الدين المعاملة
(صفحات من هدي الأسوة الحسنة ﷺ )
د. منقذ بن محمود السقار
الباحث في رابطة العالم الإسلامي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
مقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، وبعد
ساد المسلمون الدنيا، وبنوا حضارة فريدة حين كانوا مستمسكين بدين الله عقيدة وشريعة، عبادة وسلوكاً وأخلاقاً.
وبقدر ما بعدوا عن دينهم هانوا على الله وهانوا في أرض الله، ودارت عليهم الدوائر، فصاروا أثراً بعد عين.
وقام المصلحون والغيورون يرومون استعادة الأمة لسابق مجدها وعظيم سؤددها، وتداولوا الرأي، فما وجدوا علاجاً أنجع لإصلاح حالها اليوم من العلاج الذي أصلح حالها في صدر الإسلام، وكما يقول وهب بن كيسان: "لن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" (١).
وقد وصف ﷺ داء هذه الأمة، وأرشدها إلى دوائها: «فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ» (٢).
стр. 4
وإذا كان كذلك فالواجب علينا التعرف على سنته ﷺ ، ثم العض عليها بالنواجذ، وهو أمر كثر حديث الوعاظ عنه، فلا تكاد تجد واعظاً إلا وهو يحث على التمسك بسنته ﷺ ، وقل أن نجد منهم من يضع النقاط على الحروف، فيبين لنا سنته ﷺ في مختلف الأمور التي تعرض لنا في حياتنا، كيف كان ﷺ يتعامل مع أزواجه وأهل بيته؟ وكيف عامل خدمه وأصحابه، بل كيف تعامل مع عدوه.
وهكذا سلسلة طويلة من الأسئلة، نستلهم من خلال الإجابة عنها هدي النبي ﷺ ، ويدفعنا إلى تلمس هذا الهدي إيمانُنا أنه ﷺ الأنموذج الذي وضعه الله نصب أعيننا، وطالبنا باتباعه والمشي على نهجه وغرزه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب: ٢١).
إننا نود من خلال هذه الصفحات أن ننتقل بإيماننا بالنبي ﷺ من الإطار النظري إلى الاتباع العملي الذي هو برهان الإيمان ودليله وحقيقته، وحينها فقط نكون مؤمنين حقاً بمحمد ﷺ ، وحينها فقط تستقيم حياتنا وفق الإسلام العظيم الذي أنزله الله ليحكم حياتنا، لا ليكون مجرد شعار نتدثر به،
стр. 5
من غير أن يكون واقعاً يرشد سلوكنا ويقيم حياتنا وفق مراضي ربنا ﵎.
إن الأمور التي نحتاج فيها إلى الاستمساك بهدي النبي ﷺ كثيرة تشمل كل لحظة في حياتنا، فما من صفحة في حياتنا إلا وللنبي ﷺ فيها توجيه بقوله أوفعله.
وفي هذه الصفحات نسلط الضوء على جانب من الجوانب المهمة في حياتنا، وهو المعاملة مع الآخرين، ننهل في تصحيح هذا الجانب من معاملة النبي ﷺ للآخرين، فنحن أحوج ما نكون إلى هذا الهدي مع فساد تعاملنا مع بعضنا، فالدين ليس فقط معاملة مع الله، بل هو معاملة مع الخلق أيضاً، ولئن كانت حقوق الله مبنية على المسامحة فإن حقوق العباد مبنية على المشاحة، لذا وجب علينا معرفة هدي النبي ﷺ في المعاملة مع الخَلق؛ لنتأسى به، فتنصلح علاقاتنا الأسرية والاجتماعية.
كما أن إشاعتنا لهدي النبي ﷺ فيه أبلغ الرد وأقومه على الافتراءات والأباطيل التي يثيرها الأفاكون عن شخصه ﷺ ، فلئن تساءل بعضهم عن الخير الذي جاء به محمد ﷺ ، فإنا نعتقد أنه ﷺ جاء بكل خير، وما صفحاتنا إلا بعض قطرات من بحر خيره وهديه ﷺ .
стр. 6
ولن أستطيع في هذا المقام استقصاء هدي النبي ﷺ في معاملاته كلها، فهذا دونه خرط القتاد، وهو بحر بعيد غوره، لكني رأيت أن أسلط الضوء على نماذج من هديه ﷺ ، وفيها ما يدعونا إلى مزيد من البحث والتنقيب عن سنته وهديه ﷺ ، واللهَ أسأل أن يقيم حياتنا على السنة، وأن يجعلنا ممن عرف الحق والتزمه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 7
الفصل الأول:
معاملة النبي ﷺ وهديه في بيته
وفيه مباحث:
المبحث الأول: هدي النبي ﷺ في عشرة النساء
المبحث الثاني: معاملة النبي ﷺ للأطفال
المبحث الثالث: معاملة النبي ﷺ مع الخدم وصغار الموظفين
стр. 8
المبحث الأول: هدي النبي ﷺ في عشرة النساء
الأسرة هي قوام المجتمع، وهي المحضن الطبيعي لتخريج جيل من الأبناء الأسوياء الذين يعمرون الأرض بطاعة الله، وهذه الأسرة قوامها الأساس الوالدان اللذان يبنيان معاً هذه المؤسسة على قاعدة متينة من الحقوق والواجبات المتبادلة بينهما.
وحديثنا في هذا المقام عن زوج لا كالأزواج، عن سيد الأزواج ﷺ ، نتسور حائط بيته لنطل على بعض جوانب حياته الخاصة ﷺ ، نرنو منه تعلم أصول العشرة بين الزوجين، فحديثنا عن معاملة النبي ﷺ مع نسائه وأهل بيته تمس إليه حاجة كل منا، وهو هدية نخص بها كل زوج لا يعرف قيمة رباط الزوجية الوثيق، فيسيء إلى شريكة حياته، فيشتمها، أو يرفع صوته عليها، أو يغاضبها؛ لأن طعامها تأخر نضجه بضع دقائق، أو لأنها خالفته الرأي في مسألة ما أو لغيره من الأسباب التافهة التي لأجلها نقيم الدنيا ولا نقعدها.
ومن أعجب ما رأينا من صور سوء المعاملة؛ ما درج عليه بعض الأزواج، فتراه مع أصحابه طلْقَ المحيا براقَ الثنايا، فإذا ما وصل إلى عتبة بيته أخفى ابتسامته وتصنع تكشيرة وعبوساً،
стр. 9
يدعي أنه يحفظ بهما رجولته ووقاره في بيته، وما درى المسكين أن لا علاقة بين العَبُوس والرجولة إلا في مخيلة أشباه الرجال.
مع النبي ﷺ في بيته:
ولو تطفلنا على حياة النبي ﷺ الخاصة، وسألنا زوجه الأثيرة عائشة ﵂: كيف كان رسول الله ﷺ إذا خلا مع نسائه؟! لسمعنا الجواب: (كان كرجلٍ منكم لنسائكم، إلا أنه كان أكرمَ الناس خُلُقاً، وأبينَ الناس، ضاحكاً بساماً ﷺ ) (١).
ولا عجب أن يكون ﷺ كذلك فهو القائل: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم خلقاً»، وفي رواية: «إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله» (٢)، وكان يقول: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي» (٣).
стр. 10
وهكذا يضع النبي ﷺ ميزاناً فريداً للخيرية، لا يقوم على كثرة الصيام ولا طول القيام، إنما يستمد قيَمَه من الإحسان إلى الزوجةِ خصوصاً، والأبناءِ والأهلِ عموماً.
ولم يكن النبي ﷺ في بيته يأنف من شيء مما يأنف منه بعض الأزواج، ويرونه قادحاً بالرجولة وغير متناسب مع مَقامِها، فيتركون خدمة أنفسهم في البيت، ويأنفون من مساعدة زوجاتهم في أعباء المنزل، فلا تراه إلا صارخاً يطلب الماء تارة، والطعام تارة، وبقية حاجاته الشخصية في تارات أخرى، وكأنه يقيم في فندق من فنادق النجوم الخمسة، ومن يشاركه البيت هم خدمه الخاص، ولهؤلاء نذكر ما تقوله أم المؤمنين عائشة ﵂ في وصفه ﷺ ، فقد سئلت: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ فقالت: (كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمةَ أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة)، وفي رواية: (كان بشراً من البشر، يَفْلي ثوبه، ويحلب شاتَه، ويخدم نفسه) (١).
стр. 11
قال المناوي: " فيه ندب خدمة الإنسان نفسَه، وأن ذلك لا يخل بمنصبه وإن جل" (١).
ويضيف ابن بطال: "من أخلاق الأنبياء التواضعُ، والبعدُ عن التنعم، وامتهانُ النفس، ليُستنَّ بهم، ولئلا يَخلُدوا إلى الرفاهية المذمومة، وقد أشير إلى ذمها بقوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ (المزمل: ١١) (٢).
ومن عجيب ما نسمع من أخبار بعض الأزواج أنه يكثر السمر والسهر خارج البيت أو مع ضيوفه، ولا تجده كذلك مع زوجه التي لا تسمع منه إلا توجيه الأوامر: اصنعي ولا تصنعي، ولربما تكبر هذا المسكين عن الجلوس إلى زوجته ومباسطَتِها وتبادلِ الحديث معها.
ولهذا وأمثاله نقول: إن النبي ﷺ ورغم كثرة أعبائه ومشاغله جلس مرة يسامر زوجه عائشة، فسمع منها قصة عشر نسوة في الجاهلية، تحكي كل واحدة منهن قصتها مع زوجها، والنبي ﷺ يستمع لذلك كله بإصغاء وسرور، والحديث طويل معروف مشهور بحديث أمِ زَرْع، فلم تمنعه
стр. 12
أعباء الأمة وواجبات الرسالة عن الوفاء بحق زوجه في المؤانسة والمباسطة.
قال النووي: "قال العلماء: في حديث أم زرعٍ هذا فوائد، منها استحباب حسن المعاشرة للأهل" (١).
وبعض الأزواج لربما يؤانس زوجته في الحديث في بعض الأوقات دون بعض، فهو لا يطيق كلامها إذا أتى من عمله متعباً أو كان الوقت في الليل متأخراً، لكن النبي ﷺ لم يكن كذلك، فمؤانسته ﷺ لأزواجه ولطفُه لا يعرف وقتاً دون وقت، تقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يصلي [في قيام الليل] جالساً، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته نحوٌ من ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم، ثم ركع ثم سجد؛ يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك، فإذا قضى صلاته نظر، فإن كنت يقظى تحدث معي، وإن كنت نائمة اضطجع) (٢).
ولو عرض هذا الأمر على بعض الناس، فقيل له بأن فلاناً يجالس زوجته ويسامرها في الساعات الأخيرة من الليل، لأجاب بأن هذا وقت السحر، وقت القيام والتهجد
стр. 13
والدعوات، وقوله صحيح، لكن السمر مع الزوجة هو أيضاً من عظيم العبادات وفاضِلها.
ومن ملاطفة النبي ﷺ لأزواجه مسابقتُه لعائشة ﵂، تحكي أم المؤمنين أنها كانت مع النبي ﷺ في سفر: فسابقتُه فسبقْتُه على رجليِّ، فلما حملت اللحم سابقتُه فسبقني. فقال: «هذه بتلك السبقة» (١).
ومن عجيب لطف النبي ﷺ ما صنعه مع عائشة حين جاء بعض الأحباش، ليلعبوا في المسجد بحرابهم، تقول عائشة: (فسترني رسول الله ﷺ وأنا أنظر، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف)، وتعقِّب عائشة ﵂ على هذا الهدي الجميل بدعوة المسلمين إلى التأسي به ﷺ : (فاقدُروا قدْر الجارية الحديثةِ السن) (٢).
ولئن كان الكثير من الأزواج يأنف من استشارة أزواجهم في قراراتهم الخاصة أو المتعلقة بشؤون الأسرة، فيرى أن من حقه الانفراد بالقرار دون استشارة زوجته التي تشاركه الحياة وآلامها، وما درى بأن النبي ﷺ المسدد بالوحي - استشار
стр. 14
أزواجه في قضايا تتعلق بالأمة، لا بالأسرة فحسب، كما في استشارته لزوجه أم سلمة يوم الحديبية.
والقصة بتمامها أنه لما وقّع النبي ﷺ اتفاق الحديبية كان من شروطه أن يعود النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة من غير اعتمار، فأمر النبي ﷺ أصحابه فقال: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا»، فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات.
فلما لم يقم منهم أحد؛ دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس. فقالت أم سلمة: (يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ وتدعو حالِقَك فيحلِقَك، فخرج، فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَه، ودعا حالِقه فحلَقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلِق بعضاً حتى كاد بعضُهم يقتل بعضاً غماً) (١).
وينبه ابن حجر في شرحه الحديث إلى جملة من فوائده: "فيه فضل المشورة، وأن الفعل إذا انضم إلى القول كان أبلغَ من القول المجرد .. وجوازُ مشاورة المرأة الفاضلة، وفضلُ أم سلمة ووفُورُ عقلها" (٢).
стр. 15
وهكذا فالنبي ﷺ يستشير زوجه ويأخذ برأيها، ولا يأنف من ذلك، ولا يراه قدحاً في عقله أو رجولته أو رأيه.
ومازال النبي ﷺ يوصي مرة بعد مرة بحسن عشرة النساء وحسن التعامل معهن، ومراعاة طبيعة الاختلاف في الطبيعة بين جنس الذكورة والأنوثة، فقد قال ﷺ : «واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضِلَع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً» (١)، وضلع المرأة هو غلبة العاطفة عليها بما يوقعها في الخلاف مع الرجل الذي تغلب عليه العقلانية في التحليل والتفكير.
وفي هذا الحديث تكررت وصاة النبي ﷺ بالنساء حتى حال الإساءة، وفيه تنبيه على أمور مهمة، "في الحديث الندبُ إلى المداراة لاستمالة النفوس وتألف القلوب، وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهن، والصبر على عوجهن، وأن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن، مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه، فكأنه قال: الاستمتاع بها لا يتم إلا بالصبر عليها" (٢).
стр. 16
وفي حجة الوداع وأمام جموع الصحابة وقف النبي ﷺ مذكراً بحقوق النساء على أزواجهن، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم [أي مثل الأسيرات عندكم] .. ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشَكُم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهنَّ عليكم أن تحسنوا إليهن في كِسوتهن وطعامهن» (١).
التعامل مع المرأة الغيراء:
ولن يفوتنا هنا التنبيه على حال تضطرب فيها النساء، فيحصل منها ما قد يؤدي إلى نفرة وجفاء، وهو حال الغيرة، والغيرة صفة حميدة يتصف بها المؤمنون والمؤمنات، لكن البعض وخاصة من النساء تستبد بها الغيرة، فتخرج عن طور الاعتدال إلى الإفراط الذي يسيء إلى الحياة الزوجية ويصبغها بطابع النكد وكثرة الخصام.
وتزداد الغيرة في المرأة إذا كان لزوجها أكثر من زوجة، فتراها ترتاب بظلمه لها وتجافيه عنها بحق وبغير حق، ولعلها تتهمه بالميل إلى ضرتها بمبرر وبغير مبرر.
стр. 17
ومن أراد التعرف على قدر غيرة النساء على أزواجهن؛ فليصغ إلى قصة ترويها عائشة ﵂ تصف غيرتها وغيرة النساء بني جنسها: كان النبي ﷺ إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة مرة لعائشة وحفصة، وكان النبي ﷺ إذا جاء الليل سار مع عائشة يتحدث.
فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك، تنظرين وأنظر؟ [أي تجرب كل منا جمل الأخرى وترى كيف هو] فقالت عائشة: بلى. فركبتُ.
فجاء النبي ﷺ إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة فغارت، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وجعلت تقول: (يا رب سلط علي عقرباً أو حية تلدغني، ولا أستطيع أن أقول له [أي للرسول] شيئاً) (١)، وهذا الذي فعلته وقالته ﵂ "حملها عليه فرْطُ الغَيرة على رسول الله ﷺ ، وقد سبق أن أمر الغيرة معفو عنه" (٢) لغلبته على المرأة.
стр. 18
فكيف لنا أن نتعامل مع غيرة زوجاتنا، وكيف نتصرف تجاه ما يصدر منهن من حب صادق دفعهن لتصرف خاطئ معنا، فالحب ينتج غيرة، والغيرة تحتاج إلى رفق وروية، كما تحتاج إلى عدل وإنصاف.
إن التأمل في حياة النبي ﷺ وكيفية تعامله مع مثل هذه المواقف يكشف عن تقديره ﷺ لما يستتر خلف الغيرة من حب كامن له في قلب زوجه ورغبتها أن تكون الأثيرة عنده ﷺ ، وهكذا يقرأ الزوج الوفي المحب الموقف السلبي بعين مفعمة بالحب والرضا.
وها هو النبي ﷺ يجلس عند بعض نسائه، فترسل إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام إلى رسول الله، وهو في بيت ضرتها، فتغار الزوجة صاحبة البيت، فتضرب يد الخادم، فتسقط الصحفة من يده وتنفلق ويتناثر ما فيها من الطعام.
وقبل أن نسترسل في معرفة ردة فعل النبي ﷺ تجاه هذه الإساءة من زوجه التي غارت من أختها، أود أن أسأل قارئي الكريم عما سيفعله لو حصل هذا الفعل من زوجته.
وقبل أن يجيبني بما أعرف من المعهود في أخلاقنا وتصرفاتنا أنقل ما صنعه النبي ﷺ ، فقد جمع فِلَق الصحفة، ثم
стр. 19
جمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، وهو يقول: «غارت أمكم»، لينتهي الموقف بيسر ولطف.
لكن غيرة الزوجة صاحبة البيت لا تبرر الظلم الذي لحق بالثانية، لذا سارع النبي ﷺ إلى رد الحق لصاحبته، فحبس النبي ﷺ الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسرت (١)، وفي رواية أنه قال: «طعام بطعام، وإناء بإناء» (٢)، فتغاير النساء لن يمنع العدل بينهن.
ويستخرج ابن حجر من هذه الحادثة جملة من الفوائد، ويهمنا هنا أن "فيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها، لأنها في تلك الحالة يكون عقلُها محجوباً بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة، وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعاً: «أن الغيراء لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه» (٣).
وهو ﷺ لن يغتفر إساءة الواحدة منهن إلى الأخرى بسبب غيرتها، لما فيه من ظلم للأخرى وهتك لحرمتها، لذا لما
стр. 20
تحدثت عائشة بين يدي النبي ﷺ عن صفية فقالت: يا رسول الله، إن صفية امرأة. وأشارت بيدها هكذا، كأنها تعني قصيرة.
فلم يغفر النبي ﷺ لها قولها، بل قال ناصحاً ومؤدباً ورافضاً الاستماع للغيبة: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجتْه» (١)، وهذا الحديث "من أعظم الزواجر عن الغيبة أو أعظمها، وما أعلم شيئاً من الأحاديث بلغ في ذمها هذا المبلغ" (٢).
وبينما هو ﷺ جالس بين أزواجه أتته عائشة بخزيرة [وهو لحم ينثر عليه الدقيق]، تقول عائشة: فقلتُ لسودة - والنبي ﷺ بيني وبينها-: كلي، فأبتْ، فقلتُ: لتأكلِن أو لألطخن وجهكِ، فأبتْ، فوضعتُ يدي في الخزيرة، فطليتُ وجهها، فضحك النبي ﷺ ، فوضع بيده لها [أي لسودة]، وقال لها: «الطخي وجهها»، فضحك النبي ﷺ (٣)، فحول النبي ﷺ بحكمته تغاير أزواجه إلى موقف باسم عمّق من خلاله قيم الحب والعدل والوئام.
стр. 21
وهكذا، فإن النبي ﷺ كان يحتمل غيرة زوجاته، ويرشِّد هذه الغيرة فلا يسمح لواحدة منهن أن تظلم أختها، وهو من جهته ﷺ كان يقيم العدل بينهن ويكرمهن جميعاً، كيف لا وهو القائل: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا» (١).
ولنصغ إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي تحدث عن موقف غريب لها في غيرتها على رسول الله ﷺ فتقول: لما كانت ليلتي التي هو عندي؛ انقلب فوضع نعليه عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت، ثم انتعل رويداً، وأخذ رداءه رويداً، ثم فتح الباب رويداً، وخرج رويداً.
ولم تطق عائشة خروجه في ليلتها، وغارت على النبي ﷺ ، وظنت أنه يذهب في ليلتها إلى بعض أزواجه، وكيف لا تغار على حبيبها ﷺ ، ومثله يُغار عليه، تقول: جعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتقنعت إزاري، وانطلقت في إثره، حتى جاء البقيع فرفع يديه ثلاث مرات، فأطال.
стр. 22
ثم تحكي عائشة أن النبي ﷺ رجع إلى بيته، فأسرعت، ودخلت البيت قبله، وتصنعت النوم، فقال لها النبي ﷺ معاتباً: «أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله .. فإن جبريل أتاني حين رأيتِ، ولم يدخل عليَّ وقد وضعتِ ثيابَكِ، فناداني فأخفى منكِ، فأجبتُه؛ فأخفيته منكِ، فظننتُ أن قد رقدتِ، وكرهتُ أن أوقظكِ، وخشيتُ أن تستوحشي، فأمرني أن آتي البقيع، فأستغفر لهم» (١).
وفي رواية أنه ﷺ سألها: «أغرتِ يا عائشة»؟ فقالت: ومالي ألا يغار مثلي على مثلِك؟ (٢).
وهكذا نرى في معاملة النبي ﷺ مع أزواجه وأهل بيته ما يصلح الكثير من الأوضاع الخاطئة في حياتنا الاجتماعية، ويحاصر التصرفات المشينة التي يصنعها البعض مع أزواجه، وينقلنا للحديث عن مثال أسمى يقدم سيد الأزواج محمد ﷺ .
стр. 23
المبحث الثاني: معاملة النبي ﷺ للأطفال
وقفنا على صور الحب وحسن العشرة في علاقة النبي ﷺ مع زوجاته، ورأينا جملة آداب لم يبخل النبي ﷺ بمثلها عن زهرات البيوت وزينة الدنيا وبهجتها، وهم أطفالها شموع الأمل الباسم فيها، فلهؤلاء الحظ الأكبر في الرعاية والعناية، ويستحقون النصيب الأوفى من أوقاتنا وجهدنا.
الطريق الأقصر إلى قلوب الصغار هو حسن رعايتهم وملاطفتهم وممازحتهم ومنحهم المزيد من الحنان والاهتمام، وهو ما صنعه النبي ﷺ مع العديد من الأطفال الذين كانوا يتلألؤون من حوله، ومن هؤلاء ابنه إبراهيم، وحفيداه الحسن والحسين عليهما رضوان الله أجمعين.
يحكي لنا أنس بن مالك عن حنو النبي ﷺ على ابنه إبراهيم وغيره من الأطفال، فيقول: (ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، كان إبراهيم مسترضعاً في عوالي المدينة، وكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت .. فيأخذه، فيقبِّلُه ثم يرجع) (١)، هذه العاطفة الدفاقة بالحب والحنان لم
стр. 24
تشغل النبي ﷺ عنها زحمة الواجبات وكثرة الأعباء، فلكل وقته، ولكل حقه في وقت النبي ﷺ ومستحقه.
ويواصل أنس حكاية حال النبي ﷺ مع الأطفال، فيقول: (كان رسول الله ﷺ من أفكه الناس مع صبي) (١)، وهذه المعاني أدركها أنس في طفولته التي قضاها في بيت النبي ﷺ يخدمه عشر سنين، فهو أعرف الناس بها، وهو أحفظ الناس لها.
إن اللغة التي يفهمها الطفل هي لغة الحب، ومفرداتها القبلة الحانية والحضن الدافئ واللعب البريء، وهذه اللغة الرخيصة في تكاليفها عظيمة في قيمتها، والعجب في بخل بعض الناس بها تكبراً وغروراً، بل قسوة وجفاء، من هؤلاء الأقرع بن حابس التميمي، فحين رأى رسول الله ﷺ يقبِّل حفيده الحسن بن علي؛ قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً. أي فخر يفتخر به هذا؟ أيفخر المرء بقسوة قلبه وجفاء معاملته؟ هل يخدش مكانته ويحط من منزلته لو كان يحنو على طفله بقبلة أبوية؟
стр. 25
فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال معقباً بكلمات موجزة مؤثرة: «من لا يَرحم لا يُرحم» (١).
وفي مرة أخرى قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ فقالوا: أتقبِّلون صبيانكم؟ فقال ﷺ : «نعم». قالوا: لكنا والله ما نقبِّل! فقال رسول الله ﷺ : «أو أملك إن كان الله نزع من قلوبكم الرحمة!» (٢).
ومما يطرب له الطفل ويستأثر بقلبه أن يحمله ذووه، وأن يضموه إلى صدورهم، وهو أمر متعِب أو مضجِر للآباء، لكنه ضروري، ولا غَناء عنه لمن أراد غرس الحب في الطفولة وجني البر في الشباب والرجولة، يقول أبو هريرة: خرج النبي ﷺ في طائفة النهار حتى أتى سوق بني قينقاع، ثم جاء إلى فِناء بيت فاطمة فقال: «أثمَّ لُكع، أثمَّ لُكع» [أي: أين الصغير، ومقصِدُه الحسن] فحَبَسَته أمه شيئاً، فظننتُ أنها تلبسه سِخاباً أو تغسِّلُه، فجاء الحسن يشتد حتى عانقه وقبَّله وقال: «اللهم أحبِبْه، وأحبَّ من يحبُّه» (٣)، نسأل الله أن يجعلنا ممن أحبه وأحب من يحبه.
стр. 26
وأما أسامة بنُ زيدٍ الذي كان يلقب بالحِبِّ ابنِ الحِبِّ فيذكر أن النبي ﷺ كان يحمله ويحمل الحسن ويقول: «اللهم أحبَّهما فإني أحبُّهُما» (١).
ولعل من أهم حقوق الطفل ملاعبته وملاطفته، وقد كان لرسول الله ﷺ من هذا الأدب الكيل الأوفى، لم يكن ﷺ يتحرج من ملاطفة الحسن بإخراج لسانه له، فيراه الصبي، فيهش له ويفرح (٢).
ودخل جابر يوماً على النبي ﷺ ، فرآه حاملاً الحسن والحسين على ظهره، وهو يمشي بهما. فقال جابر لهما: نِعم الجملُ جملُكما، يقصد رسول الله ﷺ ، فأجابه النبي ﷺ : «ونِعم الراكبان هما» (٣).
ومن ملاعبته للأطفال ﷺ أنه كان يصفّ عبد الله وعبيد الله وكثيراً بَني العباسِ ثم يقول: «من سبق إليّ فله كذا». فكانوا يستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره، فيقبِّلُهم ويلتزمهم ﷺ (٤).
стр. 27
ومما يحسن في معاملة الأبناء إهداؤهم، فالهدية سبب في استجلاب محبة الكبار فضلاً عن الصغار، وقد صنع النبي ﷺ ذلك حين أهدى النجاشي إلى رسول الله ﷺ حلَقة، فيها خاتم ذهب، فيه فص حبشي، فأخذه رسول الله ﷺ بعود وإنه لمعرض عنه، ثم دعا بابنةِ ابنتِه، أمامةَ بنتِ أبي العاص فقال: «تحلَي بهذا يا بنية» (١).
ومن ممازحته ﷺ لأنس أنه كان يعدل في ندائه عن اسمه الصريح، فيناديه متحبباً: «يا ذا الأذنين» (٢).
ومازح ﷺ أيضاً أخاه، وسأله عن عصفوره الذي كان يلعب به، يقول أنس: إنْ كان رسول الله ﷺ ليخالطُنا حتى يقول لأخ لي صغير: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟».
وفي رواية لأحمد أن النبي ﷺ كان يدخل على أم سليم [أمِ أنس]، ولها ابن من أبي طلحة يكنى: أبا عمير، وكان يمازحه، فدخل عليه فرآه حزيناً فقال: «مالي أرى أبا عميرٍ حزيناً؟»
стр. 28
فقالوا: مات نُغَرُه الذي كان يلعب به، قال: فجعل يقول: «أبا عمير، ما فعل النغير» (١).
وفي الحديث فوائد منها: "جواز تكنية من لم يولَد له، وتكنية الطفل، وأنه ليس كذباً، وجواز المزاح فيما ليس إثماً .. وملاطفة الصبيان وتأنيسهم، وبيان ما كان النبي ﷺ عليه من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع، وزيارة الأهل، لأن أم سليم والدة أبي عمير هي من محارمه ﷺ " (٢)، أي بالرضاع.
وأما محمود بن الربيع، وهو من صغار الصحابة، فيقول: (عقَلتُ [أي أتذكر] من النبي ﷺ مجّةً مجّها في وجهي؛ وأنا ابن خمسِ سنينَ من دلو) (٣)، والمج "طرح الماء من الفم بالتزريق، وفي هذا ملاطفةُ الصبيان وتأنيسُهم وإكرام آبائهم بذلك، وجوازُ المِزاح" (٤).
стр. 29
أدب المعاملة مع الأطفال في وقت الجد:
الطفل لا يعرف عادة وقتاً للعب وآخرَ للجد، وهو يفترض أن كل الأوقات مخصصة له، لذا فالواجب على المربي، أباً كان أو أُماً، أن يراعي مشاعره وطفولته ولو في أوقات الجد، كحضرة الضيوف أو المشاغل المهمة أو حتى وقت العبادات الشرعية، وقد صنع ذلك النبي ﷺ ، قال أبو قتادة: (خرج إلينا رسول الله ﷺ وأمامة بنت أبي العاص بنتُ ابنته على عنقِه، فقام في مصلاه، وقمنا خلفه، وهي في مكانها الذي هي فيه.
قال أبو قتادة: فكبر فكبرنا، حتى إذا أراد رسول الله ﷺ أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده، ثم قام أخذها، فردها في مكانها، فما زال رسول الله ﷺ يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته ﷺ ) (١).
ولعلي أحاول مع القارئ الكريم تصور الحال لو حدث مثل هذا في بعض مساجدنا اليوم، فحمل الإمام طفله، أو دخل طفل بعض مساجدنا فجال بين الصفوف؛ فضلاً عن أن
стр. 30
يصل إلى المحراب، فيقف بجوار الإمام، كيف يكون الحال؟ وماذا سنقول عن والده؟ وكيف سنتصرف بعد نهاية الصلاة؟
إجابات تتدافع في ذهني، ولا أجرؤ على البوح بها، لكنها على كل حال ليست كالذي صنعه النبي ﷺ مع حفيدته في الصلاة.
ويحكي لنا نحوَه شدادُ ﵁ موقفاً مماثلاً: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشِي الظهر أو العصر، وهو حاملُ حسنٍ أو حسينٍ، فتقدم فوضعه، ثم كبر للصلاة فصلى، فسجد بين ظهري صلاته سجدة أطالها.
قال شداد: رفعت رأسي، فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت في سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة؛ قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهريِّ الصلاة سجدة أطلتَها؛ حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك؟ فقال ﷺ : «كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أُعجِّله حتى يقضيَ حاجَته» (١).
نعم، لقد انتظره حتي يقضي حاجته من اللعب، فالطفل لا يميز بين وقت الهزل والجد، ولا يتصور أن وقتاً ما ينشغل
стр. 31
جده عنه، فهو يريد نصيبه من الحب واللعب والدلال، إني لأجزم أن أحداً من الآباء اليوم لا يصنع ما كان محمد ﷺ يصنعه، لكنه الرحمة المسداة ﷺ .
وذات مرة، بينما النبي ﷺ يخطب على المنبر، وألوف المسلمين تشرئب أعناقهم وهي تستمع إليه؛ إذ جاء الحسن بن علي، فصعد إليه المنبر، فلم يعب النبي ﷺ صنيعه، ولم ينهره، بل ضمه إليه، ومسح على رأسه وقال: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١).
ومرة أخرى ماذا نصنع مع مثل هذا الطفل لا يعرف حرمة الصلاة ولا المنبر؟ هل ننهره ونجرح شعوره؟ هل نطرده ونرسله إلى أمه مع رسالة تأنيب لتقصيرها في الإمساك به وحجزه عن مواطن الجد؟ كيف ينبغي أن نتعامل مع مثل هذه الحال؟ أوليس هدي محمد ﷺ خير الهدي وأحسنه؟ إنه ﷺ القائل: «إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله» (٢).
стр. 32
الكذب على الأطفال:
ويعلمنا الرسول ﷺ أدباً تحتاجه الكثير من الأمهات اليوم، وهو عدم الكذب على الصبي، ولو في باب المُزاح، فكما حرم الله الكذب في المِزاح مع الكبير، فإنه يحرم مع الصغير بلا تفريق، فعن عبد الله بن عامر أنه دعته أمه يوماً ورسول الله ﷺ قاعد في البيت، فقالت: ها، تعال أعطيك، فقال لها رسول الله ﷺ : «وما أردت أن تعطيه؟» قالت: تمراً، فقال لها رسول الله ﷺ : «أما إنك لو لم تعطه شيئاً كُتبتْ عليكِ كذبة»، وفي رواية أنه ﷺ قال: «من قال لصبي: تعال هاك، ثم لم يعطه فهي كذبة» (١).
فالكذب على الصغير في ممازحته كالكذب على الكبير، وقد قال ﷺ : «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً ليضحك بها القوم، وإنه ليقع بها أبعد من السماء» أي يقع بها في النار أبعد من وقوعه من السماء إلى الأرض".
وهكذا فإن النبي ﷺ كان يمازح الأطفال ويمازح أهل بيته، ويتقبل مزاحهم عنده، ولا يستنكف من هذا الخلق الجميل الذي نعجب لاستنكاف كثير من الآباء عنه، ونراه
стр. 33
نوعاً من الكبر والترفع على أهله، وهو مخالف لهدي النبي ﷺ في المعاملة مع أهل البيت والأطفال.
وما رأينا من لطف النبي ﷺ بأبنائه وأحفاده وأقرانهم يستوقفنا ويدعونا إلى إعادة بناء علاقاتنا الأسرية على أساس متين من الحب الذي نعبر عنه لأبنائنا بتقبيلهم والحنو عليهم وتملك قلوبهم، وإشباع عواطفهم بضروب الحنان والود الخالص.
стр. 34
المبحث الثالث:
معاملة النبي ﷺ مع الخدم وصغار الموظفين
تشكو كثير من مجتمعاتنا اليوم من سوء معاملة الخدم من أصحاب البيت أو العمل، أو خادمة تضربها صاحبة المنزل، وتحولت هذه المعاملة السيئة إلى ظاهرة مقلقة في الكثير من بلاد العالم، ووصل - وللأسف - بعض شررها إلى المسلمين.
منهج النبي ﷺ في المعاملة مع إساءات الخدم وأضرابهم
وإزاء هذه الظاهرة المقيتة نرصد هدي الرحمة المسداة ﷺ وتعامله مع الخدم وأضرابهم، حال إساءتهم وخطئهم، ولن نتحدث عن حال إحسان العبد أو الخادم؛ إذ المفترض في هذه الحال الشكر ومقابلة الإحسان بالإحسان.
وبداية، فإنه يحسن بنا التأكيد على أن الضرب سوء وجفاء في معاملة هؤلاء وغيرهم، لذا نقلت أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه (ما ضرب رسول الله ﷺ خادماً ولا امرأة قط) (١).
стр. 35
وورد عن رسول الله ﷺ النهي عن ذلك، فقد أتى رجلٌ رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي خادماً يسيء ويظلم، أفأضربه؟ فقال ﷺ : «تعفو عنه كل يوم سبعين مرة» (١)، والمراد من السبعين الكثرة لا التحديد، فإن "العفو مندوب إليه مطلقاً دائماً لا حاجة فيه إلى تعيين عدد مخصوص .. والمراد بالسبعين الكثرة دون التحديد" (٢).
فهل نصنع مثل هذا مع خدمنا؟! هل يصبر الواحد منا على سبعين خطأ في كل يوم؟! إن واحداً من خدمنا لا يخطئ في اليوم عُشر هذا، فما بالنا لا نعفو عن هفواتهم، ولم لا نتجاوز عنها، أما لنا قدوةٌ حسنةٌ بالنبي ﷺ وهو يأمر بالعفو عن سبعينَ خطأ في كل يوم.
وأما اللجوء إلى ضرب الخدم (٣) ففعل موجب غضبَ الله تعالى لما فيه من الاضطهاد والتجبر على هؤلاء المستضعفين
стр. 36
الذين لا يجدون سوى الله ناصراً لهم، وليصغ الذين يضربون خدمهم إلى ما يرويه لنا أبو مسعود البدري بقوله: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: «اعلم أبا مسعود» فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني؛ إذا هو رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: «اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» قال: فقلت لا أضرب مملوكاً بعده أبداً.
وفي رواية: فقلتُ: يا رسول الله، هو حر لوجه الله. فقال ﷺ : «أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار» (١).
وإذا كان هذا الضرب حراماً للملوك المقيد حريته؛ فهو أشد حرمة وإثماً في الخادم والسائق وأمثالهما؛ لكمال الحرية وتمامها.
ويستنبط النووي بعض الفوائد من الحديث فيذكر منها: "الحث على الرفق بالمملوك، والوعظ والتنبيه على استعمالِ العفو وكظمِ الغيظ، والحكمِ [بالرحمة] كما يحكم الله على عباده" (٢).
стр. 37
وللحد من ظلم العبيد والتطاول عليهم بالضرب جعل النبي ﷺ ضرب المملوك من موجبات عتقه، حتى يخلص ضاربه من إثم الضرب والتطاول عليه، وقد أعتق ابن عمر مملوكاً له، ثم أخذ من الأرض عوداً فقال: ما فيه من الأجر ما يسوى هذا [أي أن عتاقه لغلامه ليس فيه أجر]، إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه» (١) فابن عمر إنما يعتق مملوكه لأنه ضربه، وكل ما يرقبه من عِتاقه أن يتجاوز الله عنه، ولا يرى أنه مستحق من الأجر ما يستحقه المتبرع بذلك ابتداء.
وفي موقف آخر عالج النبي ﷺ بمثل هذا الدواء تطاول البعض على مستخدميهم، فيقول معاوية بن سويد: كنا بني مقرن على عهد رسول الله ﷺ ليس لنا إلا خادم واحدة، فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «أعتقوها» قالوا: ليس لهم خادم غيرُها. فقال: «فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها» (٢).
стр. 38
وحتى لا يقع المرء في ضرب خادمه أو الإساءة إليه أمر النبي ﷺ بالتخلص من المملوك الذي لا يلائم مالكه، حتى لا يكون خلاف الطباع بينهما سبباً في ظلمه واضطهاده، فقد قال ﷺ : «من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون، واكسوه مما تلبسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله» (١)، وقياساً عليه يمكن القول بأن الخادم أو السائق أو المستخدم الذي لا يلائم صاحب العمل في طباعه؛ فالأفضل مفارقته؛ والبحث عن غيره، حتى لا يقع رب العمل في ظلمه والإضرار به.
وهذا الأدب في التعامل مع الخدم المسيئين نبه عليه النبي ﷺ رجلاً قعد ذات يوم بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يُكذِّبونَني ويخونونَني ويعصونَني؛ وأشتمُهم وأضربُهم، فكيف أنا منهم؟ فأجابه ﷺ ناصحاً وواعظاً: «يحسب ما خانوك وعصوك وكَذّبوك، وعقابُك إياهم، فإن كان عقابُك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابُك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل».
стр. 39
فتنحى الرجل، فجعل يبكي ويشهق لما يعلم من حاله مع مملوكيه وما ينتظره بين يدي الله الديان يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ : «أما تقرأ كتاب الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: ٤٧)»، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم، أشهدكم أنهم أحرار كلهُم (١).
وقد حذر النبي ﷺ في حديث آخر من سوء المعاملة أبلغ تحذير وأشده حين قال: «لا يدخل الجنة سيئ الملَكة» (٢)، والمراد سيء المعاملة مع العبيد والخدم، ويقاس عليه الخدم وغيرهم.
وفي رواية لابن ماجه زاد فيها: «فأكرموهم ككرامة أولادكم، وأطعموهم مما تأكلون» (٣).
وهكذا فالله يحسِب لنا وعلينا معاملتنا مع أولئك المساكين الذين يقومون بخدمتنا، والعاقل يضِنُّ بآخرته أن يفسدها معاملتُه لمثل هؤلاء الذين لا تلائمه طباعهُم، فالأفضل
стр. 40
مفارقتُهم والسلامة من ظلمهم ومن الوقوف بين يدي الله يوم الحساب للقصاص لهم.
وما فتئ النبي ﷺ يزجر الذين يقسون على خدمهم، ومن ذلك أن عميراً مولى آبي اللحم قال: أمرني مولاي أن أجفف لحماً، فجاءني مسكين، فأطعمته منه، فعلم بذلك مولاي فضربني، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فدعاه فقال: «لم ضربتَه؟» فقال: يعطي طعامي بغير أن آمرَه. فقال ﷺ : «الأجر بينكما» (١) فأرشده النبي ﷺ إلى الخير الذي ساقه إليه غلامُه، فحق هذا الغلام عليه الشكر؛ لا الزجر والضرب.
وحتى اليوم الأخير من حياة النبي ﷺ لم يخل من وصاته ﷺ بالمستضعفين والمساكين؛ رغم ضعف جسده ووهنه وألام النزع، يقول أنس بن مالك: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول الله ﷺ يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه (٢)، فهل ترانا نقدر على تصور حال النبي ﷺ وهو في النزع الشديد، فلا يمنعه ذلك من الوصاة بكل ضعيف مستضعف،