- ﷺ في التربية، تلك الوسائل التي لا يكاد يطرقها الكثير من الآباء مع أبنائهم، ولا المعلمون مع طلابهم، لكنه محمد ﷺ معلم الأمة، وقدوة المربين إلى يوم الدين.
منهج النبي ﷺ في تربية المخطئين:
المخطئ له حق على مجتمعه، يتمثل في نصحه وتقويم اعوجاجه بأفضل الطرق وأقومها، وهو ما لم يفرط به ﷺ ، بل كان سيد الناصحين، وأستاذ الموجهين، وأول وسائله ﷺ في التربية ومعالجة الخطأ؛ التربية بالابتسامة، الابتسامة الحانية يعاتب فيها ﷺ المخطئ ويوجهه ويقوِّم سلوكه، فحين تخلف كعب بن مالك الأنصاري عن النبي ﷺ يوم تبوك من غير عذر دخل عليه، وقد فاته الخير العظيم، بل رتع في الإثم الكبير الذي يوجب تأنيبه وتهذيبه، فالتخلف عن تلك الغزوة بلا سبب من كبائر الذنوب والآثام.
ولنصغ إلى كعب وهو يصف لنا لقاءه بالنبي ﷺ حين رجوعه من تبوك: "فجئته فلما سلمت عليه؛ تبسَّم تبسُّم المغضب" (١).
стр. 72
عقاب فريد لا يكاد يتذكره عباقرة التربية، عاقبه بابتسامة قرأ كعب من خلالها الحب الممزوج بالعتاب والتهذيب؟! من غير سباب ولا صراخ، لم لا نحاول اليوم تعلم هذا الفن من فنون التربية؟
إن ابتسامة المغضب تتناسب مع عظم الجرم، لكنها ليست النوع الوحيد من ضروب التربية بالابتسام، ففي أحيان أخرى كان رسول الله ﷺ يقابل الخطأ بابتسامة من نوع آخر، ابتسامة الحنان والحب الدافق، كما صنع مع خادمه أنس بنِ مالك ﵁ لما أمره النبي ﷺ أن يذهب في بعض حوائجه، فانشغل عنها بلعب الصبيان كعادة أطفالنا اليوم وغداً وفي كل حين.
فقد خرج أنس ﵁ لحاجة النبي ﷺ ، فرأى الصبيان يلعبون في السوق، فانشغل عن حاجة النبي ﷺ باللعب معهم، كما ينشغل كثير من غلماننا اليوم، فاستبطأه النبي ﷺ وخرج يبحث عنه، فوجده يلعب مع الصبيان، فلله دره ما أحلمه ﷺ ، مَن من الآباء أو المربين يطيق صبره على مثل هذا الغلام؟ ما صرخ ﷺ ولا ضرب ولا سب؟ حاشاه فهو أسوة المسلمين الذي رباه رب العالمين.
لنصغ إلى أنس وهو يقص علينا خبره مع النبي ﷺ ، فيقول: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلقاً، فأرسلني
стр. 73
يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ .
فخرجت حتى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: «يا أُنيس، أذهبتَ حيث أمرتك؟» فقلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله (١).
لقد ضحك ﷺ ، وأدرك أن خادمه طفل يعرض له ما يعرض لأمثاله من حب اللعب والتشاغل به، فنبهه على تقصيره بيد حانية أمسكتْ بقفاه، وشفعها بابتسامة حانية، تجدد الحب وتلتمس المعاذير.
وأما صيغة النداء مع هذا الصبي المتشاغل باللعب، المتلكئ عن المبادرة والمسارعة لتنفيذ أمر النبي ﷺ ، فهي درس آخر من دروس التربية والتوجيه، فقد قال له ﷺ متحبباً: «يا أُنيس»، وتصغير الاسم ضرب من ضروب التحبب والتألف والتودد، وهو خير من قواميس الكلمات النابية التي ننشرها في وجوه أبنائنا وخدمنا وغيرهم ممن يخطئون علينا أو يتلكؤون في تنفيذ أوامرنا التي نظن أنها لا تقبل التلكؤ والتأخير.
стр. 74
وذات يوم دخل شاب على نبي الطهر والفضيلة ﷺ يستأذنه في أمر جلل فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا!
أمر عجب، يستأذن أطهر البشر في صنع أرذل الخطايا، أما يستحي! أما يرعوي! لقد ناله من الصحابة رضوان الله عليهم ما يتوقع لمثله من التقريع والتأنيب، يقول أبو أمامة: فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه.
وأما النبي ﷺ ، فقد أدرك أن مشكلة الشاب وانحرافه لن يقوَّم بالزجر والوعيد والتقريع، فقال ﷺ له: «ادنه» فدنا منه الشاب قريباً فقال له ﷺ : «أتحبه لأمك؟» فانتفض الشاب غَيرة على أمه وقال: لا، والله جعلني الله فداءك. فقال له ﷺ : «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم».
ومضى النبي ﷺ يستثير كوامن الغيرة الممدوحة في صدر الشاب: «أفتحبه لابنتك؟» فأجاب الشاب: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. فأجابه النبي ﷺ بمنطقية المربي: «ولا الناس يحبونه لبناتهم».
ثم جعل رسول الله يستل بحكمته ومنطقه دخن قلبه، ويطفئ نار شهوته بتعداد محارمه، «أتحبه لأختك؟ .. أتحبه لعمتك؟ .. أتحبه لخالتك؟» هل تحب أن تراهُنَّ وقد تعرضن
стр. 75
لمثل ما تريده من محارم الآخرين؟! فالناس يكرهون هذه الفعلة في محارمهم، كما كرهها هو في أهله.
فلما استبشع الشاب فِعلة الزنا؛ طلب ﷺ له سبباً آخر من أسباب الهداية يغفل عنه الآباء والمربون، ألا وهو دعاء الله الذي يملك أزِمّة القلوب ومفاتيحها، فقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه».
واستجاب الله له، يقول أبو أمامة ﵁: فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء (١).
قصة بليغة تضمنت دروساً متعددة في التعامل مع المخطئ، ليس أولها الدعاء له والحنو عليه، والسماح له بالتعبير عن كوامنه، واستجاشة الخير الذي لا يخلو منه قلب خاطئ أبداً، وفيها دعوة لنا لنراجع أنفسنا، ونغير من طريقتنا في التعبير عن ضجرنا من أخطاء أبنائنا وأصدقائنا، فالسب والشتم الذي نكيله للمخطئين لن يكون سبباً في إصلاحهم وتهذيب سلوكهم وتعريفهم بأخطائهم.
ويضيف النبي ﷺ في موقف آخر مأثرة أخرى يدعى إلى مثلها المربون، وهي ترك العتاب والتدقيق والتحقيق الذي
стр. 76
يستجر المخطئ إلى الكذب، لينضاف إلى أخطائه خطأ آخر، يقول أنس بن مالك خادم النبي ﷺ : «والله لقد خدمت النبي ﷺ تسع سنين، ما علمته قال لشيء صنعتُه: لم فعلتَ كذا وكذا، أو لشيء تركتُه: هلا فعلتَ كذا وكذا».
وفي رواية عند الإمام أحمد: «ما قال لي فيها أف».
وفي رواية له أيضاً: «والله ما سبني سبة قط، ولا قال لي أف» (١).
وهنا نتساءل: ألم يخطئ أنس مع النبي ﷺ قط؟ ألم يصنع ذلك الغلام ما يصنعه أي غلام في سنه من لهو وتشاغل وعبث، ألم يقع منه خلال عشر سنين ما يقع فيه أبناؤنا وخدمنا كل يوم من زلل وخطأ؟ أوليس هو من جنسنا؟ أم كان هذا الغلام غلاماً فوق العادة؟
لا لم يكن أنس كذلك، ولكنه ﷺ يستعيض في توجيهه عن السب والتعنيف والتأفف بالرفق والتماس الأعذار.
وبينما النبي ﷺ جالس ذات يوم بين أصحابه في مسجده، إذ دخل أعرابي، فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً. فقال رسول الله ﷺ : «لقد تحجرت واسعاً».
стр. 77
ثم مالبث أن عرضت له حاجته، فتنحي وتبول في ناحية من المسجد، فثار إليه الصحابة ليقعوا به بسبب هذه الفعلة الشنيعة وهو الذي دعا عليهم قبل قليل بالحرمان من رحمة الله، ثم هو لا يدرك حرمة المساجد؟! أما يدري أن طهارة المكان شرط من شروط صحة الصلاة؟ كيف يجعل من ميدان الطهر محلاً لقضاء حاجته.
رأى النبي ﷺ هبَّة الصحابة في وجه الأعرابي، وأدرك أن مثل هذا الأعرابي جاهل بأحكام المساجد، غير قاصد هتك حرمتها، فقال: «لا تزرموه، دعوه» وذلك حتى لا يتأذى بحبس بوله وانقطاعه، وأرشدهم إلى حل بسيط تصغر بمثله كل مشكلة؛ مهما كبرت في عيون أصحابها، فقال: «هريقوا على بوله سِجلاً من ماء أو ذَنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» (١).
ثم لما أتم الرجل حاجته دعاه رسول الله ﷺ فقال له موجهاً وناصحاً: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن .. » (٢).
стр. 78
وفي هذا الحديث: "الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء؛ إذا لم يأت بالمخالفة استخفافا أو عناداً، وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لقوله ﷺ : «دعوه».
قال العلماء: كان لمصلحتين: إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به، والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد" (١).
إن واحداً منا لا يصنع مثل هذا مع ابن صغير من أبنائنا يصنع أقل من هذا الصنيع الشنيع الذي وقع فيه رجل وافر العقل والفهم، فما أحرانا أن نفعل كما فعل ﷺ إمام الرفق واللين، أدبه ربه بأدب نحن أحوج إليه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، فلئن قيل هذا للنبي ﷺ وهو أعظم خلق الله فإنه من باب أولى يصلح شعاراً ينصبه كل واحد منا تلقاء وجهه وهو يثور لأتفه الأسباب وأهونها.
стр. 79
ولنتدبر موقفاً آخر يقصه علينا معاوية بن الحكم ﵁، فقد دخل المسجد يوماً يصلي مع الصحابة خلف النبي ﷺ ، فعطس رجل أمامه، فشمَّته معاوية وهو يصلي (١).
ولما كانت الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس استنكر الصحابة فعله، وهم في صلاتهم، يقول معاوية: (فحدقني القوم بأبصارهم) لاستغرابهم من رجل يتحدث وهو في الصلاة. لكن الموقف ازداد تعقيداً حين استنكر معاوية أنظارهم، وجعل يقول لهم وهو في صلاته: (واثكل أمياه، مالكم تنظرون إليّ؟).
فزاد استنكار الصحابة لكلامه في الصلاة (فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم)، وأخيراً فهم معاوية مرادهم: (فلما رأيتهم يسكتونني لكني سكت).
وحين انتهت الصلاة لنا أن نتخيل الأنظار وهي تتوجه إلى معاوية تلومه، ومثل هذا يتمنى – كما يقولون – لو تنشق الأرض وتبتلعه قبل أن تلتهمه العيون بنظراتها العاتبة القاسية!.
стр. 80
الجميع يرقب فعل النبي ﷺ مع هذا الرجل الذي جهل ما يعرفه أطفال المسلمين عن حرمة الصلاة وبطلانها بكلام الناس فيها.
يقول معاوية: فلما انصرف رسول الله ﷺ دعاني، بأبي هو وأمي، ما ضربني ولا كهرني ولا سبني، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (١).
إن كل ماذكرناه عن العفو والصفح وحسن المعاملة مع المخطئ لن ينسينا حقه في التأديب والإرشاد إلى الحق من غير إحراجه ولا فضحه أمام الآخرين، لذا كان من أساليبه ﷺ في تنبيه المخطئ، التعريض بالمخطئ وإرشاده على الملأ من غير تصريح باسمه، فهو يوصل إلى المخطئ المعنى المرادَ، من غير أن يجرح شعوره أو يفضحه بين إخوانه.
تقول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ إذا بلغه عن الرجل الشيءَ لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا» (٢)، وفي حديث أنس وفي إسناده ضعف أنه ﷺ كان لا يكاد يواجه أحداً في وجهه بشيء يكرهه،
стр. 81
فجاءه رجل يوماً وعليه صفرة، فقال: «لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة» (١).
وأمثلة ذلك في سيرة النبي ﷺ كثيرة، منها أن ثلاثة نفر من الصحابة ألزموا أنفسهم بالسهر والرهبنة والصوم، فلما بلغ النبي ﷺ أمرُهم حمِد الله وأثنى عليه، وقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأُفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٢).
ولما بلغه عن أناسٍ أنهم يواصلون الصيام قال معرضاً بهم: «ما بال رجال يواصلون؟ إنكم لستم مثلي» (٣).
ولما بلغه أن بعضاً من أصحابه يرفعون أبصارهم إلى السماء قال النبي ﷺ : «ما بال أقوامٍ يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم» (٤).
ولما أرادت عائشة ﵂ شراء جارية اسمها بَرِيْرة رفض أهلُها بيعَها إلا بشرط أن يكون ولاؤها بعد العتق لهم، فصعد رسول الله ﷺ على المنبر فقال: «ما بال أقوام يشترطون
стр. 82
شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة مرة» (١)، وفي كل ذلك ما يحفظ للمخطئ كرامته؛ مع الحفاظ على حقه الآخر بالتوجيه والإرشاد.
وأحياناً كان ﷺ يخاطب بنصيحته غير المخطئ، وهو يقصد أن يُسمِعه النصيحة والتوجيه، فعن سليمانِ بنِ صُرَد قال: استب رجلان عند النبي ﷺ ، ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مُغضباً قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ للصحابة: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
ولما كان الغضبُ مستبداً بالرجل كان خطابُه بهذه الطريقة أولى من خطابه بالنصيحة مباشرة، لذا لما واجهه الصحابة بقول النبي فقالوا: ألا تسمعُ ما يقول النبيُ ﷺ ؟ أعماه الغضب فقال: إني لست بمجنون (٢)، فمثل هذه الحالة لا يفيد فيها النصح المباشر.
وأحياناً كان ﷺ يوجه المخطئ عن طريق الإشارة، أو بتوجيه النصيحة إلى غيره ليسمعها المخطئ فيتنبه لخطئه، ومن أمثلته أن النبي ﷺ رأى رجلاً جالساً وسط المسجد مشبكاً بين
стр. 83
أصابعه يحدث نفسه، فأومأ إليه النبي ﷺ ، فلم يفطن الرجل، ولم ينتبه لإشارة النبي ﷺ .
فالتفت ﵊ إلى أبي سعيد فقال: «إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، فإن أحدكم لا يزال في صلاةٍ ما دام في المسجد حتى يخرج منه» (١)، يعلمنا ﷺ طريقين من طرائق تنبيه المخطئ من غير أن نسيء إليه أو نحرجه أمام الآخرين، أولهما: تنبيهه بالإشارة. والثاني: توجيه الكلام والنصح إلى غيره، وفي كل ذلك ما يحفظ للمخطئ منزلته، ويراعي حاله، ويؤدي في نفس الوقت إلى نصحه وتقويمه، وإرشاد غيره.
وفي بعض الأحيان يلزمُ المربيَ أو الأبَ أن يعاقب المخطئ على خطئه، لكن ذلك لا يعني سباباً وخصاماً وصياحاً كما يصنع الكثيرون، فما هكذا يقوَّمُ المخطئ، وما هكذا كان يصنع القدوة ﷺ ، يقول أنس ﵁: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا
стр. 84
لعاناً ولا سباباً، كان يقول عند المعتبة (أي العتاب): «ما له ترب جبينه» (١).
وقوله: «ترب جبينه» هي "كلمة تقولها العرب جرت على ألسنتهم، وهي من التراب، أي سقط جبينه للأرض، وهو كقولهم: رغم أنفه، ولكن لا يراد معنى قوله ترب جبينه .. أي أنها كلمة تجري على اللسان، ولا يراد حقيقتها" (٢).
وهي كمثل قول النبي ﷺ : «تَربت يداك»، ومراده منها كما قال الأصمعي: " الاستحثاث، كما تقول للرجل: "انْجُ ثُكلتك أمك"، وأنت لا تريد أن تثكل" (٣).
وأحياناً يستلزم الموقفُ من المربي العقوبةَ، ولكنها عقوبة المحب المشفق، لا المنتقم المتشفي، والنبي ﷺ إذا أراد عقوبة واحد من المخطئين فإنما يسلك أخصرَ الطرق وأقومَها وأليقها،
стр. 85
ومن ذلك هجره للمخطئ تربية له وردعاً، فقد هجر ﷺ كعبَ بنَ مالكٍ وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك.
ولندع كعبَ بنَ مالكٍ يشرح لنا بعضاً من معالم هذا الدرس النبوي البليغ.
يقول كعب: نهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا، فاجتنبنا الناسُ، وتغيروا لنا، حتى تنكرت الأرضُ في نفسي، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، وكنت آتي رسولَ الله ﷺ فأسلمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا، ثم أصلي قريباً منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفتُ نحوَه أعرض عني (١).
وحين استكمل الدرسُ التربوي دورَه البالغ؛ أنزل الله توبة كعب وصاحبيه ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة: ١١٨).
стр. 86
وهكذا فالهجرَ عقوبةٌ تربويةٌ ناجعة، لكن ينبغي أن نتذكر أنها تنجح في إصلاح البعض دون الآخرين، فهي وسيلة تعتمد على كمال الحب بين المعاقَب والمربي، كما هو الحال بين النبي ﷺ وصاحبه كعب بن مالك ﵁.
وأما حين نفقِد محبة الآخرين فإنهم لن يبالوا بهجرنا لهم، بل لربما رحبوا به، ووجدوه فرصة للتخلص من التزاماتهم الأدبية، وحينها يصبح وسيلة خاطئة يفضَل اجتنابُها ويحسُنُ تركُها.
ولرب قائل بأن الرفق صعب وبعيد المنال عندما يسيء البعض إلى أشخاصنا، فيتطاولون علينا بالسب أو الشتم، فماذا عسانا نصنع معهم؟ ألا نقابل سبابهم بسباب وتطاولهم بمثله؟
ولهؤلاء نقول: دعونا ننظر كيف صنع نبينا ﷺ حين سبه الناس وشتموه؟
دخل عليه ذات يوم نفر من أهل الكتاب، فبدلاً من أن يلقوا عليه تحية السلام؛ قالوا له بصفاقة ووقاحة: السام عليك، والسام تعني الموت.
فلم يزد ﷺ على أن قال: «وعليكم».
ظنت أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يدرك حقيقة قولهم، وأنهم استبدلوا (السلام) بـ (السام)، فقالت وهي تدافع عن زوجها وتنتصف له من قلة أدب هؤلاء
стр. 87
الزوار وإساءتهم إلى مزورهم في بيته: (السام عليكم، ولعنكم الله، وغضب عليكم).
لكن رسول الله ﷺ قاطعها قائلاً: «مهلاً يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف أو الفحش»، وفي رواية النسائي: «يا عائشة، عليك بالرفق، فإن الله يحب الرفق في الأمر».
فقالت ﵂: أولم تسمع ما قالوا؟ فأجابها ﷺ بلسان المستعلي على إساءات الآخرين: «أولم تسمعي ما قلتُ؟ رددتُ عليهم، فيستجابُ لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ» (١).
فهل نستطيع أن نصنع مثل هذا الصنيع، فنقابل السباب بالإعراض، وهل يقدر الواحد منا أن يدافع عن غريمه وسابه؛ كما صنع النبي ﷺ حين منع عائشة ﵂ من مقابلة خطئهم بمثله، إنا نستطيع ذلك بقدر ما نحب نبينا وحبيبنا ﷺ ، فالتأسي هو علامة المحبة وبرهانها.
بعد غزوة حنين قسم النبي ﷺ الغنائم بين فقراء المهاجرين ومسلمة الفتح، فأعطى ضعاف الإيمان أكثر مما أعطى غيرهم من الأنصار الراسخين في الإسلام، فقال رجل قليل الأدب ضعيف النظر: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله.
стр. 88
فأتى ابن مسعود النبي ﷺ فأخبره بمقالته، فغضب حتى رأى ابن مسعود الغضب في وجهه، لكنه ﷺ لم يجاوز أن قال: «يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا، فصبر» (١).
وأما الأنصار رضوان الله عليهم، فوجدوا في أنفسهم من غير أن يتهموا النبي ﷺ ، ودخل عليه سيدهم سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا الحي [أي الأنصار] قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء؟
فأراد ﷺ أن يعرف إن كانت حكمة فعله معلومة عند سيد الأنصار أم لا، فسأله: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» فقال: يا رسول الله، ما أنا إلا امرؤ من قومي، وما أنا [إلا واحد من قومي].
فقال ﷺ : «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة»، فخرج سعد، فجمع الأنصار فأتاهم رسول الله ﷺ متذكراً فضلهم وسابقتهم في الإسلام، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل ثم قال: «يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم وجدة
стр. 89
وجدتموها في أنفسكم! ألم آتكم ضُلالاً فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟».
فتذكروا مِنة الله ورسوله عليهم وقالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل .. ولله ولرسوله المن والفضل.
فقال ﷺ : «أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم وصدقتم، أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك، أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله ﷺ في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعباً وسلكتِ الأنصار شِعباً لسلكتُ شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار».
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً (١).
стр. 90
وهكذا كان ﷺ يقابل الإساءة والجهل، وهكذا ينبغي أن يصنع كل مسلم، فهل ترانا نتأسى به ﷺ ونقتدي حين يسيء إلينا الآخرون من أبنائنا أو جيراننا.
стр. 91
الفصل الثالث:
من هدي النبي ﷺ في صناعة الشخصية المسلمة
وفيه مباحث:
المبحث الأول: آداب الممادحة
المبحث الثاني: هدي النبي ﷺ في المزاح
المبحث الثالث: الوفاء للزوجة وأهل العشرة والمعروف
стр. 92
المبحث الأول: آداب الممادحة
مما شاع بين الناس اليوم تمادحهم في المجالس وعلى صفحات الجرائد وفي شاشات الفضائيات، وهذا التمادح بعضه بحق، وكثير منه جاوز الحق وجافاه.
وبداية نقول بأن النبي ﷺ مُدح في وجهه، ومدَح هو بعضَ أصحابه في وجوههم، مما يدل على جواز المدح، إذا أُمنت الفتنة منه على الممدوح.
ومن صور ذلك أن النبي ﷺ وقف يوماً بين أصحابه، فقال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير. فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة».
قال أبو بكر ﷺ : بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من هذه الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ فقال ﷺ : «نعم وأرجو أن تكون منهم» (١)،
стр. 93
فهذا مدح من النبي ﷺ لأبي بكر في حضوره، و"فيه من الفقه: أنه يجوز الثناء على الناس بما فيهم على وجه الإعلام بصفاتهم، لتُعرف لهم سابقتُهم وتقدمُهم في الفضل، فينزلوا منازلهم، ويُقدَّموا على من لايساويهم، ويُقتدى بهم في الخير، ولو لم يجز وصفُهم بالخير والثناءُ عليهم بأحوالهم لم يُعلم أهل الفضل من غيرهم، ألا ترى أن النبي ﵇ خص أصحابه بخواص من الفضائل بانُوا بها عن سائر الناس وعُرفوا بها إلى يوم القيامة " (١).
ومدح النبي ﷺ عمر بن الخطاب في حضوره فقال: «ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك» (٢)، "وهذا من جملة المدح، لكنه لما كان صدقاً محضاً وكان الممدوح يؤمن معه الإعجاب والكبر مدح به، ولا يدخل ذلك في المنع، ومن جملة ذلك الأحاديثُ المتقدمة في مناقب الصحابة ووصف كل واحد منهم بما وصِف به من الأوصاف الجميلة" (٣).
стр. 94
ولا يخلو التمادح والثناء على الناس من فوائد، ففيه استنهاض للهمم وتذكير بحق الله بالحمد والشكر على نعمة الذكر الحسن والشهادة الصادقة من المؤمنين، فعن أبي ذر ﵁ أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : أريت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ فقال ﷺ : «تلك عاجل بشرى المؤمن» (١).
قال النووي: "قال العلماء: معناه هذه البشرى المعجلة له بالخير، وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه، ومحبته له، فيحببه إلى الخلق ... هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا فالتعرض مذموم" (٢).
وهكذا فإن مدح الإنسان في وجهه جائز، إذا أُمنت غائلة هذا المدح، وانضبطت بالضوابط التي وضعها النبي ﷺ ، والتي تجنب هذه الظاهرة ما تستخره من الفتنة والغرور وفساد قلبه.
وقد استحب العلماء لمن مُدح أن يتواضع لله، وأن يستشعر ضعفه وتقصيره، حتى لا يغلب عليه الكبر والعجب،
стр. 95
وقد كان الصحابة ﵃ إذا أُثني عليهم يقولون: (اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون) (١)، وقال بعض السلف: (اللهم إنَّ هؤلاء لا يعرفوني، وأنت تعرفني) (٢).
التمادح المذموم:
ولترشيد ظاهرة التمادح نتأمل هدي النبي ﷺ لنقف على المواطن التي يذم فيها مدح الآخرين والثناء عليهم.
وأولها: عدم المدح في حضور الممدوح إذا ظُن أن يؤدي إلى مفاسد تَضر به، كأن تصيبه بالإعجاب أو الغرور، أو غيره من الآفات القلبية، فإن ذلك من الفتنة والإهلاك، لذا لما سمع ﷺ رجلاً يثني على رجلٍ ويطريه في المدح في حضوره، فقال: «أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» (٣).
قال ابن بطال: "حاصل النهي هنا أنه إذا أفرط في مدح آخر بما ليس فيه، لم يأمن على الممدوح العجب لظنه أنه بتلك
стр. 96
المنزلة، فربما ضيع العمل والازدياد من الخير اتكالاً على ما وصف به" (١).
وفي مثل هذه الحالة أمر النبي ﷺ بحثي التراب في وجه المادح، ففي حديث المقداد ﵁ أن رجلاً جعل يمدح عثمان ﵁، فعمد المقداد، فجثا على ركبتيه، فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال إن رسول الله ﷺ قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب» (٢).
وهذه الأخبار التي تمنع المدح وتذمه لا تتعارض مع ما ذكرناه من أخبار تقتضي الإباحة، فقد جُمع بينهما "أنه إن كان عند الممدوح كمال إيمان وحسن يقين ورياضة، بحيث لا يفتن ولا يغتر ولا تلعب به نفسه، فلا يحرم ولا يكره، وإن خيف عليه شيء من ذلك كره مدحه" (٣).
وأخرج الإمام أحمد أن معاوية كان لا يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات اللاتي يحدث بهن عن النبي ﷺ : «ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه
стр. 97
بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح؛ فإنه الذبح» (١)، وذلك "لما فيه من الآفة في دين المادح والممدوح، وسماه ذبحاً لأنه يميت القلب، فيخرج من دينه، وفيه ذبح للممدوح، فإنه يغره بأحواله، ويغريه بالعجب والكبر، ويرى نفسه أهلاً للمِدْحة، سيما إذا كان من أبناء الدنيا أصحاب النفوس وعبيد الهوى" (٢).
وثانيها: أن يؤدي المدح إلى المبالغة، فيحمل من الإطراء ما جاوز الحقيقة أو خرج عن حده إلى التكلف، وقد كرهه النبي ﷺ حين سمع من بعض المسلمين ثناء عليه متكلفاً، فقد قيل له: يا سيدَنا وابنَ سيدِنا، ويا خيرَنا وابنَ خيرِنا. فقال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس عليكم بتقواكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بنُ عبدِ الله، عبدُ الله ورسولُه، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله » (٣).
وفي موقف آخر جاءه رجل فقال: أنت سيد قريش. فقال ﷺ : «السيد الله» فقال الرجل: أنت أفضلُها فيها قولاً،
стр. 98
وأعظمُها فيها طولاً، فقال رسول الله ﷺ : «ليقل أحدكم بقوله، ولا يستجرُه الشيطان» (١).
وفي موقف ثالث سمع النبي ﷺ جارية تغني بشعر في ندب من مات في بدر، فلما قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد؛ قال ﷺ : «لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين» (٢) أي من الشعر الذي لا إطراء فيه، وفي هذا الحديث "جواز مدح الرجل في وجهه ما لم يخرج إلى ما ليس فيه .. وإنما أنكر عليها ما ذكر من الإطراء حين أطلق علم الغيب له، وهو صفة تختص بالله تعالى" (٣).
لقد رفض ﷺ كل صور الثناء والمبالغة في المدح، الذي يجاوز الحقيقة فقال محذراً وناهياً: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا عبد الله ورسوله» (٤)، أي: "لاتصفوني بما ليس لي من الصفات تلتمسون بذلك مدحي، كما وصفت النصارى عيسى بما لم يكن فيه، فنسبوه إلى أنه ابن الله، فكفروا بذلك وضلوا" (٥).
стр. 99
وفي هذا براءة نبوية من كثير مما يصنعه ويقوله عنه بعض المسلمين، كادعاء بعضهم أنه ﷺ يعرف الغيب، أو أنه يحضر بعض مجالسهم ومحافلهم، أو أنه يقدر على دفع الضر أو جلب النفع لهم وهو ميت في قبره، وغيرها مما لم يثبت له ولا عنه ﷺ .
وقد اتفق أن خسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابنُ النبي ﷺ ، فقال بعض الصحابة: إنها خسفت لموت إبراهيم، وهو ربط غير صحيح ينطوي على الإطراء والمبالغة، فقام النبي ﷺ فخطب الناس ونبههم على خطأِ ربطهم، فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة» (١).
وأما ثالث المواضع التي يذم فيها المدح؛ فهو مدح الظالمين، كرئيسِ شركة يظلم عماله أو مديرِ مصنع يأكل حقوق مستخدميه، أو حاكم يظلم شعبه، فالثناء على أمثال هؤلاء يغُرهم ويغريهم بالمزيد من الظلم، وهذا ما يجعل المادح شريكاً في الظلم ومعيناً عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ (هود: ١١٣).
стр. 100
ويزداد الأمر سوءاً إذا كان المدح بالباطل وطمعاً فيما عند الممدوح من متاع الدنيا، وهذا من الكذب الذي حرمه الله، وقد كتب معاوية إلى أمِ المؤمنين عائشةَ ﵂: أن اكتبي إلي كتاباً توصيني فيه، ولا تكثري علي، فكتبت له ﵂: سلام عليك، أما بعد، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس» (١).
وفي رواية موقوفة على عائشة أنها قالت: (من أرضى الله بسخط الناس رضي عنه الله وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذاّمّاً) (٢).
قال الغزالي: "آفة المدح في المادح أنه قد يكذب، وقد يرائي الممدوحَ بمدحه، ولا سيما إن كان فاسقاً أو ظالماً" (٣).
وأما رابع صور المدح المذموم فهو مدح الرجل بما لا يدري حقيقته على وجه الجزم، كالحكم على معَيَّن أنه من
стр. 101
الصالحين أو الأتقياء، وهذا مما لا يمكن لأحد القطع فيه، فهو غيب لا يعرفه إلا الله، لذلك ينبغي أن يضيف المادح ما يعلق مدحه بالظن، كقوله: أحسبه تقياً، أو أظنه من الصالحين.
وهذا الأدب سبق إليه النبي ﷺ فقال لمادح عنده: «إن كان أحدكم مادحاً لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله، ولا يُزكي على الله أحداً» (١)، أي "لا أقطع على عاقبة أحد ولا على ما في ضميره لكون ذلك مُغيباً عنه، وجيء بذلك بلفظ الخبر «ولا يزكي على الله أحداً» ومعناه النهي، أي لا تزكوا أحداً على الله، لأنه أعلم بكم منكم" (٢).
ولو أصخنا السمع إلى خبرة رجل جرب الحياة وخبَرها، لرأينا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يسدي النصح لأولئك المسارعين بالمدح والثناء على الآخرين بحق وبغير حق، فقد سمع ﵁ رجلاً يثني على آخر، فقال له عمر: (أسافرت معه؟) قال: لا، قال: (أخالطته في المبايعة؟) قال: لا، قال: (فأنت جاره صباحُه ومساؤه؟) قال: لا، فقال عمر: (والله الذي لا إله إلا هو ما أراك تعرفه) (٣).
стр. 102
وإذا كان المدح للناس شهادة نشهدها لهم بين يدي الله علام الغيوب، وشهادة لهم عند الناس، تُبنى عليها بيوت أو تجارات أو غيرُها من المصالح، فحري بالمسلم أن لا يشهد إلا عن علم، وأن لا يشهد إلا بحق، وأن ينأى عن الإطراء والمبالغة، والقطع بما لا يعلم، فهذه من آفات المدح التي تجعله مذموماً.
стр. 103
المبحث الثاني: هدي النبي ﷺ في المزاح
الأصل في المسلم أن يكون جاداً، إذ لم يخلقنا في هذه الدنيا للعبث واللعب، لكن الجد لا يدوم إلا إذا خالطه شيء من المزاح، الذي هو بمثابة الملح من الطعام، فبالمزاح والدعابة تزهو علاقات الناس وتزدان مجالسهم، إذا لم يجاوز قدره، فكما يقولون: الشيء إذا جاوز حده انقلب إلى ضده.
وكما نهى ﷺ عن الإفراط في كل أمر ولو كان حسناً؛ فإنه قد نهى عن الإفراط في المزاح، لما يجر إليه من غفلة القلب وقسوته، وشغله عما خلق له من عظائم الأمور «ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب» (١)، والمزاح سبب رئيس من أسباب الضحك.
وإذا كان الإكثار من الضحك مذموماً، فإن أصلَه غيرُ ممنوع، فقد كان النبي ﷺ يستمع إلى ضحك أصحابه، ويشاركهم بالتبسم يقول جابر بن سمرة: (كان لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، وكانوا
стр. 104
يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون، ويتبسم ﷺ ) (١).
وحتى يتمكن الصحابة الكرام من التمازح؛ فإن النبي ﷺ كان لا يلتفت إذا مشى، وكان ربما تعلق رداؤه بالشجرة أو الشيء، فلا يلتفت حتى يرفعوه، لأنهم كانوا يمزحون ويضحكون، وكانوا قد أمنوا التفاته ﷺ (٢) فالصحابة يعرفون قدر النبي ﷺ فيهابون المزاح أمامه، وهو لا يريد أن يضيق عليهم فيما أحله الله لهم.
المزاح المذموم:
والمزاح يصبح حراماً إذا صاحبه مخالفة شرعية، كالكذب والترويع وغيرها مما بينه رسول الله ﷺ ، فقد يخرج صاحبه عن الغاية التي شرع لأجلها.
فالبعض يمزح، ويكذب في مزاحه، ويعلله بأنه كذب أبيض، يقصد أن إضحاك الحضور وبعث السرور في نفوسهم، ولم يدر المسكين أن الكذب لون واحد محرم، سواء أكان هذا
стр. 105
الكذب لإضحاك الناس أم لغيره، فقد قال ﷺ : «ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له» (١)، وفي رواية لأحمد «إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يريد بها بأساً إلا ليضحك بها القوم؛ فإنه يقع فيها أبعد ما بين السماء والأرض» (٢).
ويضمن النبي ﷺ الجنة لمن فعل ثلاث خصال، ومنها ترك الكذب في المزاح، يقول ﷺ : «أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» (٣).
وهكذا فالمزاح مباح ما لم يتلبس بالكذب، وقد كان نبينا ﷺ يمزح ولا يكذب، قال له أصحابه: يا رسول الله إنك تداعبنا! فقال: «إني لا أقول إلا حقاً» (٤).
ومما يجعل المزاح حراماً أن يتلبس بترويع الآمنين وتخويفهم، كالاختباء للشخص؛ ثم مفاجأته بقصد تخويفه
стр. 106
للضحك من ذلك، ومثله ترويعه بإخفاء جواله أو مفاتيح سيارته أو غيرها، بقصد الضحك والممازحة.
ولمن أراد أن ينظر هدي محمد ﷺ نذكر أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسيرون مع رسول الله في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم، فقال ﷺ : «ما يضحككم؟» فقالوا: لا، إلا أنا أخذنا نُبُل هذا ففزع. فقال رسول الله ﷺ : «لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً» (١) أي "لا يحل لمسلم أي يفزع مسلماً؛ وإن كان هازلاً كإشارته بسيف أو حديدة أو أفعى أو أخذ متاعه؛ فيفزع لفقده، لما فيه من إدخال الأذى والضرر عليه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٢).
وقال ﷺ : «لا يأخذنَّ أحدُكم متاعَ صاحبه جاداً ولا لاعباً، وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه؛ فليردها عليه» (٣).
ومن أعظم الترويع وأمقته إلى الله رفعُ السلاح في وجه المؤمن ولو بالمزاح، فكم من مزاح انقلب إلى مأساة، لعدم
стр. 107
الوقوف عند حدود الهدي النبوي: «لا يشير أحدُكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار» (١).
وفي حديث آخر من الوعيد ما فيه مزدجر لكل من ألقى السمع وهو شهيد: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه» (٢).
كما يذم المزاح إذا اقترن بمنكرات يفعلها البعض، فتهدم الأسر أحياناً وتهدم الدين في أحيانَ أخرى.
وأما ما يهدم الأسر فهو ما دأب عليه بعض الأزواج من جعل الحلف بالطلاق فاكهة لمجالسهم، فإذا أراد من زميله أن يكمل عشاءه حلف عليه بالطلاق؛ فلربما أكل الزميل فسعدت الأسرة، ولربما امتنع فوقعت المصيبة وتشتت الأبناء، وكذلك إذا أراد هذا العابث التأكيد على حضوره لموعد ما أقسم بالطلاق، ولربما أراد ممازحة زميل له، فطلق زوجته هازلاً في ذلك، أو لربما زوج بعضهم ابنته لصديقه وهو يمزح في ذلك
стр. 108
كله ولا يقصده، وقد قال النبي ﷺ : «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» (١).
وأما ما يهدم الدين من المزاح، فهو ما خرج عن دائرة الشرع وضوابطه، وأوقع صاحبه في أبواب الكبائر، ونراه عند كثيرين اليوم، ممن لا يجدون مادة لطرفتهم وظُرْفهم إلا الدين وما يتعلق به من مقدسات، فالبعض يطلق نكاتاً وطُرفاً يتلبسها الاستهزاء ببعض القرآن أو الأنبياء أو الأحكام الفقهية أو العلماء حملة الدين، وهذا باب خطير حذر منه القرآن، واعتبره نوعاً من النفاق.
وقد وقع هذا النوع من المزاح من بعض المنافقين يوم تبوك حين استهزؤوا برسول الله ﷺ وأصحابه حين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء.
فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فسألهم، فأقروا واعتذروا إليه بأنهم كانوا يمزحون ويهزلون، وأنهم لم يقولوا هذا جادين، فأنزل الله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ
стр. 109
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة:٦٤ - ٦٥) (١).
قال القاضي ابن العربي: "لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جداً أو هزلاً، وهو - كيفما كان - كفر، فإن الهزْل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة، فإن التحقيق أخو العلم والحق، والهزل أخو الباطل والجهل" (٢).
والإمام ابن تيمية ينقل اتفاق المسلمين على أن كفر مرتكب الإساءة إلى النبي ﷺ ولو بالهزل: " قد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له [ ﷺ ] كفر مبيح للدم .. ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه .. أو لا يقصد شيئاً من ذلك، بل يهزل ويمزح أو يفعل غير ذلك، فهذا كله يشترك في هذا الحكم إذا كان القول نفسه سباً، فإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب" (٣).
стр. 110
وأما ما نراه من بعض الناس من استخدام آيات القرآن في غير ما نزلت له من المزاح واللغو من غير الوقوع في الاستهزاء، فإن أقل ما يقال في فعل هؤلاء أنه مكروه، قال النووي: "يكره من ذلك ضرب الأمثال في المحاورات والمزح ولغو الحديث، فيكره في كل ذلك تعظيماً لكتاب الله تعالى" (١).
وقد استقبح القرآن الكريم اتهام اليهود لموسى ﵇ بالهزل والمزاح حين أمرهم بذبح البقرة فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾، أي أتمازحنا وتهزل معنا؟ وما درى هؤلاء أن الهزل لا يكون في مثل هذا، فالدين والوحي والبلاغ عن الله هو أبعد ما يكون عن هذا الباب، لذا أجابهم موسى ﵇ بقوله: ﴿أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (البقرة: ٦٧).
والبعض يتجنب المزاح الحرام، لكنه لا يمتنع عن مجالسة أهله، ولربما شاركهم بالتبسم والاستماع، وهذا باب من الحرام والمشاركة في الإثم، وقد حذر الله منه في القرآن فقال لنبيه ﷺ وللمؤمنين من بعده: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: ٨٦)، فالخوض مع هؤلاء