الصفحة الأخيرة من مخطوطة «القول الصادق في بيان الفجر الصادق»
يظهر في آخرها تقريظ العلامة عبد الله بن حسين بن طاهر.
стр. 107
الصفحة الأولى من رسالة «السيف البتار لمن يقول بأفضلية تأخير صلاة الصبح إلى الإسفار» للعلامة عبد الله بن حسين بلفقيه في فتاويه «إتحاف الفقيه» بخط ابنه محي الدين. وهي صورة لصورة المخطوطة.
стр. 108
ثانياً: عملي في إخراج الكتاب وتحقيقه
يتلخص عملي في تحقيق الكتاب في الآتي:
- عرضت نص الكتاب مصححا مقوَّماً مقابلاً على النسخ الخطية، فجعلت النسخة (أ) نسخة التحقيق المعتمدة (النسخة الأم). لمزاياها سالفة الذكر، وقابلت عليها النسخة (ب)، ووضعت الاختلاف بين النسختين وكذا السقطات بين حاصرتين هلاليتين () في المتن، وأشرت في الهامش إلى هذا الاختلاف، وحين تكون هناك زيادة في (ب) ليست في (أ) قلت في الهامش: أثبتناه من (ب). أما ما قمت بتعديله أو إضافته وليس في النسختين فقد وضعته بين قوسين معكوفين [].
- ضبطت النص حسب القواعد الإملائية المتعارف عليها في الوقت الحاضر، ورقمته ونقيته من التصحيف والتحريف والتكرار وشرحت ما كان غامضاً من الألفاظ، وشكَّلت المبهم منه، وأبرزت العناوين والتبويبات وأكملت ما سقط منها وجعلت ذلك بين قوسين معكوفين [].
стр. 109
- عزوت الآيات القرآنية إلى موضعها من السور [السورة: رقم الآية]. وخرّجت الأحاديث والآثار من مظانها في كتب السنة، ونقلت الحكم عليها إن كان في غير الصحيحين (صحيحي البخاري ومسلم). ووثقت بعض ما نقله المؤلف عن غيره حتى يطمئن القارئ إلى سلامة النص.
- وضعت ترجمة مختصرة للمؤلف وتعريفاً بالكتاب ووصفاً لنسخه الخطية، وفهارس للمحتويات والآيات والأحاديث والأعلام، وقائمة بمراجع المؤلف ومراجع التحقيق. وعرّفت بالكتب التي وردت في المتن، ووضعت تعريفاً مختصراً للكثير من الأعلام.
- استخدمت قوسين مزهرين ﴿﴾ للآيات، وقوسين صغيرين للأحاديث «» مع تثخين الخط، وقوسين صغيرين «» أيضاً لأسماء الكتب ولكن دون تثخين للخط، وللتنصيص قوسين هلاليين (). كما ثخّنت أسماء الأعلام، وفصَلت بين رقم الجزء ورقم الصفحة بـ (/)، ورمزت للصفحة بالرمز (ص)، وللمجلد (م) ولتاريخ الوفاة (ت)، ولمخطوطات مكتبة
стр. 110
الأحقاف للمخطوطات بتريم بالرمز (مخ). واستبدلت الاختصار (ح~) في الأصل المخطوط بـ (حينئذ).
وكنت قد علّقت على الجوانب الفلكية التي تناولها الكتاب بشيء من التفصيل، ودعمت ذلك بالمعادلات والجداول والأشكال والرسوم البيانية، لكني رأيت فيما بعد أن هذا التعليق لا ينسجم والمضمون الفقهي للكتاب وربما يذهب بالقارئ بعيدا عن موضوع الكتاب، واستقر رأيي على أن انشر تلك التعليقات الفلكية في مؤلَف مستقل - إن شاء الله - عن دخول وقت صلاة الفجر بمراقبة العلامة الشرعية ودخوله بالحساب الفلكي، وأن أُضمن هذا المؤلَف ما توصلت إليه مع عدد من الإخوة من نتائج في مجال رصد الفجر.
стр. 111
فهرس مقدمة التحقيق
الموضوع الصفحة
مقدمة المحقق ١
الفصل الأول: التعريف بالمؤلف ٢
اسمه ونسبه ٢
كنيته ولقبه ٢
نشأتهُ وطلبهُ للعلم ٢
شيوخه ٢
بعض أقرانه وأصحابه ٢
مذهبه العقدي والفقهي ٢
طرفٌ من سيرته ٢
صاحب البقرة ٢
القوات الهولندية تحاصر المؤلف وتحاول أَسرهُ (قصة باكلنقان)
стр. 112
الموضوع الصفحة
مناظرة بين المؤلف وعالم مكة وشريفها حول مشروعية التدخين ٢
المؤلف يحارب المعازف واتخاذ الصور والتزيي بزي الكفار ٢
المؤلف والصلاة ٢
كرمه وزهده ٢
ثناء الناس عليه ٢
مكانته العلمية ٢
تلاميذه ٢
أولاده ٢
مؤلفاته ٢
المطبوع من كتب المؤلف ٢
كتب ورسائل المؤلف المخطوطة: ٢
وفاته ٢
بعض ملامح الأوضاع السياسية والفكرية لعصر المؤلف ٢
الموضوع الصفحة
стр. 113
الفصل الثاني: التعريف بالكتاب الذي بين أيدينا ٢
عنوان الكتاب ٢
توثيق اسم الكتاب ٢
نسبته إلى المؤلف ٢
سبب تأليفه ٢
موضوعات الكتاب ونظام ترتيبه ٢
منهج المؤلف وأسلوبه في الكتاب ٢
مصادر الكتاب ٢
تقييم الكتاب ٢
رسالة بلفقيه التي يرد عليها الكتاب الذي بين أيدينا ٢
علاقة المؤلف ابن يحيى بمؤلف «الرسالة» بلفقيه ٢
استعراض رسالة بلفقيه الموسومة «السيف البتار لمن يقول بأفضلية تأخير صلاة الصبح إلى الإسفار» ٢
стр. 114
الموضوع الصفحة
التعريف بابن شهاب مؤلف «القول الصادق في بيان الفجر الصادق المعترض وإدحاضِ كلامَ المعترض» ٢
استعراض رسالة ابن شهاب الموسومة «القول الصادق ٢
في بيان الفجر الصادق المعترض وإدحاضِ كلامَ المعترض» ٢
الفصل الثالث: وصف النسخة الخطية وعملي في التحقيق ٢
أولاً: وصف النسخ الخطية التي اعتمدتها في تحقيق الكتاب ٢
النسخة المخطوطة الأولى (أ)
النسخة المخطوطة الثانية (ب)
النسخة المخطوطة الثالثة (ج)
النسخة المخطوطة الرابعة (د)
صور النسخ الخطية من الكتاب ٢
ثانياً: عملي في إخراج الكتاب وتحقيقه ٢
стр. 115
السيوف البواتر
لمن يقدم صلاة الصبح على الفجر الآخر
تأليف العلامة الفقيه
عبد الله بن عمر بن أبي بكر بن يحيى
العلوي الحضرمي الشافعي
(١٢٠٩هـ - ١٢٦٥هـ)
تحقيق
صالح بن عبد اللاه بلفقيه
(١٤٣٢هـ / ٢٠١١م)
стр. 116
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[توطئة للمؤلف]
(الحمدُ للهِ وحدَه، وصلى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وآلهِ وصحبهِ وسلم). (١)
اِعْلَمْ أَيُّها الوَاقِفُ عَلى هذِه «الرِّسالةِ» أَنَّها: كُلَّها أُنْشِئَت؛ لِتَحْقِيقِ عَلاماتِ الفجرِ.
فَالبَابُ الأولُ: لِبيانِ أَدلتِها مِنْ كلامِ اللهِ تَعالى.
و [الباب] الثاني: لبيانها من كلام رسول الله صلى عليه وسلم.
و [الباب] الثالث: لبيانها من إجماع الأمة وأَئِمة المذهب ((٢).
стр. 117
و [الباب] الرابع: لبيانها من كلام أهل الفلك، وتحقيق وقت ظهورها من كلامهم، الموافق لما جاء به الشرع في الأبواب السابقة.
والفصل الأخير: في شروط الشرع في المخبر بالفجر وبقية الأوقات فلكون مقصود هذه «الرسالة» ما ذكرنا. تجد الكلام تكرر في هذه العلامات في جميع الأبواب، فلا تظنه لغير فائدة، إذ القصد من تأليفها نَفْيِ ما وقع الناسُ فيه من الغلط، ودفع توهُّماتهم (الفاسدة) (١)، التي تولَّد منها: تقديمهم هذه الصلاة الشريفة على وقتها، وصاروا يدْعون إليه، ويرون من أَخَّرها إلى وقتها مخطئاً.
وفقنا الله للصواب بمنه وكرمه.
(كتب) (٢) ذلك جامع هذه «الرسالة» الفقير إلى (عفو) (٣) الله
عبد الله بن عمر بن يحيى (باعلوي) (٤) (عفا الله عنهم آمين، آمين) (٥).
стр. 118
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة المؤلف]
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أبلُغُ بها كمال رضاه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، الذي فضله على من سواه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن نصره ووالاه.
أما بعدُ، فقد عم الابتلاءُ في جهتنا (١). بتقديم صلاة الصبح وأذانِها على وقتِها المشروع، وعمل بذلك الكثيرُ منهم، وتعصَّبوا عليه، حتى صار إنكاره عندهم غير مسموع، فتنبه لذلك كثير من العلماء والصالحين، فشدَّدُوا النكير على هذا الخرْقِ الشَّنيع في الدين، فرجع بذلك الجمُّ الغفير، وبقي على التقدِيم والتعصبِ اليسيرُ، فألف
стр. 119
بعضهم (١) رسالة في الانتصار لذلك الخطأ والزلل، وأكثر فيها من تمويه تصويبه ذلك العمل، وترويجه على من يجهل، فعارضه آخر (٢) برسالة بيّن فيها الحق كالهالة، نافياً غبار تلك الجهالة، ثم عرض الرسالتين عليَّ، وطلب منِّى أن أنصرَ الحق بما لديَّ، فبادرتُ إلى تأليف هذه «الرسالةِ»، في هذا الشأنِ حذراً من الكتمان الذي وعد الله مرتكبه بالنيران، وبسطت فيها الكلام لينتفع به الخاص والعام، لأن هذا من أهم مهمات الإسلام التي يحتاج إليها كل الأنام. ورَتَّبْتُه على أربعة أبوابٍ:
[الباب] الأول: فيما ذكره الله في بَيَان الفجر.
[الباب] الثاني: فيما جاء عن رسول الله ﷺ شارحاً به كلام ربه في ذلك.
стр. 120
[الباب] الثالث: في كلام الفقهاء الذي شَرَحُوا به كلامَ رسول الله ﷺ في ذلك.
[الباب] الرابع: فيما ضبطَ به الموقتون حصةَ الفجر وقدَّرُوها بِهِ.
ومن الله أسألُ التوفيقَ والسدادَ وإصابةَ الصوابِ والرشادَ.
стр. 121
الباب الأول:
فيما ذكره الله في بيان الفجر
[الآية الأولى]: قال الله تعالى ﴿: ... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١).
قال البيضاوي (٢) في «تفسيره» (٣): (شبه ما يبدوا من الفجر المعترض في الأفق، وما يمتد معه من ظلمة الغبش، بخيطين أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ عن بيان الأسود؛ لدلالته عليه، وبذلك خرجا من الاستعارة إلى التمثيل، ويجوز أن تكون ﴿مِنَ﴾؛ للتبعيض، فإن أول ما يبدو بعض
стр. 122
الفجر) (١) انتهى. ولما أتى الشربيني ((٢)
في «تفسيره» ((٣) بهذه العبارة، قال بعدها: (والمعنى على التبعيض: حال كون الخيط الأبيض بعضاً من الفجر، وعلى البيان: حال كونه هو الفجر) ((٤) انتهى. وعبارة أبى السعود (٥) في «تفسيره» (٦) كعبارة البيضاوي (٧)) وهي أيضاً عبارة
стр. 123
«الكشاف» (١). وفي بعض «حواشي الكشاف»): وقد سئل ابن عباس ﵄: هل تعرف العرب ذلك؟ - أي: تسمية الفجر، ومقابله من الظلام بالخطين المذكورين في القرآن - فقال: نعم؛ أما سمعت قول أمية - شعراً -:
الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق ... والخيط الأسود لون الليل مكمود).
وقال النيسابوري ((٢) في تفسير هذه الآية: (وأطلق الخيط الأبيض على أول ما مد من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود على ما يمتد معه من غلس الليل) (٣). إلى أن قال: (ويمكن
стр. 124
أن يقال للفصل المشترك بين ما انفجر من الضياء أي: انشق، وبين ما هو مظلم بعد: شِبْهُ (١) خطين اتصلا عرضاً، فالذي انتهى إليه الضياء .. خيط أبيض، والذي انتهى إليه الظلام .. خيط أسود. وقد سبق تقرير الصبح في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٢)
стр. 125
انتهى (١). وعبارته هناك: (الثالثة [قوله تعالى]: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ والنهار﴾، فالنهار: عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأفق، وفي عرف الشرع: بزيادة ما بين طلوع الفجر الصادق إلى [طلوع] (٢) جرم الشمس، وأما الليل: فعبارة عن مدة خفائها تحت الأفق، أو بنقصان الزيادة المذكورة، وذلك لأن الشمس إذا غابت .. ارتفع رأس مخروط ظل الأرض إلى فوق، فوقع الإبصار داخله (٣)، إلى أن يظهر الصباح المستنير من جانب الأفق الشرقي، فيكون أول الفجر الكاذب إن كان الضوء مرتفعاً، وبعده أول الصادق إذا قَرُبَ من الأفق
стр. 126
جداً وانبسط النور، حتى إذا غاب رأس المخروط تحت الأفق .. طلع مركز جرم الشمس في مقابله) انتهى (١).
وقال الشيخ محمد بن علي الشعبي الموزعي الشافعي (٢) في «تيسير البيان في أحكام القرآن» في الكلام على هذه الآية: (في الآية دليل على أن الحكم معلق بالفجر الثاني، وهو المستطير الأحمر لا الأبيض، وهو قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين) انتهى.
وفي كتاب «نهاية الإحكام في آيات الأحكام» للشيخ محمد بن حسن الشهير بدرواز عند الكلام على هذه الآية: (واستُدل بها على أن: الحكم معلق بالفجر الثاني المستطير الأحمر، لا الأبيض) انتهى.
стр. 127
وفي «تفسير الأحمدي لآيات الأحكام» لبعض أئمة الحنفية في الكلام على هذه الآية) والمعنى: أبيح لكم الأكل والشرب من وقت المغرب إلى أن يتبين، أي: يمتاز (١) الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فشبه بالخيط الأسود: سواد الليل، وبالخيط الأبيض: الإسفار، وبيَّنه: بالفجر ((٢) انتهى.
فأفادت هذه الآية الكريمة، وكلام من ذُكر من العلماء عليها وغيرهم أن: الفجر [الصادق] يعرف بعلامات أربع وهي:
[١] أنه بياض معترض جنوباً وشمالاً.
[٢] أنه لا يزال يتزايد.
[٣] وأنه بتزايده يتبين النهار.
[٤] وأنه تخالط بياضه حمرة.
стр. 128
وفي الحقيقة أنها ثلاث [علامات]: الاعتراض، والتزايد، ومخالطة الحمرة، وأما تبين النهار بالتزايد ففرع التزايد، لكننا زدنا هذا الفرع وعددناه أصلاً؛ لأن المتعصبين إذا صلوا الصبح قبل وقته، وطلب المنكر عليهم من مؤذنهم أو إمامهم أن يريه البياض المعترض .. أشار إلى محل الفجر قائلاً: انظره، فإذا قال: ما رأيت شيئًا، فأين زيادته بعد أذانكم وصلاتكم؟ .. قال: له قد زاد كثيراً، ويكثر من هذا الكلام ونحوه كذباً وتمحلاً (١)؛ لتصحيح عمله، أو لاعتقاده أن الكاذب هو الصادق، ويطيل الكلام والجدال، كما وقع لنا مع بعضهم؛ فزدنا هذه العلامة، إذ لا يمكن أحد إنكارها، إذ يأتي لك في (الباب الرابع) أن: وقتي الفضيلة والاختيار للصبح: قدر منزلة، وهي مع اعتدال الليل والنهار: ساعة مستوية إلا سُبع ساعة، وبعد ذلك الإضاءة التامة، وهي وقت الجواز، وزمن أذانهم، وركعتي الفجر، وانتظارهم، وصلاتهم، يستغرق نحو
стр. 129
نصف المنزلة، فلو صدقوا في طلوع الفجر .. لظهر بعد صلاتهم ضوءٌ بيِّنٌ، يتبينُ به أن ذلك أول النهار، وإذا لم يظهر - كما هو المعروف- .. فقد تبيَّن غلطهم، وتقدم صلاتهم على وقتها. وكلها مفهومة من (ال) في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، إذ هي للعهد الذهني. والمعنى: من الفجر المعروف عند العرب، وهم لا يطلقون ذلك إلا على البياض المتصف بهذه الأربع العلامات. ويدل على الاعتراض: تشبيهه تعالى بياض الفجر وسواد الليل بالخيطين: الأبيض، والأسود. وعلى تزايده وتبين النهار به:
[الآية الثانية]: قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ (١).
قال البيضاوي: (يغطيه، ولم يذكر عكسه؛ للعلم به أو لأن اللفظ يحتملهما؛ ولذلك قُرِئ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النهار﴾
стр. 130
- بنصب الليل، ورفع النهار (١) -. إلى أن قال: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾: يعقبه سريعاً، كالطالب له لا يفصل بينهما شيءٌ) ((٢) انتهى. وفي «تفسير الشربيني»:
[الآية الثالثة: قوله تعالى]: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ (٣):
أي امتد حتى يصير نهاراً بيِّناً، يقال للنهار إذا زاد: تنفس) ((٤) انتهى. وقال الشيخ تقي الدين بن حجة في «شرحه للبديعية» ((٥):
стр. 131
(وأحسن الاستعارات ما قرب منها دون ما بعد، وأعظمها في هذا الباب قوله تعالى:
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾، فإن ظهور الأنوار من المشرق من أشعة الشمس قليلاً قليلاً، بينه وبين إخراج النفس مشابهة شديدة القُرب) انتهى. وقال الشربيني على قوله سبحانه (وتعالى) (١):
[الآية الرابعة]: (﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ (٣٤) ((٢): أَضَاءَ وتبيَّن) ((٣) انتهى. ويدل على: أنه بياض تخالطه حمرة؛ فهو مُشرَّب بها ((٤)، وهذا أفضل الألوان؛ ولهذا وُصف به بياضه ﷺ ((٥).
стр. 132
فالمراد بالأحمر في الأحاديث وكلام العلماء: أن بياض الفجر مُشرَّب بها، لا الحمرة الخالصة [كما] (١) مرّ.
وقوله تعالى: (﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾، قال في «القاموس» ((٢): (الصبح: الفجر) (٣). وقال فيه (الفجر: ضوء الصباح، وهو حمرة الشمس في سواد الليل) (٤) انتهى. فعلم به: أن الصبح عند العرب هو ضوء الصباح، الذي هو حمرة الشمس في سواد الليل، فالمراد بضوء الصباح البياض الذي تخالطه تلك الحمرة، واحترز بقوله: (في سواد الليل) عن الحمرة التي قبل الشمس، إذ هي لا تكون فيه بل في بياض النهار، وبين ذلك أن الصبح بياض مُشرَّب بحمرة، قول الدميري في «شرح
стр. 133
المنهاج» (١) - لما ذكر الماتن: (الصبح) -: (وسميت بذلك لأنها تفعل بعد الفجر، الذي يجمع بياضاً وحمرة فإنه يقال وجه صبيح للذي فيه بياض وحمرة) (٢) انتهى. وقال القليوبي في «حاشيته على التحرير» (٣): (قوله: (فوقت الصبح) الصبح: اسم أصالةٍ لما اشتمل على بياض وحمرةٍ، سميت بذلك لاشتمال وقتها عليه) انتهى. وقال ابن العماد في «القول التمام» (٤): (وللصبح خمسة
стр. 134
أسماء: الأول: الصبح: وكانت صبحاً؛ لأن وقتها أصبح، والأصبح: الذي فيه بياض مختلط بحمرة قيل: وهو أحسن الألوان.) انتهى. ونحوه في «المغني» للشربيني ((١). وهذه الحمرة تضعف بقوة الضياء والإسفار، حتى تكاد تذهب معه ومع وقت الجواز؛ ولذا قال الطائي - كما في «الكشاف» -:
(وأزرقُ الفجرِ يبدو قبل أبيضهِ ? وأولُ الغيثِ رشٌ قبل ينسكبُ).
واعلم أن: علامات الفجر الكاذب عكس علامات الصادق فهو:
[١] مستطيل لا معترض. [٢] ولا يتزايد.
[٣] ولا يتبين به النهار. [٤] ولا تخالطه حمرة.
والله أعلم.
стр. 135
الباب الثاني:
فيما جاء عن رسول ﷺ مبيناً به كلام ربه في الفجر
وفيه أطراف:
الطرف الأول:-[بيان علامات الفجر الأربع] -:
فيما يستفاد منه علامات الفجر الأربع؛ لأنه بيان لقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾ الآية. . قال الشعراوي (١): في «المنهج المبين في أدلة المجتهدين» - ملتقطاً من أبواب متفرقة -: (روى الشيخان: عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. الآية، عَمَدت إلى عقالين: عقال أبيض، وعقال أسود، فجعلتهما تحت
стр. 136
وسادتي، فجعلت أقوم من الليل، فأنظر، فلا يتبين لي، فلما أصبحت، غدوت إلى رسول ﷺ ، فأخبرته .. فضحك، وقال: «إن كان وسادك لعريض (١)، إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل» (٢). وفي رواية لهما عن سهل بن سعد، قال نزلت هذه الآية: ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ (﴾. ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم (على) (٣) رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب،
стр. 137
حتى يتبين له رِئْيُهما، فأنزل الله بعد ذلك: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. فعلموا بذلك أنه إنما يعني بذلك: الليل والنهار (١). وروى البيهقي (٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الفجر: فجران: فأما الأول: فإنه لا يحرم الطعام، ولا يحل الصلاة، وأما الثاني: فإنه يحرم الطعام، ويحل الصلاة» (٣).
وروى
стр. 138
البخاري ((١)، وغيره: أن رسول الله ﷺ قال: «إن بلالاً ينادي بليل، فكلوا، واشربوا .. حتى ينادي ابن أم مكتوم». قال ابن شهاب: (وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى، لا ينادي .. حتى يقال له: أصبحت، أصبحت) (٢). وفي رواية: (أذِّن»). وفي «تيسير (الأصول)» (٣) للديبعي (٤)): (عن أبي موسى رضي الله
стр. 139
عنه (١): «أن النبي ﷺ أتاه رجل سائل فسأله عن مواقيت الصلاة .. فلم يرد شيئًا، قال: وأمر بلالاً .. فأقام الفجر حين انشق الفجر» (٢). الحديث بطوله، قال أخرجه مسلم، واللفظ له، وأبو داود، والنسائي ((٣)(٤). وفيه: (عن بريدة ﵁: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن وقت الصلاة، فقال له: «صل معنا هذين اليومين» (٥)، فلما زالت الشمس .. أمر بلالاً فأذن - إلى
стр. 140
أن قال -: «ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر الحديث». قال: (أخرجه مسلم والترمذي، والنسائي (١). وفيه - من حديث [عبد الله بن] (٢)
عمرو بن العاص - رضي الله [عنهما] (٣) -: (أن رسول الله ﷺ قال: «ووقت الصبح من طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس». أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي (٤). وفيه - من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن أول
стр. 141
الفجر حين يطلع الفجر، وأن آخر وقتها حين تطلع الشمس» أخرجه الأربعة ((١) إلا أبا داود، وهذا لفظ الترمذي ((٢) انتهى.
وإذا تقرر ما مرّ في الباب الأول عن «القاموس»،
و «النجم الوهاج» للدميري، و «حاشية شرح التحرير» للقليوبي، و «القول التمام»، و «مغني» الشربيني أن: الصبح - في لغة العرب -: هو الفجر: وهو البياض المشرب بالحمرة. وعَلِمْتَ هذه الأحاديث الواردة عن أفصح العرب ﷺ .. تحققت أنه ﷺ أراد بقوله: «إنما ذاك بياض النهار» الضوء المعترض المتزايد المبين للنهار المشرب بالحمرة، وكذا قوله: (وأما الثاني الخ)، وقوله: «فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم»، وتبيين ابن شهاب أنه: «لا ينادي حتى يُقال له أصبحت، أصبحت»، وقوله ﷺ : «ووقت الصبح من طلوع الفجر»، وقوله: «وإن أول الفجر حين يطلع الفجر»، وأمره بلالاً بإقامة الفجر حين
стр. 142
انشق الفجر، وقول سهل (بن سعد) (١): (لما نزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا بذلك أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار). كلها تفيد ذلك، لكننا نذكر لكل علامة طرفاً يخصها، زيادة إيضاح وبيان واعتناء بهذا الشأن، الذي اعتنى ببيانه أفضل الإنس والجان ﷺ .
الطرف الثاني: -[العلامة الأولى: الاعتراض] -
في أن الفجر هو المعترض جنوباً وشمالاً: وفي «المنهج المبين»:
(وروى مسلم، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا» وحكى حماد بيده وقال ((٢): (يعني: معترضاً) ((٣). وروى البيهقي مرسلاً، عن محمد بن عبد الرحمن بن
стр. 143
ثوبان أن: رسول الله ﷺ قال: «هما فجران، فأما الفجر الأول: - الذي كأنه ذنب السِّرحان - .. فإنه: لا يحل شيئاً ولا يحرمه، وأما المستطيل: الذي يأخذ بالأفق، فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام» ((١)، ولما ذكر حديث: بيان جبريل ﵇ الأوقات
стр. 144
للنبي ﷺ ((١) عن ابن عباس ((٢)
﵄، قال: (وفي بعض طرق الحديث: «ثم جاء - يعني: جبريل - حين سطع الفجر
стр. 145
للصبح، فقال: قم يا محمد فصل، فصلى بي الصبح» (١).
قال في «القاموس»: (سَطَعَ الغُبار: كمَنَع، سُطوعاً، وسَطيعاً، (كأَميراً) (٢)، وهو قليل: ارتفع، وكذا البرقُ، والشعاعُ، والصبحُ) (٣). وفي «الصحاح»: (سطع الغبار والرائحة والصبح، يسطع سطوعاً: إذا ارتفع). وفي «القاموس»: