← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 38154

موسوعة الرقائق والأدب - ياسر الحمداني

ياسر الحمداني

Полный текст (8 320 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

بَابُ المَرَض/ع: الْعُقْبُول، وَالحَلأ، وَالحَلاَء: الثَّلاَثَةُ بمَعْنى البُثُورُ الَّتي تَظْهَرُ بِالشَّفَة ﴿اللِّسَان: ٤٦٦/ ١١﴾ يُقَال: لُبِطَ الرَّجُلُ لَبْطَاً: أَيْ أَصَابَهُ زُكَامٌ وَسُعَال ٠ ﴿لِسَانُ العَرَب: ٣٨٨/ ٧﴾ المَشْي: [انْظُرِ السَّيْرَ بحَرْفِ السِّين] مَنْزِل/ع: [انْظُرِ الْبَيْتَ بحَرْفِ الْبَاء] مَاء/ع، المِيَاه/ع:

стр. 7527

الغِسْلُ وَالأُشْنَان: مَادَّةٌ حِمْضِيَّة، كَانَتِ العَرَبُ تَسْتَعْمِلُهَا مَعَ المَاءِ لِلتَّنْظِيفِ كَالصَّابُونِ الْيَوْم، وَيُقَالُ لَهُ الحَرْض، وَالغَسُّول، وَالقُلاَم، وَمِمَّا يُغْسَلُ بِهِ: القِلَى وَالقِلْي: وَهُوَ رَمَادُ الغَضَى ٠ وَالْعَجِيبُ أَنَّ كَلِمَةَ الصَِّابُونِ كَانَ لَهَا ذِكْرٌ عَلَى أَلْسِنَةِ الأُدَبَاءِ وَالمحَدِّثِين بَعْدَ سَنَةِ ٢٠٠ هـ، بَلْ لََقَدْ وَرَدَتْ عَلَى لِسَانِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ في حَدِيثِهَا عَنْ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بِسِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠

стр. 7528

رَنَّقَ: أَيْ كَدَّرَ، وَيُقَال: رَنِقَ المَاءُ وَرَنَقَ أَيْ تَكَدَّر، أَمَّا التَّرْنِيق: فَهْوَ مِنَ الأَضْدَاد؛ فَيَأْتي بمَعْنى التَّكْدِير، وَيَأْتي بمَعْنى التَّصْفِيَة ٠ الأَضَاةُ، وَالأَضَاءَ ةُ: المُسْتَنْقَعُ، أَوِ الْبِرْكَةُ أَوِ البُحَيرَةُ الصَّغِيرَة ٠ نَظَر: [انْظُرِ الْعَينَ بحَرْفِ الْعَين]

стр. 7529

النَّهْر/ع، وَالْبَحْر/ع، وَالْبُحَيْرَة/ع، وَالْغَدِير/ع، وَالشَّلاَّل/ع: يُقَالُ الْكَوْسَج وَالجَمَل، وَالْكُبَع، وَالْكُبَعَة، وَاللُّخْم: كُلُّهَا أَسْمَاءٌ لأَسْمَاكٍ تَأْكُلُ النَّاس يُقَالُ عَلَى لَدِيدَيِ الوَادِي: أَيْ عَلَى جَانِبَيْه ٠ ﴿لِسَانُ العَرَب: ٣٩٠/ ٣﴾ الأَضَاةُ، وَالأَضَاءَ ةُ: المُسْتَنْقَعُ، أَوِ الْبِرْكَةُ أَوِ البُحَيرَةُ الصَّغِيرَة ٠ أَسْمَاءُ المَال/ع الثَّرْوَة/ع: الرَّقِينُ هُوَ الدِّرْهَم ٠

стр. 7530

بَابُ النَّبَات/ع: أُذُنُ الحِمَار: نَبَاتٌ لَهُ وَرَقٌ طُولُهُ شِبْر، وَلَهُ أَصْلٌ يُؤْكَلُ أَكْبَرُ مِنَ الجَزَرَةِ وَفِيهِ حَلاَوَة ٠ السِّدْر: شَجَرُ النَّبَق، وَهُوَ أَنوَاع: مِنهُ مَا يَنْبُتُ في البَادِيَة، وَمِنهُ مَا يَنْبُتُ عَلَى المَاء، وَهُوَ الَّذِي يُسْتَخْدَمُ وَرَقُهُ في الغَسُول، وَالنَّبَق: ثمَرُ السِّدْر ٠ السَّفَرْجَل: هُوَ الْبُرْتُقَال ٠ [لِسَانُ العَرَب] السَّلَع: اللِّبْلاَب ٠ [لِسَانُ العَرَب]

стр. 7531

الشَّحْط: الخَشَبَةُ الَّتي تُسْنَدُ بِهَا الشَّجَرَةُ الضَّعِيفَةُ لِتَتَسَلَّقَ عَلَيْهَا أَغْصَانُهَا ٠ ﴿لِسَانُ العَرَب: ٣٢٨/ ٧﴾ الطَّلحَة: شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ ذَاهِبَةٌ في السَّمَاءِ لَهَا ظِلٌّ ظَلِيل ٠ الغَضَى مِن أَشْجَارِ البَوَادِي، خَشَبُهُ أَجْوَدُ أَنوَاعِ الْفَحْم ٠

стр. 7532

بَابُ النَّوْم/ع: اسْلَنْقَى يَسْلَنْقي اسْلِنْقاءً: أَيِ اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاه ٠ ﴿لِسَانُ العَرَب: ١٦٣/ ١٠﴾ الْكَابُوس: هُوَ الجَاثُوم، وَالنَّيْدَلاَن، وَالْبَارُوك ﴿لِسَانُ العَرَب: ١٩٢/ ٦﴾ الهِجَاء: [انْظُرِ الشَّتْمَ بحَرْفِ الشِّين]

стр. 7533

الْوَقْت/ع، النَّهَار/ع، اللَّيْل/ع: شُفَافَةُ النَّهَار: أَيْ بَقِيَّتُه ٠ الزُّلْفَةُ مِنَ اللَّيْل: أَيِ الْقِطْعَةُ مِن أَوَّلِه؛ وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفَاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات﴾ ﴿هُود/١١٤﴾

стр. 7534

الوَلَدْ: [انْظُرِ الرَّجُلَ ٠ بحَرْفِ الرَّاء] النَّوْع: [انْظُرِ الأَصْلَ بحَرْفِ الأَلِف] °*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*° الحَرَكَاتُ وَالأَشْكَالُ وَالرُّسُومَات: احْقَوْقَفَ: أَيْ تَقَوَّسَ: انحَنى °*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°

стр. 7535

تَرْجَمَةُ الذَّهَبيّ؛ بِأُسْلُوبٍ أَدَبيّ [ تَرْجَمَةٌ مُخْتَصَرَةٌ مِنْ بَحْثٍ لِلدُّكْتُور بَشَّار عَوَّاد مَعْرُوف ٨٧ صَفْحَة، اخْتُصِرَ في ثَلاَثِينَ صَفْحَة]: ===============================

стр. 7536

ـ نُبْذَةٌ مُخْتَصَرَةٌ عَن هَذَا الإِمَام: وُلِدَ الإِمَامُ المُؤَرِّخُ الحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ محَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَيْمَازَ المُلَقَّبُ بِالذَّهَبيِّ سَنَة / ٦٩٢ هـ، في عَصْرٍ مَلِيءٍ بِالصِّرَاعَاتِ المَذْهَبِيَّةِ بَينَ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ كَانَ لهُمْ حُظْوَةٌ عِنْدَ المَمَالِيك، وَالأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ كَانَتْ لَهُمْ مِثْلُهَا في الدَّوْلَةِ الأَيُّوبِيَّة [وَعَلَّ بَعْضَنَا مِنَ القُرَّاءِ في المِلَلِ وَالنِّحَلِ وَالتَِّرَاجِم: يَعْرِفُ أَنَّ القَائِدَ صَلاَح الدِّينِ كَانَ مُعْتَنِقَاً لِمَذْهَبِهِمْ، وَكَانَ أَشْعَرِيَّاً مُتَعَصِّبَاً] وَلِذَا عَلاَ صَوْتُ الأَشَاعِرَةِ في دَوْلَتِهِ؛ وَكَانَ الصِّرَاعُ بَيْنَهُمْ وَبَينَ أَهْلِ السُّنَِّةِ لاَ سِيَّمَا الحَنَابِلَةِ عَلَى أَشُدِّه ٠

стр. 7537

كَانَ أَصْحابُ المَذْهَبِ الحَنْبَلِيّ: يَعْتَمِدُونَ في مُنَاظَرَاتِهِمْ عَلَى القُرْآنِ وَالحَدِيثِ وَالاِِسْتِدْلاَلِ النَّقْلِيّ، بَيْنَمَا كَانَ الأَشَاعِرَةُ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الفَلْسَفَةِ وَالمَنْطِقِ وَالاِسْتِدْلاَلِ العَقْلِيّ ٠ رَحَلَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ رِحْلاَتٍ عِدَّةً في طَلَبِ العِلْمِ إِلىَ الحِجَازِ وَمِصْرَ وَالشَّام [مَنْشَئِهُ وَمَسْقَطِ رَأْسِه] حَصَّلَ خِلاَلَهَا الكَثِيرَ مِنَ اللُّغَةِ وَالتَّارِيخِ وَالنَِّحْوِ وَالأَدَب، تَأَثَّرَ كَثِيرَاً بِشَيْخِ الإِسْلاَمِ ابْنِ تَيْمِيَةَ وَتَمَذْهَبَ بِالمَذْهَبِ الحَنْبَلِيّ، وَكَانَ يُدَرِّسُ الحَدِيثَ في أَكْثَرِ مِنْ دَارٍ لِلْحَدِيثِ بِدِمَشْق ٠ ـ العُلُومُ الَّتي بَدَأَ يَتَخَصَّصُ فِيهَا:

стр. 7538

جُلُّ كِتَابَاتِهِ كَانَ في الحَدِيثِ وَالتَّارِيخ، وَيَأْتي في مُقَدِّمَةِ كِتَابَاتِهِ التَّارِيخِيَّةِ كِتَابُِهُ المَوْسُوعِيُّ تَارِيخُ الإِسْلاَم، وَيَأْتي في مُقَدِّمَةِ كِتَابَاتِهِ في التَّرَاجِمِ كِتَابُِهُ سِيَرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء، وَالَّذِي يَرَى البَعْضُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلاَّ اخْتِصَارَاً لِتَارِيخِ الإِسْلاَم، أَوْ قُلْ: جَمَعَ فِيهِ لَطَائِفَ تَارِيخِ الإِسْلاَمِ وَطَرَائِفَه ٠ وَمَعَ سَعَةِ مُؤَلَّفَاتِهِ في الحَدِيثِ وَالتَّارِيخ: فَلَقَدْ تَمَيَّزَ ﵀ أَيَّمَا تَمَيُّزٍ في عِلْمِ نَقْدِ الرِّجَال [الجَرْحِ وَالتَّعْدِيل] وَاسْتَدْرَكَ عَلَى أَئِمَّةِ هَذَا الفَنِّ نِقَاطَاً كَشَفَتْ عَنْ ثَاقِبِ فِكْرِهِ وَعُمْقِ نَظْرَتِه ٠

стр. 7539

وَقَدْ نَفَعَتِ الإِمَامَ الذَّهَبيَّ إِلىَ أَبْعَدِ مَدَىً دِرَاسَتُهُ لِلْحَدِيثِ وَنَظَرُهُ في الأَسَانِيدِ عِنْدَ كِتَابَةِ مُؤَلَّفَاتِهِ في التَّارِيخِ وَالتَّرَاجِم، حَيْثُ جَاءَتْ أَقْوَالُهُ فِيهِمَا مُوَثَّقَةً وَمُنْصِفَة، خَالِيَةً مِنَ الأَسَانِيدِ الوَاهِيَةِ وَالأَخْبَارِ المَوْضُوعَةِ وَالأَكَاذِيب ٠ ـ نُبْذَةٌ عَن وَأُسْرَتِه: تَرْجِعُ أُصُولُ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ إِلى تُرْكُمَان [تَقَعُ شَمَالَ إِيرَان]

стр. 7540

وَكَانَ جَدُّهُ عُثْمَانُ يَعْمَلُ نجَِّارَاً، وَأَمَّا وَالِدُهُ أَحْمَدُ فَقَدْ كَانَ يَدُقُّ الذَّهَب، وَكَانَتْ لَهُ بَرَاعَة؛ في تِلْكَ الصِّنَاعَة، وَجَذَبَهُ الحَدِيثُ فَسَمِعَ صَحِيحَ البُخَارِيّ، وَكَانَ عَابِدَاً صَالحَاً يَقُومُ اللَّيْل، وَاسِعَ الغِنىَ مُعْتِقَاً لِلرِّقَاب، وَأَكْرَمَهُ اللهُ عِنْدَ زَوَاجِهِ بِابْنَةِ رَجُلٍ عَاقِلٍ مِنْ سُرَاةِ المَوْصِلِيِّيِن، فَأَنْجَبَ غُلاَمَاً [هُوَ الَّذِي أَصْبَحَ فِيمَا بَعْدُ الإِمَامَ الذَّهَبيّ] نَشَأَ الغُلاَمُ في حِجْرِ عَمَّتِهِ سِتِّ الأَهْلِ أُمِّ محَمَّد ـ صَاحِبَةِ الإِجَازَةِ مِنَ ابْنِ أَبي اليَسَرِ وَجَمَالِ الدِّينِ بْنِ مَالِكٍ وَالزَّرْعِيّ ـ تَوَلَّتْ إِرْضَاعَهُ وَالقِيَامَ بِشُئُونِه [فَيَبْدُو أَنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ وَهُوَ رَضِيع]

стр. 7541

وَكَانَ خَالُهُ عَلِيٌّ أَيْضَاً طَالِبَاً لِلْعِلْمِ رَوَى عَنهُ الإِمَامَ الذَّهَبيّ، وَكَانَ ذَا مُرُوءَةٍ وَخَوْفٍ مِنَ الله، وَكَانَ زَوْجُ خَالَتِهِ فَاطِمَةَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الغَنيِّ بْنِ عَبْدِ الكَافي حَافِظَاً لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ كَثِيرَ التِّلاَوَةِ لَه ٠ الإِجَازَاتُ الَّتي حَصَلَ عَلَيْهَا مِنْ شُيُوخِهِ في القُرْآنِ وَهُوَ لاَ يَزَالُ صَغِيرَاً:

стр. 7542

وَقَدِ اسْتَجَازَ لَهُ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ عَلاَءُ الدِّينِ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ العَطَّارِ عِدَّةَ إِجَازَاتٍ مِنْ جُمْلَةِ مَشَايِخَ بِدِمَشْقَ وَمَكَِّةَ وَالمَدِينَة؛ فَانْتَفَعَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ بهَذِهِ الإِجَازَاتِ انْتِفَاعَاً عَظِيمَاً، حَيْثُ شَجَّعَتْهُ وَهُوَ صَغِير، وَذَلَّلَتْ لَهُ بِفَضْلِ اللهِ سُلُوكَ طَرِيقِ الدَّعْوَةِ وَهُوَ كَبِير ٠ وَعُهِدَ بِهِ إِلىَ أَحَدِ كِبَارِ المُؤَدِّبِينَ في عَصْرِهِ وَأَخْبَرِهِمْ بِالصِّبْيَان، فَتَأَدَّبَ علَى يَدَيْهِ وَأَحْسَنَ الخَطّ ٠ وَتَعَلَّمَ القُرْآنَ أَيْضَاً عَلَى يَدِ أَحَدِ شُيُوخِ زَمَانِه ٠

стр. 7543

وَكَانَ خِلاَلَ هَذِهِ المَرْحَلَةِ يَعْمَلُ في صِنَاعَةِ أَبِيهِ الذَّهَب؛ وَمِنْ ثَمَِّ أَلْصَقُواْ بِهِ كَوَالِدِهِ لَقبَ الذَّهَبيّ، وَلَكِنْ جُلُّ وَقْتِهِ كَانَ يَذْهَبُ في الاِخْتِلاَفِ إِلى مجَالِسِ العُلَمَاءِ وَالشُّيُوخِ لِيَسْمَعَ مِنهُمْ ٠ انْطِلاَقَةُ الإِمَامِ في تحْصِيلِ عُلُومِ القِرَاءَاتِ وَالحَدِيث وَبِدَايَةُ الرِّحْلَةِ إِلَيْهِمَا:

стр. 7544

أَكْبَرُ اهْتِمَام الإِمَامِ كَانَ بِعِلْمَيِ القِرَاءَاتِ وَالحَدِيث: فَأَخَذَ القِرَاءَاتِ عَنْ شَيْخِ القُرَّاءِ جَمَالِ الدِّينِ أَبي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُدَ العَسْقَلاَنيّ، المَعْرُوفِ بِالفَاضِلِيّ، حَتىَّ قَرَأَ عَلَيْهِ خَتْمَةً جَامِعَةً لمَذَاهِبِ القُرَّاء؛ حَتىَّ أَصْبَحَ عَلَى دِرَايَةٍ جَيِّدَةٍ بِالقِرَاءَاتِ وَأُصُولِهَا وَمَسَائِلِهَا وَلَمَّا يَزَلْ بَعْدُ فَتىً لَمْ يَتَجَاوَزِ العِشْرِينَ مِن عُمُرِه، وَظَلَّ يَجْمَعُ هَذَا العِلْمَ وَيَقْرَأُ عَلَى الشُّيُوخِ حَتىَّ تَلاَ خَتْمَةً لِلسَّبْعَةِ عَلَى مَشَايِخِ الشَّام، وَقَرَأَ كِتَابَ " المُبْهِجِ في القِرَاءَاتِ السَّبْع " وَالسَّبْعَةَ لاِبْنِ مجَاهِدٍ وَغَيرَ ذَلِكَ عَلَى شَيْخِهِ أَبي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ القَوَّاس، وَسَمِعَ الشَّاطِبِيَّةَ مِن غَيرِ وَاحِدٍ مِنَ القُرَّاء ٠

стр. 7545

إِلىَ أَنْ نَبَغَ في القِرَاءَاتِ وَبَرَعَ فِيهَا حَتىَّ تَنَازَلَ لَهُ شَيْخُهُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللهِ محَمَّدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الدِّمْيَاطِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ عَن حَلْقَتِهِ بِالجَامِعِ الأُمَوِيّ في أَوَاخِرِ سَنَة / ٦٩٢ هـ ٠

стр. 7546

وَكَانَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ قَدْ أَكْمَلَ عَلَيْهِ القِرَاءَاتِ قَبْلَ ذَلِك؛ فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ مَنْصِبٍ عِلْمِيٍّ يَتَوَلاَّهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ وَهُوَ في الثَّامِنَةِ عَشْرَةَ مِن عُمُرِه، وَفي هَذِهِ السِّنِّ كَانَ قَدْ مَالَ قَلْبُ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ إِلىَ سَمَاعِ الحَدِيث؛ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ يُسَابِقُ الرِّيحَ بِذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر؛ في هَذا العِلْمِ عَظِيمِ الأَثَر؛ فَطَغَى ذَلِكَ عَلَى لُبِّهِ وَتَفْكِيرِه، فَانْقَطَعَ لِتَحْصِيلِهِ وَجَمْعِه؛ حَتىَّ صَارَ ذَلِكَ مُنْتَهَى بَصَرِهِ وَسَمْعِه؛ فَسَمِعَ مَا لاَ يُحْصَى كَثْرَةً مِنَ الكُتُبِ وَالأَجْزَاء ٠ وَاقْتَفَى آثَارَ الشُّيُوخِ وَالمَشْيَخَات، وَهُوَ مَعَ هَذَا كَانَ يَتَحَسَّرُ عَلَى الرِّحْلَةِ

стр. 7547

إِلىَ البُلْدَانِ الأُخْرَى؛ لِمَا لِذَلِكَ مِن عَظِيمِ النَّفْعِ وَالأَثَر، وَرَغْبَةً مِنهُ في عُلُوِّ الإِسْنَاد [أَيْ في النَّقْلِ عَنْ شُيُوخِ الشُّيُوخِ بَدَلاَ مِنَ الشُّيُوخ] وَلَكِنَّ وَالِدَهُ كَانَ يَمْنَعُهُ مِنَ الرِّحْلَة، حَتىَّ قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في ذَلِكَ عَنْ نَفْسِه: " وَقَدْ هَمَمْتُ بِالرِّحْلَةِ إِلَيْه [أَيِ لاِبْنِ وَرِيدَةَ البَغْدَادِيِّ الحَنْبَلِيِّ شَيْخِ المُسْتَنْصِرِيَّة] ثُمَّ تَرَكْتُهُ لمَكَانِ الوَالِد " وَقَالَ يَرْحَمُهُ اللهُ أَيْضَاً في تَرْجَمَتِهِ لَه: " وَانْفَرَدَ عَن أَقْرَانِهِ، وَكُنْتُ أَتَحَسَّرُ عَلَى الرِّحْلَةِ إِلَيْه، وَمَا أَتَجَسَّرُ خَوْفَاً مِنَ الوَالِد؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَمْنَعُني " أَتَجَسَّرُ أَيْ أَتَجَرَّأ؛ مِنَ الجَسَارَةِ وَقَوْلِهِمْ جَسُور

стр. 7548

وَيَبْدُو أَنَّ الإِمَامَ الذَّهَبيَّ كَانَ وَحِيدَ أَبَوَيْه؛ لأَجْلِ هَذَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْه؛ خَوْفَ يَعْقُوبَ عَلَى يُوسُفَ ﵉، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ وَالِدُهُ في الرِّحْلَةِ بَعْدَ بُلُوغِهِ العِشْرِينَ مِن عُمْرِه، وَذَلِكَ سَنَة ٦٩٣ هـ لَكِنِّهَا كَانَتْ رِحْلاَتٍ قَصِيرَةً لاَ يُقِيمُ فِيهَا أَكْثَرَ مِن أَرْبَعَةِ أَشْهُر، وَيُرَافِقُهُ فِيهَا بَعْضُ مَنْ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِمْ ٠ ـ رِحْلَتُهُ في بِلاَدِ الشَّام: رَحَلَ إِلىَ بَعْلَبَك سَنَةَ ٦٩٣ هـ فَقَرَأَ هُنَالِكَ القُرْآنَ جَمْعَاً عَلَى المُوَفَّقِ النُّصَيْبيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٩٥ هـ، وََسَمِعَ مِنهُ " الحَاجِبِيَّةَ " في النَّحْو ٠ وَأَخَذَ الكَثِيرَ عَنِ المحَدِّثِ الأَدِيبِ تَاجِ الدِّينِ أَبي محَمَّدٍ المَغْرِبيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٩٦ هـ ٠

стр. 7549

وَرَحَلَ بَعْدَهَا إِلىَ حَلَب، فَلَقِيَ هُنَاكَ سُنْقُرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَرْمَنيّ: عَلاَءَ الدِّينِ أَبي سَعِيد، قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ يحْكِي عَنْ ذَلِك: " رَحَلْتُ إِلَيْهِ وَأَكْثَرْتُ عَنه، وَنِعْمَ الشَّيْخُ كََاَن ٠٠ دينَاً وَمُرُوءَةً وَعَقْلاً وَتَعَفُّفَا " وَسَمِعَ في حَلَبَ مِنْ جُمْلَةِ شُيُوخِهَا ٠ كَمَا رَحَلَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ إِلىَ حِمْصٍ وَحَمَاة، وَطَرَابُلْسَ وَالكَرْكِ وَالمَعَرَّةِ وَبُصْرَى وَنَابُلْسَ وَالرَّمْلَةِ وَالقُدْسِ وَتَبُوك ٠ ـ رِحْلَتُهُ إِلىَ الدِّيَارِ المِصْرِيَّة: رَحَلَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ إِلىَ الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ عَقِبَ وَفَاةِ وَالِدِهِ سَنَة ٦٩٥ هـ، وَعَادَ مِنهَا سَنَة ٦٩٩ هـ

стр. 7550

افْتَتَحَ سَمَاعَهُ بِمِصْرَ عَلَى شَيْخِهِ جَمَالِ الدِّينِ أَبي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ محَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الحَلَبيّ، المَعْرُوفِ بِابْنِ الظَّاهِرِيّ ٦٩٦ ـ ٦٢٦ هـ ٠ قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ يَرْحَمُهُ اللهُ في كِتَابِهِ المَوْسُوعِيّ / تَارِيخِ الإِسْلاَم: " وَبِهِ افْتَتَحْتُ السَّمَاعَ في الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ وَبِهِ اخْتَتَمْت، وَعِنْدَهُ نَزَلْت، وَعَلَى أَجْزَائِهِ اتَّكَلْت " ٠ كَمَا سَمِعَ لِقَاضِي القُضَاةِ أَبي الفَتْحِ محَمَّدِ بْنِ عَليّ / المَعْرُوفِ بِابْنِ دَقِيقِ العِيد المُتَوَفىَّ سَنَة ٧٠٢ هـ وَسَمِعَ لِلْعَلاَّمَةِ شَرَفِ الدِّينِ عَبْدِ المُؤْمِنِ بْنِ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَة ٧٠٥ هـ وَغَيرِهِمْ ٠

стр. 7551

وَرَحَلَ في مِصْرَ لِطَلَبِ العِلْمِ أَيْضَاً إِلىَ الإِسْكَنْدَرِيَّة، وَقَرَأَ بِهَا خَتْمَةً لِوَرْشٍ وَحَفْصٍ على صَدْرِ الدِّينِ سَحْنُون ٠٠ ـ تَحْصِيلُهُ لِعُلُومِ الآلَة [كَعُلُومِ العَرَبِيَّة: كَالنَّحْوِ وَاللُّغَةِ وَالأَدَب وَشَيْءٍ مِنَ الفَلْسَفَة]: وَهُوَ مَعَ رِحْلَتِهِ وَأَسْفَارِهِ في طَلَبِ القِرَاءَاتِ وَالحَدِيثِ وَقِرَاءَتِهِ عَلَى كِبَارِ أَئِمَّةِ مِصْرَ وَالشَّام؛ فَإِنَّ اهْتِمَامَهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى هَذَيْنِ العِلْمَينِ فَحَسْب؛ بَلْ كَانَتْ مُتَنَوِّعَةَ الأَغْرَاض: فَاعْتَنى فِيهَا بِدِرَاسَةِ النَّحْو، فَسَمِعَ " الحَاجِبِيَّةَ " في النَّحْوِ كَمَا ذَكَرْنَا عَلَى شَيْخِهِ أَبي عَبْدِ اللهِ محَمَّدِ بْنِ أَبي العَلاَءِ النُّصَيْبيِّ المُتَوَفىَّ سَنَة ٦٩٥ هـ ٠

стр. 7552

وَدَرَسَ عَلَى شَيْخِ العَرَبِيَّةِ وَإِمَامِ أَهْلِ الأَدَبِ في مِصْرَ آنَذَاكَ الشَّيْخِ بَهَاءِ الدِّينِ محَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ المَعْرُوفِ بِابْنِ النَّحَّاس، المُتَوَفىَّ سَنَة ٦٩٨ هـ ٠ هَذَا ٠٠ بِالإِضَافَةِ إِلىَ لَفِيفٍ كَثِيفٍ مِن أَسَاطِينِ الشِّعْرِ وَاللُّغَةِ وَالأَدَب ٠

стр. 7553

وَيُمْكِنُ أَنْ نَخْلُصَ نجِيَّاً في النِّهَايَةِ إِلى أَمْرٍ لاَ يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ اثْنَان: أَلاَ وَهُوَ أَنَِّ رِحْلَةَ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ لَمْ تَكُنْ قَاصِرَةً عَلَى عُلُومِ التَِّخَصُّص [الحَدِيث وَالقِرَاءَاتِ وَالمَوَادِّ التَّارِيخِيَّة: كَالتَّرَاجِمِ وَالغَزَوَاتِ وَالتَّارِيخ] بَلْ تَعَدَّى طَلَبُهُ لهَذِهِ العُلُومِ إِلىَ عُلُومُ الآلَةِ المُسَاعِدَة، وَالَّتي في رَأْيِي لَهَا أَعْظَمُ فَائِدَة؛ لأَنَّهَا تُعَدُّ القَاعِدَة، وَلِذَا فَقَدْ طَلَبَهَا الإِمَامُ الذَّهَبيُّ وَأَخَذَ مِنهَا بحَظٍّ وَافِر [وَهِيَ النَّحْو، وَاللُّغَة، وَالأَدَب] كَمَا طَالَعَ يَرْحَمُهُ اللهُ بَعْضَ الكُتُبِ الفَلْسَفِيَّة ٠ ـ سَلاَمَةُ كُتُبِهِ وَخُطَبِهِ مِنَ اللَّحْن، وَبَلاَغَةُ أُسْلُوبِهِ وَحُسْنُ خَطِّهِ وَرِقَّةُ مَا وَصَلَنَا مِنْ نَظْمِهِ:

стр. 7554

وَلِذَا جَاءَتْ لُغَتُهُ في كُتُبِهِ جَيِّدَةً قِيَاسَاً بِالعَصْرِ الَّذِي عَاشَ فِيه؛ حَسْبُكَ أَنَّنَا قَلَّمَا نجِدُ لَهُ لحْنَاً فِيهَا ٠ أَمَّا مِنَ النَّاحِيَةِ البَلاَغِيَّةِ فَقَدْ بَلَغَ البُلَغِين؛ فِيمَا يَنْثُرُهُ مِنَ الدُّرِّ الثَّمِين؛ َلَقَدْ كَانَ عَذْبَ الأَلْفَاظِ رَفِيعَ العِبَارَةِ رَقِيقَ الأُسْلُوب، كَلاَمُهُ يَأْخُذُ بمَجَامِعِ القُلُوب، وَالتَمِسْهُ في تحبير التراجم ٠ وَأُثِرَ عَنهُ ﵀ نَظْمُ الشِّعْرِ في المَدِيحِ وَالرِّثَاء [كَرِثَائِهِ لِصَدِيقِ عُمْرِهِ وَرَفِيقِ دَرْبِهِ ابْنِ تَيْمِيَة] أَمَّا الَّذِينَ بَلَغَنَا في مُعْجَمِ الشُّيُوخِ أَنَّ الإِمَامَ الذَّهَبيَّ مَدَحَهُمْ فَمِنهُمْ: إِسْحَاقُ بْنُ أَبي بَكْرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الأَسَدِيِّ الحَلَبيُّ الحَنَفِيُّ النَّحَّاس، المُتَوَفىَّ سَنَة ٧١٠ هـ ٠

стр. 7555

وَتَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيّ، المُتَوَفىَّ سَنَة ٧٥٦ هـ ٠ وَوَلَدُهُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيّ، المُتَوَفىَّ سَنَة ٧٧١ هـ ٠ وَمِمَّا جَاءَ في الرَّدِّ الوَافِرِ لاِبْنِ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيِّ أَنَّهُ مَدَحَهُمْ: عَلَمُ الدِّينِ أَبُو محَمَّدٍ القَاسِمُ بْنُ محَمَّدٍ البِرْزَاليّ " ٦٦١ ـ ٧٣٩ هـ " كَمَا نَقَلَتْ لَنَا عَنهُ الكُتُبُ الَّتي تَرْجَمَتْ لَهُ بَعْضَ القَصَائِدِ التَّعْلِيمِيَّة: فَلَقَدْ نَظَمَ أَسْمَاءَ المُدَلِّسِينَ في قَصِيدَةٍ أَوْرَدَهَا السُّبْكِيُّ في طَبَقَاتِه، كَمَا نَظَمَ أَسْمَاءَ الخُلَفَاءِ في قَصِيدَةٍ أُخْرَى أَوْرَدَهَا في كِتَابِهِ العَظِيم / تَارِيخِ الإِسْلاَم ٠

стр. 7556

كَمَا يُنْبِيكَ عَنْ مَنزِلَةِ الشِّعْرِ لَدَى هَذَا الإِمَامِ الجَلِيل: كَثْرَةُ تَرَاجِمِ الشُّعَرَاءِ في كِتَابَيْهِ تَارِيخِ الإِسْلاَمِ وَسِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ، وَالقَصَائِدَ الكَثِيرَةَ الَّتي رَصَّعَ بِهَا هَذَيْنِ الكِتَابَينِ وَكُسَائِرَ كُتُبِهِ في الرَّقَائِقِ وَالأَخْلاَق، وَاهْتِمَامُهُ بِالشِّعْرِ يَتَجَلَّى أَيْضَاً في عِنَايَتِهِ الفَائِقَةِ بِتَتَبُّعِ دَوَاوِينَ الشُّعَرَاء ٠ وَكَانَ يَرْحَمُهُ اللهُ ذَا خَطٍ جَمِيل؛ أَشَادَ بِهِ عَدَدٌ غَيرُ قَلِيل ٠

стр. 7557

وَدُورُ الوَثَائِقِ تَعُجُّ بِالمخْطُوطَاتِ الَّتي مِنْ تَأْلِيفِهِ أَوْ مِنْ تَأْلِيفِهِ غَيرِهِ وَقَدْ كُتِبَتْ بخَطِّه ٠٠ وَهُوَ إِنْ لَمْ يَصِلْ إِلىَ القِمَّةِ في الحُسْنِ بَينَ أَهْلِ تِلْكَ الصِّنَاعَة؛ فَإِنَّهُ لاَ يَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهِ لاَ يَخْلُو مِنَ البَرَاعَة، وَهُوَ مَعَ حُسْنِهِ: يَتَّسِمُ بِالدِّقَّةِ وَالإِتْقَان، وَكَمَا يَقُولُ القُرْآن: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ مَا يَشَاء﴾ ﴿فَاطِر/١﴾ ـ تَحْصِيلُهُ لِعِلْمَيِ التَّخَصُّص [الحَدِيث وَالتَّارِيخِ]:

стр. 7558

وَاهْتَمَّ بِالكُتُبِ التَّارِيخِيَّة، فَسَمِعَ عَدَدَاً كَبِيرَاً مِنهَا عَلَى أَيْدِي شُيُوخِهَا في المَغَازِي، وَالسِّيَرِ وَالتَّارِيخِ العَامّ، وَمُعْجَمَاتِ الشُّيُوخِ وَالمَشْيَخَاتِ وَالتَّرَاجِم، إِلاَّ أَنَّ عِنَايَتَهُ بِالحَدِيثِ وَعُلُومِهِ تَجِيءُ دَائِمَاً في المُقَدِّمَة؛ فَلَقَدْ سَمِعَ مِئَاتِ الكُتُبِ وَالأَجْزَاءِ الحَدِيثِيَّةِ عَلَى شُيُوخِه، وَمَا قَرَأَهُ لاَ شَكَّ أَكْثَر، أَضِفْ إِلىَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا سَمِعَ الكِتَابَ أَوِ الجُزْءَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ شَيْخٍ حَتىَّ يَبْلُغَ في بَعْضِ الأَحَايِينِ عَشَرَاتِ المَرَّات: وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلاً أَنَِّهُ سَمِعَ " جُزْءَ ابْنِ عَرَفَة "

стр. 7559

وَهُوَ مِنَ الأَجْزَاءِ الحَدِيثِيَّةِ المَشْهُورَةِ أَكْثَرَ مِن أَرْبَعِينَ مَرَّةً عَلَى أَكْثَرَ مِن أَرْبَعِينَ شَيْخَاً، وَسَمَعَ " نُسْخَةَ أَبي مِسْهَرٍ " أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتيْ عَشْرَةَ مَرَّة ٠ هَذَا ٠٠ بِالإِضَافَةِ إِلىَ مَا اكْتَسَبَهُ وَحَصَّلَهُ مِنْ مُعْظَمِ الدِّرَاسَاتِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتي كَانَتْ في عَصْرِه: كَسِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ١٥١ هـ وَالَّتي غُبِنَ مُؤَلُِّفُهَا كَثِيرَاً بِتَهْذِيبِ ابْنِ هِشَامٍ لَهَا فَنَسَبُوهَا إِلَيْهِ وَنَسُواْ مُؤَلِّفَهَا الأَصْلِيّ، الرَجُلَ الَّذِي قَالَ عَنهُ شُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجِ ﵀: " محَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ في الحَدِيث " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٤٨، ٢١٧/ ٧]

стр. 7560

وَبِالإِضَافَةِ إِلىَ سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ اسْتَفَادَ أَيْضَاً مِنْ تَارِيخِ الإِمَامِ الطَّبَرِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٣١٠ هـ وَابْنِ الأَثِيرِ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٦٣٠ هـ وَابْنِ الجَوْزِيِّ المُتَوَفىَّ سَنَةَ ٥٩٧ هـ

стр. 7561

أَمَّا مُؤَلَّفَاتُهُ الشَّخْصِيَّةُ بَعِيدَاً عَنِ المُخْتَصَرَات: فَيَأْتي في مُقَدِّمَتِهِ كِتَابُهُ العَظِيم " تَارِيخُ الإِسْلاَم، وَوَفِيَّاتُ المَشَاهِيرِ وَالأَعْلاَم " وَالَّذِي هُوَ إِلىَ بِكُتُبِ التَّرَاجِمِ أَشْبَهُ مِنْ كُتُبِ التَّارِيخ ٠ وَكِتَابُهُ النَّفِيس " سِيَرُ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ " الَّذِي لَمْ يَتَضَمَّن غَيرَ التَّرَاجِم ٠٠٠ إِلخ مُؤَلَّفَاتِه ٠ إِنَّ دِرَاسَةَ الإِمَامِ الذَّهَبيِّ لِهَذِهِ المَكْتَبَةِ التَّارِيخِيَِّةِ الضَّخْمَة، وَمَعْرِفَتَهُ بِطَبَقَاتِ الرِّجَال: هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ يَتْرُكُ لَنَا هَذِهِ الدُّرَرَ الثَّلاَثَةَ مِن أَعْمَالِهِ التَّارِيخِيَّةِ مُرَتَّبَةً عَلَى الحَوَادِثِ وَالوَفِيَّات ٠ مِثْل: " تَارِيخِ الإِسْلاَم " وَ " العِبَر " وَ " دُوَلِ الإِسْلاَم " وَغَيرِهَا ٠

стр. 7562

وَالَّتي اسْتَطَاعَ خِلاَلَهَا اسْتِيعَابَ عُصُورَ التَّارِيخِ الإِسْلاَمِيِّ مِن أَوَّلِ ظُهُورِه حَتىَّ الزَّمَانِ الَّذِي كَتَبَ فِيهِ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ مُؤَلَّفَاتِه، وَهِيَ فَتْرَةٌ تَزِيدُ عَلَى سَبْعَةِ قُرُون ٠ ـ أَعْظَمُ الشُّيُوخِ الَّذِينَ اعْتَنَقَ أَفْكَارَهُمْ، وَاقْتَفَى لحُبِّهِمْ آثَارَهُمْ: لَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ لأَحَدٍ مِنَ المِئِينَ الَّذِينَ رَحَلَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ إِلَيْهِمْ، وَسَمِعَ مِنهُمْ أَوْ قَرَأَ عَلَيْهِمْ؛ كَمَا اتَّفَقَ ذَلِكَ لِهَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ نَفَر: الإِمَامِ جَمَالِ الدِّينِ أَبي الحَجَّاجِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المُزِّيِّ الشَّافِعِيّ " ٦٥٤ ـ ٧٤٢ هـ " وَتَقِيِّ الدِّين أَبي العَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ المَعْرُوفِ بِابْنِ تَيْمِيَةَ الحَرَّانيّ " ٦٦١ ـ ٧٢٨ هـ "

стр. 7563

وَعَلَمِ الدِّينِ أَبي محَمَّدٍ القَاسِمِ بْنِ محَمَّدٍ البِرْزَاليّ " ٦٦١ ـ ٧٣٩ هـ " فَقَدْ صَحِبَهُمُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ طِيلَةَ حَيَاتِه، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ سِنَّاً، وَكَانَ المُزِّيُّ أَكْبَرَهُمْ سِنَّاً ٠ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقْرَأُ عَلَى بَعْض؛ فَهُمْ شُيُوخٌ في العِلْمِ وَأَقْرَان ٠ كَمَا كَانَتْ بَيْنَهُمْ أَوَاصِرُ إِخْوَانِ الصَّفَا، كَأَنَّمَا كَانُواْ عَلَى مِيعَادٍ لإِحْيَاءِ سُنَّةِ المُصْطَفَى ٠ وَكَانَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ ذاكِرَاً لِفَضَائِلِهِمَا بِكُلِّ لِسَان، نَاشِرَاً لِعِلْمِهِمَا في كُلِّ مَكَان ٠ ـ صُحْبَتُهُ لِشَيْخِ الإِسْلاَمِ ابْنِ تَيمِيَة:

стр. 7564

وَبَلَغَ مِنْ طُولِ صُحْبَتِهِ لِشَيْخِ الإِسْلاَمِ المجَاهِدِ ابْنِ تَيمِيَةَ أَن أُوذِيَ هُوَ وَالمُزِّيُّ بِسَبَبِهِ كَثِيرَاً، فَاسْتُبْعِدَ مِنْ جَرَّاءِ وُقُوفِهِ بجَانِبِ ابْنِ تَيْمِيَةَ مِنْ تَوَليِّ أَكْبَرِ دَارٍ لِلْحَدِيثِ بِدِمَشْق: وَهِيَ دَارُ الحَدِيثِ الأَشْرَفِيَّة؛ حَيْثُ كَانَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ مجَاهِدَاً لاَ يَخْشَى في اللهِ لَوْمَةَ لاَئِم: كَانَ يَصِلُ بِهِ الأَمْرُ إِلىَ المُرُورِ عَلَى الحَانَاتِ بِنَفْسِهِ وَغَلْقِهَا، وَسَكْبِ خُمُورِهَا، بَلْ وَكَانَتْ غَيرَتُهُ وَهِمَّتُهُ وَجَسَارَتُهُ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ تَصِلُ إِلىَ حَدِّ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلىَ السُّجُونِ بِنَفْسِهِ مِنْ دُونِ أَمْرٍ سُلْطَانيٍّ لإِخْرَاجِ بَعْضِ مَنْ

стр. 7565

فِيهَا، هَذَا بِالإِضَافَةِ إِلىَ أَمْرٍ آخَرَ في غَايةِ الخُطُورَة، بَيْدَ أَنَّهُ لَدَى مَنْ يُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ لاَ يَعْمَلُ لَهُ حِسَابَاً: ذَلِكَ أَنَّهُمُ اتُّهِمُواْ في كُلِّ مَا وَافَقَ آرَاءَ ابْنِ تَيْمِيَةَ مِن آرَائِهِمَا أَنَّهُمَا مُقَلِّدَانِ لَهُ، أَوْ نَاقِلاَنِ عَنهُ، وَقَدْ يُؤْبَنَانِ بِأَنَِّهُمَا سُرَّاقٌ لِعِلْمِه ٠ وَكُلُّهَا يَعْلَمُ الله: أَقْوَالٌ مُفْتَرَاة، وَكَيْفَ لاَ تَبْدُو أَقْوَالُ السَّلَفِيِّينَ أَنَّهَا أَشْبَاه؛ وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ نَفْسِ المِشْكَاة ٠٠ ٠٠؟!
следующие страницы →