← Сира

Сира · id 38152

الدين المعاملة

منقذ السقار

Полный текст (229 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الذين لا يجدون سوى الله ناصراً لهم، وليصغ الذين يضربون خدمهم إلى ما يرويه لنا أبو مسعود البدري بقوله: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط، فسمعت صوتاً من خلفي: «اعلم أبا مسعود» فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني؛ إذا هو رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: «اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» قال: فقلت لا أضرب مملوكاً بعده أبداً. وفي رواية: فقلتُ: يا رسول الله، هو حر لوجه الله. فقال ﷺ : «أما لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار» (١). وإذا كان هذا الضرب حراماً للملوك المقيد حريته؛ فهو أشد حرمة وإثماً في الخادم والسائق وأمثالهما؛ لكمال الحرية وتمامها. ويستنبط النووي بعض الفوائد من الحديث فيذكر منها: "الحث على الرفق بالمملوك، والوعظ والتنبيه على استعمالِ العفو وكظمِ الغيظ، والحكمِ [بالرحمة] كما يحكم الله على عباده" (٢).

стр. 37

وللحد من ظلم العبيد والتطاول عليهم بالضرب جعل النبي ﷺ ضرب المملوك من موجبات عتقه، حتى يخلص ضاربه من إثم الضرب والتطاول عليه، وقد أعتق ابن عمر مملوكاً له، ثم أخذ من الأرض عوداً فقال: ما فيه من الأجر ما يسوى هذا [أي أن عتاقه لغلامه ليس فيه أجر]، إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه» (١) فابن عمر إنما يعتق مملوكه لأنه ضربه، وكل ما يرقبه من عِتاقه أن يتجاوز الله عنه، ولا يرى أنه مستحق من الأجر ما يستحقه المتبرع بذلك ابتداء. وفي موقف آخر عالج النبي ﷺ بمثل هذا الدواء تطاول البعض على مستخدميهم، فيقول معاوية بن سويد: كنا بني مقرن على عهد رسول الله ﷺ ليس لنا إلا خادم واحدة، فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «أعتقوها» قالوا: ليس لهم خادم غيرُها. فقال: «فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها» (٢).

стр. 38

وحتى لا يقع المرء في ضرب خادمه أو الإساءة إليه أمر النبي ﷺ بالتخلص من المملوك الذي لا يلائم مالكه، حتى لا يكون خلاف الطباع بينهما سبباً في ظلمه واضطهاده، فقد قال ﷺ : «من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون، واكسوه مما تلبسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله» (١)، وقياساً عليه يمكن القول بأن الخادم أو السائق أو المستخدم الذي لا يلائم صاحب العمل في طباعه؛ فالأفضل مفارقته؛ والبحث عن غيره، حتى لا يقع رب العمل في ظلمه والإضرار به. وهذا الأدب في التعامل مع الخدم المسيئين نبه عليه النبي ﷺ رجلاً قعد ذات يوم بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يُكذِّبونَني ويخونونَني ويعصونَني؛ وأشتمُهم وأضربُهم، فكيف أنا منهم؟ فأجابه ﷺ ناصحاً وواعظاً: «يحسب ما خانوك وعصوك وكَذّبوك، وعقابُك إياهم، فإن كان عقابُك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابُك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل».

стр. 39

فتنحى الرجل، فجعل يبكي ويشهق لما يعلم من حاله مع مملوكيه وما ينتظره بين يدي الله الديان يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ : «أما تقرأ كتاب الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: ٤٧)»، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم، أشهدكم أنهم أحرار كلهُم (١). وقد حذر النبي ﷺ في حديث آخر من سوء المعاملة أبلغ تحذير وأشده حين قال: «لا يدخل الجنة سيئ الملَكة» (٢)، والمراد سيء المعاملة مع العبيد والخدم، ويقاس عليه الخدم وغيرهم. وفي رواية لابن ماجه زاد فيها: «فأكرموهم ككرامة أولادكم، وأطعموهم مما تأكلون» (٣). وهكذا فالله يحسِب لنا وعلينا معاملتنا مع أولئك المساكين الذين يقومون بخدمتنا، والعاقل يضِنُّ بآخرته أن يفسدها معاملتُه لمثل هؤلاء الذين لا تلائمه طباعهُم، فالأفضل

стр. 40

مفارقتُهم والسلامة من ظلمهم ومن الوقوف بين يدي الله يوم الحساب للقصاص لهم. وما فتئ النبي ﷺ يزجر الذين يقسون على خدمهم، ومن ذلك أن عميراً مولى آبي اللحم قال: أمرني مولاي أن أجفف لحماً، فجاءني مسكين، فأطعمته منه، فعلم بذلك مولاي فضربني، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فدعاه فقال: «لم ضربتَه؟» فقال: يعطي طعامي بغير أن آمرَه. فقال ﷺ : «الأجر بينكما» (١) فأرشده النبي ﷺ إلى الخير الذي ساقه إليه غلامُه، فحق هذا الغلام عليه الشكر؛ لا الزجر والضرب. وحتى اليوم الأخير من حياة النبي ﷺ لم يخل من وصاته ﷺ بالمستضعفين والمساكين؛ رغم ضعف جسده ووهنه وألام النزع، يقول أنس بن مالك: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول الله ﷺ يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه (٢)، فهل ترانا نقدر على تصور حال النبي ﷺ وهو في النزع الشديد، فلا يمنعه ذلك من الوصاة بكل ضعيف مستضعف،

стр. 41

فهل ترانا نعمل بوصية نبينا ﷺ الأخيرة ونتأسى به في الامتناع عن إيذاء من يعملون في خدمتنا؟ والوصاة بهؤلاء لا تتوقف عند منع الإساءة إليهم، بل ترتفع إلى المطالبة بحسن معاملتهم وعدم إرهاقهم بتكالف العمل، بل وبالاهتمام بهم ومشاركتهم في الملبس والمطعم، فقد قال ﷺ : «إخوانكم خولُكم [أي خدمكم وعطية الله لكم] جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده؛ فليُطعمه مما يأكل، وليُلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (١). وفي حديث آخر قال ﷺ : «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» (٢)، وفي هذا الحديث "النهي عن سب الرقيق وتعييرهم بمن ولدهم، والحث على الإحسان إليهم والرفق بهم، ويلتحق بالرقيق من في معناهم من أجير وغيره، وفيه عدم الترفع على المسلم والاحتقار له .. وإطلاق الأخ على الرقيق، فإن أريد القرابة فهو على سبيل المجاز لنسبة الكل إلى آدم" (٣).

стр. 42

من حقوق الخدم والمستخدمين: ومما يوصي به النبي ﷺ في حق الخادم أن يطعمه صاحب العمل من طعامه، لا بل يوصيه ﷺ أن يأكل معه، لا أن ينفرد عنه في الطعام كبراً وترفعاً، فقد قال رسول الله ﷺ : «إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي علاجه [أي طبخه]) (١). وقد سبق النبي ﷺ إلى هذه الخلة الجميلة، إطعام الخادم، فقد أهدى الصحابي الجليل أنس بن مالك لرسول الله ﷺ ثلاثة طوائر، فأطعم خادمَه طائراً (٢). أما حين يقصر صاحب العمل بمسؤوليته فلا يؤدي حقوق خدمه عليه، فإن شرع الله يجعله محلاً للعقوبة والزجر، فحين أساء حاطب بن أبي بلتعة إلى رقيقه، فقصر في إطعامهم سرقوا، فرفع الأمر إلى عمر، فغرمه بذنبهم، وعفا عنهم. وتفصيل القصة يحكيه لنا يحيى بنُ عبد الرحمن بن حاطب، فيذكر أن رقيقاً لجده حاطب سرقوا ناقة لرجل من

стр. 43

مزينة، فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب، فأمر عمر أن تقطع أيديهم. ثم استدرك عمر، فقال لحاطب: (أراك تجيعهم، والله لأغرمنّك غُرماً يشق عليك)، فأمره أن يدفع للمزني ضعف ثمن الناقة التي سرقها رقيقه، وعفا عنهم بعد أن رأى في جوعهم شبهة تدرأ الحد. ومما ينبغي للخادم من الحق زيارته في مرضه وتفقد أحواله؛ ولو كان هذا الخادم غير مسلم، كما صنع النبي ﷺ مع غلام يهودي كان يخدمه، فمرض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ ، فأسلم. فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي أنقذه من النار» (١). وهذه العيادة للأجير غير المسلم هي بعض البر الذي أوصى به الله في القرآن بقوله: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ

стр. 44

وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٨)، والبر المأمور به شامل لكل أنواع الخير وحسن الخلق. ومما يوصي به ﷺ من حقوق الخدم المسارعة إلى توفيتهم أجورهم وحقوقهم من غير بخس ولا مطل، فقد قال ﷺ : «أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (١). وأما الذين يأكلون حقوق الأجراء فيحذرهم ﷺ بأنه سيكون خصمهم يوم القيامة، فقال: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمتُه يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً، فاستوفى منه ولم يوفه أجره» (٢)، وهو ﵊ خصم لجميع الظالمين؛ إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح (٣)، فهم متوعدون بالظلمات يوم القيامة: «اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة» (٤).

стр. 45

وهكذا، فإن ما سقناه من هدي النبي ﷺ في التعامل مع العبيد والموالي، يحثنا على حسن معاملة خدمنا وسائقينا وغيرهم من أُجرائنا؛ إذ هم مشتركون معهم في الضعف وقلة الحيلة، فهؤلاء ظلمهم من أشد الظلم وأقساه، وهذا هو ميزان محبة النبي ﷺ الذي ندعيه جميعاً. لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع

стр. 46

الفصل الثاني: معاملة النبي ﷺ وهديه في حال الخطأ وفيه مبحثان: المبحث الأول: القود من النفس المبحث الثاني: التعامل مع المخطئ

стр. 47

المبحث الأول: القود من النفس كلٌ منا يخطئ في حق الآخرين، فلربما أخذ شيئاً من أموالهم بغير حق، ولربما استطال عليهم بالضرب أو السخرية أو الهمز واللمز، وكل ذلك مسجل علينا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولسوف نوفى قصاصَه يومَ القيامة بين يدي الله الحكمِ العدلِ. والعاقل الحصيف هو من يتخلص من هذه الذنوب والمظالم في الدنيا باسترضاء أصحابها وطلب صفحهم ومسامحتهم، أو بتمكين المظلومين من القود منه والأخذِ بقدر مظلمتهم، فهذا خير له من أن يأتي يوم القيامة مع المفلسين «المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه؛ أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار» (١) فهذا مصير البطالين الذين ما عرفوا قدر الله ولا خافوا جزاءه.

стр. 48

وأما المؤمن فيَفْرَق من عقاب الله وحسابه، فيتقيه بخصلة جميلة، وهي العدل والإنصاف من النفس والاعتراف بالحق والتراجع عن الظلم؛ هذه فضائل أمر بها الله في القرآن ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ (النحل: ٩٠)، والتزمها النبي ﷺ ، وهو الذي كان خلقه القرآن. قال المناوي: "والإنصاف من نفسك أي معاملة غيرك بالعدل والقسط، بحيث تحكم له على نفسك بما يجب له" (١). وقد كان رسول الله ﷺ أخوف الناس لربه وأخشاهم له، وكان أحرصهم على أن يلقى الله وليس لأحد عليه مظلمة، وهذا بيّن وجلي لمن تدبر أحواله ﷺ التي أنصف من نفسه، فلقي الله وليس لأحد في رقبته حق يسأله عنه يوم القيامة. فقبيل وفاته ﷺ وُعِك، فعصب رأسه، وأخذ بيدي الفضل، فأقبل حتى جلس على المنبر، ثم خطب فقال: «أما بعد، أيها الناس، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، وإنه قد دنا مني خُفُوق من بين أظهركم [أي اقترب موته ﷺ ]، فمن كنتُ جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن

стр. 49

كنتُ شتمتُ له عرضاً فهذا عرضي فليستقدْ منه، ومن كنتُ أخذتُ له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه» (١). وحذراً من استحياء الصحابة عن المطالبة بحقوقهم قال لهم ﷺ : «لا يقولن رجل: إني أخشى الشحناء من قِبل رسول الله ﷺ ، ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي ولا من شأني، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ حقاً إن كان له، أو حللني فلقيتُ الله وأنا طيب النفس» (٢). ولما سمع الصحابة تأكيد النبي ﷺ على تذكيره بحقوقهم، وأن ذلك مدعاة لمحبته ﷺ قام رجل فقال: يا رسول الله، إن لي عندك ثلاثة دراهم. فقال ﷺ : «أما أنا فلا أكذب قائلاً، ولا أستحلفه على يمين، فيم كانت لك عندي؟» فقال: يا رسول الله أتذكر يوم مر بك المسكين، فأمرتني، فأعطيتُه ثلاثة دراهم، فقال ﷺ مخاطباً ابن عمه الفضل بن العباس: «يا فضل أعطه» (٣).

стр. 50

وفي يوم بدر، وبينما النبي ﷺ يعدل صفوف أصحابه بقدح في يده؛ مر بسواد بن غزية وهو خارج من الصف، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: «استو يا سواد»، فقال: يا رسول الله! أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني. وهنا يقف التاريخ على أطراف قدميه ليرى فعل هذا النبي القائد، جنديُه يطالبه القود أمام شعبه ورعيته، الذين تثور في مخيلتهم مآثر النبي ﷺ عليهم، فهو رحمة الله لهم، استنقذهم الله به من النار، فهل يمكن بعد هذا أن يضرب ﷺ وهو حبيب رب العالمين؟ هل سيسلم أشرف الخلق وخاتم النبيين نفسه لميزان العدل الذي ما زال يدعو إليه منذ أن بعثه الله؟ نعم، لقد كشف رسول الله ﷺ عن بطنه، وقال: «استقد». لكن سواداً كان أعرف الناس بحق النبي ﷺ وفضله على الناس، فأقبل على بطن النبي ﷺ يقبِّلها. فيتساءل النبي ﷺ : «ما حملك على هذا يا سواد؟» ألا تريد القود والنصف والعدل، فدونك بطني، وخذ حقك قبل الوقوف بين يدي العظيم الذي يحسب عنده الحقير والقطمير، فقال سواد: يا رسول الله، حضر ما ترى من القتال، فأردت أن

стр. 51

يكون آخر العهد بك: أن يمس جلدي جلدَك (١)، درس بليغ في الحب والعدل، لا يتسامى إلى عليائه إلا العظماء. وفي موطن ثالث، وبينما النبي ﷺ يمازح أسيدَ بن حضير؛ طعنه في خاصرته بعود، فقال أسيد: أصبرني. [أي أقدني من نفسك]. فما تريث النبي ﷺ في الأمر وما تلكأ، بل قال: «اصطبر» [أي استقد]. أما أسيد فقد أغراه ما يعرفه من عدل النبي ﷺ وإنصافه لطلب المزيد من النصفة، فقال: يا رسول الله، إن عليك قميصاً، وليس علي قميص؟! فرفع النبي ﷺ عن قميصه إحقاقاً للعدل، فاحتضنه أسيد، وجعل يقبل كشحه، ويقول: إنما أردت هذا يا رسول الله (٢). وهكذا، فرسول الله ﷺ لا يرى بأساً أن يقيد من نفسه في سبيل طلب الصفح والسلامة في الآخرة، وهو الذي غفر الله

стр. 52

له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهل ترانا نصنع هذا مع من نخطئ عليهم في حياتنا اليومية؟ أولسنا أحوج إلى هذا من نبينا ﷺ ؟ واستدان النبي ﷺ من الحبر اليهودي زيد بن سعنة، وقبل حلول أجل الدين بثلاثة أيام أقبل الحَبر يتقاضاه، فجبذ ثوب النبي ﷺ عن منكبه الأيمن، ثم قال: إنكم يا بني عبد المطلب أصحاب مَطلْ [أي مماطلة وتأخير في رد الدين]، وإني بكم لعارف. فانتهره عمر لسوء أدبه وغلظته وفجاجته، وقال: (يا يهودي، أتفعل هذا برسول الله، فو الذى بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك)، أفهكذا يطلب صاحب الحق حقه ممن لا يجحده ولا يتلكأ في أدائه؟! أنسي حبر اليهود أنه يعيش في المدينة بأمان محمد ﷺ وذِمَّته؟ أهكذا تتحدث السوقة مع الخاصة؟ أما كفاه سلاطة لسانه وقلة أدبه حتى تجرأ بجذب ثوب النبي ﷺ ؟ لكنه ﷺ نهر عمر، وقال له بإنصاف المؤمن وحِلمِه والبسمة تملأ وجهه الشريف: «يا عمر، أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج: أن تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي، انطلق يا عمر أوفه حقه».

стр. 53

ولم يقف ﷺ عند مقتضى العدل، بل قال: «أما إنه قد بقي من أجله ثلاث، فزده [يا عمر] ثلاثين صاعاً لتزويرك عليه» (١). ويروي لنا أبو هريرة مشهداً آخر مشابهاً، فيذكر أن النبي ﷺ اقترض من رجل، فجاء صاحب الدين إلى النبي فأغلظ له في القول، فهمَّ به أصحاب النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «إن لصاحب الحق مقالاً، فقال لهم: اشتروا له سناً فأعطوه إياه». فقالوا: إنا لا نجد إلا سناً هو خير من سنه. قال: «فاشتروه، فأعطوه إياه، فإن من خيركم أو خيرَكم أحسنكم قضاء» (٢). وإن من أقاد من نفسه وأعطى العدل منها لهو من باب أولى يعطيه من قومه وعشيرته وأصحابه، وهو ما صنعه الأسوة الحسنة ﷺ حين بعث أبا جهم بن حذيفة لأخذ الصدقة من بني ليث، فلاجَّه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: القود يا رسول الله؟! فجعل النبي ﷺ يعرض عليهم الصلح، فيقول: «لكم كذا وكذا»، فلم يرضوا.

стр. 54

فقال: «لكم كذا وكذا»، فلم يرضوا فقال: «لكم كذا وكذا»، فرضوا ثم صعد النبي ﷺ المنبر، فأخبر الناس بخبر الليثيين، وأنهم لم يرضوا أول الأمر، فقام المهاجرون وهموا بهم سوءاً لولا أن رسول الله ﷺ كفهم، ثم دعا الليثيين، فقال: «أرضيتم؟»، فقالوا: نعم (١). وقد فقه الصحابة هذا المبدأ العظيم من العدل والإنصاف من النفس، فوقف عمر يخطب الناس زمن خلافته فقال: أيها الناس، إني ما أُرسل إليكم عمالاً ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنةَ نبيكم، فمن فُعل به شيء سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقصنَّه منه. فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لو أن رجلاً أدب بعض رعيته أتقصه منه؟ قال: إي والذي نفسي بيده أقصه، وكيف لا أقصه وقد رأيت النبي ﷺ يقصُّ من نفسه (٢).

стр. 55

ويؤكد ابن شهاب الزهري على شهرة هذا الخلق الكريم بين الصحابة، فيقول: "إن أبا بكرٍ الصديق وعمرَ بنَ الخطاب وعثمانَ بنَ عفان ﵃ أعطوا القَوَد من أنفسهم وهم سلاطين، فلم يُستقَد منهم" (١). وهكذا، فإن الحصيف من الناس يطلب السلامة في آخرته، فيتحلل من المظالم أو يردها، خشية أن يحاسب عليها يوم القيامة، وأسوته في ذلك محمد ﷺ القائل: «من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ إلا الحسناتُ والسيئاتُ» (٢).

стр. 56

المبحث الثاني: التعامل مع المخطئ خلق الله الإنسان وفي جبلته وتكوينه القصور والوقوع في الخطأ، فنحن جميعاً ذوو نسب عريق في الخاطئين والمخطئين. لكننا مع يقيننا بهذه المسلَّمة لا نكاد نتذكرها إلا حين يخطئ أحدنا، فيستعتب ويعتذر بالاستشهاد بقوله ﷺ : «كل بني آدم خطاء»، ويرى أن من حقه على الآخرين أن يقبلوا عذره ويصفحوا عن زلله، إذ هو أخوهم غير المعصوم من الخطأ. لكن الواحد فينا ينسى هذه المسلّمة تماماً حين يخطئ الآخرون في حقه، فيعصيه ابنه، أو تتلكأ في تنفيذ أمره زوجُه، التي هي أيضاً تغضب من خادمتها حين احترق الطعام بسبب نسيانها، وأما ابنهما فقد هجر صاحبه وخله الوفي لأنه أخطأ في التصرف معه ذات مرة، وهكذا ينسى الواحد فينا أنه أحد هؤلاء المخطئين، وتثور ثائرته بسبب، وأحياناً من غير سبب. وهنا تحين منا اِلتفاتة إلى النبي الأعظم ﷺ ، لنتلمس هديه ﷺ في التعامل مع المخطئين، لنرى كيف قوَّم ﷺ اعوجاجهم؟ هل صرخ في وجوههم؟ هل تناولهم بالضرب والتجريح؟ فإذا عرفنا ذلك؛ فإنا نتعلم منه ﷺ كيف ينبغي أن نتعامل مع المخطئ.

стр. 57

الحلم والعفو والإحسان إلى المسيء: أول الأخلاق العظيمة التي يقابل المؤمن فيها جهل الآخرين عليه وإساءتهم إلى شخصه؛ أن يلقاهم بالعفو والحلم، بدلاً من الغضب والانتقام، فإن الحلم والعفو خلقان يحبهما الله تعالى، ويحبهما رسوله المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق. لقد أصبح من البدهي أن يعفو المرء ويتجاوز في مقابل من يعلوه شرفاً أو مالاً أو منزلة، فيحْلُمَ عن إساءة رئيسه في العمل أو أخيه الأكبر أو غيرِهم، لكن ذلك ليس من الحِلْم، وإن كان من جميل الصفات، فالحلم أن تتجاوز وتصبر على خطأ الجميع، الصغيرِ منهم والكبير، لذا أكد النبي ﷺ على التحلي بهذه الخصلة الجميلة تجاه أخطاء الضعفاء، كالخدم، فقد سأل رجل النبي ﷺ : يا رسول الله كم أعفو عن الخادم؟ فصمت رسول الله ﷺ ، فأعاد الرجل السؤال، وقال: يا رسول الله كم أعفو عن الخادم؟ فقال ﷺ : «كل يوم سبعين مرة» (١).

стр. 58

وفي معنى قوله: «سبعين مرة» يرى الكلاباذي أن المقصود منه الكثرة لا التحديد، فقد وردت أخبار بذكر السبعين في نصوص قرآنية ونبوية كثيرة، كلُها تدل على الكثرة، لا على التحديد والغاية، منها قول الله لنبيه عن المنافقين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (التوبة: ٨٠)، فليس هذا على التحديد والغاية؛ لأنه لو استغفر لهم مائة مرة لم يغفر الله لهم، لكونهم كفاراً منافقين (١). وأول منازل الحِلم؛ كظمُ الغيظ وتجرعُه واحتمالُ سببه والصبرُ عليه وعدمُ مواجهة أخطاء الآخرين بالسباب والصُراخ وغيرٍه من صور التضجر والتأفف، وقد حثّ على ذلك ﷺ بقوله: «من كظم غيظاً وهو قادر على أن يُنفذه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور العين شاء» (٢)، وهذا الحمد والجزاء لكظم الغيظ "لأنه قهرٌ للنفس الأمارة بالسوء، ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله:

стр. 59

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (آل عمران: ١٣٤)، ومن نهى النفس عن هواهُ فإن الجنةَ مأواه، والحورَ العين جزاؤه، وهذا الثناء الجميل والجزاء الجزيل ترتب على مجرد كظم الغيظ، فكيف إذا انضم العفوُ إليه، أو زاد بالإحسان عليه" (١). وهكذا فإن كظم الغيظ عند إساءات الآخرين من أحب الأعمال إلى رسول الله ﷺ ، الذي قال: «ألا إن عمل الجنة حزْنٌ بِرَبوة [أي كصعود مرتفع صعب]، ألا إن عمل النار سهل بسهْوة، والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعةٍ أحبُّ إلي من جرعة غيظ يكظِمها عبد، ما كظمها عبد للهِ إلا ملأ الله جوفَه إيماناً» (٢). قال ابن بطال: "مدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب، وأثنى عليهم، وأخبر أن ماعنده خير وأبقى لهم من متاع الحياة الدنيا وزينتِها، وأثنى على الكاظمينَ الغيظ والعافينَ عن الناس، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك" (٣).

стр. 60

لكن الإسلام وهو يهذب أنفسنا لا يكتفي بتصبيِر المرء نفسَه وهو يطوي الغيظ في قلبه على من أخطأ عليه، بل يطالبه بالانتقال إلى المنزلة الثانية من منازل الحِلم، وهي العفو عن المخطئ ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (آل عمران: ١٣٤)، ذلك أن "العفو عن الناس من أجلِّ ضروب فعل الخير؛ حيث يجوز للإنسان أن يعفو حيث يتجه حقُه ... وكظم الغيظ والعفو عن الناس من أعظم العبادة وجهاد النفس" (١). وقد كان النبي ﷺ يربي أصحابه على التجمل بصفة العفو، يقول أنس بن مالك: (ما رأيت النبي ﷺ رفع إليه شيء فيه قِصاص إلا أمر فيه بالعفو) (٢)، فالعفو عن المخطئ ومسامحته خلق جليل أمر الله به نبيه ﷺ : ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر: ٨٥). وقد سبق ﷺ إلى خلة العفو؛ فما كان قلبه ينطوي على غيظ على صاحب إساءة، فحين مرّ بمجلس المنافق عبدِ الله بنِ أُبي ابن سلول، أساء الأدب مع النبي ﷺ ، فاستشار النبيُّ ﷺ

стр. 61

في أمر إساءته سعدَ بنَ عبادة سيد الخزرج، فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه، واصفح عنه، فوالذي أَنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أُنزل عليك، وقد اصطلح أهل هذه المدينة على أن يتوجوه، فيُعصِّبوه بالعِصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شَرَق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ (١). ولما كتب النبي ﷺ كتاب صلح الحديبية مع كفار قريش كره بعض سفهائهم الصلح مع المسلمين، ونزل ثمانون رجلاً منهم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غِرَّة النبي ﷺ وأصحابه، لكن الله خذلهم وكشف أمرهم فأُخِذوا، واستحياهم النبي ﷺ أي عفا عنهم، ففي شأن هؤلاء أنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (الفتح: ٢٤). وحين دخل النبي ﷺ مكة فاتحاً مر بشعابها التي عذب فيها أصحابه وقتلوا في سبيل دينهم، والذكريات المؤلمة تتخايل أمام عينيه، ولو تخايلت أمام ناظري ملك أو سوقة لأشعلت

стр. 62

من حب الانتقام ما يحرق بشرره قلوب الطغاة ويشفي صدور المستضعفين. لكن تلك الذكريات على مرارتها لم تمنع النبي ﷺ من الصفح الجميل فآثره على الانتقام والتشفي، فنادى أهل مكة: «ما تقولون إني فاعل بكم؟». فقالوا والخوف المختلط بالرجاء يملأ قلوبهم: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم. فتعالى النبي ﷺ على عمق الجراحات وألم العذابات وقال: «أقول كما قال أخي يوسف: ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (يوسف: ٦٤)، اذهبوا فأنتم الطلقاء» (١). وعفو النبي ﷺ وتجاوزه عن مظالم قريش هو امتثال لأمر الله تعالى، حيث قال آمراً نبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩)، فهذه الآية "تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات فقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغيرُ ذلك من أخلاق المطيعين.

стр. 63

ودخل في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار. وفي قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحضُ على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغيرُ ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة" (١). ومن عفوه ﷺ مسامحته لليهودية التي همّت بقتله يوم خيبر، فأتته بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها فقيل: ألا نقتلها؟ فقال الرحمة المسداة ﷺ : «لا» (٢)، فعفا عنها النبي ﷺ ، فلما مات بشر بن البراء بسبب ذلك السمِّ أمر النبي ﷺ بقتلها قصاصاً له. وفي مرة أخرى نام النبي ﷺ تحت شجرةٍ، علق بها سيفه، فجاء أعرابي فاخترط سيفه، فاستيقظ النبي ﷺ والسيف في يده صَلتاً، وهو يقول: من يمنعُك مني؟ فقال النبي ﷺ بلسان المؤمن المستعين بربه: «اللهُ ».

стр. 64

فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ فما وجد الأعرابي إلا أن يقول مسترحماً: كن كخير آخذ. فقال ﷺ : «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: لا، ولكني أعاهدُك أن لا أقاتِلَكَ، ولا أكونَ مع قوم يقاتلونك، فخلى النبي ﷺ سبيله، فذهب إلى أصحابه، فقال: قد جئتُكم من عندِ خير الناس (١). قال ابن حجر: "كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته، فمنَّ عليه لشدة رغبة النبي ﷺ في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام، ولم يؤخذ بما صنع، بل عفا عنه" (٢). وتخلق النبي ﷺ بصفة العفو مذكور في الكتب التي تنبأت عنه ﷺ قبل الإسلام، فقد روى البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: (والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن .. ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء

стр. 65

بأن يقولوا: لا إله إلا الله. ويفتح بها أعيُناً عُمياً، وآذاناً صُماً، وقُلوباً غُلفاً) (١). وقوله: (ولا يدفع بالسيئة السيئة) معناه: "لا يسيء إلى من أساء إليه على سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك لله حرمة، لكن يأخذ بالفضل كما قال تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (الشورى: ٤٣) " (٢)، فصدق فيه ﷺ ما قاله الله في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى: ٣٧)، أي "يتجاوزون ويحلمون هم عمن ظلمهم .. وهذه من محاسن الأخلاق، يشفقون على ظالمهم، ويصفحون عمن جهل عليهم، يطلبون بذلك ثواب الله تعالى وعفوه" (٣). وكما امتثل النبي ﷺ صفة العفو فإنه رغب أمته بهذا الخلق النبيل: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (٤).

стр. 66

وقد امتثل هذا الخلق المؤمنون تأسياً به ﷺ ، ومنهم الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ حين قدم عليه عيينة بن حصن فقال مخاطباً الخليفة الذي دانت له الروم والفرس: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همَّ به. فقال له الحُرُّ بنُ قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بالْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٩)، وهذا من الجاهلين. يقول ابن عباس: والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله (١). لكن المثال الأعلى في التعامل مع المخطئين ليس الوقوف على حال كظم الغيظ والعفو فحسب، بل الانتقال إلى منزلة ثالثة أعظم، وهي الإحسان إلى المخطئ، فكظم المرء غيظه فعل حسن، وأحسنُ منه العفو عن المسيء، وأعظم من هذا وذاك أن نحسن إلى من أساء إلينا، فنقابل الإساءة بالإحسان ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء

стр. 67

وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤). وحين أخبر الله تعالى نبيه عن بعض مكر المشركين من أهل الكتاب وخيانتهم له؛ أمره بالعفو عنهم والصفح، لا بل حثه على الإحسان إليهم: ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٣). وعلم النبي ﷺ أصحابه خلة الإحسان إلى المسيء بفعله الجميل حين جاءه رجل يشكو قرابته الذين يقابلون إحسانه بالإساءة، فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصِلُهم ويقطعون، وأحسنُ إليهم ويسيئون إلي، وأحلُم عنهم ويجهلون علي؟! فقال ﷺ مشجعاً له على الاستمرار في الإحسان إلى المسيئين: «لئن كنتَ كما تقول فكأنما تُسِفُّهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دُمت على ذلك» (١). لقد أمر الله تعالى نبيه وأتباعه من المؤمنين بمقابلة الإساءة بالحسنة: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (المؤمنون: ٩٦)، وقد قال ترجمان القرآن ابن عباس في تفسيرها: (الصبر عند الغضب،

стр. 68

والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوه عصمهم الله وخضع لهم عدوهم) (١). ولن يفوتنا تأمل الهدي النبوي في التعامل مع إساءة كبرى تتعلق بالعِرض، وهو من أعظم ما يُغضَب له وينتقم، وذلك في قصة أبي بكر الصديق مع ابن خالته مِسطح بنِ أثاثة، فقد كان الصديق يتعهده بالنفقة والإحسان والرعاية، فلما تحدث أصحاب الإفك في ابنته عائشة كان مسطح فيمن تحدث فيها، فقال أبو بكر: والله لا أنفق على مِسطح شيئاً أبداً. ولو قدر لأحدنا أن يمثُل في مثل هذا الموقف لأرعد وأزبد، ولسب وجدّع، ولربما قتل أو ارتكب جناية، إذ قد يعفو المرء عن كل جناية إلا فيما يخص الأعراض، فكيف يكون الحال والأمر متعلق بالطاهرة أم المؤمنين وحبيبة رسول رب العالمين. وإذا كان الظلم من الغريب مفهوماً؛ فإنه مستنكر وقبيح من القريب، ويزيد قبحه إذا كان بحق محسن وصاحب حق، لذا فلا أرى الصديق جانب العدل حين قرر: (والله لا أنفق على مِسطح شيئاً أبداً).

стр. 69

لكن الله يرتفع بالمؤمن عن مرتبة العدل إلى منزلة الفضل، فأنزل: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ (النور: ٢٢)، فقال أبو بكر: (بلى، والله إني أحب أن يغفر الله لي). فأعاد النفقة عليه، وقال: (والله لا أنزعها منه أبداً) (١). ولو همست في أذن الكثيرين منا اليوم: أين موقعنا من هذه الأخلاق في التعامل مع المسيئين فإن الإجابة ستكشف بُعدَنا الكبير عن منهج النبي ﷺ . ولو سألنا واحداً من هؤلاء المتنكبين هدي النبي ﷺ في العفو والصفح والإحسان إلى المسيء؛ لاعتذر بأن المعاملة الحسنة مع المخطئين تغريهم بالمزيد من الإساءة، وأنه بتجربته الواسعة اكتشف أن العنف والضرب أقدر على إصلاح العوج وتقويمه من أي وسيلة أخرى، فالضرب هو الطريق الأقرب في تقويم الاعوجاج عند الكثيرين منا، فهو ميسور يقدر عليه كل واحد منا؛ وبخاصة إذا كان المخطئ أو المقصر بحقنا أضعف منا،

стр. 70

كالابن أو الخادم، وأحياناً يمارسه بعض السفهاء - ممن لم يفهم شراكة الزوجة وحقوقها - مع زوجته، فيستقوي على أنوثة لطيفة بذكورة جافية لم تبلغ به قدر الرجال. ونقول لهؤلاء وأولئك: إن الذين تتحدثون عن تقويمهم بالضرب من جنس أولئك الذين احتمل النبي ﷺ أخطاءهم، فرباهم بغير الضرب والعنف، رغم أن جرم بعض أولئك أكبر بكثير من أخطاء أبنائنا أو خدمنا أو زوجاتنا، ومع ذلك فإن سيد الرجال محمد ﷺ ما كان يستخدم الضرب وسيلة في تقويم اعوجاج معوج، فلم يضرب ﷺ قط أحداً تأديباً، وما كان الضرب والعنف مسلكاً له ﷺ إلا في ميادين الجهاد والتضحية في سبيل الله، حدَّثت بذلك زوجه الصديقة عائشة ﵂ فقالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله» (١). نعم، الضرب وسيلة مباحة شرعاً ومقبولة في دروب التربية وتصحيح الخطأ إذا انضبطت بضوابطها الشرعية وآدابها، لكن تركه أفضل وأولى (٢)، تأسياً بالنبي ﷺ ، واستعاضة عنه بوسائله

стр. 71

- ﷺ في التربية، تلك الوسائل التي لا يكاد يطرقها الكثير من الآباء مع أبنائهم، ولا المعلمون مع طلابهم، لكنه محمد ﷺ معلم الأمة، وقدوة المربين إلى يوم الدين. منهج النبي ﷺ في تربية المخطئين: المخطئ له حق على مجتمعه، يتمثل في نصحه وتقويم اعوجاجه بأفضل الطرق وأقومها، وهو ما لم يفرط به ﷺ ، بل كان سيد الناصحين، وأستاذ الموجهين، وأول وسائله ﷺ في التربية ومعالجة الخطأ؛ التربية بالابتسامة، الابتسامة الحانية يعاتب فيها ﷺ المخطئ ويوجهه ويقوِّم سلوكه، فحين تخلف كعب بن مالك الأنصاري عن النبي ﷺ يوم تبوك من غير عذر دخل عليه، وقد فاته الخير العظيم، بل رتع في الإثم الكبير الذي يوجب تأنيبه وتهذيبه، فالتخلف عن تلك الغزوة بلا سبب من كبائر الذنوب والآثام. ولنصغ إلى كعب وهو يصف لنا لقاءه بالنبي ﷺ حين رجوعه من تبوك: "فجئته فلما سلمت عليه؛ تبسَّم تبسُّم المغضب" (١).

стр. 72

عقاب فريد لا يكاد يتذكره عباقرة التربية، عاقبه بابتسامة قرأ كعب من خلالها الحب الممزوج بالعتاب والتهذيب؟! من غير سباب ولا صراخ، لم لا نحاول اليوم تعلم هذا الفن من فنون التربية؟ إن ابتسامة المغضب تتناسب مع عظم الجرم، لكنها ليست النوع الوحيد من ضروب التربية بالابتسام، ففي أحيان أخرى كان رسول الله ﷺ يقابل الخطأ بابتسامة من نوع آخر، ابتسامة الحنان والحب الدافق، كما صنع مع خادمه أنس بنِ مالك ﵁ لما أمره النبي ﷺ أن يذهب في بعض حوائجه، فانشغل عنها بلعب الصبيان كعادة أطفالنا اليوم وغداً وفي كل حين. فقد خرج أنس ﵁ لحاجة النبي ﷺ ، فرأى الصبيان يلعبون في السوق، فانشغل عن حاجة النبي ﷺ باللعب معهم، كما ينشغل كثير من غلماننا اليوم، فاستبطأه النبي ﷺ وخرج يبحث عنه، فوجده يلعب مع الصبيان، فلله دره ما أحلمه ﷺ ، مَن من الآباء أو المربين يطيق صبره على مثل هذا الغلام؟ ما صرخ ﷺ ولا ضرب ولا سب؟ حاشاه فهو أسوة المسلمين الذي رباه رب العالمين. لنصغ إلى أنس وهو يقص علينا خبره مع النبي ﷺ ، فيقول: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلقاً، فأرسلني

стр. 73

يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ . فخرجت حتى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: «يا أُنيس، أذهبتَ حيث أمرتك؟» فقلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله (١). لقد ضحك ﷺ ، وأدرك أن خادمه طفل يعرض له ما يعرض لأمثاله من حب اللعب والتشاغل به، فنبهه على تقصيره بيد حانية أمسكتْ بقفاه، وشفعها بابتسامة حانية، تجدد الحب وتلتمس المعاذير. وأما صيغة النداء مع هذا الصبي المتشاغل باللعب، المتلكئ عن المبادرة والمسارعة لتنفيذ أمر النبي ﷺ ، فهي درس آخر من دروس التربية والتوجيه، فقد قال له ﷺ متحبباً: «يا أُنيس»، وتصغير الاسم ضرب من ضروب التحبب والتألف والتودد، وهو خير من قواميس الكلمات النابية التي ننشرها في وجوه أبنائنا وخدمنا وغيرهم ممن يخطئون علينا أو يتلكؤون في تنفيذ أوامرنا التي نظن أنها لا تقبل التلكؤ والتأخير.

стр. 74

وذات يوم دخل شاب على نبي الطهر والفضيلة ﷺ يستأذنه في أمر جلل فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا! أمر عجب، يستأذن أطهر البشر في صنع أرذل الخطايا، أما يستحي! أما يرعوي! لقد ناله من الصحابة رضوان الله عليهم ما يتوقع لمثله من التقريع والتأنيب، يقول أبو أمامة: فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه. وأما النبي ﷺ ، فقد أدرك أن مشكلة الشاب وانحرافه لن يقوَّم بالزجر والوعيد والتقريع، فقال ﷺ له: «ادنه» فدنا منه الشاب قريباً فقال له ﷺ : «أتحبه لأمك؟» فانتفض الشاب غَيرة على أمه وقال: لا، والله جعلني الله فداءك. فقال له ﷺ : «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم». ومضى النبي ﷺ يستثير كوامن الغيرة الممدوحة في صدر الشاب: «أفتحبه لابنتك؟» فأجاب الشاب: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. فأجابه النبي ﷺ بمنطقية المربي: «ولا الناس يحبونه لبناتهم». ثم جعل رسول الله يستل بحكمته ومنطقه دخن قلبه، ويطفئ نار شهوته بتعداد محارمه، «أتحبه لأختك؟ .. أتحبه لعمتك؟ .. أتحبه لخالتك؟» هل تحب أن تراهُنَّ وقد تعرضن

стр. 75

لمثل ما تريده من محارم الآخرين؟! فالناس يكرهون هذه الفعلة في محارمهم، كما كرهها هو في أهله. فلما استبشع الشاب فِعلة الزنا؛ طلب ﷺ له سبباً آخر من أسباب الهداية يغفل عنه الآباء والمربون، ألا وهو دعاء الله الذي يملك أزِمّة القلوب ومفاتيحها، فقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه». واستجاب الله له، يقول أبو أمامة ﵁: فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء (١). قصة بليغة تضمنت دروساً متعددة في التعامل مع المخطئ، ليس أولها الدعاء له والحنو عليه، والسماح له بالتعبير عن كوامنه، واستجاشة الخير الذي لا يخلو منه قلب خاطئ أبداً، وفيها دعوة لنا لنراجع أنفسنا، ونغير من طريقتنا في التعبير عن ضجرنا من أخطاء أبنائنا وأصدقائنا، فالسب والشتم الذي نكيله للمخطئين لن يكون سبباً في إصلاحهم وتهذيب سلوكهم وتعريفهم بأخطائهم. ويضيف النبي ﷺ في موقف آخر مأثرة أخرى يدعى إلى مثلها المربون، وهي ترك العتاب والتدقيق والتحقيق الذي
следующие страницы →