Полный текст (8 320 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.
стр. 7176
وَلِذَا أَغْلَبُ الكُتَّابِ المُبْدِعِينَ وَالشُّعَرَاءِ يُفَضِّلُونَ الكِتَابَةَ لِلسِّينِمَا وَالتِّلِفِزْيُون، وَنَاهِيكَ عَنْ كَثْرَةِ التَّنَازُلاَتِ التي يُقَدِّمُونَهَا في سَبِيلِ ذَلِك، وَتَذهَبُ المَبَادِئُ وَتَذهَبُ القِيَمُ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عَاصِف، لَقَدْ رَأَيْتُ أَكثَرَ مِنْ مُؤَلِّفٍ يَبِيعُ كُتُبَهُ عَلَى الأَرْصِفَةِ أَوِ المُوَاصَلاَتِ العَامَّة، إِمَّا بِنَفسِهِ أَوْ بمُسَاعَدَةِ أَقرِبَائِهِ وَذَوِيه، وَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ٠٠!!
فَأَفقَرُ خَلقِ اللهِ الكَاتِبُ الإِسْلاَمِيّ، حَتى إِذَا اشْتَهَرَ إِذَا مَا قُورِنَ بِالكُتَّابِ الآخَرِين ٠٠!!
стр. 7177
ثمَّ أَنَّ شَعْبَنَا (وَالحَمْدُ لله، الذِي لاَ يحْمَدُ عَلَى مَكرُوهٍ سِوَاه) لاَ يَقرَأُ إِلاَّ لِلمَشَاهِير، تَسْأَلُ عَنِ الشُّهْرَةِ فَيَقُولُونَ أَنَّ سَبَبَهَا أَجْهِزَةُ الإِعْلاَم، تَسْأَلُ أَجْهِزَةَ الإِعْلاَمِ عَن هَذَا الكَلاَم ٠٠!؟
فَيَقُولُونَ إِنَّ الشَّعْبَ لاَ يَقرَأُ إِلاَّ لأَعْلاَمِ الأَقلاَم، وَهَكَذَا يحَمِّلُ كُلٌّ مِنهُمَا المَسْئُولِيَّةَ لِلآخَر، وَالضَّحِيَّةُ هَذِهِ العُقُولُ الغَضَّةُ النَّضِرَة ٠٠!!
يَبْدُو أَنَّنَا خُلِقنَا لِنُسْعِدَ الآخَرِينَ لاَ لِنَسْعَد ٠٠!!
وَللهِ دَرُّ القَائِل:
لاَ تحْسَبُواْ أَنَّ رَقصِي بَينَكُمْ طَرَبَا (*) فَالطَّيْرُ يَرْقُصُ مَذبُوحَا مِنَ الأَلَمِ
كَمطربَة تشْجِي الأَنَامَ بصَوتهَا (*) وَقَدْ حَمَلَتْ بَينَ الضُّلوعِ مَآسِيَا
стр. 7178
وَيُذَكِّرُنِي هَذَا بِقَصِيدَةٍ رَائعَةٍ بَعَثَ بهَا أَحَدُ شعَرَاءِ مِصْرَ إلَى أدبَاء روسيَا عندَما هَدَّوواْ حكومَتَهم بالاَنتحَار إذَا لَم تَلتَفت إلَيهم فَقَال:
شَكَت قَبْلَكم في شِعْرِهَا الشُّعَرَاء (*) فَصَبرَا جَمِيلاَ أَيهَا الأُدَباءُ
روَيدَكُمُ لاَ تترُكُونَا فَإِنَّكُمْ (*) حَقِيقَتنَا وَالكُلُّ بَعد هَباءُ
وَعيشواْ كَمَا عِشنَا بمِصْرَ فإِنَّنَا (*) وَنحنُ بَنوهَا فَوْقهَا غرَباءُ
وَإِنَّا لَنَنْسَى مَا بِنَا مِنْ تَعَاسَة (*) إِذَا كَانَ خَلفَ سِتارِهَا سُعَدَاءُ
وَمَا ضَرَّنَا أَنْ يُنْكِرَ النَّاسُ فَضْلَنَا (*) إِذَا كَانَ فَضْلاَ لَيْسَ فِيه خَفاءُ
لَقَد كَانَ ظَني أَنَّكُمْ أَسْعَدُ الوَرَى (*) وَمَا بأَدِيب بَينَكُمْ بَأساءُ
وَلمْ أَدْرِ أَنَّ الشَّرْقَ وَالغَرْبَ وَاحِد (*) وَأَنَّا عَلَى كُل البِقاع سوَاءُ
**
стр. 7179
وَطَنٌ بَعَثنَاهُ عَلى طَلَب العُلاَ (*) فَأَبَى سِوَى أَن يَسْتَكِينَ إِلى الشقَا
أَفَكلمَا جَاءَ الزمَان بمصْلِح (*) لأمُورِهِمْ قَالواْ عَلَيهِ تَزَندَقَا
فَكَأَنمَا لَمْ يَكفِهِمْ مَا قَدْ جَنَواْ (*) وَكَأَنمَا لَمْ يَكفِهِ أَن أَخفَقَا
**
لَيْتَنا كُنَّا طُيُورَا (*) نَرْعَى نَهْرَاً أَوْ غَدِيرَا
نَرْشفُ المَاءَ النَّمِيرَا (*) نَلقطُ الحَبَّ النَّثيرَا
تَعَبٌ كلهَا الحَيَاة ٠٠
فَطمُوحِي كَبيرٌ (*) لكنْ بَاعي قصِيرٌ
لَعِبَ البِلاَ بمَعَالمِي وَرُسُومِي (*) وَقُبِرْتُ حَيَّاً تحْتَ رَدْمِ هُمُومِي
وَمَنْ تَعْلَقْ بِهِ حُمَةُ الأَفَاعي (*) يَعِشْ إِن عَاشَ مُعْتَلاَ سقيمَا
فَيَا لَكَ دُنيَا حُسنُهَا بَعضُ قُبحهَا (*) وَيَا لَكَ كَونَا قَد حَوَى بَعضُهُ الكُلاَ
عَلَى مَنْ تَقرَأُ مَزَامِيرَكَ يَا دَاوُودْ ٠٠!؟
стр. 7180
غَزَلت لهمْ غَزْلاَ رَقِيقَا فَلَمْ أَجِدْ (*) لغزلِيَ نسَّاجَا فَكَسَّرت مغزَلِي
(*) (*) (*) (*) (*)
لاَ عَيْبَ لي غَيْرَ أَنِّي مِنْ دِيَارِهِمُ (*) وَزَامِرُ الحَيِّ لاَ تُشْجِي مَزَامِرُهُ
فَكَمْ زَرَعْنَا وَرْدَاً (*) وَجَنَيْنَا الأَشْوَاكَا
مَا أَيْسَرَ أَنْ يَقُولَ المُفَكِّرُ لاَ نُرِيدُ للعُمْيَانِ أَنْ يُبْصِرُوا ٠٠ وَلَكِنَّ الرَّغبَةَ في مَرْضَاةِ الله: هِيَ التي تجْعَلُ الوَاحِدَ مِنَّا يَتَحَمَّلُ المَأسَاة ٠٠!!
اليَأسُ وَالإِحْبَاطُ مِنْ نَاحِيَة، وَالفَقرُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، بِكُلٍّ ابْتُلِينَا وَكُوِينَا، وَتَدَاوَيْنَا فَمَا شُفِينَا ٠٠
وَاليَأسُ مَوْتٌ غَيرَ أَنَّ صَرِيعَهُ (*) يَفني وَأَمَّا نَفسُهُ فَتَزُولُ
**
لم يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ الدنيَا بأَيدينَا (*) إلاَ بَقيَّة دَمْع في مَآقينَا
стр. 7181
كانَت مَنَازلنَا بالعِز شَامخَة (*) لاَ تُشرقُ الشمسُ إلاَ في مَغَانينَا
فَلمْ نَزَل وَصُرُوفُ الدَّهْرِ تقَلبُنا (*) ظَهرَاً لبَطن هُنا بَدَأَت مَآسينَا
حَتي غَدَونَا لمنْ نُعطيهِ نَسْألُهُ (*) ولاَ قَرِيبٌ وَلاَ خِلٌّ يُوَاسِينَا
فَقَالَ لي عَمْرو:
مَنْ يَصْحَبِ الدَّهْرَ يَأَكُلْ (*) فِيهِ ثمِينَاً وَغَثا
فَالبِسْهُ يَوْماً جَدِيدَاً (*) وَيَوْمَاً آخرَ رَثا
فَقُلتُ لَهُ وَأَيْنَ هُوَ هَذَا الجَدِيدُ يَا عَمْرُو وَثَوْبِي:
تتغني إِحْدَى نَواحِيهِ صوْتَا (*) فتشقُّ الأُخرَى عَلَيهِ الجيوبا
فإذا مَا لمته قالَ مَهلاَ (*) لاَ يَكونَ الكَرِيمُ إِلاَّ طرُوبا
عَمْرو:
طالتْ شِكَاتكَ أَيهَا الغرِّيدُ (*) فَانعَبْ إِذَا لَم يَنفعِ التَّغرِيدُ
عِشرُونَ عَامَا في الكِنَانَة صبْحُنَا (*) فيهَا الأَنينُ وَليلنَا التَّسْهيدُ
стр. 7182
سُبْحَانَكَ اللهُمَّ كَمْ مِن حِكمَةٍ (*) لَكَ ضَلَّ فِيها الرَّأيُ وَهْوَ سَدِيدُ
ـ سَبْعَةُ أَعْوَامٍ وَأَنَا أَبحَثُ عَن صَحِيفَةٍ أَوْ مجَلَّةٍ أَكتُبُ فِيهَا حَتي تَأَكَّدْتُ في النِّهَايَةِ أَنِّي أَسِيرُ في أَحَدِ طَرِيقَيْن: إِمَّا طَرِيقٍ مَسْدُودْ، أَوْ طَرِيقٍ لَيْسَ لَهُ آخِرْ ٠٠!!
بَعْدَمَا قَطَعْتُ الأَرْضَا (*) كُلَّهَا طُولاً وَعَرْضَا
فَقَدْ طَوَّفتُ بِالآفاقِ حَتي (*) رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإِيَابِ
فَشَرَّقتُ حَتي اجْتَزْتُ سَبْعِينَ وِجْهَةً (*) وَغَرَّبْتُ حَتي قِيلَ هَذَا هُوَ الخِضرُ
كَرَحَّالَةٍ جَابَ المَدَائِنَ وَالقرَى (*) كَسَتهُ يدُ الأَيامُ حلَّة خَائِبِ
وَيَا طُولَ مَا طَرَقْتُ بَابَ المَشَاهِيرِ وَأَنَا كُلَّمَا طَرَقتُ بَابَ وَاحِدٍ مِنهُمْ قُلتُ لَهُ:
стр. 7183
وَتَعْلَمُ نَفسِي أَنَّهُ مِثلُ غَيرِهِ (*) وَلَكِنَّني أَسْتَدْفِعُ اليَأسَ رَاجِيَا
يَتَحَدَّثُونَ عَنِ المَبَادِئِ وَالقِيَمْ (*) وَهُمُ بِلاَ عَهْدٍ وَلَيْسَ لهُمْ ذِمَمْ
وَلِذَا لَمْ أَجِدْ إِلاَّ الأَحْلاَمَ أُخْلِدُ إِلَيْهَا، فَقَضَيْتُ بِضْعَ سِنِينَ بَعْدَ هَذِهِ الأَعْوَامِ السَّبْعَةِ:
أَحْيى عَلَى أَمَلِي وَكَمْ مِنْ شَاعِرٍ (*) يحْيى كَمَا أَحْيى عَلَى الأَوْهَامِ
وَإِذَا الحَقِيقَةُ أَعْجَزَتْكَ فَرُبمَا (*) أَدْرَكْتَ مَا أَعْيَاكَ بِالأَحْلاَمِ
وَلاَ عيب في الأحلاَمْ (*) إلاَ أَنهَا أحْلاَمْ
فالمُروءة شَيْءٌ لاَ (*) يوجد إلاَ في الأفلاَمْ
لَكَ اللهُ يَا حَافِظ؛ كَأَنَّكَ تُعَبِّرُ عَمَّ يجِيشُ في نَفسِي وَأَنتَ تَقُولْ:
أَفَتِلكَ عَاقِبتي وَذَاكَ مآلِي (*) خُطُّواْ المَضَاجِعَ وَادْفِنُواْ آمالِي
стр. 7184
لاَ تخْدَعُونِي بِالمني وَحَدِيثِهَا (*) قَدْ كَانَ ذَلِكَ في الزَّمَانِ الخالِي
فَلَقَدْ بَرِمْتُ بمِصْرَ حِينَ وَجَدْتُّهَا (*) قَبْرَ النُّبُوغِ وَمَسْرَحَ الجُهَّالِ
بَلدٌ تَسَرْبَلَ بِالحَرِيرِ جَهُولُهُ (*) وَمَشَى الأَدِيبُ بِهِ بِلاَ سِرْبالِ
إِنْ شِئْتَ أَنْ تحْيَا بمِصْرَ فَلاَ تَكُن (*) حَيَّ الضَّمِيرِ تَعِشْ خَلِيَّ البالِ
وَاظفَرْ بِذِي جَاهٍ فَعِشْ في ظِلِّهِ (*) أَوْ عِشْ بِلاَ جَاهٍ وَلاَ أَموَالِ
اللهُ يَشهَدُ لَوْ أَرَدْتُّ بَلَغْتُهُ (*) لَكِنَّ مَاءَ الوَجْهِ عِنْدِي غالِي
يَا رَبِّ ضَاقَتْ بِنَا الأَرْضُ بمَا رَحُبَت، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنَ الحُلقُومِ وَالحُلقُومُ خَرَج؛ فَعَجِّلِ اللهُمَّ بِالفَرَجْ ٠٠!!
وَليسَ الموت فيها مستحيلاَ (*) ولكن البقاء المستحيل
***********
стр. 7185
وسأل نبى الله داوود ﵇ رَبَّهُ فقال: " أَيْ ربّ: أَيُّ عِبادِك أحب إِلَيْكَ ٠٠؟
قال يا داوود، أحب العباد إليَّ تقيُّ القلب، نَقيُّ اليَد، من لَم يسِئ إلى جارِهِ ولَم يظلم، وأحبني وأحب من يحبني وَحَبَّبَني إلى خلقِي " ٠٠!!
حُوَارٌ بَيْنَ غَنيٍّ وَغَبيّ
اختصم غَنيٌّ وَغَبيٌّ فَدَارَ بَيْنَهُمَا الحُوَارُ الآتي:
الغبيّ: لم تبخلُ بما آتاك الله على عباد الله ٠٠!؟
الغنيّ: أيرزقني الله وحدي أم يرزقك كما يرزقني ٠٠!؟
الغبيّ: يرزقني كما يرزقك ٠٠
الغنيّ: فلم تطمع في رزق غيرك وعندك رزقك ٠٠!!؟
وفى الأثر: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ٠٠؟
فالفقير نطالبه بِالحَيَاء، والغنيُّ نطالبه بِالسَّخَاء ٠٠
стр. 7186
مر سائل بخيمة أحد الأعراب فاستطعمه فقال ليس عندي إلاَ ما يكفيني، فَوَلَّى وَهْوَ يَقُول: أين الذين كانواْ " يؤثرون على أنفسهم " فقال ذهبوا مع الذين " لاَ يسألون الناس إلحافاً " ٠٠!!
وَقَدْ قِيل: " العَفَافُ زِينَةُ الفَقر " ٠٠!!
وفى الحَدِيثِ الصحيح المشْهُورِ الذِي رَوَاهُ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللهِ بْنِ عباس ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنه قالَ لَهُ يَا غُلاَم: أني معلمك كلماتْ:
стр. 7187
" احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألتَ فأسألِ الله، وإذا استعنت فاستعنْ بالله، واعلم أَنَّ الأمَّةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشَيْءٍ فلنْ ينفعوك إلاَ بشَيْءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت ليضروك بشَيْءٍ فلنْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بشَيْءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفْ " ٠٠!! (صَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ في المِشْكَاةِ بِرَقم: ٥٣٠٢)
وَفي الأَثَر: " إن الله يحِبُّ ثلاَثة، وَحُبُّهُ لثلاَثة أشدّ، وَيحِبُّ الغنيَّ السَّخِيَّ وحبه للفقير السخيِّ أشدّ، وَيحِبُّ الفقير المتواضعَ وَحبه للغنيِّ المتواضعِ أشدّ، وَيحِبُّ الغَنيَّ العفيفَ وحبه للفقير العفيف أشدّ " ٠٠!!
حتى أن أحد الشعراء أخزاه الله أراد هجاء غريمٍ له من أبناء الطائفة فقال ضمن ما قال ينتقضه:
يَظَل بَأَبوَاب الأَشِحَّا مدَفعَاً (*) يحِب سُؤَالهم اشتِيَاقاً إِلى المَنعِ
стр. 7188
وأسال الله من فضلهِ وسبحان القائل: ﴿وَإن من شئ إلاَ عندنا خزائنه وما ننزله إلاَ بقدر معلوم﴾ [الحجر: ٢]
وإن هنا نافية بمعنى ما: أيْ ما من شَيْء إلاَ عندنا خزائنه ٠٠٠ الآية ٠
وعن العفاف أيضاً والتورع عن الأكل من مال الغير ما رُوِيَ عن أبي الدراء ﵁ من أنه كان ينصرف كل يوم عقب صلاَة الصبح في جنح الظلاَم ولاَ يمكث للحج والعمرة التامةِ فأمسك رسول الله ﷺ بثوبه ذات يوم وقال له ما خطبك يا أبا الدراء ٠٠!؟
قال أَنطلق إلى بيتي يا رسول اللهِ فلي جار يهودي في بيته نخله مُطِلة على بيتنا تُسَاقِطُ الرُّطَبَ علينا فأذهبُ لأُلقيَهُ في بيت إِلَيْهِوديِّ خشية أن يستيقظ أطفالي الصغار فيأكلوهُ وكل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ٠٠!!
стр. 7189
فسر رسول الله بموقف أَبى الدراءِ وقرر شراء هَذِهِ النخْلَةِ من اليَهِودِيِّ وأن يهبها لأبى الدرداء، فذهب إلى اليَهُودِيِّ وعرض عليه أن يبيعه النخلة بعشر نخلاَتٍ في الجنة ـ وهو النبيُّ الصادق الأمين ـ فرفض اليَهُودِيُّ وقال لاَ أشترى حاضراً بغائب؛ فاشتراها منه ﷺ بالثمن الَذِي أرادَ ووهبها لأبى الدَّرْداء ببركة عَفَافِه ٠٠!!
وكان ﷺ يأمر كثيراً بالتعفف عن السؤال ويقول: " من سألنا أعطيناهُ، ومن استغني أغناه الله، ومن لم يسألنا فهو أحب إِلَيْنَا "٠٠!!
رواه ابن أبي الدنيا
أُهدى إلى رسول الله ﷺ سمن وأقط وَكبش ـ وَالأَقِطُ شَيْءٌ كَالكِشْكِ فِي بِلاَدِنَا ـ فقبل السمنَ والأقطَ وردَّ الكبش، وكان يقبل من بعض الناس ويرد على بعض ٠٠!!
стр. 7190
" ثُمَّ أنَّ السُّؤَالَ فيه إذلاَلُ السائل نَفسَهُ لغير الله وليس للمؤمن أن يذل نَفسَهُ لغير الله، بل عليه أن يذل نَفسَهُ لمولاَه فإن في ذَلِكَ العِزَّ كُلَّه، فأما سائر الخلق فإنهم عباد أمثالُهُ؛ فلاَ ينبغي أن يذل نَفسَهُ لهم إلاَ لضرورة ٠
ثُمَّ أنَّهُ أَيْضَاً إِيذَاءٌ لِلمَسئولِ لأنه ربما لاَ تسمح نفسه بالبذل عن طيب قلب منه، فإن بَذَلَ بَذَلَ مِنْ قَبِيلِ الحياء، وَإِن أَعْطَى أَعْطَى مِنْ بَابِ الرِّيَاء، وإن مَنَعَ فَقَدْ أَلحَقَ نَفسَهُ بِالبُخَلاَء، ففي البذل نقصان مالهِ وفي المنع نقصان جاههِ والسائل هو السبب في كُلِّ هَذَا الإيذاء، والإيذاءُ حَرَامٌ باتِّفَاقِ الآرَاء " ٠٠!! [الإِحْيَاءْ: بَابْ أَحْوَالُ السَّائِلِين: ١٥٦٨]
وروي البخاري عن عائشة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
стр. 7191
" ما خالطت صدقة مالاَ إلاَ أهلكته " ٠٠!!
قال عبد الله: تفسيره أنَّ الرجلَ يأخذ الصدقة وإنما هي للفقراءِ وهو موسرٌ ٠
قال شقيق البلخيُّ لإبراهيم بن أدهم حين قدم عليه من خراسان: كيف تركت الفقراء من أصحابك ٠٠؟
قال تركتهم إن أُعطُواْ شكرواْ، وإن مُنعُواْ صبرواْ، وظن أنه لما وصفهم بترك السؤال قد أثني عليهم غاية الثناء، فقال شقيقٌ هكذا تركت كلاَب بَلخ ـ بَلَدُه ـ فقال لهُ إِبراهيمُ فكيف قَال فَإِذا سَأَلتَ فَاسأَلِ الله وَدَعْكَ مِن أم جَعْفَر ٠٠!!
الفقراء عندنَا إِن منِعواْ شكرواْ، وإِن أعطواْ آثرواْ ـ أَيْ قَبِلُواْ مَا أُعْطُوهُ وَتَصَدَّقُواْ ـ فَقَبَّلَ إِبْرَاهِيمُ رأسه وقالَ صدقت يا أستاذي ٠٠!! (الإِحْيَاءْ ـ بَابْ أَحْوَالُ السَّائِلِين: ١٥٧٣)
стр. 7192
إِنَّ خزائن الأرض حملت إِلَى رسول الله ﷺ وإِلَى أبي بكر وعمر فأخذوها ووضعوها في مواضعها، وَهذا معروفٌ كَانَتِ الدُّنيَا فِي أَيْدِيهِمْ لاَ فِي قُلُوبِهِمْ وَرَوَى البُخَارِيُّ عَنْ سَيِّدِنَا أنسٍ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ أَتَاهُ مالٌ من البحرين وكان أكثر مال أُتِيَ به، فخرج رسول الله ﷺ إِلَى الصلاَة ولم يلتفت إِلَيْهِ، فلما قضي الصلاَة جاء فجلس إِلَيْهِ، فقلما كان يري أحداً إلاَ أعطاه ٠٠!! [البُخَارِيُّ بِرَقم: ــ]
стр. 7193
وقال بعض المجاورين بمكة: كانت عندي دراهم أعددتها للإنفاق في سبيل الله، فسمعت فقيراً قد فرغ من طوافه وهو يقول بصوت خفيّ: أنا جائع كما ترى، عريان كما ترى، فما تري فيما ترى يا من يسمع ويرى فنظرت فإذا عليه خلقان لاَ تكاد تواريه، فقلت في نفسي: لاَ أجد لدراهمي موضعاً أحسن من هذا، فحملتها إِلَيْهِ، فنظر إِلَيْهِا ثم أخذ منها خمسة دراهم وقال: أربعة ثمن مئزرين، ودرهم أنفقه ثلاَثة فلاَ حاجة بي إِلَى الباقي٠٠!!
وَمَا أَجْمَلَ قَوْلَ الفَقِيرِ الشَّاعِرْ:
إني وَإِن كنتُ ذَا عِيَالٍ (*) قَلِيلَ مَال كَثير دَين
لأَحمَدُ اللهَ حَيث صَارَتْ (*) حَوَائِجِي بَينَه وَبَيني
وقال ﷺ : " من سأل عن غني فإنما يستكثر من جمر جهنم " ٠٠!! رواه ابو داوود وابن حيان
стр. 7194
وعن ابن عباسْ ـ حَبرُ الأُمَّةِ وَخَيرُ النَّاسْ ـ ﵁ أَنَّهُ قال: " ما نقصت صدقة من مال، ولاَ مدَّ عبدٌ يَدَهُ بصدقة إلاَ وقعت في يَدِ الله قبل أن تقع في أن يد السائل، ولاَ فتح عبدٌ علي نفسه بابَ مسألة إلاَ فتح الله عليه بابَاً مِن أَبْوَابِ الفقر " ٠٠!!
" من سأل الناس في غير فاقة نزلت به أو عيال لاَ يطيقهم جاء يوم القيامة بوجهٍ ليس عليه لحم " ٠٠!!
وَرَوَى سفيانُ بنُ عيينةَ عن (أيوب بن موسي) أَنَّهُ قَال: " المسألة للمضْطَرِّ؛ ألاَ تري إِلَى نَبيِّ اللهِ موسى ﵇ وصاحبه كَيْفَ استطعما أَهْلَ القَرْيَة ٠٠!!؟
стр. 7195
روي البخاري عن أبي سعيد الخدري أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ ثم سألوا فأعطاهم حتي نَفِدَ ما عندهُ فَقالْ: " ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومنْ يستعفْ يعفه الله، ومن يستغن يغنهِ الله، ومن يتصبر بصبره الله، وما أعطيَ أحدٌ عطاءً هُوَ خيرٌ وأوسعُ من الصبر " ٠٠!!
مُتَّفَقٌ عَلَيْه (١٤٦٩ ـ ١٠٥٣)
وَفِي سُنَنِ البيهقيِّ عن أبي سعيد الخدريِّ ﵁ أنه قال " أصابني جُوعٌ علي عهد رسول الله ﷺ حتي شددت علي بطني حجراً؛ فقالت ليَ امرأتي لو أتيت رسول الله ﷺ فسألته فقد أتاه فلاَنٌ فسأَله فأعطاهُ وأتاهُ فلاَنٌ فسأله فأعطاه ٠٠!؟
стр. 7196
فقلت لاَ أسأله حتي لاَ أجد شيئا، فالتمست فلم أجد شيئا فانطلقت إِلَيْهِ فوافقته يخطب فأدركت منْ قوله وَمَنْ يستعفِفْ يعفه الله، ومنْ يستغنِ يغنِهِ الله، وَمَنْ سألنا فإما أن نبذل له، وَإِما أنْ نواسيه، ومن استغني عنا أحب إِلَيْنَا ممن سألنا، فرجعت فما سألت أحدا بعده شيئا، وها نحن اليَوْمَ قد أقبَلت علينا الدنيَا فما في الأنصار بيتٌ أكثرَ منا أموالاَ " ٠٠!!!
فإنْ ما رزئت فَلاَ تَرْكَن إِلى أَحَدِ (*) وَإنْ رزقت فَلاَ تفخر على أَحَد
فَلاَ ترق ماء وجهك عند من لاَ ماءَ في وجهه، يَقُولُ ﷺ : " ازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ اللهِ يُحِبُّكَ الله، وَازهد فيما عند الناس يحبُّك الناسْ " ٠٠!! (صَحِيحِ الأَلبَانِيّ ـ ٩٤٤)
وكما تعلمت الثقة فيما عند الله، تعلم اليَأسَ مما عند الناس، وهكذا
لاَ تضرعن لمخلوق على طمع
وسل الذي يستجيب دعاك في الحين
стр. 7197
لاَ يملك العبد منحك نصف خردلةٍ
إِلاَّ بأمر الذي سواك من طين
وارغب إِلى الله مما في خزائنه
فإنما هو بين الكاف والنون
أما ترى كل من ترجو وتسأله
من الخلاَئق مسكين وابن مسكين
فاستغن بالله عن دنيا الملوك
تتغنى الملوك بدنيا لهم عن الدين
حَتامَ تشكو الضِّيقَ يَا هَذَا وَرِزْقُكَ وَاسعُ
كَالتيْسِ يَثغُو وَهُوَ في (*) ظِلِّ الخَمَائِلِ رَاتعُ
يحب ثلاَثة وحبه لثلاَثة اشدّ:
يحب الغني السخي، وحبه للفقير السخي أشد، ويحب الفقير المتواضع، وحبه للغني المتواضع اشد
ويحب الغني العفيف، وحبه للفقير أشد.
وصدق الذي قال: زينة الفقر العفاف بأبي أنت وامي يارسوال الله
(عش ماعشت فانك ميت، واحيت من شئت فإنك مفارق، واعلم ان شرف المؤمن في قيامه الليل، وعزه في استغنائه عن الناس، ومن هنا قلت في من الذقون كان بيديني وكانوا بيتصدق علينا،
ويرحم الله الإمام الفقيه الشاعر إذ يقول:
стр. 7198
بَلَوتُ لَعَمري النَّاسَ لم أَرَينهم (*) سوى من غدا والبُخلُ ملءُ إهابِة
فَلاَ ذَا يَرَاني قاعداً في طريقه (*) ولاَ ذا يراني وَاقفاً عندَ بَابِه
غَنيٌّ بِلاَ مَال عَنِ النَّاسِ كُلهِم (*) وَلَيسَ الغِنى إِلاَّ عَنِ الشَّيْءِ لاَ بِهِ
فَاطلُبْ مِنَ اللهِ لاَ (*) تَطلُبْ مِنَ الإِنسَانِ
فَالسَّخَاءُ عِندَهُ (*) تَمَامَا كَالإِحْسَان
إِذا ما أهان امرؤ نفسه
فلاَ أكرم الله من يكرمه
فلاَ تحسد الكلب أكل العظام
فعند تغوّطه ترحمه
تراه وشيكا شكا إِسْتَهُ
وما باسْتِه قد جناه فمه
وتذكِّرُني هذه الأَبيات بالناسك المعدم الذي رق له صاحبه فعرض عليه الذهاب للأمير فلاَن، يشكو إِلَيْهِ ضيق حاله عساه أن يسد رمقه بأي شئ ٠٠؟
فغضب منه غضباً شديدا وقال له أما إني لأَستحبي أن أسأل الدنيا ممن يملكها؛
فكيف بمن لاَ يملكها من ٠٠!؟
ألاَ رحم الله من قال:
стр. 7199
وما أقنعني بالكفاف وحييني في العفاف كهذين البيتين الذين اعجبا رسول الله نفسه قبل ان يعجباني:
ولقد أبيت على الطوى متعففاً (*) حتي أنال به مطاب المطعم
فأرى مغانم لو أشاء بلغتها (*) فيصدني عنها التقى وتكرمي
(*) (يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ) (*)
لَوْ أَنَّمَا أَسَدٌ قَبِلَ الهَوَانَ لَهُ (*) تَنْسَى الكِلاَبُ وَيَنْسَى أَنَّهُ أَسَدُ
ألاَ صدق والله أوفى من دبّ ودرج فوق صعيد الأرض وتحت أديم السّماء:
إذا أنت لم تحمل على النفس ضيمها
فليس إلى حسن الثناء سبيل
فلعنة الله على يوم اتخذت فيه المضلين عضدا٠٠
فَاسْتغْنِ بالله عما في خزائنهم (*) إن الغني من استغني عن الناسِ
وقال يزيد بن المهلب: ما رأيت أشرف عفةً مِنَ الفرزدق؛ هجاني ملكاً وَمَدَحني سُوقة ٠٠!!
السؤال لغير الله مذلة
стр. 7200
قال النبي ﷺ : " لأن يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب بها علي ظهره أهون عليه من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو منعه " ٠٠!!
وَوَرَدَ عَنهُ ﷺ أَنَّهُ قَالْ: " مَنْ فتح علي نفسه باباً من السؤالْ: فتح الله عليه سبعين باباً من الفقر " ٠٠!!
ورأي علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) رجلاً يسأل بعرفات فقنعه بالسوطِ وقالَ لَهُ ويلك؛ أَفي مثلِ هذا اليوم تسأل غيرَ الله ٠٠!!؟
اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
(أَ ٠ هـ)
﴿وَإن من شئ إلاَ عندنا خزائنه وما ننزله إلاَ بقدر معلوم﴾
وشاعر كان يشكو رق الحال، وقلة المال، وكثرة العيال
стр. 7201
ـ حَالُ المُسْلِمِين وَالحَلّ:
متي يَبْلُغُ البنيان البُنيانُ يوْماً تَمامَهُ
إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَآخرُ يهدِمُ
الي الله أشكو أنني كل ليلة (*) اذا نمت لم أعدم طوارق أوهامي
فإن كان شراً فهو لاَبد واقع (*) وإن كان خيراً فهو أضغاث أحلاَم
احْترَقَ الوَجْهُ وَالقَفَا، وَالعَدُوُّ بَعْدُ مَا اشتَفَى ٠٠
وَحَسبكَ من نَكبَة بامرئ (*) تَرَى حَاسِدِيهِ لَه رَاحمينَا وَهَكَذَا ٠٠
стр. 7202
المَمْلَكَةُ العَادِلَة:
=========
أَفَكُلَّمَا بَاحَ الضَّعِيفُ بِأَنَّةٍ * أَمْسَى إِلى مَعْنى التَّعَصُّبِ يُنْسَبُ
فَاجْعَلْ شِعَارَكَ رَحْمَةً وَمَوَدَّةً * إِنَّ القُلُوبَ بِمِثْلِ هَذَا تُكْسَبُ
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾
إِنَّ الهَدَفَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا البَحْثِ هُوَ التَّعَرُّضُ لِسَلبِيَّاتِ التَّيَّارِ الإِسْلاَمِيِّ في الدُّوَلِ النَّامِيَةِ وَاسْتِفْزَازَاتِ الحِزْبِ الحَاكِمِ لَهُمْ في بِلاَدِهِمْ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ فِيمَا آتَانيَ اللهُ حَلاً لهَذِهِ القَضِيَّةِ التي أَرَّقَتِ الأُمَّةَ كَثِيرَاً لَمَا فَكَّرْتُ في عَرْضِ أَفْكَارِيَ فِيهَا مُعَرِّضَاً نَفْسِيَ وَحَيَاتيَ لِلخَطَر ٠
الكَاتِبُ الإِسْلاَمِي / يَاسِرٌ الحَمَدَاني
إِنَّ الإِرْهَابَ وَلِيدُ الظُّلْم؛ فَبِالظُّلْمِ يَسْتَحِيلُ المَظْلُومُ إِلى ظَالِم، لاَ يُفَكِّرُ إِلاَّ في الاَنْتِقَامِ وَالجَرَائِم، وَمِن أَغْرَبِ القَصَصِ المُثِيرَةِ الَّتي سَمِعْتُهَا مِن أَحَدِ المَسَاجِينِ مَا حَكَاهُ لي قَائِلاً:
هَرَبَ أَحَدُ المَسَاجِينِ في زَحْمَةِ الزِّيَارَات، فَبَدَأَتْ حَالَةُ الطَّوَارِئِ في السِّجْنِ عَلَى أَشُدِّهَا، حَتىَّ إِنهُمْ بَعَثُواْ في طَلَبِ أُخْتِهِ وَأُمِّهِ وَأَخِيه، وَهَدَّدُواْ أَخَاهُ بِاغْتِصَابِ أُخْتِهِ إِنْ لَمْ يخْبِرْهُمْ بمَكَانِ أَخِيهِ الهَارِب، سَمِعَ بِذَلِكَ أَخُوه؛ فَقَرَّرَ تَسْلِيمَ نَفْسِهِ رَحْمَةً بِأَهْلِه؛ فَمَاذَا كَانَ مِن إِدَارَةِ السِّجْن؟
أَذَاقُوهُ أَلوَانَ العَذَاب، حَتىَّ إِذَا كَانَ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّام؛ جَمَعُواْ كُلَّ المَسَاجِينِ في سَاحَةٍ وَاسِعَة، ثُمَّ أَخْرَجُوهُ عَارِيَ الجَسَدِ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّه، كَانَ جِسْمُهُ مُسْوَدَّاً مِنْ كَثرَةِ الضَّرْبِ وَالتَّعْذِيب، وَبَعْدَ يَوْمَينِ مَاتَ السَّجِينُ مِنْ شِدَّةِ مَا رَآهُ مِنَ التَّعْذِيب، فَوَضَعُواْ جُثَّتَهُ أَمَامَ أَعْينِ النَّاس، وَوَضَعُواْ بجُوَارِهَا زُجَاجَةَ سُمٍّ فَارِغَة، وَقَامُواْ بِالإِبْلاَغِ عَنِ انْتِحَارِه ٠٠!!
стр. 7203
الظُّلْمُ في مِصْرَ عَلَّمَنَا المَهَابَةَ مِنْ * كُلِّ الأُمُورِ وَكُنَّا قَبْلُ لَمْ نَهَبِ
لِتَعْذُرُونيَ في الآهَاتِ إِنْ صَدَرَتْ * في الشِّعْرِ أَوْ في مَقَالاَتي وَفي كُتُبي
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
لَقَدْ نَظَرْتُ إِلى أَحْوَالِنَا الَّتي مِنهَا الإِسْلاَمُ يَبرَأ، وَأُمُورِنَا الَّتي لاَ تَنحَدِرُ مِنْ سَيِّئٍ إِلاَّ إِلى أَسْوَأ، وَلاَ مِنْ رَدِيءٍ إِلاَّ إِلى أَرْدَأ؛ فَنَظَمْتُ عِدَّةَ قَصَائِدَ بِهَذِهِ الْقَصِيدَةِ أَبْدَأ:
زَمَانُ الْفِتَن
حَتىَّ مَتى يَا رَبَّنَا نَتَأَلَّمُ * وَنَظَلُّ بِالنَّصْرِ المُؤَزَّرِ نَحْلُمُ
أَفَنَصْرُنَا أَمْسَى لِبُعْدِ مَنَالِهِ * عَنَّا كَمَا ابْتَعَدَتْ عَلَيْنَا الأَنْجُمُ
ظُلْمٌ وَتخْوِيفٌ وَفَقْرٌ مُدْقِعٌ * وَالهَمُّ جَمٌّ في الصُّدُورِ وَنَكْتُمُ
стр. 7204
لَمْ يَلْقَ ظُلْمَاً في الْوَرَى أَحَدٌ كَمَا * لَقِيَ المَظَالِمَ وَالهَوَانَ المُسْلِمُ
كَلاَّ وَلاَ سَالَتْ دِمَاءٌ مِثْلَمَا * في أُمَّةِ الإِسْلاَمِ سَالَ بِهَا الدَّمُ
وَكَأَنَّمَا الأَحْزَانُ قَدْ خُلِقَتْ لَنَا * أَوْ أَنَّ ذُلَّ المُسْلِمِينَ محَتَّمُ
وَكَأَنَّمَا الأَيَّامُ حُبْلَى أَوْشَكَتْ * في بَطْنِهَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ تَوْأَمُ
بِمَصَائِبِ النَّشَرَاتِ يَبْدَأُ يَوْمُنَا * وَبِمَا نَرَاهُ في الْكِنَانَةِ يُخْتَمُ
هَذَا يَمُوتُ وَلَمْ يجِدْ ثَمَنَ الدَّوَا * ءِ وَذَاكَ مَاتَ بِهِ وَذَلِكَ يُظْلَمُ
وَيَظَلُّ يَجْرِي في المحَاكِمِ عُمْرَهُ * وَلَقَدْ يَمُوتُ بِسَاحِهَا أَوْ يَهْرَمُ
كَمْ في سُجُونِ المُسْلِمِينَ فَظَائِعَاً * نَكْرَاءَ لَمْ يَنْطِقْ بِقَسْوَتِهَا فَمُ
وَتَوَدُّ جُدْرَانُ السُّجُونِ لِمَا بِهَا * مِنْ شِدَّةِ التَّعْذِيبِ لَوْ تَتَكَلَّمُ
стр. 7205
كَمْ عَالِمٍ شَيْخٍ جَلِيلٍ لَمْ يُصِبْ * جُرْمَاً يُكَالُ لَهُ السِّبَابُ وَيُلْطَمُ
وَيَجُرُّهُ في السِّجْنِ بَلْ وَيُذِيقُهُ * كَأْسَ المَذَلَّةِ تَامِرٌ أَوْ هَيْثَمُ
وَفَظَائِعٌ أُخْرَى يَكَادُ لخُبْثِهَا * عَنْ ذِكْرِهَا يَنأَى اللِّسَانُ وَيُحْجِمُ
اللِّصُّ فِيهِمْ سَيِّدٌ وَمُكَرَّمٌ * وَمحَاوِلُ الإِصْلاَحِ شَخْصٌ مجْرِمُ
كَمْ مِنْ أَدِيبٍ قُصِّفَتْ أَقْلاَمُهُ * في بَيْتِهِ ثَاوٍ وَفَاهُ مُلْجَمُ
لَوْ أَنَّهُمْ نَزَعُواْ الْكِمَامَةَ مَرَّةً * عَنهُ لأَصْغَى الْعَالَمُ المُتَقَدِّمُ
وَلِيَضْمَنُواْ حَتىَّ النِّهَايَةِ صَمْتَهُ * تُلْقَى لَهُ تُهَمٌ وَإِذْ بِهِ يُعْدَمُ
أَوْ في السُّجُونِ يَظَلُّ فِيهَا عُمْرَهُ * الْعَظْمُ يُسْحَقُ وَالأَصَابِعُ تُفْرَمُ
وَيُقَالُ في التَّبْرِيرِ إِنَّ بِدُونِ ذَا * كَ سَلاَمَةُ الأَوْطَانِ لَيْسَتْ تَسْلَمُ
стр. 7206
كَيْ يُقْنِعُوكَ وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّهُ * كَذِبٌ بِأَلْوَانِ الخَدِيعَةِ مُفْعَمُ
مَا أَن يُغَادِرَنَا لَئِيمٌ غَادِرٌ * حَتىَّ يَجِيءَ لَنَا الَّذِي هُوَ أَلأَمُ
وَالشَّعْبُ يَظْلِمُ بَعْضُهُ بَعْضَاً كَمَا * في الْغَابِ تَنْقَضُّ الْوُحُوشُ وَتَلْقَمُ
لَمْ يَبْقَ بَينَ النَّاسِ إِلاَّ ثَعْلَبٌ * أَوْ عَقْرَبٌ أَوْ حَيَّةٌ أَوْ أَرْقَمُ
الحَقُّ فِيهِمْ ضَائِعٌ وَالْعَدْلُ مَفْـ * قُودٌ لَدَيْهِمْ وَالأَمَانَةُ مَغْنَمُ
أَخْلاَقُهُمْ سَاءَتْ وَسَاءَ سُلُوكُهُمْ * وَالشَّرُّ فِيهِمْ كُلَّ يَوْمٍ يَعْظُمُ
عَبَسَ الضَّرِيرُ إِلَيْهِمُ مِنْ قُبْحِهِمْ * وَبِفُحْشِهِمْ نَطَقَ اللِّسَانُ الأَبْكَمُ
يَا رَبِّ إِنَّ قُلُوبَنَا مِمَّا بِهَا * مِنْ كَثْرَةِ الأَحْزَانِ كَادَتْ تَسْأَمُ
إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ ذَا بِذُنُوبِنَا * وَبِأَنَّ عَيْنَ الْعَدْلِ فِيمَا تَحْكُمُ
стр. 7207
لَكِنَّنَا يَا رَبِّ رَغْمَ ذُنُوبِنَا * سُرْعَانَ مَا كُنَّا نَتُوبُ وَنَنْدَمُ
لاَ زَالَ يَغْمُرُنَا يَقِينٌ قَاطِعٌ * يَا رَبِّ أَنَّكَ في النِّهَايَةِ تَرْحَمُ
فَأَنِرْ طَرِيقَ المُسْلِمِينَ وَقَوِّهِمْ * فَطَرِيقُهُمْ وَعْرٌ طَوِيلٌ مُعْتِمُ
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
فأخمدوا الفتن في مهدها، ولاَ تعطوا فرصة لِفُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ أن يقولَ إن [٠٠٠٠] علاَ في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم:
يذ بّح أبنائهم*ويستحني نسائهم إنه كان من المفسدين ٠٠ ... الآيَة ٠
ونر يد أن نمن*على الذين استضعفوا
ونجعلهم أئمّة*ذوي ملك لاَ يوصف
стр. 7208
ونمكن لهم في الأرض ونرى فلاَن وفلاَن وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون؛ فهؤلاَء قوم: إذا قيل لهم لاَإله إلاَ الله يستكبرون، أوهؤلاَء قوم: إذا قيل لهم تعالو اإلى الله ورسوله لوّو ارءوسهم ورأيتهم يصدّون وهم مستكبرون، وأهل مصر كالمعتاد يجرون خلف كل ناعق؛ فأنصت إليّ إني لك من الناصحين، الجميع اليوم يقول عنكم:
قوم بنوا إلى السّما* للجور صرحا محمكا
واتخذوه سلما
﴿الأرض تحت القوم كادت من مظالمهم تميد﴾
﴿عهد به الحكماء قد صاروا أذل من العبيد﴾
وفي
الحديث القدسيّ الشريف يقول ربّ العزّة (جلّ وعلاَ):
"من آذى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب " ٠٠؛ فحرمة المؤمن أشدّ على الله من حرمة الكعبة، أفتهلكنا بما فعل السّفهاء منّا، ومنّا الصّالحون ومنّا القاسطون وكما تعرف: طرائق قددا ٠٠ "ولاَّ انت صوابعك كلّها زيّ بعضها " ٠٠!؟
стр. 7209
ويلكم، متي استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ٠٠ "فرجّالتك يا ر يّس:
"بياخذوا عاطل مع باطل*لاَ بيرحموا حابل ولاَ نابل"
"ما عندهمش غير غيّة*وهيّة حب الأذ يّة"
"صدق اللي قال الفاضي*في البلددي بيعمل قاضي"
٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩٩
"عشان تعرفوا ان الدّاخليّة من يومها وهى أوسخ جهازخلقه ربّنا؛ أقلّ جربوع فيها يحبّ يرسم نفسه "علىقفا الغلاَبة اللي زيينا، تلاَقي الواحدمنهم:
"بيه ونز يه وبرغم سنّه
لسانه متبرّي منّه"
أرأيتم بالله عليكم مهزلة كهذه ٠٠!!!؟
أمّا السّجّانين "وياما في السّجن مظاليم:
مردوا على البطش*واستعذبوا التّعذيبا
*******
قلوبهم كالحجارة*أو أشدّ منها قسوة
مفاتيحهم تنوء*بالعصبة أولي القوّة
"لدرجة اني سألت واحدمنهم في مرّة: إنتم ما بتخافوش ربنا ٠٠!؟
قام ضحك وقال لي بنخاف، لكن ما بنختشيش " ٠٠!
٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦٦
стр. 7210
وَجَرَّبْنَا مَرَارَةَ السُّجُون، وَانْتِظَارَ الفَرَج، وَتَرَقُّبَ رَنِينَ المَفَاتِيحِ مِنْ دَاخِلِ الزِّنْزَانَة ٠٠
وَعَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِر:
إِنْ لاَحَ طَيْفٌ قُلتُ يَا عَينُ انْظُرِي * أَوْ عَمَّ صَمْتٌ قُلتُ يَا أُذُنُ اسْمَعِي
﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي﴾
كُنَّا إِذَا حَاصَرَتْنَا الهُمُومُ نهْرَبُ إِلى النَّوْم، فَإِذَا مَا أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَوْقَ البَلاَطِ هَرَبَ مِنَّا النَّوْمُ لِشِدَّةِ الهُمُوم ٠٠!!
حَتىَّ أَنَّا كُنَّا إِذَا مَا ضَاقَ صَدْرُنَا مِنْ طُولِ البَلاَء: نَرْفَعُ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ إِلى السَّمَاء، وَنَدْعُو بهَذَا الدُّعَاء: " يَا رَبِّ هَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيل " ٠٠!؟
يَأْتي الطَّعَامُ إِلى فَمِي * مُرَّاً تَلَوَّثَ بِالدَّمِ
٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧٧
[١٠]ـ عَن أَبي مُوسَى ﵁ قَال:
стр. 7211
" قَالُواْ يَا رَسُولَ الله أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَل ٠٠؟
قَالَ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ " ٠٠!!
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في مَوْسُوعَةِ صَخْرٍ العَالَمِيَّةِ بِرَقم: ١٠، ٥٩]
[١٣١٥]ـ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
" لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ " ٠٠!!
[صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الجَامِع ٠ الترْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ في صَخْرٍ بِرَقم: ١٣١٥، ٣٩٢٢]
[٩]ـ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
" المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِه، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نهَى الله عَنْهُ " ٠٠!!
стр. 7212
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في مَوْسُوعَةِ صَخْرٍ العَالَمِيَّةِ بِرَقم: ٩]
[٠٠٠٠]ـ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَأَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّار: فَأَمَّا أَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَالشَّهِيد، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لِسَيِّدِه، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَال، وَأَمَّا أَوَّلُ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ فَأَمِيرٌ مُسَلَّط، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لاَ يُعْطِي حَقَّ مَالِه، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ " ٠٠!!
[ابْنِ خُزَيمَةَ في صَحِيحِهِ بِرَقم: ٢٢٤٩ / الإِمَامُ أَحْمَدُ في صَخْرٍ بِرَقم: ٩١٢٨]
стр. 7213
[٩٨١٥]ـ عَنِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِني لأَعْلَمُ أَوَّلَ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّة: الشَّهِيد، وَعَبْدٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيه، وَفَقِيرٌ عَفِيفٌ مُتَعَفِّف، وَإِني لأَعْلَمُ أَوَّلَ ثَلاَثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّار: سُلْطَانٌ مُتَسَلِّط، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ وَفَقِيرٌ فَخُورٌ " ٠٠!!
[الإِمَامُ أَحْمَد ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٩٨١٥]
فَلاَ تُكْثِرُواْ شَوْكَ الأَذَى في غُصُونِكُمْ * فَيَكْثُرَ مِنهُمْ فِيكُمُ الكَسْرُ وَالخَبْطُ
لِلقَوَافي غَضْبَةٌ * تَفْعَلُ في الأَعْرَاضِ
كَمِثْلِ فِعْلِ النَّبْلِ * تمَامَاً في الأَغْرَاضِ
أَعْذَرَ مَن أَنْذَرَ * فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضِ
فَاحْذَرْ لِسَانَ الشُّعَرَاء ٠٠
стр. 7214
وَاعْلَمْ بِأَنهُمُ إِذَا لَمْ يُنْصَفُواْ * حَكَمُواْ لأَنْفُسِهِمْ عَلَى الحُكَّامِ
وَجِنَايَةُ الجَادِي عَلَيْهِمْ تَنْقَضِي * وَهِجَاؤُهُمْ يَبْقَى مَعَ الأَيَّامِ
فَإِنَّ وَصْمَةَ الشُّعَرَاءِ مِثْلُ الوَشْمِ لاَ تَزُول ٠٠ وَهَكَذَا الشَّاعِرُ دَائِمَاً:
كَالمَاءِ أَعْذَبُ مَا يَكُونُ وَإِنَّهُ * لأَشَدُّ مَا يَسْطُو عَلَى النِّيرَانِ
وَيُفَصِّلُ القَرَوِيُّ مَا أَجْمَلَهُ في هَذَا البَيْتِ بِقَوْلِهِ في سَيَّارَةٍ سَقَطَتْ عَلَيْهَا قِطْعَةٌ مِنَ الجَلِيدِ مِنْ قِمَّةِ أَحَدِ جِبَالِ الثَّلْجِ في أُورُوبَّا فَحَطَّمَتْهَا فَقَالَ مُؤَيِّدَاً لِفِكْرَةِ بَيْتِهِ السَّابِقِ:
جَالاَ بمُعْترَكِ الصِّدَامِ فَلَمْ يُطِقْ * جَبُلُ الحَدِيدِ مَعَ الجَلِيدِ جِلاَدَا
لاَ تَسْتَخِفُّواْ بِالضَّعِيفِ وَحَاذِرُواْ * زَمَنَاً يَصِيرُ المَاءُ فِيهِ جَمَادَا
стр. 7215
وَهَكَذَا، وَكَمَا يَقُولُ ابْنُ الرُّومِيّ:
كُنْتُ مِصْبَاحَاً فَصِرْتُ اليَوْمَ شَمْسَاً * أَطْفِئُواْ الشَّمْسَ إِذَا كُنْتُمْ رِجَالاَ
وَلِذَا أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ ابْنُ رَشِيق:
لاَ تَسْتَطِيلُواْ عَلَى ضَعْفي بِقُوَّتِكُمْ * فَالنَّمْلُ وَالنَّحْلُ قَدْ يَعْدُواْ عَلَى الفِيلِ
فَلاَ تَعْجَلْ أَبَا ﴿٠٠٠﴾ عَلَيْهِمْ * وَمُدَّ لَهُمْ خُيُوطَ الوَهْمِ مَدَّا
سَتَعْلَمُ أَيُّنَا شَرٌّ مَكَانَاً * وَأَضْعَفُ نَاصِرَاً وَأَقَلُّ جُنْدَا
عَجِبْتُ لِمَنْ يَرَاهُ النَّاسُ قِطَّاً * وَيجْعَلُ نَفْسَهُ لِلَّيْثِ نِدَّا
هَذَا لِتَعْلَمَ يَا بَاقِل: أَنَّ الشَّاعِرَ لاَ يُؤْخَذُ مِنهُ حَقٌّ وَلاَ بَاطِل ٠٠!!
فَتَاللهِ لَوْ كَانَ أَبُوكَ الرَّئِيس: لَقَالَ الخَسِيسُ بْنُ الخَسِيس، وَلَوْ كَانَ أَبُوكَ الوَزِير: لَقَالَ الحَقِيرُ بْنُ الحَقِير ٠٠
следующие страницы →