← Сира

Сира · id 38152

الدين المعاملة

منقذ السقار

Полный текст (229 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

رواية: «من منح مَنيحة غدت بصدقة، وراحت بصدقة، صَبوحِها وغَبوقِها» (١)، والمنيحة تدور حول معنيين"أحدهما أن يعطي الرجل صاحبَه صلة فتكونَ له، والآخر أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفعُ بحلْبها ووَبرِها زمناً ثم يردُها" (٢). كما حث النبي ﷺ على إهداء منفعة الفضول التي تزيد عن حاجة صاحبها، ولو كانت أرضاً، يقول جابر ﵁: كانت لرجال منا فضول أرضين فقالوا: نؤاجرها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحْها أخاه؛ فإن أبى فليمسك أرضه» (٣). قال الملا علي القاري في شرحه: "ينبغي أن يحصُل للإنسان نفعٌ من ماله، فمن كانت له أرض فليزرعها حتى يحصُل له نفع منها، أو ليعطها أخاه ليحصُل له ثواب، فإن لم يفعل هذين الشيئين فليمسك أرضه، فهذا توبيخ لمن له مال ولم يحصُل له منه نفع" (٤).

стр. 177

ولما خرج ﷺ إلى أرض تهتز زرعاً فقال: «لمن هذه؟» فقالوا: اكتراها فلان. فقال: «أما إنه لو منحها إياه كان خيراً له من أن يأخذ عليها أجراً معلوماً» (١). إهداء الطعام ومما شرع النبي ﷺ إهداءه؛ الطعام، وهذا يشمل الغني والفقير، والإطعام أوسع من الصدقة التي هي مخصوصة بالفقير وذي الحاجة، بينما الإطعام يكون للغني والفقير، أي هو نوع عام من الصلة والبر، وهو من أفضل القربات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه، فهو باب من أبواب الجنة: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، واضربوا الهام؛ تورثوا الجنان»، وفي حديث آخر يقول ﷺ : «إن في الجنة غرفاً، ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها»، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام» (٢). ولما أتى النبي ﷺ المدينةَ المنورة أتاه حَبْرُ اليهود عبدُ الله بن سلام يقول: فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبتُ وجه

стр. 178

رسول الله ﷺ عرفت أن وجهَه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به ﷺ أن قال: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام» (١). بل إن النبي ﷺ لما سأله عمرو بن عبسة: ما الإسلام؟ أجابه النبي ﷺ بذكر خصلتين عظيمتين، إحداهما إطعام الطعام، فقد قال ﷺ : «لين الكلام وإطعام الطعام» (٢). وأتاه ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله وتصديق وجهاد في سبيل الله وحج مبرور»، فقال الرجل: أكثرتَ يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «فلين الكلام وبذل الطعام وسَماح وحُسن خلق» (٣). ولما جاء أعرابي إلى النبي ﷺ قال: علمني عملاً يدخلني الجنة؟ فقال ﷺ : «لئن كنت أقصرتَ الخطبة لقد أعرضتَ المسألة، أعتق النسمة، وفك الرقبة .. والمنحة: الوكوف،

стр. 179

والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأْمُر بالمعروف، وانهَ عن المنكر، فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير» (١). وفي مرة أخرى سأل رجل النبيَّ ﷺ : أي الإسلام خير؟ فذكر النبي ﷺ له هذه الخصلة الفاضلة من خصال الخير وقال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٢)، وفي هذا "الحض على المواساة، واستجلاب قلوب الناس بإطعام الطعام وبذل السلام، لأنه ليس شىء أجلب للمحبة وأثبت للمودة منهما، وقد مدح الله المطعم للطعام، فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ (الإنسان: ٨)، ثم ذكر الله جزيل ما أثابهم عليه، فقال: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (الإنسان: ١١ - ١٢) " (٣).

стр. 180

لقد تشرب الصحابة ﵃ معنى الإطعام الجميل، فسبقوا إليه وأكثروا منه حتى لام بعضهم بعضاً من الإكثار منه، فذات يوم لقي عمر بن الخطاب صهيباً الرومي، فقال له: أي رجل أنت؛ لولا خصال ثلاث فيك! فقال صهيب: وما هن؟ فقال: اكتنيت وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت من الروم، وفيك سرف في الطعام. فقال صهيب: أما قولك: اكتنيت ولم يولد لك؛ فإن رسول الله ﷺ كناني أبا يحيى. وأما قولك: انتميتَ إلى العرب ولست منهم، وأنت رجل من الروم؛ فإني رجل من النمر بن قاسط، فسبَتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام عرفتُ نسبي. وأما قولك: فيكَ سرف في الطعام؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خياركم من أطعم الطعام»، فذلك الذي يحملني على أن أطعم الطعام (١).

стр. 181

ويزداد فضل هذه العبادة حين يكون الإطعام للفقراء والمساكين، فهم أحوج إلى الطعمة من غيرهم، ومن أول ذلك إطعام السائقين والخدم في البيوت، فقد قال ﷺ عن هؤلاء: «إن إخوانَكم خَولُكم [أي خدمُكم]، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» (١). وجاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو قسوة قلبه فقال: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين» (٢). هدي النبي ﷺ في إهداء الكافر: وإذا كانت الهدية مفتاحاً من مفاتيح القلوب، فإن لها كبير أثر في استلال الشحناء والعداوة، فقد قال ﷺ : «تصافحوا يَذهبُ الغِل، وتهادوا تحابوا، وتَذهبُ الشحناء» (٣)، وقد "ثبت أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية، وفيه الأسوة الحسنة، ومن فضل

стр. 182

الهدية - مع اتباع السنة - أنها تزيل حزازاتِ النفوس، وتُكسب المهدي والمهدى إليه رنَّة في اللقاء والجلوس" (١). ولأجل ذلك فإن الهدية تسن للبر والفاجر، بل والكافر، سواء أكان محارباً أم مسالماً، فقد أهدى النبي ﷺ وقبل هدايا المشركين، ومن ذلك قول علي ﵁ أن كسرى أهدى له ﷺ فقبِل، وأن الملوك أهدوا إليه فقبل منهم (٢). كما قبِل ﷺ هديةَ أُكيدر ملكِ أيْلة، فقد أهداه بغلة بيضاء وكساه برداً (٣). وأهدى إليه المقوقس بغلة، وقيل قدحاً من زجاج، فقِبل ﷺ هديته (٤). قال ابن قدامة: "ويجوز قبول هدية الكفار من أهل الحرب، لأن النبي ﷺ قبِل هدية المقوقس صاحب مصر" (٥).

стр. 183

وكذلك أهدى ذي يزن ملك حِميَر في اليمن إلى رسول الله ﷺ حُلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيراً، فقبلها ﷺ (١) وفي مقابلها كافأه النبي ﷺ على هديته، فاشترى حُلة ببضعةٍ وعشرين قَلوصاً، فأهداها إلى ذي يزن في اليمن (٢). كما أهدى النبي ﷺ تمر عجوة إلى أبي سفيان، وهو بمكة قبل أن يسلم، وكتب إليه يستهديه أُدماً، فأهدى إليه أبو سفيان (٣). وأهدى النبيُّ ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ حُلّةً ثمينة، فأهداها عمر ﵁ إلى أخيه بمكة كان يومئذ مشركاً (٤)، وفي هذا "دليل لجواز صلة الأقارب الكفار, والإحسان إليهم, وجواز الهدية إلى الكفار" (٥). ولما قدمت قتيلةُ ابنةُ عبد العزى، وهي مشركة على ابنتها أسماءَ ابنةِ أبي بكر بهدايا ضِبابٍ وأقطٍ وسمن، أبت أسماء أن تقبل هدية أمها وأن تدخلها بيتها، فسألت عائشةُ النبي ﷺ ، فأنزل الله : ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي

стр. 184

الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: ٨)، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها (١). ولأجل هذا المعنى قال عبد الله بن عمرو لأهله لما ذبحوا له شاة: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (٢). وكما قبِل النبيُّ ﷺ هدايا بعض المشركين من أهل الكتاب؛ فإنه رد هدايا غيرهم؛ حين رأى ما يستوجب ردها، يقول: عِياض بنُ حمار: أهديت للنبي ﷺ ناقة فقال: «أسلمتَ» فقلتُ: لا. فقال النبي ﷺ : «إني نُهيت عن زبْد المشركين» (٣) أي هداياهم وعطاياهم. قال النووي: "قبِل النبيُّ ﷺ ممن طمع في إسلامه وتأليفه لمصلحةٍ يرجوها للمسلمين، وكافأ بعضهم، وردَّ هديةَ من لم

стр. 185

يطمعْ في إسلامه ولم يكن في قَبولها مصلحة، لأن الهدية توجب المحبة والمودة .. قال الطبري: إنما رد النبي ﷺ مِن هدايا المشركين ما علم أنه أُهدي له في خاصة نفسه .. قال القاضي: .. إنما قبل النبي ﷺ هدايا كفار أهل الكتاب ممن كان على النصرانية، كالمقوقس وملوك الشام، فلا معارضة بينه وبين قوله ﷺ : «لا يقبلُ زبْد المشركين»، وقد أبيح لنا ذبائح أهل الكتاب ومناكحتهم بخلاف المشركين عبدة الأوثان» (١). الهدايا المنهي عنها: بقي أن ننبه على نوع آخر من الهدايا، وهي الهدايا التي حرمها الأسوة الحسنة ﷺ أو نهى عنها لما فيها من التعدي على حقوق الآخرين أو الإضرار بهم. وأول أنواع الهدايا المنهي عنها هديةُ بعض الأبناء دون بعض، وإيثارُهم بشيء من المال دون إخوانهم، فهذا وإن كان نوعاً من التحبب للابن المهدى إليه؛ إلا أن فيه تجافياً عن

стр. 186

إخوانه وإضراراً بهم، لذا فمثل هذه الهدية نهى عنها ﷺ في قصة النعمان بن بشير ﵄، وفيها أن أباه أعطاه عَطية، فقالت أمه عَمرة بنتُ رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله ﷺ ، فأتى بشير رسولَ الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرةَ بنتِ رواحة عطية، فأمرَتني أن أُشهدك يا رسول الله. فقال ﷺ : «أعطيتَ سائر ولدِك مثلَ هذا؟» قال: لا. قال: «فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، قال النعمان: فرجع فردَّ عطيته. وفي رواية أنه ﷺ قال: «فلا تشهدني إذاً؛ فإني لا أشهد على جَور». وفي رواية قال: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟» قال: بلى. فقال ﷺ : «فلا إذاً» (١) أي لا تفعل. وقد حفظ النعمان بن بشير هذا الدرس النبوي الجميل في العدل بين الأبناء في الهدايا، فكان يخطب بعد وفاة النبي ﷺ فيقول: قال رسول الله ﷺ : «اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم» (٢)، وفي الحديث من الفوائد "الندب إلى التأليفِ بين

стр. 187

الإخوة وتركِ ما يوقع بينهم الشحناء، ويورثُ العقوق للآباء ... وفيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات دون بعض، لأن هذا أمر قلبي، وليس باختياري" (١). وعلى هذا الهدي النبوي في التسوية بين الأبناء في العطية سار الصديق ﵁، فقد أهدى ابنتَه عائشةَ زوجَ النبي ﷺ بستاناً له، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية، ما من الناس أحد أحب إلي غنىً بعدي منكِ، ولا أعز علي فقراً بعدي منك، وإني كنت نحَلْتُك جادَ عِشرين وسْقاً، فلو كنت جَددْتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليومَ مالُ وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله. قالت عائشة الصديقة الزاهدة مطيبة لخاطر أبيها: يا أبت، والله لو كان كذا وكذا لتركته (٢). ومن الهدايا المحرمة أيضاً ما يناله الموظفون من هدايا بعضِ المتعاملين معهم أو المراجعين لهم، فهذه الهدايا ليست أجراً على عملهم، وإنما هي في حقهم بمثابة الرشوة التي

стр. 188

يأكلها صاحبها سُحتاً، وقد قال النبي ﷺ : «هدايا العمال غلول» (١). ونقل الطبراني عن ابن عباس أن رجلاً أهدى إلى عمر ﵁ فخذَ جَزور، ثم أتاه بعد مدة ومعه خصم له، فقال الرجل وهو يريد تذكير الخليفة بهديته: يا أمير المؤمنين، اقض لي قضاء فصلاً؛ كما يُفصل الفخِذ من الجَزور. فضرب عمر ﵁ بيده على فخذه، وقال: (الله أكبر، اكتبوا إلى الآفاق: هدايا العمال غلول) (٢). وحين استعمل النبي ﷺ ابن الأُتَبيَّة الأزدي على الصدقة قدم على النبي ﷺ فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي. فكره النبي ﷺ مقالته، وقال: «فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يُهدى له أم لا. والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوار، أو شاةَ تيعَر»، ثم رفع ﷺ بيده حتى رأينا عُفرة إبطيه: «اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟» (٣).

стр. 189

قال ابن بطال: "يلحق بهدية العامل الهدية لمن له دين ممن عليه الدين، ولكن له أن يحاسب بذلك من دينه، وفيه إبطال كل طريق يتوصل بها من يأخذ المال إلى محاباة المأخوذ منه والانفراد بالمأخوذ ". وأما ابن المنير فنبه على أنه "يؤخذ من قوله «هلا جلس في بيت أبيه وأمه» جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك، كذا قال، ولا يخفى أن محل ذلك - إذا لم يزد - على العادة" (١). ولما بعثَ رسول الله ﷺ معاذَ بنَ جبل أرسل إليه بعد خروجه، فرجع إليه، فقال: «أتدري لم بعثتُ إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني؛ فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك، فامض لعملك» (٢). وكان إمام العدل عمر بن عبد العزيز يرفض هدايا العمال ويقول: "كانت الهدية في زمن رسول الله ﷺ هدية، وهي اليوم رشوة". ومن الهدايا المحرمة أيضاً أن يأخذ المرء هدية ممن قضى له بعض أموره وحوائجه، كمن شفع بشفاعة أو توسط بأمر من

стр. 190

الخير، فمثل هذا من المعروف، وينبغي أن يكون قربة وعملاً خالصاً لوجه الله مجرداً من طمع الدنيا؛ لذلك فإن النبي ﷺ يحذر الشافع وصاحب المعروف من أخذ شيء من الأجرة عليه في الدنيا، فيقول: «من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها؛ فقبلها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا» (١)، وذلك "لأن الشفاعة الحسنة مندوب إليها، وقد تكون واجبة، فأخذ الهدية عليها يضيع أجرها، كما أن الربا يضيع الحلال " (٢). وأيضاً فإن من الهدايا التي ترد ولا تقبل، الهدايا التي يحرم الانتفاع بها، كأن تهدى لرجل ساعةً ذهبية أو ثوبَ حرير أو كأسَ خمر وأمثال ذلك، وقد صنعه النبي ﷺ حين كان محرماً، فصاد له الصعب بن جَثامة ﵁ حماراً وحشياً، وأهداه إليه، فرده عليه ﷺ ، فلما رأى ما في وجهه [أي من الحزن لرد هديته] قال ﷺ : «أما إنا لم نرده عليك، إلا أنا حُرُم». قال ابن حجر: "وأما حديث الصعب فإن النبي ﷺ بيَّن العلة في عدم قبوله هديته لكونه كان محرِماً، والمحرم لا يأكل ما

стр. 191

صِيد لأجله؛ واستنبط منه المهلَب ردَّ هدية من كان ماله حراماً أو عُرف بالظلم" (١). مكافأة المُهدي على هديته: وكما يعلمنا النبي ﷺ قبول الهدية؛ فإنه يرشدنا إلى مكافأة مُسديها بهدية مثلِها، وخاصة في الهدايا التي جرى العرف بين الناس على مكافأتها وتبادلها في المناسبات الاجتماعية، كهدايا التهنئة بالزواج والولادة وأمثالِهما، فقد تعارف الناس على أن مثل هذه الهدايا تُكافئ في مناسباتٍ مشابِهة، تقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، ويثيب عليها) (٢). قال المهلَب: "الهدية على ضربين: فهدية للمكافأة، وهدية للصلة والجِوار، فما كان للمكافأة؛ كان على سبيلِ البيعِ وطريقِه، ففيه العِوَض، ويجبر المُهدى إليه على سبيل العوض، وما كان لله أو للصلة؛ فلا يلزم عليه مكافأة، وإن فعل فقد أحسن" (٣).

стр. 192

ومن هذا النوع من الهدايا ما جاء في قصة أعرابي وهب للنبي ﷺ هدية رجاء المكآفأة، فأثابه عليها ﷺ ، ثم سأله: «رضيتَ؟» قال: لا. فما زال ﷺ يزيده في مكافأة هديته حتى رضي، فقال ﷺ وقد استثقل هديته: «لقد هممتُ أن لا أتَّهِب هِبة إلا من قُرشي أو أنصاري أو ثقفي» (١)، وقد استدل بعض المالكية بهذا الحديث على "وجوب الثواب على الهدية إذا أَطلق الواهب، وكان ممن يطلُب مثلُه الثواب، كالفقير للغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه الدلالة منه مواظبته ﷺ ، ومن حيث المعنى أن الذي أهدى قصد أن يُعطى أكثرَ مما أهدى، فلا أقلَ أن يعوض بنظير هديته" (٢). وقد أكد ﷺ على مبدأ مكافأة الهدية بقوله: «من سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أهدى لكم فكافئوه؛ فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له» (٣). ولا ريب أن الهدية المبرورة هي الهدية التي يدفعها المهدي، لا ليقابَل من الناس بمثلِها، بل الهدية التي يرجو ثوابها

стр. 193

من الله فحسب، أي مِن مثل ما كان يهديه ﷺ ، يقول جابر: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فاشترى مني بعيراً، فجعل لي ظهره حتى أقدُم المدينة، فلما قدمت أتيته بالبعير، فدفعته إليه، وأمر لي بالثمن. ثم انصرفت؛ فإذا رسول الله ﷺ قد لحقني فقلت: قد بدا له [أي غير رأيه في مسألة شراء البعير]،قال فلما أتيته دفع إلي البعير وقال: «هو لك». قال جابر: فمررت برجل من اليهود فأخبرتُه، فجعل يعجب، ويقول: اشترى منك البعير ودفع إليك الثمن ووهبه لك؟! فقلت: نعم (١). لكن أي عجب، إنها أخلاق نبي أدبه ربه فأحسن تأديبه.

стр. 194

المبحث الرابع: آداب المداينة ما زال الناس يحتاج بعضهم إلى بعض، فيستدين المحتاج من أخيه ما يقضي حاجته، ويرده إليه بعد حين، فتُفرج كربته، ويشاركُه أخوه الذي أدانه فرحته وينال الأجر من ربه. وقد جعل الله هذه الدنيا داراً للابتلاء، فكلٌ فيها مبتلى، فالبعض يبتليه الله بالعوز والحاجة والضنْك، وآخرون يبتليهم الله بالرخاء والسعة ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٥). فأما أولئك الذين ابتلاهم الله بالخير، فوسع عليهم أرزاقهم، وجعل حاجاتِ الناس إليهم، فيلزمهم شكر المنعمِ ﵎ بالإحسان إلى عبيده، وبذلِ الفضلِ لهم، ومنه إقراض المحتاجين منهمُ القرضَ الحسن، ففي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه؛ كان الله في حاجته، ومن سعى في قضاء حاجة أخيه؛ قضى الله حاجاته، ومن فرج عن أخيه كُربة؛ فرج الله عنه بها كُربة من كرَب يوم القيامة» (١).

стр. 195

ورغَّب النبي ﷺ أمتَّه في إقراض المعسر وعونه في قضاء حاجته، فأخبرهم أن الله جعل تكرر الإقراض معادلاً أجر الصدقة، مع أن المال المقرض مسترد؛ يعود إلى صاحبه، يقول ﷺ : «ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقةٍ مرة» (١). والممتنع عن إقراض الناس بغير سبب متوعد من الله لمنعه الفضلَ عمن يحتاجُه، ففي الحديث: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم»، فذكر منهم «ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعتَ فضلَ ما لم تعمل يداك» (٢)، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون: ٤ - ٦). والأصل في الإنسان أن لا يستدين إلا لحاجة، لأن الدَّين أمانة ثقيلة ومسئولية كبيرة، فعن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر التي نهى عنها: أن يموت رجلٌ وعليه دين لا يدع له

стр. 196

قضاء» (١)، فسمى النبي ﷺ الإقراض ذنباً؛ لتعلقه بحقوق الآدميين التي مبناها على المشاحة والمطالبة؛ بينما حقوق الله مبناها على المساهلة والمسامحة. وتبدأ مسؤولية الإنسان عن الدَّيْن عندما يهُم باستدانة أموال الناس، فإن كان عازماً على أدائها أعانه الله على ذلك، قال ﷺ : «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» (٢)، وفي رواية: «ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله عون» (٣). وعنون البخاري هذا الحديث بقوله: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رد عليه ليس له أن يتلف أموال "، ومعناه: "الحض على ترك استئكال أموال الناس والتنزهُ عنها، وحسن التأدية إليهم عند المداينة ... [و] الثواب قد يكون من جنس الحسنة، وأن العقوبة قد تكون

стр. 197

من جنس الذنوب، لأنه جعل مكانَ أداء الإنسان أداءَ الله عنه، ومكان إتلافِه إتلافَ الله له" (١). ولثِقَل أمر الدين وخطورة شأنه كان النبي ﷺ يستعين بالله عليه، عن عبد الله بنِ عمرو أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهؤلاء الكلمات: «اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة الأعداء» (٢). وذات يوم دخل النبي ﷺ المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة فقال: «يا أبا أمامة، ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟» فقال أبو أمامة: هموم لزمتني، وديون يا رسول الله. قال: «أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلتَه أذهبَ الله همك وقضى عنك دينك». فقال: بلى يا رسول الله. فقال ﷺ : «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ

стр. 198

بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال». قال أبو أمامة: ففعلتُ ذلك، فأذهب الله همي، وقضى عني ديني (١). وحتى يستشعر الصحابة عِظم شأن الدين فإن النبي ﷺ صنع أمامهم أمراً يثير عجبهم واهتمامهم، لقد امتنع ﷺ عن الصلاة على بعض أصحابه حين مات وعليه دَين، بل كان إذا قُدِّم إليه ميت لم يصل عليه حتى يسألَ إن كان مَديناً أم لا، يقول سلمة بن الأكوع ﵁: كنا جلوساً عند النبي ﷺ فأتي بجنازة، فقالوا: يا رسول الله صلِ عليها، قال: «هل ترك شيئاً؟» قالوا: لا، قال: «فهل عليه دين؟» قالوا: ثلاثة دنانير. فقال ﷺ : «صلوا على صاحبكم». فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعليَّ دينُه، فصلى عليه (٢).

стр. 199

وفي رواية للحديث من طريق جابر أن رسولَ الله كان إذا لقي أبا قتادة يقول: «ما صنعتِ الدنانير؟ حتى كان آخر ذلك أن قال: قد قضيتُها يا رسول الله، قال: الآن بردت عليه جلدُه» (١). والشهيد رغم عِظم قدره وبلائه ومنزلتِه عند الله؛ فإنه لا يَغفِر له دينَه، فقد سأل رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلتُ في سبيل الله أتكفَّر عني خطاياي؟ فقال ﵊: «نعم، وأنت صابرٌ محتسب، مقبلٌ غيرُ مدبر؛ إلا الدَّين» (٢). وفي حديث آخر قال ﵊: «يغفر الله للشهيد كل ذنب إلا الدَين» (٣). وذات يوم وضع النبي ﷺ راحته على جبهته، وقال: «سبحان الله! ماذا نزل من التشديد؟» فسكت الصحابة وفزعوا. ثم في الغد قالوا: يا رسول الله! ما هذا التشديد الذي نزل؟ فقال: «والذي نفسي بيده، لو أن رجلاً قُتل في سبيل الله، ثم أُحيى، ثم قُتل، ثم أحيى، ثم قُتل وعليه دين ما دخل

стр. 200

الجنة حتى يُقضى عنه دينُه» (١)، فالدين يحجب الشهيد على باب الجنة حتى يُقضى عنه دينه. وحين وجد النبي ﷺ سعة من المال؛ تولى سداد ديون المتوفين من الصحابة؛ حرصاً منه ﷺ على براءة ذمتهم وسلامة عاقبتهم، فكان يقول: «من حمل من أمتي ديناً ثم جهد في قضائه ثم مات قبل أن يقضيه؛ فأنا وليه» (٢) ويقول: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك دَيناً فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته» (٣). قال النووي: " قيل: إنه ﷺ كان يقضيه من مال مصالح المسلمين، وقيل: من خالص مال نفسه .. ومعنى هذا الحديث: أن النبي ﷺ قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه شيئاً، وإن خلف عيالاً محتاجين ضائعين فليأتوا إلي، فعلي نفقتهم ومؤنتهم" (٤).

стр. 201

ويرشد النبي ﷺ أصحابه وأمته من بعده إلى طريقة تحفظ حقوق الناس عن الضياع وتعين المَدين على سداد دينه، ألا وهي كتابة الوصية التي يبين فيها المدين الحقوق المتعلقة برقبته، لتؤدى عنه لو مات قبل سدادها، فقد قال ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيتُه مكتوبة عنده» (١). ولهذا الحديث نقل ابن المنذر عن أبي ثور أن الوصية واجبة على من عليه حق شرعي، يُخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به، كوديعةٍ ودَينٍ لله أو لآدمي (٢). وأما التنكر للدَين وجحده فذلك من أقبح الإثم وأرذله، فهو مقابلة للحسنة بضدها، وآكل حقوق الناس متوعد بالنار، على الصغير منها والكبير، فحين مات مولى لرسول الله ﷺ يدعى كركرة، قال ﷺ : «هو في النار»، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها (٣). وفي يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان

стр. 202

شهيد. فقال رسول الله ﷺ : «كلا إني رأيته في النار في بُردة غلَّها، أو في عباءة غلَّها» (١). ويحوط النبي ﷺ مسألة الإقراض بآداب منها ما يتعلق بالمقرِض، وفي أولها: أن يستشعر المقرض فضل الله عليه وتوسيعه عليه في رزقه؛ بما يعينه على عون إخوانه، فيقلبل النعمة بشكر الله والإخلاص له في هذا العمل، وتخليص النية مما يشينها من مراءاة الناس وانتظار تبجيلهم والتطلع إلى قولهم أو المِنَّة على المقترض، فهذا كله لا يصنعه من أراد بقرضه وجه الله تعالى وأجره في الدار الآخرة. وأعظم ما ينبغي أن يتنزه عنه أكل الربا؛ باشتراط زيادة في المال عند السداد، فهذا من اكبر الكبائر، وصاحبه متوعد بالحرب من الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩)، كما لا يجوز للمقرِض أن يستفيد من مدينه بمنافع أخرى سوى المال؛ كالهدايا وطلب

стр. 203

الشفاعات، وقد روي عن عدد من أصحاب النبي ﷺ قولهم: «كل قرض جر نفعاً فهو رباً» (١). وقد استنكر عبد الله بن سلام على بعض أهل المدينة النبوية قبولَهم الهدية من المقترِض، وعدَّه من الربا، فقال لأبي موسى الأشعري: إنك بأرض فيها الربا فاشٍ، فإذا كان لك على رجل حقٌ، فأهدى إليك حِمل تِبنٍ أو حِمل شعير أو حِمل قَتٍ؛ فلا تأخذْه. فإنه رباً» (٢). قال ابن القيم: "المنفعة التي تجر إلى الربا في القرض، هي التي تخص المقرِض، كسكنى دار المقترِض وركوبِ دوابه، واستعمالِه، وقَبولِ هديته، فإنه لا مصلحة للمقترض في ذلك، بخلاف المسائل ذات المنفعة المشتركة بينهما، وهما متعاونان عليها، فهي من جنس التعاون والمشاركة" (٣). ومن آداب المقرِض أن يكون حسن الاستقضاء إذا حل وقت السداد، فيطلب ماله بأحسن طريقة وأجمل سبيل، لا أن

стр. 204

يفعل ما فعله الحبر اليهودي زيد بن سعنة مع النبي ﷺ حين جاء يطلب ماله، فأغلظ في مطالبته وأساء؛ حتى قام إليه عمر ﷺ يريد أن ينال منه وأن يعلمه أدب الخطاب مع الأنبياء. لكن النبي ﷺ بحلمه قال لعمر: «يا عمر، أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج: أن تأمرني بحسن القضاء، وتأمرَه بحسن التقاضي، انطلق يا عمر أوفه حقه، أما إنه قد بقي من أجله ثلاث، فزده [يا عمر] ثلاثين صاعاً لتزويرك عليه» (١). وهنيئاً لمن رزقه الله حسن التقاضي، فقد دعا النبي ﷺ لصاحب هذا الفعل بالرحمة، فقال: «رحم الله عبداً سمْحاً إذا باع، سمْحاً إذا اشترى، سمْحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى» (٢). وأسمح صور التقاضي وأحسنها؛ التجاوزُ عن المعسر وإنظارُه في الدَّين الذي حلَّ سدادُه، كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٢٨٠). فإنظار المعسر من أفضل ما يتقرب به المسلم إلى ربه، وهو سبب في مغفرة الرب للعبد، يقول ﷺ : «تلقت الملائكة روح

стр. 205

رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئاً؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال: كنت أداين الناس، فآمر فتياني أن يُنظِروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر، فقال الله : «تجوزوا عنه»، وفي رواية: «فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي» (١). وفي تأكيد هذا المعنى أخرج مسلم عن أبي قتادة ﵁ أنه طلب غريماً له فتوارى عنه، ثم وجده، فقال الغريم: إني معسر. فقال أبو قتادة: آللهُ؟ قال الرجل: آلله. فقال أبو قتادة: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سره أن ينجيه الله من كُرَب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضعْ عنه» (٢). ومن الكُرب التي يرفعها الله يوم القيامة المكث في حرِّه المديد الشديد، يقول ﷺ : «من أنظر معسراً أو وضع له؛ أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يومَ لا ظلَ إلا ظِلُه» (٣). وفي إنظار المعسر أجرُ الصدقة بل ضعفُ أجرها، فقد سمع بريدة النبي ﷺ يقول: «من أنظر معسراً فله بكل يومٍ

стр. 206

مثلِه صدقةٌ». ثم سمعه يقول: «من أنظر معسراً فله بكل يوم مِثليْه صدقة». فقال بريدة: يا رسول الله! إني سمعتك تقول: «فله بكل يومٍ مثلِه صدقة»، ثم سمعتك تقول: «من أنظر معسراً فله بكل يوم مثليه صدقة»، فقال ﷺ : «له بكل يوم صدقة قبل أن يحِلَّ الدين، فإذا حلَّ الدين فأنظره، فله بكل يوم مِثليه صدقة» (١). كما يعلم النبي ﷺ المقترضَ جملةً من الآداب، أولُها: العجلةُ بتسديد الدَين وعدم تأخير السداد عند القدرة على القضاء، فهذا أقل ما نقابلُ فيه معروفَ الدائن ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ (الرحمن:٦٠). وكيف تسمح للإنسان نفسُه أن يماطل في رد الحق إلى من أحسن إليه وفرج بماله كربَه، إنه بذلك يضع نفسه موضع التهمة والإثم، قال ﷺ : «ليُّ الواجدِ يُحِلُّ عِرضَه وعقوبتَه» (٢)، أي "يحِل عِرضه بأن يقول: ظلمني ومطلني، ويحل عقوبتَه أي الحبسُ والتعزير" (٣).

стр. 207

وفي حديث آخر يعتبر ﷺ التأخر في السداد مع القدرة عليه من الظلم المحرم، فيقول ﷺ : «مطل الغني ظلم» (١)، وأما غير الواجد فليس بمأزور. وإذا حان وقت السداد، ولم يجد المَدينُ ما يرد به دينه، فينبغي عليه أن يجتهدَ في الوفاء بالأجل الذي حدده للسداد، ولو أن يستدين من آخر ليرد للأول، وقد فعل ذلك النبي ﷺ حين جاءه أعرابي يتقاضاه دَيناً كان عليه، فأرسل ﷺ إلى خولة بنت قيس، فقال لها: «إن كان عندَك تمر فأقرضيْنا حتى يأتيَنا تمرُنا؛ فنقضيكِ»، فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله. فأقرضَتْهُ، فقضى الأعرابيَ (٢). ويحكي النبي ﷺ قصة عجيبة في الحرص على قضاء الدين في أجله، يحكيها ليعلم أمته الحرص على سداد الدين والاجتهاد فيه، إنها قصة رجل من بني إسرائيل سأل بعضَ بني إسرائيل أن يُسلِفَه ألف دينار فقال: «ائتني بالشهداء أُشهِدُهم. فقال: كفى بالله شهيداً.

стр. 208

قال: فأتني بالكفيل. فقال: كفى بالله كفيلاً قال: صدقت. فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التمس مركِباً يركبها يَقدَم عليه للأجل الذي أجَّله، فلم يجد مركباً، فأخذ خشَبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفةً منه إلى صاحبه، ثم زجَّج موضِعَها، ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلاناً ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك، وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً، فرضي بك، وإني جهَدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له، فلم أقدر، وإني أستودعُكَها. فرمى بها في البحر، وانصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده. فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة. ثم قدِم الذي كان أسلفه (أي المدين)، فأتى بالألف دينار [وهو لا يظن أن ماله وصل] فقال: «والله ما زلت جاهداً في طلب مركبٍ لآتيك بمالك، فما وجدتُ مركباً قبل الذي أتيتُ فيه.

стр. 209

فقال: هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ فإن الله قد أدى عنك الذي بعثتَ في الخشبة، فانصرِفْ بالألف الدينار راشداً» (١). ومن الآداب التي ينبه ﷺ المقترض عليها؛ أن يرُد المَدينُ الدين بأفضل منه، من غير أن يكون هذا شرطاً عليه حين استدان، ولا عُرفاً لازماً تعارف الناس عليه، حتى لا يكون ذلك من الربا. يقول جابر بنُ عبد الله ﵁: كان لي على النبي ﷺ دين، فقضاني وزادني (٢). واستدان النبي ﷺ من أعرابي، فجاء الرجل إلى النبي ﷺ يطلب دينه بجفاء، فزجره الصحابة ورفَق به النبي ﷺ ، وقال لأصحابه: «اشتروا له سِناً»، فأعطوه إياه. فقالوا: إنا لا نجد إلا سِنَّاً هو خيرٌ من سِنِّه. قال: «فاشتروه، فأعطوه إياه، فإن من خيركم أحسنَكم قضاءً». وفي رواية أن الرجل قال: "أوفيتني أوفاك الله" (٣).

стр. 210

قال ابن حجر: "وفي الحديث جوازُ المطالبة بالدين إذا حلَّ أجلُه، وفيه حسنُ خلقِ النبي ﷺ وعِظَم حِلمه، وتواضعُه وإنصافُه، وأن من عليه دين لا ينبغي له مجافاةُ صاحبِ الحق ... وفيه جوازُ وفاء ما هو أفضل من المِثل المقترَض؛ إذا لم تقع شرطيةُ ذلك في العقد، فيحرم حينئذ اتفاقاً" (١). ومما ينبغي للمَدين أن يشكر الدائنَ على إحسانه، ولو بكلمة طيبة؛ يشكر له فيها معروفه، وقد صنعه النبي كما ينقل لنا عبدالله بن أبي ربيعة بقوله: استقرض مني النبي ﷺ أربعين ألفاً، فجاءه مال، فدفعه إلي، وقال: «بارك الله تعالى في أهلك ومالك» (٢). وفي حديث آخر قال ﷺ : «إنما جزاءُ السلَف الحمدُ والأداءُ» (٣). وشرحه المناوي فرأى أنه ينبغي "حمدُ المقترِض للمقرِض والثناءُ عليه وأداءُ حقِه له، قال الغزالي: فيستحب للمَدين عند قضاء الدين أن يحمَد المقضيَّ له، بأن يقول: بارك الله لك في أهلك ومالك" (٤)، فالدعاء للمحسن من أحسن صور مقابلة

стр. 211

الإحسان، فقد قال ﷺ : «من صُنِعَ إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً؛ فقد أبلغ في الثناء» (١). وهكذا ففي تلمس هدي النبي ﷺ وامتثاله ما يحوط المجتمع من كثير من أسباب الشقاق، ويقارب بين المسلمين، فيحفظ إلفتهم ويزيد محبتهم، ويحقق أخوتهم، فهم كالجسد الواحد ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ٦٣).

стр. 212

المبحث الخامس: سلامة المجتمع من الشقاق الاختلاف بين الناس أمر طبعي جِبلِّي، فمازال الناس يختلفون بسبب اختلاف طبائعهم وتصوراتهم للأمور، لكن هذا الاختلاف لا يصح أن يؤدي بالإخوة إلى التشاحن وفساد ذات البين، فالشقاق والتشاحن الذي يقع بين الناس إنما هو في حقيقته بعضُ كيد إبليس الذي يجعل الخلاف الصغير كبيراً، وما يزال ينفخ في أوداج الواحد فينا حتى يوغرَ صدره ويوقعَه في إخوانه، وقد نبه إلى ذلك النبي ﷺ بقوله: «إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمُهم فتنة، يجيء أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا. فيقول: ما صنعتَ شيئاً حتى يجيء أحدُهم فيقول: ما تركته حتى فرقتُ بينه وبين امرأته. فيدنيه منه: ويقول: نِعمَ أنت» (١). ولبيان مدى حرص الشيطان على الإفساد بين المسلمين نستمع إلى النبي ﷺ وهو يقول: «إن الشيطان قد أيِس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (٢)، فهذا الحديث من المعجزات النبوية لما فيه من إخبار بالغيب،

стр. 213

ومعناه: أن الشيطان " آيس [أي أصابه اليأس] أن يعبده أهل جزيرة العرب، ولكنه يسعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوِها" (١)، فالخصام بين المسلمين بعض كيد الشيطان ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (المائدة: ٩١). والتفرق والشحناء بين المسلمين يفسد على المرء دينه، ويكفي أنه مانعٌ مغفرةَ الله لذنوب العباد، قال ﷺ : «تفتَح أبواب الجنة يومَ الاثنين ويوم الخميس، فيُغفر لكل عبد مسلم لا يشرك بالله شيئاً؛ إلا رجلاً كانت بينَه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا» (٢). قال الباجي: " يعني - والله أعلم - أخروا الغفران لهما حتى يصطلحا" (٣). وفي حديث آخر - وفي إسناده ضعف - أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً: رجل أمَّ

стр. 214

قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجُها عليها ساخط، وأخَوانِ متصارمان» (١) أي متشاحنان. وفي مواجهة هذا الخطب الجلل؛ أمر الله بأمرين مهمين أولهما يقطع دابر الخصومة ويسد بابها، وهو حسن الظن بالعباد، والثاني هو الإصلاح بين المتخاصمين. أولاً: حسن الظن بالآخرين إن كثيراً من المشكلات التي تقع بيننا ليس مردها إلى أسباب حقيقية، بل ترجع إلى ظنون يقذفها الشيطان في صدورنا، ننساق إليها، فتكون سبباً في وقوع العداوة وزيادة الشقاق. والأصل في المسلم السلامة من السوء، والبراءة من التهمة، فقد قال ابن عمر: رأيت النبي ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: «ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله ودمه، وأن يظن به إلا خيراً ًً» (٢).

стр. 215

وقد ذم الله تعالى التعرض للمسلم بما يقدح في سلامته، ولو بالظن، إذا لم يكن لهذا الظن ما يبرره، فقال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات: ١٢). ورأى العلماء في الآية ما يشير إلى وجود ظن يأثم فيه المرء، وآخر لا يأثم فيه، فاجتهدوا في بيان الفرق بينهما، فقال عيسى بن دينار في الظن المذموم: "يريد ظن السوء ومعناه أن تعادي أهلك وصديقك على ظن تظنه به دون تحقيق، أو تحدث بأمر على ما تظنه فتنقله على أنك قد علمته" (١). وهكذا فإن الحكم على الناس بمجرد الظن دون استدلال بدليل هو الظن الآثم، وقد قال : ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (الإسراء: ٣٦). ومن الظن المحرم ما يؤدي بصاحبه إلى التجسس والتوثق للظنون، وقد قال رسول الله ﷺ : «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً» (٢)، فالمراد "ترك تحقيق الظن
следующие страницы →