← Сира

Сира · id 38152

الدين المعاملة

منقذ السقار

Полный текст (229 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والمعنى: "أن اللائق بذي الدين والمروءة، أن يكون الدين مطمحَ نظره في كل شيء، لا سيما فيما تطول صحبته، فأَمره النبي ﷺ بتحصيل صاحبة الدين، الذي هو غاية البُغية، وقد وقع في حديث عبد الله بنِ عمرو «لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهُن - أي يهلكهُن -، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهُن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمةٌ سوداءُ ذاتُ دين أفضل» " (١). وفي درس عملي آخر ربى النبي ﷺ أصحابه على تفضيل الناس بحسب ميزان الله الذي يتساوى عنده الشريف والوضيع، فلا يتفاضلون عنده وعند عباده إلا بالتقوى، فقد جلس ﷺ بين أصحابه، فمر عليه رجل (٢)، فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. قال: فسكت رسول الله ﷺ .

стр. 142

ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ : «ما رأيك في هذا؟» فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا يُنكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يُسمع لقوله. فقال ﷺ : «هذا خير من ملئ الأرض مثل هذا»، وفي رواية للحديث عند الروياني في مسنده أن اسم هذا الفقير جُعيل، وأن النبي ﷺ قال: «فجُعيل خير من ملئ الأرض مثل هذا» (١). وجعيل بن سراقة الضمري من فقراء المسلمين، وكان رجلاً صالحاً دميماً قبيحاً، أسلم قديماً، وشهد مع رسول الله أُحداً (٢). يقول ابن حجر: "وفي الحديث بيان فضل جُعيلٍ المذكور، وأن السيادة بمجرد الدنيا لا أثر لها، وإنما الاعتبار في ذلك بالآخرة كما تقدم، أن العيشَ عيشُ الآخرة، وأن الذي يفوته الحظ من الدنيا؛ يعاض عنه بحسنة الآخرة .. تبين من سياق طرق القصة أن جهة تفضيله إنما هي لفضله بالتقوى" (٣).

стр. 143

وكما حرص النبي ﷺ على إرساء قيم الإسلام العظيمة في المجتمع المسلم، وفق مبدأ التفاضل بالتقوى فإنه حرص على تخليصه من قيمة جاهلية، وهي التفاخر والتشريف بالحسب أو النسب أو المال أو اللون، فالناس عند الله سواء، لا فرق بين أبيضهم وأسودِهم، ولا بين غنيهم وفقيرِهم «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (١). وخلال سني دعوته ﷺ أرى الصحابة نماذج عملية في تفضيل بعض فقراء المسلمين وضعفائهم على غيرهم من أهل الجاه والمنزلة؛ لسابقتهم في الإسلام والعمل الصالح، ومن ذلك أنه ﷺ دفن شهداء أُحد أزواجاً، فكان إذا أوتي باثنين منهم سأل، ولعله يعلم جواب سؤاله: «أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟»، فإن أشير إلى أحدهما، قدمه في اللحد (٢). تقديماً لمن قدمه الله تعالى. والتفضيلُ لأهل القرآن ليس خاصاً بالأموات في قبورهم، بل هو تفضيل يرفعهم في الدنيا قبل الآخرة، فقد كان النبي ﷺ يقدم أهل القرآن في الإمارة على غيرهم، كما أمَّر قارئ القرآن ابن

стр. 144

أم مكتوم الضرير على المدينة في بعض أسفاره، كيف لا وهو ﷺ القائل: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (١). ولو أصخنا السمع إلى أبي هريرة ﵁ لسمعناه يقص علينا نموذجاً آخر من تربية النبي ﷺ لأصحابه على التحاكم إلى ميزان الخيرية والتقوى، فقد بعث سرية من السرايا، فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على شاب من أحدثهم سناً فسأله: «ما معك يا فلان؟» فأجاب الشاب: معي كذا وكذا وسورةُ البقرة. فقال ﷺ : «أمعك سورة البقرة؟» قال: نعم، قال: «فاذهب فأنت أميرهم» (٢)، فلم يتأخر به سنه، كيف وقد قدمه الله بما آتاه من قرآنه. والقارئ في سيرة النبي ﷺ تستوقفه قصة عجيبة، فقد مر أبو سفيان سيد قريش قبيل إسلامه على سلمانَ وصهيبٍ وبلالٍ في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها. فسمع أبو بكر الصديق مقالتهم، فرفق بسيد العرب وكبير قريش، فقال معاتباً: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدِهم؟

стр. 145

ثم أتى النبي ﷺ يشكوهم عنده، ويخبره بما قاله سلمان وبلال لأبي سفيان، فقال له ﷺ مستفهماً: «يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم؛ لقد أغضبت ربك». ذعر الصديق لما سمع، فانطلق يسارع في خطاه إلى هؤلاء الضعفة الذين يغضب الله لغضبهم، فأتاهم، فقال: يا إخوتاه أغضبتكم؟ قالوا: لا. ويغفر الله لك يا أُخي (١). قال النووي: "وهذا الإتيان لأبي سفيان كان وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، وفي هذا فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقتِه هؤلاء، وفيه مراعاة قلوبِ الضعفاء وأهلِ الدين وإكرامُهم وملاطفتُهم" (٢). ولئن كان الناس يعيرون بالفقر والمسكنة؛ فإن النبي ﷺ نبه أصحابه إلى أنهما ليسا منقصة لأحد، لا بل قد يكونان سبباً في النجاة ورفعة الدرجات، كيف لا والفقراء أسبق من غيرهم إلى الجنة: «إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً» (٣)، لذلك كان ﷺ كثيراً ما يدعو الله

стр. 146

بقوله: «اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة» (١) لقد أراد ﷺ "إظهارَ تواضعه، وافتقارَه إلى ربه، إرشاداً لأمته إلى استشعار التواضع، والاحترازِ عن الكبر والنخوة، وأراد بذلك التنبيه على علو درجات المساكين وقربِهم من الله تعالى" (٢). إن بعض هؤلاء الذين نزدريهم لفقرهم ومسكنتهم أفضلُ من كثيرين ممن نحتفي بهم ونصدِّرهم في المجالس ونسارع إلى تزويج بناتنا لهم: «رُبّ أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» (٣)، وفي رواية: «ألا أخبركم بشر عباد الله؟ الفظُّ المستكبر، ألا أخبركم بخير عباد الله؟ الضعيفُ المستضعَف ذو الطمرين، لو أقسم على الله لأبر الله قسمه» (٤). قال النووي: "قوله: «الأشعث» الملبدُ الشعر، المغبرُ غير مدهونٍ ولا مرَجَّل، وقوله: «مدفوعٍ بالأبواب» أي لا قدْر له عند الناس، فهم يدفعونه عن أبوابهم، ويطردونه عنهم

стр. 147

احتقاراً له، و [لكن هذا العبد المحتقر من الناس] لو حلف على وقوع شيء؛ أوقعه الله إكراماً له بإجابة سؤاله، وصيانتِه من الحنث في يمينه، وهذا لعِظَم منزلته عند الله تعالى، وإن كان حقيراً عند الناس" (١). وقد فقه أصحاب النبي ﷺ هذا الهدي النبوي، وأقاموه منهجاً في حياتهم، فقدموا في سائر أمورهم من تقدمهم بالعمل الصالح، ولو كان فقيراً أو عبداً أو مولى، ومن ذلك أنه: (لما قدم المهاجرون الأولون العُصبَة [موضعٌ بقباء] قبل مقدم رسول الله ﷺ ؛ كان يؤمهم سالمُ مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً) (٢)، فلم يمنعه تأخر نسبه عن تقدم أشراف العرب وإمامتهم في أعظم فرائض الإسلام. وبعد هجرة الرسول ﷺ قدّم النبيُّ سالماً على سائر الصحابة بما معه من القرآن، فكان يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء، وفيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة (٣).

стр. 148

وكذلك عرف عمر بن الخطاب ﵁ لبلالٍ الحبشي الأسود منزلته وسبْقه إلى الإسلام وعذابه في سبيله، فكان يقول: (أبو بكر سيدُنا، وأعتق سيدَنا) يعني بلالاً (١). وحين دوّن عمر ﵁ الدواوين، وكتب للناس رواتبهم، لم يلتفت إلى أحسابهم وأنسابهم، بل قدَّمهم بحسب سبقهم في الإسلام وقربِهم من رسول الله ﷺ ، ففرض للمهاجرين الأولين السابقين إلى الإسلام خمسةَ آلاف، وللأنصار الذين آمنوا بعدهم أربعةَ آلاف، ولأزواج النبي ﵇ اثني عشر ألفاً، ثم فرض للناس على قدر منازلهم وقراءتِهم للقرآن وجهادِهم (٢). وأما صغار الصحابة كعبدِ الله بنِ عمر، فأعطاهم ثلاثة آلاف، فدخل ابن عمر على أبيه مستعتباً فقال: يا أبتِ فرضت لي ثلاثةَ آلاف، وفرضتَ لأسامةَ بنِ زيد أربعة آلاف، وقد شهدتُ مع رسول الله ما لم يشهد أسامة، فبيَّن عمر لابنه سبب زيادة عطاء أسامةَ ابنِ المولى على ابنِ الخليفة، وقال: (لأن زيداً [والدَ أسامة] كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وكان

стр. 149

أسامة أحبَّ إلى رسول الله ﷺ منك، فآثرت حبَّ رسول الله ﷺ على حبي) (١). وإذا تبين لنا هذا الهدي النبوي فإن الواجب علينا أن نجري مراجعات صادقة في مفاهيمنا وموازيننا، ونستهدي بها بدلاً من موازين الجاهلية التي تجعلنا نفاضل بين الناس وفق القيم الدنيوية الرخيصة من جنس وجنسية ولون وقوم.

стр. 150

المبحث الثاني: صناعة المعروف صناعة المعروف خَصلة جليلة وخَلَّة كريمة، وهي خدمة الآخرين وقضاء حوائجهم المختلفة ونفعُهم بصور النفع المختلفة، كالإطعامِ وسقاية الماء وسدادِ الديون، أو الإصلاحِ بين المتهاجرين منهم، أو بذلِ الشفاعةِ والجاه، أو سائرِ المصالح التي يحتاجها الناس، وهو ما نسميه صناعة المعروف للآخرين. وقضاء حوائج الناس خَلّة كريمة صنعها الأنبياء من قبل، وقد دعا الله حبيبه ﷺ والمؤمنين من بعده إلى الاقتداء بهم ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: ٩٠). وهم صلوات الله وسلامه عليهم كانوا أكثر الناس نفعاً للخلق، فهذا موسى ﵇ يسقي للمرأتين المديانيتين ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص: ٢٣ - ٢٤). وأما عيسى ﵇ فيقول عن نفسه: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ (مريم: ٣١) أي جعلني نفاعاً للناس أينما اتجهت وحللت.

стр. 151

ونبينا ﷺ كان أكثرَ الناس نفعاً للآخرين وأشدَهم حرصاً على قضاء الحوائج، فقد قيل لعائشة ﵂: هل كان النبي ﷺ يصلي وهو قاعد؟ قالت: (نعم، بعد ما حطمه الناس) أي أتعبوه بكثرة حوائجهم التي يقضيها لهم ﷺ (١). وتصفه أم المؤمنين خديجة في أول بعثته، فتقول: «والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسِب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» (٢). وهكذا كان ﷺ نفاعاً للناس حتى حطمه الناس بقضاء حوائجهم، وكيف لا يكون كذلك، وهو ﷺ القائل: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً (في مسجده بالمدينة المنورة) .. ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام» (٣).

стр. 152

ومن قضائه لحوائج الناس ما رواه مسلم من قصة امرأة أتت النبي ﷺ وفي عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فلم يضجر النبي ﷺ منها لخفة عقلها، بل قال: «يا أم فلان، انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك»، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها (١). ويصفه عبد الله بن أبي أوفى بقوله: (كان رسول الله ﷺ يكثِر الذكر، ويُقِل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصِّر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضيَ له الحاجة) (٢). فضل صناعة المعروف: وقد رغب النبي ﷺ في صناعة المعروف، لأنها عبادة لا غناء لنا عنها، نحتاجها في منافع الدنيا قبل الآخرة، إذ هي سبب في قضاء حاجاتنا وتفريج كروبنا، قال ﷺ : «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» (٣).

стр. 153

ويخبر الأسوة الحسنة ﷺ أن الله يدفع بصناعة المعروف ميتة السوء التي كثرت في هذا الزمان بين موت فجأة وحادث طريق، وغير هذا وذاك: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب» (١). ويعتبر النبي ﷺ صُنَّاع المعروف مفاتيحَ للخير، ويرغب أمته أن تكون على هذا الوصف الجليل بقوله: «إن من الناس مفاتيحَ للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيحَ للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل اللهُ مفاتيحَ الخير على يديه، وويل لمن جعل اللهُ مفاتيح الشر على يديه» (٢). ويحكي النبي ﷺ لأصحابه قصة أقوام عملوا القليل من صناعة المعروف، فكان جزاؤهم كبيراً عند الله، من هؤلاء رجل أزال الأذى من الطريق «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخذه، فشكر الله له فغفر له» (٣)،

стр. 154

وفي رواية: «لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس» (١). كما يحكي ﷺ قصة رجل آخر صنع معروفاً لحيوان فدخل الجنة: «بينا رجل بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلبَ من العطش مثلُ الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له»، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فأجابهم ﷺ : «في كل ذات كبد رطبة أجر» (٢). وأما ثالث الناجين بصناعة المعروف فرجل سمح يداين الناس ويصبر عليهم في السداد، ويحكي النبي ﷺ قصته فيقول: «تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئاً؟ قال: لا. قالوا: تذكر. قال: كنت أداين الناس، فآمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر، فقال الله : «تجوزوا عنه»، وفي رواية: «فقال الله: أنا أحق بذا منك، تجاوزوا عن عبدي» (٣).

стр. 155

قال النووي: "وفي هذه الأحاديث فضل إنظار المعسر، والوضع عنه إما كل الدين، وإما بعضه من كثير أو قليل، وفيه فضل المسامحة في الاقتضاء وفي الاستيفاء؛ سواء استوفي من موسر أو معسر، وفضل الوضع من الدين، وأنه لا يُحتقر شيء من أفعال الخير؛ فلعله سبب السعادة والرحمة" (١). ويؤكد ﷺ على أهمية وفضل صناعة المعروف، فكل عَظْم من عِظام الإنسانِ ينبغي أن يُتصدق عنه، وصناعة المعروف هي صدقة من الإنسان على الآخرين، وفيها أيضاً بعض أداء حق الله المنعِم، قال ﷺ : «كلُ سُلامى عليه صدقة، كل يوم يعين الرجل في دابته يُحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ودل الطريق صدقة» (٢). وهكذا فصناعة المعروف للآخرين نوع من الصدقة عليهم وعلى النفس، وهي أيضاً شكر للنعمة التي أسداها الله لصانع المعروف، فعن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال:

стр. 156

«على كل مسلم صدقة» فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: «يعمل بيده، فينفع نفسه ويتصدق». قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «يعين ذا الحاجة الملهوف» قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر، فإنها له صدقة» (١). وفي حديث آخر يقول ﷺ : «كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تُفرغ من دلوك في إناء أخيك» (٢). وصناعة المعروف معاملة مع الله قبل أن تكون معاملةً مع الخلق، لذا يبذل المعروف للإنسان ولو كان كافراً، وقد وصف الله المؤمنين بقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ (الإنسان: ٧ - ١٠).

стр. 157

فقوله: ﴿وَأَسِيراً﴾ يقصد به الأسير الكافر ولاريب، فالآية توصي بإطعامه الطعام على حبه، قال ابن عباس: "كان أُسراؤهم يومئذ مشركين". وعقَّب ابن كثير بالقول: "يشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأُسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء" (١). بل ويبذل المعروف للحيوان أيضاً، فكل ذلك صدقة، يقول ﷺ : «ما من مسلم يغرِس غرساً إلا كان ما أُكِل منه له صدقة، وما سُرق منه له صدقة، وما أَكل السبُع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطيرُ فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحدٌ [أي يسأله] إلا كان له صدقة» (٢). وقد صنع النبي ﷺ المعروف للحيوان، ولم يمنعه عن ذلك كثرة أعبائه ومشاغله، فقد دخل حائطاً لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى النبيَ ﷺ حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح ذِفراه فسكت فقال: «من ربُ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله

стр. 158

فقال: «أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئِبُه» (١). التقصير في صناعة المعروف: وصناعة المعروف تتراوح في حكمها بين المندوب والواجب، بحسب المعروف والحاجة إليه، لذا فالبخل بصناعة المعروف أحياناً والامتناع عن بذله من مهلكات الأمور، لذا ما فتئت آيات القرآن الكريم تحذر منه، فياللعجب كيف يقصر بعض المسلمين في خدمة الآخرين وهو يسمع آيات القرآن تحكي الوعيد لمن صنع ذلك: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون: ٤ - ٧). قال الشوكاني: " قال أكثر المفسرين: ﴿الْمَاعُونَ﴾: اسم لما يتعاوزه الناس بينهم: من الدلو والفأس والقِدر، وما لا يمنع كالماء والملح" (٢). وفي دركات النار وأَتونها يُسأل أصحابها عن سبب دخولهم النار، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ فيجيبون

стр. 159

بأن سبب ذلك أمور، من بينها أنهم بخلوا بمعروفهم عن المساكين: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (المدثر: ٤١ - ٤٤). وفي آية أخرى يعدد الله سواءت أهل النار؛ فإذا من بينها ترك صناعة المعروف: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ (الحاقة: ٣٤ - ٣٥). والذين يقصرون في صناعة المعروف يعاتبهم الله يوم القيامة، ففي الحديث القدسي أن: «الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده. يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي.

стр. 160

يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي» (١). قال النووي: "قال العلماء: إنما أضاف المرض إليه ، والمراد العبد تشريفاً للعبد وتقريباً له. قالوا: ومعنى «وجدتني عنده» أي: وجدت ثوابي وكرامتي، ويدل عليه قوله تعالى في تمام الحديث: «لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، لو أسقيته لوجدت ذلك عندي» أي ثوابه" (٢). وأكد ﷺ على خسران وبوار المقصرين في صناعة المعروف في خبر يرويه الصحابي الجليل أنس بنُ مالك ﵁ فيقول: استشهد رجل منا يوم أُحد، فوجِد على بطنه صخرةٌ مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئاً لك يا بنيَّ الجنة. فقال رسول الله ﷺ : «وما يدريكِ، فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره» (٣)، وكأني به ﷺ يقول: إن مما يمنع المرء عن دخول الجنة منع المعروف الذي لا يضره

стр. 161

بذله، ولم يقصد النبي ﷺ في هذا الحديث الشهادة بعدم دخول الجنة لهذا الصحابي الذي استشهد وهو رابطٌ حجراً على بطنه من شدة الجوع. لكنه ﷺ أراد أن يعلمنا أن مما يحجب المرء عن الجنة خصلتان يقع فيهما كثير من الناس، وهما: الثرثرة والكلام فيما لا فائدة منه، ومنع المعروف عن الآخرين والتقصير في بذله. ومن الوعيد الذي يتوعد الله به أولئك المقصرين في صناعة المعروف - فيما زاد عن حاجتهم ولا يضرهم نقصه - ما يرويه أبو هريرة ﵁ من قول النبي ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم» فذكر منهم «ورجل منع فضل ماء، فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» (١). قال ابن بطال: "وفيه عقوبة من منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ويدخل في معنى الحديث منع غير الماء وكل ما بالناس الحاجة إليه" (٢).

стр. 162

ومن الفضل والمعروف ما يكون بين الجيران، كأن يحتاج الجار إلى بعض منافع دار الجار التي لا يضره بذلها، يقول ﷺ : «لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره» (١). لكن أبا هريرة رأى من بعض التابعين استثقالاً وإعراضاً عن هذا الأمر من صناعة المعروف، فقال: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم). قال العلماء: "وكل ما طلبه جاره من فتح باب وإرفاق بماء أو مختلف في طريق، أو فتح طريق في غير موضعه وشبهِ ذلك؛ فلا ينبغي في الترغيب أن يمنعه مما لا يضره ولا ينفعه ولا يحكم به عليه" (٢). وهكذا فالتقصير في صناعة المعروف سبب للملامة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، وبخاصة إذا كان بخلاً بما لا يحتاجه، أو بما تشتد إليه حاجة الآخرين. آداب صناعة المعروف: وصناعة المعروف عبادة أحاطها النبي ﷺ بآداب تضبطها وتحافظ عليها، وأولها أن يعي المسلمون أن بذل المعروف

стр. 163

معاملة مع الله، لا توزن بالقلة والكثرة، بل تحمد عند الله على كل حال، فقليلها عنده كثير، وهين العمل عند الرب الكريم كبير «فاتقوا النار ولو بشق تمرة» (١). يقول جابر بن سليم الهُجيميّ: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنّا قوم من أهل البادية، فعلّمنا شيئًا ينفعنا الله ﵎ به؟ فقال ﷺ : «لا تحقرنّ من المعروف شيئًا؛ ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تكلّم أخاك ووجهك إليه منبسط» (٢). وبمثل هذا التعليم لأهل البادية علم ﷺ أهل الحضر، فقال: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (٣). ويعلمنا النبي ﷺ قبول هذا القليل وعدم انتقاصه في حديث آخر، فيقول: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت» (٤).

стр. 164

قال ابن حجر: "وفي الحديث دليل على حسن خلقه ﷺ وتواضعه وجبره لقلوب الناس، وعلى قبول الهدية وإجابة من يدعو الرجل إلى منزله، ولو علم أن الذي يدعوه إليه شيء قليل" (١). وأحياناً يُخذِّل الشيطان الواحد منا عن صنع المعروف، بحجة أن من نصنع له المعروف قد لا يكون محتاجاً، فقد يكون مدعياً كذاباً اعتاد التسول واحترفه، لكن ينبغي أن لا ننسى أنه قد يكون صادقاً محتاجاً، فلا يصح أن نمتنع عن بذل المعروف، فنعاقب المحتاج بجريرة الكذاب. وحتى يتجاوز المسلم هذا التخذيل الشيطاني ويستمر في بذل المعروف؛ يسوق ﷺ قصة رجل تصدق على غير مستحق للصدقة، وقبِل الله صدقته التي وقعت مرة في يد غني، وأخرى في يد تستحق القطع (سارق)، وثالثة في يد آثمة لامرأة زانية، يقول ﷺ : «قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة.

стр. 165

فخرج بصدقته فوضعها في يدي زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية، لأتصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يدي غني فأصبحوا يتحدثون: تُصدِّق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني. فأُتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله» (١). قال ابن بطال: "إن الصدقة إذا خرجت من مال المتصدق على نية الصدقة، أنها جازية عنه حيث وقعت ممن بسط إليها إذا كان مسلماً بدليل هذا الحديث" (٢). وكما حث النبي على صناعة المعروف، فإنه حذر مما يحبطه ويبطل ثوابه كتلبسه المنَّ والأذى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (البقرة: ٢٦٤).

стр. 166

ولأجل ذلك يحب الله من عباده إخفاء صدقاتهم ومعروفهم قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ (البقرة: ٢٧١)، فالعبد الذي يُسِر بعمله يحبه الله تعالى، قال ﷺ : «إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء» (١)، ويوم القيامة يحشرهم في ظلال عرشه، في يوم لا ظل فيه إلا ظله، فقد ورد في حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٢). بذل الشفاعة باب من صناعة المعروف: ومن صور صناعة المعروف ما لا يكلف مالاً، ومقصودي بذلُ الشفاعة والجاه بغية كشف كرُبات الناس وحلِّ مشكلاتهم، وقد صنعه ﷺ سعياً في تفريج هموم الناس والتخفيف من معاناتهم، من ذلك شفاعته لعبد يدعى مُغيث عند زوجته السابقة بَريرة، والقصة يرويها البخاري، وفيها أن زوجَ بريرة كان عبداً يقال له مغيث، وكان يحبها، ففارقته.

стр. 167

يقول ابن عباس وهو يصور حال هذا الزوج المحب لزوجته السابقة: كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ للعباس: «يا عباسُ ألا تعجب من حب مغيثٍ بريرةَ، ومن بغضِ بريرةَ مغيثاً؟!». ثم إن النبي ﷺ رفِق بهذا المحب؛ فذهب إلى بريرة يشفع لزوجها عندها، لعلها ترجعُ إليه، فقال لها: «لو راجعتِه» فقالت بريرة: يا رسول الله تأمرني؟ فأجابها ﷺ : «إنما أنا أشفع». فقالت: لا حاجة لي فيه (١). ويعلم النبي ﷺ أصحابه ممارسة الشفاعة والتوسط للناس في قضاء الحوائج بطريقة عملية، كان إذا جاءه السائل أو طُلبت إليه حاجة يقول: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ﷺ ما شاء» (٢)، وفي رواية: «إنَّ الرجل ليسألني الشيء، فأمنعُه حتى تشفعوا فيه؛ فتُؤجروا» (٣). قال ابن بطال: "الشفاعة في الصدقة وسائر أفعال البر، مرغَّب فيها، مندوب إليها، ألا ترى قوله ﷺ : «اشفعوا

стр. 168

تؤجروا»، فندب أمته إلى السعي في حوائج الناس، وشرط الأجر على ذلك، ودَلَّ قوله ﷺ : «ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» أن الساعي مأجور على كل حال، وإن خاب سعيه ولم تنجح طُلبتُه، وقد قال ﷺ : «الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» " (١). لكن الشفاعة لا تمدح مطلقاً، فإن منها ما هو حسن يحبه الله ويثيب عليه ويجعلُ صاحبه شريكاً في الأجر، وإن منها ما يَمقُته الله ويجعل صاحبها شريكاً في الوزر، وهي الشفاعة السيئة، قال الله تعالى: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ (النساء: ٨٥). ويشرح الإمام الشوكاني الفرق بين الشفاعتين بقوله: "والشفاعة الحسنة هي: في البرّ والطاعة. والشفاعة السيئة في المعاصي، فمن شفع في الخير لينفع؛ فله نصيب منها، أي: من أجرها، ومن شَفَع في الشر، كمن يسعى بالنميمة والغيبة كان له كفل منها، أي: نصيب من وزرها" (٢).

стр. 169

فالشفاعة الحسنة هي التوسط والسعي في قضاء حوائج الناس من غير الإضرار بمصالح الآخرين وحاجاتهم، وأما الشفاعة السيئة فهي السعي بتحقيق مصالح البعض على حساب الآخرين، كما لو تقدم بعضهم لوظيفة يتنافسون عليها، فشفَع لأحدهم ليقدم على الآخرين بغير موجب إلا معرفته لوجيه شفع له، فهذه من الشفاعة السيئة، لأنها أضرت بالآخرين. ومن الشفاعة السيئة ما أدى إلى ضياع حقوق الناس وأكلها، كالتوسط والشفاعة في دفع حدود الله عند الحاكم والقاضي، وقد نبه عليه النبي ﷺ حين رفض شفاعة أسامةَ بنِ زيد في المرأة المخزومية التي سرقت، وقال لأسامة: «أتشفع في حد من حدود الله؟!». ثم قام فخطب الناس وقال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيْمُ الله لو أن فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت؛ لقطعتُ يدها» (١).

стр. 170

وحين يعلمنا النبي ﷺ الشفاعة، فإنه يوصينا بأمر آخر لا غناء لنا عنه، وهو الإخلاص فيها لله ، فحين نشفع لأحدهم ونتوسط له؛ فإنا لا نصنع ذلك ترقباً لنفع دنيوي، كأن يهدي لنا أو أن يتوسطَ لنا في قابل الأيام، أو أن يذكرَنا الناس بالذكر الحسن، فيصفوننا بالشهامة وكثرة الخير، فطلبُ هذه الأمور مما يحبط العمل ويبطل ثوابه، فالله يريد منا الإخلاص في العمل له ﵎: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ (الإنسان: ٩ - ١٢). وحتى يبقى هذا العمل خالصاً لوجه الله مجرداً من طمع الدنيا؛ فإن النبي ﷺ يحذر الشافع من أخذ شيء من الأجرة عليه في الدنيا، فقد قال ﷺ : «من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها؛ فقبلها، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا» (١). ومن أراد أن يستوضح منزلة الإخلاص، فليسمع إلى الحوار الذي جرى بين الرسول ﷺ وعدي بن حاتمٍ الطائي الذي كان يضرب به المثل في الكرم، فقد جاء عدي بن حاتم

стр. 171

إلى النبي ﷺ فسأله عن المعروف والخير الذي كان يصنعه أبوه في الجاهلية ابتغاء المدح والذكر الحسن، فقال ﷺ : «إن أباك أراد شيئاً فأدركه» (١) أي طلب الأجر من الناس بالثناء، فنال أجره، فليس له عند الله شيء. وهكذا فإن صناعة المعروف خصلة فاضلة نقدم فيها النفع والخير للناس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الحج: ٧٧)، وهي خَلة شريفة إيجابية يتصدق بها المرء على نفسه أولاً ثم على أصحاب الحاجات ثانياً؛ إنها بعض عطاء الإسلام للحضارة الإنسانية، وبعض تنميته للإنسان، فما أحوجنا إلى هدي الإسلام في زمن طغت فيه الأثرة والأنانية وحب الذات.

стр. 172

المبحث الثالث: الهدية حرص النبي ﷺ وهو المبعوث رحمة للعالمين على تشريع كل ما من شأنه أن يؤلف قلوب المسلمين، فقد أرسله الله بكل بر وخير، وامتن على عباده بما قذفه في قلوبهم من ألفة ومحبة ﴿هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ومن هذه الشرائع التي تفتح مغاليق القلوب، وتبذر المحبة، وتفرش الورود والندى بين الناس؛ الهدية، وقد حثَّ عليها النبي ﷺ بقوله: «تهادوا، فإن الهدية تذهب وغَر الصدر»، وفي حديث آخر يقول ﷺ : «تهادوا تحابُّوا» (١). هدايا الناس بعضهُم لبعض ... تولِّد في قلوبهم الوصال وتزرع في الضمير هوى ووُداً ... وتُلبسهم إذا حضروا جمالاً وقد كان النبي ﷺ يهدي ويقبل هدية الآخرين، يقول أبو هريرة: (كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية، ولا يأكل

стр. 173

الصدقة) (١)، وتفسيره كما يقول ابن عبد البر: "رسول الله ﷺ كان لا يأكل الصدقة وكان يأكل الهدية، لما في الهدية من تآلف القلوب والدعاء إلى المحبة والألفة، وجائز عليها الثواب، فترتفع المِنَّة، ولا يجوز ذلك في الصدقة، وكان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها خيراً منها، فترتفع المنة " (٢). وقد ندب النبي ﷺ إلى التهادي في القليل والكثير، وكان هو ﷺ يقبل الهدية ولو كانت زهيدة، وكان يقول: «لو دعيت إلى ذراع أو كُراع لأجبت؛ ولو أهدي إلي ذراع أو كُراع لقبلت» (٣)، وفي هذا "حض منه لأمته على المهاداة، والصلةِ، والتأليفِ، والتَحابِ، وإنما أخبر أنه لا يحقِّر شيئاً مما يُهدى إليه أو يدعى إليه؛ لئلا يمتنع الباعث من المهاداة لاحتقار المُهدى، وإنما أشار بالكُراع وفِرسِن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية، لا إلى إعطاء الكراع والفِرسِن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك" (٤).

стр. 174

إن التهادي بالقليل الذي ليس فيه كلفة يدل على تمام المحبة وكمالِها، فقال: «يا نساء المسلمات لا تحقرنَّ جارة لجارتها؛ ولو فِرسِنَ شاة» (١)، وفي رواية: «تهادوا، فإن الهدية تذهب وحَر الصدر، ولا تحقرن جارة لجارتها ولو شق فِرسِن شاة» (٢)، والفرسن هو الحافر، وفي هذا الحديث "الحض على التهادي والمتاحفة؛ ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة، وإذهابِ الشحناء، واصطفاءِ الجيرة، ولما فيه من التعاونِ على أمر العيشة المقيمة للإرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة، وأسقط للمئونة، وأسهلُ على المُهدي لاطراح التكليف" (٣). وأخبر النبي ﷺ أن الهدية من خير العمل عند الله، وأنها تعدل في أجرها عِتق الرقبة، على عظم منزلة العتاق عند الله، فقد قال ﷺ : «من منح مَنيحة ورِق [أي فضة] أو منيحة لبن أو هدى زُقاقاً [يعني الدلالة على الطريق]؛ كان له كعدل رقبة - وقال مرة: - كعِتق رقبة» (٤).

стр. 175

وحين أعتقت ميمونة بنت الحارث جارية عندها؛ أخبرها النبي ﷺ أن إهداءها الجارية إلى بعض أقاربها خير لها من عتاقها، وهو من فاضل العمل عند الله، تقول أم المؤمنين: أشعرتَ يا رسول الله أني أعتقت وليدتي؟ قال: «أوفعلتِ؟ .. أما إنك لو أعطيتِها أخوالَك كان أعظمَ لأجرِك» (١). قال ابن بطال: "وفي حديث ميمونة أن صلة الأقارب أفضلُ من العِتق، على أن العِتق قد جاء فيه أن الله يعتِق بكل عضو منه عضوًا منها من النار، وأن بالعتق تُجاز العقبةُ يوم القيامة". (٢) ولما أخبر النبي ﷺ عن أربعين خصلة تُدخل صاحبَها الجنة، جعل أُولاها إهداء عنز إلى من يستفيد من لبنها ثم يردها إلى صاحبها، فقال ﷺ : «أربعون خصلة؛ أعلاهن مَنيحة العنز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابِها وتصديقَ موعودها؛ إلا أدخله الله بها الجنة» (٣). وقال ﷺ : «نِعم المنيحةُ اللِّقْحةُ، الصَفِي منحة [أي الكريمة الغزيرة اللبن]، والشاة الصفيُّ تغدو بإناء، وتروح بإناء»، وفي

стр. 176

رواية: «من منح مَنيحة غدت بصدقة، وراحت بصدقة، صَبوحِها وغَبوقِها» (١)، والمنيحة تدور حول معنيين"أحدهما أن يعطي الرجل صاحبَه صلة فتكونَ له، والآخر أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفعُ بحلْبها ووَبرِها زمناً ثم يردُها" (٢). كما حث النبي ﷺ على إهداء منفعة الفضول التي تزيد عن حاجة صاحبها، ولو كانت أرضاً، يقول جابر ﵁: كانت لرجال منا فضول أرضين فقالوا: نؤاجرها بالثلث والربع والنصف، فقال النبي ﷺ : «من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحْها أخاه؛ فإن أبى فليمسك أرضه» (٣). قال الملا علي القاري في شرحه: "ينبغي أن يحصُل للإنسان نفعٌ من ماله، فمن كانت له أرض فليزرعها حتى يحصُل له نفع منها، أو ليعطها أخاه ليحصُل له ثواب، فإن لم يفعل هذين الشيئين فليمسك أرضه، فهذا توبيخ لمن له مال ولم يحصُل له منه نفع" (٤).

стр. 177

ولما خرج ﷺ إلى أرض تهتز زرعاً فقال: «لمن هذه؟» فقالوا: اكتراها فلان. فقال: «أما إنه لو منحها إياه كان خيراً له من أن يأخذ عليها أجراً معلوماً» (١). إهداء الطعام ومما شرع النبي ﷺ إهداءه؛ الطعام، وهذا يشمل الغني والفقير، والإطعام أوسع من الصدقة التي هي مخصوصة بالفقير وذي الحاجة، بينما الإطعام يكون للغني والفقير، أي هو نوع عام من الصلة والبر، وهو من أفضل القربات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه، فهو باب من أبواب الجنة: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، واضربوا الهام؛ تورثوا الجنان»، وفي حديث آخر يقول ﷺ : «إن في الجنة غرفاً، ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها»، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام» (٢). ولما أتى النبي ﷺ المدينةَ المنورة أتاه حَبْرُ اليهود عبدُ الله بن سلام يقول: فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استثبتُ وجه

стр. 178

رسول الله ﷺ عرفت أن وجهَه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به ﷺ أن قال: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا والناس نيام؛ تدخلوا الجنة بسلام» (١). بل إن النبي ﷺ لما سأله عمرو بن عبسة: ما الإسلام؟ أجابه النبي ﷺ بذكر خصلتين عظيمتين، إحداهما إطعام الطعام، فقد قال ﷺ : «لين الكلام وإطعام الطعام» (٢). وأتاه ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله وتصديق وجهاد في سبيل الله وحج مبرور»، فقال الرجل: أكثرتَ يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «فلين الكلام وبذل الطعام وسَماح وحُسن خلق» (٣). ولما جاء أعرابي إلى النبي ﷺ قال: علمني عملاً يدخلني الجنة؟ فقال ﷺ : «لئن كنت أقصرتَ الخطبة لقد أعرضتَ المسألة، أعتق النسمة، وفك الرقبة .. والمنحة: الوكوف،

стр. 179

والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأْمُر بالمعروف، وانهَ عن المنكر، فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير» (١). وفي مرة أخرى سأل رجل النبيَّ ﷺ : أي الإسلام خير؟ فذكر النبي ﷺ له هذه الخصلة الفاضلة من خصال الخير وقال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (٢)، وفي هذا "الحض على المواساة، واستجلاب قلوب الناس بإطعام الطعام وبذل السلام، لأنه ليس شىء أجلب للمحبة وأثبت للمودة منهما، وقد مدح الله المطعم للطعام، فقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ (الإنسان: ٨)، ثم ذكر الله جزيل ما أثابهم عليه، فقال: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (الإنسان: ١١ - ١٢) " (٣).

стр. 180

لقد تشرب الصحابة ﵃ معنى الإطعام الجميل، فسبقوا إليه وأكثروا منه حتى لام بعضهم بعضاً من الإكثار منه، فذات يوم لقي عمر بن الخطاب صهيباً الرومي، فقال له: أي رجل أنت؛ لولا خصال ثلاث فيك! فقال صهيب: وما هن؟ فقال: اكتنيت وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت من الروم، وفيك سرف في الطعام. فقال صهيب: أما قولك: اكتنيت ولم يولد لك؛ فإن رسول الله ﷺ كناني أبا يحيى. وأما قولك: انتميتَ إلى العرب ولست منهم، وأنت رجل من الروم؛ فإني رجل من النمر بن قاسط، فسبَتني الروم من الموصل بعد إذ أنا غلام عرفتُ نسبي. وأما قولك: فيكَ سرف في الطعام؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خياركم من أطعم الطعام»، فذلك الذي يحملني على أن أطعم الطعام (١).
следующие страницы →