وحسّ نقدي مرهف، وقدرة على الإحاطة بالنصوص، والنظرة الشمولية لخصائص التعبير القرآني «٥٠».
يقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يونس: ٢٢.
فالحركة بارزة في المشهد المعروض، وكأنّه واقع مشهود، وتتمثّل في حركة السير في البر والبحر، وحركة السفن في البحار بقدرة الله، ثم حركة السفن البطيئة أيضا في دفع الريح الطيّبة لها، وتصوير الريح ب «الطيبة» يجسّم مشاعر النفوس في البحار، ثم حركة أخرى سريعة مدمرة وهي الريح العاصف، يضاف إليها حركة الأمواج الشديدة علوا وانخفاضا، تقابلها حركة الاضطراب في داخل النفوس.
وهكذا تحيا الصورة بالحركة بنوعيها الحسي والنفسي.
كما أنّ الحركة نلمسها أيضا في تصوير المعاني الذهنية، فالهدى والضلال يجسّمان في النور والظلمات ثم تبدأ الحركة الحسية بعد التجسيم الفني يقول تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ البقرة: ٢٥٧.
ففي الصورة تجسيم للظلمات والنور، ثمّ حركة خروج للمؤمنين والكافرين، ولكنّ المؤمنين يخرجون من الظلمات ويدخلون في النور والكافرين يخرجون من النور، ويدخلون في الظلمات.
وقد تتعدد «ألوان الحركة» مع وحدة الرسم والتصوير، وهذا التعدد يهدف إلى التنويع في التصوير وبثّ الحياة في الصورة، وكسر طوق الرتابة الواحدة في عرض المشاهد.
كقوله تعالى في تصوير الطبيعة: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ
стр. 387
قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً، نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ، وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الأنعام: ٩٥ - ٩٩.
والحركة بارزة في كل جزئية من جزئيات هذه المشاهد، فحركة الحب والنوى وهو يفلق الأرض، تتبعها حركة أخرى في إخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي، وهذه حركة حسية في الطبيعة المنظورة، تثبّت حركة الحياة والموت في الحس والشعور لدى الإنسان، وتجعلها من البدهيات.
ثم تنتقل الحركة من الأرض إلى السماء، فنلاحظ حركة الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، ثم تنتقل الحركة من الصور الكونية إلى الصورة الإنسانية، فحركة النسل الممتدة مع وحدة مصدرها «نفس واحدة» ثم تتبعها حركة الماء النازل من السماء، والنبات الطالع من الأرض، ثم تنويع الحركة في النبات الطالع، في النخل والأعناب والزيتون والرمان، وتتناسق الحركة في النسل مع حركة النبات الطالع بنزول الماء عليه.
ثم التنويع في ألوان البشر، وأشكالهم وهيئاتهم وحجومهم، يماثله تنويع أيضا في النبات بالألوان والأشكال والأحجام، والطعوم.
فهذا التنويع في الحركة يضفي على الصورة حيوية وتأثيرا، ويجعلها تمتد إلى داخل النفوس، فتحرّكها لتأمل هذه المشاهد الطبيعية المتحركة، التي تدلّ على قدرة الله في الخلق من أصل واحد مع مراعاة التنويع فيه.
والحركة قد تكون هادئة بطيئة، كحركة الليل في قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ الفجر: ٤، وقوله أيضا: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً الأعراف: ٥٤.
وقد تكون سريعة خاطفة كقوله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ الحج: ٣١.
فحركة السقوط من السماء سريعة، تتبعها حركة سريعة خاطفة ملحوظة في حرف العطف الفاء، ثم حركة أخرى تعقبها بسرعة، وهي قذف الريح.
فهذه الحركات السريعة الخاطفة، تساعد على رسم المشهد بكل ما فيه من شدة وعنف.
стр. 388
وقد تكون خفيّة لا تكاد تظهر لكنها موجودة مثال ذلك في قوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مريم: ٤، فحركة الشيب خفيّة لا تظهر جليّة إلا بعد مرور السنين.
وقد تكون الحركة متخيّلة غير محسوسة كقوله : وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ البقرة: ١٦٨، فحركة خطوات الشيطان، تتبعها حركة الإنسان، مقتفيا خطواته، حركة متخيلة، تساعد على رسم المشهد للشيطان وهو يقود أتباعه إلى الضلال.
وهناك «الظلال» المصاحبة للصورة بالإضافة إلى الإيقاع والحركة.
وقد ساعدت اللغة العربية باشتقاقاتها المختلفة على إغناء الجانب الدلالي للألفاظ، والإيحاء بالمعاني من وراء الدلالة اللغوية للكلمة.
وقد قام الزمخشري بالربط بين الصيغة اللغوية، ودلالتها النفسية في الصورة الفنية.
ففي قوله تعالى: يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ الحج: ٢.
يرى الزمخشري أن كلمة «مرضعة» أكثر إيحاء ودلالة من «مرضع» فالمرضعة تدل على إرضاع طفلها وقت وقوع الحدث، ولكنّها لشدّة الهول في ذلك اليوم تذهل عن طفلها الرضيع، فتنزع ثديها بعد أن ألقمته إياه من شدّة اندهاشها لما ترى.
وأما المرضع فهي لا تدل على الإرضاع وقت وقوع الحدث، وإن كانت في الأصل هي مرضع «٥١».
فالزمخشري لا يتوقف عند الدلالة اللغوية للاسم المؤنث، بل يلاحظ ما بين الاسمين من فروق في ظلال المعاني، والإيحاء بها من وراء الدلالة اللغوية، وهذه الظلال مقصودة في أثناء تصوير المشهد لاستحضارها أيضا معه في رسم الأهوال والأحداث في يوم القيامة.
ويعلّل الزمخشري بحسّه المرهف استخدام كلمة «الحيوان» في قوله تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ العنكبوت: ٦٤، فرأى أنها تزيد من إيضاح المعنى، فتدلّ على الحركة وتوحي بالمبالغة في معنى الحياة «٥٢».
ويلاحظ أنّ الزمخشري يربط ظلال المعاني بالصيغة اللغوية أو أوزانها واشتقاقها.
ولكنّ سيد قطب في العصر الحديث يربط الظلال للمعاني بدلالتها الحسية يقول:
стр. 389
«وللألفاظ كما للعبارات ظلال خاصة، يلحظها الحس البصير، حينما يوجّه إليها انتباهه، وحينما يستدعي صورة مدلولها الحسية» «٥٣».
فقوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ الأعراف: ١٧٥، فكلمة انسلخ بدلالتها الحسية، تلقي بظلها في الخيال، فترسم صورة الإنسان الذي ينسلخ عن آيات الله بعد أن لازمته والتصقت به، التصاق الجلد، فهو يجد مشقة في عملية الانسلاخ منها وهذا ما توحي به ظلال الصورة الحسية لعملية انسلاخ الجلد.
كما أنّ «اللون» أيضا يساعد على رسم الصورة، إلى جانب ما ذكرناه، لأن اللون له أثره في النفس الإنسانية فترتاح إليه، أو تنفر منه، يقول تعالى في وصف البقرة: إِنَّها
بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
البقرة: ٦٩.
واختلاف الألوان دليل على قدرة الله، وبديع صنعه، قال تعالى: وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ النحل: ١٣، وقوله أيضا: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ الروم: ٢٢.
وتبرز الصورة، وحدة الأصل مع التنويع في الألوان، لإثبات القدرة الإلهية، كما نرى في خلق الإنسان، وكذلك في النبات، يقول تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فاطر: ٢٧ - ٢٨.
فاختلاف الألوان ملحوظ في الإنسان والحيوان والنبات والجماد مع رجوع كلّ منها إلى أصل واحد. كما نجد عناية الصورة برسم الألوان المتدرّجة، وتغيّرها، كقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ الزمر: ٢١.
وفي تدرّج الألوان، وامتزاج بعضها ببعض ألوان جديدة، فألوان الزروع المختلفة تتدرّج في النهاية إلى اللون الأصفر، وهو علامة على نهايتها، كما أن ألوان البشر تذبل وتنتهي في ساعات الاحتضار إلى اللون نفسه إيذانا بانتهاء حياة الإنسان، كما كان الصفار نهاية النبات، فاللون هنا يحقّق غرضا فنيا في تناسقه مع الألوان الأخرى في تدرّجها، وغرضا
стр. 390
دينيا في تصوير نهاية الحياة.
واختلاف الألوان أيضا في العسل مع وحدة المصدر له يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ النحل: ٦٩.
ويركّز القرآن الكريم على الجمع بين الليل والنهار، لإظهار التضاد في اللونين الأبيض والأسود في الصورة المرسومة لهما. وما في اللونين من آيات دالّة على قدرة الله، فالليل سكن وراحة، واللون الأسود يتناسب مع السكون والراحة في الليل، والنهار معاش وحركة ويناسب ذلك لون آخر هو الأبيض، لكي تتمّ الحياة بهذا التناسق أو الترابط بين حركة الإنسان، وحركة الكون من حوله.
وإذا كان اللونان الأبيض والأسود، في الصورة الكونية، رمزا للسكون في الليل، والحركة في النهار فإن التضاد بينهما رمز أيضا في الآخرة لأهل الجنة، وأهل النار. كما بيّنّا في مشاهد الجنة والنار كما أن اللون يدخل كعنصر من عناصر تصوير نعيم أهل الجنة يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ الصافات: ٤٥ - ٤٦، وقوله أيضا: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً الإنسان: ٢٠ - ٢١.
ويدخل أيضا في تصوير العذاب، في صورة النار يقول تعالى: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ، كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ المرسلات: ٣٢ - ٣٣.
فالصورة هنا تجمع بين اللون والحجم الضخم في وصف شرر جهنم المتطاير.
وهناك علاقة أكبر من العلاقات السابقة في الصورة الفنية، وهي «التخييل الحسي».
وهذا العنصر يعدّ قاعدة التصوير الفني في القرآن الكريم، والسمة المميّزة له.
فالقرآن الكريم «يعبر بالصورة المحسّة المتخيّلة» «٥٤» عن أغراضه الدينية.
والتخييل الحسي في الصورة لا ينفصل عن بقية العلاقات الأخرى مثل الإيقاع والحركة والظلال واللون فكل هذه العلاقات مترابطة، لكي تحقّق الوظيفة الفنية للصورة، وبذلك يجتمع فيها جمال الإيقاع والحركة وجمال التخيّل أيضا.
ونضرب مثالا على ذلك بقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مريم: ٤.
стр. 391
فجمال هذه الصورة لا يرجع إلى الاستعارة فحسب بل يرجع أيضا إلى جمال نظمها، وجمال التخييل الحسي فيها، ويظهر ذلك في إسناد الفعل «اشتعل» إلى الرأس، وهو في الأصل للشيب، وبين الشيب والرأس علاقة وتلازم، وبذلك تحقّق الصورة الاشتعال للشيب في المعنى، والاشتعال للرأس في اللفظ بالإضافة إلى ما يوحيه الإسناد من العموم والشمول للرأس كلّه وقد عمّه الشيب من نواحيه جميعا.
والصورة تدع الخيال أيضا يشارك في تأمل صورة اشتعال الرأس بالشيب، من خلال حركة الاشتعال المضمرة، وما فيها من لمعان لون الشيب، وبذلك تلامس الصورة حس الإنسان كما تثير خياله.
وقد يتّخذ التخييل الحسي طابع «التشخيص» وهو خلع الحياة على الظواهر الكونية والأشياء الجامدة والانفعالات الوجدانية. فيتحول الوجود إلى أشكال حية، أو أشخاص
متحركة لكي يتفاعل معها الإنسان، ويتجاوب مع الحقائق المبثوثة فيها، فتحدث الصلة القوية بين مظاهر الوجود، والإنسان، وهذه الصلة بينهما تكمن في الحياة السارية في كليهما، فلا يحدث التصادم بين الإنسان وهذا الوجود، بل تحدث الألفة والمودة، لأنها ألفة الحياة، ومودة الأحياء.
وهكذا نلاحظ أن الطريقة التصويرية في القرآن تعتمد على تشخيص الليل والنهار وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ التكوير: ١٧ - ١٨، ووَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ الفجر: ٤، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً الأعراف: ٥٤، فالليل والنهار فيهما الحركة والحياة، فالليل مرة شخص يعسّ في الظلام، ومرة شخص يسري أو يسافر فيه، ومرة ثالثة، مدرك عاقل يطارد النهار ويسابقه وينافسه ليلحق به.
أما الصبح فهو شخص حيّ يتنفس كما يتنفس الأحياء، ولكنّه يتنفّس عن الحركة والحياة والضياء.
والأرض والسماء مخلوقتان مطيعتان مطيعتان للخالق سبحانه، يدعوهما، فتجيبان: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فصلت: ١١.
والنار مخلوقة حيّة لها صفات الأحياء سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ الملك: ٧ - ٨، وهي أيضا تسأل وتجيب يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ
стр. 392
مَزِيدٍ ق: ٣٠.
وهي قويّة تنزع الجلود من الأجسام الآدمية، وتدعو الكفار إليها نَزَّاعَةً لِلشَّوى، تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى، وَجَمَعَ فَأَوْعى المعارج: ١٦ - ١٨.
وظلّها حي، لا يستقبل أهل النار استقبال الكريم وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ الواقعة: ٤٣ - ٤٤.
وهذه الصور التشخيصية وغيرها، تتمتع بقدرة على «التكثيف» والإيجاز كما يقول الدكتور مصطفى ناصف «٥٥».
كما أنّ التشخيص يحمل شحنات نفسية أو عاطفية مثيرة، تحرّك الوجدان، بالإضافة إلى إثارته الخيال من خلال مفاجأته، بتعبير مجازي يخرج عن المألوف اللغوي، ويدفعه إلى البحث عن العلاقات بين المعنى اللغوي والمعنى المجازي، لاكتشاف المقصود. وبهذا تتحقق المتعة والإثارة في التعبير المشخّص وقد لاحظ الدكتور مصطفى ناصف أن «التجسيم والتشخيص يتعمقان بناء اللغة، وضمائرها، وأفعالها وصفاتها، التي ترد علينا ورودا طبيعيا لا شية فيه من صنعة أو أناقة» «٥٦».
فالتشخيص والتجسيم سمتان فنيتان في الصورة القرآنية.
والتجسيم الفني أنواع، فمنه ما يعتمد على تجسيم الأمور المعنوية، كتجسيم أعمال الكافرين في صورة رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، فبعثرته يمينا وشمالا، وذلك في قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ إبراهيم: ١٨.
وقد يكون تجسيما لحالات نفسية، كقوله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ غافر: ١٨.
وقد يكون تجسيما لحالة عقلية، كقوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ البقرة: ٧.
والبلاغيون القدماء لاحظوا تشبيه الأمر المعنوي بالمحسوس على وجه التشبيه والتمثيل
стр. 393
في حديثهم عن أقسام التشبيه بحسب طرفيه «٥٧». وإن لم يسمّوا هذا اللون من التشبيه بمصطلح «التجسيم».
والتجسيم الفني، له أثره في النفس، لأنه يحوّل المعنويات إلى محسوسات، والنفس تتأثر بالمحسوس أكثر من تأثرها بالمعنى المجرد، وبذلك يدخل التجسيم ضمن علاقات الصورة وروابطها الفنية.
وهناك نوع آخر من العلاقات، بين الصورة الفنية، وبين مطلع السورة نفسها، وهذه العلاقة بين المطلع والصورة، تحقّق الوحدة الفنية للصورة، على صعيد السورة كلها.
فنحن نلاحظ كأنّ مطلع السورة، يعدّ مدخلا لجوّ الصورة الفنية أو مفتاحا لها.
ولا أقصد مطالع السور المعتمدة على الحروف الأبجدية، بل أقصد تلك التي تعتمد على التصوير أيضا ويطلق عليها سيد قطب مصطلح «الإطار» ولكنّ مصطلح الإطار أقرب إلى التصوير الضوئي منه إلى التصوير الفني ثم إنّه يصرف الذهن إلى الاهتمام بشكل الصورة، وإهمال مضمونها.
وأكثر ما تتضح هذه الظاهرة الفنية في السور القصار، حيث تكون الافتتاحية للسورة على علاقة وثيقة مع الصورة الفنية المرسومة في داخل السورة. وكأنّ هذه الافتتاحية تهيئ الذهن للدخول في جوّ الصورة الفنية، والتحليق في أجوائها الفنية بما فيها من إيقاع وظلال، وألوان، وحركة، وحياة، وخيال. بحيث تشكّل هذه العلاقات الداخلية للصورة مع الافتتاحية نسيجا موحدا، يحقّق الوظيفة الدينية للصورة.
وقد تكون «الافتتاحية» مفردة، وأحيانا تكون متنوّعة أو متعددة، وهذا الإفراد في الافتتاحية أو التنويع فيها، مرتبط بجوّ الصورة الفنية.
كما أن التنويع في الافتتاحية يعتمد على العلاقات المتوازنة التي تمتد إلى أجزاء الصورة، وجوّها وما فيها من صور متقابلة أيضا.
مثلا سورة «العاديات» تعتمد على مطلع واحد، تجتمع فيه عناصر التصوير من حركة ولون وإيقاع في وحدة فنية منسجمة، يقول تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً، فَالْمُورِياتِ
قَدْحاً، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً، إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ
стр. 394
لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ، أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ العاديات: ١ - ١١، فصورة الخيول الضابحة القادحة بحوافرها، والمغيرة في الصباح، والمثيرة للغبار، والمفزعة للعدو، تتّخذ مطلعا ممهّدا للذهن، لتأمل صورة الإنسان الجحود الكنود، الشحيح، المحب للمال، وبين صورة الإنسان والمطلع علاقة وارتباط.
فالإنسان في حركته السريعة لجحود نعمة ربه، وحركته اللاهثة وراء المال، تشبه حركة الخيول السريعة في جريها، الضابحة بأصواتها، القادحة بحوافرها، والمثيرة للغبار من حولها، فكما أنّ صورة الخيول تشبه حركة الإنسان في الدنيا، كذلك تشبه علاج هذا المرض فيه، وذلك بتذكيره، ببعثرة القبور، وتحصيل ما في الصدور يوم القيامة.
فنلاحظ امتداد المطلع بجوّه المعفّر بالغبار والتراب، وحركة نبش الأرض بحوافر الخيل، ليصل إلى حركة بعثرة القبور، وحركة البعثرة تتمّ من الداخل إلى الأعلى، كذلك حوافر الخيل تنبش التراب من تحت حوافرها بحركة شديدة عنيفة مماثلة في اتجاهها، لحركة بعثرة القبور. وحركة تحصيل ما في الصدور شديدة أيضا. مرتبطة بالشدة والعنف في المطلع، كما أنّ حركة التحصيل تتمّ من الداخل إلى الخارج، وكذلك حركة حوافر الخيول في نبشها الأرض من الداخل إلى الخارج أيضا.
وبعد هذه الحركة العنيفة في المطلع وجوّ الصور، تأتي الخاتمة هادئة بعد العنف، مستقرة بعد الحركة السريعة وكأنها اللازمة الباقية إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ.
وإذا أخذنا سورة «النبأ» وهي أكبر من السورة السابقة، نلاحظ أن الوحدة الفنية في التصوير واضحة فيها. فكلّ الصور فيها، مشدودة إلى صورة المطلع التي هي المحور الذي تشكّلت من حوله الصور الأخرى ويبدأ المطلع بالاستفهام عَمَّ يَتَساءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ .. النبأ: ١ - ٢، وذلك لإثارة الذهن، وتهيئته لاستقبال النبأ العظيم وهو يوم القيامة.
ثم بعد ذلك ينتقل التعبير إلى الواقع الحسي أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً .. النبأ: ٦ - ٧، فصور الأرض المهاد، والجبال الأوتاد، والنوم السبات، والليل الساتر، والنهار المعاش، والسماوات الشداد والسراج الوهاج، والمطر الثجّاج، والنبات الطالع، والجنات الألفاف، كلها تعرض هنا كدلائل وبراهين على النبأ العظيم الوارد في المطلع.
ثم يعود السياق إلى مشاهد مصوّرة، لأحداث النبأ العظيم، فيبدأ بالنفخة في الصور
стр. 395
إيذانا بانتهاء العالم المحسوس، وبداية عالم غير محسوس، وهو النبأ العظيم، ثم تعرض مشاهد العذاب، ومشاهد النعيم وتختم السورة بتمني الكافر العدم على الحياة وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً النبأ: ٤٠.
فالوحدة الفنية بارزة في وحدة الموضوع، وترتيب الأفكار والصور في شريط واحد معروض بتدرّج وتسلسل حتى النهاية ضمن نظام العلاقات الواضح في التعبير والتصوير، ثم تأتي الخاتمة تتناسق مع المطلع في الحديث عن النبأ العظيم، فهي تظهر أثر النبأ العظيم في نفس الجاحد، وتمنيه أن يكون جمادا حتى لا يحاسب. وبين المطلع والخاتمة تتدفق الصور في وحدة وانسجام، في شريط متحرك مؤثر في النفوس، حتى إذا وصلنا إلى النهاية، نكون قد وصلنا إلى ذروة بناء الصورة، وقمة هذا البناء، في وحدة تصميم يجمع بين التعبير والتصوير، ليحقق الغرض الديني والفني معا.
وسورة «الرحمن» تبدأ بمطلع «الرحمن»، ثم تنساب الصور كلّها لعرض آيات الرحمن في تعليم القرآن وخلق الإنسان، وتعليمه البيان، ثم آياته في الصور الكونية في الشمس والقمر، والنجم والشجر، والسماء المرفوعة والميزان، والأرض، وما يرتبط بها من فاكهة ونخل وحب وريحان، ثم آياته في الجن والإنس، ثم آياته في المشرقين، والمغربين، والبحرين، والبرزخ بينهما .. وكلها صور حسية، تعرض لإبراز قدرة الرحمن والتعريف به.
وبعد أن تمّ استعراض المشاهد المحسوسة، يعرض مشاهد زوالها، وهذه المشاهد للفناء تقابل المشاهد الأولى لها ومقابل مشاهد الفناء، البقاء المطلق للرحمن.
ثم تعرض مشاهد القيامة لتوضيح ما بعد الفناء من عالم آخر، ويبدأ هذا العالم بمشاهد كونية مخيفة.
ثم تعرض مشاهد العذاب مفصّلة، وكذلك مشاهد النعيم، ليبلغ التأثير مداه. ثم يأتي ختام التصوير بقوله: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ الرحمن: ٧٨.
ويلاحظ هذا الترابط بين المطلع والختام، وقد تدفّقت الصور بينهما بنظام أيضا وترابط.
فكل صورة جزئية، ترتبط بصورة أخرى، حتى تتكوّن من هذه الصور، صورة كلية واضحة الآثار في القدرة على الإماتة والإحياء، والعقاب والثواب.
стр. 396
ويلاحظ تجميع الصور المحسوسة وعرضها أولا وهي شاخصة حيّة، ثم عرضها، وهي فانية زائلة، وفي تصوير الفناء للكون والحياة، تسلّط الأضواء على الباقي المطلق المالك لهذا الكون والحياة والإنسان، وهو الله سبحانه.
وفي ظلّ فناء الكون تعرض مشاهد القيامة، ليكون الفناء بداية لحياة الخلود في الآخرة وبذلك تتحقق الوحدة الفنية في التصوير مطلعا وخاتمة ووسطا، فكل الصور
تتدفق ضمن نظام الروابط أو العلاقات، في تسلسل دقيق، وتصميم محكم، ليكون التصوير وسيلة لتحقيق الغرض الديني.
وقد يكون المطلع متعددا ومتنوّعا، ولكنّه يراعي نظام العلاقات المتوازنة بين الصور.
كقوله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ، وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ، فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ، إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ، يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ، فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ، وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ، إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَما هُوَ بِالْهَزْلِ، إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً، فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً الطارق: ١ - ١٧.
فصورة النجم الثاقب للظلام، صورة كونية مألوفة، تمهّد الذهن، لصورة الرقيب على كل نفس والذي يطّلع على أسرار النفوس، ويثقب حجبها وأستارها السميكة، كما يثقب النجم الظلام.
ثم يمتد المطلع بصورة النجم الثاقب إلى صورة خلق الإنسان، فيوحي بالحركة نفسها في رسم حركة الماء الدافق وخروجه من المجهول إلى المنظور في خلق الإنسان وتكوينه.
ثم مطلع آخر في مقطع جديد وهو صورة المطر النازل من السماء، وصورة النبات الطالع من الأرض، ترتبطان أيضا بصورة النجم الثاقب في اختراق الحجب، والخروج من المجهول إلى المعلوم.
وكأنّ هذا التنويع في المطالع وما فيها من مظاهر القدرة الإلهية، تمهّد لفهم ما وراء صورة الإنسان، من قدرة أبدعته على هذه الصورة المكرّمة.
وفي سورة الليل نلاحظ تنويعا في المطلع فقط، يشدّ أجزاء الصورة إليه، في تلاحم دقيق، يقول تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى، وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى، إِنَّ سَعْيَكُمْ
стр. 397
لَشَتَّى، فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ... الليل: ١ - ١٠.
ويعتمد المطلع هنا على الصورة البديعية القائمة على التضاد بين الليل والنهار، وما فيهما من لونين مختلفين الأبيض والأسود، وهذا التضاد في المطلع يمتد إل بقية الصور الأخرى بكل مشاهدها وأجزائها. فينتقل التضاد من الصورة الكونية في الليل والنهار إلى الصورة الإنسانية في الذكر والأنثى ثم يمتد التضاد في صورة الأفعال الإنسانية، فهناك صورة المنفق، وصورة البخيل، وما يترتب على الصورتين من جزاء مختلف أيضا.
ثم تمتد ثنائية التضاد إلى الآخرة والأولى، وما بين الآخرة والدنيا من اختلاف، ثم يبدأ تفصيل الاختلاف بين الآخرة والدنيا من حيث أفعال البشر فهناك الأشقى والأتقى.
ونلاحظ نظام العلاقات بين المطلع والصور الأخرى، فالعلاقة المتضادة بين الأبيض والأسود تمتد إلى الذكر والأنثى، ثم إلى الأشقى والأتقى، ثم إلى الجنة والنار.
فالوحدة الفنية بارزة بوضوح هنا ابتداء من المطلع وحتى الختام. وبين المطلع والخاتمة علاقات ووشائج وكما يترابط شريط الصور المعروض، يترابط أيضا ألفاظا وجملا وإيقاعا وظلالا وحركة وألوانا، حتى يتكامل رسم الصورة البديعية القائمة على التضاد لإظهار الفروق بين طرفيها.
ومن خلال هذه الثنائية التصويرية والتعبيرية، ترتسم صورة الإنسان، واضحة المعالم بنموذجيه الأشقى والأتقى، والفوارق بين النموذجين هي الفوارق بين اللونين في المطلع «الليل والنهار» وقد تجلت الوحدة الفنية للصورة في وحدة الموضوع، ووحدة الأثر النفسي، ووحدة الإيقاع الهادئ الرضي المنسجم مع تصوير الثنائية في الألوان، والإنسان والكون، والأفعال.
ووحدة الصورة نتلمّسها أيضا في القطبين المتنافرين من الأبيض والأسود، اللذين تفرّعا إلى أجزاء متنافرة، كل جزء يرجع إلى مصدره، فيتآلف معه ويتحد، ويتنافر مع الجزء الآخر ويبتعد وتمتد الأجزاء في الزمان والمكان إلى اليوم الآخر، ويبقى التنافر بين القطبين قائما، وذلك حتى تحقق الصورة غرضها الديني من خلال هذا الغرض الفني المقصود أيضا.
وتختم الصورة بنموذج الأتقى، لأنه النموذج الذي يراد إبرازه في التصوير ليكون قدوة للاحتذاء والاقتداء.
стр. 398
ويمكن القول إن كل سورة من سور القرآن، تشكّل صورة كلية لها معالمها، وفروعها في بقية السورة بحيث يمكن إرجاع كلّ الصور المفردة والسياقية إليها، كما بيّنا في فصل أنواع الصورة القرآنية.
فالصورة الكلية في سورة الواقعة هي اليوم الآخر، وقد بدأت الصورة الكلية واضحة منذ المطلع بذكر صفة من صفاتها، ثم تبدأ هذه الصورة الكلية بالتفرّع إلى صور جزئية عن يوم القيامة وما فيه من أهوال وتمييز بين نماذج البشر، السابقين، وأصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، مع صور حسية مفصّلة لكل نموذج حتى يرى نهايته مرسومة فيها، وكأن الدنيا هي الماضية، والآخرة هي الواقعة المشاهدة وتأتي الصور الأخرى كدلائل على وقوع البعث بعد الموت، من خلال عرض صور تدل على قدرة الله، في خلق الإنسان، وإنبات الزرع، وإنزال الماء العذب، وإخراج النار من الشجر الأخضر، وكلها صور تعرض كدلائل على قدرة الله على البعث بعد الإماتة، ثم يأتي مشهد الاحتضار، حين تبلغ الروح الحلقوم لتصوير عجز الإنسان، أمام القدرة الإلهية، ويقف جميع الناس عاجزين عن ردّ الروح إليه بعد خروجها إلى بارئها. ثم تختم السورة بالتسبيح، بعد تأكيد خبر يوم القيامة، وبذلك يرتبط الختام بالمطلع، كما ترتبط الصور كلّها به، بحيث تشكّل مجموع الصور «صورة كلية» لليوم الآخر، صورة مميزة المعالم والمشاهد. في موضوعها، ومعانيها، وإيقاعها، وألوانها.
إنّ هذه الوحدة الفنية في التصوير والتعبير، سرّ من أسرار الإعجاز في القرآن، لأنّ هذا القرآن لم ينزل دفعة واحدة على رسول الله، بل نزل منجّما، على امتداد ثلاث وعشرين سنة تقريبا ونجد هذه الوحدة الفنية للصورة على الرغم من اختلاف زمان النزول ومكانه، فهذا دليل على أن هذا القرآن الكريم من عند الله يضاف إلى الدلائل الأخرى.
ثم إننا إذا جمعنا الآيات التي هي موضوع واحد، وقد ذكرت في سور متعددة لرأينا أيضا أنّها تكوّن صورة واحدة، متكاملة، تتسم بالوحدة، وهذه أيضا من دلائل الإعجاز تضاف إلى الصورة الكلية التامة في السورة الواحدة «٥٨».
ثم إنّ هذه الصورة الكلية في كل سورة، مشدودة إلى الصورة المركزية في القرآن كلّه وهي صورة قدرة الخالق، التي هي مصدر كلّ شيء، وإليها يرجع كلّ شيء، وبذلك تتحقّق
стр. 399
الوحدة والانسجام بين سور القرآن الكريم، في ترتيبها، وموضوعها، وصورها.
كما أنّنا نلاحظ أن «الفاتحة» تعتبر كالمقدمة للقرآن الكريم، وقد أجملت القضايا الدينية الأساسية فهي تتحدث عن الله وصفاته واليوم الآخر، والتوجه إلى الله بالعبادة، والاستعانة به، والاستقامة على دينه وهذه موضوعات كلية جاء القرآن ليقررها، ويرسخها في الأذهان، ثم ما جاء بعد هذه المقدمة، يعدّ من قبيل التفصيل لموضوعاتها الكلية. لهذا سميت الفاتحة ب «أم الكتاب» أي: الأصل فيه.
كما أنّ القرآن يبدأ بالحمد لله، وينتهي بقوله «رب الناس» وما بين مطلعه وخاتمته، تتدفق المعاني والصور مرتبطة بالألوهية والربوبية، لإيضاح آثار القدرة الإلهية.
فالوحدة والتلاحم ملحوظ في آيات القرآن وسوره، كما أن الوحدة ملحوظة أيضا في الصورة الفنية فيه، حيث إن الصورة الفنية فيه كالبنية الحية، تنمو وتتسع، حتى يكتمل البناء الفني في صورة «كلية» تدور من حول الصورة المركزية» فتوضح صفاتها، ومعانيها، وأفعالها، وآثارها.
ثم إنّ الوظيفة الفنية للصورة، وصلت حدّا معجزا للبشر إذ ليس في مقدور البشر أن يأتوا بمثل صور القرآن في التعبير عن المعاني، تصويرا، وأداء، وتناسقا وإيقاعا، وحركة، وتأثيرا.
وقد تحدّى القرآن العرب بذلك فعجزوا، وأقروا بعجزهم وقصورهم عن مجاراته أو الإتيان بمثله تعبيرا وتصويرا، وهم أهل فصاحة وبيان، وألفاظه وتعبيراته مألوفة لديهم، ولكنّ تعابيره وصوره حية شاخصة ومؤثرة.
وقد امتازت طريقته التصويرية بأنها تعرض الحقيقة، وتدور في إطارها، ولا تتعداها، وتكشف جوانبها وكل ارتباطاتها، بشمولية ليس فيها تعقيد أو غموض، وواقعية ليس فيها جمود.
كما أن الصورة الفنية في القرآن ليست موزّعة الأجزاء، كلّ يعمل في اتجاه، وإنما هي متلاحمة العناصر ضمن نظام العلاقات التعبيرية والتصويرية والفكرية.
والوظيفة الفنية، بكلّ ما فيها من علاقات وروابط فنية تسير مع الوظائف الأخرى في اتجاه الوظيفة الدينية، لتدعمها، وتقوّيها لأنها هي الأساس من التصوير. وكلّ الوظائف تدور من حولها كما تدور الأفلاك من حول الشمس في حركة موزونة متناسقة. كذلك فإن حركة الوظيفة الفنية بعلاقاتها المتشابكة تدور حول الوظيفة الدينية، بنظام موزون، وتناسق وترابط.
стр. 400
الفصل الثاني الوظيفة النفسيّة
تؤثّر الصورة الفنية في القرآن الكريم في النفس الإنسانية، وتثير الانفعالات المختلفة، من خوف ورجاء وحبّ وكره، وإقدام وإحجام ... لأنّ الله الذي أنزل القرآن الكريم، هو الذي خلق الإنسان، وهو أعلم بما يؤثر فيه، ويحرك نفسه لكي تستجيب.
وقد لاحظ النقاد تأثير الصورة في النفس، حتى إنّ الناقد رتشاردز حصر تحريك العواطف والمشاعر بها حين قال: «القوى المحركة للعواطف محصورة بالصورة» «١».
وتقاس قوة الصورة- كما يقول سي دي لويس- بمقدار إثارتها لعواطفنا، واستجابتنا لها «٢».
ويعلّل جميل صليبا هذا التأثير للصورة على ضوء علم النفس، فيرى أنّ الصورة في الأساس هي «بقاء أثر الإحساس في النفس بعد زوال المؤثر الخارجي» «٣» فحين يعاد هذا الإحساس في الصورة الفنية تكون «عظيمة الأثر في إدراك العالم الخارجي» «٤».
والقرآن الكريم نفسه تحدّث عن أثر الصورة في النفس، وذلك في قوله تعالى: إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ البقرة: ٦٩. والسرور حالة نفسية متولّدة من تأثير صورة اللون فيها.
وكقوله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ الزخرف: ٧١. والتذاذ العين بالصورة
стр. 401
الحسية يكون مصحوبا بحالة شعورية من شدة تأثير الصورة فيها. وكقوله أيضا: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ، وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ الأحزاب: ٥٢. والإعجاب تعبير عن أثر الصورة في النفس.
وكقوله تعالى عن نسوة يوسف: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ يوسف: ٣١.
ويبقى السؤال لماذا كان للصورة الفنية هذا التأثير في النفس الإنسانية؟.
وقد حاول عبد القاهر الجرجاني أن يجيب عن هذا السؤال، حين أرجع ذلك إلى الفطرة الإنسانية أولا، التي تميل إلى اكتشاف المجهول أو المستور، يقول الجرجاني: «من المركوز في الطباع والراسخ في غرائز العقول أنه متى أريد الدلالة على معنى، فترك أن يصرح به، ويذكر باللفظ الذي هوله في اللغة، وعمد إلى معنى آخر، فأشير به إليه، وجعل دليلا عليه كان للكلام بذلك حسن ومزية لا يكونان إذا لم يصنع ذلك وذكر بلفظه صريحا» «٥».
فاللفظ المجرد لا يحدث في النفس ما تحدثه الصورة من تأثير، لأنه يقرّر المعنى بأسلوب مباشر مألوف، بينما الصورة فإنّها تثير شوقا لدى الإنسان لمعرفة هذا التعبير غير المباشر. وهذا الشوق لديه، يدفعه إلى إعمال الفكر، وبذل الجهد لمعرفة المقصود، وبذلك تتحقق له متعة اكتشاف المعنى المستور يقول عبد القاهر: «ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالمزية أولى، فكان موقعه من النفس أجل وألطف، وكانت به أضن وأشغف» «٦».
كما يلاحظ الجرجاني ميل النفس إلى المعرفة الحسية، على المعرفة الفكرية المجردة.
يقول: «أنس النفوس موقوف على أن تخرجها من خفي إلى جلي، وتأتيها بصريح بعد مكني، وأن تردها في الشيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم، وثقتها به في المعرفة أحكم، نحو أن تنقلها عن العقل إلى الإحساس، وعما يعلم بالفكر إلى ما يعلم بالاضطرار والطبع، لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع
стр. 402
وعلى حد الضرورة، يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام وبلوغ الثقة فيه غاية التمام» «٧».
لذلك كانت الصورة «أشد العناصر المحسوسة تأثيرا في النفس، وأقدرها على تثبيت الفكرة والإحساس فيها» «٨».
ويضيف الجرجاني أيضا قوة تأثير الصورة في النفس إذا أعقبت المعاني فالتمثيل عنده إذا جاء في أعقاب المعاني «كسبها منقبة، ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها، وضاعف قواها في تحريك النفوس لها .. » «٩».
كما أن النفس تزداد تعلقا بالصورة إذا تباعدت أطرافها يقول الجرجاني: «التباعد بين الشيئين كلما كان أشد كانت إلى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب» «١٠».
لأن طبيعة النفس تميل إلى الشيء «إذا ظهر من مكان لم يعهد ظهوره منه، وخرج من موضع ليس بمعدن له» «١١».
ويرى أبو هلال العسكري أن الصورة «تفعل في نفس السامع ما لا تفعله الحقيقة» «١٢».
وقد توسّع الفخر الرازي في شرح فكرة الجرجاني حول متعة النفس بالصورة إذا نيلت بعد طلب، وتحدث عنها ضمن حديثه عن أسباب استعمال المجاز، وعدّد من هذه الأسباب، ما سمّاه (تلطيف الكلام) وشرحه بقوله: «وأما تلطيف الكلام فهو أن النفس إذا وقفت على تمام المقصود لم يبق لها شوق إليه، فأما إذا عرفته من بعض الوجوه دون البعض، فإن القدر المعلوم يشوقها إلى تحصيل العلم بما ليس بمعلوم، فتحصل لها بسبب علمها بالقدر الذي علمته لذة، وبسبب حرمانها من الباقي ألم فتحصل هناك لذات وآلام متعاقبة، واللذة إذا حصلت عقيب الألم كانت أقوى، وشعور النفس بها أتم وإذا عرفت هذا فنقول إذا عبر عن الشيء باللفظ الدال عليه على سبيل الحقيقة حصل كمال العلم به فلا تحصل اللذة القوية.
стр. 403
أمّا إذا عبّر عنه بلوازمه الخارجية وعرف لا على سبيل الكمال فتحصل الحالة المذكورة التي هي كالدغدغة النفسانية، فلأجل هذا كان التعبير عن المعاني بالعبارات المجازية ألذ من التعبير عنها بالألفاظ الحقيقية» «١٣».
فالإنسان يتأثّر بالصورة، ويتفاعل معها، لأنها تقديم حسي للمعنى، ولأنّ المعنى لا يدرج دفعة واحدة بل يتمّ إدراكه بتدرّج وبطء، وهذا ما يثير الإنسان، ويدفعه إلى تأمل الصورة مرات ومرات.
فيظلّ مشدودا إليها، متنقلا من التعبير المجازي إلى المعاني المجردة، ومن الاستعارة إلى أصلها أو من المشبه به إلى المشبه، ولا يتم ذلك إلا بشيء من الاستدلال الذي يقوّي الذهن وينشطه لمعرفة علاقات المشابهة أو التناسب بين أطراف الصورة من ناحية وبين الصورة ووظائفها من ناحية أخرى.
ولكي يحقّق المتلقي ذلك، لا بدّ أن يبذل الجهد، حتى تنكشف له طبيعة الصورة ووظيفتها، فإذا تمّ له كشف ذلك تحقّق التأثير فيه.
وتتميّز الصورة القرآنية عن غيرها من الصور الأدبية، أنها تثير الشعور الديني إلى جانب الشعور الإنساني، فهي تهزّ أعماق الإنسان لتوقظه على حقائق الحياة والوجود، والإنسان، وتثيره من خلال المشاهد المعروضة والصور المشخّصة، والنماذج الإنسانية المرسومة، والأحداث الواقعة، والقصص الماضية، ومشاهد القيامة والطبيعة، حتى يبلغ التأثر الوجداني مداه الواسع والعميق، فتتفتح منافذ النفس لتستقبل هذا التأثير عبر الفكر والوجدان، والعقل والشعور معا.
فإثارة المتلقي بحقائق الحياة مما تنفرد به الصورة القرآنية، لأنها ليست صورة شكلية، خالية من المضمون، أو أنها تسعى إلى التأثير العابر بل إنها توضّح للإنسان حقائق أساسية في حياته. لهذا كان للصورة القرآنية هذا التأثير في نفوس المؤمنين والكافرين على السواء، لأنها صورة فنية تهدف إلى غرض ديني.
وقد أحسّ العرب بقوة تأثير القرآن في النفوس، واستحواذه على القلوب، من خلال
стр. 404
طريقته التصويرية للحقائق الدينية، فاستجاب له المؤمنون، وأعرض عنه المشركون استكبارا مع إقرارهم بتأثيره فيهم.
وليس هدف الصورة القرآنية التأثير في النفوس فقط، كما تفعل الصورة الأدبية عموما، بل إنها تقوم بالإضافة إلى التأثير في النفوس، بتجميع هذه المؤثرات النفسية، ضمن علاقات متوازنة أو وشائج لبناء النفس الإنسانية، وصياغة الإنسان وفق التصور الإسلامي.
فالوظيفة النفسية، تتعدى التأثير النفسي إلى بناء النفس، ضمن نظام الصورة الفنية وما فيها من علاقات ووشائج تعزف كلها، على أوتار النفس البشرية، فتجعلها تتجاوب معها تجاوبا كليا، وفق المنهج القرآني في تربية النفوس، وتهذيبها، وصقلها.
فتخاطب الصورة الإنسان بما فيه من طبيعة مزدوجة، من مادة وروح. كما خلقه الله سبحانه، وتركّز في خطابها على النفس والحس معا، ولا تهمل جانبا على حساب الجانب الآخر، لكي تكون ملائمة لتلك الطبيعة البشرية المزدوجة.
وقد لاحظنا في دراستنا التحليلية لوظائف الصورة العنصر الحسي والمعنوي فيها، حيث لم نجد انفصالا بينهما، بل هما خطان متوازنان، فيها، ومتلازمان أيضا.
فالتوازن بين الحسي والمعنوي ملحوظ في بناء الصورة القرآنية، كما هو ملحوظ في وظائفها أيضا.
والنفس الإنسانية فيها اتجاهات متقابلة فيها الخوف والرجاء، والحب والكره، والإيجابية والسلبية، والواقعية والخيالية، والفردية، والجماعية، والصعود والهبوط، والالتزام والانحراف، والتقوى والفجور ..
هكذا خلقها الله سبحانه، فيها هذه الاتجاهات أو الاستعدادات المتقابلة والمتجاورة، لكي يتناسق ذلك مع مسئولية اختيار الإنسان، والأمانة التي تحملها، يقول تعالى في تأكيد هذه الاستعدادات: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها الشمس: ٧ - ١٠، وقوله أيضا: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ البلد: ١٠، وقوله أيضا: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً الإنسان: ٣، فالصورة تؤدي وظيفتها النفسية في مخاطبة هذه الاتجاهات المتقابلة في النفس، وهذه المشاعر المتناقضة، وتبني مشاهدها على ضوء ذلك، لكي تحقق تأثيرا قويا فيها، وتقيم توازنا بين هذه الاتجاهات أو المشاعر الانسانية
стр. 405
المتأصّلة، وتبني الإنسان المتوازن بمشاعره وعواطفه لأنه هو الهدف الأساسي للصورة الوظيفية.
وقد تميّزت الصورة القرآنية، بوظيفتها النفسية، التي تخاطب فطرة الإنسان، وما أودعه الله فيها من هذه المشاعر المتقابلة والمتناقضة، وتوجيه الإنسان، كي يقيم التوازن بين مشاعره، فلا يغلّب جانبا على الآخر، حتى لا تضطرب حياته.
تحرك الصورة القرآنية، هذه المشاعر، وتهز هذه الأوتار النفسية المختلفة، في لحن متوازن متناسق فلا يطغى شعور على شعور، أو اتجاه على آخر.
فتخاطب هذه المشاعر المتأصّلة في فطرته، وتلبي حاجاتها، وترويها بما يناسبها، ويهذّبها، لتعمل مع المشاعر الأخرى في خط متوازن، لبناء النفس المتوازنة، والإنسان المتوازن فمشاعر «الخوف والرجاء» فطرية في النفس الإنسانية، وهي متقابلة فيها ومتجاورة، تخاطبها الصورة القرآنية، فتحركها، وتبعثها من كوامنها لتهذّبها،
وتضعها في خطها الصحيح.
لأن هذه المشاعر لها تأثيرها في سلوك الإنسان وحياته، فلا بدّ من تقويمها، وإقامة التوازن بينها حتى تستقيم حياة الإنسان السلوكية والنفسية.
فالإنسان مثلا يخاف من الموت، بفطرته، ولكن هذا الخوف إذا تغلّب على الشعور المقابل له في الرجاء بالحياة والأمل فيها، فإن حركة الإنسان في الحياة تتوقّف وتجمد.
لذا نلاحظ أن الصورة القرآنية، تحرر النفس من المخاوف الفاسدة، فتجعله مقدرا محددا، والمخاوف منه، لا تغيّر من حقيقته شيئا.
يقول تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ آل عمران: ١٨٥، فالموت هو الأجل المحتوم لكل إنسان، فلا يفيد الهرب منه قال تعالى: قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ آل عمران: ١٥٤.
وصور العذاب في اليوم الآخر، تهدف إلى تخويف الإنسان من عذاب الله، وتحريره من الخوف من سواه، لأن الله وحده هو الذي يملك الكون والحياة والإنسان.
والتركيز على الصور الحسية للعذاب، وسيلة من وسائل التخويف كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ النساء: ٥٦.
ويجتمع العذاب الحسي والمعنوي في الصورة فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ
стр. 406
يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ الحج: ١٩ - ٢٢.
وقد يغلب العذاب المعنوي في الصورة على العذاب الحسي إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ... الحج: ١ - ٢.
وقد ترتقي الصورة إلى نوع خاص من العذاب المعنوي كقوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ أل عمران: ٧٧.
هذا التنويع في تصوير العذاب يقصد به إثارة مشاعر الخوف بدرجاته، ومستوياته المتعددة، فالناس يتأثّرون عموما عن طريق الحواس، لذلك كان التصوير الحسي للعذاب، لتحقيق التخويف منه، ثم هناك التأثر بالصور المعنوية أيضا وهي لا تقل في التخويف عن مثيلاتها من الصور الحسية.
فالتنويع في الصور جاء ليشمل جميع المؤثّرات في النفس بمستوياتها، ودرجاتها.
ولكنّ الصورة القرآنية لا تكتفي بالتخويف، وإنما تعرض صورا مقابلة للنعيم، لبعث مشاعر الأمل والرجاء وبذلك تقيم الصورة، المشاعر المتوازنة بين الخوف والرجاء، أو الترغيب والترهيب في داخل النفس الإنسانية.
لذلك، نلاحظ تقابل صور النعيم والعذاب في السياق الواحد.
وكما قلنا في مشاعر الخوف نقول في مشاعر الرجاء أيضا، فالصورة تضع هذه المشاعر في الاتجاه الصحيح فحين تعرض الصورة للمتاع الدنيوي، لا ترفضه أو تنفر منه، وإنما تدعو إلى الاقتصاد فيه، وعدم الانغماس في لذات الدنيا الزائلة، ونسيان الآخرة، فتعرض عليه مشاهد من نعيم الآخرة الباقي حتى يقابل الإنسان بين المتاع الفاني، والمتاع الباقي، يقول الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ .. آل عمران: ١٤ - ١٥.
فصورة متاع الدنيا، تقابلها صورة المتاع في الآخرة. وذلك لتوجيه آمال الإنسان نحو متاع الآخرة الباقي، فهو أحقّ أن تتجه إليه مشاعر الأمل والرجاء، لأنّ متاع الآخرة باق،
стр. 407
ونعيمها خالد، بينما متاع الدنيا إلى فناء وكما كانت صور العذاب، للتخويف، وإثارة مشاعر الرهبة، كذلك صور النعيم تقابلها لبعث مشاعر الرجاء وذلك لإقامة التوازن بين مشاعر الخوف والرجاء، فلا يطغى أحدهما على الآخر.
والتصوير الحسي للنعيم يلامس مشاعر الرجاء في النفس، ويحركها، ويثيرها، لتقوى في هذا الاتجاه، يقول تعالى: عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ، وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ الواقعة: ١٥ - ٢٤.
ولكنّ التصوير الحسي للنعيم يمتزج بالنعيم المعنوي، كقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ عبس: ٣٨ - ٣٩، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا مريم: ٩٦.
وصورة الود بين الله وعباده توحي بأروع أنواع المتاع الأخروي.
وهكذا نلاحظ التنويع في تصوير النعيم ليشمل النعيم الحسي والمعنوي معا، لأنّ الإنسان تعتريه حالات تستهويه فيها الحسيات، وحالات يميل فيها إلى المعنويات، فكانت الصورة الفنية تلبي هذه الحالات الإنسانية أو هذه الأشواق والآمال.
وقد اتّخذت الصورة منهج التوازن في بعث مشاعر الخوف والرجاء في النفس الإنسانية من خلال المشاهد المتقابلة للنعيم والعذاب.
ويتكرّر هذا الأسلوب التصويري في بعث مشاعر الخوف والرجاء في جميع موضوعات القرآن حتى تتعمق المعاني الدينية في أعماق النفس، فتصبح قوة داخلية، وطاقة نفسية، توجّه الإنسان نحو عمل الخير، واجتناب الشر.
وحين تتوازن مشاعر الخوف والرجاء في النفس الإنسانية يكون الإنسان في الاتجاه الصحيح في الحياة.
وصور الإنفاق المختلفة التي وقفنا عندها في فصل الأمثال، تهدف إلى الترغيب في الإنفاق والتحذير من البخل والإمساك.
والترغيب والترهيب أسلوبان تربويان، لتهذيب النفوس، وصقلها.
стр. 408
ففي الإنفاق طمأنينة نفسية للفقراء والضعفاء، وترغيب للأغنياء، ببعث مشاعر الرجاء والأمل فيهم من خلال تصوير مضاعفة الإنفاق لهم أضعافا مضاعفة مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ البقرة: ٢٦١.
وتحذير الأغنياء من الإمساك والبخل، كما ورد ذلك في تصوير الجنة التي أصابها إعصار فيه نار فاحترقت أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ ... البقرة: ٢٦٦.
فهذه الصور للإنفاق والإمساك، تبعث مشاعر الأمل والرجاء، والخوف والرهبة أيضا في النفس، وتقيم التوازن بين الإنفاق والإمساك، حتى لا ترجح كفة على أخرى، لأن الحياة لا تقوم إلا بالتوازن بينهما، والشدّ في شعور واحد دون الآخر، أو التركيز عليه، يؤدي إلى قطعه في داخل النفس وتمزيق الكيان الإنساني الذي فطره الله على هذه المشاعر المتقابلة ودور الصورة فيها هو في إقامة التوازن بينها، من خلال تحريكها، وبعثها، لتكون في الاتجاه الصحيح لها.
كذلك نلاحظ صورة المنفق المخلص لله في إنفاقه، توضع في مقابل صورة المنفق المرائي المنّان.
حتى تتضح الفروق بين النموذجين، والترغيب أيضا بالاقتداء بالنموذج الأول، والتحذير من النموذج الثاني المرائي.
ومعظم صور القرآن الكريم تعزف على هذين الوترين النفسيين، لتهذيب مشاعر الإنسان، وبناء نفسه لأن الطريق لبناء سلوك الإنسان، يبدأ أولا من البناء النفسي المتوازن.
والتصوير القصصي في القرآن يعزف أيضا على وتري الخوف والرجاء، فهناك التخويف من مصائر المكذبين الذين عاقبهم الله في الدنيا مثل عاد وثمود وقوم لوط، وقوم نوح وغيرهم، وهناك أيضا بعث مشاعر الأمل والرجاء في القلوب المؤمنة التي ترى في قصة موسى مثلا، أملا في النصر والتمكين، ودحر الباطل وهلاكه. وبذلك تتحرر القلوب من مشاعر الخوف من قوى الأرض، وتتعلق بقوة الله التي لا تغلب، وتتجه النفس الإنسانية إلى
стр. 409
خالقها خوفا ورجاء، لأنه وحده الذي يملك الحياة والموت، والتأثير والكون، فكل خوف من سواه زائف، وكل رجاء في غيره باطل، فتنطلق النفس الإنسانية للعمل في طريق الخير، بعد أن تحررت من كل المؤثرات الأرضية، والقيم الفاسدة.
وهناك أيضا شعوران في النفس الإنسانية هما «الحب والكره» وهما شعوران مؤثّران في حياة الإنسان وسلوكه يحددان مستقبله ومصيره.
لهذا فإنّ الصورة تركز على هذين الشعورين، وتعزف على وتريهما المتقابلين، ليعملا في الاتجاه الصحيح.
فحبّ الإنسان لذاته وأملاكه حبّ فطري، بل إنّ هذا الحبّ هو الدافع للتعمير والبناء الحضاري.
ولكن حبّ الذات قد يطغى على الإنسان، فينسيه حقيقة وجوده، وغايته في الحياة، فيختل مبدأ التوازن بين الدنيا والآخرة.
وهنا لا بدّ من تقويم هذا الحب، وتهذيبه، حتى يكون في الاتجاه الصحيح له.
فركّزت الصورة على فناء الدنيا بما فيها من لذّات وأملاك ومتاع، وبقاء الآخرة دار الخلود اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ الحديد: ٢٠.
فالصورة هنا تلامس الأشياء المحبوبة لدى الإنسان في الدنيا، فتقرّها، ولا تحاربها، إذا بقيت في إطار الحب الفطري، بحيث لا تطغى صور الحياة الدنيا على الفطرة، فتطمسها، وتنسيها حقيقتها الزائلة.
فالصورة، تؤكّد الحبّ الفطري لهذه الأشياء بقوله: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ولكنها تعرض حقيقة هذه الصور المحبوبة الزائلة أيضا، حتى لا يتعلق بها الإنسان ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً قد يطول هذا الحب للأشياء الفانية، كما توحي بذلك «ثمّ» التي هي للتراخي الزمني، ولكن مهما طال وامتد، فإن نهايته معروفة وهي ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً.
وترتقي الصورة في مخاطبة النفس الإنسانية، وتخاطب شعور الحب لديه، وتوجهه إلى الحبّ الباقي الخالد وهو «حب الله» وتعزف على هذا الوتر النفسي بنغمة جديدة.
стр. 410
فالله هو الذي خلق الكون والحياة والإنسان، وخلق عالم الدنيا والآخرة، وبيده مصائر البشر، وكل شيء بيديه، فحين تتجه إليه النفس، فإنها تتجه إلى حب الباقي الخالد.
وبذلك تتوحّد قوى النفس، ولا تتمزّق هنا وهناك، في مشاعر الحب، وتتجمّع ضمن الكيان الموحّد الذي تخاطبه الصورة أيضا.
وفي وحدة النفس، ووحدة الكيان، ووحدة الاتجاه نحو الله، قوة للإنسان في الحياة، لأنّ أهداف الحياة محددة، والوسائل مرسومة، والمشاعر مضبوطة.
وهناك شعور «الكره» أيضا يقابل شعور الحب. والصورة تخاطب هذا الشعور وتحرّكه، وتبعثه، لتضعه في إطاره الصحيح في كره الشر، مجسّما في صورة «الشيطان».
فالشيطان هو عدو الإنسان، وهو المسئول عن إغوائه وإغرائه، كي ينحرف ويضل.
وكما توحّدت مشاعر الحب في «حب الله» تتوحّد مشاعر الكره «في بغض الشيطان وكرهه» فهو الذي يوسوس للإنسان بالأفكار الشريرة، والأعمال الفاسدة المضرّة.
لذا فإن النفس يجب أن تكون يقظة من وساوس الشيطان، حذرة من أساليبه. لأن الحرب قائمة بين الإنسان والشيطان منذ ولادته وإلى يوم القيامة.
وقد عرض القرآن صورة العداوة بين الإنسان والشيطان في القرآن الكريم في أثناء خلقه لآدم وأمره الملائكة بالسجود له، ورفض الشيطان أن يسجد لآدم. .. ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ... الأعراف: من ١١ - ١٢.
فهذه صورة غيبية، بعناصرها، وحوارها، وزمانها، ومكانها، وقد أطلع الله الإنسان عليها لحكمة أو غاية تربوية، ليوضح له عدوّه الأول، وطريقته في الإغواء والإضلال، ليكون على حذر من أساليبه الملتوية، ووساوسه الخفيّة.
فالشيطان يدفع الإنسان في طريق الشرّ، لأنه عدو له، ويبعده عن طريق الخير، والإنسان فيه الاستعداد للخير والشر، والطاعة والعصيان، والهدى والغواية، والصواب والخطيئة.
والشيطان يغري الإنسان حتى يخضعه لشروره وغوايته، ووسوسته داخلية خفيّة، لا نعرف كيفيتها، ولكننا ندرك آثارها في النفس، فهو مصدر الشر، لذا فإنه يستحق مشاعر الكره
стр. 411
من الإنسان.
وتجمّع الصورة مشاعر الكره في النفس، وتفرغها في الشيطان، وما يتعلق به من أفعال وشرور وجنود وأتباع. فتطمئن النفس وترتاح، وتتوحّد قوى النفس في محاربة قوى الشرّ في النفس والحياة.
وتخاطب الصورة الفطرة الإنسانية، وما فيها من «طاقة الواقع وطاقة الخيال» «١٤» اللتين لا يقوم الكيان الإنساني إلا بهما. فكل طاقة لها عملها ونشاطها، ولها مجالها، وأجواؤها، ولا بدّ من إشباع هاتين الطاقتين بما يحتاجان إليه من الغذاء، كل طاقة على حدة، ثم إقامة التوازن بينهما في النفس الإنسانية في النهاية، حتى يكون الكيان الإنساني بدوره على أكمل وجه، بحيث لا تطغى طاقة الواقع على طاقة الخيال، فيصبح مادة لا روح فيها، كما هو اتجاه الواقعية في العصر الحديث. التي تهمل الجانب الروحي في الإنسان، وتجعل القيمة للمادة فقط، فهي التي تتحكم في الإنسان والحياة، وكانت هذه الواقعية ردة فعل على الرومانسية المفرطة في الخيال والبعد عن واقع الإنسان وما ركّب فيه من طبيعة مزدوجة «مادة وروح» فأغرقت الرومانسية في الخيالات المريضة، والأوهام الفاسدة التي أفسدت الحياة الإنسانية، وشوّهت جمالها.
كما أغرقت الواقعية في الالتصاق بالواقع، على حساب الخيال الإنساني، حتى تحول الأدب الواقعي إلى صورة منسوخة عن الواقع، ليس فيه إشباع لمخيّلة الإنسان.
أما الصورة القرآنية فإنها تخاطب الطبيعة البشرية المزدوجة «مادة وروح» وما يتفرّع منهما من مشاعر واتجاهات، متقابلة في النفس الإنسانية، تثيرها الصورة القرآنية، وتحركها من كوامنها ولا تكتفي بإثارتها فقط لتعمل بدون نظام أو انضباط، وإنما تثيرها لتستجيب أولا ثم تتوازن ثانيا في الكيان الإنساني، فتعمل هذه الاتجاهات متوازنة ثم يظهر هذا التوازن النفسي في سلوك الإنسان بما يليق بكرامة الإنسان وسيادته في هذا الكون.
لذا رأينا كيف قامت الصورة بتصوير الواقع المحسوس بأرضه وسمائه، وجباله وسحابه، وأمطاره، ونباته وأشجاره وثماره ... إلخ. كما قامت بتصوير الأحداث الواقعة التي كان يمرّ بها المسلمون، ورصدتها بدقّة، لكي تجعل الواقع المعاش، واقعا مصوّرا، تبقى صورته ماثلة
стр. 412
في خيال الإنسان بعد نهاية الأحداث، بكلّ ما صاحبها من مشاعر، وتوجيهات وإيحاءات نفسية.
كذلك استمدّت الصورة القرآنية عناصرها أو مادتها من الواقع المحسوس، لأنّها عناصر باقية ومؤثّرة، فوجدنا كثرة صور النباتات والزروع، والسراب ... إلخ.
وأحيانا تستمدّ مادتها من عناصر غير محسوسة، لإثارة الطاقة التخيلية، لدى الإنسان كما رأينا في شجرة الزقوم التي تشبه رءوس الشياطين، وتصوير عصا موسى «تهتز كأنها جان»، وتصوير نعيم الآخرة، والعذاب، بصور حسية، لتقريبه من ذهن الإنسان، ولكن هذه الصور الحسية تثير مخيّلة الإنسان لتصوّر ما في الجنة من نعيم، وما في النار من عذاب أليم.
وكذلك نلاحظ أنّ الصور الحسية، تعنى بتصوير جمال الأشياء، لإثارة المخيّلة، فالسماء تزينها الكواكب وصورة الظلال المتحركة الممتدة، وصور النباتات والثمار المتنوعة، وصور النعيم كلّها صور لا تقف عند إشباع الحاجات النفسية الضرورية للإنسان، وإنما تنتقل إلى إشباع الحاسة الجمالية أيضا عن طريق إثارة الخيال، ليتمتع بالصور المرسومة، التي تلقي ظلالها الموحية في النفس والخيال معا.
وهذه الصور لا تهدف إلى مجرد إمتاع الخيال دون غاية دينية، بل هي وسيلة فنية لتحقيق غرض ديني كقوله تعالى تعقيبا على صورة السماوات والأرض: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ آل عمران: ١٩١.
فالصورة القرآنية تؤثّر في النفس، ثم تبنيها بناء متكاملا متوازنا، بالاعتماد على الصور الحسية والمتخيّلة فتشبع الفطرة من الواقع والخيال، وتدفعها إلى العمل من خلال هذا التوازن بين الطاقتين.
كذلك تشبع الصورة الجانب الحسي، والمعنوي في الإنسان بما يتلاءم مع طبيعته المزدوجة من مادة وروح. فتشبع حواسه من خلال الصور الحسية المعروضة لآيات الله في الكون والحياة.
وكما تخاطب الجانب الحسي فيه، وتوقظه، تخاطب الجانب المعنوي وتظهره أيضا، حتى تبقى الفطرة الإنسانية بهذا التوازن بين الحسي والمعنوي.
стр. 413
فتستمتع الطاقة الحسية للإنسان بالتصوير الحسي للحقائق الدينية، كما تستمتع الطاقة المعنوية له من خلال امتزاج الحسي بالمعنوي في الصورة القرآنية.
وهذه ميزة الصورة القرآنية، فهي ليست صورة شكلية بل هي صورة لها وجهان، وجه حسي يقابله وجه معنوي. وهما متلاحمان ممتزجان لتلبية الطاقة الحسية والمعنوية في الإنسان.
والطاقة المعنوية هي ميزة الإنسان عن بقية المخلوقات، تمنحه القدرة على الإدراك والتفكير والعمل.
والصورة تشبع هذا الجانب في الإنسان، بعرض حقائق الحياة والوجود، وحقائق الدين والإيمان والعقيدة، وحين تتشبع النفس بالعقيدة والإيمان والعبادة، تقوى وتنشط للعمل في الحياة.
فهذه الطاقة المعنوية قوة إيجابية للإنسان، تدفعه للعمل في الحياة بحماسة وعزيمة، والتعامل مع الواقع على أسس الإيمان، ولا تجعل الإنسان سلبيا في مواقفه من الحياة والواقع.
وفرق كبير بين الخضوع للواقع بما فيه، وبين التعامل معه، لإصلاحه وتوجيهه، وتعميره وبذلك يرتبط الحسي بالمعنوي في النفس والحياة معا، فهما متلازمان في الطبيعة البشرية المزدوجة من مادة وروح وأيّ خلل بين الحسي والمعنوي في الكيان الإنساني يؤدي إلى تدميره، وإخراجه من صورته الإنسانية إلى صورة أخرى. كما ورد ذلك في تصوير الذي انسلخ من آيات الله، وأخلد إلى الأرض، متّبعا هواه وشهواته. يقول تعالى فيه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦.
وإذا استعرضنا الصور القرآنية نلاحظ فيها امتزاج الحسي بالمعنوي، في مخاطبة فطرة الإنسان، كقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى الرعد: ٢.
فالصورة الكونية الحسية، تتجاور في التعبير مع الصورة الغيبية، لكي يتمّ مخاطبة
стр. 414
الفطرة الإنسانية بما تدركه الحواس، وما لا تدركه، لتنمو الطاقة الحسية والطاقة المعنوية في الإنسان.
ثم إنّ الصور الحسية، تدفع الإنسان إلى التأمل والتفكير بهذا الكون المحسوس، لمعرفة أسراره، والوصول من خلاله إلى خالقه ، فالله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ الأنعام: ١٠٣.
كما أنّ الصورة الحسية في القرآن ليست منفصلة عن وظيفتها الدينية التي تغذّي الطاقة المعنوية فيه، يقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ النور: ٤٣ - ٤٤.
فالصورة هنا تلحّ على الجانب الحسّي بفعل الرؤية الحسي أَلَمْ تَرَ ولكنها تجعل العبرة هي المقصودة من هذه الصور الحسية لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ لتنمي الجانب المعنوي الموجود في فطرة الإنسان ثم إن الصورة لا تفصل بين المحسوس والغيبي في تشكيلها، فنحن نلاحظ التصريح بأن الله هو الذي جعل هذه الصور الكونية تعمل وفق إرادته وقوانينه.
وأساس غذاء الجانب المعنوي في الإنسان هو «الإيمان بالله» لأنّ الإنسان مادة وروح، وغذاء الروح هو الإيمان حتى تستقيم حياة الإنسان وتتوازن، كما هي طبيعته، وفطرته.
وعالم الغيب واسع مديد، يقابل العالم المحسوس أيضا.
وكما صوّر القرآن عالم الدنيا بما فيه من صور ومشاهد، كذلك صوّر لنا عالم الغيب بما فيه من صور ومشاهد مثل الملائكة والجن، والقيامة بأهوالها، والجنة بنعيمها، والنار بعذابها .. وكلّها صور تخاطب فطرة الإنسان بجانبيها الحسي والمعنوي.
فالصورة القرآنية تمزج في خطابها للنفس الإنسانية بين الحسي والمعنوي، ولا تفصل بينهما، لأنه لا يمكن الفصل بين المادة والروح في كيان الإنسان، كذلك لا يمكن الفصل بين العنصر الحسي والنفسي في الصورة.
وهي تمتدّ لترسم صورا غيبية لمخلوقات موجودة، ولكنّها غير محسوسة، مثل الملائكة
стр. 415
والجن، لتشعر الإنسان، باتساع هذا الكون المخلوق لله، وكثرة مخلوقات الله، منها المعروفة، ومنها المستورة، وأنه ليس وحده في هذا الوجود، فتتسع بذلك النفس، وتنطلق الروح في تلك الآفاق الممتدة إلى ما وراء المحسوس الفاني، وتستشرف ما فيه من أسرار.
وتعرض الصورة مشهدا للملائكة كلّه سمو وطهر، لإشعار الإنسان بوجود قوى خيّرة في هذا الوجود يقول تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ، يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ غافر: ٧.
ففي هذا المشهد ألفة واتصال بين هذا العالم في السماء، وبين المؤمنين على الأرض، وهؤلاء الملائكة محبوبون من المؤمنين لطهرهم وسموهم وطاعتهم لربهم، واستغفارهم للمؤمنين، بينما صورة الشيطان مكروهة لأنها صورة شرّيرة.
بهذا يشعر الإنسان بوجود قوى خيّرة في الكون، تناصره، وتحبّه، وتقف معه، فتتجاوب قوى الخير في السماء والأرض، وهناك، قوى الشر، ممثلة في الشيطان وجنوده، وهذه قوى شريرة، لها أتباعها من الإنس أيضا، يتجاوبون معها، وينفذون أوامرها، وهذه قوى يجب أن يحذرها الإنسان ويبتعد عنها.
هكذا تسير الصورة ضمن منهج تربوي هادف، لبناء الإنسان، من خلال إقامة التوازن بين مشاعره، ثم في تجسيد هذا التوازن في سلوكه أيضا.
وصورة انتهاء العالم المحسوس، وبداية عالم غير محسوس، صورة مؤثّرة في النفس، كما أنّها تعطي للحياة آفاقا جديدة، وقيمة وامتدادا، واتساعا في التصور، ومساحة واسعة في النفس، وضبطا للدوافع والغرائز.
وتتخذ الصورة من المحسوس وسيلة لبلوغ ذلك العالم غير المحسوس، فهي تعرض لنا عالم الآخرة بصور محسوسة لتقريبه من الإدراك والتصور، أو أنها تجعل الآخرة امتدادا للدنيا بتداخل الصور والمشاهد بين العالمين.
ثم إنّ موعد انتهاء الدنيا غيب مجهول، يجعل الإنسان مستعدا دائما للرحيل عنها.
والصورة تنقل لنا هذا الغيب المجهول في صورة قدوم السفينة، ليظلّ الإنسان في حالة انتظار واستعداد يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها النازعات: ٤٢ - ٤٣.
стр. 416
ويتكرر تصوير الساعة بالسفينة القادمة في آية أخرى يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً الأعراف: ١٨٧.
فهذه الصورة للغيب المجهول، تخاطب فطرة الإنسان في معرفة المجهول، وتجيبه على سؤاله بالتهويل لأمرها أَيَّانَ مُرْساها باستعمال أيّان، والتهويل في التصوير من خلال تصويرها بالسفينة، وما يحيط بها من أمواج وأهوال، فتخاطب هذه الصورة الفطرة بجانبيها الحسي والمعنوي لبلوغ التأثير مداه فيها، وتترك موعدها مجهولا، وزمان رسوّها مستورا حتى يظلّ الإنسان مشدودا، مستعدا لها.
ومثل هذه الصور، تزيد من مساحة التأثير في النفس، وتنمّي الجانب المعنوي في الإنسان، ويتحوّل بعد ذلك إلى سلوك واستقامة في الحياة، وبذلك يلتقي الحسي بالمعنوي في النفس والحياة معا.
ولكنّ الصورة القرآنية حين تخاطب فطرة الإنسان أو الطبيعة المزدوجة فيه، لا يعني هذا أنها تخاطب النزعة الفردية، على حساب النزعة الجماعية، كما يتّضح لأول وهلة من حديثنا السابق عن الجانب الحسي والمعنوي، والحب والكره، والخوف والرجاء، والمحسوس وغير المحسوس، وإنما تقيم علاقات وثيقة بين الإنسان وغيره، لأن الفردية والجماعية، اتجاهان بارزان في النفس أيضا، وتعتمد كل المشاعر أو الاتجاهات المتقابلة على قاعدة التوازن الأساسية التي تعزف عليها الصورة، حتى أصبح «التوازن» من سمات الصورة القرآنية.
فهي لا تثير المشاعر فقط، وتتركها لتعمل في اتجاهات متناقضة، مؤثّرة في النفس الإنسانية والسلوك الاجتماعي، كما نرى ذلك في الصور الأدبية، بل تقيم التوازن بينها أيضا وهذا ينسجم مع وظيفة الصورة الدينية، لأنّ الصورة القرآنية دينية، تحمل رؤية وفكرا ومنهجا، وقد عرض ذلك كله بالأسلوب التصويري الموحي لأنه أكثر تأثيرا في النفس.
فالصورة تخاطب النزعة الفردية في الإنسان، من خلال تصوير مسئولية الإنسان عن عمله وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ يس: ١٣، ولكن هذا الشعور الفردي، شعور إيجابي، وليس شعورا سلبيا فالمؤمن الذي يتصل بربه اتصالا حقيقيا، ويمتلئ قلبه بحبه، فإنه أيضا
стр. 417
يمتلئ حبا للناس والتعاون معهم على الخير والعمل المثمر.
وقد صوّر القرآن هذا التعامل الاجتماعي بين الصحابة، وما فيه من حبّ وإيثار وعطاء وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ الحشر: ٩.
كما أنّ وحدة الصف، بتراصّ أفراده وتعاونهم صورة يحبها الله سبحانه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ الصف: ٤.
وصور الإنفاق كلّها صور توثق الصلة بين النزعة الفردية والجماعية، وتقيم التوازن بينهما. كما أن التصوير القصصي في القرآن يرسم نماذج إنسانية في أداء الواجب
الاجتماعي، وأعلى هذه النماذج الأنبياء الذين كانوا يقومون بدور كبير في هداية الناس، وإصلاح المجتمع.
وعرض هذه الصور في القرآن توحي للإنسان بواجبه تجاه الناس، أو تجاه مجتمعه.
وبذلك تؤدي الصورة وظيفتها النفسية في صياغة الإنسان وبنائه بناء سليما متكاملا.
فالوظيفة النفسية تتعدى التأثير النفسي المحدود، إلى تجميع هذه الاتجاهات النفسية، وإقامة الروابط بينها، وتوحيدها على قاعدة التوازن النفسي، بحيث تتحقّق الوحدة في داخل النفس فتتوحّد هذه المشاعر أو الاتجاهات، لتسير في اتجاه واحد مرسوم.
وبهذا تتحقّق وحدة النفس وتوازنها، واستقامتها، ولا تبقى مجرد مشاعر مبعثرة أو اتجاهات متناقضة؛ فتتناسق حركة النفس، مع حركة الكون والحياة، وفق منهج الله.
وهذه ميزة الصورة القرآنية التي تؤدي وظيفتها ضمن وحدة الغرض الديني، ووحدة الطريق المستقيم، فلا تبقى النفس ممزّقة الاتجاهات فيها، كلّ يشدّها في اتجاه دون الآخر فتظل في قلق واضطراب وحيرة.
فالتوازن النفسي في الكيان الإنساني الموحّد، هو هدف الوظيفة النفسية في الصورة القرآنية، ولكنها تصل إلى هدفها هذا عبر وسائل شتى، للتأثير والإثارة النفسية، ولكنّ هذه المشاعر المثارة بالصورة تتوحّد، في اتجاهات متوازنة، لتعمل عملها بانضباط ونظام.
وتنطلق الصورة القرآنية في هذا من طبيعة الإنسان المزدوجة، وتميّزه عن بقية المخلوقات بالقدرة على الاستجابة الشعورية، مع ضبطها، والتحكم في توازنها.
стр. 418
وإن هذه الوحدة في داخل النفس، بين المشاعر المتقابلة، ضمن الكيان الموحّد للإنسان، هي الوظيفة النفسية للصورة.
لقد تميّزت الصورة القرآنية بوظيفتها النفسية، في أهدافها ووسائلها، وتأثيرها.
قد تلتقي الصورة القرآنية بالصورة الأدبية من حيث التأثير في النفس، لأنّ كليهما يقوم على التصوير ولكنهما يفترقان بعد ذلك.
فالصورة القرآنية، لا تكتفي بمجرد التأثير في النفس، كما هو حال الصورة في الأدب، بل تحمل رؤية وفكرا، لبناء الإنسان.
لذا تسعى الصورة القرآنية إلى شمول التأثير جميع الاتجاهات النفسية أو المشاعر، والعمل على تكاملها وتوازنها، ثم إنها لا تكتفي ببناء النفس الإنسانية مستقلة عن مجتمعها، بل تقيم العلاقة بين النفس المتوازنة، والمجتمع من حولها، فتبثّ فيها روح الإيجابية للعمل، ثم تصل في النهاية إلى رسم النموذج الإنساني المتوازن في نفسه وسلوكه وحياته، وهو ليس إنسانا سلبيا كما في الأدب الرومانسي، وليس إنسانا آليا كما في الأدب الواقعي.
بل هو إنسان إيجابي متوازن، وبذلك تحقّق الصورة وظيفتها الدينية في النهاية من خلال تحقيق وظيفتها النفسية.
стр. 419
الفصل الثالث الوظيفة العقليّة
تخاطب الصورة في القرآن الكريم الكينونة الإنسانية، بما فيها من حس وعقل ونفس، وتلبّي حاجات هذه الكينونة بالغذاء المناسب لها، بتناسق وترابط، حتى لا يطغى جانب على آخر.
فهي تخاطب الحس الإنساني، وتلبّي حاجته بالمشاهد المحسوسة، وتتّخذها وسيلة للمعرفة الدينية.
وتخاطب النفس، وتعزف على خطوطها المتقابلة، لبناء الإنسان المتوازن، وفق التصور الإسلامي.
وتخاطب العقل، وتوقظه بأساليب شتّى كالجدل، والحوار، والمناظرة، ولفت انتباهه إلى الكون والحياة والإنسان، ليتأمل، ويتفكر، ويتدبّر ...
ولكن ليس معنى هذا أنّ الصورة تخاطب كلّ جانب في الإنسان على حدة، بل إنّها تخاطب الكينونة موحّدة بما فيها من عقل وحس ونفس.
وبذلك يتهيّأ الإنسان لاستقبال الخطاب القرآني، وتتفتح منافذ المعرفة لديه.
والعقل من أكبر نعم الله على الإنسان، به تميّز عن بقية المخلوقات، وعن طريقه تمكن من تسخير المادة لتحقيق حياته وسعادته، وهو أيضا أحد منافذ المعرفة، لأنه وسيلة الإدراك والتمييز بين الأشياء.
وقد خاطب القرآن الكريم عقل الإنسان، وحثّه على التأمل والتفكير، حتى يصل إلى المعرفة الحقّة في الإيمان بالله، وتوحيده. ولكنّ العقل وحده يضلّ الطريق، إن لم يعتمد
стр. 420
على هدي الوحي، فالعقل له مجاله المحدود، وهو ما يقع عليه نظر الإنسان، ويقع تحت حواسه، أما ما عدا ذلك فلا بدّ من الاهتداء بالوحي، لمعرفة ما وراء المحسوس من عالم الغيب.
والقرآن كتاب دعوة وهداية، واجه البشر وقت نزوله بحقائق دينية، وجادل خصومه من المشركين وأهل الكتاب، ولكن طريقته في الجدل، لم تكن ذهنية باردة، أو فلسفية معقدة.
إنّما اتخذ الصورة وسيلة لعرض حقائق العقيدة والإيمان، لأن الصورة تخاطب الفطرة البشرية، والبداهة العقلية، والحواس البشرية. لذلك كان للقرآن هذا التأثير القوي في العقول والقلوب حين أنزل، وما زال هذا التأثير له، لكل من يقرؤه، ويتدبّر ما فيه، ويتذوق طريقته الفنية في تصوير الحقائق الدينية.
إنّ القرآن تناول قضايا كبيرة في الفكر الإنساني مثل الخالق، والوجود، والكون والحياة والإنسان والبعث بعد الموت وغير ذلك، واستطاع أن يحوّل هذه القضايا
الفكرية من إطارها الفلسفي المعقّد، إلى إطار البداهة الإنسانية، بفضل طريقته المتميّزة في التصوير الفني.
هذه الطريقة التصويرية للمعاني الدينية، لا تخاطب العقل وحده، وإنما تخاطب العقل والحس والنفس معا من خلال مشاهد الطبيعة، والأمثال، والقصص، ومشاهد القيامة، والنماذج المرسومة ... إلخ.
فحرّك القرآن العقول بهذه الصور المعروضة، وأيقظ الحواس، على البداهة العقلية، فتفتّحت البصيرة لإدراك الحقائق الدينية، واستجابت الفطرة لندائه، بعد أن أزيل عنها ركام الأوهام وقد حملت الصورة القرآنية كثيرا من الأدلة العقلية، لإثبات العقيدة، وترسيخها في النفوس.
وخاطبت بها الفطرة الإنسانية لأنها مجبولة على الإيمان، ولكن هذا الإيمان بالله، قد يغيب تحت ركام الأوهام، ويخفت نوره إن قليلا أو كثيرا بفعل المؤثرات الخارجية «١».
فقضية وجود الله، قضية فطرية، متأصّلة في النفس الإنسانية، ولكنّها قد تضمر وتغيب بفعل المؤثرات الخارجية، والجهل والأوهام والهوى، ولكنّ هذه الفكرة تنبعث فجأة من تحت الركام عند «أعتى الملاحدة حينما تضمحل هذه المؤثرات» «٢».
стр. 421
واختيار الصورة الفنية للتعبير عن الحقائق الدينية، يدلّ على قدرتها في تقريب هذه المعاني المجردة، وقوة تأثيرها في النفوس، وإقناعها للعقول. لأنّها تعبّر عن القضايا الفكرية في صور محسوسة قريبة من الإنسان، يفهمها الإنسان ببداهة ودون تعقيد.
وتصوير المعنويات أو المعقولات في صور حسية، يزيل خفاءها وغموضها، ويجعلها حية شاخصة مدركة من قبل الإنسان العادي والمتعلم على حد سواء.
وقد اعتمدت الصورة، لتحقيق وظيفتها العقلية. على مشاهد الطبيعة باعتبار هذه المشاهد محسوسة مدركة واستخلصت منها (الاستدلال) على القضايا الدينية، لإقرارها، وترسيخها في الإنسان والإنسان يميل بطبعه إلى المعرفة الحسية، ويتجاوب معها، أكثر من المعرفة الذهنية المجردة.
وقد تحدّث الجرجاني عن أثر الصورة في نقل المعرفة عن طريق الحواس، واعتبرها أكثر تأثيرا من المعرفة المكتسبة عن طريق الذهن يقول عبد القاهر: «لأن العلم المستفاد من طرق الحواس أو المركوز فيها من جهة الطبع وعلى حد الضرورة يفضل المستفاد من جهة النظر والفكر في القوة والاستحكام وبلوغ الثقة فيه غاية التمام» «٣».
فالصورة عند الجرجاني تقوم بوظيفتها العقلية في نقل المعنوي إلى شيء محسوس، وما يدرك بالفكر إلى ما يدرك بالطبع، وبذلك تحقق قوة الاستدلال العقلي، بتحويل ما يستفاد بالعقل المجرد إلى مدرك حسي، يكون أكثر وضوحا وإقناعا.
واعتماد طريقة التصوير هذه تتناسب مع طبيعة القرآن باعتباره كتاب دعوة وهداية، فهو يجادل خصومه، لإقناعهم والتأثير فيهم، وليس هدفه نقل المعرفة العقلية المجردة، ومجادلة الخصوم بها فهو يخاطب الإنسان، لإقناعه بالحقائق الدينية، والتأثير فيه، لكي يستجيب للتوحيد، ويؤمن بالله. والقضية الأساسية هي (وجود الله) وقد تضمنت الصورة الفنية كثيرا من البراهين والأدلة على وجود الله وفق منهج عقلي ينسجم مع القرآن باعتباره كتاب دعوة وهداية.
والصور الكونية المعروضة في القرآن، حافلة بالأدلة العقلية، لمن تأمّلها، وتفكر فيها وهي قد عرضت بهذه الكثرة لتحقيق هذا الغرض في إيقاظ العقل على ما في هذا الكون
стр. 422
من تناسق وإحكام.
فالتوافق في خلق الكون، على صور متناسقة، مع خلق الإنسان، وتناسق حركة الكون مع حركة الإنسان خير دليل على الخالق سبحانه.
وقد قسّم ابن رشد الاستدلال بالكون إلى نوعين: دليل العناية، ودليل الاختراع.
يقول: «ويتمثّل الأول في الاستدلال بهذا الكون وما فيه من عوالم من جهة خلقه بعد أن لم يكن، وإيجاده فإنه دليل على الخالق الحكيم، ويتمثل الثاني في الاستدلال بالتنظيم المحكم لهذا الكون واطراد نواميسه دون اختلال، وموافقة جميع الموجودات لوجود الإنسان على الفاعل الحكيم» «٤».
ونحن نجد في القرآن تركيزا علي الصور الكونية ومشاهد الطبيعة، لأنها تحمل الأدلة العقلية التي تثبت وجود الله، ومن ذلك قوله: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ الأعراف: ١٨٥.
ومن الصور المتضمنة دليل العناية بالإنسان قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً، وَالْجِبالَ أَوْتاداً، وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً، وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً، وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً، وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً، وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً، وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً النبأ: ٦ - ١٦.
فالصور الحسية هنا قريبة من الإدراك والفهم، فالأرض ممهّدة، والجبال راسية، والزوجية في الخلق، والنوم سبات، والليل ساتر، والنهار معاش، والسماوات طباق محكمة، والشمس ساطعة، والأمطار هاطلة من السماء، والنبات طالع من الأرض ... كلها صور مدركة مألوفة تحرّك العقل وتدفعه إلى التأمل فيما وراءها من حكمة إلهية، وعناية ربانية في خلقها.
وقوله أيضا: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً الفرقان: ٦١، وقوله أيضا: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا، وَحَدائِقَ غُلْباً، وَفاكِهَةً وَأَبًّا، مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ عبس: ٢٤ - ٣٢.
وهناك أمثلة كثيرة تصلح أدلة وشواهد على دليل العناية.
стр. 423
ومن الصور الحسية المتضمنة دليل الاختراع قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ الغاشية: ١٧ - ٢٠.
وقوله تعالى أيضا: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ غافر: ٥٧.
وقوله أيضا: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ... الطارق: ٥ - ٦.
وقوله أيضا: خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ .. لقمان: ١٠ - ١١.
وهناك صور أخرى كثيرة تؤكّد دلالة الاختراع والإبداع في خلق الله، مما يثبت وجوده.
وقد يجتمع في الصورة الدلالتان معا كقوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ القصص: ٧١ - ٧٢.
فهذه الصور الكونية بدلالتي العناية والاختراع على تعبير ابن رشد، يدركها عامة الناس، ولكن إدراك العلماء لا يتوقّف عند هذا الإدراك والاستدلال البسيط على وجود الله، وإنما يتعمق العلماء في فهم الصور الكونية، لمعرفة حقائقها وقوانينها، فيقوى الاستدلال عندهم باكتشاف هذه القوانين الإلهية الخفية التي تسيّر هذا الكون بدقة وتناسق وإحكام.
وهناك الصور المستمدة من الطبيعة، وعالم الحيوان، تتضمن أدلة عقلية تثبت وجود الله، فالحيوانات متنوّعة، ومصدرها واحد، والتنوّع في خلقها وتكوينها وأجهزتها، ونظام تكاثرها، كما أنها تختلف في فوائدها وألوانها وحياتها وغير ذلك.
فهذا التنوّع أو التمايز في الحيوانات لم يكن مصادفة، وإنما هو دليل على الله. الخالق سبحانه، وقد قامت الصورة بلفت الأذهان إلى أنواع الحيوانات كدليل على الصانع المبدع وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ .. النور: ٤٥، ولفت الانتباه إلى عالم الحيوان المتنوّع والمختلف وَما مِنْ دَابَّةٍ
стр. 424
فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ الأنعام: ٣٨.
وتحريك العقل إلى تأمّل قوانين الله المبثوثة في الكون والتي تمكّن الطيور من التحليق أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ الملك: ١٩.
وتكثر الصور المستمدة من عالم النبات، وما فيه من عجائب وقوانين دقيقة. فالحبة توضع في الأرض فتربو وتنمو وتشق التربة، وتمتد بجذورها في باطن الأرض، وتمتد بساقها فوق سطحها. ثم عالم النبات يختلف في شكله ونوعه، وطعمه، ولونه، ورائحته، وكلّها تسقى بماء واحد، وتزرع في تربة واحدة، ولكنّ النبات يتنوّع، وكذلك الثمار، مثلها كمثل الإنسان في خلقه من ماء ثم التنوّع في الأشكال والألوان والأحجام.
فمبدأ الحياة قائم على وحدة الأصل، ثم التنوّع في الأشكال والألوان والأحجام والطعوم وهذه الظاهرة في الصور الحسية المعروضة أكبر دليل على الله الخالق.
قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ الأنعام: ١٤١.
والإشارة في بعض الصور المتجاورة، إلى قانون السببية، فصورة الثمار أو النبات مرتبطة بنزول الأمطار أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها فاطر: ٢٧، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ الرعد: ٤.
ويكثر اعتماد القرآن على الصور الكونية في إيراد الأدلة العقلية على وجود الخالق.
فالسماوات بغير عمد، أو أمراس تمسكها، كما هو مألوف عند الناس، في تشييد البناء والعمران، وكذلك الأرض، ثم حركة الأفلاك، وحركة الأرض، ودقة قوانين الحركة
في الصور الكونية، وارتباطها بما يتفق مع حركة الإنسان على الأرض، فلا يصطدم بعضها ببعض، ولا تؤثر حركتها في حركة الإنسان الثابتة على الأرض، ودور هذه الحركة الكونية في تعاقب الليل والنهار، وتكوين الفصول والأيام والشهور، بدقة متناهية، وحسابات مضبوطة.
قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها الرعد: ٢، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ النحل: ١٢.
стр. 425
كذلك صورة الرياح بأنواعها الحارة والباردة، والبطيئة والشديدة، والعقيم والممطرة، والرياح اللواقح .. ودقة القوانين الإلهية التي تسيّرها، ومن ذلك قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ الحجر: ٢٢، وغير ذلك من الآيات.
كذلك صور السحاب والمطر والرعد والبرق، ودقة قوانين الله التي تحكمها، وتسيّرها.
قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ، يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ النور: ٤٣ - ٤٤.
وصورة الأرض الممهدة، وما فيها من بحار وأنهار وجبال ووديان وصخور، يقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ .. فاطر: ٢٧ - ٢٨.
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ النمل: ٦١.
فهذه الصور الحسية- وغيرها- تحضّ الإنسان على إمعان التفكر فيها، لإدراك ما فيها من أسرار وقوانين لم توجد مصادفة، وإنما بتدبير الله ومشيئته.
وكأن هذه الصور تشير إلى مبدأ «العلّية»، الذي يقول بأنه لا يمكن أن يحدث شيء دون أن يكون هناك سبب أو علّة لحدوثه، تصلح أن تكون تفسيرا حقيقيا له «٥».
وهي تدعو إلى التعرف على الكون لفهم أسراره وقوانينه، للاستفادة منها في حياة الإنسان، فأحيانا علاقة الصور بعضها ببعض، وتجاورها في السياق- تكون معتمدة على قانون السببية، فصورة الأمطار الهاطلة، تتبعها مباشرة صورة النبات الطالع.
والإشارة إلى مسألة الكميات، والمقادير، والعدد، والوزن، والإحصاء. كقوله تعالى:
وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ المزمل: ٢٠، وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ الحجر: ١٩.
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ