخر على قضية البعث بعد الموت التي تبدو في ذهن المنكرين لها من المتضادات المستبعدة، ولكن القرآن يقربها بالصورة المحسوسة لاشتعال النار في الشجر الأخضر.
وبذلك ينتفي الاستبعاد، وتتحقق القدرة الإلهية في الخلق والإماتة ثم في البعث والنشور. ثم جاء بدليل عقلي أكبر، فلفت العقل الإنساني إلى هذه الصورة الكونية الضخمة في خلق السماوات والأرض، وما فيها من كواكب ونجوم، وأسرار وعجائب، وما في الأرض من جبال وسهول وبحار ورياح ... إلخ.
فالمثل هنا يخاطب العقل بالأدلة البدهية، والبراهين المنطقية، فأقام عليه الحجة أولا من نفسه، ثم انتقل به إلى دليل من الطبيعة في اشتعال النار من الشجر الأخضر، ثم انتقل به إلى دليل أكبر مستمد من هذا الكون الواسع.
إنّ هذا الاستدلال على قضية البعث بعد الموت يعدّ من أقوى الاحتجاج العقلي، حيث تحوّلت القضايا الكبيرة والمعقدة إلى قضايا مدركة ومصورة للناس.
وأحيانا تعرض هذه القضية على شكل محاورة أيضا بين مؤمن وكافر في إطار من الاستدلال العقلي.
قال تعالى: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا الكهف: ٣٧.
فالحوار بين الاثنين يكشف عن إنكار الكافر للبعث بعد الموت، فيردّ عليه المؤمن بوضع صورة خلقه من العدم، ثم يصوّر له مراحل نموه، ليظهر له قدرة الله سبحانه.
стр. 432
وفي ذكر التراب إيحاء بخلق الإنسان من العدم، وأيضا بنهايته إلى التراب.
ولو فكر الإنسان بخلقه من العدم، ثم ما مرّ به من أطوار في خلقه وتكوينه قبل أن يصبح رجلا سويا ما أنكر قدرة الله على بعثه من جديد.
وفي قضية عيسى ﵇ يعتمد القرآن أيضا على القياس التمثيلي.
قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ... آل عمران: ٥٩.
فالصورة تخاطب عقل الإنسان ببداهة ويسر، دون اللجوء إلى الأساليب الفلسفية الجامدة فتجعل خلق عيسى كخلق آدم، كلاهما معجز، بل إنّ خلق آدم أكثر استغرابا ومع ذلك لم تثر حول خلقه الشبهات، ولم يقل أحد بألوهيته.
ويتضح من هذه المقايسة أو الموازنة أن الإعجاز في الخلق واحد، في آدم وعيسى وسائر البشر، فالله يخلق كيف يشاء بدون أب ولا أم كآدم، ومن أم بلا أب كعيسى، وخلق الناس من أب وأم كما هو معروف عندهم.
وقد تستمد مادة المقايسة من واقع المشركين، فيضرب المثل عليها ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الروم: ٢٨.
فهم لا يسوّون عبيدهم بأنفسهم في أملاكهم، والقياس العقلي يقتضى أيضا ألا يرتضوا لربهم شريكا في ملكه.
فهم متناقضون في تصورهم للأمور، ينسبون لله الشركاء، وهم يأنفون من الشركاء في أملاكهم.
فالصورة تعقد المشابهة بين واقعهم الرافض لمساواة العبيد لهم في أملاكهم، وبين اتخاذهم مع الله شركاء، فيتضح في القياس التمثيلي فساد تصورهم وتناقضهم.
كما تعتمد الصورة على (قياس المساواة) «١٦» في إثبات قضية البعث.
فإعادة الخلق بعد الموت تقاس على بداية الخلق من العدم كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ الأعراف: ٢٩، كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ الأنبياء: ١٠٤.
كما تعتمد الصورة في إثبات هذه القضية على مشاهد من الطبيعة، وحركة إنبات
стр. 433
النبات من الأرض الميتة وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ق: ٩.
فكما أن النبات ينمو من الأرض الصلبة، فكذلك يبعث الإنسان منها من جديد، وتعود له صورته وشكله كما تعود للأشجار أوراقها بعد تساقطها.
إن هذه الصور المحسوسة من عالم النبات والأمطار، تعرض لإثبات قضية فكرية معقدة، ولكن تصويرها بما يحس ويشاهد من صور النمو في النباتات والثمار تجعلها من البدهيات العقلية.
وهذه هي طريقة القرآن في مخاطبة العقل لإقناعه بالقضايا الدينية، يخاطبه بمنطق الفطرة الكامنة فيه، والصورة هي وسيلة التأثير في فطرته ووجدانه، والوسيلة لإقناعه أيضا، وتلجأ الصورة القرآنية للإقناع بفكرة البعث بعد الموت، بربط صورة النبات بالأرض الميتة وربط صورة الإنسان بالخلق من تراب.
وتترك للعقل أن يقارن بين الصورتين، ويتفكر فيهما، ليستدل ويستنبط، ويتوصل إلى القناعة بالفكرة بأسلوب بسيط واضح.
قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الحج: ٥ - ٦.
فالأدلة العقلية واضحة في صورة نشأة الإنسان من عدم، وأطوار خلقه، وما فيها من قدرة وإعجاز، وفي صورة الأرض الهامدة التي تحيا بمجرد ملامسة المياه لها، فينمو فيها النبات ويكبر.
إنها صور مألوفة، تحرك العقول على حقائق الحياة، وحقيقة البعث بعد الموت، حتى تبدو بدهية مدركة من خلال هذه الصور المعروضة.
ويلحّ القرآن الكريم في الاستدلال على قضية البعث بعد الموت بالصور الحسية المستمدة من عالم الإنسان ومشاهد الأرض، حتى تصبح هذه القضية مدركة ومن البدهيات
المسلّمة.
كقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها،
стр. 434
وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ، وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ، وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ، وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ، وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الروم: ١٩ - ٢٤.
يعرض القرآن الكريم في هذه الآيات صورا محسوسة متنوعة، يخاطب بها عقول الناس، لتقريب صورة البعث بعد الموت، والاستدلال بهذه الصور على إمكانية الحياة بعد الممات، وإقامة الحجة على الخصوم والمعاندين لهذه القضية من الواقع المحسوس.
فيخاطب عقولهم وقلوبهم من خلال طريقة القرآن التصويرية التي تؤدي وظيفتها الدينية بلغة الفن والجمال لتحقيق التأثير الوجداني، فتبدو القضايا الفكرية التي تعبر عنها الصور هينة بسيطة، تتغلغل إلى العقول والقلوب بيسر دون جهد أو تعقيد أو جدل ذهني جاف.
فصورة الحياة والإماتة ملحوظة كل يوم في الإنسان والأشياء والنباتات.
فصورة خلق الإنسان من العدم، صورة للحياة من العدم، وصورة إحياء الأرض الميتة بالنبات دليل على إخراج الموتى من القبور.
ثم تأتي صورة الإنسان في نشأته من تراب، ثم صورة البشر بعد ذلك في انتشارهم في الحياة بأشكالهم وألوانهم وأحجامهم، تدلان على قدرة الله وإعجازه.
وتبدو صورة إحياء الموتى بدهية معقولة أمام صورة خلق الإنسان من عدم، ثم صورة البشر المنتشرين.
ثم يضع القرآن صورة كونية ضخمة إلى جانب الصورة الإنسانية المتقدمة، للاستدلال بها وإقامة الحجة والبرهان على قضية البعث.
ثم هناك الدليل اليومي على قدرة الله في الإماتة والإحياء يمرّ بها كل مخلوق، فصورة النوم فيها همود، وانقطاع وسكون كصورة الموتى، ثم تعقبها حركة الاستيقاظ وفيها حياة وحركة ونشاط، ثم هناك أيضا صورة الأرض الجرداء الميتة التي تحيا بالمطر، فتنبت الزروع والثمار.
стр. 435
فالقرآن الكريم يعرض هذه الصور، لتقوم بوظيفتها في مخاطبة عقل الإنسان، والتأثير في وجدانه لذلك جاءت الفواصل القرآنية في التعقيب على هذه الصور بقوله: «يتفكرون- للعالمين- يسمعون» وختمت ب «يعقلون».
ويصور القرآن الكريم الأصنام جامدة صمّا، ليلفت انتباه الانسان العاقل إلى أن عبادتها باطلة لأنها تفقد مقومات الحياة، وبالتالي تفقد القدرة على النفع أو الضر.
يقول تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ الأعراف: ١٩٥.
ويصور القرآن أصنامهم عاجزة عن خلق ذباب ولو تعاونوا على ذلك. قال الله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ الحج: ٧٣.
فالصورة هنا تخاطب العقل الذي ضلّ وتاه عن الحقيقة، وذلك بعرض صورة الأصنام أمام عينيه، ليتأمّلها ويدرك حقيقتها، فهي عاجزة عن خلق أي شيء ولو كان ذبابا، بل إنها أعجز من أن ترد الذباب عنها، أو تسترد ما سلبه منها.
وكما يصور القرآن الكريم عجز الأصنام، معتمدا على الاستدلال المنطقي، والبرهان العقلي. فإنه يدعو أيضا إلى استخدام العقل في حقيقة الجهود المبذولة في عبادة من لا يملك ضرا ولا نفعا.
قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ العنكبوت: ٤١.
فالعنكبوت تنسج خيوطها لتحمي نفسها، ولكنّ جهودها ضائعة، لأن بيتها هذا واه ضعيف والاحتماء به ضرب من الوهم.
وكذلك المشركون في عبادتهم للأصنام، لا تفيدهم ولا تحميهم، فهي خيوط العنكبوت، في أوهامها وضعفها.
والاستدلال هنا مستمد من واقع الحياة المحسوسة، لإثبات وهم المشركين في عبادة الأصنام، وضعف هذه العبادة لأنها تقوم على أساس واه واهم.
وبذلك تؤدي الصورة وظيفتها العقلية، من خلال الصور الكونية الموحية بالتدبير والنظام
стр. 436
والإحكام والصور الحسية، المؤثرة في النفس والحس، والمثيرة أيضا للفكر والعقل.
وطريقة القرآن التصويرية تؤدي وظيفتها بمخاطبة العقل والوجدان معا، لإقناع العقل بالحجة والتأثير في الوجدان.
وهذه الطريقة التصويرية في التعبير عن القضايا الدينية أفضل من طريقة الفلاسفة المعتمدة على الأقيسة المنطقية بمقدماتها الطويلة، والتجريدية الجافة، والتي تقدم المعرفة العقلية البحتة المحصورة في الخاصة دون العامة.
بينما طريقة القرآن التصويرية، تخاطب العقل والقلب معا، وتهدف إلى الإقناع والتأثير، لأنها تخاطب الفطرة الإنسانية. وبذلك تتحول القضايا الفكرية إلى حقائق بدهية، بينما الفلاسفة يحوّلون الحقائق إلى قضايا معقدة يكثر فيها الجدل الذهني بلا فائدة.
يقول أبو عبد الله الرازي: «لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن» «١٧».
وطريقة تصوير الحقائق الدينية أو الفكرية، تنسجم مع القرآن الكريم باعتباره كتاب دعوة وهداية للناس جميعا، والناس يختلفون في مداركهم وقدراتهم وثقافتهم، فاقتضى ذلك أن يختار القرآن طريقة تؤدي إلى تحقيق دعوة الناس جميعا، وذلك بمخاطبة فطرتهم من خلال الاعتماد على الصور المحسوسة.
فتميزت طريقته التصويرية بأنها تخاطب العقل والوجدان معا، فتعطي العقل دليلا مقنعا وتغرس في القلب إيمانا راسخا.
كما أن الصورة تقوم أيضا بوظيفة بناء عقل الإنسان، وتشكيله من خلال حثّه على التأمل في الكون، واستخدام طاقته العقلية في اكتشاف أسراره وقوانينه.
كما تضع بين يديه ربط النتائج بأسبابها من خلال الصور التي تحدثنا عنها في هذا الفصل.
وتدعوه إلى اعتماد حواسه في اكتساب المعرفة بالإضافة إلى الوحي الذي يمده بمعرفة ما وراء المحسوسات.
فالإنسان الذي تخاطبه الصورة القرآنية وتبنيه، هو إنسان عاقل مفكر، متدبر في هذا
стр. 437
الكون يدرك قوانينه وأسراره، ويجول بفكره فيه، ولكن هذا العقل الإنساني ليس وحده مصدر المعرفة وإنما هناك أيضا الوحي، وبذلك تكتمل المعرفة الإنسانية بالجمع بين ثمار العقل، ووحي السماء.
فيتحرك العقل في مجاله المحسوس المنظور، ولا يضيع طاقته وجهوده في البحث عن ما وراء المحسوس، حتى لا يضيع ويتشتت، ويأخذ ذلك من المصدر الثاني للمعرفة وهو الوحي.
стр. 438
الفصل الرابع الوظيفة الدينيّة
هذه الوظيفة هي المحور الثابت الذي تدور من حوله الوظائف الأخرى للصورة، بنوعيها القريبة والبعيدة، لأنّ طبيعة الصورة الفنية في القرآن الكريم، فكرية، تحمل رؤية دينية، وليست صورة شكلية تزيينية مجردة عن الغرض.
فهي تخاطب الإنسان بحقائق الدين، وتسعى إلى إقناعه والتأثير فيه.
وهذه الوظيفة الدينية، تنبثق من طبيعة النص القرآني ذاته، باعتباره كتاب هداية للبشر، متميّز بمصدره الرباني، وحقائقه الدينية، وأسلوبه المعجز.
وقد استحق الإنسان هذا التكريم بإنزال هذا الكتاب المعجز، لأن الإنسان أيضا متميّز عن بقية المخلوقات الأخرى، في صورته واستعداداته وقدراته الذهنية والعقلية والروحية.
لهذا أعلن الله سبحانه عن مولده أمام الملأ الأعلى، وأمر الملائكة أن يسجدوا له، إشعارا لهم بتميّزه في الحياة، ودوره في تحمل أمانة التكليف، ومسئولية الاختيار والإرادة دون سائر المخلوقات الأخرى.
وقد خلقه الله من طبيعة مزدوجة «من مادة وروح» انبثقت منها استعدادات مختلفة أو طاقات متعددة، متقابلة في كيانه الموحد، تعمل كلها بنشاط وحيوية، فتؤهله إمّا للصعود إلى الأعلى، والسمو بمشاعره وأفكاره وسلوكه، وإمّا للهبوط إلى الأدنى أيضا.
ففيه القابلية للخير والشر، والهدى والضلال، والاستقامة والانحراف ..
هذه الطبيعة المزدوجة، مرتبطة أو متناسقة مع تحمّله الأمانة، ومسئولية الاختيار بين الخير والشر.
стр. 439
وساعده الله في اختيار الخير ب «الفطرة» الأصلية في كيانه، وهي فطرة تدعوه إلى الخير والإيمان، ولكن هذه الفطرة يعلوها ركام الأهواء والشهوات، فتختفي وراء هذا الركام الثقيل، وتظل تنتظر انتفاضها من تحت ركام الجهل والغواية والأهواء، لتوجه الإنسان نحو الخير والهدى والإيمان، ومن أجل مساعدة الإنسان على الاختيار، أنزل الله القرآن الكريم، يخاطب به فطرة الإنسان، من خلال اعتماده على الصورة الفنية، الأداة المفضلة في أسلوبه المعجز.
فخاطب الفطرة بمشاهد الطبيعة، والأمثال، والأحداث الواقعة، والقصص الماضية، ومشاهد القيامة، والنماذج الإنسانية .. وكلها تهدف إلى تحقيق الأغراض الدينية من وراء التصوير الفني لها.
فالوظيفة الدينية هي الأساس لكل الوظائف الأخرى، وهي التي تميّز الصورة الفنية في القرآن الكريم عن الصورة في الأدب.
فالصورة في القرآن تحمل فكرا دينيا، واضح المعالم والسمات، يكسب الصورة التي تحمله وحدة وانسجاما مع بقية الوظائف، أو هي الرباط المتين الذي يشدّ الوظائف بعضها إلى بعض ضمن نظام العلاقات والوشائج الذي تقوم عليه الصورة، وهذا ما يضفي عليها شمولا وتوازنا وإيجابية وواقعية، وهي تصوّر الحقائق الدينية، وتخاطب بها عقل الإنسان ووجدانه، فتحاول إقناعه والتأثير فيه.
وهذه الصورة هي الأداة المناسبة لمخاطبة الكينونة الإنسانية، بما فيها من طاقات عقلية وحسية ونفسية، واستعدادات واتجاهات، لأنها تدخل إلى الفطرة والنفس الإنسانية، بلغة فنية موحية. فيها التصوير الموحي، والإيقاع المؤثر، والإيحاء المعبر، والحركة، والظلال، والألوان، المصاحبة للصورة. وقد بلغت الصورة في القرآن حدا معجزا تشكيلا ووظيفة.
والقضية الأساسية في القرآن الكريم هي «قضية الألوهية» فقد جاء القرآن الكريم ليعرّف الإنسان، بخالقه، وخالق الوجود، والكون والحياة، ويعرّفه، بصفاته، وأفعاله، وقدرته وآثار قدرته، في الحياة والإنسان والكون.
من هنا نلاحظ أن الصورة القرآنية تركّز على هذه القضية «الألوهية» فتوضحها، وتبرز آثارها، في مشاهد الطبيعة، والأمثال، والقصص، والحوادث، ومشاهد القيامة ... كما تعنى
стр. 440
بإبراز آثارها في الإنسان منذ نشأته ونموه، وأطوار هذا النمو، وسلوكه، وتاريخه الطويل، وعلاقته بربه، وبالرسل، كما تعنى برسم نماذجه المتعددة، وتغطي الصورة الإنسانية مساحة واسعة من الصورة الفنية في القرآن الكريم، لأن الإنسان هو المقصود بهذا الخطاب القرآني.
فقضية الألوهية هي نقطة الارتكاز الأساسية لجميع الموضوعات والأغراض الدينية والصور الفنية والصورة الإنسانية المعروضة في القرآن ليست مفصولة عن موضوع «الألوهية»، فالله سبحانه يخاطب الإنسان بالحقائق الدينية، عن طريق التصوير الفني لها، للتأثير فيه، وإقناعه بأنّ هذا القرآن منزل من عند الله، وإعجاز القرآن، دليل على ذلك.
وهذا يعني أن الوظيفة الفنية مرتبطة هي الأخرى بهذه الوظيفة الدينية للصورة.
وتؤكد الصورة الفنية في القرآن بكل مشاهدها المرسومة، أن هذا الوجود راجع كله بما فيه إلى «الله» الذي صدر عنه أولا، وإليه يعود في النهاية.
والمساحات التي ترسمها الصورة في الفكر والشعور، مساحات واسعة في الزمان والمكان، ابتداء من الله الخالق وفي العودة إليه للحساب.
فهي تصوّر الكون، ودقائق الحياة، ودقائق الوجود، ما تدركه الحواس، وما لا تدركه الحواس، كما تصور الإنسان تصويرا دقيقا يشمل خلقه، وتكوينه، ودوافعه، وعواطفه، وسلوكه، وتاريخه، وعلاقته بربه، وحياته في الدنيا، وأنماط سلوكه فيها، وامتداد حياته في الآخرة، وجزاءه على عمله ثوابا وعقابا.
فالصورة، توضّح حقيقة الألوهية، وآثارها في الكون والحياة والإنسان، كما توضّح حقيقة العبودية، في انقياد الكون والحياة والإنسان، لهذه الألوهية المهيمنة على الوجود كله.
فهناك «الألوهية» تقدّم في أجمل صورة وعاها الإنسان تجمع بين الجمال والجلال، في الأسماء، والصفات، والأفعال.
و «العبودية» المتمثلة في الكون والحياة والإنسان، وخضوع هذه الحقائق الثلاث لله سبحانه. فالله هو الخالق لكل شيء، والقادر علي كل شيء، والمهيمن على خلقه، فلا يقع شيء إلا بأمره وعلمه، وهو المتصرّف في ملكه، وهو المطّلع على كل شيء فيه ظاهره وباطنه، وهو واحد لا شريك له، ولا مثيل، ولا نظير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار،
стр. 441
وإليه ترجع الأمور، ويرجع الخلق للحساب والجزاء.
هذه صورة «الألوهية» كما تتضح في القرآن الكريم، تعرض ببساطة ووضوح، دون تعقيد أو غموض، فليس فيها شيء مما أصاب انحرافات الديانات الأخرى، فهي تهزّ أعماق الإنسان، لأنها تدرك بلا كدّ أو إرهاق ذهني، تخاطب بها الفطرة، فتستجيب لها.
يقول الله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ الإخلاص: ١ - ٤.
فحقيقة الألوهية هي «التوحيد» تصوّر هنا بوضوح وصفاء، من خلال الاعتماد على أسلوبي الإثبات والنفي، والمدركات الحسية القريبة من الأفهام، فتبلغ بذلك أجمل تصوّر للألوهية وأروعه وأعظمه.
ولكنّ الفطرة قد تنحرف في تصورها عن الألوهية، كما وقع للنصارى واليهود، وقد صوّر لنا القرآن هذا الانحراف بقول الله جلّ وعلا: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ التوبة: ٣٠.
وصورة قولهم بالأفواه صورة حسية يستحضرها القرآن على طريقته التصويرية لكي تصبح مسموعة ومرئية حتى يدرك الإنسان بشاعتها، كما أنها توحي بأن هذا قول بالأفواه ولا رصيد له من الواقع.
وقد يقابل القرآن الكريم بين الصورتين المتناقضتين عن الألوهية، كقوله تعالى: قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ، لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ يونس: ٦٨.
فالمقابلة بين الصورتين- على ما بينهما من تباين- يقصد بها تحريك العقل ليدرك حقيقة الألوهية بصورة صحيحة.
فالصورة الفاسدة المرسومة في أذهان النصارى واليهود عن الألوهية، تنطلق من تصوّر الألوهية من خلال الطبيعة البشرية المحتاجة إلى الامتداد في الأولاد، ولم يدرك هؤلاء الفارق بين صورة الخالق، وصورة المخلوق، فحقيقة الألوهية باقية خالدة، والبقاء أو الخلود في غنى عن الأولاد، بينما الإنسان الفاني بحاجة إلى الأولاد ليشعر
بالامتداد عبر أولاده.
стр. 442
والخلود دليل القوة والقدرة، والفناء دليل الضعف والحاجة، لذلك نجد الله سبحانه يرسم لنفسه صورة مطلقة منزهة، في الغنى المطلق، والملك المطلق لما في السماوات والأرض.
هذه الصورة المطلقة والمنزّهة عن الشبيه والمثيل في الغنى والملك والقدرة، تنسف الصورة الفاسدة المشوّهة في أذهان اليهود والنصارى عن الألوهية.
وقد جادل القرآن العرب جدلا تصويريا، لإثبات عقيدة التوحيد، وبيان زيف عبادة الأوثان، فرسم للأصنام صورة زريّة فهي حجارة لا تدرك ولا تبصر ولا تسمع، جامدة لا تتحرك:
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها الأعراف: ١٩٥.
وصورة الأصنام وهي على هذه الحالة الجامدة الفاقدة لمقوّمات الحياة، تتناسق مع صورة العرب الذين يعبدونها، بعد أن عطّلوا هم حواسهم أيضا، فأصبحوا في جمودهم كالحجارة الجامدة التي يعبدونها.
ويناقش القرآن قضية تعدد الآلهة، بأسلوبه التصويري، مبينا فسادها، من خلال رسم صورة مضحكة للآلهة المتعددة: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ .. المؤمنون: ٩١.
ويتخذ من نظام الكون المحكم دليلا على فساد فكرة تعدد الآلهة، وذلك في قوله تعالى:
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.
فصورة الآلهة المتعددة تجاورها وتلازمها، صورة كونية مضطربة ومختلفة، وبالمقابل فإن صورة الكون المحكم والمتناسق يوحي بالوحدانية لله .
هكذا تعرض قضية توحيد الألوهية بيسر وبداهة، دون تعقيد أو جدل فلسفي غامض.
فالأدلة على الوحدانية كثيرة، وهي في الكون المحكم، والحياة المتناسقة معه.
ونظرة واحدة يلقيها الإنسان في الكون والحياة، تكفيه للتوصّل إلى الألوهية الحقّة.
كما يصور القرآن عجز الأصنام بصورة ساخرة محقرة لعبادتها، وذلك في قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ... الحج: ٧٣.
كما أن القرآن الكريم، يرسم صورة للألوهية الحقّة، يقرّبها من ذهن الإنسان، ليملأ بها
стр. 443
قلبه وشعوره وفكره، ولا يتركه للأوهام، والتصورات الخاطئة المنحرفة، وهي صورة تجريدية تنزيهية، تنطلق من القاعدة الأساسية وهي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشورى: ١١ فتبتعد بذلك عن الشبيه والمثيل.
يقول الله تعالى في ذلك: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ الفتح: ١٠ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ البقرة: ١١٥ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ هود: ٧ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ الزمر: ٦٧ وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا الفجر: ٢٢ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ النور: ٣٦.
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً الفرقان: ٥٩.
وهي صورة توحي بالهيبة والجمال والجلال، لذلك حين طلب موسى الرؤية، خرّ صعقا ولم يتحملها، يقول تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً الأعراف: ١٤٣.
ولكن البشر ينعمون في جنة الخلد بهذا الجمال الإلهي وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ القيامة: ٢٢ - ٢٣.
وترتبط جميع الصور القرآنية بأسماء الله، وصفاته، وأفعاله، ضمن نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية والفكرية.
وأسماء الله وصفاته، توحي بالكمال المطلق، والجمال والجلال.
فالله هو الخالق والمدبر، والقادر والمهيمن، والمتصرف، وهو واحد، صمد، لا شريك له في ملكه وهو رحيم، ورحمن، ورءوف، وقهّار ..
والقرآن الكريم مرة يوجّه القلب البشري نحو أسمائه وصفاته، ومرة نحو آياته وأفعاله في الكون والحياة.
وقد قسّم الدكتور نذير حمدان أسماء الله إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأسماء الجمالية، مثل الرحمن، الرحيم، السلام، القدوس، الغفار، الرزاق، اللطيف، الحليم، الكريم ...
والقسم الثاني: الأسماء الجلالية، مثل المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، القهار، القابض، الباسط ...
стр. 444
والقسم الثالث: الأسماء التي تجمع بين الجمالية والجلالية، مثل الحكيم، الوكيل، العدل، الخبير ... «١»
وهذه الأسماء الجمالية والجلالية، تعرض في الصور الفنية، لتبلغ أسمى الكمال وأعلاه وهي ترد في التعبير والتصوير، وفي التعقيب على التصوير والتعبير، في الفواصل القرآنية كقوله تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ الأنعام: ١٠١.
وقد تدور الآية كلها حول تقريب صورة الألوهية من الأذهان كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ البقرة: ٢٥٥.
ويعتمد التصوير هنا على التجريد والتنزيه، فيبدأ بأجل الأسماء وهو «الله» ثم تعرض صفات الله بأسلوب جميل متناسق.
وأسلوب القصر «إلا هو» يزيد من وضوح الوحدانية في الأذهان، ثم عدّد صفات الله بصور تنفي عنه الشبيه والمثيل، فهو الحي حياة مطلقة أزلية تليق بجلاله، والقيوم القائم على كل شيء والمتصرف فيه، والمدبّر للأمور، والأرزاق ... وتؤكد الصورة على التجريد والتنزيه، فتنفي عنه النوم نفيا مطلقا بنوعيه الخفيف والعميق، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ وهذه الصورة تقريبية، تؤكد قيامه على كل شيء في الحياة، واطلاعه عليه.
كما أنه مالك للسماوات والأرض وما فيهن، ثم إنه لا شريك له في ملكه مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فهو واحد أحد، فرد صمد.
كما أنه يحيط علمه كل شيء، وهو علم مطلق، والإنسان، مكشوف أمام ربه في سلوكه وشعوره، ثم تأتي الصورة الأخرى للدلالة على هيمنته على الكون في سياق التجريد المطلق وَسِعَ كُرْسِيُّهُ توحي بالملك والسلطان، ثم صورة أخرى وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما توحي بالقدرة المطلقة المنزهة عن الجهد والتعب في حفظ السماوات والأرض.
ثم يأتي التعقيب، مؤكدا علوه وعظمته، وهذا التعقيب متناسق مع جوّ الصورة التجريدية
стр. 445
للألوهية، وبذلك تتناسق الصورة تعبيرا وتصويرا وتعقيبا في الدلالة على الألوهية الحقّة البعيدة عن الشبيه والمثيل، كما صوّرها القرآن الكريم دائما.
ويركّز التصوير القرآني على أسماء الله وصفاته وأفعاله، في كل سياق، وكل مناسبة، ليشعر الإنسان بحضور الله معه، ومراقبته له، واطلاعه عليه، فيستقيم ولا ينحرف.
يقول تعالى يصوّر قربه من عباده: إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ هود: ٦١، ويقترض من عباده:
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ الحديد: ١١، وهو يصلّي على المؤمنين هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ الأحزاب: ٤٣، وهو أيضا أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ المدثر: ٥٦، يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ المائدة: ٥٤، فعلاقة الله بعباده، علاقة قرب، وحب، ورحمة ومغفرة ..
ولكنه شديد على الظالمين حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا .. الأنعام: ٤٤ - ٤٥، وينتقم من المجرمين إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ السجدة: ٢٢.
والذين يبتعدون عن الإيمان يستحقون الختم على حواسهم: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ البقرة: ٧، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة.
والصور الفنية كلها يلحظ فيها هذا الحضور الإلهي في أفعال البشر، والتصرف في حياتهم، وأرزاقهم وهذا الحضور الإلهي يبعث الرهبة في القلوب، فيشعر الإنسان بضعفه وعجزه أمام قوة الله وجبروته، لذلك كان القرآن حين يتلى على المشركين يزلزل قلوبهم خوفا وهلعا، ويزيد المؤمنين خوفا وخشية، وقدرة الله تبرز في كل شيء في هذا الكون المحكم البديع، وقد كثرت الصور الكونية المرسومة في القرآن، للدلالة على القدرة المطلقة، وإشعار الإنسان بها، من ذلك: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ، وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ البقرة: ١٦٤.
فهذه الآيات وغيرها تشعر الإنسان بعظمة الله وقدرته، من خلال الصور الكونية المعروضة فيتجه الإنسان إلى ربه مؤمنا ومسبّحا وطائعا. لأن الكون كلّه من حوله منقاد وطائع ومسبح لله تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ الإسراء: ٤٤.
стр. 446
وهذا التسبيح الكوني ليس مستغربا، لأن الوجود كلّه لله، فهو المالك له، والمتصرف فيه.
وهو الخالق له هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ الحديد: ٤.
إن القرآن الكريم بهذه الصور الحسية والمعنوية والمعنوية ينشئ عقيدة، ويبني تصورا للحياة والإنسان والكون، تصورا ربانيا صافيا بعيدا عن انحراف التصورات والعقائد، وتعقيدات الفلاسفة والمتكلمين.
ويصوّر علم الله المطلق، ويقارنه بعلم الإنسان المحدود، وأنّى للمحدود أن يحيط بغير المحدود قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً الكهف: ١٠٩.
وقريب من هذا التصوير قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لقمان: ٢٧.
فالتصوير هنا ينتزع من مشاهدات الناس، ومعلوماتهم لتقريب علم الله إلى تصورهم، فالأشجار والأقلام والبحار والمداد تنفد لأنها محدودة، ويبقى علم الله لأنه غير محدود.
إنه علم مطلق كامل.
أمام هذه الصورة الضخمة في أبعادها، وظلالها، وحقيقتها، تبدو صورة الخلق والبعث مدركة بيسر وبداهة، لذا جاء بعد ذلك قوله تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ لقمان: ٢٨.
ويصوّر القرآن الحضور الإلهي مع الإنسان واطلاعه على سره وجهره، لبعث الخشية في نفسه إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ آل عمران: ٥.
فالكون كله أرضه وسماؤه ملكه، فهو المتصرف فيه، ويد القدرة تمسك به، ومن في الأرض والسماء هم خلقه، فهم لا يخفون عليه، يعلم سرهم ونجواهم، بل إن الصورة ترسم علما مطلقا وهو ما يلحظ في تنكير كلمة «شيء» لتفيد العموم لكل شيء.
ويصوّر القرآن علم الله بغير المنظور أيضا، وهو الغيب: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ فصلت: ٤٧.
стр. 447
فالساعة أمر مجهول، والثمرات في أكمامها لا ترى، والحمل مستور، ولكن ذلك كله مكشوف أمام علم الله، ويترك للخيال أن يستحضر صورة الساعة بأهوالها، والثمرات في أكمامها، والأجنة في الأرحام للإيحاء بعلم الله المطلق.
ويلاحظ أن القرآن يقرب صورة الساعة بوضعها في سياق مع الصور المحسوسة، ليقرّبها من الأذهان، ويوحي بقدومها ومجيئها، كخروج الثمار من أكمامها، والأحمال من أرحامها، خروج من الغيب المستور، إلى الواقع المنظور.
وصور أخرى لعلم الله يعجز الخيال عن متابعتها، كقوله تعالى: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ سبأ: ٢.
وكذلك علمه الشامل بدقائق الأشياء يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ لقمان: ١٦.
ويصور علمه الشامل لما في الصدور يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ غافر: ١٩.
كذلك يصور علم الله مجسّما في كتاب ليدركوا شموله ودقّته: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ سبأ: ٣.
وهذا التصوير لعلم الله، وتجسيمه في كتاب، يبعث الخوف في النفس والحذر من مخالفة أمر الله، ويشعر الإنسان بحضور الله معه ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ .. المجادلة: ٧، ومهما حاول الإنسان أن يستخفي منه، فإنه محيط به، يقول تعالى في المشركين: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ هود: ٥ - ٦.
فهؤلاء المشركون قاموا بحركة عابثة في الاستخفاء والاستتار، ونسوا أن الله معهم في السر والعلن، حتى إنه يعلم أحوالهم، حين يكونون وحدهم في جنح الظلام الساتر، بل إنه يعلم أسرار صدورهم.
وتضمّ الصورة أيضا رزق العباد، فهو بيده أيضا يضاف إلى علمه المحيط بهم.
كما أن قدرته تمسك كل شيء في الأرض والسماء. حتى يشعر الإنسان بقوة الله، وقدرته عليه بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ البقرة: ١١٧.
стр. 448
فالصور الفنية في القرآن تبرز أسماء الله وصفاته وأفعاله، وقدرته، وآثار ذلك في الكون والحياة والإنسان، وإمساكه بالسماوات والأرض ومن فيهن، وعلمه المحيط، وأرزاق البشر بيديه ومصائرهم إليه، وحسابهم عليه.
كل هذه الصور المرسومة في القرآن توجه القلب البشري نحو ربه، الذي خلقه، ودبّر أمره، وبيده حياته وموته. فالله هو الباقي، وما سواه إلى فناء.
وكل المخلوقات لا تملك أمرها، ولا التصرف بشئونها بمعزل عن خالقها سبحانه.
فالصور تهدف إلى توجيه الإنسان نحو ربه، ليؤمن به، ويطيعه، ويلتزم بدينه فكرا وشعورا وسلوكا.
وإحساس الإنسان بحضور الله معه، يزيده خشية وتقوى، وضبطا لسلوكه في الحياة.
وهذا الحضور الإلهي في النص القرآني واضح بيّن، لا يحتاج إلى تأكيد، لأنه منزل من عند الله فهو المتكلم فيه، يحدث الإنسان، ويخاطبه خطابا مباشرا، ونرى ذلك من أول القرآن إلى آخره، واضحا في نظم القرآن وتأليفه، وصوره، وفي تنويع الضمائر، والجمل والأساليب وفي الأمثال، والقصص، ومشاهد القيامة ... إلخ.
فهو كتاب منزل من عند الله، ليعرّف البشر، بنفسه، وخلقه، وقدرته، وصفاته، وأفعاله والحكمة من خلقهم، ويحذرهم من مخالفة أمره، لأنهم في النهاية راجعون إليه للحساب.
وعرض أسماء الله وصفاته وأفعاله لها دور كبير في تكوين الشخصية المسلمة، من نواحيها العقلية والعاطفية والسلوكية. يقول الدكتور نذير حمدان عن أهمية أسماء الله
وصفاته:
«وتبدو هذه الأهمية بالآثار الفكرية العقدية، وبالسلوك الإنساني المستقيم وأخيرا بالتصور الجمالي في تربية المسلم» «٢» وكما أدت الصورة وظيفتها الدينية بتقريب صورة الألوهية من الذهن، وبيان حقيقتها القائمة على التوحيد، والتجريد المطلق، والتنزيه الكامل، وبيان صفاتها، وأفعالها وآثار قدرتها في الكون والحياة والإنسان.
تقوم الصورة أيضا بتوضيح العبودية لله، وهي تشمل الكون والحياة والإنسان.
كما توضّح الصورة العلاقة القوية بين الألوهية والعبودية، فعند هاتين القضيتين تلتقي جميع الصور القرآنية في نسيج محكم، وتصميم بديع للتصوير الفني الهادف.
стр. 449
وترسم الصورة حياة الإنسان من نشأته إلى مماته، ثم في امتداد حياته في العالم الآخر، وكأنّ الصورة تقدم تفسيرا للإنسان عن نشأته وحياته ومصيره، ولا تتركه للأوهام والظنون، كما تفسّر له الكون من حوله، والحياة، وهذه قضايا تلحّ على ذهن الإنسان، ويطلب أجوبة للأسئلة التي في ذهنه، فتقدم الصورة رؤية صحيحة للكون والحياة والإنسان، تتسم بالشمول والعمق والواقعية، والإيجابية والتوازن.
فبين الكون والإنسان والحياة، روابط قوية، تلتقي جميعها في خط واحد هو «العبودية» وهذه العبودية في الكون والحياة والإنسان، تقابلها «الألوهية»، وبين الألوهية والعبودية، علاقات وروابط هي علاقة المخلوق بخالقه، والعبد بربه فهذا الكون بما فيه من أرض وسماء، وبحار وجبال، ورياح وسحاب، وأشجار وثمار ... إلخ مخلوق لله ومنقاد له، كما بيّنّا ذلك في مشاهد الطبيعة.
وصور الأحياء تلتقي في «العبودية» لله، وترجع إلى نفس المصدر الذي انبثق منه الكون.
وتشغل صورة الإنسان مساحة أوسع في التصوير، ابتداء من خلقه، ومرورا بمراحل نموه ونشأته وحياته وسلوكه وتاريخه مع الرسل والأنبياء، وموقفه من دعوة الله، وامتدادا بعد وفاته في العالم الآخر.
وهي الصورة الوحيدة الممتدة هذا الامتداد في الزمان والمكان، لتوضيح نهاية الإنسان وحسابه على أعماله، ونتائج الحساب في الجنة أو النار، وتنتهي صورة الإنسان فيهما بحسب عمله.
ويلاحظ أن صورة الإنسان في الآخرة، هي امتداد لصورته في الدنيا، لأن الدنيا للعمل، والآخرة للجزاء للإنسان نفسه.
فالصورة الفنية في القرآن تتسم بالشمول والعمق والامتداد، ضمن نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية.
فصورة الإنسان، ممتدة في العالمين المحسوس وغير المحسوس، ومرتبطة بالروابط القوية بين العالمين ارتباط الأسباب بنتائجها.
كما أنّ الصور كلها تتجمّع، وتتّحد لأداء الوظيفة الدينية، كما تتّحد مشاعر الإنسان في الكيان الموحد لكي تستجيب لهذا الخطاب القرآني.
стр. 450
فالكون صور دائرية متحركة محكومة بنظام العلاقات بين أجزائه، فكل صورة فيه تحكم بعلاقات خاصة، ثم إن هذه الصور الجزئية تمتد عبر العلاقات والروابط مع الصور الأخرى، لتعمل معها ضمن إطار العلاقات التي تشدها نحو الصورة الكبرى، التي تجمعها، وهي صورة العبودية. كذلك، فإن صورة العبودية تمتد إلى صورة الألوهية وهي صورة المركز التي منها صدر كل شيء، وإليها يعود كل شيء.
وما نقوله عن وحدة الصور الكونية، نقوله أيضا عن صور الحياة وصورة الأحياء، فالوحدة في الصورة هي النهاية لكل تصوير.
فكل الصور الجزئية تعتمد على نظام العلاقات مع المعنى والسياق، والصور المجاورة، وهي لبنة في بناء كبير، ينطبق عليها ما ينطبق عليه من قواعد وأنظمة وعلاقات.
فالصورة لوحدها لبنة، لها قواعدها وعلاقاتها الداخلية، ولكنها تعمل لأداء وظيفة، ومن هنا ترتبط بغيرها ضمن نظام العلاقات بين لبنات البناء الواحد، وهذا يحقق في النهاية، وحدة التصميم في الصورة بناء ووظيفة.
ووظيفة الصورة القرآنية دينية في الأساس، ترجع إليها كل الوظائف.
وهذه الوظيفة الدينية تظهر في الصور الجزئية أولا، ولكن المعنى الديني في الصورة الجزئية ينمو ويكبر ويتسع بنمو الصور ضمن نظام العلاقات، حتى تتكوّن الرؤية الإسلامية المتكاملة. فمثلا صورة الإنفاق تحقق غرضا دينيا في الحث على الإنفاق ومضاعفة أجره، ولكن هذه الوظيفة الدينية للصورة الجزئية مرتبطة بغيرها من الصور، ضمن نظام العلاقات بين وظائف الصور لتكوين وظيفة دينية كلية، تصلح أساسا لفهم الحياة والكون والإنسان، أو تصلح أن تكون قاعدة لكل الصور تنطلق منها لأداء الوظيفة الدينية في النهاية.
وهذا يدل على وحدة الصورة الفنية وشمولها، وتكاملها، كما يدل على شمولية الوظائف وتكاملها. فهي ليست وظائف مبعثرة، كل وظيفة تعمل في اتجاه، وتؤثر في الجانب الآخر وإنّما الوظائف تسير ضمن هندسة بديعة، فيها العلاقات والروابط لتقوم بدورها في إبراز وحدة التصميم في التصوير الفني في القرآن.
وبذلك تكون وحدة التصميم في التصوير القرآني، متناسقة مع وحدة التصميم في الكون والإنسان والحياة.
стр. 451
فالكون تصميم موحد، يعتمد على العلاقات والروابط بين أجزائه، كل هذه العلاقات تعمل بتناسق لإظهار وحدة التصميم فيه.
والإنسان أيضا في تكوينه يعتمد نظام العلاقات بين أعضائه، كل جزء له وظيفة متناسقة مع الأخرى، وتتحد هذه الأجزاء أو الأعضاء لتكوّن وحدة التصميم في خلق الإنسان ليؤدي وظيفته في الحياة.
فالإعجاز واحد في الكون والإنسان والقرآن، إنه إعجاز يضاف إلى أسرار الإعجاز الأخرى يكمن في نظام العلاقات التصويرية والفكرية والتعبيرية.
لذلك يتأثر الإنسان بالقرآن، لأنه في رأيي، يشعر بالوحدة في داخل نفسه، والوحدة في الكون، والمصدر، والمصير، والتصوير ..
فلا يظلّ الإنسان قلقا مشتتا في فكره وشعوره واتجاهه، وإنما يشعر بالوحدة في داخل نفسه وخارجها، فيكتسب قوة ذاتية تدفعه إلى العمل والبناء والتعمير.
كما أنه لا يشعر بالانفصام بين فكره وشعوره، أو بين عقيدته وسلوكه.
فالإنسان المؤمن يشعر بقوة حين يرجع فكره وشعوره وسلوكه إلى مصدر واحد هو الله الذي هو المصدر نفسه الذي يرجع إليه الكون والحياة، فيشعر بقوة الارتباط بخالقه، وهكذا أصبحت كل القضايا الفكرية واضحة ومفهومة في ذهن الإنسان، وعلى أساسها كان خطاب الإنسان بالقرآن لتوضيح هذه الحقائق الدينية في الكون والحياة والإنسان وأداته المفضّلة في التعبير عنها هي الصورة الفنية.
стр. 452
نتيجة وخاتمة
كان هدفي من هذا الكتاب، توضيح أن الصورة في القرآن، صورة هادفة، تحمل رؤية إسلامية للحياة والكون والإنسان.
فالصورة الفنية في القرآن تسعى إلى بناء الإنسان فكرا وعقلا وشعورا وسلوكا.
من هنا كان هذا التنويع في وظائفها، لتحقيق هذا الغرض الديني من التصوير.
وقد لاحظنا أن دراسة الصورة القرآنية، تقتضي التوسّع في مفهوم الصورة، حتى تكون قادرة على حمل هذا الفكر، وتوضيحه، من خلال الترابط بين الصور في السياق القرآني.
فبينت أن مفهوم القدماء للصورة كان محدودا، في الأنواع البلاغية، كما أنه كان جزئيا، لا يتجاوز بلاغة الجملة إلى السياق، والنص كله، ضمن رؤية شمولية له، تفسّر صوره، وتقيم العلاقات فيما بينها.
وقد تأثّر القدماء بنظرة اللغويين في توضيح معنى «الصورة» وقصرها على الشكل، كما تأثروا بالمفسرين أيضا والفلاسفة، في الفصل بين شكل الصورة ومضمونها، فجاءت جهودهم البلاغية مكرّسة على «الشكل» ووضع القواعد أو المقاييس له. باستثناء الجرجاني والزمخشري اللذين حاولا أن يطوّرا في مفهوم الصورة، وينقلاها إلى إطار السياق، ولكن محاولاتهما تلك ظلّت تدور في إطار عصرهما وظروفهما.
ثم انتقلت إلى تبيان مفهوم الصورة عند المعاصرين، وتعريفاتهم لها، ومناهجهم في
стр. 453
دراساتها. ويرجع هذا الاختلاف، إلى المذاهب الأدبية، التي ينطلق منها كل ناقد.
ولكنّ المعاصرين، توسعوا في مفهومها، ونقلوها إلى إطار السياق، غير أنهم أهملوا دراسة الصورة القرآنية فلم يدخلوها في ضمن دراساتهم النظرية للصورة، من هنا كانت أعمالهم ناقصة، لأنه لا يمكن أن نكوّن مفهوما للصورة في نقدنا المعاصر، دون أن ندرس الصورة القرآنية، ونبيّن تميّزها عن الصورة الأدبية في التشكيل والوظيفة، ما عدا سيد قطب الذي درس الصورة القرآنية من جانبها الفني، فأكثر من مصطلحاته مثل الإطار، واللون، والظل ونحو ذلك.
فكان لا بدّ من إكمال عمله بدراسة وظيفة الصورة أيضا، حتى تكتمل دراستها من ناحية التشكيل الفني، والوظيفة الدينية الأساسية لها.
ثم انتقلت إلى وظائف الصورة القريبة، فلاحظت الترابط بينها، فهي تبدأ من تصوير المعاني، ثم تنمو إلى وظيفة أكبر في تصوير الأمثال، ثم تتسع إلى تصوير مشاهد الطبيعة المحسوسة، ثم تنتقل من المشاهد المنظورة إلى الأحداث الواقعة، ثم تنتقل منها إلى التصوير القصصي، فتمتد زمانا ومكانا في عصور التاريخ السحيقة، لتحقيق العظة والعبرة بتلك الأحداث، وموقف الناس من دعوة الرسل.
ثم تنتقل إلى رسم النماذج التي ترتفع عن الزمان والمكان، فتصبح نماذج لكل عصر وزمان.
ثم تنتقل الصورة نقلة كبيرة واسعة، من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة وما فيه من أحداث وحساب وخلود.
فالترابط بين هذه الوظائف القريبة واضح بيّن، لتحقيق التأثير الديني، من خلال هذا التنويع في الوظائف، والانتقال بالمتلقي من مشهد لآخر، ومن زمان لآخر، ومن محسوس لغير المحسوس.
كما بينت في كل فصل، اعتماد التصوير على نظام العلاقات التصويرية والفكرية والتعبيرية.
ففي تصوير المعاني الذهنية، حاولت أن أجمع الصور في وحدات مترابطة لأداء المعاني الذهنية ونمو الصور في داخل كل وحدة أو مجموعة، لتصوير دقائق المعاني، كما ركّزت
стр. 454
على ربط الصور بسياقها، حتى تتضح الحقائق الدينية المصورة.
وهذا ما التزمت به في تصوير الأمثال أيضا، وفي تصوير مشاهد الطبيعة، والتصوير القصصي، ومشاهد القيامة، فوصلت إلى أن نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية
والفكرية يحقّق وحدة النص القرآني، ووحدة التصوير فيه، ثم وحدة التصميم في النهاية.
ونظام العلاقات، هو سرّ الإعجاز في الكون، والإنسان، كما هو سرّ الإعجاز في القرآن الكريم أيضا.
ثم وضحت ترابط الوظائف القريبة بالوظائف البعيدة، وبينت أنها جميعا تدور حول الوظيفة الدينية، فهي المحور الثابت الذي يشد الوظائف إليه.
كما لاحظت أن الصور كلها تدور من حول «الصورة المركزية».
ثم انتقلت إلى الوظائف البعيدة، وما بينها من ترابط، لتحقيق الوظيفة الدينية.
وركّزت في الوظيفة الفنية على نظام العلاقات في تكوين الحروف والكلمات والجمل والسياق، حتى أدّى ذلك، إلى الوحدة الفنية في الصورة الكلية.
ثم انتقلت إلى الوظيفة النفسية حيث توصلت إلى أن الصورة القرآنية، لا تكتفي بالتأثير في النفوس بل تبني النفس الإنسانية أيضا من خلال بعث المشاعر المتوازنة فيها.
ثم انتقلت إلى الوظيفة العقلية، فوجدت أن الصورة تعمل على تشكيل عقل الإنسان من خلال إلحاحها على تأمل المشاهد المحسوسة، واعتماد الملاحظة للمحسوسات وسيلة للمعرفة الدينية، ثم تأكيدها على السببية، أو بعض الأدلة العقلية، أو المناهج الجدلية مثل المناظرة، وقانون المساواة ونحو ذلك.
ثم ختمت البحث بالوظيفة الدينية التي هي أساس الوظائف كلها.
فبينت أن القرآن نزل على رسول الله، ليعرّف الإنسان بخالقه، وأسمائه وصفاته وأفعاله وآثار قدرته.
وهذه المعرفة الدينية، لا تتوقف عند المعرفة الذهنية بل تتحوّل إلى إيمان وسلوك وفكر والتزام.
إذا لم تكن الصورة مجردة عن الغرض بل كانت تحمل رؤية إسلامية، لا يمكن اكتمالها إلا باكتمال الصور، وضمّها بعضها إلى بعض ضمن نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية
стр. 455
والفكرية، حتى تكتمل في وحدة التصميم أو البناء فيصبح القرآن معجزا في تصميمه القائم على العلاقات، كما أن الكون محكم في تصميمه، لأنه يقوم على النظام نفسه، وكذلك الإنسان والحياة، لأن المصدر واحد وهو الله، والإعجاز فيهما واحد، إعجاز في الكون المنظور، وإعجاز في كلام الله المقروء.
стр. 456
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم.
- الإتقان: للسيوطي- تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم- مطبعة الحسيني- القاهرة ١٩٦٧ م.
- أثر القرآن في تطور النقد العربي: للدكتور محمد زغلول سلام- ط ٣ - دار المعارف بمصر.
- الأدب المقارن: حسن جاد حسن- طبعة دار الجمهورية- ١٩٦٥ م.
- أسرار البلاغة: لعبد القاهر الجرجاني- دار المعرفة- بيروت- لبنان.
- أسرار التكرار في القرآن: محمود بن حمزة الكرماني- تحقيق عبد القادر أحمد عطا- دار الاعتصام- القاهرة.
- الأصول الفنية للأدب: عبد الحميد حسن- ط ٢ - مكتبة الأنجلو المصرية- القاهرة- ١٩٦٤ م.
- الإعجاز البلاغي: للدكتور محمد أبو موسى- ط ١ - مطابع المختار- مصر- ١٩٨٤ م/ ١٤٠٥ هـ.
- الإعجاز البياني بين النظرية والتطبيق: الدكتور حفني محمد شرف- ط ١ - المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة.
- إعجاز القرآن: للباقلاني- تحقيق أحمد صقر- ط ١ - دار المعارف- القاهرة ١٩٦٣ م.
- الأمثال في القرآن الكريم: للدكتور محمد جابر الفياض- ط ١ - دار الشئون الثقافية العامة بغداد ١٩٨٨ م.
- الأمثال القرآنية: للأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة- ط ١ - دار القلم- دمشق- ١٩٨٠ م.
- الإيضاح في علوم البلاغة: للخطيب القزويني- ط ١ - دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان- ١٩٨٥ م.
стр. 457
- بحث في علم الجمال: جان برتليمي- ترجمة الدكتور أنور عبد العزيز- دار نهضة مصر- القاهرة- ١٩٧٠.
- براعة الاستهلال في فواتح القصائد والسور: للدكتور محمد بدري عبد الجليل- ط ٢ - المكتب الإسلامي- بيروت ١٩٨٤ م.
- البرهان في علوم القرآن: للزركشي- تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم- إحياء الكتب العربية- القاهرة- ١٩٥٧ م.
- البلاغة تطور وتاريخ: للدكتور شوقي ضيف- ط ١ - دار المعارف- القاهرة ١٩٦٥ م.
- بلاغة الخطاب وعلم النص: للدكتور صلاح فضل- سلسلة عالم المعرفة العدد ١٦٤ - الكويت- ١٩٩٢.
- بلاغة العطف في القرآن الكريم: للدكتور عفت الشرقاوي- دار النهضة العربية- بيروت- ١٩٨١ م.
- البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري: للدكتور محمد محمد أبو موسى- ط ٢ - مكتبة وهبة- القاهرة ١٩٨٨ م.
- بناء الصورة الفنية في البيان العربي: للدكتور كامل حسن بصير- مطبعة المجمع العلمي العراقي- بغداد- ١٩٨٧ م.
- تاريخ النقد الأدبي عند العرب: للدكتور إحسان عباس- ط ١ - مؤسسة الرسالة- بيروت- ١٩٧١ م.
- تأويل مشكل القرآن: لابن قتيبة- تحقيق الدكتور أحمد صقر- ط ١ - دار إحياء الكتاب العربية- القاهرة ١٩٥٢.
- تجديد الفكر الديني في الإسلام: محمد إقبال- ترجمة عباس محمود العقاد- مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر- القاهرة.
- التصوير البياني: للدكتور محمد أبو موسى- ط ٢ - دار التضامن- القاهرة ١٩٨٠ م.
- التصوير الفني في القرآن: لسيد قطب- ط ١٠ - دار الشروق- ١٩٨٨ م/ ١٤٠٨ هـ.
- تطور الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث: للدكتور نعيم اليافي- منشورات اتحاد الكتاب العرب- سوريا.
стр. 458
- التفسير البياني: للدكتورة عائشة عبد الرحمن- ط ٣ - دار المعارف- القاهرة- ١٩٦٨ م.
- التفسير النفسي للأدب: للدكتور عز الدين إسماعيل- ط ٤ - دار العودة- بيروت- ١٩٨٨ م.
- تفسير القرآن الكريم: لابن كثير- دار المعرفة- بيروت- لبنان- ١٩٨٣ م.
- الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي- تحقيق أحمد عبد العليم البردوني- مطبعة دار الكتب المصرية- القاهرة.
- جماليات الأسلوب: للدكتور فائز داية- ط ٢ - دار الفكر المعاصر- بيروت- ١٩٩٠ م/ ١٤١١ هـ.
- الجمان في تشبيهات القرآن: لابن ناقيا البغدادي- تحقيق أحمد مطلوب- وزارة الثقافة والإعلام- بغداد- ١٩٦٨ م.
- الحيوان: للجاحظ- تحقيق عبد السلام هارون- مطبعة مصطفى البابي الحلبي- القاهرة- ١٩٤٨ م.
- خصائص التراكيب: للدكتور محمد أبو موسى- ط ٢ - دار التضامن- القاهرة- ١٩٨٠ م.
- الخيال مفهوماته ووظائفه: للدكتور عاطف جوده نصر- الهيئة المصرية للكتاب- القاهرة- ١٩٨٤ م.
- دلائل الإعجاز: عبد القاهر الجرجاني- تحقيق محمود شاكر- مكتبة الخانجي- القاهرة.
- سر الفصاحة: ابن سنان الخفاجي- تحقيق عبد المتعال الصعيدي- مكتبة صبيح- القاهرة- ١٩٦٩ م.
- سورة الرحمن وسور قصار: للدكتور شوفي ضيف- ط ٢ - دار المعارف- القاهرة.
- صفوة التفاسير: للدكتور محمد علي الصابوني- ط ٣ - دار القرآن الكريم- بيروت- ١٩٨١ م.
- الصورة الأدبية: للدكتور مصطفى ناصف- ط ١ - دار مصر للطباعة- القاهرة- ١٩٥٨ م.
стр. 459
- الصورة بين البلاغة والنقد: للدكتور أحمد بسام ساعي- ط ١ - المنارة للطباعة- ١٩٨٤/ ١٤٠٤ هـ.
- الصورة بين القدماء والمعاصرين: للدكتور محمد إبراهيم عبد العزيز شادي- ط ١ - مطبعة السعادة- القاهرة- ١٩٩١ م.
- الصورة البلاغية عند عبد القاهر الجرجاني: للدكتور أحمد دهمان- ط ١ - دار طلاس- دمشق- ١٩٨٦ م.
- الصورة الشعرية: تأليف سي- دي لويس- ترجمة د. أحمد نصيف الجنابي وغيره- وزارة الثقافة العراقية- ١٩٨٢ م.
- الصورة الشعرية في الكتابة الفنية: للدكتور صبحي البستاني- ط ١ - دار الفكر- بيروت- ١٩٨٦ م.
- الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي: تأليف الولي محمد.
- الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي: للدكتور جابر عصفور- دار المعارف- القاهرة.
- الصورة الفنية في الشعر الجاهلي: للدكتور نصرت عبد الرحمن- ط ٢ - مكتبة الأقصى- الأردن- ١٩٨٢.
- الصورة الفنية في شعر دعبل الخزاعي: للدكتور على أبو زيد- ط ٢ - دار المعارف بمصر- ١٩٨٣ م.
- الصورة الفنية في النقد الشعري: للدكتور عبد القادر الربّاعي- ط ١ - دار العلوم- السعودية- ١٩٨٤ م.
- الصورة الفنية معيارا نقديا: للدكتور عبد الإله الصائغ- ط ١ - دار الشئون الثقافية- بغداد- ١٩٨٧ م.
- الصورة الفنية في المثل القرآني: للدكتور محمد حسين الصغير- دار الرشيد- بغداد- ١٩٨١ م.
- الصورة في التشكيل الشعري: للدكتور سمير علي الدليمي- ط ١ - دار الشئون الثقافية- بغداد- ١٩٩٠ م.
стр. 460
- الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري: للدكتور علي البطل- ط ١ - دار الأندلس- بيروت- ١٩٨٠ م.
- الصورة في شعر بشار بن برد: للدكتور عبد الفتاح صالح نافع- دار الفكر- عمان- ١٩٨٣ م.
- الطراز: ليحيى بن حمزة العلوي- ط ١ - دار الكتب الخديوية- القاهرة- ١٩١٤ م.
- الظاهرة الجمالية: نذير حمدان- ط ١ - دار المنارة- السعودية- ١٩٩١ م.
- علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته: للدكتور صلاح فضل- ط ٢ - الهيئة المصرية للكتاب- ١٩٨٥ م.
- علم النفس: جميل صليبا- ط ٣ - دار الكتاب اللبناني- ١٩٧٢ م.
- عيار الشعر: لابن طباطبا- تحقيق طه الحاجري ومحمد زغلول سلام- المكتبة التجارية- القاهرة- ١٩٥٦ م.
- فكرة إعجاز القرآن: نعيم الحمصي- ط ٢ - مؤسسة الرسالة- بيروت- ١٩٨٠ م.
- فلسفة الجمال: للدكتور محمد علي أبو ريان- دار المعرفة الجامعية- الإسكندرية- ١٩٨٩ م.
- فلسفة الجمال في الفكر المعاصر: للدكتور محمد زكي العشماوي- دار النهضة العربية- بيروت- ١٩٨١ م.
- فلسفة المجاز: للدكتور لطفي عبد البديع- ط ٢ - النادي الأدبي بجدة- العدد ٣٢ - ١٩٨٦ م/ ١٤٠٦ هـ.
- فن القصة: للدكتور محمد يوسف نجم- دار الثقافة- بيروت- لبنان.
- الفن القصصي في القرآن الكريم: للدكتور محمد أحمد خلف الله- ط ٤ - مكتبة الأنجلو المصرية- القاهرة- ١٩٧٢ م.
- في ظلال القرآن: لسيد قطب- ط ٩ - دار الشروق- بيروت- ١٩٨٠ م/ ١٤٠٠ هـ.
- في النقد الأدبي: للدكتور عبد العزيز عتيق- ط ٢ - دار النهضة- بيروت- ١٩٧٢ م.
- القاموس المحيط: للفيروزآبادي- مؤسسة الرسالة- ط ٢ - بيروت- ١٩٨٧ م.
- القرآن والصورة البيانية: للدكتور عبد القادر حسين- ط ٢ - عالم الكتب- بيروت-